← Акыда

Акыда · id 1274

إحياء الآثار دراسة عقدية

منيرة المقوشي

Полный текст (616 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ (ت: ١٢٠٦ هـ): ومن نسب جمهور أصحابه ﷺ إلى الفسق والظلم، وجعل اجتماعهم على الباطل فقد ازدرى بالنبي ﷺ ، وازدراؤه كفر (١). ٣ يترتب على تكفير الصحابة ﵃ والطعن فيهم، إسقاط جميع مروياتهم ﵃، فلما أسقطوها وردوها لم يبقَ لهم من السُّنَّة ما يكفي للعبادة، وفهم مقاصد الشرع الحنيف، ففقدوا بذلك مرجعية السُّنَّة في معظم مسائل الدين، وانغمسوا في رذيلة الكذب على النبي ﷺ ؛ لتعويض ذلك النقص، فعبدوا الله على غير ما شرع فضلوا وأضلّوا! (٢). ٤ الصحابة ﵃ هم حملة لواء السُّنَّة، وهم الطبقة المعاصرة لرسول الله ﷺ في الزمان، المطلعة على أحواله قولاً وفعلاً، الأمينة في وصف أحواله ﷺ صغيرها وكبيرها، الحريصة على أن تحفظ وتنقل الدين كاملاً عن رسول الله ﷺ . فما وصلت إلينا سُنَّة رسول الله ﷺ إلا من خلال الصحابة ﵃؛ بل إن الدين كله وصل إلينا من خلالهم ﵃. حتى صار المسلمون بفضل الله ثم بفضلهم يعيشون في أحواله ﷺ كافة، وكأنهم يرون هيئاته ﷺ ، جزاهم الله عن الأمة خيرًا. فالمتشبث بهذه الشبهة ممن يرفض الأخذ عن الصحابة ﵃ بحجة أنهم ليسوا عدولاً؛ نسأله: من هم العدول الذين يأخذ عنهم دينه، وأنى له معرفة شرائع الإسلام؟ ومن أين سيأخذ أحكام الدين، ويعرف ما يحل وما يحرم، وما يأخذ أو يدع في شؤون الحياة جميعها. فمن رفضهم ﵃ فقد رفض آثار رسول الله ﷺ النبوية المروية، وكان لهذا الرفض الأثر الوخيم عليهم في ابتداعهم في الدين، واعتناقهم عقائد

стр. 387

منحرفة، ومزاولتهم شرائع باطلة لا تمت إلى الإسلام بصلة؛ بل تُناقض الإسلام وتعارضه. وقد انتهى بهم الأمر إلى أن نقضوا عرى الإسلام، وكفّروا الأمة المسلمة، وما كفرت الأمة ولكن الظالمين كفروا، يهدمون الدين بحجة الحرص عليه، ويكفرون بالقرآن وهم يزعمون الاستمساك به والاعتماد عليه (١). * الشبهة الثانية (٢): دعوى معارضة العقل للنقل، وأنّ العقل مقدّم على النّقل عند التّعارض؛ بحجة أن الآثار النبوية الحديثية المروية نقلية ظنية لا تفيد اليقين (٣)؛ لاحتمالها الخطأ، والمجاز، والتخصيص، والنسخ، وأن دلالة المعقولات قطعية، وعليه فتُقدّم المعقولات على نصوص الشرع وكذلك المحسوسات (٤)؛ لأن العقل بزعمهم هو الأصل والعمدة في الشرع وفي كل الأمور. تفنيد هذه الشبهة: ١ الإسلام وسط بين الملل، وأهل السُّنَّة وسط بين النحل، فالوسطية شأنهما في جميع الأمور، لا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا إجحاف، ومن بينها العقل، الذي كانوا يأخذون ويأمرون به. فأهل السُّنَّة لا يغلون في العقل، ولا ينكرونه، ولا يحجرون عليه؛ بل يعتقدون أن للعقل مكانة سامية، وأن الإسلام يقدّر العقل، ويتيح له مجالات النظر والتفكّر، وفي الوقت نفسه لا يغلون فيه، ولا يجعلونه حاكمًا على نصوص الشرع؛ بل يرون أن للعقل حدًّا يجب أن يقف عنده؛ حتى لا يكون وبالاً على صاحبه.

стр. 388

فالعقل عند أهل السُّنَّة له مكانته اللائقة به، وهم في ذلك وسط بين طرفين (١): الطرف الأول: من جعل العقل أصلاً كليًّا أوليًّا، يستغني بنفسه عن الشرع. الطرف الثاني: من أعرض عن العقل، وذمه وعابه، وخالف صريحه، وقدح في الدلائل العقلية مطلقًا. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبينًا وموضحًا مكانة العقل عند أهل السُّنَّة: … العقل شرط في معرفة العلوم وكمال وصلاح الأعمال وبه يكمل العلم والعمل؛ لكنه ليس مستقلًّا بذلك؛ بل هو غريزة في النفس وقوة فيها بمنزلة قوة البصر التي في العين؛ فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار. وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن إدراكها وإن عُزل بالكلية: كانت الأقوال والأفعال مع عدمه، أمورًا حيوانية قد يكون فيها محبةٌ ووجدٌ وذوقٌ كما قد يحصل للبهيمة، فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة والأقوال المخالفة للعقل باطلة … لكن المسرفون فيه قضوا بوجوب أشياء وجوازها وامتناعها لحجج عقلية بزعمهم، اعتقدوها حقًّا وهي باطل، وعارضوا بها النبوات وما جاءت به، والمعرضون عنه صدَّقوا بأشياء باطلة ودخلوا في أحوال وأعمال فاسدة وخرجوا عن التمييز الذي فضل الله به بني آدم على غيرهم (٢) ٢ أن الله خلق العقول، وأعطاها قوة الفكر، وجعل لها حدًا تقف عنده من حيث إنها مفكرة، لا من حيث إنها مُشرّعة، فإذا استعملت العقول أفكارها فيما هو في طورها وحدّها ووفت النظر حقه، أصابت بإذن الله، وإذا سلطت الأفكار على ما هو خارج عن طورها ووراء حدها الذي حده الله

стр. 389

لها، ركبت متن عمياء، وخبطت خبط عشواء، فلم يثبت لها قدم، ولم ترتكن على أمر تطمئن إليه (١). فإدراك العقل له حد ينتهي إليه لا يتعداه، ولم يجعل الله ﷻ له سبيلاً إلى الإدراك في كل مطلوب، ولو كان كذلك لاستوت مع الباري في إدراك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون، إذ لو كان كيف كان يكون؟ فعلم الله ﷻ لا يتناهى، وعلم العبد متناهٍ، والمتناهي لا يساوي ما لا يتناهى (٢). ٣ من المعلوم قطعًا و يقينًا أن كل ما جاءت به الشريعة لا يُعارض العقل، لكن أي عقل هو؟ العقل الصريح؛ أي: السالم من الشبهات، والشهوات، وليس العقل المشوب بشبهة التبست عليه وخلطت الحق بالباطل، أو شهوة ظهرت له فاتبع هواه، فكل ما جاءت به الشريعة فإنه لا شك موافق لصريح المعقول ولا يمكن أبدًا أن يخالفه (٣). ٤ يستند العقل في أحكامه إلى معطيات الحس، التي تأتيه عبر رسله؛ كالسمع والبصر، وغيرهما من الحواس، وهذه تنقل بدورها إدراك أشياء موجودة مشهودة، تقع على الحواس مجتمعة أو منفردة، فيقوم العقل بعملية التركيب والتحليل، والتجميع والتفريق، وقياس الأشباه والنظائر، ثم استنباط القواعد، واستخراج النتائج، وإصدار الأحكام، وهو في كل هذا العمل إنما يعتمد على معطيات حسية، لها وجود مشهود، ولو تعدى هذا المجال لنطق بغير علم، وحكم من غير هدى (٤). ٥ لن يهتدي العقل إلا بالشرع، والشرع لا يتبين إلا بالعقل، فالعقل

стр. 390

كالأُس، والشرع كالبناء، ولن يغني أسٌّ ما لم يكن له بناء، ولن يثبت بناءٌ ما لم يكن له أسٌ. وأيضًا العقل كالبصر والشرع كالنور ولن يغني البصر ما لم يكن نور من خارج، ولن يغني النور ما لم يكن له بصر. كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ *يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *﴾ [المائدة]. وأيضًا العقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمده، فإن لم يكن زيت لم يحصل السراج، وما لم يكن سراج، ولم يضئ الزيت. كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقَيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥]، والله هو الهادي. وأيضًا الشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل، وهما متعاضدان بل متحدان، ولكون الشرع عقلاً من خارج سلب الله تعالى اسم العقل من الكافر في غير موضع من القرآن (١). وجاء في موضعين من القرآن الإشارة إلى أن الهداية بالشرع، لا بالعقل، كما في قوله تعالى في سورة الأنبياء آية [٧٣]، وسورة السجدة ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ آية [٢٤]. وقد أخبر تعالى بأن هدايتهم بما أمر به على لسان رسوله ﷺ لا بمقتضى عقولهم، وآرائهم وسياساتهم وأذواقهم وتقليد أسلافهم بغير برهان من الله؛ لأنه ﷻ قال: ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣] (٢).

стр. 391

٦ امتن الله على الإنسان بأن منحه نعمة العقل الذي يميزه عن سائر المخلوقات من الحيوانات وغيرها (١)؛ فقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ *﴾ [الملك]. قال الإمام ابن جرير الطبري ﵀: فبالسمع تسمعون، وبالأبصار تبصرون، وبالأفئدة تعقلون، ولكن قليلاً ما تشكرون (٢). فالعقل له منزلة عند أهل السُّنَّة والجماعة لا تُنكر، ومجالاته كثيرة، وجديرة عن أن تُذكر (٣)، وهذه النعمة هي التي ترفع صاحبها إلى مستوى التكاليف الشرعية الإلهية، وتؤهله لإدراكها وفهمها؛ فالعقل مناط التكليف (٤). ٧ تفاوت العقول في الفهم والإدراك، يدل على أن لكل واحد منها حدًّا وغايةً في إدراك الأشياء ينتهي إليه، ولا يتعداه، فالعقل لا يدرك كل ما جاء به الرسول ﷺ أو أخبر عنه؛ فمداركه ليست شاملة (٥). كما قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: ليس في السُّنَّة قياس ولا تضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول وإنما هو الاتباع (٦). وعلّق شيخ الإسلام ابن تيمية على قول الإمام أحمد بقوله: عقول الناس لا تدرك كل ما سنَّه رسول لله ﷺ ؛ فإنها لو أدركت ذلك لكان علم الناس كعلم الرسول ﷺ ولاستغنوا عن الرسول ﷺ (٧). ٨ لا يُعلم حديث واحد يخالف العقل أو السمع الصحيح إلا وهو عند أهل العلم ضعيف بل موضوع؛ بل لا يُعلم حديث صحيح عن النبي ﷺ

стр. 392

في الأمر والنهي أجمع المسلمون على تركه إلا أن يكون له حديث صحيح يدل على أنه منسوخ، ولا يعلم عن النبي ﷺ حديث صحيح أجمع المسلمون على نقيضه فضلاً عن أن يكون نقيضه معلومًا بالعقل الصريح البيِّن لعامة العقلاء فإن ما يعلم بالعقل الصريح البيِّن أظهر مما لا يعلم إلا بالإجماع ونحوه من الأدلة السمعية (١). فتقديم النقل الصحيح على العقل الفاسد المعارض له، واجب؛ بل هو أصل من أصول الإسلام (٢). ٩ من الخطأ مقابلة العقل بالنقل، إذ إن العقل يقابله الجنون! وهذه المقابلة بين العقل والنقل أثر من آثار الثنائيات المتناقضة التي نادت بها المسيرة الفكرية الغربية (٣)، وهي مسيرة سبقهم بها إبليس لما أعرض عن السجود لآدم ﵇ وقدّم عقله الفاسد على أمر الله ﷻ ، فكان هو أول من قدّم رأيه وعقله على أمر الله وشرعه، ووافقه على ذلك أهل البدع وسلكوا مسلكه (٤). وعلى هذا؛ فإن القائلين بتحكيم العقل وتقديمه على النقل من المعتزلة، والرافضة (٥)، والأشاعرة (٦)، ومن نحا نحوهم من العقلانيين الذين هم أفراخ المعتزلة حيث ضلوا عن سواء السبيل، وأسسوا دينهم على معقولات من عند أنفسهم مع اختلافهم وتنازعهم فيها وسموها قطعيات، وجعلوا النصوص تبعًا لها، فإن أفصحت النصوص بموافقتها أخذوا بها معتضدين، وإن خالفت ردوا ألفاظها بالطعن والتشكيك والتكذيب، أو معانيها بالتأويل والتحريف، والتفويض، والتعطيل.

стр. 393

فنهجوا بذلك نهج من استغنى عن النبوة بهواه، وعن الوحي برأيه، حتى ثقل عليهم الإيمان بحقائق أسماء الله وصفاته ، ونصوص البرزخ والبعث، والحساب والجزاء، والميزان، والصراط، لعدم إدراكهم لها بعقولهم! (١). ولقد تصدى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ للرد على المخالفين لمنهج أهل السُّنَّة القائلين بتقديس العقل وتقديمه على النقل، وأفحمهم بالحجج والبراهين القوية في كتابه المبارك الجامع الناجع النافع: درء تعارض العقل والنقل. وأشار إلى هذا الكتاب العالم ابن القيم ﵀ في نونيته بقوله (٢): واقرأ كتاب العقل والنقل الذي ما في الوجود له نظير ثان وقد أكّد الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ على ذلك في تعليقه على النونية، مشيرًا إلى كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: وهو كتاب عظيم … ويريد بما في الوجود من الكتب المؤلفة في بابه، رأيته [كأنه] يقول: أنا مستعد لكل من أتى بدليل من كتاب الله أو من صحيح سُنَّة رسول الله ﷺ كل من أتى بدليل يستدل به على باطل، فأنا مستعد أن أجعله دليلاً عليه لا له. انظر القدرة والله يؤتي فضله من يشاء، فكل ما يستدل به أهل الباطل من كتاب الله أو صحيح السُّنَّة فإنه دليل عليهم وليس دليلاً لهم، وهذه قدرة في معرفة المعاني وكيف يرد الشيء، أو كيف يرد الخنجر في صدر من عدا به، إذا كان عدوانه على باطل (٣). وكذلك بذل أبو الحسن الأشعري ﵀ جهدًا كبيرًا بعد انسلاخه عن المعتزلة في بيان خطئهم في تقديس العقل وسلطانه على كل القضايا، دينية كانت أو دنيوية، وإثبات أن التمسك بالنصوص الدينية الشرعية، والآثار المروية، لا يعارض العقل.

стр. 394

* الشبهة الثالثة: عدم الاحتجاج بأحاديث الآحاد؛ بحجة أنها ظنية وتحتمل الصدق والكذب من الراوي، وأنها لا تؤدي أداء الشهادة (١). تفنيد هذه الشبهة (٢): ١ جاء الأمر بقبول خبر الآحاد في القرآن، وجرى العمل عليه في شرع الله، قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، وقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ولم يشترط شهادة التواتر (٣). ٢ أن خبر الواحد العدل يقبل، وهو مفهوم المخالفة من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ *﴾ [الحجرات]، وكما بوّب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام. ٣ ما جاء عن الرسول ﷺ من إرسال أمرائه ورسله، وقضاته؛ لتبليغ الأحكام، والقضاء، وأخذ الصدقات، وتبليغ الرسالة (٤). ٤ إجماع الصحابة وجماهير المسلمين على قبول خبر الآحاد (٥)، فقد اشتهر ذلك عنهم في وقائع لا تنحصر، منها: أ عند تحويل القبلة، فقد كان المصلون من أهل قباء مستقبلين بيت

стр. 395

المقدس، فبخبر الواحد استداروا جهة الكعبة وهم في الصلاة (١). ب لما كان جماعة من المسلمين يشربون فضيخ بُسر ولم يُحرّم يومئذ من الأشربة شيء فأتاهم آت فأخبرهم أن الخمر قد حرّمت، فأمروا بكسر جرار شرابهم فجرت في سكك المدينة (٢). * الشبهة الرابعة: عدم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقائد وقبولها في الأحكام، وأن خبر الواحد يوجب العمل ولا يوجب العلم (٣). تفنيد هذه الشبهة (٤): والأدلة في فساد هذه الشبهة ونقضها هي نفسها أدلة الرد على الشبهة السابقة، فإن الذين نقلوا لنا أحاديث العقائد هم الذين نقلوا لنا أحاديث الأحكام (٥). يقول ابن قيم الجوزية ﵀: ولم يفرق هو [أي: الإمام الشافعي ﵀] (٦) ولا أحد من أهل الحديث ألبته بين أحاديث الأحكام وأحاديث الصفات، ولا يعرف هذا الفرق عن أحد من الصحابة، ولا عن أحد من التابعين، ولا من تابعهم، ولا عن أحد من أئمة الإسلام، وإنما يعرف عن رؤوس أهل البدع ومن تبعهم (٧)

стр. 396

فالذي لا يقبل خبر الآحاد يعزل نفسه عن الحياة والمعرفة، فلا يقبل الأخبار العلمية، ولا السياسية، ولا الاجتماعية، ولا التاريخية، ولا النصوص الشرعية (١). وبهذا يتبين أن الشبهات التي أوردها أعداء الإسلام ضد الآثار النبوية الحديثية المروية قديمًا وحديثًا هي شبهات واهية لا تقف أمام الحقائق العلمية، ولا تروج على من عنده علم من الكتاب والسُّنَّة بفهم سلف الأمة، وإنما قد تنطلي على جهلة المسلمين وعوامهم وما أكثرهم في هذا الزمان. وإن العصمة من الزلل والانحراف العقدي الفكري والسلوكي إنما تكون بطلب العلم الشرعي من مصادره الصافية، ومن هنا وجب على كل مسلم أن يسعى للتفقه في الدين، ويرفع الجهل عن نفسه وعن غيره، ويتحصن به خصوصًا في هذا الزمان الذي عج بالفتن، وتخبط الناس فيه بين الشبهات والشهوات. هذا هو موقف الأمة منذ صدر الإسلام إلى يومنا هذا، يعتقدون ويعملون بالحديث الصحيح، ولم يفرقوا بين حديث رواه واحد أو اثنان، وبين حديث رواه أربعون، فما أبعد منكري السُّنَّة عن الحق، في كل شبهاتهم التي يثيرونها حول إنكار الآثار النبوية الحديثية الثابتة والصحيحة فضلاً عن إحيائها، وغلوهم في آثار مقامات النبي ﷺ المكانية، وإحيائهم لآثار المواسم الزمانية المحدثة، كما سيأتي بيانه في موضعه. المسألة الثانية: الشبهات المتعلقة بآثار المواسم الدينية الزمانية: أغلب الشبهات التي تُثار حول آثار المواسم الزمانية المُحدثة متقاربة ادّعاءاتها، ومتشابهة التباساتها، إن لم تكن تحمل نفس الطابع والدافع لإحيائها؛ لأجل ذلك سأقتصر في إيراد بدعة إحياء ذكرى المولد النبوي التي اغتر كثير بها، وتداولوا شبهاتها في الكتب والرسائل، والجلسات الحوارية، ووسائل التواصل الاجتماعية، ولقيت قبولاً عند العوام؛ لارتباط الذكرى

стр. 397

بالنبي ﷺ ؛ اعتقادًا منهم أنها قربةٌ إلى الله وتحقيقٌ لمحبة النبي ﷺ ، ينالون منها الأجر والثواب. والقائلون بهذه البدعة أرادوا إضفاء الصبغة الشرعية عليها، فاحتجوا ببعض الشبهات مستندين على الأدلة الضعيفة، والاستدلالات الباطلة، تأويلاً لها بما يوافق أهوائهم، وعقائدهم الفاسدة. فكانوا كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ *﴾ [الجاثية]. والقصد هنا هو الإشارة والتنبيه إلى أبرز الشُبه المثارة حول إحياء ذكرى المولد النبوي، إذ إن القائلين يستندون إلى حجج واهية، وليس هذا مجال حصرها؛ لأن استقصاءها والإحاطة بها، يحتاج إلى رسالة مستقلة. فسأذكر بشكل موجز بعض الشبهات التي يحتجون بها على مشروعية المولد، وردود العلماء على هذه الشُّبهات، وأنه ليس في احتجاجاتهم دليل صحيح يدل على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي. * الشبهة الأولى: (١) الاحتجاج بفعل النبي ﷺ لما قدم المدينة فوجد اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال لهم ﷺ : «مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟»، فقالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه، فصامه موسى ﵇ شكرًا، فنحن نصومه، فقال رسول الله ﷺ : «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ» (٢). فيدّعون أن هذا الحديث أصل ثابت في الشرع على إحياء ذكرى المولد النبوي، ويستفاد منه فعل الشكر لله على ما منَّ به في ذلك اليوم من إسداء

стр. 398

نعمة أو دفع نقمة، وأي نعمة أعظم من بروز النبي ﷺ في ذلك اليوم، ويعاد نظير ذلك اليوم من كل سنة. تفنيد هذه الشبهة: ١ صيام يوم عاشوراء له أصل شرعي جاء الدليل الثابت الصحيح على مشروعيته، وأيضًا له أصل تاريخي محفوظ يقينًا، فقياس الاحتفال بالمولد النبوي على صيام يوم عاشوراء قياس باطل، فاسد؛ لوجود الفارق، إذ إن المولد لم يثبت له أصل من الناحيتين: أ الناحية الشرعية: لم يأتِ دليل صحيح يخصص هذه الليلة بشيء، ولا يميّزها بالعبادة أو الاحتفال، ولم يكن معروفًا إحياء ذكرها عند الصحابة ﵃ والتابعين، بدليل أنهم لم يحفظوا تاريخ حصولها (١). ب الناحية التاريخية: لم يأتِ في الأحاديث الصحيحة، ولا في الأخبار الثابتة تعيين الشهر الذي حصل فيه المولد، فضلاً عن تاريخ اليوم، وكل ما ورد في تعيينه غير ثابت عن النبي ﷺ ، إلا يوم الاثنين (٢)، وما يحييه أهل البدع في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول من الاحتفال ظنًّا منهم بأنه التاريخ الموافق للمولد، هو في الحقيقة يوافق تاريخ وشهر وفاته ﷺ !! (٣). حتى ولو تحدد تاريخ المولد يقينًا، فلم يأتِ في الشرع دليل صحيح يحث على إحيائه. ٢ أن النبي ﷺ صام يوم عاشوراء، ورغب فيه، بخلاف الاحتفال بمولده، واتخاذه عيدًا، فإنَّه ﷺ لم يفعله، ولم يرغّب فيه، ولو كان في ذلك شيء من الفضل لبيَّن ذلك لأمته؛ لأنَّهُ ﷺ ما من خير إلا وقد دلَّهم عليه،

стр. 399

ورغَّبهم فيه، وما من شر إلا وقد نهاهم عنه وحذَّرهم منه، وهذه البدعة من الشر الذي نهاهم عنها، وحذرهم منها (١). ٣ الاستدلال بحديث عاشوراء على أن للمولد النبوي أصلاً شرعيًا، مخالف لما أجمع عليه السلف فهمًا وعملاً؛ فعدم عمل السلف الصالح بالنص على الوجه الذي يفهمه منه من بعدهم، يمنع اعتبار ذلك الفهم صحيحًا؛ لأنه لو كان هذا الحديث يُستدل به على إحياء ذكرى المولد النبوي لم يعزب عنه فهم السلف الصالح، ويفهمه من بعدهم! (٢). كما يُمنع اعتبار الاستدلال به؛ لأنه لو كان دليلاً عليه لعمِل به السلف الصالح، فاستنباط هذا الاستدلال من بعض المتأخرين مخالف لما أجمع عليه السلف المتقدمون، من ناحية فهمه، ومن ناحية العمل به، وما خالف إجماعهم فهو خطأ؛ لأنهم لا يجتمعون إلا على هدى (٣). ٤ إن إحياء ذكرى المولد لم يفعله الصحابة ﵃ ولا التابعون، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه، ولو كان فيه خيرٌ محض، أو راجحٌ لكان الصحابة ﵃ أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص (٤). ٥ ولو افترضنا تخريج بدعة إحياء المولد على نهي النبي ﷺ عن: أ اتخاذ قبره عيدًا؛ لقوله ﷺ : «وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا» (٥). ب إطرائه ورفعه فوق منزلته؛ لقوله ﷺ : «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابن مَرْيَمَ» (٦).

стр. 400

لقلنا: إن هذين الحديثين أولى وأقرب من تخريجها على صيام يوم عاشوراء. ويؤيد هذا التخريج أن الاحتفال بالمولد النبوي مبني على التشبه بالنصارى في اتخاذهم يوم مولد المسيح عيدًا، فعيد مولد المسيح عند النصارى، وعيد مولد النبي ﷺ عند المحتفلين به متشابهان ولا فرق، وكلاهما من ثمرة الغلو والإطراء وعواقبهما السيئة (١). فنخلص إلى أن حديث عاشوراء ثابت صحيح، ولكن الاستدلال به على المولد مردود باطل؛ لأن العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الرأي والاستحسان والابتداع (٢). * الشبهة الثانية (٣): الاحتجاج بأن إحياء المولد النبوي من السنن المباركة. ويستشهدون بقول النبي ﷺ : «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً … » (٤).

стр. 401

تفنيد هذه الشبهة: ١ إن السُّنَّة الحسنة تكون فيما له أصل في الشرع: كالصدقة التي هي سبب ورود الحديث (١)، فإذا عُرف سبب الحديث وتنزل المعنى عليه، تبيَّن أن المراد بسن السُّنَّة سن العمل بها، وليس سن التشريع؛ لأن التشريع لا يكون إلا لله ورسوله، وأن معنى الحديث: من سن سُنَّة؛ أي: ابتدأ العمل بها واقتدى الناس به فيها، كان له أجرها وأجر من عمل بها، هذا هو المعنى المتعين للحديث (٢). ولو كان معنى الحديث أن الإنسان له أن يشرع ما شاء، لكان الدين الإسلامي لم يكمل في حياة رسول الله ﷺ ، ولكان لكل أمة شرعةٌ ومنهاج (٣). ٢ المقصود بالحديث: أن السنن الشرعية هي التي سنّها رسول الله ﷺ ، أو سنّها أحد الخلفاء الراشدين المهديين وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃. وأما ما سوى ذلك فهو من المحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ ، وأخبر أنها شر وضلالة، ومن ذلك الاحتفال بالمولد النبوي؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر بذلك، ولم يفعله، ولم يأمر به أحدًا من الخلفاء الراشدين، ولم يفعله أحد من الصحابة ﵃، ولا التابعين وتابعيهم بإحسان (٤)، وعلى هذا فهو بدعة وضلالة يجب ردها لقول النبي ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٥). ٣ أن معنى: من سن في الإسلام سُنَّة حسنة؛ أي: أتى بطريقة مرضية يشهد لها أصل من أصول الدين، … ومن سن في الإسلام سُنَّة شر أو سيئة؛

стр. 402

أي: طريقة غير مرضية لا يشهد لها أصل من أصول الدين (١)، ولا شك أن المولد من سنن الشر التي يترتب عليها عظيم الوزر، لما فيه من المعارضة لنهي النبي ﷺ (٢). ٤ يلزم المسلم الجمع بين الأحاديث وعدم الأخذ بحديث دون آخر، فإنَّ الذي قال: «مَنْ سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حسَنةً … » (٣) هو القائلُ: «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ الراشدينَ المهديِّينَ مِنْ بَعدي، تمسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجِذ، وإيَّاكم ومُحْدَثاتِ الأمورِ؛ فإنَّ كلَّ مُحْدَثةٍ بِدعةٌ، وكلَّ بِدعةٍ ضَلالةٌ» (٤)، وهو القائِل: «مَنْ أحْدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ» (٥)، فهذه أحاديث صحيحة، يتعيّن الأخْذُ بها جميعًا، والتوفِيقُ بينها. ٥ من اللوازم الفاسدة التي تُلزم من يعتقد أن القيام بذكرى المولد النبوي سُنَّة مباركة وفعل مستحسن محمود: أ أن الشرع لم يكمل بعد عندهم، فلا يكون لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، معنى معتبر، ومُحسن الظن منهم يتأولها حتى يخرجها عن ظاهرها (٦). ب أنهم انفردوا بهذا الفضل عن القرون الثلاثة المفضلة الأولى، واختصوا به عمن قبلهم، وحصل لهم العمل بسُنَّة حسنة مباركة محمودة لم تحصل للنبي ﷺ ولا لأصحابه ﵃، وأنهم أتقى لله تعالى من رسوله ﷺ وأصحابه ﵃، وأحرص على الخير منهم، وهذا لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل ودين (٧).

стр. 403

* الشبهة الثالثة (١): الاحتجاج بأن إحياء المولد النبوي من البدع الحسنة. ويستشهدون بقول الخليفة الراشد أمير المؤمنين عُمر بن الْخطَّابِ ﵁ عندما أمر بجمع الناس فِي رمضان لأداء صلاة التراويح في الْمَسْجِد، فلما رآهم بعد تنفيذ أمره ﵁، قَالَ: نِعْمَتُ الْبِدْعَة هَذِهِ (٢). تفنيد هذه الشبهة: ١ هذا جمع بين حق وباطل، أما الحق فهو التصريح بأن المولد بدعة، وهذا التصريح يلائم ويوافق الأحاديث الواردة في التحذير من البدع، وأما الباطل فهو إضافة الحسنة إلى البدعة؛ وهذه الإضافة غير صحيحة، إذ لا دليل عليها من كتاب ولا سُنَّة (٣). ٢ ليس في الدين بدع حسنة، ووصفها بالحسن من مجازفات أهل الغلو والإطراء (٤)، وهذا القول مخالف لعموم قوله ﷺ : «وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (٥)؛ لأن البدعة محمولة عند العلماء على عمومها، ولا يستثنى منها شيء ألبته، وليس فيها ما هو حسن أصلاً، إذ لا حسن إلا ما حسّنه الشرع (٦). وممَّا يُؤيِّد ذلك أن الاستحسان يعتبر من الأصول الموهومة التي يُظن أنها من أصول الأدلة وليس منها، وقد قال به الإمام أبو حنيفة ﵀ (٧). وقال الإمام الشافعي ﵀: من اسْتَحْسنَ فقد شَرَّعَ (٨).

стр. 404

ولا يُتصَوَّر ممَّن يرَى الاستحسانَ، أنْ لا يستحسن أي أمر من الأمور إلا بدليل، فضلاً عن استحسان البدع والمحدثات التي لا دليل عليها. ويطول حصر كلام العلماء في إنكار تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، ولا يتسع المقام لذكره؛ لأجل ذلك سأكتفي بإيراد ثلاث نقولات عن أهل العلم: أ قال إمامُ دارِ الهجرة مالكُ بن أنسٍ ﵀ (ت: ١٧٩ هـ): أن من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣]، فما لم يكن يومئذ دينًا؛ فلا يكون اليوم دينًا (١). ب قال أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ (ت: ٢٢٤ هـ): البدع والأهواء كلها نوع واحد في الضلال (٢). ج قال الحافظ ابن رجب ﵀ (ت: ٧٩٥ هـ): فقوله ﷺ : «كل بدعة ضلالة»: من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا ما لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» (٣)؛ فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه؛ فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة (٤). ٣ أن الاحتجاج بقول أمير المؤمنين عمر ﵁ وما فعله من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان هو سُنَّة مندوب إليها لأمرين (٥): أ أن النبي ﷺ قد صلى بالناس ثلاث ليال في رمضان، ثم قطع ذلك خشية أن يفرض على أمته، وما فعله النبي ﷺ فهو سُنَّة وليس ببدعة. ب أن النبي ﷺ قال: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ،

стр. 405

تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (١)، فهذا النص الصحيح يدل على أن ما فعله عمر ﵁ من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان فهو سُنَّة وليس ببدعة. فقوله ﵁: «نعمتُ البدعة هذه» إطلاق كلمة البدعة لغوي لا شرعي (٢)، إذ إن مفهوم البدعة في اللغة أوسع منه في الشرع، فلا تعني تسمية أمير المؤمنين عمر ﵁ لها: «بدعة» أنها بدعة في الدين، وإنما سماها باعتبار ظاهر الحال (٣)، أو قد يكون من باب الرد والتنزّل في الحجة على من قال: إنها بدعة. فالإلزام بأنه ﵁ يقصد أنها بدعة حسنة، أو أن البدع منها ما هو حسن من حيث المبدأ؛ إنما هو تقوّل على أمير المؤمنين ﵁، وافتراء على الدين (٤). ويصح قول بدعة حسنة أو سيئة في البدع اللغوية الدنيوية، أما البدع الدينية الشرعية فلا تكون إلا سيئة (٥). والمتأمل في قول المحتجين بالجواز يجد أن هناك تناقضًا بين قولهم: سُنَّة مباركة وبين قولهم: بدعة حسنة، ففي الشبهة الثانية: تستلزم دعواهم الاستدراك على الشرع والدين، في تشريع سُنَّة لم يشرعها الله ولا رسوله ﷺ . وفي الشبهة الثالثة: تستلزم دعواهم مناقضة النصوص الثابتة عن النبي ﷺ ، في ذم البدع والتحذير منها، والأمر بردها.

стр. 406

* الشبهة الرابعة (١): احتجاجهم بقول النبي ﷺ عندما سئل عن صيام يوم الاثنين، قال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ … » (٢)، بأنه ﷺ كان يعظم يوم مولده، ويعبّر عن هذا التعظيم بالصوم، ويعتبرون هذا مسوغًا لدعوى الاحتفال. تفنيد هذه الشبهة: ١ لم يأتِ عن النبي ﷺ ما يدل على أنه صام يوم الاثنين؛ لأجل تعظيم يوم ولادته، أو لفضيلة شهر ربيع الأول، وإنما جاء عنه الترغيب في صيام يوم الاثنين والخميس أيضًا؛ لأجل إنهما يومان تُعرض فيهما الأعمال على الله ، وأنه ﷺ يحب أن يُعرض عمله على الله ﷻ وهو صائم (٣). فالنبي ﷺ لم يصم يوم ولادته، وهو اليوم الثاني عشر من ربيع الأول إن صح تحديدهم، وإنما صام يوم الاثنين الذي يتكرر مجيئه في كل شهر أربع مرات، ولو كان الأمر كما احتجوا به، لكان الترغيب في صوم يوم الاثنين مقصورًا على أيام الاثنين التي تكون في شهر ربيع الأول، دون غيره من بقية الشهور، فتبين أن هذا الاستدلال في غاية البعد والتكلّف، وبناء عليه فإن تخصيص يوم الثاني عشر من ربيع الأول، بعمل محدد دون يوم الاثنين من كل أسبوع، يعتبر استدراكًا على الشارع، وتصحيحًا وإكمالاً، وما أقبح هذا إن كان! (٤). ٢ ولو سلمنا للمراد من إقامة المولد وهو شكر الله تعالى على نعمة ولادة النبي ﷺ فيه وخروجه إلى الدنيا، فإن المعقول والمنقول يحتم أن يكون الشكر من نوع ما شكر الرسول ﷺ ربه به، وهو الصوم. وعليه يلزمهم الصيام كما صام ﷺ ، غير أن أرباب الموالد لا يصومونه؛

стр. 407

لأنَّ الصيام فيه مقاومة لشهوات النفس بحرمانها من لذة الطعام والشراب، وهم يريدون ذلك الطعام والشراب فتعارض الغرضان، فآثروا ما يحبون على ما يحب الله، وهذا بعينه أعظم الزلل عند أهل البصائر والنهى (١). ٣ لا ننكر مشروعية صيام الاثنين، فصومه مستحب على طوال العام، لا في وقت دون آخر، ولكن قياس ما هو مشروع وهو الصيام على ما لم يشرع وهو الاحتفال، قياس باطل، عاطل، فاسد، كاسد؛ لوجود الفارق (٢). * الشبهة الخامسة (٣): الاحتجاج برؤية منامية: رآها أحدهم في أبي لهب بعد موته، فقيل له: ما حالك؟ فقال: في النار، إلا أنه يخفف عني كل ليلة اثنين، وأمص بين أصبعي ماء بقدر هذا وأشار لرأس أصبعه وأن ذلك بإعتاقي لثويبة، عندما بشرتني بولادة النبي ﷺ وبإرضاعها له. فإذا كان أبو لهب الكافر، الذي نزل القرآن بذمه قد جوزي بالتخفيف عنه؛ لفرحة بليلة مولد النبي ﷺ به، فما حال المسلم الموحد من أمة النبي ﷺ الذي يسر بمولده. تفنيد هذه الشبهة: ١ أن هذا الخبر جاء مرسلاً وعلى ذلك لا يصح الاستدلال به؛ لأنه ضعيف (٤). إذ إنه لم يثبت من طريق صحيح أن أبا لهب فرح بولادة النبي ﷺ ، ولا إن ثويبة بشرته بولادته، ولا إنه أعتق ثويبة من أجل البشارة بولادة النبي ﷺ ، فكل هذا لم يثبت، ومن ادّعى ثبوت شيء من ذلك، فعليه إقامة الدليل على ما ادَّعاه، ولن يجد إلى الدليل الصحيح سبيلاً (٥).

стр. 408

وعلى تقدير مجئ الخبر موصولاً، فهو رؤيا منامية ولا حجة فيه، أضف إلى ذلك أن الرائي الذي رآها في منامه لم يكن إذ ذاك أسلم بعد! فلا يحتج به (١). ٢ لو سلمنا بصحة الخبر، فثويبة لم تعتق في يوم ولادة النبي ﷺ ، وإنما أعتقها أبو لهب بعد الهجرة (٢). خلاصة القول في حكم إحياء ذكرى المولد النبوي وما يترتب على إقامته وإحيائه: ١ ليس له أصل في الشرع، وهو من الابتداع في الدين؛ لأن أصحاب القرون الثلاثة المفضلة لم يحيوا ذكره، ولم يحتفلوا به؛ إذ إن منشأ هذه البدعة من الرافضة. ٢ فيه تشبه بالنصارى في إحيائهم ذكرى مولد عيسى ﵇. ٣ يؤدي إلى مفاسد عقدية، ومخالفات شرعية كثيرة: كالغلو والمبالغة في تعظيم النبي ﷺ ودعائه والاستغاثة به، وطلب المدد، وإلقاء القصائد الشركية (٣)، التي فيها غلو وإطراء، يتخللها سوء أدب (٤)، واعتقاد أنه ﷺ يعلم الغيب، ويحضر لاحتفالهم. وأيضًا لا تخلو هذه الاحتفالات من اشتمالها على منكرات أخرى كاللهو والإسراف، وإضاعة الأموال والأوقات، واختلاط النساء بالرجال، واستعمال الأغاني والمعازف، وغير ذلك من الشرور التي تحصل حين الاحتفال بالمولد. ٤ إحياء بدعة المولد يفتح بابًا للبدع الأخرى، مما يؤدي إلى الانشغال عن الفرائض والسنن، لذلك نجد أهل البدع ينشطون لإحياء البدع، ويكسلون عن إحياء السنن.

стр. 409

٥ محبة النبي ﷺ تتحقق بإحياء سُنَّته، بطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وبأن لا يُعبد الله إلا بما شرع، بهذا تتحقق المحبة الصادقة. هناك ثلاث أسئلة موجهة للمجيزين الاحتفال بالمولد النبوي، وهم مطالبون بالإجابة عنها، وهي: س ١/ هل القيام بالمولد النبوي طاعة أم معصية؟ س ٢/ هل عَلِمَها النبي ﷺ أم جَهِلَها؟ س ٣/ هل بلّغها النبي ﷺ للأمة؟ ولا عبرة للمحتجين باستحسان بعض العلماء المتأخرين المجيزين للمولد النبوي واشتراطهم عدم اصطحاب المنكرات، مع أن بعض من أجازها أقر بأنها أمر محدث! (١). إذ إن الاحتفال في أصله مخالف للذين؛ فإنهم خالفوا الأصول الشرعية والقواعد المرعية؛ لإن العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الرأي والاستحسان والابتداع. ولو افترضنا أن القائل بالجواز عالمٌ يُعتدّ به، فكلام العالم ليس دليلاً شرعيًّا يُحتج به؛ بل هو اجتهاد منه فإن وافق الكتاب والسُّنَّة كان صوابًا، وإن خالفهما كان خطأ باطلاً، وقد يكون معذورًا عند الله ﷻ ؛ لأنه بذل وسعه، ولا يجوز متابعته على خطئه مع الثناء والدعاء له. فالمتقدمون من السلف الصالح صانوا الدين، وتصدوا للردّ على البدع والمحدثات، ولا يسعنا إلا اتباع أصحاب القرون المفضلة الثلاثة الأولى، والسير على نهجهم. قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة (٢).

стр. 410

وقال ﵁: من كان منكم متأسيًا فليتأس بأصحاب محمد ﷺ ؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالاً، قومًا اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم (١). وقال أيضًا ﵁: إنكم اليوم على الفطرة، وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول (٢)، وقال ﵁: عليكم بالسمت الأول (٣). وبعد استعراض بعض من الشبهات التي يلوح فسادها للبصير بأدنى نظر، لا يسع المسلم الباحث عن الحق إلا أن يتبع ويسلّم للمنهج القويم الذي كان عليه السلف الصالح، المتبع للنبي ﷺ ، وذلك برهان محبته ﷺ ، فمن يزعم محبته، ويخالف هديه، يصدق عليه قول القائل: لَوْ كانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأَطَعْتَهُ إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ (٤) ومن محبتة ﷺ إحياء سُنَّته، ومجانبة ما خالفها، لكن لمّا كَثُر المدَّعونَ للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم لَادَّعى الخَلِيُّ حُرْقةَ الشَّجيّ، فتنوع المدَّعونَ في الشهود فقيل لا تقبل هذه الدَّعْوى إلا ببيّنة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]، فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه (٥).

стр. 411

يقول العالم محمد البشير الإبراهيمي الجزائري ﵀ (ت: ١٣٨٥ هـ): إن محمدًا ﷺ يطالبكم بإقامة الدين لا بإقامة المولد (١). وأما الذي يتعصب للبدع ويهواها ويدافع عنها، سواء كانت الأدلة الشرعية ثابتة ضده، أو ضعيفة في جانبه، فإن مثل هذا من المستحيل أن يصرفه إلا أن يشاء الله عن موقفه أي دليل أو برهان، ولو كان كالشمس في رائعة النهار (٢). هذا؛ وقد آثرت الاقتصار على بدعة واحدة من بدع آثار المواسم الزمانية، خشية التطويل، وللعلماء قديمًا وحديثًا جهود وآثار علمية في التصنيف والتأليف؛ للتصدي لبدع المواسم الزمانية التي يحييها بعض الناس. فمن المصنفات والمؤلفات ما اشتمل على تفنيد البدع بشكل عام وكان للبدع الزمانية، منها فصل خاص (٣)، ومنها ما أُفردت برسائل مستقلة اشتملت على تفنيد شبهات بدعة واحدة أو مجموعة من البدع الزمانية (٤). * * *

стр. 412

المطلب الثاني أبرز الشبهات حول الآثار المرئية بسط هذا المطلب في المسائل التالية: المسألة الأولى: الشبهات المتعلقة بالآثار المنفصلة عن جسد النبي ﷺ وما أُلحق به. المسألة الثانية: الشبهات المتعلقة بآثار مقامات النبي ﷺ المكانية. المسألة الثالثة: الشبهات المتعلقة بآثار القبور والمشاهد. المسألة الأولى: الشبهات المتعلقة بالآثار المنفصلة عن جسد النبي ﷺ وما أُلحق به: تقدّم في الفصل الأول بيان قلَّة ما بقي من آثار النبي ﷺ وبيان ما فُقد، ولكن العجيب وجود بعضها في أكثر من موضع ومتحف ومزار! بدعوى أنها آثار نبوية توارثوها من الأجيال السابقة، واحتفظوا بها؛ بحجة أنها أسرار وأدلة شرعية، وحالات شفائية عن طريق مبشرات منامية على حد زعمهم! (١). لا شك أن زعمهم باطل، ومجرد دعوى بلا دليل قاطع، إذ لا بد من إثبات الأثر المرئي بأسانيد متصلة صحيحة تؤكد صحة نسبة هذه الآثار للرسول ﷺ كما هو الحال مع الأثر المروي، فالآثار المرئية كالآثار المروية الحديثية عن النبي ﷺ ؛ يترتب عليها حكم شرعي.

стр. 413

ومما تميزت به هذه الأمة بأنها: أمة إسناد، كما قال الإمام عبد الله بن المبارك ﵀: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (١). ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى أن بعض المتاحف تحوي على عدد من الأدوات والأواني التي كانت في عهد النبي ﷺ في حياته، لكنها كما يصرح القائمون عليها مجرد مقتنيات ومجسمات تحاكي الأدوات والأواني التي كان يستخدمها النبي ﷺ ، بغرض التذكير بسيرته ﷺ . وعليه؛ فليس الحديث هنا عن نسبتها إلى الرسول ﷺ ، فمتفق على أنها مجرد مجسمات تحاكي ما كان يستخدمه النبي ﷺ من أدوات، والهدف منها التعريف والتذكير بما كان في عصر النبي ﷺ . وإنما الحديث عن مشروعية هذا العمل (٢) الذي يتضمن نوعًا من الإحياء للآثار النبوية المنفصلة عن جسده الشريف ﷺ ، ومعرفة ما أفتى به العلماء بخصوصه. فالشبهات المتعلقة بالآثار المنفصلة عن جسد النبي ﷺ وما أُلحق به، سيتم تقسيمها إلى قسمين: ١ شبهات المتاحف التي تدّعي اقتناء بعض آثار النبي ﷺ الحقيقية وبقاءها عندهم. ٢ شبهات المتحف الذي يحوي أدوات وأواني تحاكي ما كان يستخدمه النبي ﷺ . أولاً: شبهات المتاحف التي تدّعي اقتناء بعض آثار النبي ﷺ الحقيقية وبقائها لديهم.

стр. 414

* الشبهة الأولى: ادّعاء وجود أسانيد تثبت صحة نسبة الأثر للنبي ﷺ (١)، والاحتجاج بشهادة أئمتهم وعلمائهم على يقين نسبتها للنبي ﷺ (٢). تفنيد هذه الشبهة: ١ دعوى مجردة عن الدليل والبرهان القاطع؛ لعدم إفصاحهم عن رجال السند واتصاله، وأسماء الأئمة الذين شهدوا يقينًا بنسبة الأثر للنبي ﷺ . أي: ليس لديهم إثبات صحيح يُحتج به، إذ إنهم كعادتهم يوهمون الناس والبسطاء بوجود إثباتات وشهادات وأسانيد، وهي في الحقيقة ليس لها أصل صحيح. ٢ لا يُكتفى في إثبات صحة نسبة الأثر بالإشارة إلى شهادة أئمة وعلماء مجهولين أو مبهمين دون التصريح بأسمائهم، ومعرفة أحوالهم؛ لأهمية ما يترتب على هذا الأمر من عبادة شرعية يجب مراعاة صحة نسبتها يقينًا. ٣ دعوى وجود ما يثبت صحة الأثر بشهادة الأئمة، والأسانيد كلها قائمة على مكاشفة، أو إلهام، أو رؤى منامية تعتمد على أصولهم ومصادر تلقيهم في الاستدلال (٣) التي تخالف أصول أهل السُّنَّة؛ لتقديمهم المكاشفات وغيرها من الأصول الباطلة على الكتاب والسُّنَّة الصحيحة. فلا يُفهم من أن المقصود من ادّعائهم بوجود السند الصحيح المتصل عن الرواة العدول؛ بل هو سند مزيف لا يعدوا عن كونه معتمدًا على أحد أصولهم الباطلة، التي تخالف أصول أهل السُّنَّة والجماعة.

стр. 415

* الشبهة الثانية: ادّعاء بقاء الأثر وعدم فنائه؛ احتجاجًا بحديث: «إِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ ﵈» (١)، وأنه لا يبعد أن ينسحب الأثر كاللباس والنعال وما شابههما على ما حلّ بأجسادهم (٢). تفنيد هذه الشبهة: ١ قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *﴾ [الرحمن]، هذا دليل عام خرج منه فناء أجساد الأنبياء؛ بدليل يخصصه (٣). أما الآثار الملحقة بأجساد الأنبياء ﵈ من اللباس والنعال والعمامة، فما الدليل الذي يخصصه؛ ليخرج من عموم الآية؟! ٢ قياس الآثار المنفصلة عن أجساد الأنبياء وما أُلحق بها من اللباس والنعال والعمامة، على أجسادهم ﵈ قياس باطل؛ لوجود الفارق. ٣ وجه الاستدلال بالحديث مخالف لما استدل عليه السلف؛ حيث إنه يُستدل به على الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة؛ بدلالة سياق الحديث (٤).

стр. 416

* الشبهة الثالثة: ادّعاء صحة الأثر الذي بحوزتهم؛ لتميزه بخواص عديدة وبركات كثيرة على حد زعمهم؛ كإجابة دعاء الداعي به وحصول المطلوب، وبالاستغاثة به تتحقق لهم النجاة من المهالك، والشفاء من الأوجاع والأمراض، والحرز من الشيطان، والنفع للمضطر، والأمان من البغاة، والبركة وغيرها (١)، وإثبات ذلك من خلال التجربة. تفنيد هذه الشبهة: ١ دعوى باطلة؛ لأن العمدة الصحيحة في نسبة الأثر للنبي ﷺ هي رواية العدل الضابط بسند متصل إلى منتهاه، وليس ما ادّعوا! ٢ الناتج عن فعلهم الممنوع شرعًا ليس دليلاً على صحة نسبة الأثر للنبي ﷺ ؛ بل قد يكون من تغرير الشيطان وتسويله، وخداعه، أو قد يوافق قدرًا، أو قد يكون استدراجًا. ٣ الاحتجاج بالتجربة لإثبات شرعية أي أمر من الأمور باطل ولا يصح، فإثبات العبادات الدينية يكون بالأدلة الشرعية لا بالتجارب الشخصية. وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على شبه من ادّعى إجابة الدعاء، وحصول المطلوب عند بعض الآثار كأثر قبر النبي ﷺ أو قبور الصالحين ومشاهد الأولياء ودعواهم بأنها الترياق المجرب، ويدخل ضمنها الآثار المنسوبة للنبي ﷺ زورًا وبهتانًا، وغيرها من الآثار، فالحكم فيها واحد، قال ﵀: وأما قول القائل: إن الحوائج تُقضى لهم بعض الأوقات فهل يسوغ ذلك لهم قصدها؟ فيقال: ليس ذلك مسوغ قصدها لوجوه: أحدها: أن المشركين وأهل الكتاب يُقضى كثير من حوائجهم بالدعاء عند الأصنام وعند تماثيل القديسين والأماكن التي يعظمونها؛ وتعظيمها حرام في زمن الإسلام. فهل يقول مسلم: إن مثل ذلك سوغ لهم هذا الفعل المحرم بإجماع المسلمين، وما تجد عند أهل الأهواء والبدع من الأسباب التي بها ابتدعوا ما

стр. 417

ابتدعوه إلا تجد عند المشركين وأهل الكتاب من جنس تلك الأسباب ما أوقعهم في كفرهم وأشد ومن تدبر هذا وجده في عامة الأمور فإن البدع مشتقة من الكفر. وكمال الإيمان: هو فعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهى الله عنه ورسوله، فإذا ترك بعض المأمور وعوض عنه ببعض المحظور كان في ذلك من نقص الإيمان بقدر ذلك … الوجه الثاني: أن هذا الباب يكثر فيه الكذب جدًّا؛ فإنه لما كان الكذب مقرونًا بالشرك كما دل عليه القرآن في غير موضع والصدق مقرونًا بالإخلاص فالمؤمنون أهل صدق وإخلاص، والكفار أهل كذب وشرك وكان في هذه المشاهد من الشرك ما فيها: اقترن بها الكذب من وجوه متعددة. منها: دعوى أن هذا قبر فلان المعظم أو رأسه؛ ففي ذلك كذب كثير. والثاني: الإخبار عن أحواله بأمور يكثر فيها الكذب. والثالث: الإخبار بما يقضى عنده من الحاجات فما أكثر ما يحتال المعظمون للقبر بحيل يلبسون على الناس أنه حصل به خرق عادة أو قضاء حاجة وما أكثر من يخبر بما لا حقيقة له، وقد رأينا من ذلك أمورًا كثيرة جدًا. والرابع: الإخبار بنسب المتصلين به مثل كثير من الناس يدعي الانتساب إلى قبر ذلك الميت إما ببنوة. وإما بغير بنوة حتى رأيت من يدعي أنه من ولد إبراهيم بن أدهم مع كذبه في ذلك؛ ليكون سادن قبره وأما الكذب على العترة النبوية فأكثر من أن يوصف. الخامس: أن الرافضة أكذب طوائف الأمة على الإطلاق، وهم أعظم الطوائف المدعية للإسلام غلوًّا وشركًا، ومنهم كان أول من ادعى الإلهية في القرابة، وادّعى نبوة غير النبي ﷺ كمن ادعى نبوة علي وكالمختار بن أبي عبيد ادعى النبوة ثم يليهم الجهال كغلاة ضلال العباد وأتباع المشايخ؛ فإنهم أكثر الناس تعظيمًا للقبور بعد الرافضة وأكثر الناس غلوًّا بعدهم وأكثر الطوائف كذبًا وكل من الطائفتين فيها شبه من النصارى. وكذب النصارى وشركهم وغلوهم معلوم عند الخاص والعام وعند هذه الطوائف من الشرك والكذب ما لا يحصيه إلا الله.

стр. 418

الوجه الثالث: أنه إذا قضيت حاجة مسلم وكان قد دعا دعوة عند قبره فمن أين له أن لذلك القبر تأثيرًا في تلك الحاجة؟ وهذا بمنزلة ما ينذرونه عند القبور أو غيرها من النذور: إذا قضيت حاجاتهم … وأن النذر ليس سببًا في دفع ما علق به من جلب منفعة أو دفع مضرة مع أن النذر جزاء تلك الحاجة ويعلق بها ومع كثرة من تقضى حوائجهم التي علقوا بها النذور؛ كانت القبور أبعد عن أن تكون سببًا في ذلك. ثم تلك الحاجة: إما أن تكون قد قضيت بغير دعائه، وإما أن تكون قضيت بدعائه. فإن كان الأول: فلا كلام وإن كان الثاني: فيكون قد اجتهد في الدعاء اجتهادًا لو اجتهده في غير تلك البقعة أو عند الصليب لقضيت حاجته؛ فالسبب هو اجتهاده في الدعاء؛ لا خصوص القبر. الوجه الرابع: أنه إذا قدر أن للقبور نوع تأثير في ذلك سواء كان بها كما يذكره المتفلسفة ومن سلك سبيلهم في ذلك بأن الروح المفارقة: تتصل بروح الداعي فيقوى بذلك … في زيارة القبور أو كان بسبب آخر. فيقال: ليس كل سبب نال به الإنسان حاجته يكون مشروعًا؛ بل ولا مباحًا وإنما يكون مشروعًا إذا غلبت مصلحته على مفسدته. أما إذا غلبت مفسدته فإنه لا يكون مشروعًا؛ بل محظورًا وإن حصل به بعض الفائدة. ومن هذا الباب تحريم السحر مع ما له من التأثير وقضاء بعض الحاجات وما يدخل في ذلك من عبادة الكواكب ودعائها واستحضار الجن. وكذلك الكهانة والاستقسام بالأزلام؛ وأنواع الأمور المحرمة في الشريعة مع تضمنها أحيانًا نوع كشف أو نوع تأثير. وفي هذا تنبيه على جملة الأسباب التي تقضى بها حوائجهم (١). وقال أيضًا ﵀: إن قول القائل: إن الدعاء مستجاب عند قبور الأنبياء والصالحين قول ليس له أصل في كتاب الله ولا سُنَّة رسوله، ولا قاله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أحد من أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في الدين؛ كمالك والثوري والأوزاعي والليث بن سعد وأبي حنيفة

стр. 419

والشافعي وأحمد بن حنبل … ولم يكن في الأئمة والمشايخ المتقدمين من يقول: إن الدعاء مستجاب عند قبور الأنبياء والصالحين لا مطلقًا ولا معينًا. ولا فيهم من قال: إن دعاء الإنسان عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل من دعائه في غير تلك البقعة (١). وقال ﵀: وأما إجابة الدعاء، فقد يكون سببه: اضطرار الداعي وصدقه، وقد يكون سببه مجرد رحمة الله له، وقد يكون أمرًا قضاه الله لا لأجل دعائه، وقد يكون له أسباب أخرى، وإن كانت فتنة في حق الداعي، فإنا نعلم أن الكفار قد يستجاب لهم فيسقون، وينصرون ويعانون، ويرزقون مع دعائهم عند أوثانهم وتوسلهم بها. وقد قال الله تعالى: ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا *﴾ [الإسراء]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا *﴾ [الجن]، وأسباب المقدورات فيها أمور يطول تعدادها، ليس هذا موضع تفصيلها، وإنما على الخلق اتباع ما بعث الله به المرسلين، والعلم بأن فيه خير الدنيا والآخرة (٢). وكذلك أبطل الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ دعوى إجابة الدعاء عند القبر وحصول المطلوب، بقوله: حكايات حُكِيَتْ لهم عن تلك القبور: أن فلانًا استغاث بالقبر الفلاني في شِدة، فخلص منها، وفلان دعاه أو دعا به في حاجة، فقُضِيَتْ له، وفلان نزل به ضُرٌّ فاسترجى صاحبَ ذلك القبر، فكُشِفَ ضرُّه. وعند السّدنة والمقابرية من ذلك شيء كثير يطول ذكره، وهم من أكذب خلق الله على الأحياء والأموات، والنفوسُ مُولَعةٌ بقضاء حوائجها، وإزالة ضروراتها، وتسمع بأن قبر فلان تِريْاق مُجرّب، والشيطان له تلطُّفٌ في الدعوة. فيدعوهم أولاً إلى الدعاء عنده، فيدعو العبدُ عنده بحُرْقَةٍ وانكسار وذِلّة، فيجيب الله دعوته لما قام بقلبه لا لأجل القبر، فإنه لو دعاه كذلك في الحانة والخمارة والحمام والسوق أجابه! فيظن الجاهل أن للقبر تأثيرًا في إجابة تلك الدعوة، والله سبحانه يجيب

стр. 420

دعوة المضطرِّ ولو كان كافرًا، وقد قال تعالى: ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا *﴾ [الإسراء]، وقد قال الخليل: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾، فقال الله : ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *﴾ [البقرة]. فليس كلُّ من أجاب الله دعاءه يكون راضيًا عنه، ولا محبًّا له، ولا راضيًا بفعله، فإنه يجيب البَرَّ والفاجر، والمؤمن والكافر. وكثير من الناس يدعو دعاءً يَعْتدي فيه، أو يُشرك في دعائه، أو يكون مما لا يجوز أن يُسأل، فيحصل له ذلك أو بعضه، فيظن أن عمله صالح مُرضٍ لله، ويكون بمنزلة من أُمْلِيَ له، وأُمِدّ بالمال والبنين، وهو يظن أن الله يُسارع له في الخيرات. وقد قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤]. فالدعاء قد يكون عبادة، فيثاب عليه الداعي، وقد يكون دعاءَ مسألةٍ تُقضى به حاجته، ويكون مضرةً عليه، إما أن يعاقب بما يحصل له، أو تنقص به درجته، فتُقضى حاجتُه، ويعاقبه على ما جرى عليه من إضاعة حقوقه، وارتكاب حدوده (١). يتبين مما سبق أن حصول المطلوب ليس دليلاً على صحة السبب الشركي، وليس هو مسوغًا للوسائل الشركية بحجة التجربة، كما أجاد وأفاد شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في توضيح هذه المسألة، وبيّنت بطلان اعتقاد ذلك. * الشبهة الرابعة: ادّعاء أن أثر النعال، محفوظ ومحمي من الماء والشمس، وقياس بقائه كبقاء جلود الكتب والكواغد (٢). تفنيد هذه الشبهة: ١ استخدام الكتب مختلف تمامًا عن استخدام النعل من ناحية الاستهلاك في بداية الأمر، والحاصل من استخدام النعل المشي والاحتكاك والتعرض للحرارة والماء، والخشونة الأرضية وغيرها من الأمور التي تُتلف

стр. 421

النعل قبل الاحتفاظ به، وليست كجلود الكتب والكواغد التي تكون محفوظة قبل وبعد الكتابة عليها، ولا تستهلك كلبس النعال، ولم تتعرض لما تعرضت له النعال. ٢ يؤيد ذلك ما حُكي عن النبي ﷺ من أنه كان يلبس الخفين حتى تخرقا (١). ٣ علميًّا: عمر الجلود وبقاؤها له مدة معينة، كما ذكر بعض المختصين بدباغة الجلود من أهل الحرفة عن النعلين المنسوبتين إلى النبي ﷺ بقوله: إن كانتا من الجلد النيئ غير المدبوغ فإنه يسوس، وإن كانتا من الجلد السبتي المدبوغ الذي ليس فيه شعر، فإنه يكرف وييبس ويتمزق، وإن كانتا من الجلد الإفرنجي العنان، فإنه يكرف ويتمزق أيضًا، ولا أثر لبقاء وجودهما إلى الآن، ومن ادّعى شيئًا من ذلك، فلا يصدقه العرف في دعواه (٢). ومما يستأنس الاستدلال به؛ لبيان أن الكذب حولهما من قديم الزمان، ما حُكي في زمان الخليفة المهدي (٣) ﵀ أنه جاءه رجل وفي يده نعل في منديل، فقال: يا أمير المؤمنين، هذه نعل رسول الله ﷺ قد أهديتها لك. فقال: هاتها، فدفعها إليه، فقبل باطنها ووضعها على عينيه، وأمر للرجل بعشرة آلاف درهم، فلما أخذها وانصرف. قَالَ لجلسائه: أترون أني لم أعلم أن رسول الله ﷺ لم يرها فضلاً عن أن يكون لبسها؟ ولو كذبناه، قَالَ للناس: أتيت أمير المؤمنين بنعل رسول الله ﷺ ، فردها

стр. 422

علي، وكان من يصدقه أكثر ممن يدفع خبره، إذ كان من شأن العامة الميل إلى أشكالها، والنصرة للضعيف على القوي وإن كان ظالمًا، فاشترينا لسانه، وقبلنا هديته، وصدقنا قوله، ورأينا الذي فعلناه أنجح وأرجح (١). فإذا كان هذا في زمن ليس بالبعيد من عصر النبوة، وهو زمن المهدي ﵀ المتوفى سنة (١٩٥ هـ) فكيف بزماننا هذا؟ (٢). وآخر ما جاء عن النعلين هو فقدانها في وقعة تيمورلنك، وليس لها ذكر بعد ذلك. والذي عليه العلماء من المحدثين والمحققين ومن المؤرخين وخبراء الآثار عدم وجود براهين قوية تثبت صحة الآثار المنسوبة للنبي ﷺ ، كما سبق استعراض أقوالهم (٣)، التي تؤيد بطلان صحة نسبة بعض الآثار للنبي ﷺ ، ويزيد الباحث عن حقيقتها يقينًا بزيفها. وكما أشرت سابقًا إلى ما وصل إليه خبراء الآثار من اكتشافات مخبرية حديثة تقيس عمر الأثر، وتحدد مدة مكثه، حيث إنهم لا يعتدّون بأي قطعة أثرية عضوية (٤) مكشوفة ومعرضة للهواء والتلوث، ولم تحفظ من وقت اكتشافها بطريقة صحيحة، وخطوات علمية يتخذها خبراء الآثار تجاه القطع الأثرية أثناء اكتشافها (٥). فبناء على ذلك لا يُعتدّ بالآثار المنسوبة للنبي ﷺ عند خبراء الآثار؛ لأنها لم تكن محفوظة عند من ورثها بطرق صحيحة؛ بل بالعكس

стр. 423

كانت معرضة للهواء ومتاحًا للجميع لمسها وتقبيلها والتبرك بها. ومن المعلوم أن القطع الأثرية العضوية المكشوفة والمعرضة للهواء والتلوث، لا يمكن بتاتًا معرفة عمرها الصحيح، ولا قياس زمن بقائها بالطرق الحديثة عند خبراء الآثار: كقياسها بواسطة النظائر المشعة: TH ٢٣٢، U ٢٣٨، C ١٤، والمستخدم منها في تحليل العينات الأثرية العضوية هو الكربون المشع Radiocarbon Dating والذي يرمز له ب: C ١٤ (١) ، حيث يُعدّ عند خبراء الآثار من طرق التأريخ المطلق الرقمي لا التقريبي، وهي أكثر طريقة يثقون بها ويعتقدون بأنها من أحسن الطرق للتزمين؛ لدقة نتائجها، وقربها للصواب (٢). فيُعلم من ذلك استحالة ثبوت صحة الآثار المنسوبة إلى النبي ﷺ لا من الطرق الشرعية ولا من الطرق المخبرية الحديثة. * ثانيًا: شبهات المتحف الذي يحوي على أدوات تحاكي ما كان يستخدمه النبي ﷺ . * الشبهة الأولى: الاحتجاج بسلامة الهدف الذي يرمي إليه هذا المتحف وهو التعريف بالنبي ﷺ ، والدعوة إلى رسالة الإسلام السامية، بالعلم والحكمة والبصيرة والموعظة الحسنة. تفنيد هذه الشبهة: ١ ما من عمل محدث إلا وله وجه حسن، نظر إليه المخالف، وغفل عن وجهه الآخر، وهو العاقبة والمآل، وما أفضت إليه بدعته بعد حينٍ بحسن نيته، وصلاح قصده. فحُسن النية لا يصحح الخطأ، كما قال ابن مسعود ﵁: كم مريد للخير لم يصبه! (٣)، وإن كان قصدهم حسنًا، فلا يكفي لصحة العمل

стр. 424

صلاح النية فقط؛ بل لا بد من موافقة سُنَّة النبي ﷺ ، واتباع هديه. ٢ لا اعتراض على سلامة الهدف، وإنما الاعتراض على الطريقة والوسيلة المستخدمة للوصول إلى الهدف، أو ما سيؤول إليه من المخاطر التي تمس العقيدة؛ كتعلق القلب بهذا الأثر، وتعظيمه، والتبرك به، قبل الوصول للغاية والهدف، فالغاية لا تبرر الوسيلة بل إن الوسيلة لها حكم المقصد (١). يقول الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز ﵀: إن البدع وذرائع الشرك يجب النهي عنها، ولو حسن قصد فاعلها أو الداعي إليها، لما تفضي إليه من الفساد العظيم وتغيير معالم الدين، وإحداث معابد ومزارات، وعبادات لم يشرعها الله ولا رسوله ﷺ ، وقد قال الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣]، فكل شيء لم يكن مشروعًا في عهده ﷺ وعهد أصحابه ﵃ لا يمكن أن يكون مشروعًا بعد ذلك (٢) * الشبهة الثانية: ادّعاء أن القيام بهذا المشروع من المصلحة المرسلة، وليس من باب التعبد، وإنما هي وسيلة تحقيق عبادة، والشرع لم ينه عن الوسيلة (٣). تفنيد هذه الشبهة: إن أصل هذه الشبهة يرتكز على مخالفتين: المخالفة الأولى: كونها: من المصلحة المرسلة وهذا مخالفٌ لعدة أمور: ١ أن المصلحة المرسلة لا تأتي في العبادات وأمور العقيدة؛ لأنها توقيفية (٤).

стр. 425

فالعبادات لا تثبت بآراء الناس وأهوائهم، وإنما تثبت بدليل من الكتاب والسُّنَّة الصحيحة؛ أي: أن المسلم لا يقوم بأي عبادة إلا إذا وقف على دليل شرعي صحيح يستند عليه. ٢ عدم تحقق المصلحة المرسلة؛ لمعارضتها مفسدة أرجح منها، وهي سد الذرائع المفضية إلى الشرك (١)، فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح المقصودة فضلاً عن المرسلة (٢). فالمصلحة المرسلة إذا استلزمت مفسدة أرجح منها أو مساوية لها في المآل وثاني الحال، فإن الحكم لا ينبني على تلك المصلحة قولاً واحدًا؛ لأن الشرع لا يأمر باستجلاب مصلحة مؤدية إلى مفسدة أكبر منها (٣). ٣ على فرضية تنزيل المصلحة المرسلة، فهو دليل ضد المتحف لا له، فمن مصلحة الشرع، إزالته وعدم إقامته حفاظًا على الدين وصيانةً للعقيدة (٤). المخالفة الثانية: قولهم: ليس من التعبد وقولهم: إنه وسيلة للعبادة فيه تناقض، فإذا كانت الوسيلة للعبادة عبادة، مثل المشي إلى المسجد؛ فالمشي عبادة؛ لأنه وسيلة للصلاة يؤجر عليها بكل خطوة حسنة (٥).
следующие страницы →