← Акыда

Акыда · id 1274

إحياء الآثار دراسة عقدية

منيرة المقوشي

Полный текст (616 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

النعل قبل الاحتفاظ به، وليست كجلود الكتب والكواغد التي تكون محفوظة قبل وبعد الكتابة عليها، ولا تستهلك كلبس النعال، ولم تتعرض لما تعرضت له النعال. ٢ يؤيد ذلك ما حُكي عن النبي ﷺ من أنه كان يلبس الخفين حتى تخرقا (١). ٣ علميًّا: عمر الجلود وبقاؤها له مدة معينة، كما ذكر بعض المختصين بدباغة الجلود من أهل الحرفة عن النعلين المنسوبتين إلى النبي ﷺ بقوله: إن كانتا من الجلد النيئ غير المدبوغ فإنه يسوس، وإن كانتا من الجلد السبتي المدبوغ الذي ليس فيه شعر، فإنه يكرف وييبس ويتمزق، وإن كانتا من الجلد الإفرنجي العنان، فإنه يكرف ويتمزق أيضًا، ولا أثر لبقاء وجودهما إلى الآن، ومن ادّعى شيئًا من ذلك، فلا يصدقه العرف في دعواه (٢). ومما يستأنس الاستدلال به؛ لبيان أن الكذب حولهما من قديم الزمان، ما حُكي في زمان الخليفة المهدي (٣) ﵀ أنه جاءه رجل وفي يده نعل في منديل، فقال: يا أمير المؤمنين، هذه نعل رسول الله ﷺ قد أهديتها لك. فقال: هاتها، فدفعها إليه، فقبل باطنها ووضعها على عينيه، وأمر للرجل بعشرة آلاف درهم، فلما أخذها وانصرف. قَالَ لجلسائه: أترون أني لم أعلم أن رسول الله ﷺ لم يرها فضلاً عن أن يكون لبسها؟ ولو كذبناه، قَالَ للناس: أتيت أمير المؤمنين بنعل رسول الله ﷺ ، فردها

стр. 422

علي، وكان من يصدقه أكثر ممن يدفع خبره، إذ كان من شأن العامة الميل إلى أشكالها، والنصرة للضعيف على القوي وإن كان ظالمًا، فاشترينا لسانه، وقبلنا هديته، وصدقنا قوله، ورأينا الذي فعلناه أنجح وأرجح (١). فإذا كان هذا في زمن ليس بالبعيد من عصر النبوة، وهو زمن المهدي ﵀ المتوفى سنة (١٩٥ هـ) فكيف بزماننا هذا؟ (٢). وآخر ما جاء عن النعلين هو فقدانها في وقعة تيمورلنك، وليس لها ذكر بعد ذلك. والذي عليه العلماء من المحدثين والمحققين ومن المؤرخين وخبراء الآثار عدم وجود براهين قوية تثبت صحة الآثار المنسوبة للنبي ﷺ ، كما سبق استعراض أقوالهم (٣)، التي تؤيد بطلان صحة نسبة بعض الآثار للنبي ﷺ ، ويزيد الباحث عن حقيقتها يقينًا بزيفها. وكما أشرت سابقًا إلى ما وصل إليه خبراء الآثار من اكتشافات مخبرية حديثة تقيس عمر الأثر، وتحدد مدة مكثه، حيث إنهم لا يعتدّون بأي قطعة أثرية عضوية (٤) مكشوفة ومعرضة للهواء والتلوث، ولم تحفظ من وقت اكتشافها بطريقة صحيحة، وخطوات علمية يتخذها خبراء الآثار تجاه القطع الأثرية أثناء اكتشافها (٥). فبناء على ذلك لا يُعتدّ بالآثار المنسوبة للنبي ﷺ عند خبراء الآثار؛ لأنها لم تكن محفوظة عند من ورثها بطرق صحيحة؛ بل بالعكس

стр. 423

كانت معرضة للهواء ومتاحًا للجميع لمسها وتقبيلها والتبرك بها. ومن المعلوم أن القطع الأثرية العضوية المكشوفة والمعرضة للهواء والتلوث، لا يمكن بتاتًا معرفة عمرها الصحيح، ولا قياس زمن بقائها بالطرق الحديثة عند خبراء الآثار: كقياسها بواسطة النظائر المشعة: TH ٢٣٢، U ٢٣٨، C ١٤، والمستخدم منها في تحليل العينات الأثرية العضوية هو الكربون المشع Radiocarbon Dating والذي يرمز له ب: C ١٤ (١) ، حيث يُعدّ عند خبراء الآثار من طرق التأريخ المطلق الرقمي لا التقريبي، وهي أكثر طريقة يثقون بها ويعتقدون بأنها من أحسن الطرق للتزمين؛ لدقة نتائجها، وقربها للصواب (٢). فيُعلم من ذلك استحالة ثبوت صحة الآثار المنسوبة إلى النبي ﷺ لا من الطرق الشرعية ولا من الطرق المخبرية الحديثة. * ثانيًا: شبهات المتحف الذي يحوي على أدوات تحاكي ما كان يستخدمه النبي ﷺ . * الشبهة الأولى: الاحتجاج بسلامة الهدف الذي يرمي إليه هذا المتحف وهو التعريف بالنبي ﷺ ، والدعوة إلى رسالة الإسلام السامية، بالعلم والحكمة والبصيرة والموعظة الحسنة. تفنيد هذه الشبهة: ١ ما من عمل محدث إلا وله وجه حسن، نظر إليه المخالف، وغفل عن وجهه الآخر، وهو العاقبة والمآل، وما أفضت إليه بدعته بعد حينٍ بحسن نيته، وصلاح قصده. فحُسن النية لا يصحح الخطأ، كما قال ابن مسعود ﵁: كم مريد للخير لم يصبه! (٣)، وإن كان قصدهم حسنًا، فلا يكفي لصحة العمل

стр. 424

صلاح النية فقط؛ بل لا بد من موافقة سُنَّة النبي ﷺ ، واتباع هديه. ٢ لا اعتراض على سلامة الهدف، وإنما الاعتراض على الطريقة والوسيلة المستخدمة للوصول إلى الهدف، أو ما سيؤول إليه من المخاطر التي تمس العقيدة؛ كتعلق القلب بهذا الأثر، وتعظيمه، والتبرك به، قبل الوصول للغاية والهدف، فالغاية لا تبرر الوسيلة بل إن الوسيلة لها حكم المقصد (١). يقول الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز ﵀: إن البدع وذرائع الشرك يجب النهي عنها، ولو حسن قصد فاعلها أو الداعي إليها، لما تفضي إليه من الفساد العظيم وتغيير معالم الدين، وإحداث معابد ومزارات، وعبادات لم يشرعها الله ولا رسوله ﷺ ، وقد قال الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣]، فكل شيء لم يكن مشروعًا في عهده ﷺ وعهد أصحابه ﵃ لا يمكن أن يكون مشروعًا بعد ذلك (٢) * الشبهة الثانية: ادّعاء أن القيام بهذا المشروع من المصلحة المرسلة، وليس من باب التعبد، وإنما هي وسيلة تحقيق عبادة، والشرع لم ينه عن الوسيلة (٣). تفنيد هذه الشبهة: إن أصل هذه الشبهة يرتكز على مخالفتين: المخالفة الأولى: كونها: من المصلحة المرسلة وهذا مخالفٌ لعدة أمور: ١ أن المصلحة المرسلة لا تأتي في العبادات وأمور العقيدة؛ لأنها توقيفية (٤).

стр. 425

فالعبادات لا تثبت بآراء الناس وأهوائهم، وإنما تثبت بدليل من الكتاب والسُّنَّة الصحيحة؛ أي: أن المسلم لا يقوم بأي عبادة إلا إذا وقف على دليل شرعي صحيح يستند عليه. ٢ عدم تحقق المصلحة المرسلة؛ لمعارضتها مفسدة أرجح منها، وهي سد الذرائع المفضية إلى الشرك (١)، فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح المقصودة فضلاً عن المرسلة (٢). فالمصلحة المرسلة إذا استلزمت مفسدة أرجح منها أو مساوية لها في المآل وثاني الحال، فإن الحكم لا ينبني على تلك المصلحة قولاً واحدًا؛ لأن الشرع لا يأمر باستجلاب مصلحة مؤدية إلى مفسدة أكبر منها (٣). ٣ على فرضية تنزيل المصلحة المرسلة، فهو دليل ضد المتحف لا له، فمن مصلحة الشرع، إزالته وعدم إقامته حفاظًا على الدين وصيانةً للعقيدة (٤). المخالفة الثانية: قولهم: ليس من التعبد وقولهم: إنه وسيلة للعبادة فيه تناقض، فإذا كانت الوسيلة للعبادة عبادة، مثل المشي إلى المسجد؛ فالمشي عبادة؛ لأنه وسيلة للصلاة يؤجر عليها بكل خطوة حسنة (٥).

стр. 426

* الشبهة الثالثة: تشبيه هذا المشروع بأمرين (١): ١ جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر ثم في عهد عثمان ﵄. ٢ وضع الخطوط التي تساعد على تسوية الصفوف في بعض المساجد. تفنيد هذه الشبهة: ١ أن القرآن الكريم جُمع في عهد الرسول ﷺ حيث أمر بكتابته، ولم يمت ﷺ إلا وقد كُتب القرآن كله، لكنه كتب على أشياء متفرقة عند الصحابة ﵃. والذي عمله أبو بكر ﵁ هو جمع هذه المكتوبات في مكان واحد؛ خشية أن يضيع منها شيء ويتفرق. ثم بعد ذلك لما كثرت المصاحف في أيدي الصحابة ﵃، جمعهم عثمان ﵁ وعنهم على مصحف واحد تلافيًا للخلاف. فاتضح أن جمع القرآن ليس عملاً محدثًا وإنما تم في عهد الرسول ﷺ (٢). ٢ وأما قياس المتحف بالخطوط التي تساعد على تسوية الصفوف في بعض المساجد فقياس باطل؛ لوجود الفارق، فقد كان الرسول ﷺ يأمر بتسوية الصفوف، وتعديلها، وبها يتحقق مقصد الشارع، ولا يؤول وضع الخطوط على أرض المسجد إلى مفسدة لا يقرها الشرع. والله أعلم. * الشبهة الرابعة: إنكار أن يكون هذا العمل وسيلة إلى الشرك، بحجة أن الآثار التي سيضعونها في المتحف سيُبَيّنون لرواد المتحف أنها ليست هي عين الآثار النبوية الشريفة، وإنما هي أدوات حديثة الصنع، فيبعد أن يتبرك بها أحد (٣).

стр. 427

تفنيد هذه الشبهة (١): ١ معلوم أن آثار المتحف حديثة الصنع لكن انتسابها إلى النبي ﷺ وجمعها في مكان واحد سيجعلها محل تعظيم وغلو بالرسول ﷺ ودعائه والاستغاثة به، وسؤاله قضاء الحاجات، وكشف الكربات وغيرها من الوسائل الشركية التي قد تحصل عندها مستقبلاً. ٢ ومن المعلوم أيضًا أن من آثار الرسول ﷺ المنفصلة عن جسده الشريف كانت متاحة ومتوافرة في عهد الرسول ﷺ وفي عهد الخلفاء الراشدين. وكانوا قادرين على جمعها ووضعها في مكان يعرفه الجميع لكنها لم تجمع! ولم يأتِ فيما أعلم عن أحد من الصحابة والسلف الحرص والعناية والاهتمام بعرض تلك الآثار على الملأ، أو في سوق من الأسواق، للتعريف بها، مع شرعية التبرك بتلك الآثار المنسوبة حقيقة إلى النبي ﷺ ، وشدة رغبة الصحابة ﵃ ومن بعدهم من التابعين في رؤية الآثار النبوية والتبرك بها (٢).

стр. 428

٣ مهما عمل أهل الحق من احتياط أو تحفظ فلن يحول ذلك بين الجهال وبين المفاسد المترتبة على تعظيم الآثار؛ وما سيؤول الأمر إليه من توهم كثير من الناس بأنها من مقتنيات الرسول ﷺ الحقيقية، فيتبركون بها كما كان الصحابة ﵃ يتبركون بالآثار المنفصلة حقيقة عن جسده الشريف ﷺ . فأهل التبرك والشرك إنما يتعلقون بأي أثرٍ أو رمزٍ، ولو لم يكن له حقيقة، فكل ما يرمز إلى معظّم عندهم يتخذونه وثنًا يعبد من دون الله، فهم لا يفرقون بين الآثار الحقيقية والآثار المبتدعة، كما هو الحاصل من التبرك والتمسح بجدران دار المولد في مكة؛ ظنًّا منهم أن ذلك قربة إلى الله ولحصول الشفاعة وكشف الكربة. ومما يدل على ذلك ما يحصل أيضًا في غار حراء وغار ثور اللذين دخلهما النبي ﷺ للحاجة ولم يعد إليهما بعد ذلك، وقد صارا مزارًا للمبتدعة ومحل تبرك يُمارس عندها كثير من أنواع الشرك والبدع والخرافات. ويشاهد العاقل ذلك واضحًا في بعض البلاد التي بُليت بالتعلق بالأضرحة كيف أصبحوا يعبدونها من دون الله، ويطوفون بها كما يطاف بالكعبة؛ بحجة أن أهلها أولياء فإذا كان الأمر كذلك مع الأولياء وهم دون رتبة النبي، فكيف لا يُخشى من التبرك في هذه المجسمات التي تحاكي آثار النبي ﷺ . والمتأمل لآثار المتحف التي تحاكي آثار الرسول؛ قصد التذكير به ﷺ وبسيرته يجد أنها مماثلة للصور التي رسمها الجهال للصالحين الأولين: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، وهي لم تكن من آثارهم؛ بل هي صور أحدثها غيرهم للتذكير بالأعمال الصالحة، فعُبدت تلك الصور المختَرَعة بعد زمن. فالأمم السابقة إنما أُهلكت بسبب إحياء آثار أنبيائها والتبرك بها، وإعراضهم عما جاءت به رسلهم، أفلا يكون لنا بهم عبرة؟ فالصحابة والسلف الصالح لما فنيت آثار النبي ﷺ من ملابسه وأوانيه لم

стр. 429

يقيموا لها مجسمات تشبهها وهم أحرص منا على الاقتداء به فلو كان هذا عملاً مشروعًا لسبقونا إليه ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها (١). فإحياء آثار النبي ﷺ بهذه الصورة، إحياءٌ للآثار التي نُهي عن العناية والاهتمام بها، وأن القيام بمثل هذا المشروع أمر منكر ودعوة خبيثة، كما حذّر من ذلك كبار العلماء؛ لما تفضي إليه من الشرك، وما سيؤول الأمر إليه من اتخاذها عيدًا من الأعياد المكانية، وما سيحصل عندها من مخالفات لا تُحمد عقباها. ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى بعض فتاوى كبار العلماء بخصوص متحف المشروع (٢): قال الشيخ صالح اللحيدان حفظه الله: هو أمر منكر، ودعوة خبيثة سيئة، أقل أحوالها أنها دعوة إلى الشرك. وقال سماحة المفتي عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله: هو مشروع ليس بحسن، وهو إلى التبرك المحرم أقرب. وقال الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله: مجسمات مبتدعة، مدعاةٌ لتعلق الجهال بها، ووسيلة إلى الغلو في النبي ﷺ . وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: لا يجوز هذا العمل؛ لأنه وسيلة إلى الشرك والتبرك، وإعادة لأمور الجاهلية. وأخيرًا: إذا تمَ متحف المشروع (٣) وما شاكله من المتاحف على الوجه

стр. 430

المذكور سابقًا، فإنه سيتعارض مع جهود دعوة التوحيد في هذه البلاد المباركة؛ لأنه يقوم على الشرك ووسائله وما يضادّ التوحيد، ومفاسده مؤثرة ولو على المدى البعيد (١). المسألة الثانية: الشبهات المتعلقة بآثار مقامات النبي ﷺ المكانية: عُلم مما تقدّم (٢) عدم مشروعية إحياء آثار مقامات النبي ﷺ المكانية بالتهيئة وتذليل الوصول إليها، لما يترتب عليها من مفاسد تفضي إلى الشرك. أضف على ذلك عدم ثبوت أغلبها، وظنية تحديد موقعها؛ بسبب ما حصل لها على مر العصور من حروب وكوارث، وهدم، وخفاء، واندثار معالمها بعد مرور (١٤٠٠ سنة)، وعلى فرضية ثبوت مكانها فليس بمشروع إحياؤها. وكثيرٌ ممن يتباكون على الآثار يطالبون بإحيائها اعتمادًا منهم على الأدلة الضعيفة، والاستدلالات الخاطئة، والقياسات الفاسدة، مستندين على روايات المؤرخين المتهمين، والمطعون في عدالتهم، والذين خلطوا الأحاديث والأخبار الصحيحة بالسقيمة. وقد يعود السبب في إيراد بعض الشبهات، من قِبل بعض المهتمين بآثار

стр. 431

مقامات النبي ﷺ المكانية: هو استنادهم في إصدار الأحكام الشرعية على كتب أهل السير والمؤرخين (١). ومن المعلوم أن كتب السيرة والتاريخ لا يمكن الاعتماد عليها في الأحكام؛ لما فيها من نقل الغثّ والسمين، والصالح والطالح. ولا يخفى أن السير تجمع الصحيح والسقيم والضعيف والبلاغ والمرسل والمنقطع والمعضل دون الموضوع، … قال الزين العراقي ﵀: وليعلمِ الطالبُ أنَّ السّيَرَا تَجمَعُ ما صحَّ وما قدْ أُنْكرَا (٢). فالاستناد على رواية المؤرخين المتهمين، والمطعون في عدالتهم، أمثال: محمد بن الحسن بن زبالة (٣)، وابن أبي يحيى الأسلمي (٤)، والواقدي (٥) … ، لا شك أنه مستند ضعيف، فبذلك يتضح أن بعض المؤرخين هم الذين حددوا بعض الأماكن البدعية، ورغّبوا في إحيائها بالزيارة (٦). وكثير من المؤرخين جمعوا في كتبهم الصحيح والسقيم، القوي والضعيف، والموصول والمنقطع (٧).

стр. 432

كما أكد الإمام الهمام ابن قيّم الجوزية ﵀ على الأخذ بالأحاديث الصحيحة والاعتماد عليها وعدم معارضتها بروايات التاريخ بقوله: لا يجوز معارضة الأحاديث الصحيحة المعلومة الصحة بروايات التاريخ المنقطعة المغلوطة (١). فمن أبرز الدعاوى والشُّبهات التي يُحتج بها على إحياء آثار مقامات النبي ﷺ ما يلي: * الشبهة الأولى (٢): الاحتجاج بحديث عتبان بن مالك الأنصاريِّ ﵁، وطلبِه مِنْ النبيِّ ﷺ : أنْ يُصلِّيَ في بيتِه لِيتَّخذَه مُصلًى، ففَعَل ﷺ (٣)، والادّعاء بأن هذا الحديث هو التأصيل الشرعي لمسألة التبرك بمقامات النبي ﷺ المكانية. تفنيد هذه الشبهة: ١ كان الصحابي الجليل عتبان بن مالكٍ الأنصاري ﵁ أَعمَى، يَؤُمُّ قومه (٤)، فطلب من النبي ﷺ أن يأتي ليصلي في بيته؛ لأجل الوقوف على جهة القبلة بالقطع (٥)، وليس لإرادة البركة بالمكان. ٢ لو كان فيه فضل ومزيّة؛ لتردد الصحابة ﵃ عليه، واهتموا به (٦). ٣ ولو صحت فيه البركة فهي بركة العمل الصالح ليس إلاّ. ٤ ولو افترضنا أن فعل الصحابي كان تبركًا بالنبي ﷺ فلقرب عهد النبي ﷺ بالمكان حال حياته، بخلاف آثار مقامات النبي ﷺ التي تطاول عليها الزمان!

стр. 433

* الشبهة الثانية (١): الاحتجاج بحديث: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ هَدْمِ آطَامِ الْمَدِينَةِ» وحديث: «إِنَّهَا زِينَةُ الْمَدِينَةِ» (٢) على عدم التعرض للمعالم الأثرية، والمحافظة عليها؛ لأنها زينة المدينة، وأولى تلك المعالم مقامات النبي ﷺ . تفنيد هذه الشبهة: ١ الحديث لا يثبت، وعلى ذلك لا يصح الاستدلال به (٣). ٢ أن آطام المدينة وآثارها هدمت منذ زمن طويل، وكثير منها لليهود، ولو أمر النبي ﷺ الصحابة ﵃ أن يحافظوا عليها، لم تهدم بأكملها؛ لأنه لا

стр. 434

يجوز للمسلمين أن يخالفوا أمر الرسول ﷺ ، فعدم وجودها يدل على ضعف الحديث، وعدم الأمر بالاهتمام بها، والمحافظة عليها (١). ٣ ليس من قواعد الشريعة الدعوة إلى التعلق بحجارة لا أثر لها، بل قد يؤدي التعلّق بها إلى الخروج عنها بالإحداث في الدين، أو تركه بالكلية، ومن أراد بقاء زينة المدينة الحقيقية فعليه بعدم إيواء المُحْدِثين، واجتناب ما يحرم فعله بها: كقطع شجرها، وقتل صيدها، وتنفيره، والتقاط لقطتها، ليألفها هو بنفسه، ويألفها أهل الإسلام، ويطيب لهم بذلك سكناها (٢). * الشبهة الثالثة (٣): الاحتجاج بحديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أُتِيتُ بدابة فوق الحمار ودون البغل خطوها عند منتهى طرفها، فركبت ومعي جبريل ﵇ فسرت فقال: انزل فصل ففعلت. فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المهاجر. ثم قال: انزل فصل فصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى ﵇. ثم قال: انزل فصل فنزلت فصليت. فقال: أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى ﵇. ثم دخلت بيت المقدس فجمع لي الأنبياء ﵈، فقدمني جبريل ﵇ حتى أممتهم، ثم صعد بي إلى السماء الدنيا … » (٤). ودعواهم أن الرسول ﷺ في حادثة الإسراء تتبع مقامات الأنبياء ﵈ وصلى فيها.

стр. 435

تفنيد هذه الشبهة: ١ هذا الحديث حكم عليه المحدثون بأن: فيه غرابة ونكارة جدًّا، (١) وعليه فلا يصح الاستدلال به؛ لأنه منكر. ٢ على فرضية صحة هذا الحديث، فإنه يكون من خصائص النبي ﷺ ؛ لأن كل ما وقع في حادثة الإسراء خاص بالنبي ﷺ (٢). * الشبهة الرابعة: عدم اعتبار قاعدة سد الذرائع، وإبطال تنزليها على حكم إحياء عين الأثر بالتهيئة وتذليل الوصول إليه، ودعوى عدم إمكانية الاعتماد عليها وتطبيقها على هذه المسألة (٣)، بحجة وجود مصالح تعود على المسلمين من ناحيتين: اقتصادية مادية، وكذلك من ناحية الحفاظ على سلامة الزائرين عند ارتيادهم للآثار الوعرة (٤). تفنيد هذه الشبهة: أ جاءت الشريعة الإسلامية بسد ذرائع البدع والشرك، وقد نص علماء السلف على أن سد الذرائع أصل عظيم من أصول الدين الإسلامي، حيث إن الإمام ابن قيّم الجوزية ﵀ أثبت تسعة وتسعين دليلاً على اعتبار قاعدة سد الذرائع (٥). وكما ساق الإمام الشاطبي ﵀ اتفاق السلف على أصل سد الذريعة (٦). فلما كانت المقاصد لا يُتوصَّل إليها إلا بأسباب وطُرُق تُفْضِي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعةً لها مُعْتبرة بها.

стр. 436

فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقُرُبَات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها؛ فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصودٌ قصدَ الغاياتِ، وهي مقصودة قصد الوسائل؛ فإذا حَرَّمَ الربُّ تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تُفْضِي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتًا له، ومنعًا أن يقرب حِمَاه، ولو أباح الوسائل والذرائع المُفْضِية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم، وإغراءً للنفوس به. وحكمته تعالى وعلمه تأبى ذلك كل الإباء؛ بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك؛ [وللَّه المثل الأعلى] فإن أحدَهم إذا منع جُنْدَه أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصِّلة إليه لعدَّ متناقضًا، ولحصل من رعيته وجنده ضدّ مقصوده (١). ب لو سلمنا بدعوى لا ذريعة لإحياء عين الأثر بالتهيئة وتذليل الوصول إليه، وافترضنا وجود مصلحة مادية اقتصادية، فنقول بناء على هذه الدعاوى: إن قواعد المصالح كلها تقتضي المنع، ودونك البيان: ١ إذا تزاحمت المصالح قُدّم أعلاها؛ فإن مصلحة حفظ الدين، أعلى من المصالح الدنيوية (٢). ٢ إذا تعارضت المصلحة والمفسدة، قدّم أرجحهما، ولا شك أن الراجح هو تحقق مفسدة البدع والشرك التي ستحصل، فتمنع المصلحة حتى لا تتحقق المفسدة (٣). ٣ درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة، فالمفسدة متحققة، وهي تهيئة المكان للزائرين؛ لأجل القربة لله بالتعبد والتبرك والتمسح وتقبيل المكان. والمصلحة متوهمة وهي تهيئة المكان للسياحة ورفع المستوى الاقتصادي والدخل المادي، ولسلامة الزائرين؛ لأجل الاطلاع والمشاهدة لا للقربة والعبادة.

стр. 437

فهنا اجتمع في إحياء الأثر وتهيئته مصلحة متوهمة، ومفسدة متحققة، وعند علماء أهل السُّنَّة إذا اجتمعت مصلحة ومفسدة في أمر ما، يبادرون في سدّ باب المفسدة، حفاظًا على الدين، وبناءً على القاعدة الشرعية المقررة: درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح، واعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات (١). ٤ دعوى وضع درج للجبال أو شاخص ينصب في أعلاه: كجبل عرفة، فيه تغرير بالحجيج، ومساهمة بالإثم، وإقرار بإغرائهم؛ لاعتقاد مشروعية صعوده في نفوس العامة من أقطار العالم (٢). وقد أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتوى حول توسيع الممر المؤدي إلى أعلى قمة الجبل الذي اشتهر باسم جبل الرحمة حلًّا لمشكلة الزحام الذي سهل على النشالين سرقة حجاج بيت الله الحرام بإزالة المصلى الواقع في وسط هذا الممر تحقيقًا للتوسعة. وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بما يلي: لم يثبت عن النبي ﷺ أنه حث على صعود جبل عرفات الذي اشتهر عند الناس باسم: جبل الرحمة، ولم يكن من هديه ﷺ صعود هذا الجبل في حجه ولا اتخذه منسكًا، وقد قال ﷺ : «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (٣)، ودرج على ذلك الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة ومن تبعهم بإحسان، فلم يكونوا يصعدون على هذا الجبل في حجهم ولا اتخذوه منسكًا لهم؛ اقتداء برسول الله ﷺ ، والذي ثبت أنه ﷺ وقف تحت هذا الجبل عند الصخرات الكبار … ولذا قال كثير من العلماء: إن صعود هذا الجبل في الحج على وجه النسك بدعة، منهم الإمام النووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ صديق خان، وبهذا يعلم أنه لا ينبغي توسعة هذا الممر، ولا السعي في جعله طريقًا مسلوكًا لما فيه من تقرير البدعة وتسهيل الطريق لفاعليها، وقد قال ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً

стр. 438

لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١)، ولم يكن من هديه ﷺ أن يصلي نفلاً بموقف عرفات؛ بل اكتفى بصلاة الظهر والعصر في مسجد نمرة، جمعًا وقصرًا، ولا اتخذ مصلى بما يسمى جبل الرحمة ليصلي فيه من صعد على هذا الجبل نافلة أو فريضة في يوم عرفات؛ بل اشتغل بعد صلاته الظهر والعصر بذكر الله تسبيحًا وتهليلاً وتحميدًا وتكبيرًا وتلبية، وبدعاء ربه والضراعة إليه، حتى غربت الشمس. فاتخاذ مصلى أو مسجد على هذا الجبل ليصلي فيه من صعد عليه من البدع التي أحدثها الجهال، فينبغي إزالة المصلى الحالي لا لتوسعة الممر؛ بل للقضاء على البدعة، ولئلا يتمكن أهل المنكر والخداع من التلبيس على الأغرار من حجاج بيت الله الحرام، وقطعًا لأطماع هؤلاء من الصعود بالحجاج إلى قمة هذا الجبل أو إلى مصلاه، وتعريض الحجاج للمتاعب وسرقة أموالهم، على أن المكان الذي في هذا الجبل ليصلي فيه من صعد على الجبل لا يعطى أحكام المساجد، وعلى هذا جرى التوقيع، وبالله التوفيق وصلى الله على نبيِّنا محمد وآله وصحبه وسلم (٢). * الشبهة الخامسة (٣): ادعاء الأمن من الشرك، وأنه لن يعود إلى مهد الإسلام، احتجاجًا بحديث جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» (٤). تفنيد هذه الشبهة: ١ حديث جابر ﵁ صحيح ثابت، لكن لا يدل على عدم عودة الشرك إلى جزيرة العرب؛ لثبوت الآثار الحديثية النبوية المروية الدّالة على حصول الشرك. كما قال ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي

стр. 439

الْخَلَصَةِ» (١)، وغيرها كثير من الأحاديث المذكورة سابقًا (٢) التي أخبر الرسول ﷺ فيها بوقوع الشرك وحدوثه في هذه الأمة، ووقع، وحصل هذا الإخبار بما هو مشاهد عيانًا (٣). ٢ يُحمل معنى إياس الشيطان على عدة معانٍ، منها: أ عدم تسلطه على أناسٍ معلومين، وهم الذين قال عنهم الرسول ﷺ : «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» (٤)، وفي رواية: «لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» (٥). ب وأيضًا يُحمل حديث جابر ﵁ في إياس الشيطان من أن يُعبد في جزيرة العرب، على نفي عودة الشرك إلى الجميع؛ بل يقع عند بعض دون بعض. كما قال الحافظ ابن رجب ﵀: فاليأس هنا أن تجتمع الأمة على أصل الشرك الأكبر (٦)، ومما يؤكد ذلك ما حصل من ارتداد أكثر أهل الجزيرة بعد موت النبي ﷺ وقتال الصديق والصحابة ﵃ لهم على اختلاف تنوعهم في الردة. ج إن النبي ﷺ نسب الإياس إلى الشيطان، ولم يقل: إن الله آيسه،

стр. 440

فالإياس الحاصل من الشيطان لا يلزم تحقيقه واستمراره، ولكن عدو الله لما رأى ما ساءه من ظهور الإسلام في جزيرة العرب وعلوه، أيس من ترك المسلمين دينهم الذي أكرمهم الله به، ورجوعهم إلى الشرك الأكبر. وهذا كما أخبر الله عن الكفار في قوله: ﴿أَلْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، لما رأى الكفار ظهور الإسلام في أرض العرب، وتمكنه فيها، يئسوا من رجوع المسلمين عن الإسلام إلى الكفر (١). وقال ابن عباس ﵄ وغيره من المفسرين: يئسوا أن ترجعوا إلى دينهم أبدًا (٢). وقال ابن كثير ﵀ في الربط بين الآية وحديث جابر ﵁: أن إياس الشيطان مثل إياس الكفار، وأن الكل يئس من ارتداد المسلمين، وتركهم دينهم (٣)، ولا يلزم من ذلك امتناع وجود الكفار في أرض الجزيرة العربية. د نسبة الإياس إلى الشيطان مبنيٌ للفاعل، ولم يقل أُيّس بالبناء للمفعول، ولو قدر أنه يئس من عبادته في أرض العرب إياسًا مستمرًّا، فإنما ذلك ظنٌّ منه وتخمين لا عن علم؛ لأنه لا يعلم الغيب، وهذا غيب لا يعلمه إلا الله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن]، فإنه يطلعه على ما يشاء من الغيب (٤). هـ يفسر حديث جابر ﵁ رواية أخرى عن ابن مسعود ﵁: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ تُعْبَدَ الأَصْنَامُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ، وَلَكِنَّهُ سَيَرْضَى مِنْكُمْ بِدُونِ ذَلِكَ بِالْمُحَقَّرَاتِ، وَهِيَ: الْمُوبِقَاتُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٥) وكما هو معلوم أن

стр. 441

الروايات تفسر بعضها؛ فالمعنى: أن الشيطان لا يرضى بأقل من الكفر والشرك (١). هذه بعض أوجه الجمع بين حديث جابر ﵁ والأحاديث الأخرى. * أما الأمن من الشرك، واستبعاد وقوعه: ١ لا يصح ادعاء الأمن من الشرك، وأسبابه؛ لأنه إذا أُمن ذلك في عصرنا الحاضر، فلا يؤمن ذلك مع مرور الزمن، ومن المعلوم أن وساوس الشيطان ليست مقتصرة على زمان دون زمان، مع أن عقلاء بني آدم من كبار الموحدين، لا يأمنون على أنفسهم ولا على من تبعهم من الوقوع في الشرك. هذا خليل الله إبراهيم ﵇ إمام الحنفاء قال الله ﷻ عنه ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم]. وأيضًا خاف النبي ﷺ من الشرك على أفضل القرون من الصحابة ﵃ فقال لأصحابه: «إِنَّ أَخْوَفَ ما أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ» (٢). فإذا خافه الأنبياء والرسل ﵈ وهم أشرف الخلق وأعلمهم بالله وأتقاهم له، فغيرهم أحرى بالخوف منه تعالى من خلال سد الطرق المفضية إلى الشرك. وعند النظر في بعض الدول المجاورة نجد العديد من مظاهر الشرك فيها، بسبب إحياء تلك الآثار (٣). ٢ الإنسان أينما كان سواء في جزيرة العرب أو في الحجاز، عرضة للفتن، والانجراف نحو البدع والشركيات إن لم يحمه الله (٤).

стр. 442

* الشبهة السادسة (١): قياسهم آثار مقامات النبي ﷺ المكانية على مقام إبراهيم وأنه جُعل مصلى، فكذلك الصفا والمروة. تفنيد هذه الشبهة: ١ الصلاة خلف مقام إبراهيم أمر من الرب ﷻ القائل في كتابه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة: ١٢٥]، فإحياء المقام بالعناية والاهتمام للصلاة خلفه، أمرٌ شرعي، جاء الدليل الصريح من الكتاب، وصحيح السُّنَّة باتخاذه مصلى، فتشرع الصلاة فيه امتثالاً لأمر الله ﷻ واقتداءً برسول الله ﷺ (٢). ٢ يجب أن يُفَرَّق بين ما جاء الشرع بالأمر به، وبين ما لم يأتِ الشرع بالحث عليه وتفضيله؛ فالأماكن التي لم يقصدها الشرع، وإنما مرّ بها الرسول ﷺ أو جلس فيها عرضًا؛ أو صادفته الصلاة وصلى فيها من غير قصد لها، فإنه لا يجوز اتخاذها مصلى؛ لأن فعله كان عرضًا لا قصدًا، ولم يأتِ في الشرع الأمر به (٣). * الشبهة السابعة (٤): قياس التبرك بآثار مقامات النبي ﷺ المكانية على الآثار المنفصلة عن جسده الشريف ﷺ ك: شعره وريقه ولباسه وفضل وضوئه … ، وعدم التفريق بين التبرك بما انفصل عن جسده ﷺ الشريف، وبين آثار مقامات النبي ﷺ التي وطئها أو جلس عليها أو مرّ بها، أو صلى فيها وغيرها. تفنيد هذه الشبهة: ١ التبرك بالنبي ﷺ وما انفصل من جسده ﷺ من علامات نبوته ﷺ التي اختص بها، وتلك البركة الذاتية لا تتعدى غيره من آثار المقامات المكانية الترابية (٥)، فقياس الأماكن على ما انفصل من جسد

стр. 443

النبي ﷺ قياس باطل، عاطل، فاسد، كاسد؛ لوجود الفارق. ٢ هذه الدعوى تعود إلى اعتقادهم الباطل بأن بركة الأماكن والبقاع التي لامست جسد النبي ﷺ متعدية، ولم يُعرف دليل شرعي يومئ إلى أن بركة بدن الرسول ﷺ قد تعدت إلى هذا المكان، فيكون مباركًا يشرع التبرك به، ولذا لم يكن يفعل هذا صحابته ﵃ في حياته ولا بعد مماته. فما سار فيه رسول الله ﷺ أو نزل فيه فلا يجوز التبرك به؛ لأن هذا وسيلة إلى تعظيم البقاع التي لم يشرع لنا تعظيمها، ووسيلة من وسائل الشرك، وما تتبع قوم آثار أنبيائهم إلا ضلوا وهلكوا (١). ٣ فيه خلط بين الأحكام الذاتية الخاصة، المتعلقة بالرسول ﷺ وبين الأحكام المتعلقة بالبقاع والأماكن. ٤ أن بركة ذوات الأنبياء لا تتعدى إلى الأمكنة الأرضية، وإلا لزم أن تكون كل أرض وطئها، أو جلس عليها، أو مرَّ بها، تُطلب بركتها، ويُتبرك بها، وهذا لازم باطل قطعًا؛ فانتفى الملزوم، إذ إن تعظيم الرسول ﷺ والتماس بركته، وتحريها، إنما يكون في هذا العصر باتباعه، والعمل بسُنته (٢). ٥ على فرضية ثبوت مرور النبي ﷺ على ذلك الأثر، وتعدي البركة للمكان كما زعم من قال بها، فهذا القول يحتاج إلى ضابط يحدد جوانب تلك البقعة، التي حلّت فيها البركة، من حيث الطول والعرض والعمق، حتى لا يُتَبرك خارج تلك الحدود التي جاءوا يسعون لأجلها (٣). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض كلامه عن تعظيم الأمكنة التي لا خصيصة لها في الشرع وقياسها بالمشروع: وإنما عُبدت الشمس والقمر بالمقاييس، وبمثل هذه الشبهات حصل الشرك في الأرض (٤).

стр. 444

* الشبهة الثامنة (١): دعواهم بأن الصحابة ﵃ تبركوا بالمقامات التي صلى فيها النبي ﷺ واستدلالهم بفعل ابن عمر ﵄ وتتبعه ﵁ لآثار مقامات النبي ﷺ . تفنيد هذه الشبهة (٢): كان الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ﵄ شديد التحري والاقتداء بكل ما فعله رسول الله ﷺ في جميع أحواله، وحريصًا على تمام الاتساء به ﷺ ، حتى أنه توضأ وصب فضل وضوئه في أصل شجرة كما فعل رسول الله ﷺ . وهذا تحرٍّ منه ﵁ لفعل النبي ﷺ ، فإنه قصد أن يفعل مثل فعله ﷺ ، في نزوله وصلاته، وصبّه للماء وغير ذلك، ولم يقصد ابن عمر ﵄ الصلاة والدعاء في المواضع التي نزلها، فضلاً أن يقصد التبرك بالبقعة كما يفهمه المتأخرون، وإنما قصد تمام التأسي والاقتداء، ولم يفعله غيره من الصحابة ﵃، ولم يوافقوه. بل إن أباه عمر ﵁ نهى الناس عن تتبع آثار مقامات النبي ﷺ المكانية، وقوله مقدم على رأي ابنه عند الخلاف باتفاق، وهو خلاف لا يقوم في مقابلة اتفاق عمل الصحابة على ترك ما فعله ابن عمر ﵄ ولا شك أن الصواب والحق مع عمر ﵁ وبقية الصحابة ﵃، وهو الحري بالاتباع، والفاصل عند النزاع. * الشبهة التاسعة (٣): تضعيفهم لأثر الإمام نافع ﵀ لما أخبر عن قطع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الشجرة التي بُويع تحتها عندما بلغه أن أناسًا يأتونها. بحجة تعارضها مع الروايات الصحيحة التي جاءت عن: ١ ابن عمر ﵄ قال: رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منّا اثنان

стр. 445

على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله (١). ٢ أبي سعيد بن المسيب ﵁ أنه كان ممن بايع تحت الشجرة قال: فرجعنا إليها العام المقبل فعميت علينا، وفي رواية: لقد رأيت الشجرة ثم أنسيتها بعد فلم أعرفها (٢). تفنيد هذه الشبهة: ١ لا تعارض بين الروايات، فقد ورد ما يدل على صحة الجمع بين روايتَيْ قطع الشجرة ورواية خفائها، ونسيانهم لها (٣). فقد جاء في الطبقات الكبرى عن الإمام نافع ﵀ قال: خرَج قوم من أصحاب رسول الله ﷺ بعد ذلك بأعوام، فما عرَفَ أحدٌ منهم الشجرة، واختلفوا فيها؟. قال ابن عمر ﵄: كانت رحمة من الله (٤). دل قوله: بعد ذلك بأعوام على أن القطع كان أولاً ثم خفيت، وهذا بيان الجمع بين الروايتين، دون تعارض. يقول صاحب كتاب فقه السيرة: وقد قُطعت الشجرة، ونسي مكانها، وذلك خير، فلو بقيت لضُربت عليها قبة، وشدت إليها الرحال، فإن الرعاع سراع التعلق بالمواد والآثار التي تقطعهم عن الله (٥). ٢ استفاضة العلماء في الاستدلال بهذا الأثر (٦)، فنقلُ العلماء له

стр. 446

بالاستفاضة أقوى من سنده، كما قال الحافظ ابن عبد البر ﵀: استفاضة هي أقوى من الإسناد (١). ٣ أثر قطع الشجرة جاء عن الإمام نافع ﵀ (٢) من باب الخبر، وهل يعقل أن ينقل ﵀ خبرًا غير صحيح؟ وهو الثقة الثبت المفتي المتفق على إمامته في العلم! * الشبهة العاشرة (٣): الإشادة بما فعل الغرب تجاه عظمائهم وأدبائهم كإحياء آثار شكسبير في بريطانيا، ومسكن بتهوفن في ألمانيا، على وجه التقدير والإعجاب لما قدمه هؤلاء لدولتهم، والتحسر على حال المسلمين بأنهم يمتلكون آثارًا كثيرة متعلقة بالنبي ﷺ في مكة والمدينة، لكن لا تلقى أي اهتمام، ويتباكون على عدم العناية والاهتمام بدار الأرقم وغار ثور وحراء، وموقع بيعة الرضوان وغيرها من الآثار والأماكن. تفنيد هذه الشبهة: ١ يترتب على ذلك مشابهة الكفار في إحياء آثار أنبيائهم وعظمائهم، واتخاذها معابد ومزارات (٤).

стр. 447

فهذه مطالبة تماثل مطالبة الصحابة حديثي العهد بالإسلام لرسول الله ﷺ بأن يجعل لهم ذات أنواط كما للمشركين ذاتُ أنواط! ٢ إذا أحييت آثار مقامات النبي ﷺ المكانية كغار حراء وغار ثور وبيت النبي ﷺ ودار الأرقم بن أبي الأرقم ومحل بيعة الرضوان، وأشباهها، وهُيئت وعُبّدت طرقها وعملت لها المصاعد واللوحات فلن تزار كما تزار آثار عظماء الكفرة؛ بل ستزار للتعبد والتقرب إلى الله (١). وبهذه الإجراءات نكون قد أحدثنا في الدين ما ليس منه، وشرعنا للناس ما لم يأذن به الله، وهذا هو نفس المنكر الذي حذر الله منه في قوله سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. وحذر منه النبي ﷺ بقوله: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٢). وبقوله ﷺ : «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟» (٣). ٣ أن هذا مخالف للشريعة الإسلامية التي جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وسد ذرائع الشرك والبدع وحسم الوسائل المفضية إليها. فالبدع وذرائع الشرك يجب النهي عنها ولو حسن قصد فاعلها أو الداعي إليها لما تفضي إليه من الفساد العظيم وتغيير معالم الدين وإحداث معابد ومزارات وعبادات لم يشرعها الله ولا رسوله ﷺ وقد قال الله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣] (٤). فالأمة ليست بحاجة إلى إحياء آثار ترابية، وإنما هي بحاجة إلى إحياء الآثار النبوية الحديثية (٥).

стр. 448

٤ الاستجابة لدعوى إحياء آثار مقامات النبي ﷺ المكانية؛ للاعتبار، دعوى خطيرة يدخل ضمنها من باب أولى إحياء مقامات وقبور الصالحين؛ لأنها من أعظم الآثار الباقية، فإذا فُتح باب إحياء الآثار على مصراعيه فلن يقف على حد، فالناس أحرص على الغلو في القبور من غيرها (١)، والمخالفات العقدية المترتبة على إحياء القبور كثيرة كما سيتم إن شاء الله بيانها وتفصيلها في نهاية الفصل الثالث (٢). وما أجمل ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ألا ترى أن متابعة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في أعمالهم، أنفع وأولى من متابعتهم في مساكنهم ورؤية آثارهم (٣). * الشبهة الحادي عشرة (٤): بعد إزالة بعض الآثار المنسوبة للنبي ﷺ من حجر وشجر الحاصل بهما التمسح والتبرك وغيرها من مظاهر الشرك، مع أنها لم تهيأ للزيارة ولم يعتنى بها، احتج بعض الناس بالاكتفاء بنشر الوعي وتصحيح المفاهيم حولها، ولإبقائها وعدم إزالتها، وأن الاقتصار على التوعية تحقيق لمقاصد الشريعة، وذلك بالنظر في الآثار والاعتبار، مما يحول بين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وبين وقوع الممارسات الخاطئة، والمخالفات العقدية، من بعض زوار البيت الحرام. تفنيد هذه الشبهة: إبقاء الأثر بحجة الإكفاء بالتوعية احتراز لا يغني شيئًا، فمهما عمل أهل الحق من احتياط أو تحفظ فلن يحول ذلك بين الجهال وبين المفاسد المترتبة

стр. 449

على إحياء الآثار وإبقائها؛ لأن الناس يتفاوتون من حيث الفهم والتأثر وتحري الحق اختلافًا كثيرًا (١). خصوصًا إذا عُبد الأثر من دون الله، وحصل عنده تبرك وشرك بالله، فإزالته أكبر توعية، وأعظم تصحيح لمفاهيم البُسطاء، وأوضح برهان على أنه لا ينفع ولا يضر. وأيضًا من يطالبون بالتوعية مع إبقاء الآثار التي يتبرك بها الجهال، هل قاموا بواجب النصح والتوعية من خلال الكتابة وغيرها من الوسائل؟ أم يريدون أن تتم التوعية مباشرة أمام قوافل المتبركين من الأعاجم وغيرهم، الذين قد تحصل لهم مزيد فتنة! فليحذر الساعي لإحياء الآثار والاهتمام بها، والداعي إلى إبقائها مع التوعية أن يكون مساهمًا في توطيد الطرق الموصلة لكثير من المخالفات، وميسر لسبل الانحراف والضلال، فيصدق عليه هذا البيت من القصيد (٢): ألقاه في البحر مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء. فإبقاء تلك الآثار التي وقع بها التبرك أو المطالبة بإحيائها؛ لأجل التثقيف والتوعية، وتحقيق مقاصد الشريعة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما ادّعى بعضهم ليس هو الحل الصحيح لها؛ بل إن طمسها، وإزالة تلك الآثار المُتعلق بها، حفاظًا على الدين، هو الأصل الذي تتحقق به مقاصد الشريعة، وهو الحل السليم، والمنهج القويم، انطلاقًا من فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في قطع شجرة البيعة؛ لما خشي على الناس أن يتبركوا بها (٣). وهذا ما حصل لقوم نوح لما عبدوا ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، مع أن الأصل في تصويرهم هو الاعتبار بهم، والتذكير بأعمالهم الصالحة للتأسي والاقتداء بهم، لا للغلو فيهم وعبادتهم من دون الله ولكن الشيطان

стр. 450

أنسى من جاء بعدهم هذا المقصد وزين لهم عبادتهم من دون الله وكان ذلك هو سبب الشرك في بني آدم (١)، فهذا أمر محسوم ومقطوع في كونه لا يجوز إبقاء الآثار التي يُخشى من التبرك بها أو إحيائها؛ بل يجب القضاء عليها (٢). والحاصل: أن المفاسد التي ستنشأ عن الاعتناء بالآثار وإحيائها متحققة، ولا يحصي غاياتها وما ستؤول إليه إلا الله سبحانه، والمصلحة التي يدّعونها متوهّمة؛ بل إن السعي في سلامة المسلمين من الفتن وإبعادهم عنها من الإحسان إليهم، وإن من الشرّ المطالبة بإحياء ما يضرهم، ويوقعهم في الفتنة (٣). فوجب إزالتها ومنع إبقائها وإحيائها، سدًّا للذرائع المفضية إلى الشرك، ومعلوم أن الصحابة ﵃ أعلم الناس بدين الله وأحب الناس لرسول الله ﷺ ، وأكملهم نصحًا لله ولعباده ومع ذلك لم يحيوا هذه الآثار ولم يهتموا ببقائها ولم يدعوا إلى إحيائها ﵃ وأرضاهم (٤). المسألة الثالثة: الشبهات المتعلقة بآثار القبور والمشاهد: تقدّم بيان حكم الشرع في مسألة البناء على القبور (٥)، واتخاذها مساجد، وعُلم تحريمه بالأدلة الصريحة، والبراهين الواضحة من الكتاب والسُّنَّة الصحيحة. إلا أن هناك شبهات يتوكأ عليها أصحاب الأهواء في تقرير اعتقاداتهم الباطلة، وتبرير أفعالهم المبتدعة عند القبور من البناء عليها وإحيائها بصور مخالفة للشرع. ولا شك أنها شبهات ساقطة لا تنطلي إلا على من قلّ حظه من تعلّم الكتاب والسُّنَّة بعيدًا عن فهم سلف الأمة.

стр. 451

فمن أبرز تلك الشبهات التي يروجونها كمبررات لمخالفاتهم شبهتان؛ اقتصرت عليهما لتعلّق المخالفين بهما وحجتهم بأنهما دليلان واضحان ثابتان: الأول: من القرآن، والثاني: متعلق بالنبي ﷺ ، وهما: أ الاحتجاج بأن اتخاذ المساجد على القبور شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا شريعة لنا، استنادًا على قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا *﴾ [الكهف]. ب الاستدلال بقبر النبي ﷺ بحجة أنه لو كان منهي عن البناء على القبور لما اتُّخذ قبره مسجدًا ولما بُنيت عليه القبة. * الشبهة الأولى (١): استدل المجيزون البناء على القبور واتخاذها مساجد (٢)، بقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا *﴾ [الكهف]، واحتجوا بأن المؤمنين هم من أرادوا أن يتخذوا المسجد على القبور، وأن هذا شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا شريعة لنا. تفنيد هذه الشبهة: ١ أن الاستدلال بهذه الآية على جواز اتخاذ المساجد على القبور ليس إلا تحريفًا لكتاب الله وتبديلاً لشرع الله (٣)، تمسكًا بالمتشابه وعدم رده للمحكم. كما أن تأويلها بهذا المعنى مخالف لإجماع المسلمين، وهذه طريقة أهل الأهواء.

стр. 452

٢ لم يأتِ شرع نبي من الأنبياء ﵈ على اتخاذ القبور مساجد، فليس هذا من شرع الله، لا في أمة محمد ولا في الأمم السابقة؛ وإنما هذا من أعمال المشركين قديمًا وحديثًا (١). ولو سُلّم لهم على سبيل فرض المُحال أن اتخاذ المساجد على القبور شريعة من قبلنا، فهذا مردود من وجهين (٢): أ شريعة من قبلنا ليست شريعة لنا؛ لأدلة كثيرة، وهذا ما قرره أهل الأصول. ب ولو افترضنا أن شريعة من قبلنا شريعة لنا فإن هذا مشروط بأن لا يخالف الفعل شرعنا، ولم يرد النهي عنه، ولا يُحتج به إلا إذا أقرّه شرعنا، وهذا الشرط معدوم؛ فإذا تبين هذا عُلم أنه لا يلزمنا الأخذ بما استدلوا به من باطل. ٣ إن الذين غلبوا على أمرهم، والقائلين باتخاذ المساجد على القبور، ليسوا مسلمين كما جاء في كتب التفسير (٣)، والصحيح بأنهم مشركون كافرون فاجرون؛ لأن فعلهم لا يدل على أنهم مسلمون (٤). ولو افترضنا أنهم من المسلمين، فلا نسلم أن فعلهم يوافق أهل السُّنَّة؛ بل إن ذلك من فعل المبتدعة الخرافية من المسلمين على أقل تقدير (٥). ٤ لعن النبي ﷺ لليهود والنصارى؛ لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، كما جاء في الحديث (٦)، ويؤيده أن الذين غلبوا على أمرهم كانوا

стр. 453

كفارًا؛ لموافقتهم في صورة الفعل، وهذا يدل أيضًا على موافقة الآية للأحاديث الصحيحة المتواترة المانعة عن البناء على القبور والتي جاء النهي فيه صراحة (١). ٥ ليس في الآية إلا حكاية عن قول طائفة من الناس، وعزمهم على فعل ذلك، وليس خارجة مخرج المدح لهم، أو الحض على التأسي بهم، فمتى لم يثبت أن فيهم معصومًا، فلا يُعدّل فعلهم فضلاً عن تقرير مشروعية ما كانوا بصدده (٢). ٦ أن الآية الكريمة لم يثبت فيها دليل على أن الذين غلبوا على أمرهم تم لهم بناء المسجد (٣). ٧ ولو افترضنا صحة استدلالهم فإنما يستقيم على طريقة القرآنيين، الذين يكتفون بالقرآن وينبذون السُّنَّة الصحيحة (٤). وهذا إن كان في الآية استدلال أصلاً. قال المفسّر محمود الألوسي ﵀: وبالجملة لا ينبغي لمن له أدنى رشد أن يذهب إلى خلاف ما نطقت به الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة معولاً على الاستدلال بهذه الآية فإن ذلك في الغواية غاية وفي قلة النهي نهاية، ولقد رأيت من يبيح ما يفعله الجهلة في قبور الصالحين من إشرافها وبنائها بالجص والآجر وتعليق القناديل عليها والصلاة إليها والطواف بها واستلامها والاجتماع عندها في أوقات مخصوصة إلى غير ذلك محتجًّا بهذه الآية الكريمة (٥).

стр. 454

* الشبهة الثانية: الاستدلال بقبر النبي ﷺ على جواز اتخاذ القبور مساجد والبناء عليها، والاحتجاج بأنه لو كان منهيًا عنه لما اتُّخذ مسجدًا، ولما بُنيت عليه القبة الخضراء. توطئة قبل تفنيد الشبهة: قبل الخوض في الرد على هذه الشبهة أود أن أعرض لمحة تاريخية موجزة عن المراحل التي مرّ بها قبر الرسول ﷺ والأطوار والتغيرات التي طرأت على المسجد النبوي، وما حول حجرة عائشة ﵂، والتي سأحاول بعون الله اختصارها في ثلاث فترات وأطوار: الفترة الأولى: ما بين عام (١١ هـ) إلى عام (٣٥ هـ) تقريبًا. توفي النبي ﷺ يوم الاثنين ١٢/ ربيع الأول/ ١١ هـ (١)، ودُفن في حجرة عائشة ﵂ كما قالت ﵂: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اخْتَلَفُوا فِي دَفْنِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا ما نَسِيتُهُ، قَالَ: «مَا قَبَضَ اللهُ نَبِيًّا إِلاَّ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ»، ادْفِنُوهُ فِي مَوْضِعِ فِرَاشِهِ (٢). فدُفن في الحجرة التي كان في حياته ﷺ يخرج منها إلى مسجده ﷺ وهذا أمر معروف مقطوع به عند علماء المسلمين، ولا خلاف فيه بينهم (٣). ازداد عدد المسلمين في عهد الخليفتين الراشدين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ فقاما بتوسعة المسجد النبوي من كل الاتجاهات ما عدا

стр. 455

جهة الشرق، وهي جهة حجرة عائشة ﵂ التي فيها قبر النبي ﷺ وهذا ما اتفق عليه المؤرخون (١). الخليفتان الراشدان ﵄ وسعوا المسجد وتركوا القبر كما هو محاطًا بأربع حوائط؛ احترازًا من أن يدخل القبر في المسجد (٢). ثم بعد ذلك دُفن في الحجرة مع النبي ﷺ الخليفتان: أبو بكر وعمر ﵄، فأصبحت الحجرة تضم ثلاثة قبور مسطحة لا مرتفعة ولا منخفضة، مسنمة بالحصباء (٣). الفترة الثانية: ما بين عام (٨٦ هـ) إلى عام (٩٦ هـ) تقريبًا. إعادة بناء الحائط الساقط من حوائط حجرة عائشة ﵂ التي فيها قبر الرسول ﷺ وصاحبيه ﵄ (٤). حصلت التوسعة للمسجد النبوي من جميع الاتجاهات، فأحاط المسجد بالقبر، مع بقاء القبر في الطرف الشرقي (٥). بُني حول حجرة عائشة ﵂ حوائط ذات خمس زوايا مرتفعة، بحيث إن الحائطين الشماليين حرّفا من ركني القبر حتى التقيا (٦). سُقّفت الحجرة وأُغلقت وسُدّ بابها؛ فأصبحت محاطة بخمسة حوائط تفصلها عن المسجد (٧). حصلت التوسعة للمسجد النبوي بعد موت عامة الصحابة ﵃ الذين كانوا في المدينة (٨).

стр. 456

الفترة الثالثة: ما بين عام (٦٧٨ هـ) إلى عام (١٢٥٤ هـ) تقريبًا (١). إعادة بناء الحائطين الغربيين الداخلي والخارجي من حوائط حجرة عائشة ﵂، حيث إن الحائط الداخلي سقط على الحائط الخارجي فتصدّع الخارجي فأُعيد بناؤهما. أُقيمت قبة زرقاء داخلية مربعة من أسفلها مثمنة من أعلاها مصنوعة من أخشاب، أُقيمت على رؤوس الأسوار المحيطة بحجرة عائشة ﵂، مكسوة بألواح الرصاص (٢). بُنيت أسوار ثالثة على حجرة عائشة ﵂ (٣). تعرضت القبة لإصلاحات كثيرة ومُكلفة من قِبل الأمراء والملوك، حيث إنها جدّدت ورُممت وهُدم أعاليها، وبُنيت قبة أخرى بيضاء على الأسوار الخارجية المرتفعة (٤) وغُيّر لونها مرات عديدة حتى طُليت باللون الأخضر (٥)، ومنذ ذلك الوقت سميت بالقبة الخضراء واشتهرت بها كمعلم للمدينة، وكانت تعرف قبل ذلك بالقبة البيضاء ثم الفيحاء ثم الزرقاء. وُضع سور حديدي بينه وبين السور الثالث نحو مترين في بعض المناطق، ونحو متر في بعضها، يضيق ويزداد من منطقة إلى منطقة حول حجرة عائشة ﵂.

стр. 457

هذه أبرز الفترات التي مرّ بها المسجد النبوي، وما حوله من حجرة عائشة ﵂. تفنيد هذه الشبهة: ١ الحجة في قول النبي ﷺ وفعله، وقد جاءت السُّنَّة الصحيحة المستفيضة بالنهي عن البناء على القبور واتخاذها مساجد كما سبق بيانها بالتفصيل (١). ٢ أيضًا الحجة في فعل الخلفاء الراشدين ﵃، كما قال النبي ﷺ : « … فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأَمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (٢). والخليفتان عمر وعثمان ﵄ لم يوسعوا ﵃ المسجد من ناحية الشرق التي هي جهة حجرة عائشة ﵂؛ وإنما أبقوا قبر النبي ﷺ كما هو، فما كان من سُنَّته ﷺ وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعده ﵃ كان حجة صحيحة، ولا يُحتج بفعل من بعدهم (٣). ٣ الاحتياطات التي اتخذت في الفترة الثانية كانت تحاشيًا للخطأ الذي أنكره العلماء والفقهاء ومع ذلك أشاروا من باب الاحتراز إلى بناء أسوار حول حجرة عائشة ﵂، حتى بلغت ثلاثة أسوار، أشار إلى وجودها الإمام ابن القيم ﵀ في نونيته (٤): فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه في عزة وحماية وصيان وأيضًا من باب الاحتراز بُني على آخر الأسوار خمسة حوائط مرتفعة؛

стр. 458

بحيث إن الحائطين الشماليين حُرّفا حتى التقيا؛ لئلا يستقيم لأحد استقبالها بالصلاة، وأيضًا لئلا يكون رباعيًّا يشبه الكعبة (١). ٤ دُفن النبي ﷺ في الموضع الذي قُبضت فيه روحه ﷺ ، وفي الحجرة التي بناها قبل وفاته ﷺ ولم يُبنَ عليه ﷺ (٢). كما ورد في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: لما نزل برسول الله ﷺ الموت، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال ﷺ وهو كذلك: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، يحذر ما صنعوا، قالت عائشة ﵂: فَلَوْلَا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا (٣). فالبناء الذي كان على قبر الرسول ﷺ وحجرة عائشة ﵂ ليس من جنس البناء على القبور ولا من بابه؛ لأن أصل هذا البناء كان موجودًا قبل أن يقبر تحته ﷺ . فلم يكن بناء الحجرة على قبره بعد وفاته؛ وإنما كان سابقًا له، وكذلك لم يكن البناء حينها على قبره ﷺ على سبيل القصد والتعمد، أو لأجل المقبور (٤). فالرسول ﷺ هو من بنى المسجد النبوي والحجرات في المدينة، فكيف يكون ما بناه ﷺ مبنيًا على قبره! ٥ أن قبر النبي ﷺ وصاحبيه ﵄ ليس داخلاً في مسجده اليوم، وإنما لأجل التوسعة أحاط المسجد بالقبر، مع بقائه في الطرف الشرقي، ووجود حوائط فاصلة بينهما (٥). ٦ قبر النبي ﷺ لم يُبْنَ عليه مسجدٌ ولم يدخل في المسجد من أجل

стр. 459

تعظيم قبره، على القول بأنه داخل المسجد؛ بل كان في طرف المسجد ومن أجل التوسعة لا التعظيم (١). ٧ لا يقاس المسجد النبوي بغيره من المساجد؛ لأن للمسجد النبوي فضيلة تميزه ليست لغيره من المساجد، وكذلك لقبر النبي ﷺ خصوصية تخصه يُمنع أن يقاس به غيره من القبور. ففضيلة المسجد النبوي أنه أسس على التقوى (٢)، وأن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام (٣). وخصوصية قبر الرسول ﷺ أنه أمرٌ توقيفي لا يجوز أن يُنقل منه، وهذه الخصوصية ليست لأحد من الناس (٤). ٨ استمرار القبة على حجرة عائشة ﵂ على مدى ثمانية قرون لا يعني أنها أصبحت جائزة، ووجودها ليس بحجة، ولا يُعتدّ به، لمخالفته للكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة. إذ إن القبة الخضراء ليس لها صلة بعهد النبوة، ولا بعهد الصحابة ﵃، ولا بعهد التابعين، ولا أتباعهم ﵃، وإنما هي محدثة من قِبل الملوك المتأخرين من المماليك ومن بعدهم من العثمانيين، وفعلهم ليس بحجة (٥). ٩ أن هذه الشبهة من المتشابه الذي يجب أن يُرد إلى المحكم، وهو النهي المطلق عن البناء على القبور. ١٠ المتتبع للتاريخ والسيرة يعلم أن ما حصل من محظورات للمسجد

стр. 460

النبوي وحجرة عائشة ﵂ إنما هو جرّاء ما يستحسنه الملوك والسلاطين خلال مراحل تاريخية متباعدة. إذن؛ أيُّ حُجة في فعلٍ وقعَ بعد موت النبي ﷺ ، ولم يَحْضُرْه حتى الصحابة ﵃ مع مخالفة البناء على القبور لقولِ رسول الله ﷺ ، وفعله، وكذلك لم يكن مِنْ قول الصحابة ﵃ ولا من فِعلهم (١). فاتخاذُ القبور مساجد كبيرةٌ عظيمةٌ مِنْ الكبائر، حيث جاء فيها الوعيد الشديد، ورتَّب الشارع على فِعلها اللَّعْن، ووصف فاعِلَها بأقبح الأفعال. وبهذا فسد ما هذى به القبوريون من شبهٍ واهية ساقطة ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *﴾ [الأعراف]. * * *
следующие страницы →