← Акыда

Акыда · id 1274

إحياء الآثار دراسة عقدية

منيرة المقوشي

Полный текст (616 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الفترة الثالثة: ما بين عام (٦٧٨ هـ) إلى عام (١٢٥٤ هـ) تقريبًا (١). إعادة بناء الحائطين الغربيين الداخلي والخارجي من حوائط حجرة عائشة ﵂، حيث إن الحائط الداخلي سقط على الحائط الخارجي فتصدّع الخارجي فأُعيد بناؤهما. أُقيمت قبة زرقاء داخلية مربعة من أسفلها مثمنة من أعلاها مصنوعة من أخشاب، أُقيمت على رؤوس الأسوار المحيطة بحجرة عائشة ﵂، مكسوة بألواح الرصاص (٢). بُنيت أسوار ثالثة على حجرة عائشة ﵂ (٣). تعرضت القبة لإصلاحات كثيرة ومُكلفة من قِبل الأمراء والملوك، حيث إنها جدّدت ورُممت وهُدم أعاليها، وبُنيت قبة أخرى بيضاء على الأسوار الخارجية المرتفعة (٤) وغُيّر لونها مرات عديدة حتى طُليت باللون الأخضر (٥)، ومنذ ذلك الوقت سميت بالقبة الخضراء واشتهرت بها كمعلم للمدينة، وكانت تعرف قبل ذلك بالقبة البيضاء ثم الفيحاء ثم الزرقاء. وُضع سور حديدي بينه وبين السور الثالث نحو مترين في بعض المناطق، ونحو متر في بعضها، يضيق ويزداد من منطقة إلى منطقة حول حجرة عائشة ﵂.

стр. 457

هذه أبرز الفترات التي مرّ بها المسجد النبوي، وما حوله من حجرة عائشة ﵂. تفنيد هذه الشبهة: ١ الحجة في قول النبي ﷺ وفعله، وقد جاءت السُّنَّة الصحيحة المستفيضة بالنهي عن البناء على القبور واتخاذها مساجد كما سبق بيانها بالتفصيل (١). ٢ أيضًا الحجة في فعل الخلفاء الراشدين ﵃، كما قال النبي ﷺ : « … فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأَمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (٢). والخليفتان عمر وعثمان ﵄ لم يوسعوا ﵃ المسجد من ناحية الشرق التي هي جهة حجرة عائشة ﵂؛ وإنما أبقوا قبر النبي ﷺ كما هو، فما كان من سُنَّته ﷺ وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعده ﵃ كان حجة صحيحة، ولا يُحتج بفعل من بعدهم (٣). ٣ الاحتياطات التي اتخذت في الفترة الثانية كانت تحاشيًا للخطأ الذي أنكره العلماء والفقهاء ومع ذلك أشاروا من باب الاحتراز إلى بناء أسوار حول حجرة عائشة ﵂، حتى بلغت ثلاثة أسوار، أشار إلى وجودها الإمام ابن القيم ﵀ في نونيته (٤): فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه في عزة وحماية وصيان وأيضًا من باب الاحتراز بُني على آخر الأسوار خمسة حوائط مرتفعة؛

стр. 458

بحيث إن الحائطين الشماليين حُرّفا حتى التقيا؛ لئلا يستقيم لأحد استقبالها بالصلاة، وأيضًا لئلا يكون رباعيًّا يشبه الكعبة (١). ٤ دُفن النبي ﷺ في الموضع الذي قُبضت فيه روحه ﷺ ، وفي الحجرة التي بناها قبل وفاته ﷺ ولم يُبنَ عليه ﷺ (٢). كما ورد في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: لما نزل برسول الله ﷺ الموت، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال ﷺ وهو كذلك: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، يحذر ما صنعوا، قالت عائشة ﵂: فَلَوْلَا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا (٣). فالبناء الذي كان على قبر الرسول ﷺ وحجرة عائشة ﵂ ليس من جنس البناء على القبور ولا من بابه؛ لأن أصل هذا البناء كان موجودًا قبل أن يقبر تحته ﷺ . فلم يكن بناء الحجرة على قبره بعد وفاته؛ وإنما كان سابقًا له، وكذلك لم يكن البناء حينها على قبره ﷺ على سبيل القصد والتعمد، أو لأجل المقبور (٤). فالرسول ﷺ هو من بنى المسجد النبوي والحجرات في المدينة، فكيف يكون ما بناه ﷺ مبنيًا على قبره! ٥ أن قبر النبي ﷺ وصاحبيه ﵄ ليس داخلاً في مسجده اليوم، وإنما لأجل التوسعة أحاط المسجد بالقبر، مع بقائه في الطرف الشرقي، ووجود حوائط فاصلة بينهما (٥). ٦ قبر النبي ﷺ لم يُبْنَ عليه مسجدٌ ولم يدخل في المسجد من أجل

стр. 459

تعظيم قبره، على القول بأنه داخل المسجد؛ بل كان في طرف المسجد ومن أجل التوسعة لا التعظيم (١). ٧ لا يقاس المسجد النبوي بغيره من المساجد؛ لأن للمسجد النبوي فضيلة تميزه ليست لغيره من المساجد، وكذلك لقبر النبي ﷺ خصوصية تخصه يُمنع أن يقاس به غيره من القبور. ففضيلة المسجد النبوي أنه أسس على التقوى (٢)، وأن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام (٣). وخصوصية قبر الرسول ﷺ أنه أمرٌ توقيفي لا يجوز أن يُنقل منه، وهذه الخصوصية ليست لأحد من الناس (٤). ٨ استمرار القبة على حجرة عائشة ﵂ على مدى ثمانية قرون لا يعني أنها أصبحت جائزة، ووجودها ليس بحجة، ولا يُعتدّ به، لمخالفته للكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة. إذ إن القبة الخضراء ليس لها صلة بعهد النبوة، ولا بعهد الصحابة ﵃، ولا بعهد التابعين، ولا أتباعهم ﵃، وإنما هي محدثة من قِبل الملوك المتأخرين من المماليك ومن بعدهم من العثمانيين، وفعلهم ليس بحجة (٥). ٩ أن هذه الشبهة من المتشابه الذي يجب أن يُرد إلى المحكم، وهو النهي المطلق عن البناء على القبور. ١٠ المتتبع للتاريخ والسيرة يعلم أن ما حصل من محظورات للمسجد

стр. 460

النبوي وحجرة عائشة ﵂ إنما هو جرّاء ما يستحسنه الملوك والسلاطين خلال مراحل تاريخية متباعدة. إذن؛ أيُّ حُجة في فعلٍ وقعَ بعد موت النبي ﷺ ، ولم يَحْضُرْه حتى الصحابة ﵃ مع مخالفة البناء على القبور لقولِ رسول الله ﷺ ، وفعله، وكذلك لم يكن مِنْ قول الصحابة ﵃ ولا من فِعلهم (١). فاتخاذُ القبور مساجد كبيرةٌ عظيمةٌ مِنْ الكبائر، حيث جاء فيها الوعيد الشديد، ورتَّب الشارع على فِعلها اللَّعْن، ووصف فاعِلَها بأقبح الأفعال. وبهذا فسد ما هذى به القبوريون من شبهٍ واهية ساقطة ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *﴾ [الأعراف]. * * *

стр. 461

الفصل الثالث المخالفات العقدية المترتبة على إحياء الآثار وفيه تمهيد، وخمسة مباحث: المبحث الأول: مخالفة كلمة التوحيد. المبحث الثاني: المخالفة المتعلقة بالتبرك بالآثار. المبحث الثالث: المخالفة المتعلقة بالتوسل بالآثار. المبحث الرابع: أبرز صور المخالفات التعبّدية المترتبة على إحياء الآثار. المبحث الخامس: أسباب المخالفات العقدية والمفاسد المترتبة على إحياء الآثار.

стр. 462

تمهيد المخالفات العقدية المترتبة على إحياء الآثار لا تخلو من أحد أمرين: الأول: مخالفات متعلقة بإحياء الأثر نفسه سواء كان شجرًا أو حجرًا أو مقام شخص. الثاني: مخالفات متعلقة بإحياء الزائر للآثار. فالأمر الأول: المخالفات المتعلقة بالأثر نفسه؛ كإحيائه والاهتمام به: بالبناء عليه وزخرفته وتسريجه وغيرها من الأمور التي تؤدي إلى تعظيمه وتقديسه، لا شك في حرمتها كما تم بيان ذلك في موضعه وتتعلق به جملة من المخالفات. وأما الأمر الثاني: المخالفات المتعلقة بإحياء الزائر للآثار، وهي متعلقة بمراده وقصده من الزيارة، وما يصدر عنه من أقوال وأفعال وسلوكيات عند تلك الآثار. فأما ما يتعلق بمراده وقصده، فلا يخلو الأمر من حالين: ١ أن يكون قصد الزائر التعبد والتقرب إلى الله ﷻ ، فهنا تتأكد المخالفة أكثر للآثار، إذ إن الأصل في مشروعية العبادة التوقيف، والمنع، حتى يثبت الدليل الصحيح على مشروعيتها (١).

стр. 463

٢ أن يكون قصد الزائر التنزه والسياحة وقد تقدّم بيان حكم كل نوع من أنواع الآثار، والتفصيل فيه. وأما ما يتعلق بما يصدر عن الزائر من أقوال وأفعال وسلوكيات، إذا كان قصده التعبد والتقرب إلى الله ﷻ ، فكثير منها لا يخلو من أن تكون بدعًا أو شركيات تنافي أصل التوحيد أو كماله، كما سيتم بيان ذلك في المطالب التالية. وكما أن الأصل في العبادة التوقيف والمنع حتى تثبت بدليل صحيح، فكذلك لا تقبل العبادة إلا بتحقق شرطين، هما (١): الإخلاص لله تعالى. المتابعة للنبي ﷺ . والمتابعة لا بد أن يتوفر فيها شرطان (٢): ١ المتابعة في صورة العمل. ٢ المتابعة في القصد. فينقسم الناس في هذه القاعدة على أربعة أقسام: (٣) ١ الموحد السُّنِّي: المخلص لله ﷻ ، المتابع لسُنَّة الرسول ﷺ . ٢ المبتدع: المخلص في أعماله، غير المتابع لسُنَّة الرسول ﷺ . ٣ المشرك: المتابع لسُنَّة الرسول ﷺ غير المخلص لله ﷻ . ٤ المبتدع المشرك: من لا إخلاص له، ولا متابعة. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا *﴾ [الكهف]. فلا يصل العبد إلى الله إلا بالله، وبموافقة خليله ﷺ في شرائعه، ومن

стр. 464

جعل الطريق إلى الوصول في غير الاقتداء، يضل من حيث إنه مهتد (١). فإذا تقررت هاتان القاعدتان (٢) وعُمل بهما، سلم المرء من الوقوع في المخالفة، وعبد الله على بصيرة واتباع لسُنَّة نبيّنا محمد ﷺ (٣)، فكل مخالفة شرعية هي في أصلها مخالفة لكلمة التوحيد. وبما أن معظم المخالفات العقدية المتعلقة بإحياء الآثار قد تشترك فيها تلك الأحوال المتقدم ذكرها مخالفات متعلقة بالأثر نفسه أو متعلقة بالزائر، فسيكون الحديث عن أبرزها وأكثرها وقوعًا وانتشارًا وهي مخالفة كلمة التوحيد، والتي ينتج منها مخالفات أخرى تتعلق بعدة مسائل منها: ١ التبرك. ٢ التوسل. ٣ أعمال تعبدية أخرى. وسأقتصر على ذكر المخالفات المتعلقة بالتبرك والتوسل، وسأفرد كل مسألة منهما في مبحث مستقل؛ نظرًا لكثرة وقوع العوام والبُسطاء فيها وتفشيها بينهم؛ لجهلهم بحقيقتها، أو لاشتباههما عليهم وقياسهما على مسائل أخرى، والخلط بين المشروع والممنوع منهما. * * *

стр. 465

المبحث الأول مخالفة كلمة التوحيد وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: المراد بكلمة التوحيد وحكم مخالفتها. المطلب الثاني: سبب الانحراف عن كلمة التوحيد. المطلب الثالث: عواقب مخالفة كلمة التوحيد وثمار تحقيقها.

стр. 466

المطلب الأول المراد بكلمة التوحيد وحكم مخالفتها كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، أصل الإسلام، ومعناها: لا معبود بحق إلا الله. ومضمونها: أن لا يُعبد إلا الله وحده، والله هو الإله الذي تألهه القلوب عبادةً واستعانةً ومحبةً وتعظيمًا وخوفًا ورجاءً وإجلالاً وإكرامًا، فلا يُدعى، ولا يستعان، ولا يستغاث، ولا يُستعاذ إلا بالله، ولا يُتوكل إلا عليه، ولا يُخاف إلا منه، ولا يُرجى إلا هو وحده لا شريك له (١). قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا *﴾ [الكهف]، وقال ﷻ : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا *﴾ [الجن]. فالمدلول الشرعي لكلمة التوحيد: هو اعتقاد أنه إله واحد لا شريك له، وإفراده بالعبادة والتوجه إليه وحده بطلب المنافع ودفع المضار، ونفي الكفء والمثل عن ذاته تعالى وصفاته، فهو المتصف بصفات الكمال، ونفي الشريك له في الربوبية والإلهية، فكما أنه الخالق الرازق المحيي المميت وحده فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له (٢). فكل من دعا مخلوقًا، أو استغاث به، أو اعتقد فيه شيئًا من خصائص الإلهية، فهو مخالف لكلمة التوحيد، مُشرك بالله تعالى، وإن قال بلسانه لا إله

стр. 467

إلا الله؛ لأن فعله واعتقاده يخالف مقتضيات كلمة التوحيد (١)؛ لاقترافه أعظم الكبائر، وأول السبع الموبقات، وأظلم الظلم، وهو الشرك قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ *﴾ [لقمان]؛ لإعطائه المخلوق ما لا يستحقه؛ لأن العبادة حق لله وحده، ولا ند ولا شريك له (٢)، لقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. وتتمثل حقيقة كلمة التوحيد في إخلاص العبودية لله وحده لا شريك له، والبراءة من عبادة ما سواه، فترجع هذه الحقيقة إلى أمرين (٣): ١ «لا إله»: نفي الألوهية كلها عن غير الله. ٢ «إلا الله»: إثبات الألوهية لله وحده لا شريك له. ولا يتحقق معناها إلا بمعرفتها، والإقرار بها، وبالقيام بمقتضاها ظاهرًا وباطنًا، وتخليصها وتصفيتها من شوائب الشرك، والبدع والمعاصي، وذلك بكمال الإخلاص لله تعالى في الأقوال والأفعال والإرادات (٤). نخلص مما سبق إلى أن تحقيق كلمة التوحيد تعتمد مع فعل الفرائض على ترك ثلاثة أمور، وهي: ١ ترك الشرك بأنواعه. ٢ ترك البدع بأنواعها. ٣ ترك المعاصي بأنواعها. فإذا اجتنب المسلم هذه الأمور، كان محققًا لكمال كلمة التوحيد (٥).

стр. 468

وإن المخالف لكلمة التوحيد إما أن يقع في (١): ١ الشرك الأكبر، المناقض لأصل التوحيد. ٢ الشرك الأصغر المنافي لكماله. ٣ البدع والمعاصي التي تكدّر التوحيد، وتمنع كماله، وتعوقه عن حصول آثاره. فالأحكام المترتبة على مخالفة كلمة التوحيد، يختلف حكمها على حسب نوع المخالفة، فيكون حكم المخالفة إما: شركًا، أو بدعة، أو معصية (٢). * * *

стр. 469

المطلب الثاني سبب الانحراف عن كلمة التوحيد تعددت أسباب الانحراف عن كلمة التوحيد، وتنوعت صور مخالفتها، واغترار الناس بإحياء الآثار وتعظيمها يُعدّ أحد صور مخالفتها. وأما عن أبرز أسباب الانحراف فهي: عدم معرفة المراد الشرعي لكلمة التوحيد والخلل في فهم المعنى الصحيح لهذه الكلمة العظيمة؛ المؤدي إلى الخلط بين معنى توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، وجعلهما معنًى واحدًا. وتفسير المعنى المراد ب «لا إله إلا الله» بأنه: لا خالق، ولا مدبّر، ولا رازق ولا محيي ولا مميت إلا الله وحده لا شريك له؛ تفسير ناقص. فظنّ المخالفون لكلمة التوحيد أنهم بإثبات أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، قد حققوا مقتضى: لا إله إلا الله، وإن صرف شيئًا من العبادة لغير الله لا يخالف كلمة التوحيد بزعمهم، وهذا غير صحيح بل باطل غاية البطلان. فالمشركون مقرون بتوحيد الربوبية، وهذا التوحيد مستقر في نفوس البشر، لا ينازع فيه أحد من الناس مسلمًا كان أم كافرًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ *﴾ [الزمر]. والقائلون بأن: لا خالق إلا الله، ولا مدبّر، ولا رازق ولا محيي ولا مميت إلا الله وحده لا شريك له، لا يكونوا مسلمين بهذا القول؛ لأن هذا القول مشترك فيه كافة الناس من اليهود والنصارى والمشركين. إنما قررّ الله تعالى توحيد الربوبية؛ لإثباته وتأكيده، وللاستدلال به على

стр. 470

وجوب توحيد الألوهية، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *﴾ [البقرة]. فالمقرون حقيقةً بتوحيد الربوبية يستلزم منهم الإقرار بتوحيد الألوهية، إذ إن توحيد الربوبية يستلزم أن لا يُعبد إلا الله، فكما أنه الخالق وحده فهو المستحق للعبادة وحده. وكما أنهم مثبتون مؤمنون بأنه لا خالق ولا رازق إلا الله فذلك يلزمهم بصرف العبادة له وحده لا شريك له. فيزعم المخالفون لكلمة التوحيد أنهم معترفون بأن الله ﷻ وحده الخالق الرازق المحيي المميت المدبر … ، وليس للآثار التي يتقربون إليها شيئًا من الخلق أو الرزق أو التدبير، ولكن يتقربون إلى المقبورين، والأصنام والأوثان وغيرها؛ بحجة أنها واسطة ووسيلة تشفع لهم عند الله (١)، فيصرفون أنواعًا من العبادات عند الآثار تقربًا إلى الله . وهذا لا شك من أوجه الشرك بالله تعالى، الذي نفاه عن نفسه ﷻ في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ]. وبيان أوجه الشرك الحاصلة من الذين يدعون من دونه من المخلوقات، ما يلي (٢): ١ لا يملكون مثقال ذرة من ملكه ﷻ . ٢ ليس لهم من شرك في السماوات ولا في الأرض. ٣ ليس أحد منهم معينًا ولا ظهيرًا لله ﷻ . ٤ لا يملكون الشفاعة، إذ إن الله هو مالكها، ولا يشفع إلا لمن أذن له ورضي عنه، ومن اتخذ شفيعًا من دون الله فهو مشرك.

стр. 471

فنفى الله بذلك عن نفسه جميع أوجه الشرك: الملك، والشركة، والمعاونة، والشفاعة التي لا تكون إلا من بعد إذنه ﷻ . فيحتجون على عدم شركهم بالله، بأنهم لم يعبدوهم وإنما جعلوهم وسطاء، وشفعاء، ووسائل إلى الله تعالى، ولا يعتقدون نفعهم ولا ضرهم، وهذه هي حُجة المشركين. فيقولون: إنّا لا نعتقد في طوافنا حول القبر أنه ينفع ويضر، أو مستقل في تحصيل المطالب، وإنما نريده وسيلة وواسطة (١)، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وحكى الله ﷻ قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. فاعتقادهم أنهم لا يضرون ولا ينفعون لكن يرجون شفاعة الميت أو الصنم، أوقعهم في شرك الألوهية، ولو اعتقدوا أنهم ينفعون ويضرون، لصار هذا شركًا في الربوبية، فإذا عبدوهم واعتقدوا أنهم يضرون وينفعون وقعوا في شركين: شرك الربوبية، وشرك الألوهية، فهم بين شرك وشركين (٢). وهم في الحقيقة وقعوا في الشرك الأكبر، وانحرفوا عن أصل الدين وأساسه؛ لمخالفة كلمة التوحيد المتضمنة لمعنى توحيد الألوهية، والتي لأجلها بعث الله ﷻ الرسل، وأنزل الكتب، وفطر الله عليها جميع المخلوقات (٣). كما قال ابن قيّم الجوزية ﵀ في كلمة التوحيد: هي الكلمة التي قامت بها الأرض والسموات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست الملة، ونصبت القبلة، وجردت سيوف الجهاد، وهي محض حق الله على جميع العباد، وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار،

стр. 472

والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار، وهي المنشور الذي لا تدخل الجنة إلا به، والحبل الذي لا يصل إلى الله من لم يتعلق بسببه، وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وبها ينقسم الناس إلى شقي وسعيد، ومقبول وطريد، وبها انفصلت دار الكفر من دار الإسلام، وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان، وهي العمود الحامل للفرض والسُّنَّة (١) * * *

стр. 473

المطلب الثالث عواقب مخالفة كلمة التوحيد وثمار تحقيقها إن انتشار الشركيات والخرافات البدعية يلحقهما آثار سيئة، وعواقب وخيمة على الفرد والمجتمع، فمن الآثار والعواقب المترتبة على مخالفة كلمة التوحيد، ما يلي (١): ١ تفرق شمل المسلمين وتمزقهم؛ المؤدي إلى ضعفهم، وهوانهم. ٢ القلق والاضطراب، والخوف الدائم الملازم لقلب المشرك؛ بسبب تعلقه بغير الله. ٣ عداوة المشرك لله ﷻ ولنفسه، وللمسلمين. ٤ الشركيات والبدع والخرافات تدعو إلى كل رذيلة، وتُبْعد عن كل فضيلة. ٥ حلول العقاب من الله على المبتدع، وإبعاده عن حوض النبي ﷺ ومنعه من الشرب منه، والخلود الأبدي في النار لمن وقع في الشرك الأكبر. ٦ جلب المبتدع على نفسه اللعنة من الله ﷻ والملائكة ومن الناس أجمعين. وفي المقابل عدم مخالفة كلمة التوحيد والقيام بها وبمقتضاها يجني المسلم منها ثمارًا عظيمة، وآثارًا حميدة. ومن المعلوم أن التوحيد يرتكز على مصدرين، منهما يستقي المسلم عقيدته: الكتاب، والسُّنَّة، بفهم سلف الأمة، الذي بهما يحقق المسلم تفاصيل هذه الكلمة العظيمة. وكذلك تتحقق سُنَّة نبيّنا محمد ﷺ بإحياء آثاره الحديثية المروية التي

стр. 474

هي أحد ركني الشرع ومن الأساسات التي تنبني عليها العقيدة الصحيحة، وبها تتحقق كلمة التوحيد، فمن أبرز الثمار التي تحصل عند تحقيق هذه الكلمة العظيمة، ما يلي (١): ١ الاعتصام بحبل الله، واجتماع الكلمة التي بها تتحقق القوة للمسلمين، والنصرة والتأييد على عدوهم، كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ٢ توفر الأمن والأمان في المجتمع الواحد، والطمأنينة النفسية، والاستقرار الذهني؛ لأن العبد يعبد ربًّا واحدًا يعلم مراده، فيفعل ما يرضيه، ويعرف ما يسخطه فيتقيه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ *﴾ [الأنعام]. ٣ السمو والرفعة في الدنيا والآخرة لأهل التوحيد، قال تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ *﴾ [الحج]. ٤ حصول السيادة والاستخلاف في الأرض، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]. ٥ عصمة العرض والدم والمال؛ لقوله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ» (٢). هذه لمحة يسيرة إلى بعض ثمار تحقيق هذه الكلمة العظيمة، وإلا فليس شيء من الأمور يجنى من خلاله الثمار الحميدة، والآثار الجليلة أعظم من كلمة التوحيد، فهي جماع خيري الدنيا والآخرة.

стр. 475

المبحث الثاني المخالفة المتعلقة بالتبرك بالآثار وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: المراد من التبرك بالآثار. المطلب الثاني: أقسام التبرك بالآثار وأحكامه. المطلب الثالث: أسباب الانحراف في التبرك بالآثار. المطلب الرابع: عواقب التبرك بالآثار.

стр. 476

المطلب الأول المراد من التبرك بالآثار التبرك لغة: الباء والراء والكاف أصلٌ واحدٌ، وهو ثَباتُ الشيءِ، ثم يتفرع فروعًا يقاربُ بعضُها بعضًا (١)، ومصدرها تبرّك يتبرّك، تبرّكًا؛ أي: طلب البركة، والتبرك بالشيء: طلب البركة بواسطته (٢)، وزيادة الخير ونماؤه ودوامه (٣). شرعًا: طلب البركة ورجاؤها من الله تعالى، والتماسها في ذات أو قول أو فعل أو زمن، أو مكان، بإذن الشارع، على كيفية مخصوصة، بوسائل مشروعة (٤). العلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي: العلاقة تكمن في أن البركة معناها العام هي زيادة ونماء في شيء يريده المتبرك في تبركه بما تبرك به، وهذه البركة قد تكون في ذوات، أو صفات، أو أمكنة، وهذا مقتضى ورودها اللغوي (٥).

стр. 477

حقيقة التبرك: ثبوت الخير ودوامه، أو كثرة الخير وزيادته، أو اجتماعهما معًا (١). التبرك الممنوع بالآثار: يقصد به التماس البركة والخير من غير مستند شرعي يدل على ثبوت البركة فيه، كأن يكون أثر حجر أو شجر، أو أي أثر ارتبط بذات شخص، أو ما انفصل منه، أو مكانًا مرّ به أو جلس، أو دُفن به (٢)، ويستثنى من ذلك ذوات الأنبياء ﵈ فقط. * * *

стр. 478

المطلب الثاني أقسام التبرك بالآثار وأحكامه ينقسم التبرك إلى عدة أقسام من حيثيات مختلفة؛ فالتبرك من حيث نوعه ينقسم إلى قسمين: ١ - تبرك مشروع: أن يلتمس المسلم البركة فيما أذن له الشرع بالتماس البركة فيه، وفي حدود المأذون فيه (١)؛ كالتماس البركة في قراءة القرآن والشفاء في قراءته، وغيرها من الأمور التي ورد في الكتاب والسُّنَّة جواز التبرك بها (٢). وحين ورود الدليل من الكتاب والسُّنَّة على عبادة ما؛ فالأصل فيها مع الإخلاص موافقة الشرع في المتابعة والتأسي في القصد وفي صورة العمل (٣). إذ إن المتابعة في القصد أبلغ من المتابعة في صورة العمل كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٤). ٢ - تبرك ممنوع: أن يلتمس المسلم البركة فيما لم يأذن به الشرع بالتماس البركة فيه، أو يتجاوز الحد المأذون له به إلى ما لم يأذن به الشرع (٥)؛ كالتماس

стр. 479

البركة في آثار مقامات الأنبياء، والصالحين، والأحجار والأشجار وغيرها من الآثار التي لم يرد في الكتاب والسُّنَّة جواز التبرك بها، أو يتجاوز الحد المأذون له به إلى ما لم يأذن به الشرع كالغلو ببعض الآثار، وكالتبرك في المساجد الثلاثة وخصوصًا المسجد الحرام، والتبرك بما يحويه من أماكن التعبّد كالكعبة (١)، والحجر الأسود، والمقام وتجاوز المشروع عندها. والتبرك المتعلق بإحياء الآثار، ليس هو التبرك المشروع، وإنما هو التبرك الممنوع؛ لذا سيُقتصر الحديث عليه. ينقسم التبرك الممنوع من حيث حكمه إلى قسمين: أ - شرك أكبر: وهو اعتقاد استقلال المخلوق بذاته في منح البركة، وهبتها (٢)، فيطلبون البركة من آثار المخلوقات، ويعتقدون أنها تملك البركة وتهبها، أو يعتقدون بتبركهم أنها وسيلة تتوسط لهم عند الله. فإذا طلب بركة الأثر، معتقدًا أنه بتمسحه به، أو تمرغه عليه، أو التصاقه به يتوسط له عند الله ويكون وسيلة تقربه لله فهذا قد اتخذ مع الله إلهًا آخر، وأشرك شركًا أكبر مخرجًا من الملة، وهو يماثل ما كان يعتقده أهل الجاهلية في الأشجار والأحجار التي يعبدونها، وفي القبور التي يتبركون بها؛ اعتقادًا منهم بأنها وسائل ووسائط، يعكفون ويتمسحون بها، فهذا الفعل راجع إلى اتخاذ الأنداد والشركاء مع الله ، وقد قال : ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] (٣). ب - شرك أصغر: وهو التماس المسلم البركة فيما لم يأذن به الشرع

стр. 480

بالتماس البركة فيه، أو يتجاوز الحد المأذون له به إلى ما لم يأذن به الشرع، مع اعتقاده أن الله ﷻ هو من وضع البركة فيه (١). أي: أنه إذا كان يعتقد أن التبرك بالأثر سبب يحصل له البركة بدون اعتقاد أنها هي بعينها التي تهب البركة بل توصل وتقرب إلى الله فقد وقع في الشرك الأصغر، وفي التبرك البدعي كما سماه بعض العلماء (٢). فمن يطلب البركة من الله تعالى، ولكن بواسطة شيء لم يرد في الشرع جواز التبرك به، أو اعتقد أنه سبب في البركة، كأن يأخذ تراب قبر، فينثره عليه؛ لاعتقاده أن هذا التراب جعله الله مباركًا، من جهة السببية: فهذا شرك أصغر؛ لأنه اعتقد ما ليس سببًا مأذونًا به شرعًا: سببًا (٣). فحكم التبرك ودرجة الشرك تتحددان بحسب اعتقاد المتبرك. ويمكن أيضًا تقسيم التبرك الممنوع من حيث جنس المتبرك به إلى ثلاثة أقسام، وهي (٤): ١ التبرك بآثار مقامات الأنبياء ﵈. ٢ التبرك بآثار الصالحين، ومقاماتهم. ٣ التبرك بالأحجار والأشجار والأماكن ونحوها. ومن صوره: التماس البركة من آثار مقامات الأنبياء أو ذوات الأولياء والصالحين وقبورهم، أو الأصنام والأوثان ومن الآثار بالعموم من شد الرحال إليها، والصلاة والدعاء والعكوف عندها، والتمسح بترابها، وجدرانها طلبًا للخير والبركة، والنماء.

стр. 481

ومن المعلوم أن البركة من الله ﷻ ، ولا تُطلب إلا منه ؛ لأنه لا يملكها أحد غيره ؛ فيمنحها ويهبها من يشاء، ويمنعها عن من يشاء (١). قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *﴾ [الملك]، وقال ﷻ : ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضَ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقال : ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ *﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]. فمن طلب البركة من غير الله، أو اعتقد في أثر أنه سبب للبركة، والله لم يجعله سببًا فقد وقع في الشرك؛ لأن البركة كلها من الله وحده، فهو مالكها وواهبها، فلا تطلب من غيره (٢). والتبرك بالآثار من غير مستند شرعي منهي عنه، إذ إن الشيء لا يكون سببًا في حصول البركة، إلا بدليل صحيح؛ لأن الأصل في ذلك التوقيف. وكذلك طريقة التبرك بما ثبتت بركته شرعًا ينبغي أن تكون شرعية، وأن لا يبتدع في ذلك هيئات وطرائق لم يفعلها السلف، فيكون متابعًا في صورة العمل وقصده (٣). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: المتابعة أن يُفعل مثل ما فعل ﷺ على الوجه الذي فعل، فإذا فعل فعلاً على وجه العبادة، شُرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصصناه بذلك (٤). الخلاصة: أنه لا يشرع التبرك بشيء من الآثار كالأحجار والأشجار،

стр. 482

والمشاهد والأماكن ونحوها (١)؛ لأن التبرك عبادة، وصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله، هو تأليه مع الله وإشراك به (٢). ودليل النهي عن ذلك حديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ وَكَانُوا أَسْلَمُوا يَوْمَ الْفَتْحِ قَالَ: فَمَرَرْنَا بِشَجَرَةٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله اجعل لنا ذات أنواط كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، وَكَانَ لِلْكُفَّارِ سِدْرَةٌ يَعْكِفُونَ حَوْلَهَا وَيُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يَدْعُونَهَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ فَلَمَّا قُلْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ وَقُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ *﴾ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»» (٣). ولتوضيح أوجه تحريم التبرك بالآثار من خلال حديث أبي واقد الليثي ﵁؛ سأذكر ما يلي: ١ أن هذا الحديث أصل في تحريم التبرك بالآثار؛ لتغليظ النبي ﷺ على من طلب بأن يجعل لهم ذات أنواط، حيث إنه ﷺ كبّر، وشبّه فعلهم بفعل بني إسرائيل، ولم يعذرهم لكونهم حديثي عهد بالإسلام في قصدهم؛ استعظامًا للأمر الذي طلبوه (٤). ٢ جاء النهي عن العكوف عند الأثر، والعكوف هو ملازمة الشيء والإقامة عليه بالمكان ولزومه على وجه التعظيم والقربة (٥). ومنه قوله: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ *﴾ [الأنبياء]، وجاء في الحديث: أنهم كانوا يعكفون عند شجرة: ذات أنواط تبركًا بها.

стр. 483

وفي رواية أخرى للحديث عن عمرو بن عوف ﵁ قال: كان يُناط بها السلاح فسميت ذات أنواط، وكانت تُعبد من دون الله .... فيُجمع بينهما: أن العكوف عندها؛ رجاء بركتها مفضٍ إلى عبادتها (١). ٣ انتفاء التوحيد؛ لأن التبرك بالشجر نوع من الشرك، واتخاذ الآلهة شرك واضح، فأخبر النبي ﷺ أن هذا الأمر الذي طلبوه منه، وهو اتخاذ شجرة للعكوف عندها، وتعليق الأسلحة بها تبركًا كالأمر الذي طلبه بنو إسرائيل من موسى ﵇ حيث قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، فتبين أن في كِلَا الطلبين منافاة للتوحيد (٢). ٤ الوقوع في الشرك؛ لأن في تعليق الأسلحة على الشجرة تبركًا بها، والعكوف عندها، يُعدّ اتخاذها إلهًا مع الله مع أنهم لا يعبدونها، ولا يسألونها! فما الظن بما حدث من عباد القبور من دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، والذبح، والنذر لهم، والطواف بقبورهم، وتقبيلها، وتقبيل أعتابها وجدرانها، والتمسح بها، والعكوف عندها، وجعل السدنة والحجاب لها؟! وأي نسبة بين هذا، وبين تعليق الأسلحة على شجرة تبركًا؟! (٣). ٥ النهي عن التشبه بأهل الجاهلية؛ لإنكار النبي ﷺ عليهم بقوله: «قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ»، فكل من جهل الحق، وعمِل عَمل الجاهلين، فهو من أهل الجاهلية (٤). ٦ تحذير النبي ﷺ من تقليد الأمم السابقة وتتبع طريقتهم، كما أخبر النبي ﷺ في قوله: «لتركبن سنن من كان قبلكم»، وهذا تنبيه منه ﷺ إلى أن الأمة ستبتلى بما ابتلي به أهل الجاهلية، من عبادة القبور والأحجار، والتبرك بها، تحذيرًا منه ﷺ لأمته من الوقوع في الشرك (٥).

стр. 484

المطلب الثالث أسباب الانحراف في التبرك بالآثار الانحراف عن الحق في أي أمر من الأمور لا بد أن يكون له بواعث وأسباب أدّت إليه، فهناك أسباب عامة للانحرافات بشكل مجمل؛ كالأسباب التي سيأتي ذكرها في المبحث الخامس، وأسباب أخرى خاصة بالانحراف في أمر معين وهي المقصودة هنا. وتعود أسباب الانحراف في مسألة التبرك إلى وجود اللَّبْسِ في المعنى، فيركّب المبطلون إجمالَ اللفظ ابتغاءَ تمريرِ معناه المنحرف، وتلبيسًا على الأمة التي تقبله بمعناه الصحيح، فيُثمر هذا اللبسُ كتمانَ الحق. وقد جاء في القرآن التحذير من هذا المسلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ *﴾ [البقرة]، وقال ﷻ : ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ *﴾ [آل عمران]. فالتبَرُّك بالآثار يستغله أهل الضلال بالباطل ويلبسون ويدسّون شركهم في مضامينه، حيث احتوت على معنى شرعيّ وآخرَ بدْعيّ وثالث شرْكيّ. فيطلقونها ويقصدون بها المعنى المنحرف، ويلبّسونها ثوب الأدلة للمعنى الشرعي الصحيح، فيقع الناس في أمر مَرِيج. وهكذا دخل أهل الباطل على العامة، وساغت مفاهيمهم؛ إذ لو أظهروا قصدهم لنكِرَهم الناس؛ فإنه لا يرضى الوقوعَ في الشرك أحدٌ إلا من يشاء الله؛ فيعمدون إلى هذا المكر، فيظهرون الباطل في قالب الحق (١). وهذا من الخلطِ المتعمَّد بين التبرك الممنوع والمشروع، كقياس آثار

стр. 485

الصالحين بآثار النبي ﷺ في شرعية التبرك، وقياس التبرك بآثار النبي ﷺ الذاتية والمنفصلة بالتبرك بالأماكن واعتقاد تعدي البركة الذاتية للأمكنة قياسًا على بركة الآثار الذاتية المنفصلة عن جسد النبي ﷺ (١). وأما عن أبرز الأسباب التي أدت إلى الانحراف في مسألة التبرك بالآثار، ما يلي: السبب الأول: قياس آثار الصالحين وذواتهم بذات النبي ﷺ وآثاره في شرعية التبرك: إن بركة الذوات لا تكون إلا لمن وهبه الله إياها وهم: الأنبياء والمرسلون، وأما غيرهم من عباد الله الصالحين فبركتهم بركة عملٍ؛ أي: ناشئة عن علمهم وعملهم واتباعهم لا عن ذواتهم. فأجساد الأنبياء ﵈ فيها بركة ذاتية يتعدى أثرها إلى غيرهم، وهذا مخصوص بهم، وبركة الصالحين بأعمالهم كما جاء في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ … » (٢). فكل مسلم فيه بركة راجعة إلى الإيمان واليقين الذي في قلبه، وإلى العلم والعمل، والتعظيم لله والإجلال له ﷻ والاتباع لرسوله ﷺ . وأيضًا من بركات الصالحين: دعاؤهم الناس إلى الخير، ودعاؤهم لهم، ونفعهم الخلق بالإحسان إليهم بنيةٍ صالحة. وكذلك من بركات أعمالهم ما يجلب الله من الخير بسببهم وما يدفعه من النقمة والعذاب العام ببركة صلاحهم وإصلاحهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ *﴾ [هود]. فبركة المسلم الصالح لا تنتقل من شخص لآخر، فيكون معنى التبرك بأهل الصلاح هو الاقتداء بهم في صلاحهم، والتبرك بأهل العلم هو الأخذ

стр. 486

من علمهم والاستفادة منه (١). وأما ما يعتقده بعض الناس من أن ذوات الصالحين مباركة، فيتمسح بهم، ويشرب سؤرهم، ويقبل أيديهم طلبًا للبركة ونحو ذلك، فهو ممنوع ومحرم شرعًا؛ لأسباب، منها (٢): أ عدم المقاربة فضلاً عن المساواة للنبي ﷺ في الفضل والبركة (٣). ب عدم ورود الدليل الشرعي على جواز التبرك بآثار غير النبي ﷺ ، وهذا يؤكد اختصاص النبي ﷺ بالتبرك (٤)، فإذا ثبتت خصوصية النبي ﷺ بالتبرك بآثاره؛ فإنها تقتضي أن حكم غيره ليس كحكمه وذلك إجماع (٥). ج أن الصحابة ﵃ أنفسهم لم يتبركوا بأحد من فضلائهم، في حياة النبي ﷺ أو بعد وفاته (٦)، فكان إجماعًا منهم على تخصيص الرسول ﷺ دون ما سواه (٧). د وكذلك التابعون ساروا على نهج الصحابة ﵃ فلم يُنقل عنهم أنهم تبركوا بالصحابة ﵃، ولا فعله التابعون مع فضلائهم، وقادتهم في العلم والدين (٨). ولو كان مشروعًا لسارع إليه الصحابة والتابعون ﵃ ولسبقونا إليه، ولم

стр. 487

يُجمعوا على تركه، فهم أحرص الناس على فعل الخير (١). ومما يؤيد ذلك قول الإمام الشاطبي ﵀: لم يترك النبي ﷺ بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق ﵁، فهو كان خليفته، ولم يفعل به شيء من ذلك، ولا عمر ﵁، وهو كان في الأمة بعده، ثم كذلك عثمان، ثم علي، ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة ﵃، ثم لم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف أن متبركًا تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها؛ بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيها النبي ﷺ ، فهو إذًا إجماع منهم على ترك تلك الأشياء كلها (٢). وكما أكّد على ذلك الحافظ ابن رجب ﵀ بقوله: وكذلك التبرك بالآثار ولما كان يفعله الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم بعضًا، ولا يفعله التابعون مع الصحابة مع علو قدرهم (٣). هـ لا يجوز التبرك بآثار الصالحين، قياسًا على النبي ﷺ ؛ وذلك سدًّا للذريعة المفضية إلى الشرك (٤). وقد علل الإمام الشاطبي ﵀ عدم جواز التبرك بالصالحين سدًّا للذريعة بقوله: لأن العامة لا تقتصر في ذلك على حد؛ بل تتجاوز فيه الحدود، وتبالغ بجهلها في التماس البركة، حتى يداخلها للمتبرك به تعظيم يخرج به عن الحد، فربما اعتقد في المتبرك به ما ليس فيه، وهذا التبرك هو أصل العبادة (٥). فالتبرك فتنة للمعظِّم، والمعظَّم، كما قال الحافظ ابن رجب ﵀ في سياق كلامه عن اختصاص النبي ﷺ بالتبرك به وعدم قياس الصالحين عليه قائلاً إن التبرك: فتنة للمعظِّم وللمعظَّم لما يُخشى عليه من الغلو المدخل في

стр. 488

البدعة، وربما يترقى إلى نوع من الشرك (١). وعلى فرضية جواز التبرك بآثار الصالحين؛ تنزلاً مع المخالف نقول (٢): ١ عدم تحقق الصلاح؛ فإنه لا يتحقق إلا بصلاح القلب، وهذا أمر لا يمكن الاطلاع عليه إلا بنص: كالصحابة ﵃ الذين أثنى الله ﷻ عليهم ورسوله ﷺ ، أو أئمة التابعين وغيرهم من الذين تشهد لهم الأمة بالصلاح، وقد عُدم أولئك، أما غيرهم فغاية الأمر أن نظن أنهم صالحون فنرجو لهم ذلك. ٢ حتى لو ظننا صلاح شخص، فلا نأمن أن يُختم له بخاتمة سوء، والأعمال بالخواتيم، فلا يكون أهلاً للتبرك بآثاره على حد قولهم، وتنزلاً لمقالهم. وبناء على ذلك لا يُقاس التبرك بآثار الصالحين على تبرك الصحابة ﵃ بآثار النبي ﷺ ؛ لاختصاص النبي ﷺ بذلك، ولعدم مقاربة أحدٍ للنبي ﷺ فكيف بمساواته بالبركة والفضل! (٣). السبب الثاني: الخلط بين بركة الأماكن اللازمة غير المتعدّية وبين بركة الأنبياء الذاتية المتعدية، وعدم التمييز بينهما: البركة الذاتية المتعدية للأنبياء سبق بيانها وإقرارها (٤). أما عن بركة الأماكن فقد جاء في القرآن الكريم أن الله بارك في بعض الأراضي والأماكن، كما في قوله تعالى عن البيت الحرام: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ *﴾ [آل عمران]. وكما جاء عن المسجد الأقصى، في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]. ومعنى كون الأرض مباركة: أن يكون فيها الخير الكثير اللازم الدائم لها

стр. 489

ولأهلها في معايشهم، وأقواتهم، وحروثهم، وغروسهم؛ ليكون ذلك أشجع في ملازمتها والدعوة إليها (١)، كما أشرت إلى ذلك سابقًا (٢). ولا يُفهم من هذه البركة أن يُتَمَسَّح بأرضها، أو بحيطانها؛ لأن بركتها لازمة، ولا تتعدى وتنتقل للذات، وإنما بركتها من جهة المعنى فقط. فالكعبة مباركة من جهة: تعلق القلوب بها، وكثرة الخير الذي يكون لمن أرادها، وأتاها، وطاف بها، وتعبد لله عندها. وكذلك الحجر الأسود هو حجر مبارك، ولكن بركته لأجل العبادة، بحيث إن من استلمه تعبدًا مطيعًا للنبي ﷺ في استلامه له، وفي تقبيله، فإنه تناله بركة الاتباع (٣). وكما تمت الإشارة أيضًا (٤) إلى أن تقبيل الحجر الأسود عبادة محضة لله امتثالاً للأمر (٥)، وتأسيًا بالنبي ﷺ صورةً وقصدًا؛ لحصول بركة الثواب، خلافًا لمن يظنُّ أن به بركة حسية؛ فيقبّله ويستلمه، ثم يمسح على سائر بدنه تبركًا بذلك (٦). وقد قال أمير المؤمنين عمر ﵁ لما قبّل الحجر الأسود: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك (٧) بمعنى: أنه لا يجلب لمن قبّله شيئًا من النفع، ولا يدفع عن أحد شيئًا من الضر، وإنما الحامل على التقبيل مجرد الاتِّساء، تعبدًا لله ﷻ ، ولذلك قال ﵁: … ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. وبناءً على ذلك فإن الأمكنة لا تكون مباركة إلا بدوام الطاعة فيها، وهي

стр. 490

سبب إعطاء الله البركة، حتى المساجد فإنها مباركة، إلا أن بركتها لا تدوم مع زوال الطاعات عنها (١). فهذا معنى البركة التي جُعلت في الأمكنة أنها لا تنتقل للذات، وإنما هي بركة لازمة من جهة المعنى (٢). وأن التبرك بالآثار المكانية بالتمسح والتقبيل وسيلة إلى ما هو أعظم (٣)، من الغلو والتعظيم والتقديس المفضي إلى الشرك وعبادة من دون الله ﷻ . وقد حذّر العلماء والأئمة الحفاظ من تزيين الشيطان، واغترار الناس وافتتانهم بما يحصل من صلاحٍ أو خيرٍ للمتبرك به، فيرتكس مَنْ لا حظَّ له من الحق في عبادة غير الله باسم التبَرُّك (٤). كما أشار إلى ذلك الحافظ أبو شامة ﵀ بقوله: ما قد عَمَّ به الابتلاء، من تزيين الشيطان للعامّة تخليق الحيطان والعُمُد، وسرج مواضع مخصوصة من كل بلد، يحكي لهم حاكٍ أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن شُهِرَ بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك، ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي من بين عيون، وشجر، وحائط، وحجر (٥). وكما أرشد الإمام أبو بكر الطرطوشي ﵀ إلى قطع دابر كل أثر يعظمه الناس، في قوله: انظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها، ويرجون البُرْءَ والشفاء من قِبَلها، ويضربون بها المسامير والخِرَق؛ فهي ذات أنواط، فاقطعوها (٦).

стр. 491

المطلب الرابع عواقب التبرك بالآثار التبرك بالآثار ممنوع شرعًا كما سبق بيانه، ويترتب عليه مفاسد عظيمة، وشرور وخيمة، وآثار سيئة خطيرة، فمن أبرز تلك العواقب ما يلي: (١) ١ الوقوع في الشرك المنافي للتوحيد أو لكماله. ٢ الابتداع في الدين؛ لعدم ورود دليل من الكتاب والسُّنَّة، يدل على مشروعية التبرك بالآثار، ولم يكن من فعل السلف الصالح ﵃. ٣ الوقوع في الإفك، والكذب؛ للتغرير بالجهال، وإضلال الأجيال، وذلك من خلال: أ الاستدلال على شرعية التبرك الممنوع بالأحاديث الضعيفة والموضوعة. ب تحريف النصوص الشرعية، وتحميلها ما لا تحتمل ج تحديد وتعيين موضع ومكان التبرك زورًا وبهتانًا. د ادّعاء حصول البركة عند التمسح ببعض القبور، وإجابة الدعوات بها، كما يشيعه دجاجلة السدنة لعوام الناس (٢). ولا شك أن التجارب والأخبار ليست هي الوسيلة الصحيحة؛ لمعرفة مشروعية الأعمال الدينية؛ بل الوسيلة الوحيدة المقبولة لذلك الاحتكام للشرع

стр. 492

المتمثل بالكتاب والسُّنَّة (١). ٤ يؤدي إلى انتهاك المحرمات، ووقوع كثير من المفاسد، والمنكرات، كإحياء القبور واتخاذها مزارات، ومشاهد، وأعيادًا متكررة. ٥ إضاعة السنن، فما أحدث قوم بدعة، إلا رفع مثلها من السُّنَّة، وما اشتغلت القلوب بالبدع إلا وأعرضت عن السنن؛ لأن القلب لا يشتغل بكلا الضدين. ٦ سرعة انتشار البدع، وتفشيها؛ فالبدعة كالنار تبدأ شرارة ثم تكبر. * * *

стр. 493

المبحث الثالث المخالفة المتعلقة بالتوسل بالآثار وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: المراد من التوسل بالآثار. المطلب الثاني: أقسام التوسل وأحكامه. المطلب الثالث: أسباب الانحراف في التوسل بالآثار. المطلب الرابع: عواقب التوسل بالآثار.

стр. 494

المطلب الأول المراد من التوسل بالآثار التوسل لغة: الواو والسين واللام كلمتان متباينتان، إحدى معانيها: الرَّغْبة والطَّلَب (١). ويعرّف بالمعنى العام عند أهل اللغة بأنه: التوصل إلى المراد والسعي في تحقيقه (٢). التوسل شرعًا: التقرب إلى الله بعبادته وطاعته، واتباع أنبيائه ورسله ﵈، فيُتوسل إلى الله بما شرعه من العبادات، وبما جاء به نبيّه محمدًا ﷺ (٣)، وبكل عمل يحبه الله ويرضاه (٤)، من الواجبات والمستحبات المشروعة (٥)، حتى يتوصل إلى رضوان الله والجنة؛ بفعل ما أمر الله ﷻ وترك ما نهى عنه (٦). كما أمر بذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *﴾ [المائدة].

стр. 495

العلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي: أن التوسل لغة لا يخرج عن معنى التقرّب، أو ما يؤول إليه، وهو كذلك في الشرعي، ولكنه مقيّد فيما يحبه الله ويرضاه (١). وقد جاء عن المتأخرين تعريفات مختلفة ومخالفة لمعنى التوسل الشرعي المذكور آنفًا، فما ذكرته هو معنى التوسل الشرعي الصحيح، وأما التوسل بالآثار فهو يدخل تحت معنى آخر بدعي وثالث شركي، وهما كالتالي: ١ الإقسام بالمتوسل به على الله ﷻ (٢)، بسؤال الله ودعائه بجاه نبيّه، أو بحق عبده الصالح، أو ببركة الصالحين، وهذا هو المراد بالتوسل البدعي الذي جاء عن المتأخرين. ٢ التقرّب إلى الموتى، والتزلّف بهم إلى الله ﷻ (٣)، بطلب الدعاء، والتضرع، والشفاعة للمتوسل إليه (٤)، واتخاذه وسيلة؛ لإجابة الدعاء، والاستعانة والاستغاثة بهم، ودعائهم رغبة ورهبة، والذبح لهم والنذر، وتعظيمهم بما لم يشرع في حق مخلوق (٥)، وهذا هو المراد بالتوسل الشركي الصادر من عبّاد القبور. * * *
следующие страницы →