← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12759

الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق

عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ

Полный текст (584 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ومضى الباقلانى بعد أن ترك للبلاغين ممن تكلموا في الإعجاز بعده، هذا الرصيد الضخم من ألفاظه البديعة وعباراته الفخمة، في النصاعة والبراعة والفخامة والسلاسة، والنضارة والغضارة، والرونق والماء، والحسن والبهاء والبهجة والسناء، والنور والضياء، والدر والياقوت، وفريدة العقد وعين القلادة ودرة الشذر، والبحر الزاخر والنجوم الزاهرة، والكبريت والأحمر. . . وترك لمدرسة السكاكي، طريقته في التناول البلاغي: تقدم مع الشواهد من قول البشر شاهداً من القرآن، دون تفرقة أو تمييز، بل على القول بالمثل والنظير. . . * * * والجرجاني - من القرن الخامس الهجري - يعرض في رسالته (الشافية) لقضية الإعجاز في جدل المتكلمين خصومه المذهبيين، متعقباً شبهات من صرفوا الإعجاز عن وجهة البلاغي، وبخاصة من قالوا فيه بالصرفة. وإذ كانت البلاغة عنده ليست إلا النظم، يقرر أن العرب إنما عجزوا عن الإتثيان بمثله في النظم - ١١٧ "وإن التحدي كان أن يجيئوا في أي معنى شاءوا بنظم يبلغ نظم القرآن في الشرف أو يقرب منه" - ١٤١. ويذهب الجرجاني إلى استحالة أن يكون التحدي بالكلم المفردة أو بمعانيها التي هي لها بوضع اللغة. فذلك متاح لأهل اللغة. كما يُبطل أن يكون النظم: "الإتيان بكلام في زنة كلمات القرآن بمقاطعة ومفاصله، على نحو ما يأتي الشاعر بقصيدة يعارض بها أخرى في وزنها وعلة رَوِيَّها" - ١٩٨ "وإذ امتنع ذلك لم يبق إلا أن يكون الإعجاز في النظم والتأليف، لأنه ليس من بعد ما أبطلنا أن يكون فيه، إلا النظم" - ٢٠١. ويحدد معنى النظم والتأليف، بأنه "ليس شيئاً غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، وأنَّا إن بقينا الدهلا نجهد أفكارنا حتى نعلم للكلم المفردة مسلكاً

стр. 107

ينظمها وجامعاً يجمع شملها ويؤلفها ويجعل بعضها بسبب من بعض، غيرَ توخي معاني النحو وأحكامه فيها، طلبنا ما كلُّ محالٍ دونه" - ٢٠١. وهو يتجه بمعاني النحو إلى مواضعها في نسق الكلام ونظم الأسلوب، لا إلى الصنعة الإعرابية التي تُجَرى بمعزل عن المعنى. * * * ويمتنع عند عبد القاهر، أن يَفهم هذا الإعجاز البلاغي في النظم، مَن لم يؤت الآلة التي بها يفهم وهي العلم بالبلاغة والفصاحة. وكتابه (دلائل الإعجاز) يُفَصَّل القول في هذا العلم الشريف بما يتفاضل به الكلام في نظمه. أي أن الدلائل مقدمة لفهم الإعجاز ووسيلة إليه. ومعقد البلاغة عنده "أن يؤتى المعنى من الجهة التي هي أصح لتأديته، ويُختار له اللفظ الذي هو أخص به وأكشف عنه وأتم له، وأحرى بأن يكسبه نبلا ويظهر فيه مزية. ولا تفاضل بين لفظتين في الدلالة حتى يكون إحداهما أدل على معناها من الأخرى. "وهل تجد أحداً يقول: هذه اللفظة فصيحة، إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها وفضل مؤانستها لاخواتها؟ وهل قالوا: لفظة متمكنة ومقبولة، وفي خلافة: قلقة ونابية ومستكرها، إلا وغرضهم أن يعبروا بالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناها، وبالقلق والنبو عن سوء التلاؤم، وأن الأولى ام تَلِقْ بالثانية في معناها، وأن السابقة لم تصلح أن تكون لفقاً للتالية في مؤادها؟ "فالألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وإنما تثبت لها الفضيلة وخلافها، في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها، أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ. ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينك تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر. . . " - ٣٨ وقد تجرد في الفصول الأولى من كتابه (دلائل الإعجاز) للاحتجاج لمذهبه في أن

стр. 108

العبرة في الفصاحة والبلاغة ليست إلا بالنظم، دون الألفاظ التي هي مجرد خَدَمٍ للمعاني. ومن حيث رأى أن الإعجاز في نظم القرآن يُفهم بإدراك أسرار الفصاحة، فرغ في كتابه لمباحث بلاغية خالصة يجلو بها وجه الفصاحة. وفيما بين مبحث وآخر يقدم لمحات من البيان القرآني في سياق الاستشهاد أو التنظير. والكتاب على هذا الوضع، من المصنفات البلاغية القيمة، ولعله من خير ما كُتبَ في قضية النظم، لكن اتصاله بالإعجاز غير مباشر، إذ ينظر في أساليب البلاغة العربية، وفي تقديره أنها الوسيلة إلى فهم الكتاب العربي المبين. قال يشرح وجه الإعجاز بالنظم: "إنا إذا سقنا دليل الإعجاز فقلنا: لولا أنهم حين سعوا كلاماً لم يسمعوا قط مثله، وأنهم قد رازوا أنفسهم فأحسوا بالعجز عن أن يأتوا بما يوازيه أو يدانيه أو يقع قريباً منه، لكان محالاً أن يَدَعوا معارضته وقد تُحدوا إليه وقرعوا فيه وطولبوا به. . . "فخبرونا عنهم؟ عماذا عجزوا؟ أعن معان من دقة معانيه وحسنها وصحتها في العقول، أم عن ألفاظ مثل ألفاظه؟ فإن قلتم عن الألفاظ، فماذا أعجزهم من اللفظ أم ما بهرهم منه؟ فقلنا: أعجزتم مزايا ظهرت لهم في نظمه وخصائص صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادئ آية ومقاطعها، ومجارى ألفاظه ومواقعها، وفي مضرب كل مثل، ومساق كل خبر، وصورة كل عظة، وتنبيه وإعلام وتذكير وترغيب وترهيب، مع كل حجة برهانٌُ وصفة وتبيان، وبهرهم أنهم تأملوه سورة سورة وعشراً عشراً وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها، ولفظة تُنكر شأنها أو يُرى غيرها أصلح هناك أو أشبه أو أحرى وأخلق، بل وجدوا اتساقاً بهر العقول وأعجز الجمهور، ونظاماً والتئاماً وإتفاقاً وإحكاماً، لم يَدَع في نفس بليغ منهم ولو حَكَّ بيافوخه السماء، موضعَ طمع. حتى خرست الألسن عن أن تدعي وتقول، وخلدت القروم فلم تملك أن تصول. . . " - ٣٢ ثم لم يمض الجرجاني في الاحتجاج لهذا الوجه من الإعجاز تدبراً لأسرار النظم القرآني المعجز، بل قدر أن الدراية بذلك "لا تتأتى عن طريق حفظ متن الدليل

стр. 109

وظاهر لفظه. . . وإنما يستقصى الدارس النظَر في أبواب البلاغة باباً باباً، حتى يعرف بها الشاهد والدليل، فلا يكون كمن قيل فيه: يقولون أقوالاً ولا يعلمونها. . . فلو قيل هاتوا حَقَّقوا، لم يحققوا" وقطعاً لعذر المتهاون، يقدم الجرجاني مباحثه البلاغية "يهدي فيها إلى أمور في نظمها، لا غنى بالعاقل عن معرفتها، والوقوف عليها والإحاظة بها" - ٣٣ وهو فيما يعرض له من أبواب البلاغة، لا يتحرى تناولها في النظم القرآني والاستئهاد لها منه، وإنما يصرف النظر عنه عمداًَ، مصرحاً بقوله: "إن الجهة التي يقف منها - الباحث - والسبب الذي تُعرف به بلاغة النظم، استقراء كلام العرب وتتبع أشعارهم والنظر فيها" - ٣٣ ومن ثم مضى في مباحثه البلاغية، فاستوفى القول في: تحقيق الفصاحة والبلاغة، وتوقف النظم على التركيب النحوي، ونظم الكلام ومكان النحو منه، والكناية والإستعارة، ومزايا النظم بحسب المعاني والأغراض، والتقديم والتأخير، والحذف والإثبات، والتعريف والتنكير، والقصر والاختصاص. . . ملتمساً لكل فصل منهلا شواهده من بليغ الشعر والنثر، وقد يقدم بين حين وآخر شاهداً قرآنياً على سبيل التنظير. ومحتجاً بهذا كله لشرف علم البيان الذي "لا ترى علماً هو أرسخ منه أصلاً وأبسق فرعاً وأحلى جنى وأعذب وِرْداً وأكرم نتاجاً وأنور سراجاً. والذي لولاه لم تر لساناً يحرك الوشى ويصوغ الحلى ويلفظ الدر وينفث السحر ويقرى الشهر ويريك بدائع من الزهر ويجنيك الحلو اليانع من الثمر، والذي لولا تحفيه بالعلوم وعنايته بها وتصويره إياها، ابقيت كامنة مستورة، ولما استبنتَ لها يدَ الدهر صورة، ولاستمر السرار بأهلَّتها واستولى الخفاء على جملتها، إلى فوائد لا يدركها الإحصاء، ومحاسن لا يحصرها الاستقصاء" - ٤ * * * وما نجادل فيما ذهب إليه "الجرجاني" من أن الدراية بأسرار للعربية، هي

стр. 110

السبيل إلى فهم إعجاز النظم القرآني، فغير مُتصور أن يكون لمن أعوزته الدراية بأسرار التعبير في لغةٍ ما، أن يقدر روائع نصوصها، فضلاً عن أن يميز وجه البلاغة فيها. ثم إن الجرجاني في تقديره لبلغاء العرب، قد نجا مما تورط فيه "الباقلاني" حين تعقب مشهور القصائد والخطب لفحول لاشعر وأمراء البيان، بالتهوين والتحقير والزراية، فانساق بهذا، من حيث لا يدي، إلى أن العرب الفصحاء في عصر المبعث، ما سلموا بإعجاز القرآن إلا وهم هابطوا المستوى جاهلون بأسرار البيان. وقد نرى الوجه في الإعجاز، أن يكونوا قد بلغوا من علو المستوى في الفصاحة والبلاغة، ما يجعلهم قادرين على إدراك هذا الإعجاز. لكنا نختلف مع الجرحاني، في أن تُلتمس أسرار البيان العربي في شعر الشعراء ونثر البلغاء، ولا تلتمس في النص الأعلى الذي لا يمكن أن يصحَّ لنا ذوق العربية بمعزل عنه. وإذا كنا نأخذ على المتأخرين من علماء البلاغة، التماسهم ملاحظها وشواهدها من النماذج الشعرية والنثرية التي أرضت ذوقهم، وكان ينبغي أن يجتلوا بلاغة العربية في كتابها الأكبر، فكيف يهون أن نتناول مباحث البلاغة بمعزل عن القرآن الكريم، في كتاب يقدم هذه المباحث مدخلاً لفهم النظم القرآني ودلائل إعجازه؟! على أي حال، نرى الجرجاني في (دلائل الإعجاز) قدم ملاحظ دقيقة مما لمحه من أسرار البلاغة العربية، ولم يقدم دراسة قرآنية للإعجاز البلاغي، وهذه المباحث تأخذ مكانها في الدرس البلاغي، ولعلها تجلو براعة بلغاء العرب واقتدارهم على فن القول، لكن دون أن تتصل بإعجاز القرآن إلا على وجه التوطئة والوسيلة والتمهيد. . . ويظل السؤال قائماً: ما وجه فوت النظم القرآني نظم البلغاء من العرب؟ وماذا بهرهم من أسرار بيانه فانقطعوا دون وأعياهم أن يأوا بسورة من مثله؟ ولعل إدراك الجرجاني لقوصر (دلائله) عن أن تتجاوز المدخل إلى الموضوع،

стр. 111

والدلائل إلى الأدلة، والوسيلة إلى الغرض، هو الذي جعله يختم مباحثه البلاغية في (دلائل الإعجاز) بفضل يحيل فيه إدراك البلاغة على مبهمات ومجردات مما سماه الذوق والإحساس الروحاني، والأمور الغامضة الخفية. والناس عنده مرضى حتى يلتمسوا الطب لديه. وقد يجدي أن أنقل هنا هذا الفصل الختامي من (دلائل الإعجاز) يلخص مذهب الجرجاني ويوضح طريقته في التناول وأسلوبه في الجدل والاحتجاج: "اعلم أنك لن ترى عجباً من الذي عليه الناس في أمر النظم. وذلك إنه ما من أحد له أدنى معرفة إلا وهو يعلم أن ههنا نظماً أحسن من نظم، ثم تراهم إذا أنت أردت أن تبصرهم بذلك تسدر أعينُهم وتضل عنهم أفهامُهم. وسبب ذلك أنهم أوَّل شيء عدموا العلم به نفسه من حيث حسبوه شيئاً غير توخي معاني النحو، وجعلوه يكون في الألفاظ جون المعاني. فأنت تلقى الجهد حتى تميلهم عن رأيهم، لأنك تعالج مرضاً مزمناً وداء متمكناً. "ثم إذا أنت قُدتَهم بالخزائم إلى الاعتراف بأن لا معنى له غير توخي معاني النحو، عرض لهم من بعدُ خاطر يدهشهم حتى يكادوا يعودون إلى رأس أمرهم. وذلك أنهم يروننا ندعى المزية والحسن لنظم كلام من غير أن يكون فيه من معاني النحو شيء يُتصور أن يتفاضل الناس في العلم به. ويروننا لا نستطيع أن نضع اليد من معاني النحو ووجوهه على شيء يُعم أن من شأن هذا، أن يوجب المزية لكل كلام يكون فيه. بل يروننا ندعي المزية لكل ما ندعيها له من معاني النحو ووجوهه وفروقه، في موضع دون موضع وفي كلام دون كلام وفي الأقل دون الأكثر وفي الواحد دون الألف. فإذا رأوا الأمر كذلك دخلتهم الشبهة وقالوا: كيف يصير المعروف مجهولاً، ومن أين يُتصور أن يكون للشيء في كلام مزيةٌ عليه في كلام آخر، بعد أن تكون حقيقته فيهما حقيقة واحدة؟ فإذا رأوا التنكير يكون فيما لا يحصى من المواضع اتهمونا في دعوانا ما ادعيناه لتنكير حيلة في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ من أن له حسناً ومزية، وأن فيه بلاغة عجيبة، وظنوه وهماً منا وتخيلاً. "ولسنا نستطيع في مشف الشبهة في هذا عنهم، ما استطعناه في نفس النظم -

стр. 112

يعني حملهم على الإقرار بأن البلاغة ليست إلا النظم - لأنا ملكنا في ذلك أن نضظرهم إلى أن يعلموا صحة ما نقول. وليس الأمر في هذا كذلك، فليس الداء فيه بالهين، ولا هو بحيث إذا رمت العلاج منه وجدت فيه الإمكان مع كل أحد مسعفاًَ والسعي منجحاً. لأن المزايا التي تحتاج أن تُعلمهم مكانها وتصور لهم شأنها، أمور خفية ومعان روحانية، أنت لا تستطيع أن تنبه السامع لها وتُحدِث له علماً بها، حتى يكون مهيَّئاً لإدراكها وتكون له طبيعة قابلة لها، ويكون له ذوق وقريحة يجد لهما في نفسه إحساساً بأن من شأن هذه الوجوه والفروق أن تعرض فيها وقريحة يجد لهما في نفسه إحساساً بأن من شأن هذه الوجوده والفروق أن تعرض فيها المزية على الجملة، ومن إذا تصفح الكلام وتدبر الشعر، فرَّق بين موقع شيء منها وشيء، ومَن إذا أنشدته قول الشاعر: لي منك ما للناس كلهم. . . نظرً وتسليم على الطرقِ وقول البحتري: وسأستقل لك الدموع صبابةً. . . ولو آن دجلة لي عليك دموعُ وقوله رأت مَكِناتِ الشيب فابتسمت لها. . . وقال: نجوم لو طلعن بأسعدِ وقول أبي نواس: ركب تساقوا على الأكوار بينهم. . . كأس الكرى فانتشى المسقى والساقي كأن أعناقهم والنومُ واضعها. . . على المناكب لم تعمد بأعناق وقوله: يا صاحبَّى عصيتُ مصطبحاً. . . وغدوت للذّّات مُطَّرحساً فتزودا مني محادثة. . . حذرُ العصا لم يُبِق لي مرحاً وقول إسماعيل بن يسار: حتى إذا الصبح بدا ضوؤه. . . وغابت الجوزاء والمرزم خرجتُ والوطءُ حفى كما. . . ينساب من مكمنه الأرقم "إذا أنشدته هذه الأبيات - ولاحظْ أن الجرحاني على منهجه في الدلائل في الاستكشار من الشواهد الشعرية، لا القرآنية - أنِق لها وأخذته الأريحية عندها،

стр. 113

وعرف لطف موضع الحذف والتنكير في قوله * نظرٌ وتسليم على الطرق * وما في قول البحتري * لي عليك دموع * من شبه السحر،. . . وعرف كذلك شرف قوله * نجوم لو طلعن بأسعد * وعلو طبقته ودقة صنعته. . . "والبلاء والداء العياء، أن هذا الإحساس قليل في الناس، حتى لإنه ليكون أن يقع للرجل الشيء من هذه الفروق والوجوه، في شعر يقوله أو رسالة يكتبها، الموقعَ الحسن ثم لا يعلم أنه قد أحسن. "فأما الجهل بمكان الإساءة، فلا تعدمه بمن له طبع إذا قدحته وَرَى، وقلبٌ إذا أريته رأى، فأما وصاحبك كم لا يرى ما تُريه ولا يهتدي للذي تهديه، فأنت رامٍ معه في غير مرمى، ومَعَنَّ نفسك في غير جدوى. وكما لا تقيم الشعر في نفس من لا ذوق له، كذلك لا تُفهم هذا الشأن مَن لم يُؤت الآلة التي بها يُفهم. إلا أنه إنما يكون البلاء إذا ظن العادم لها أنه أوتيها، وأنه ممن يكمل للحكم ويصح منه القضاء، فجعل يقول القول لو علم غَيَّة لاستحيا منه. فأما الذي يحس بالنقص من نفسه ويعلم إنه قد علم علماً قد أوتيه من سواه فأنت معه في راحة، وهو رجل عاقل قد حماع عقله أن يعدو طوره، وأن يتكلف ما ليس بأهل له". ويستطرد الجرجاني في بيان عقد (الدلائل) مع خصم معاند لا يملك من الذوق والروحانية والأريحية ما يدرك به فروق البلاغية في النظم، فيذكر أن العلوم التي لها أصول معروفة وقوانين مضبوطة، قد يخطئ فيها المخطئ ثم يعجب برأيه فلا تستطيع رده عن هواه وصرفَه عن الرأي الذي رآه إلا بعد الجهد والمشقة، إذا كان حصيفاً عاقلاً. وهذا الصنف من الناس العقلاء يعز ويقل. "فكيف بأن ترد الناس عن رأيهم في هذا الشأن - مزايا النظم يتفاضل بها الكلام - وأصُلك الذي تردهم إليه وتعول في محاجتهم عليه، استشهادُ القرائح وسبر النفوس وفَلْيُها، وما يعرض فيها من الأريحية عند ما تسمع؟ "وهو لا يضعون أنفسهم موضع مَن يرى الرأي ويفتي ويقضي، إلا وعندهم أنهم ممن صفَت قريحته وصح ذوقه وتمت أدانه. فإذا قلت لهم: إنكم قد أوتيتم من أنفسكم. ردوا عليك مثله وقالوا: لا، بل قرائحنا أصح ونظرنا أصدق وحِسُّنا أذكى، وإنما الآفة فيكم لأنكم خيَّلتم إلى أنفسكم أموراً لا حاصل لها، وأوهمكم

стр. 114

الهوى والميل أن توجبوا لأحد النظمين المتساويين فضلاً على الآخر، من غير أن يكون ذلك الفضل معقولاً. "فتبقى في أيديهم حسيراً لا تملك إلا التعجب! "فليس الكلام بمغن عنك لا القول بنافع ولا الحجة مسموعة، حتى تجد من فيه عون لك على نفسه، ومن إذا أبى عليك ذلك طبعُه فردَّه إليك وفتح سمعَه لك، ورفع الححجاب بينك وبينه، وأخذ به إلى حيث أنت، وصرف ناظره إلى الجهة التي إليها أومأت، فاستبدل بالنفار أنسا وأراك من بعد الإباء قبولاً. . . "ولم يكن الأمر - في بلاغة النظم والمزايا التي يتفاضل بها - على هذه الجملة، إلا لأنه ليس في أصناف العلوم الخفية والأمور الغامضة الدقيقة، أعجب طريقاً في الخفاء من هذا. وإنك لتتعب في الشيء نفسَك وتكد فيخ فكرك وتجهد فيه كل جهدك، حتى إذا قتلته علماً وأحكمته فهماً، كنت بالذي لا يزال يتراءى لك فيه من شبهة ويعرض فيه شك، كما قال أبّو نواس: ألا لا أرى مثل امترائىَ في رسم. . . تغص به عيني ويلفظه وهمي أتتْ صُوَرُ الأشياء بيني وبينه. . . فطني كَلاَ ظنًّ، وعلمي كَلاَ علم! "وإنك لتنظر في البيت دهراً طويلاً وتفسره، ولا ترى أن فيه شيئاً لم تعلمه، ثم يبدو لك فيه أمر خفى لم تكن قد علمته. . . " ٣٩٣: ٤٠٣. * * * ومضى "الجرجاني" بعد أن أتم توجيه البلاغة لتكون علم الاستدلال للإعجاز، ونقل القضية نقلة حاسمة إلى ميدان الدرس البلاغي بمعزل عن القرآن نفسه! فرسم معالم الطريق لمن جاءوا بعده، فأفردوا البلاغة بالدرس والتأليف المستقل، يرون أنهم بهذا يخدمون المعجزة القرآنية ويَهدون إلى فهم إعجازها. * * *

стр. 115

وتفرعت دروب الدارسين بعد الجرحاني، وإن أخذوا عنه أو داروا في فلَكه: منهم من رأى أن محاولة الجرجاني في (دلائل الإعجاز) تحتاج إلى إعادة ترتيب وتحرير وتهذيب، كالفخر الرازي الذي ألف كتابه (نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز) فاعترف بأن الجرجاني كان الذي استخرج أصول هذا العلم وأقسامه وشرائطه وأحكامه، لكنه أهمل رعاية ترتيب الأصول والأبواب، وأطنب في الكرم كل الإطناب. ومنهم من قدر حاجة هذه المباحث البلاغية إلى أن تلتمس لها الشواهد القرآنية كصنيع ابن أبي الإصبع المصري (ت ٦٥٤ هـ) الذي نسق كتابه (بديع القرآن) - والبديع عنده بمعنى البلاغة - في مائة وعشرين باباً، تحرى فيها الاستئهاد بالقرآن الكريم، وإن يكن في الغالب، قد اكتفى في أكثر هذه الأبواب بأن يذكر المصطلح البديعي للباب، ثم يتبعه بالشاهد أو الشواهد القرآنية، دون تفصيل لبيان وجه القوة أو سر البلاغة فيه. ومنهم من اكتفى بما وجه إليه الجرجاني من دراسة البلاغة طريقاً لفهم الإعجاز ودلائَل عليه، فاستقل بالبحث البلاغي بعيداً عنة قضية الإعجاز، كما عزل البلاغة عن معاني النحو التي قرر الجرحاني، بحق، أنها داخلة في بلاغة النظم. وإمام هذه المدرسة هو "السكاكي" - ت ٦٢٦ هـ - الذي جعل البلاغة في (مفتاح العلوم) علماً يُحَّصل وصنعة تضبط بقواعد منطقية. وكان حظ القرآن من (مفتاح العلوم) وشروحه، بضع شواهد قرآنية سيقت مع حشد من شواهد وأمثلة أخرى من قول البشر. ثم كان الجهد، كل الجهد، موجهاً إلى العناية بإجراء الصنعة البلاغية التي تتعلق في التشبيه مثلاً: ببيان أركانه وأداته ووجهه وأقسامه ومرتيته، وفي الاستعارة: بمعرفة المستعار له والمستعار منه والجامع والقرينة والتجريد والتصريح والترشيح. . . وفي المجاز والكناية: ببيان المعنى الأصلي والمعنى المجازي، والعلاقة وأنواعها، والقرينة مانعة أو غير مانعة من إرادة المعنى الأصلي. وفي البديع: بالمحسنات اللفظية وغير اللفظية وضروبها ومصطلحاتها.

стр. 116

فكان أن جَمَّدوا روح البلاغة في قوالب الصنعة وأغلال المنطق، وشغلتهم الحدود والتعريفات والإجراءات، عن لمح سر البيان وذوق الأسلوب وروح النص. * * * وتوارت قضية الإعجاز في الميدان البلاغي، في فيض الشروح والمختصرات والحواشي على متن (مفتاح السكاكي) الذي سيطر على الدراسة البلاغية. فانحصرت قضية الإعجاز في كتب علوم القرآن الجامعة، كالبرهان للزركشي والإتقان للسيوطي. وفي كتب المفسرين، يتناولونها في تأويل آيات لبتحدي والمعاجزة. على نحو ما فعل "الشيخ محمد عبده" في تفسير آيتى البقرة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ حيث كتب فصلاً "في تحقيق وجوه الإعجاز" لخص به مختلف الأقوال فبه. ويعينيا هنا ما يتصل بالبيان، أو ما سماه الإعجاز بأسلوبه ونظمه. ووجه هذا الإعجاز عنده، هو اشتمال القرآن على النظم الغريب والوزن العجيب والأسلوب المخالف لما استنبطه البلغاء من كلام العرب، في مَطالعه وفواصله ومقاطعه، قال: "ولعمري إن مسألة النظم والأسلوب لإحدى الكُبَر، وأعجب العجائب لمن فكر وأبصر، ولو يوفها أحدٌ حقها على كثرة ما أبدأوا وأعادوا فيها. وما هو بنظم واحد ولا بأسلوب واحد، وإنما هو مائة وأكثر: القرآن مائة وأربع عشرة سورة متفاوتة في الطول والقصر، من السبع الطوال إلى الوسطى إلى ما دونها. وكل سورة منها تقرأ بالترتيل المشبه للتلحين المعين على الفهم المفيد للتأثير. على

стр. 117

اختلافها في الفواصل، وتفاوت آياتها في الطول والقصر. وهي على ما فيها من متشابه وغير متشابه في النظم، متشابهة كلها في مزج المعاني العالية بعضها ببعض. . . "ومن اللطائف البديعة التي يخالف بها نظم القرآن كلام العرب من شعر أو نثر، أنك ترى السور ذات النظم الخاص والقوافي المقفاة، تأتي في بعضها فواصلُ غير مقفاة فتزيدها حسناً وجمالاً وتأثيراً في القلوب. تأتي في بعض آخر آياته مخالفة لسائر آيها في فواصلها وزناً وقافية، فترفع قدرها وتكسوها جلالا وتكسبها روعة وعظمة، وتجدد من نشاط القارئ وترهف نم سمع المستمع. وكان ينبغي للخطباء والمتراسلين أن يحاكوا هذا النوع من محاسنه، وإن كانوا يعجزون عن معارضة السورة في جملتها أو الصعود إلى أفق بلاغتها" ١ / ٢٠١. ويتصدى الشيخ محمد عبده لمن يمارون في مثل هذا الكلام عن البلاغة ويرون "أن الإجابة على الذوق فيها إحالة على مجهول لا تقوم به حجة ولا يثبت به مدلول، لأن الذوق المعنوي كالحسي خاص بصاحبه، ومن ذاق عرف". وهو يرد على هؤلاء الناس، بمثل ما ورد به عبد القاهر الجرحاني فيقول: إن سبب هذا هو جهلهم اللغة الفصحى نفسها. ملتفتاً إلى أن اللغة الفصحى يُكسَب ذوقها بمدارسة الكلام البليغ منها واستظهاره واستعماله. وليس بقراءة كتب الصنعة المتأخرة التي هي إلى العجمة والتعقيد أدنى منها إلةى الفصاحة والبيان. ومنوهاً في الوقت نفسه بكتب الأولين ممن وضعوا قواعد النحو واللغة والبلاغة، حتى القرن الخامس للهجرة، وبخاصة (أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز) لأنهما الكتابان اللذان يحيلانك في قوانين البلاغة على وجدانك وجنانك، قال: "وقد مرت القرون في إثر القرون على ترك الناس لهذه المدراسة، واقتصار مدارس الأمصار على قراءة كتب النحو والصرف والمعاني والبيان، هي أدنى ما وُضع في فنونها فصاحة وبياناً وأشدها هجمة وتعقيداً، وهي الكتب التي اقتصر

стр. 118

مؤلفوها على سرد القواعد بعبارة دقيقة بعيدة عن فصاحة أهل اللغة وعن بيان المتقدمين الواضعين لهذا الفنون ومَن بعدهم إلى القرن الخامس الهجري، كالخليل وسيبويه وأبى علي الفارسي وابن جنى والجرحاني، حتى صار أوسع الناس علماً بهذه الفنون أجهل قراء هذه اللغة بها وأعجزهم عن فهم البليغ منها، بله الإتيان بمثله. فمن لم يقرأ من كتب البلاغة إلا مثل (السمرقندية وشرحى جوهر الفنون وعقود الجمان فشرحى التلخيص للسعد التفتازانى) وحواشيها، لا يُرجى أن يذوق للبلاغة طعماً أو يقيم للبيان وزناً. وإنما يُرجى هذا الذوق لمن يقرأ (أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز) فإنهما هما الكتابان اللذان يحيلانك في قوانين البلاغة على وجدانك وما تجد من أثر الكلام في قلبك وجنانك، فتعلم أن علمى البيان شعبة من علم النفس، ولكن لابد مع ذلك من قراءة الكثير من منظوم الكلام ومنثوره، واستظهار بعضه مع فهمه كما قرر حكيمنا ابن خلدون في الكىم على علم البيان من (مقدمته) . فهذا هو الأصل في تحصيل ملكة البلاغة فهماً وأداء. والقوانين الموضوعة لها مستنبطة من الكلام البليغ وليس هو مستبطاً منها. وقد عُكست القضية منذ القرون الوسطى حتى ساغ لمستقل الفكر أن يقول في الكتب التي أشرنا إليها، وهي التي تقرأ في مدرية الجامع الأزهر، وأمثالها: إن قواعدها تقليدية لا يمكن أن يُعلم بها تفاضلُ الكلام، إذ يمكن حمل كل كلام عليها. ولذلك كان أكثر الناس مزاولة لها، أضعفهم بياناً وأشدهم عيّاً وفهامة. "فمعرفة مكان القرآن من البلاغة لا يُحكمها من الجهة الفنية والذوقية إلا مَن أوتى حظّاً عظيماً من مختار كلام البلغاء المنظوم والمنثور، من مرسل ومسجوع، حتى صار ملكة وذوقاً. واستعان بمثل (كتابي عبد القاهر، والصناعتين، والخصائص وأساس البلاغة، ومغنى اللبيب لابن هشام) هذه مقدمات البلاغة، ونتيجتُها الملكة. ولها غاية يمكن العلم بها من التاريخ وهي ما كان للقرآن من التأثير في الأمة العربية، ثم فيمن حذقها من الأعاجم أيضاً.. "الحد الصحيح للبلاغة في الكلام، هي أن يبلغ به المتكلم ما يريد من نفس السامع بإصابة موضع الإقناع من العقل، والوجدان من النفس - وقد يُعَّبر عنها

стр. 119

بالقلب - ولم يُعرف في تاريخ البشر أن كلاماً قارب القرآن في قوة تأثيره في العقول والقلوب، فهو الذي قَلَبَ طباعَ الأمة العربية وحولها من عقائدها وتقاليدها، وصرفها عن عاداتها وعداواتها، وصدف بها عن أثرتها وثاراتها، وبدلها بأميتها حكمة وعلماً، وبجاهليتها أدباً رائعاً وحلماً، وألف من قبائلها المتفرقة أمة واحدة، سادت العالم بعقائدها وفضائلها وعدلها وحضارتها وعلومها وفنونها. "اهتدى إلى هذا النوع من إعجازه بعضُ حمكاء أوربة مستنبطاً له من هذه الغاية التاريخية، وقد رأينا وروينا عن بعض أدباء هذه اللغة، من غير المسلمين، أنهم يذهبون في بعض ليالي رمضان إلى بيوت معارفهم من المسلمين ليسمعوا القرآن ويمتعوا ذوقهم العربي وشعورهم الروحاني الأدبي بسماع آياته المعجزة. وقد شهد له أهل العلم والإنصاف منهم بهذا الإعجاز في النظم والأسلوب، والبلاغة يغوص تأثيرها في أعماق القلوب. ولكنهم لم يفقهوا دلالة ذلك على أنه من عند الله . "ولو شئت أن أورد الشواهد على هذا الوجه لخرجت عن الاختصار الذي التزمته في هذا الفسل. إنك لتجد من التنبيه على عجائبها في كل جزء من هذا التفسير ما لا تجده في غيره حتى الدقه في معاني مفرداته وتحديد الحقائق في جُمَلِه، ومزج المعاني الكثيرة في أسلوبه، ولطف التناسب بين آياته وبين سُورة. ومن أعجبها ضروب الإيجاز التي انفرد بها وكثرة تكراره للمعنى الواحد بعبارات لا يملها قارئ ولا سامع، ومن العجب غفلة أكثر ظلاب البلاغة عنها". وبهذا أضاف الشيخ الإمام محمد عبده إلى دلائل الإعجاز كما بينها الجرحاني: ضرورة الإتصال بروائع الفصحى لكسب ذوقها الذي به تُدرك بلاغة النظم المعجز. كما لفت إلى الأثر النفسي لفن القول، وهو الملحظ الذي انظلق به أستاذنا أمين الخولي إلى مداه الرحب، فقدم فيه رسالته عن (الإعجاز النفسي للقرآن) .

стр. 120

والشيخ محمد عبده، عبر عن النظم بالأسلوب، وجعل لتأثير التلاوة مكاناً في قضية الإعجاز البلاغي، وأدخل الأوربيين ممن تعلموا العربية، في الاحتجاج لإعجاز القرآن، وتعلق "بشهادة أهل العلم والإنصاف منهم، بهذا الإعجاز في النظم والأسلوب، والبلاغة يغوص تأثيرها في أعماق القلوب". وفيما عدا ذلك، نراه متأثراً بمذهب عبد القاهر في فهم الإعجاز ونهجه في المناقشة والاحتجاج. والواقع أنه بقدر ما سيطر "السكاكي" على البلاغين المدرسيين، سيطر "عبد القاهر" على من تصدى من المحدثين لموضوع الإعجاز البلاغي، فكان الذي أضافوه إلى رصيده أن يتحدث المتحدثون عن إعجاز القرآن فيقولوا: ما أروع وما أعظم، ما أبهى وأبلغ، وما أجل وأسنى، ونظر إلى شرف هذا المعنى وجزالة ذلك اللفظ وفخافة هذه العبارة وروعة ذلك المثل، وتأمل في سحر هذا الإيقاع واسر ذلك النغم. . . إلى أمثال لهذا العبارات المبذولة والقوالب الصماء التي ملّها سمع الزمان لطول ما ابتذلتها أقلام الكتاب وألسنة المداحين، في تقريظ قصص هزيلة يروَّجون لها، وأغان مبتذلة ينتشون بها. ومن ألف سنة رُدَّدَتْ أمثال هذه العبارات الرنانة، فلم يجد فيها أبو سليمان الخطابي - ت ٣٨٨ هـ - ما يقنع أو يشفى، قال في (بيان إعجاز القرآن) يرد على من ذهبوا إلى أن تميز القرآن عن سائر الكلام الموصوف بالبلاغة، أمر لا يمكن تصويره وقد يخفى سببه ويظهر أثره في النفس: "إن الذي يوجد لهذا الكلام من العذوبة في حس السامع والهشاشة في نفسه، وما يتحلى به من الرونق والبهجة التي يباين بها سائر الكلام حتى يكون له هذا الصنيع في القلوب والتأثير في النفس فتصطلح من أجله الألسن على أنه كلام لا يشبهه كلام، وتحصر الأقوال عن معارضته وتنقطع به الأطماع عنها، أملا لابدَّ له

стр. 121

من سبب، بوجوده يجب له هذا، وبحصوله، يستحق هذا الوصف" * * * وظل الإعجاز البلاغي مع ذلك، يدور في هذا النطاق من القوالب التقليدية الصماء والعبارات المضخمة التي لم يجد فيها مثل الخطابي، من القؤرن الرابع، ما يقنع في هذا المجال أو يشفى من داء الجهل، والتي لم تعد تليق بحرمة الكتاب المعجز، ولا تقدم شياً ذا بال، إلى هذا الجيل من أبناء العربية الذين نحرص على أن نصلهم بمعجزة البيان الأعلى. . . * * *

стр. 122

المبحث الثاني محاولة في فهم الإعجاز البياني ١ - فواتح السوَر، وسِرُّ الحرف. ٢ - دلالات الألفاظ، وسر الكلمة. ٣ - الأساليب، وسِرُّ التعبير.

стр. 123

(١) فواتح السُّوَر وسِرُّ الحرف ما مِنْ حرف في القرآن الكريم تأوَّلوه زائداً أو قدَّروه محذوفاً أو فسرُوه بحرف آخر، لا يتحدى بسرَّه البياني كل محاولة لتأويله على غير الوجه الذي جاء به في البيان المعجز.

стр. 124

مع إدراكي أن الإعجاز البياني للقرآن الكريم يفوت كل محاولة لتحديده، ويجاوز مدى طاقتنا على مشارفة آفاقه الرحبة واجتلاء أسراره الباهرة، أتقدم في خشوع إلى الميدان الجليل، فأضع إلى جانب محاولات السلف، محاولتى المتواضعة في فهم هذا الإعجاز. وسبق الالتفات إلى أن "الخطابي" لمح الإعجاز في "اللفظ في مكانه إذا أُبدِل فَسَدَ معناه، أوضاع الرونق الذي يكون منه سقوط البلاغة". وهذه اللمحة الدقيقة، هي - كما قلت من قبل - محور فكرة عبد القاهر الجرجاني في النظم، ولعلها أيضاً تلتقي مع جانب من فكرتنا في الإعجاز البياني، ثم نختلف بعد ذلك في إدراك مغزاها ولمح أبعادها، وطريق الاحتجاج لها والاستدلال عليها. لقد شُغل البلاغيون عن الإعجاز بمباحث بلاغية قدموها بمعزل عن المعجزة، لأنهم رأوا علوم البلاغة هي دلائل الإعجاز وسبيل فهمه. على حين نتعلم نحن البلاغة من هذا القرآن، ونخلص إليه لنتدبر أسرار بيانه المعجز. . . * * * ولعل أول ما لفتني إلى سر الحرف والكلمة، وقفتي أمام فواتح السور، وهي الحروف المقطعة التي افتتحت بها سِتُّ وعشرون سورة مكية، وثلاث من السور المدنية المبكرة. وهذا هو المشهور في تسمية الفواتح، وإن كان البلاغي المصري "ابن أبي الإصبع" مؤلف بديع القرآن، قد صنف كتاباً عنوانه (الخواطر السوانح في أسرار الفواتح) وعنى بالفواتح أنواع الكلام في مفتتح السور القرآنية، وقد نسقها في عشرة أنواع أحدها حروف التهجي، أو ما نسميه الفواتح، والأنواع التسعة الأخرى هي: الثناء على الله تحميداً وتسبيحاً، والنداء، والجملة الخبرية،

стр. 125

والقسم، والشرط، والأمر، والاستفهام، والدعاء، والتعليل. ومثله طالزركشي" في النوع السابع من كتابه البرهان: "في أسرار الفواتح والسور". وقد أدرجها "السيوطي" في نوع فواتح السور من كتابه (الإتقان) ، وأما الفواتح بمعنى الحروف المقطعة، فجاء بها باسم أوائل السور، في فصل المتشابه. * * * والسور المكية المستهلة بالفواتح، هي على المشهور في ترتيب النزول: القلم (ن) ، ق، ص، الأعراف (المص) يس، مريم (كهيعص) طه، الشعراء (طسم) النمل (طس) القصص (طسم) يونس وهود ويوسف والحجر (الر) لقمان (الم) ، غافر وفصلت (حم) الشورى (حم عسق) الزخرف والدخان والجاثية والأحقاف (حم) إبراهيم (الر) السجدة والروم والعنكبوت (الم) . والسور المدنية هي: البقرة وآل عمران (الم) والرعد (المر) . وقد تنبه السلف إلى أن مجموع هذه الحروف، بغير المكرر منها، أربعة عشر حرفاً، هي نصف الحروف العربية. كما أطال بعضهم النظر في هذه الحروف، فلفتهم منها أنها نصف الحروف الهجائية على أي وجه من الوجوه التي اصطلح عليها علكاء اللغة بعد نزول القرآن بزمن طويل. ففيها خمسة مهموسة، وعدد المهموس من حروف العربية عشرة. وفيها كذلك نذف الحروف المجهورة، بغير زيادة ولا نقصان.

стр. 126

وفيها ثلاثة من حروف الحلق، هي نصف الحروف الحلقية، كما أن فيها نصف الحروف غير الحلقية. وفيها نصف الحروف الشديدة، ونصف الحروف الرخوة. وفيها حرفان من الأحرف الأربعة المطبقة، ونصف الحروف الأخرى المنفتحة غير المطبقة. وفيها نصف الحروف المستعلية، ونصف الحروف المنخفضة. وقد ذهب قوم، منهم الباقلانى، إلى "أن مجئ هذه الحروف على حدَّ التنصيف مما تواضع عليه العلماء بعد العهد الطويل، هو من دلائل الإعجاز، من حيث لا يجوز أن يقع هكذا إلا من الله ، لأن ذلك يجرى مجرى علم الغيوب". وإن يكن في موضع آخر، قد عدها معنى من معاني إعجاز القرآن "بديع نظمه وعجيب تأليفه وتناهيه في البلاغة". ووقف الزمخشري عند هذه النصفية في حروف الفواتح، ورأى فيها لطائف ملزمة بالحجة. * * * ولكن، لم جاءت حروف الفواتح، المفردة منها والمركبة، على هذه الصورة التي نزلت بها؟ وماذا قال السلف فيها؟ شغل المفسرون بها من قديم، فما يخلو كتاب تفسير من التعرض لها. وغالباً ما يأتي كلامهم فيها عند تفسير فاتحة سورة البقرة (الم) إذ هي أول سورة في ترتيب المصحف، مفتتحة بالحروف. وقد أورد الإمام الطبري في تفسيره لفاتحة البقرة، ما انتهى إلى عصره من أقوال

стр. 127

في الفواتح. ولا يكاد المتأخرون يخرجون عن تلك الأقوال، إلا أن يختاروا قولاً منها يزيدونه تفصيلاً وبياناً وإيضاحاً: قيل هي حروف يتألف منها اسم الله الأعظم. ورووا عن سعيد بن جبير أنها أسماء الله تعالى مقطعة، لو عرف الناس تأليفها تعلموا اسم الله الأعظم. قال ابن عباي: إلا أنا لا نعرف تأليفه منها. أو هي اسم ملك من ملائكته تعالى، أو نبي من أنبيائه. وعند بعضهم أن حروف الفواتح دوالّ على أسماء الله الحسنى أو مفاتيح لها، فما من حرف منها إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه تعالى: فالكاف من الكريم أو الكبير والهاء من الهادي، والعين من العزيز أو العليم أو العلي، والصاد من الصمد أو المصور، والألف من الله، والراء من الرحمن، والميم من الملك، والقاف من القدوس أو القاهر أو القادر. . . ونحو ذلك ما روى عن ابن عباس من أن في قوله تعالى (الم) : أنا الله أعلم، وفي (المص) : أنا الله أفصل) ، وفي (الر) " أنا الله أرى. * * * وقيل، هي أسماء للسور التي افتتحت بها. قال "الزمخشري" في الكشاف: "وعليه - أي على هذا الوجه - إطباق الأكثر". ولا يعني هذا عنده أنها أسماء السور حقيقة، بل هي التسمية بما افتُتحت به واستهلن. ونظيره قولهم" فلان يروى * قفا نبكِ، وعفت الديار * وقول القائل: قرأت من القرآن "الحمد لله"، و"براءة". وقريب من هذا، قول من قال إن الفواتح من أسماء القرآن، كالفرقان. ومن تأويلها رموزاً لأسمائه، القول بأنها علامات وضعها كُتَّاب الوحي.

стр. 128

وهو قول متأخر فيما يبدو. ويمنعه أنْ تدخل هذه العلامات وهي من عند البشر، في آي القرآن الكريم. * * * وقيل هي أوصوات للتنبيه كما في النداء، عمد إليها القرآن ليكون في غرابتها ما يثير الالتفات، وقد ترك ما ألفوا من ألفاظ التنبيه إلى ما لم يألفوا، لأنه لا يشبه كلام البشر، ولكي يكون أبلغ في قرع الأسماع. ثم اختلفوا فيمن يكون المقصود بهذا التنبيه: أبو حيان يرى أنها تنبيه للمشركين إلزاماً لهم بالحجة: "ليستغربها المشركون فيفتحوا لها أسماعهم فتجب عليهم الحجة" بسماع القرآن. على حين يتجه بها "الفخر الرازي" إلى تنبيه النبي ﵊، لا المشركين. قال يفصل هذا الوجه من وجوه تأويلها: "الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة، ومن يكون مشغول البال بشغل من الأشغال، يُقدّم على الكلام المقصود شيئاً غيره، ليلتفت المخاطب بسببه إليه ويقبل بقلبه عليه، ثم يشرع في المقصود. وذلك المنبه "قد يكون كلاماً له معنى مفهوم كقول القائل: اسمع، واجعل بالك إلىّ. . . وقد يكطون شيئاً في معنى الكلام المفهوم كقول القائل: أزيْدُ، ويا زيد، و. . . ألا يا زيد. وقد يكون صوتاً غير مفهوم كالصفير بالفم والتصفيق باليد. . . "والنبي ﷺ وإن كان يقظان الجنان، لكنه إنسان يشغله شأن عن شأن، فكان يحسُن من الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفاً هي كالمنبهات. . .

стр. 129

"ثم إن تلك الحروف بحيث تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه، من تقديم الحروف التي لها معنى. . . لأن المقدَّم إذا كان كلاماً منظموماً وقولاً مفهوماً، فربما يظن السامع أنه كل المقصود ولا كلام بعد ذلك، فيقطع الالتفات عنه. أما إذا سمع صوتاً بلا معنى فإنه يقبل ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره، لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود. فإذن تقديم الحروف التي لا معنى لها في هذا الموضع، على الكلام المقصود، فيه حكمة بالغة". استجاده الإمام الجويني، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف، فقال: "القول بأنها تنبيهات جيد، لأن القرآن كلام عزيز وفوائده عزيزة، فينبغي أن يرد على سمع متنبه، فكان من الجائز أن يكون الله قد علم في بعض الأوقات كونَ النبي ﷺ في عالم البشر مشغولاً، فأمَر جبريَل بأن يقول عند نزوله: "الم" و"الر" و"حم". . . ليسمع النبي صوت جبريل فيقبل عليه ويصغى إليه. وإنما لم يستعمل الكلمات المشهورة في التنبيه كـ: ألا وأمَا. . . لأنها من الألفاظ التي يتعارفها الناس في كلامهم، والقرآ، كلام لا يشبه الكلام، فناسبَ لأن يؤتىَ فيه بألفاظِ تنبيه لم تُعهد، ليكون أبلغ في قرع سمعه". * * * وقيل هي من حروف الجُمَّل، أو ما يسمونه "حساب أبي جاد" ويعنون به الأبجدية: أبجد هوز حطي كلمن. . . واتجهوا بدلالة الأعداد فيها، إلى مدة المِلة أو مدة الأمم السابقة، أو مدة الدنيا! . . . ولعل كل المرويات في تأويلها على حساب أبي جاد - مع اختلاف دلالته - تبدأ من قصة "حُيَىَّ بن أخطب اليهودي" وقد نقلها "ابن إسحاق" مفصلة في (السيرة النبوية) مع ما نقل من كيد يهود للإسلام، وجدلهم المعنت للمصطفى عليه الصلاة

стр. 130

والسلام إثر هجرته إلى المدينة، وقد كانت هي وما حولها منطقةّ نفوذٍ لهم منذ حطوا عليها فراراً من وطأة الرومان، قبل المبعث بنحة خمسة قرون، فتسلطوا على مواردها الإقتصادية ومزقوا الوجود العربي فيها، بالعداوة والبغضاء. وخلاصة القصة، أن "أبا ياسر بن أخطب" مر بالمصطفى ﵊ عام الهجرة، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة، أول سورة نزلت بالمدينة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فأتى أبو ياسر أخاه "حيى بن أخطب" في نفر من يهود، فنقل إليهم ما سمع مما يتلو المصطفى من القرآن. فمشى "حيى" في النفر من قومه إلى رسول الله ﷺ ، فسأله فيما تلا من فاتحة البقرة، فلما استوثق منه قال: "لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بينَّ لنبي منهم ما ملكُه وما أجَلُ أمتِه غيرَك: الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون. فهذا إحدى وسبعون سنة، أفندخل في دين نبي إنما مدة مُلكه وأجَل أمته إحدى وسبعون سنة؟ " ثم استطرد يسأل: يا محمد، هل معك مع هذا غيرهُ؟ قال ﵊: نعم، المَصْ. قال حيى: هذه أثقل وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذا إحدى وستون ومائة سنة، هل مع هذا غيره؟ رد المصطفى: نعم، الر. قال اليهودي: هذه أثقل وأطول: الألف واحدة واللام ثلاثون الراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة، هل مع هذا غيره؟ ولما ذكر المصطفى ﵊: المر، أحصاها حيى بن أخطب على حساب أبى جاد، فهي إحدى وسبعون ومائتان سنة. وعندها توقف، ثم قام وهو يقول للنبي ﵊:

стр. 131

"لقد لبس علينا أمرُك حتى ما ندري أقليلاً أُعطِِيتَ أم كثيراً وانصرف بالنفر من قومه، فتساءل أخوه أبو ياسر: ما يدرينا لعله جُمِعَ هذا كله لمحمد؟ وأحصى مجموع ما سمعوا من حروف، فبلغت سبعمائة وأربعا وثلاثين سنة. وقال النفر من اليهود: لقد تشابه علينا أمره. ومن هذا التأويل اليهودي، دخل القول بحساب الجُمَّل، حساب أبى جاد، يتنقل في كتب التفسير - بصورة أو بأخرى - مع غيره من الإسرائيليات التي خالطت الفهمَ الإسلامي للقرآن الكريم، ونقل السيوطي تأويل الفواتح بهذا الحساب، فيما جمع من أقوال السلف في هذه الحروف. ونقل معه شيخ الإسلام الحافظ "ابن حجر": "وهذا باطل لا يعتمد عليه، فقج ثبت عن ابن عباس الزجرُ عن عدَّ أبى جاد، والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر، وليس ذلك ببعيد، فإنه لا أصل له في الشريعة". وكذلك رفضه "الحافظ ابن كثير" من أئمة القرن الثامن للهجرة، (ت ٧٧٤ هـ) ، قال: "وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدُدَ، وأنه يُستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادعى ما ليس له وطار في غيره مطاره. وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدلّ على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته، وهو ما رواه محمد بن إسحق بن يسار صاحب المغازي قال: حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رئاب، قال: مر أبو ياسر بن أخطب - ونقل القصة كما وردت بسندها في السيرة لابن إسحاق عن

стр. 132

ابن الكلبي - فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي، وهو ممن لا يحتج بما اتفرد به". ويُفهم من عبارة "ابن كثير" أن حساب أبي جاد بدأ في قصة ابن أخطب اليهودي - في السيرة النبوية - بِعَدَّ الحروف مدة الإسلام وأجَلَ أمته، قد أضافت إليه العصور، بعد ابن إسحاق في القرن الثاني للهجرة، استخراجَ أوقات الحوادث والفتن والملاحم، من حساب الحروف بعدَّ أبى جاد! وقد استسخفه الشيخ الإمام محمد عبده وقال فيه: "إن أضعف ما قيل في هذه الحروف وأسخفه، أن المراد بها الإشارة بأعدادها في حساب الجُمَل إلى مدة هذه الأمة أو ما يشابه ذلك. وروى ابن إسحاق حديثاً في ذلك عن بعض اليهود عن النبي ﷺ . . . "ولا يزال يوجد في الناس، حتى علماء التاريخ واللغات منهم، من يرى أن في هذه الحروف رموزاً إلى بعض الحقائق الدينية والتاريخية ستظهره الأيام" ثم بدا للسيد الأستاذ "على نصوح الطاهر"، أن يتجه بحسابها العددي إلى عدد حروف السوَر التي افتتحت بها، لكن المحاولة - وقد نشرها في رسالة مطبوعة في القدس، سنة ١٩٦٠ - لم تسلم بعد الجهد الإحصائي المضني. * * * وقيل إن الحروف في مفتتح السور تشير إلى غلبة مجيئها في كلمات هذه السورة. ذكره "الزركشي" بمزيد تفصيل في (البرهان) : بياناً لوجه اختصاص كل سورة بما بدئت به، حتى لم تكن لترد (الم) في موضع (الر) ولا (حم) في موضع (طس) قال: "وكل سورة بدئت بالحروف المفردة، فإن أكثر كلماتها وحروفها مماثل له، فحق

стр. 133

لكل سورة منها ألا يناسبها غير الواردة فيها. فلو وضع (ق) في موضع (ن) لم يكن، لعدم التناسب الواجب مراعاته في كلام الله. وسورة ق بدئت به لما تكرر فيها من الكلمات بلفظ القاف، من ذكر: القرآن، والخلق، وتكرار القول ومراجعته مراراً، والقرب من ابن آدم، وتلقي الملكين، وقول العتيد، وذكر الرقيب والسائق، والقرين، والإلقاء في جهنم، والتقدم بالوعيد، وذكر المتقين والقلب، والقرن، والتنقيب في البلاد، وتشقق الأرض، وإلقاء الرواسي فيها، وبسوق النخل، والرزق، والقوم، وخوف الوعيد وغير ذلك. . . "وتأمب ما اشتملت سورة (ص) على خصومات متعددة، فأولها خصومة الكفار مع النبي ﷺ ، اختصام الخصمين عند داود، ثم تخاصم أهل النار، ثم اختصام الملأ الأعلى في العلم، ثم تخاصم إبليس في شأن آدم. . . وكذلك سورة (ن، والقلم) : فإن فواصلها كلها على هذا الوزن، مع ما تضمنت من الألفاظ النونية" ولا أدري ما وجهه، وفي فواصل سورة القلم: عظيم، الخرطوم، زعيم، مكظوم، مذموم. مع: يكتبون، الصالحين، متين، مثقلون! ويبدو أن الملحظ لما لم يطرد في سائر السور المفتتحة بالحروف، عمد الزركشي إلى التأويل والتخريج، حتى خرج بها إلى إشاريات بعيدة من مثل قولها: "و (الم) جمعت المخارج الثلاثة: الحلق واللسان والشفتين، على ترتيبها. وذلك إشارة إلى البداية التي هي بدء الخلق، والنهاية التي هي بدء الميعاد، والوسط الذي هو المعاش من التشريع بالأوامر والنواهي, وكل سورة افتتحت بها (الم) فهي مشتملة على الأمور الثلاثة. "وسورة الأعراف زيد فيها الصاد على (الم) - المص - لما فيها من شرح القِصص: قصة آدم فمن بعده من الأنبياء، ولما فيها من ذكر ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ ولهذا قال بعضهم، معنى (المص) : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ .

стр. 134

وذهب الظاهرية إلى أنها من المتشابه، قال أبو محمد ابن حزم: "والمتشابه من القرآن هو الحروف المقطعة والأقسام فقط، إذ لا نص في شرحها ولا إجماع، وليس فيما عدا ذلك متشابه على الإطلاق". * * * واستراح قوم من كل هذا العناء المضني الذي لا ينتهي في أي وجه قيل، إلى ما يُطمأن إليه من اطراد في كل فواتح السور، فقالوا إنها سر من مكنون علمه تعالى: ورووا عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: "في كتاب الله سر، وسر الله في القرآن، في الحروف التي في أوائل السور". وحوّم حول هذا، جماعة من القائلين بعلوم الحروف، ذكرهم "أبو حيلن" وقال: "وقد أنكر جماعة من المتكلمين أن يكون في القرآن ما لا يُفهم معناه. فانظر إلى هذا الاختلاف المنتشر الذي لا يكاد ينضبط في تفسير هذه الحروف والكلام عليها. والذي أذهب إليه أن هذه الحروف في فواتح السور هو المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، وسائر كلامه تعالى محكم. . . "وإلى هذا ذهب أبو محمد علي بن أحمد اليزيدي، وهو قول الشعبي والثوري وجماعة من الحدَّثين. قالوا: هي سر الله في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه، ولا يجب أن نتكلم فيها ولكن نؤمن بها وتمر كما جاءت. وقال الجمهور: بل يجب أن نتكلم فيها وتُلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني التي تتخرج عليها. واختلفوا في ذلك الاختلاف الذي قدمناه. قال ابن عطية: والصواب ما قال الجمهور، فنفسر هذه الحروف ونلتمس لها التأويل". ويبدو أن القول بأنها من المتشابه، هو ما غلب على المتأخرين بحيث ساغ للسيوطي أن يضع الأقوال المختلفة في هذه الحروف في نوع المتشابه، وإن لم يقصره

стр. 135

عليها بل أضاف إليها غيرها إنه من متشابه القرآن. وقد بدأ الفصلَ الخاص بالحروف، من نوع المتشابه، بقوله: "ومن المتشابه أوائل السور. والمختار فيها أنها من الأسرار التي لا يعلمها إلا الله تعالى". . . "وخاض في معناها آخرون" ممن نقل الجلال السيوطي اقوالهم في هذا الباب. * * * ويئس بعضهم من ذلك الجدل المثار في الحروف، واختلاف الأقوال في تأويلها. منهم القاضي "أبو بكر ابن العربي" الذي قال، فيكا نقل السيوطي من كلامه في (فوائد رحلته) : "ومن الباطل علمُ الحروف المقطعة في أوائل السور. وفد تحصل لي فيها عشرون قولاً وأزيد. ولا أعرف أحداً يحكم عليها بعلم ولا يصل فيها إلى فهم. والذي أقوله إنه لولا أن العرب كانوا يعرفون لها مدلولاً متداولاً عنهم لكانوا أول من أنكر ذلك على النبي ﷺ . بلا تلا عليهم (حَمَ) و (صَ) وغيرها فلم ينكروا ذلك، بل صرحوا بالتسليم له في البلاغة والفصاحة، مع تشوفهم إلى عثرة وحرصهم على زلة. فدلَّ على أنه كان أمراً معروفاً بينهم لا إنكار فيه" . . . . . . . . . فماذا عساه أن يكون ما عرف العرب من دلالة هذه الحروف المقطعة في فواتح السور؟ لا يمكن أن يكونوا عرفوها إذا كانت من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه. ومثله في البعد عن إدراكهم، أن تكون حروفاً يتألف منها الأسم الأعظم أو

стр. 136

اسم ملك من ملائكته تعالى أو نبي من أنبيائه، فذلك أيضاً مما لم يحيطوا به علماً؛ ولا نتصور أنهم، الأمين، عكفوا على حساب الجُمَّل يعدون الحروف على عدَّ أبي جاد، كما فعل اليهودي "حيى بن أخطب، وأخوه أبو ياسر" كما لا يسهل أن نتصور أنهم راحوا يحصون حرف القاف في (سورة ق) ومواقف الخصومة في سورة (ص) أو يربطون بين بداية الخلق ونهايته والمعاش والتكليف بينهما، بمخارج حروف (الم) من الحلق واللسان والشفتين. . . . * * * ثم يرد على كل هذه الأقوال، سؤال عن وجه اختصاص بعض سور القرآن بفواتح من حروف مقطعة دون سائر السور. وإن كان الزمخشري يرى أن هذا السؤال ساقط "كا إذا سَمَّى الرجل بعض أولاده زيداً والآخر عَمْراً، لم يُقَلْ له: لم خصصت ولدك هذا يزيد وذاك عمرو؟ لأن الغرض هو التمييز، وهو حاصل أية سلك. ولذلك لا يقال: لم سُمَّي هذا الجنس بالرجل وذاك بالفرس، ولم قيل للانصتاب القيام، ولنقضيه القعود؟ " على حين لم يُسقط الفخر الرازي هذا السؤال عن حكمة اختصاص بعض السور بحروف الفواتح دون سائر السور، بل رد عليه فقال: "عقل البشر عن إدراك الأشياء الجزئية على تفاصيلها عاجز، والله أعلم بجميع الأشياء، لكن نذكر ما يوفقنا الله له" ثم مضى فقدم في رده ملحظاً هاماً هو: غلبة ذكر القرآن أو الكتاب بعد هذه الفواتح. قال: "كل سورة في أوائلها حروف التهجي، فإن في أوائلها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن، كقوله تعالى:

стр. 137

﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ﴾ ﴿ص وَالْقُرْآنِ﴾ ﴿ق وَالْقُرْآنِ﴾ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ إلا ثلاث سور: ﴿كهيعص﴾ ، ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ ، ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ - أي: مريم، والعنكبوت، والروم. لكن الفخر الرازي لم يمض بهذا الملحظ الهام إلى تدبر سر الحرف في الإعجاز البياني، بل ربطه بتأويلها بالمنبهات، ورأى "أن الحكمة في افتتاح السور التي فيها القرآن أو التنزيل أز الكتاب بالحروف، هي أن القرآن عظيم، والإنزال له ثقل، والكتاب له عبء كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ وكلُّ سورة في أولها ذِكْرُ القرآن والكتاب والتنزيل، قدم عليها منبه يوجب ثبات المخاطب لاستماعه". ولم يفت الرازي أنَّ ربك الفواتح بذكر تالقرآن والكتاب والتنزيل، لا يسلم له طرداً ولا عكساً كما يقول المناطقة. فثقل القرآن لا تختص به السور المفتتحة بالحروف دون سائر السور الأخرى. فضلاً عن وجود ذُكَرِ الإنزالُ زالكتاب في آياتها الأولى، غير مفتتحة بالحروف، مثل سور: الكهف: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾

стр. 138

الفرقان ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ القَدْر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ الزُّمَر: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ كما أن التنبيه، جاء في القرآن بغير الحروف المقطعة، كالنداء في سور النساء والحج والتحريم، والبدء بواو القسم في مثل سور الضحى والعصر والليل والفجر والشمس والنجوم. . . وعدم ذكر البسملة، في سورة التوبة. وقد رد الرازي على الأول، بأن السورة التي فيها ذكر القرآن تُنبه على كل القرآن. وردَّ على الثاني بأن هذه السور غير المفتتحة بالحروف، ليست واردة على مشغول القلب بشيء غير القرآن. وردّ على الثالث بأن أوائل الحج والتحريم أشياء هائلة عظيمة. وأما السور التي افتتحت بالحروف ولم يذكر بعدها القرآن أو التنزيل، فعلَّله بأن ثقل القرآن، بما فيه من التكاليف والمعاني. ولا يبدو ردهُّ مقنعاً، بل هو واضح التكلف. وكان "الزركشي" أوضح مسلكاً وأنأى عن تكليف، إذ اكتفى بقوله: "واعلم أن عادة القرآن العظيم في ذكر هذه الحروف، أن يذكر بعدها ما يتعلق بالقرآن. . . وقد جاء بخلاف ذلك في العنكبوت والروم، فيسأل عن حكمة ذلك." وهو ما حاوله "الحافظ ابن كثير" فهداه الاستقراء إلى أن كل سورة افتتحت بالحروف فلابد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه. على ما سوف ننقل فيما يلي. * * *

стр. 139

ولعل أقرب ما قالوه في حروف الفواتح، إلى طبيعة البيان وقضية الإعجاز، هو أن هذه الحروف ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من حروف هجائهم، مفردة أو مركبة "ليدل القوم الذين نزل القرآن بلغتهم، أنه بالحروف التي يعرفونها ويبنون كلامهم منها". ذكره الإمام الطبري في تفسيره، وأتى به الزمخشري في بيان مجئ الحروف مقطعة "مسرودة على نمط التعديد، كالإيقاع وقرع العصا لمن تُحدى بالقرآن وبغرابة نظمه، وكالتحريك إلى النظر في أن هذا المتلو عليهم، وقد عجزوا عنه من آخرهم، كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم، ليؤديهم النظر إلى أن يستيفنوا أنْ لم تتساقط مقدرتهمة دونه ولم يظهر عجزهم عن أن يأتوا بمثله بعد المراجعات المتطاولة، وهم أمراء الكلام وزعماء الحوار، وهم الحراص على التساجل في اقتضاب الخطب والمتهالكون على الافتنان في القصيد والرجز؛ ولم يبلغ من الجزالة وحسن النظم المبالغ التي بزت بلاغة كل ناطق وشقت غبار كل سابق، ولم يتجاوز الحد الخارج من قوى الفصحاء، ولم يقع وراء مطامح أعين البصراء إلا لأنه ليس بكلام البشر". وبعد أن ساق الزمخشري ملحظ مجئ الفواتح على حرف، واثنين، وثلاثة، وأربعة، وخمسة، كمجئ ألفاظ العرب وأبنيتهم على هذا لم تتجاوز، انتصر لهذا الوجه الذي يربط حروف الفواتح بالإعجاز فقال: "وهذا القول من القوة والخلاقة بالقبول بمنزل، إشارة إلى ما ذكرتُ من التبكيت لهم وإلزام الحجة إياهم". نقله الحافظ ابن كثير في تفسيره، وأضاف: "قلت: ولهذا، كل سورة افتتحت بالحروف فلابد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته. وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع في تسع

стр. 140

وعشرين سورة ولهذا يقول تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء - القائلون بأنها إشارة إلى أن القرآن المعجز جاء من مألوف حروفهم - لمن أمعن النظر". وينتصر الحافظ ابن كثير لهذا المذهب في مجئ هذه الحروف "بياناً لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحز هذا. وقرره الزمخشري في (كشافه) ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، وشيخنا الحافز المجتهد أبو الحجاج المزى، وحكاه لي عن ابن تيمية". وترى هذا الكلام بنصه تقريباً، قد نقله السيد محمد رشيد رضا، معقباً به على قول الشيخ محمد عبده: "آلم: هو وأمثاله أسماء للسور المبتدأة به. . .

стр. 141

"وحكمه التسمية والاختلاف في: ﴿الم﴾ ، ﴿المص﴾ نفوض الأمر فيها إلى المسمى . ويسعنا في ذلك ما وسع صحابة رسول الله ﷺ وتابعيهم. وليس من الدين في شيء أن يتنطع متنطع فيخترع ما يشاء من العلل التي قلما يسلم مخترعها من الزلل". * * * هذا الوجه الذي لمحه الإمام الطبري، وقال به عدد من أئمة المحققين، لغويين ومفسرين، وقرره الزمخشري ونصره أتم نصر، وأيده ابن كثير بما حكاه عن شيوخه. . .؛ هو فيما نرى أقرب ما يكون طبيعة الكتاب العربي المبين في إعجاز بيانه. ومن ثم أستخلصه من بين حشد الأقوال التي تأولوا بها فواتح السور وزادت على العشرين، فيما ذكر القاضي أبو بكر ابن العربي في فوائد رحلته. وأمعن النظر فيها بمزيد تدبر، لعلى أجتلة منها ما أضيفه إلى ما قاله السلف الصالح في مجئ الفواتح بهذه الحروف التي يبني العرب منها كلامهم "بياناً لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثله، مع أنه مركب من الحروف التي يتكلمون بها". وقد نقلنا ما وصل إليه جهدهم، من مجئ هذه الحروف القرآنية على حد النصف من حروف التهجي العربية، على أي وجه صنفها به علماء العربية وفقهاء اللغة بعد عصر نزول القرآن. وليس لدىّ ما أضيف إلى هذا المجال. ويبقى أن أتابع ما التفت إليه الرازي من غلبة مجئ هذه الحروف في سور مفتتحة بآيات فيها ذكر القرآن أو الكتاب أو التنزيل. فلا أربطها به من "المنبهات التي توجب ثبات المخاطب لاستماعه"ولا ألمح فيها ما لمحه في

стр. 142

الآيات بعدها من ثقل العبء، من حيث لا أرى هذه السور تنفرد عن سائر سور القرآن، بهذا الملحظ. وإنما أتابع ما قرره "ابن كثير" في "أن كل سورة افتتحت بالحروف فلابد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه. وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع في تسع وعشرين سورة" وهو استقراء كامل كما ترى، وان اكتفى "الحافظ" بأن استئهد بسبع مبتدأة بالفواتح، ومعها مفتتح ثلاث سور من الحواميم. وفيها جميعاً يأتي ذكر الكتاب أو القرآن والتنزيل، في مستهل السور. وقد علق ناشر (تفسير ابن كثير) - السيد محمد رشيد رضا - على هذا الملحظ، فكتب بهامشه: "ولكن الاستقراء غير تام، لأن سورة مريم ليست كذلك". ومن قبله التفت "الفخر الرازي، والزركشي" إلى أن سورة مريم، ومعها سورتا العنكبوت والروم، افتتحت بالحروف المقطعة، دون أن يليها ذكر القرآن أو الكتاب: مريم: ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ العنكبوت: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ الروم: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ ولم يفت الرازي والزركشي تخلفُ هذه السور الثلاث عن الملحظ في مجئ الكتاب أو القرآن والتنزيل، في مستهل السور المفتتحة بالحروف المقطعة، على ما نقلنا من كلامها آنفاً. على حين لا نرى وجهاً لتعليق السيد محمد رشيد رضا على ملحظ "ابن كثير" من حيث لم يُقيده بالآيات التاليه للفواتح في مستهل السور، وإنما أطلق القول بأن "كل سورة افتتحت بالحروف فلابد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه".

стр. 143

قوله: يُذكَر فيها، لا يقيد الانتصار للقرآن بالآيات التالية للفواتح، وإنما يطلقه فيجئ في أي موضع من السورة. وهذا ما لم ينتبه إليه السيد رشيد رضا، كما فات الرازي أن يلحظه فقيد ذكر القرآن بأوائل السور، ومن ثم تخلفت سور مريم والعنكبوت والروم، مفتتحة بالحروف المقطعة، لا يتلوها ذكر الكتاب أو القرآن والتنزيل. وبتدبر السور الثلاث، يطرد ملحظ ابن كثير، لا تتخلف عنه سورة مريم - كما وهم السيد رضا - وفيها يتكرر قوله تعالى للمصطفى ﵊: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ. . .﴾ خمس مرات - آيات: ١٦، ٤١، ٥١، ٥٤، ٥٦ - ثم تختتم السورة بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ ٩٧، ٩٨ كما يسلم الملحظ نفسه، لا يتخلف، في سورة العنكبوت، وفيها من آيات الانتصار للقرآن والاستدلال لإعجازه، ردّاً على جدل المشركين والمرتابين وأهل الكتاب، قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥) وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ

стр. 144

مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٤٥: ٥٢ وكذلك يطرد الملحظ لا يتخلف، في سورة الروم، وفي ختامها تأتي هذه الآيات احتجاجاً للقرآن: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ ٥٨: ٦٠ * * * ماذا عسانا أن نضيف إلى هذا الملحظ الهام الذي يتصل اتصالاً قوياً ومباشراً، بما يشغلنا من أمر الإعجاز البياني؟ يتجه منهجنا ابتداء، إلى استقراء كامل لجميع السور المفتتحة بالحروف المقطعة، مرتبة على حسب النزول. وهي محاولة لا أعلم أن أحداً ممن قرأت لهم في هذه الفواتح قد اتجه إليها، مع أنها التي يمكن أن تهيدنا إلى ملحظ مشترك في هذه السور جميعاً، مأخوذ من تدبر سياقها وفهم طبيعة المقام الذي اقتضى إيثارها بهذه الفواتح، مرتبطاً بسير الدعوة عصرَ المبعث ونزول آيات المعجزة: وأول سورة نزلت مفتتحة بالحرف، هي سورة القلم ثاني السور على المشهور في ترتيب النزول. واللافُت اقترانُ الحرف فيها بالقلم وما يسطرون، والرد على المجادلون في المعجزة: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ١: ١٥.

стр. 145

واضح أن الآيات موجهه إلى تأييد نبوة المصطفى ﵊، تثبيت قلبه في مواجهة من يكذبونه ويجادلون في معجزته، فيزعمون أن هذا القرآن من مثل ما يسطرون من أساطير الأولين. والرسول في أول عهده بالوحي كان في أشد الحاجة إلى ما يثَّبت فؤاده ويذهب عنه قلق النفس وشواغل البال من ناحية المشركين من طواغيت قريش. وقد وصفوه بالجنون حين دعاهم إلى ترك أوثانهم التي وجدوا آباءهم لها عابدين. وزعموا أن هذا القرآن أساطير الأولين. وإنهم لعلى عِلم بتلك الأساطير، وفيهم من كان يكتبها ويتلو منها تحدياً للمصطفى ﵊. على ما في (السيرة النبوية: ١ / ٣٢١) . وهذه هي آيات المعجزة معروضة عليهم بلغتهم وحروفهم، فليقابلوها على ما لديهم مما كانوا يسطرون. ويأتي النذير الصادع في ختام السورة: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ لقد بدأ إذن جدل المشركين في المعجزة من أول المبعث، ولم يكن قد نزل من القرآن غير الآيات الأولى من سورة العلق. ومجئ الحرف (ن) في سورة القلم المكية المبكرة، فيه لفت واضح إلى سر الحرف في البيان المعجز: فمن حيث يجادل المشركون في القرآن ويحملونه على أساطير الأولين، يبدأ الاحتجاج للقرآن بأن يعرضوه على ما عرفوا منها، وإن كلماته لمن الحروف التي عرفوها. ونربط هذا الاحتجاج للمعجزة في سورة ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ بما نزل
следующие страницы →