Полный текст (584 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
"وحكمه التسمية والاختلاف في: ﴿الم﴾ ، ﴿المص﴾ نفوض الأمر فيها إلى المسمى . ويسعنا في ذلك ما وسع صحابة رسول الله ﷺ وتابعيهم. وليس من الدين في شيء أن يتنطع متنطع فيخترع ما يشاء من العلل التي قلما يسلم مخترعها من الزلل".
* * *
هذا الوجه الذي لمحه الإمام الطبري، وقال به عدد من أئمة المحققين، لغويين ومفسرين، وقرره الزمخشري ونصره أتم نصر، وأيده ابن كثير بما حكاه عن شيوخه. . .؛
هو فيما نرى أقرب ما يكون طبيعة الكتاب العربي المبين في إعجاز بيانه.
ومن ثم أستخلصه من بين حشد الأقوال التي تأولوا بها فواتح السور وزادت على العشرين، فيما ذكر القاضي أبو بكر ابن العربي في فوائد رحلته.
وأمعن النظر فيها بمزيد تدبر، لعلى أجتلة منها ما أضيفه إلى ما قاله السلف الصالح في مجئ الفواتح بهذه الحروف التي يبني العرب منها كلامهم "بياناً لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثله، مع أنه مركب من الحروف التي يتكلمون بها".
وقد نقلنا ما وصل إليه جهدهم، من مجئ هذه الحروف القرآنية على حد النصف من حروف التهجي العربية، على أي وجه صنفها به علماء العربية وفقهاء اللغة بعد عصر نزول القرآن.
وليس لدىّ ما أضيف إلى هذا المجال.
ويبقى أن أتابع ما التفت إليه الرازي من غلبة مجئ هذه الحروف في سور مفتتحة بآيات فيها ذكر القرآن أو الكتاب أو التنزيل. فلا أربطها به من "المنبهات التي توجب ثبات المخاطب لاستماعه"ولا ألمح فيها ما لمحه في
стр. 142
الآيات بعدها من ثقل العبء، من حيث لا أرى هذه السور تنفرد عن سائر سور القرآن، بهذا الملحظ.
وإنما أتابع ما قرره "ابن كثير" في "أن كل سورة افتتحت بالحروف فلابد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه. وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع في تسع وعشرين سورة"
وهو استقراء كامل كما ترى، وان اكتفى "الحافظ" بأن استئهد بسبع مبتدأة بالفواتح، ومعها مفتتح ثلاث سور من الحواميم.
وفيها جميعاً يأتي ذكر الكتاب أو القرآن والتنزيل، في مستهل السور. وقد علق ناشر (تفسير ابن كثير) - السيد محمد رشيد رضا - على هذا الملحظ، فكتب بهامشه: "ولكن الاستقراء غير تام، لأن سورة مريم ليست كذلك". ومن قبله التفت "الفخر الرازي، والزركشي" إلى أن سورة مريم، ومعها سورتا العنكبوت والروم، افتتحت بالحروف المقطعة، دون أن يليها ذكر القرآن أو الكتاب:
مريم: ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾
العنكبوت: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
الروم: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾
ولم يفت الرازي والزركشي تخلفُ هذه السور الثلاث عن الملحظ في مجئ الكتاب أو القرآن والتنزيل، في مستهل السور المفتتحة بالحروف المقطعة، على ما نقلنا من كلامها آنفاً.
على حين لا نرى وجهاً لتعليق السيد محمد رشيد رضا على ملحظ "ابن كثير" من حيث لم يُقيده بالآيات التاليه للفواتح في مستهل السور، وإنما أطلق القول بأن "كل سورة افتتحت بالحروف فلابد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه".
стр. 143
قوله: يُذكَر فيها، لا يقيد الانتصار للقرآن بالآيات التالية للفواتح، وإنما يطلقه فيجئ في أي موضع من السورة.
وهذا ما لم ينتبه إليه السيد رشيد رضا، كما فات الرازي أن يلحظه فقيد ذكر القرآن بأوائل السور، ومن ثم تخلفت سور مريم والعنكبوت والروم، مفتتحة بالحروف المقطعة، لا يتلوها ذكر الكتاب أو القرآن والتنزيل.
وبتدبر السور الثلاث، يطرد ملحظ ابن كثير، لا تتخلف عنه سورة مريم - كما وهم السيد رضا - وفيها يتكرر قوله تعالى للمصطفى ﵊: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ. . .﴾ خمس مرات - آيات: ١٦، ٤١، ٥١، ٥٤، ٥٦ - ثم تختتم السورة بقوله تعالى:
﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ ٩٧، ٩٨
كما يسلم الملحظ نفسه، لا يتخلف، في سورة العنكبوت، وفيها من آيات الانتصار للقرآن والاستدلال لإعجازه، ردّاً على جدل المشركين والمرتابين وأهل الكتاب، قوله تعالى:
﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥) وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ
стр. 144
مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٤٥: ٥٢
وكذلك يطرد الملحظ لا يتخلف، في سورة الروم، وفي ختامها تأتي هذه الآيات احتجاجاً للقرآن:
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ ٥٨: ٦٠
* * *
ماذا عسانا أن نضيف إلى هذا الملحظ الهام الذي يتصل اتصالاً قوياً ومباشراً، بما يشغلنا من أمر الإعجاز البياني؟
يتجه منهجنا ابتداء، إلى استقراء كامل لجميع السور المفتتحة بالحروف المقطعة، مرتبة على حسب النزول. وهي محاولة لا أعلم أن أحداً ممن قرأت لهم في هذه الفواتح قد اتجه إليها، مع أنها التي يمكن أن تهيدنا إلى ملحظ مشترك في هذه السور جميعاً، مأخوذ من تدبر سياقها وفهم طبيعة المقام الذي اقتضى إيثارها بهذه الفواتح، مرتبطاً بسير الدعوة عصرَ المبعث ونزول آيات المعجزة:
وأول سورة نزلت مفتتحة بالحرف، هي سورة القلم ثاني السور على المشهور في ترتيب النزول. واللافُت اقترانُ الحرف فيها بالقلم وما يسطرون، والرد على المجادلون في المعجزة:
﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ١: ١٥.
стр. 145
واضح أن الآيات موجهه إلى تأييد نبوة المصطفى ﵊، تثبيت قلبه في مواجهة من يكذبونه ويجادلون في معجزته، فيزعمون أن هذا القرآن من مثل ما يسطرون من أساطير الأولين.
والرسول في أول عهده بالوحي كان في أشد الحاجة إلى ما يثَّبت فؤاده ويذهب عنه قلق النفس وشواغل البال من ناحية المشركين من طواغيت قريش. وقد وصفوه بالجنون حين دعاهم إلى ترك أوثانهم التي وجدوا آباءهم لها عابدين.
وزعموا أن هذا القرآن أساطير الأولين. وإنهم لعلى عِلم بتلك الأساطير، وفيهم من كان يكتبها ويتلو منها تحدياً للمصطفى ﵊. على ما في (السيرة النبوية: ١ / ٣٢١) .
وهذه هي آيات المعجزة معروضة عليهم بلغتهم وحروفهم، فليقابلوها على ما لديهم مما كانوا يسطرون. ويأتي النذير الصادع في ختام السورة:
﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾
لقد بدأ إذن جدل المشركين في المعجزة من أول المبعث، ولم يكن قد نزل من القرآن غير الآيات الأولى من سورة العلق. ومجئ الحرف (ن) في سورة القلم المكية المبكرة، فيه لفت واضح إلى سر الحرف في البيان المعجز: فمن حيث يجادل المشركون في القرآن ويحملونه على أساطير الأولين، يبدأ الاحتجاج للقرآن بأن يعرضوه على ما عرفوا منها، وإن كلماته لمن الحروف التي عرفوها.
ونربط هذا الاحتجاج للمعجزة في سورة ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ بما نزل
стр. 146
قبلها مباشرة في مستهل الوحي، وقد كانت كلمته الأولى: "اقرأ" وفيها لفت إلى آية الله الكبرى في الإنسان، خلقه الله من علق، وعلم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. فكأن نزول سورة القلم بعدها مبتدأه بحرف (ن) يلفت إلى سر الحرف الذي هو مناط القراءة والعلم والبيان، تنطق به في حروف التهجي، منفرداً منقطعاً فلا يعطي أي معنى أو دلالة، وما يخرج عن مجرد صوت.
ثم يأخذ الحرف موضعه من الكلمة فيتجلى سره الأكبر.
وما كان المصطفى بقارئ، ولا كان يتلو من كتاب من قبل القرآن ولا يخطه بيمينه. والمشركون بحيث لا يجهلون أنه ليس كأساطير الأولين التي يعرفون ويسطرون، لكنهم جادلوا فيه عناداً واستكباراً أن يؤمنوا بنبوة بشر مثلهم. ومن ثم توالى الوحي، بعد أن لفتهم إلى سر الحرف في آية القلم، يبهرهم بآيات هذا القرآن لعلهم بما يجركون من إعجاز بيانه، يكفون عن جدل فيه. فلما أصروا على عنادهم، اتجه إلى صريح التحدي والمعاجزة، إلزاماً لهم بالحجة.
وقيبل التحدي والمعاجزة، في العهد المكي، نزلت تسع سور مفتتحة بالحروف المقطعة. من هذه السور يبدو أن الدجل في المعجزة قد اشتد وأن المشركين أصروا على التكذيب بها وحملها إما على أساطير الأولين، أو على قول شاعر أو كاهن أو ساحر. ويسجل القرآن دعاواهم ومزاعمهم، متجهاً إلى دحضها والكشف عن زيفها وبطلانها، بالاحتجاج للمعجزة، وسوق العبرة بمن مضى من أمم كذبوا برسالات ربهم واتهموا رسله بالافتراء، وبالسحر والجنون، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.
إيناساً للمصطفى ﵊ فيما يحمل من أعباء رسالته وما يلقى من تكذيب قومه، وتذكرةّ وعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد..
وهذه هي آيات الجدل والاحتجاج في السور التسع التي نزلت مفتتحة بالحروف المقطعة، قيبل مواجهة العرب المشركين بصريح التحدي والمعاجزة، نوردها هنا على المشهور في ترتيب النزول:
стр. 147
٣٤، سورة ق:
﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ٣٧..
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ ٤٥.
٣٨ - سورة ص:
﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ ١: ٨
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٢٩.
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ ٨٩: ٨٨.
٣٩ - الأعراف:
﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ ١: ٦
стр. 148
﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ٥٢: ٥٣.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .
إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١٨٢: ٢٠٤.
٤١ - يس:
﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ١: ٧.
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٦٩: ٧٠.
٤٤ - مريم.
﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ ١: ٢.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ ٧٣: ٧٤.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ ٩٦: ٩٨.
стр. 149
٤٥ - طه:
﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ ١: ٦.
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ١١٣: ١١٤.
﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾ ١٣٣: ١٣٥.
٤٧ - الشعراء:
﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ١: ٦.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ١٩١: ١٩٥.
﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ ٢١٠: ٢١٢.
стр. 150
٤٨ - النمل:
﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٩١: ٩٣.
٤٦ - القصص:
﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١: ٣
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٤٤: ٥١.
﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٨٥: ٨٨.
* * *
стр. 151
وفي هذه السور التي تقارب وقتُ نزولها، كما تقارب ترتيبُها في المصحف، يبدو التركيزُ، في الاحتجاج للمعجزة، على ما تلا القرآن من قصص المرسلين الذين كُذَّبوا. فإن كذَّب المشركون بمحمد رسولاً، فكذلك كذب من قبلهم قومُ نوح، وعاد وثمود، وقوم لوط وإبراهيم وموسى وعيسى.
وإن جادل المشركون في معجزة المصطفى ﷺ ، فكذلك جادل الأولون في معجزات الرسل ﵈.
ولا يخطئنا أن نلتفت إلى وصفه تعالى للقرآن بأنه: كتاب عربي مبين، تنزيل من رب العالمين، نزل به الوحي على خاتم المرسلين، ويسرَّه بلسانه ليبشر به المتقين وينذر به قوماً لُدّاًَ.
وفي سورة القصص، العاشر من السور المكية الأولى المفتتحة بالحروف المقطعة، تبدأ المعاجزة والتحدي، بأن يأوا بكتابٍ من عند الله هو أهدى مما أوتى محمد وموسى، ﵉.
كما لا يفوتنا أن نلحظ أن الفواتح بدأت في السور الثلاث الأولى منها، بحرف واحد، ن، ق، ص.
لافته إلى سر الحرف.
ثم نزلت سور "الأعراف ويس ومريم وطه والشعراء والنمل والقصص" بفواتح من حرفين: يس، طه، طس، وثلاثة: طسك. وأربعة: المص، وخمسة كهيعص.
وألفاظ العربية مبنية على مثل هذا العدد من الأحرف التي نزل بها الكتاب العربي المبين.
فلفتت إلى أن الحروف قد تتألف منها ألفاظ عجماء، فإذا أخذ الحرف موضعه في البيان، تجلَّى سرُّه.
* * *
стр. 152
بعد أن نزلت عشر سور مفتتحة بالحروف المقطعة أولاها "ن" وعاشرتُها سورة القصص المفتتحة بـ "طسم" والتي بدأ فيها تحدي المكذبين المجادلين بأن يأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى من القرآن والتوراة.
نزلت سورة الإسراء - الخمسون في ترتيب النزول - تواجههم بصريح المعاجزة بمثل هذا القرآن، في سياق تعنت المشركين في جدلهم في المعجزة، وما اقترحوا على المصطفى من دلائل أخرى تقنعهم بنبوة بَشَرٍ رسول:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ ٨٨: ٩٦.
﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ ١٠٥: ١٠٩
بلى، هو بشَر رسول، معجزته هذا الكتاب العربي المبين، يعرف الذين نزل بلسانهم كما لا يعرف سواهم من غير العرب، أنه يعيى الإنس ومن يظاهرهم من الجن، أن يأتوا بمثله.
стр. 153
ومن ثم واجَه المكذبين والمجادلين بالتحدي والمعاجزة، مع تتابع نزول السور مفتتحة بهذه الحروف المقطعة التي يتألف كلام العرب منها، ولا سبيل لأحد من أصحاب هذه العربية، لغة القرآن، وأمراء بيانها، أن يأتوا بسورة من مثله.
فهل يقولون افتراه؟ فيم إذن عجزهم عن الإتيان بمثل ما افتراه، وإنه ليتحداهم تحدياًَ جهيراً معلناً، بعد أن أعلن - في آية الإسراء - عجز الإنس والجن مجتمعين أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً؟
بعد نزول سورة "الإسراء" بهذه المعاجزة، نزلت مباشرة سورتا "يونس وهود" مفتتحين بالحروف "الر" مع آيات الكتاب الحكيم، كتاب أحمت آياته ثم فُصَّلت من لَدُنٌ حكيم خبير.
وفي السورتين آيات تحدَّ ومعاجزة، رداً على جدل المشركين في المعجزة: في يونس - وترتيبها في النزول الحادية والخمسون - يتحداهم أن يأتوا بسورة مثله:
﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ٣٧: ٤٤.
بل لماذا وقد زعموا أن محمداً افتراه، لا يأتون بعشر سُوَرٍ من مثله مفتريات كما تحدتهم آية "هود" الثانية والخمسون، في ترتيب النزول - وألزمتهم الحجة إن لم يفعلوا؟
стр. 154
﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١٢: ١٤.
وتلتها سور "يوسف،، الحجر، لقمان" ترتيبها على التوالي: ٥٣، ٥٤، ٥٧، مففتحة بالحروف "الر، الر، الم" متلوة بآيات الكتاب وقرآن مبين، هدى ورحمة. وفيها جميعاً آيات تؤكد الاحتجاج لهذا القرآ، العربي المبين الذي نزل بلسانهم، وتكشف عن سَفَهِ تورظهم في الجدل في المعجزة، بعد أن عجزوا عن الإتيان بسورة من مثل هذا القرآن، كانت، لو أنهم استطاعوا، بحيث تغنيهم عن اللدد في الخصومة.
٥٣ - يوسف:
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ١: ٣.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
٥٤ - الحجر:
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَمَا أَهْلَكْنَا
стр. 155
مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ ١: ١٥.
٥٧: لقمان:
﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ١: ٧
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٢٧.
ثم نزلت الحواميم السبع متتالية في ترتيب نزولها (٦٠: ٦٦) متتالية كذلك في ترتيب المصحف (٤٠: ٤٦) وهي سور: غافر، فصلت، الشورى، الزخرف، الدخان الجاثية، الأحقاف.
وكلها تبدأ بحرفى "حم" ومعهما في سورة الشورى: "عسق" وفيها جميعاً احتجاج للقرآن ردّاً على جدل المكذبين، فهي تستهل بعد الأحرف المقطعة، بتقرير تنزيله من العزيز الحكيم، كتاباً عربياً مبيناً فُصَّلت آياته لقوم يعلمون، وتنذر من جادلوا فيه بالباطل، بمثل ما حاق بالذين كذبوا من قبلهم بآيات الله وجادلوا فيها فأخذهم، وتَرُد عن المصطفى تهمة الافتراء ودعوى
стр. 156
السحر، فما كانت ﵊ بدْعاً من الرسل، وإنما يتبع ما أوحى إليه فليصبر على عنت المجادلين وتكذيب الضالين:
٦٠ - غافر:
﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ ١: ٥
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٥٦.
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٧٧: ٧٨.
٦١ - فُصلت:
﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ١: ٦.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ
стр. 157
بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ٤٠: ٤٤
٦٢ - الشورى:
﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١: ٣
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ ٧.
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ١٦: ١٧
﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ٢٣: ٢٤.
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ ٥١: ٥٣.
٦٣ - الزخرف:
﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي
стр. 158
أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ ١: ٨
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ٣٠: ٣٢.
﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ ٤٠: ٤٤.
٦٤: الدخان:
﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ١: ٦
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ ١٠: ١٤.
﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ ٥٨: ٥٩.
٦٥ - الجاثية:
﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. . .﴾ ١: ٢.
﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ
стр. 159
يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٦: ٩.
﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٢٠
٦٦ - الأحقاف:
﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ١: ٢.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ٧: ١٢.
* * *
بعد الحواميم، نزلت خمس سور بغير فواتح من الحروف المقطعة، وكان المتوقع أن ينتهي جدل المشركين في المعجزة، من حيث لزِمْتهم الحجةُ ولم يبقَ أمامهم إلا التسليم بأن هذا الكتاب العربي المبين، تنزيل من رب العالمين. ولكنهم عادوا يَلْغُون فيه، ونزلت سورتا إبراهيم (٧٢) والسجدة (٧٥) مبدوءتين بالأحرف: "الر، الم" مقترنة بتقرير إنزال الكتاب من الله ودحض حجج من جادلوا فيه.
٧ - إبراهيم:
﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ
стр. 160
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١: ٤.
٧٥ - السجدة:
﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ .
بعدهما نزلت سورتا الطور، والحاقة (٧٦، ٧٨) بغير فواتح، ومن آياتهما ندرك أن المشركين لجوا في عنادهم وكفرهم، وضاقوا بهذا التحدي الذي كشف عجزهم وألزمهم الحجة، فعادوا على بدء، يخبطون في متاهة الحيرة ويتعثرون في أمر هذا القرآن، لا يستقرون على قول فيه، كدأبهم في أول المبعث حين تحيروا فيه بين أن يقولوا هو قول شاعر، أو كاهن أو مجنون. وإنهم لعلى يقين من أن العرب تدري من الشعر والكهانة والجنون، ما لا يمكن أن يصدقوا هذه المزاعم فيما يتلو المصطفى، ﵊، من آيات القرآن.
٧٦ - الطور:
﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ٢٩: ٣٤.
٧٨ - الحاقة:
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ
стр. 161
أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ٣٨: ٥٢
بعد هذا التحدي الصادع المكرَّر، نزلت، في أواخر العهد المكي، سورتا الروم والعنكبوت مقتتحتين بـ "الم" ولا تستهل السورتان بذكر القرآن وتنزيله من رب العالمين، لكن فيهما كلتيهما، احتجاجاً للمعجزة التي يصر المبطلون، ممن عميت قلوبهم، على جحدهم كع ظهور آيتها لكل ذي بَصَرٍ وبصيرة.
٨٤ - الروم:
﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ١: ٣.
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ ٥٨: ٦٠.
٨٥: العنكبوت:
﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ ١: ٢.
﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥) وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا
стр. 162
أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٤٥: ٥١.
* * *
وبدأ الوحي في العهد المدني، بعد الهجرة، بسورة "البقرة" مفتتحة بِـ:
﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١: ٢
وفي هذه السورة المدنية الأولى، حسم القرآن قضية المعاجزة بهذا التحدي الصادع:
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٢٣: ٢٤.
وبعدها، لم تنزل سورة مبدوءة بالحروف المقطعة، غير سورتى آل عمران والرعد، وهما من أوائل السور المدنية، وفيهما يطرد ملحظ الاحتجاج للمعجزة وتقرير نزولها بالحق من الله الحي القيوم، وإنذار الذين كفروا بها، بعذاب شديد، والله عزيز ذو انتقام.
٣ - آل عمران:
﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ ١: ٤.
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٧.
стр. 163
٩ - الرعد:
﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ ٣١: ٣٢.
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ ٣٧.
* * *
بسورة الرعد، انتهت السور المبدوءة بفواتح من أحرف مقطعة، كما انتهت قضية التحدي والمعاجزة بآية البقرة التي كررت تحديهم بأن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن إن كانوا في ريب منه، فإن لم يفلعوا، ولن يفعلوا، فليتقوا النار.
* * *
ونخلص من هذا الاستقراء الكامل للفواتح في سورها وترتيب سياقها، بالملاحظ الآتية:
١ - أنها بدأت من أوائل الوحي في سورة القلم، لفتة إلى سر الحرف، ثم كثرت وتتابعت في أواسط العهد المكي - من سورة ق وترتيب نزولها الرابعة والثلاثون إلى سورة القصص وترتيب نزولها التاسعة والأربعون - حين بلغ الجدل في القرآن أشده، فعُرِضَتْ قضية التحدي، وظلت آيات القرآن تعاجزهم وتتحداهم أن يأتوا بمثله أو بسورة منه، إلى أول العهد المدني الذي نزلت فيه آية البقرة فحسمت الجدل العقيم، بعد أن لزمتهم الحجة على صدق المعجزة، بعجزهم مجتمعين أن يأتوا بسورة من مثله.
стр. 164
٢ - ما من سورة بُدئت بالحروف المقطعة، إلا كان فيها احتجاج للقرآن وتقرير نزوله من عند الله، ودحض لدعاوى من جادلوا فيه. مع التنظير لموقف المجادلين فيه، بموقف أمم قبلهم كذبوا بآيات الله واستهزئوا برسله تعالى فحق عليهم العقاب.
٣ - أكثر السور المبدوءة بالفواتح، نزلت في المرحلة التي بلغ فيها عتو المشركين أقصى المدى، وأفحشوا في حمل الوحي على الافتراء والسحر والكهانة، فواجههم القرآن بالتحدي. وعاجزهم مجتمعين، ومن ظاهرهم من الجن، أن يأتوا بسورة من مثله مفتراة، أو فليأتوا بعشر سور، أو بحديث مثله، ما داموا يزعمون أن محمداً افتراه وتقوله.
وأفحموا، عجزوا جميعاً عن أن يأتوا بسورة من مثله، وإنه لكتاب عربي مبين: ألفاظه من لغتهم، وحروفه هي حروف معجمهم، تلك الحروف التي تقرأ مقطعة مفردة أو مركبة، فلا تعطي دلالة ما، لكنها حين تأخذ مكانها في القرآن يتجلى سرها البياني المعجز.
* * *
هكذا وقفتُ أمام فواتح السور، فكانت اللمحة المضيئة لسر الحرف. وما أعجب سره:
ما أعجب أن تتحق آيات الإنسان الناطق، بحروف من مثل: ا، ح، ر، س، ص، ط، ع، ق، ك، ل، م، ن، هـ، ى!
حروف صماء، قد تتألف منها أصوات عجماء لا تُبين ولا تنطق.
ومنها تصاغ الكلمات فيحقق بها الإنسان آية نطقه وبيانه، ويحقق آية القراءة والعلم، متميزاً عن الحيوان الأعجم، ومرتقياً بإنسانيته إلى درجتها العليا في الكائنات، ومحتملاً بها أمانة التكليف ومسئولية الخلافة في الأرض.
وبها نزلت آيات المعجزة البيانية، فتجلى سر الكلمة في البيان الأعلى الذي أعيا العربَ أن يأتوا بسورة من مثله، والحروف التي يتألف منها مبذولة لهم في لغتهم التي نزل بها القرآن كتاباً عربياً مبيناً.
* * *
стр. 165
وانطلاقاً من هذا الملحظ لسر الحرف، أقدم هنا لقضية الإعجاز البياني، بعض الشزاهد من حروف قرآنية، حاول اللغويون والبلاغيون في تأويلها أن يعدلوا بها على وجه التقدير، عن الوجه الذي جاءت به، لكي تلبي مقتضيات الصنعة الإعرابية وتخضع لقواعد المنطق البلاغي المدرسي، فبقيت هذه الحروف تتحدى كل محاولة بتغيير أو تقدير لحذف أو زيادة.
منها مثلاً حرف الباء، في مثل أية القلم:
﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ .
جرى النحاة والمفسرون على القول بأن هذه الباء زائدة في خبر ما، كما تأتي زائدة في خبر ليس. فهي تعمل في لفظ الخبر، ويبقى الحكم الإعرابي على أصله منصوباً بفتحة مقدرة على أخر الخبر، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
لا يعنون بلفظ الزيادة أنها تأتي عبثاً أو لغواً، وإنما هي زائدة عندهم للتأكيد. وقد جاء "ابن هشام" بهذه الباء الزائدة في الخبر، مع خمسة مواضع أخرى لزيادة الباء، وأدرجها جميعاً تحت حكم عام هو: معنى التأكيد المستفاد من الباء الزائدة.
ومع تنبههم إلى أن من هذه المواضع ما تكون الزيادة فيه واجبة وغالبة وضرورة، جرت الصنعة الإعرابية على قصر عملها على اللفظ دون المعنى.
وباستقراء ما في القرآن من خبر "ما، وليس" تلقانا كثيرا، ظاهرة مجيء هذه الباء المقول بزيادتها، في خبرهما المفرد الصريح غير المؤول.
стр. 166
وقد أحصيت من مواضع مجيء الباء في خبر "ليس" الصريح المفرد، ثلاثا وعشرين آية، في مقابل ثلاث آيات فحسب، جاء فيها خبر ليس غير مقترن بالباء. وهي آيات: (النساء ٩٤، هود ٨، الرعد ٤٣)
ولها سياقها الخاص، نتدبره بعد.
وكذلك خبلا "ما" الصريح المفرد يأتي غالباً مقترناً بالباء المقول بزيادتها، إلا أنْ تُتلىَ "ما" النافية، بالفعل "كان" فينصب الخبر به صريحاً مفرداً غير مقترن بالباء في آيات:
البقرة: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ومعها آيتا: الأنعام ١٤٤، ويونس ٤٥.
آل عمران ٦٧: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾
الأعراف ٧: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾
الأنعام ٢٣: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾
الأنفال ٣٣: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾
الأنفال ٥٣: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
يوسف ١١١: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾
الإسراء ١٥: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
الإسراء ٢٠: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾
الكهف ٥١: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾
مريم ٦٤: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾
الشعراء ٨: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٦٧، ١٠٣، ١٢١، ١٣٩، ١٥٨، ١٧٤، ١٩٠.
стр. 167
الشعراء ٢٠٩: ﴿ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ .
النمل ٣٢: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾
القصص ٤٥: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾
القصص ٥٩: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾
الأحزاب ٤٠: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾
وأنظر معها آيات: البقرة ١٩٦، الأنفال ٣٥، يونس ٣٧، ٧١، هود ٢٠، يوسف ٧٣، ٨١، الكهف ٢٨، مريم ٤، ٢٨، الأنبياء ٨، يس ٢٨، الأحقاف ٩، الزخرف ١٣. . .
وأما في غير أسلوب "كان" فالأكثر في البيان القرآني أن يقترن خبر "ما" الصريح، بهذه الباء المقول بزيادتها.
لم تتخلف فيما أذكر إلا في آية المجادلة:
﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾
وآية يوسف: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾
وأما هذه الظاهرة الأسلوبية، من غلبة اقتران خبر "ما، وليس" بالباء، لا يهون القول بأنها حرف زائد، إذ مقتضى القول بزيادتها، إمكان الاستغناء عنها واطراحها، وهو ما لا يؤنس إليه البيان القرآني.
* * *
والمفسرون يذهبون كذلك إلى أن هذه الباء زائدة للتأكيد.
стр. 168
وفي منهجنا، لا تؤخذ الباء هنا بمعزل عن نظائرها، وقد نلحظ في آيات قرآنية أن الباء تقترن بخبر المنفي بـ "ليس" فلا تؤكد النفي، بل تنقضه وترده تقريراً وإلزاماً مثل قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾
الباء فيها لم تؤكد النفي، بل هي تنقُضه وتجعله تقريراً وإثباتاً.
فلننظر إذن في كل الآيات التي يقترن فيها خبر "ما وليس" بالباء، مقارَنةَ بالتي استغنى الخبر فيها عن هذه الباء، لعل الاستقراء يهدينا إلى ملاحظ بيانية في الكتاب العربي المبين المحكمّ، تعطي سر هذه الباء: متى تلزم الخبر؟ ومتى يستغنى عنها؟
ونبدأ بخبر "ما" غير المتلوة بكان، فنلحظ في النظم القرآني أن الباء تلزمه في الآيات المحكَمات:
البقرة ٨: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾
البقرة ٧٤: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
معها آيات: البقرة ٨٥، ١٤٠، ١٤٤، ١٤٩، آل عمران ٩٩.
الأنعام ١٣٢: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾
معها: هود ١٢٣، النمل ٩٣.
الأنعام ١٠٧: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾
معها: الشورى ٦.
البقرة ٩٦: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾
البقرة ١٠٢: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ .
ق ٢٩: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
معها: فُصلت ٤٦.
стр. 169
البقرة ١٦٧: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾
هود ٢٩: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾
معها: الشعراء ١١٤.
هود ٨٣: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾
يوسف ١٧: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾
النحل ٤٦: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾
غافر ٥٦: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾
إبراهيم ٢٢: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ والأنعام ١٣٤.
يوسف ٤٤: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾
يوسف ١٠٣: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾
الشعراء ١٣٧، ١٣٨: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾
النمل ٨١: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ . ومعها: الروم ٥٣.
فاطر ٢٢: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾
الصافات ١٦٢: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾
الطور ٢٩: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ . ومعها: القلم ٢.
стр. 170
التكوير ٢٢ - ٢٤: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾
الطارق ١٣، ١٤: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾
فهل تكون الباء زائدة، مع اطراد مجيئها في هذا الأسلوب، لم تتخلف فيما أذكر، إلا في آيتى المجادلة: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾
ويوسف: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ ؟
أو هل يكفي القول بأن الباء زيدت لمجرد تأكيد النفي؟
العربية تعرف أساليب عدة للتأكيد اللفظي والمعنوي، كالقسم والتكرار وأدوات التأكيد المعروفة، ولابد أن يكون لكل أسلوب منها ملحظّ بيانيِ يميزه عن سواه.
وقد نحس في كل هذه الآيات التي اقترن فيها خبرُ "ما" بالباء، أن المقام مقام جحد وإنكار،
ولعله قد أغنى عنها في آيتى المجادلة ويوسف، التقرير المستفاد من القَصْر بعدهما: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ .
كما أغنى عنها في خبر "ما كان" أن النفي بهذا الأسلوب يفيد الجحد، فاستغنى عن الباء.
* * *
وننظر في خبر "ليس" فيهدى البيان القرآني إلى وجوب التفرقة بين الجمل الخبرية منها، والجمل الاستفهامية.
فحيث يجئ النفي بليس في الجمل الخبرية، في مقام الجحد والإنكار اقترن الخبر بالباء، كما في آيات:
البقرة ٢٦٧: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾
стр. 171
آل عمران ١٨٢: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
معها: الأنفال ٥١، الحج ١٠، فصلت ٤٦.
المائدة ١١٦: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾
الأنعام ٦٦: ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾
الأنعام ٨٩: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾
الحجر ٢٠: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾
الأنعام ١٢٢: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾
الأحقاف ٣٢: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾
المجادلة ١٠: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
ولا يستوي البيان بهذا الباء، والاستغناء عنها في خبر "ليس" بأسلوب النفي البسيط المعتاد، حين يكون قائل الجملة الخبرية غير مستيقن مما ينفيه، بل يجرى لسانه بهذا النفي وفي نفسه من الأمر شيء يمنع من التقرير والجحد، كالذي في آية الرعد:
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ٤٣.
أو يكون المقام في حاجة إلى التثبيت قبل نفي الخبر، كآية النساء:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ٩٤.
أو يغني عن تقرير النفي بالباء، تعقيبٌ على الجملة الخبرية بما ينقلها من الإخبار عن غيب لم يقع، إلى ماض قد تقرر وكان، كآية هود:
﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ
стр. 172
لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ٨.
وهذه الآيات الثلاث فحسب، هي التي لم يقترن خبر ليس فيها بالباء، في الكتاب العربي المبين.
* * *
هذا عن الجمل الخبرية المنفية بـ "ليس".
وأما الجمل الاستفهامية، فيطرد مجئ الخبر فيها مقترناً بالباء، لا يتخلف.
وما من آية منها، يمكن أن تحتمل نفياً أو تأكيداَ لنفي، بل ينتقص النفي فيها جميعاً، ويصير إلى إثبات مؤكد وتقرير ملزم.
ويبلغ التقرير والإثبات فيها، أن يُستغنَى عن جواب المستفهَم عنه، أو يجاب عنه بلفظ "بلى" المختص بإيجاب ما يُستفهم عنه منفياً.
فلنتدبر كل ما في القرآن من آيات استفهامية لجملٍ منفية بليس، والخبر فيها صريح غير مؤوَّل:
الأنعام ٣٠: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾
الأنعام ٥٣: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾
الأعراف ١٧٢: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾
هود ٨١: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾
العنكبوت ١٠: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾
يس ٨١: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾
стр. 173
الزمر ٣٦: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾
الزمر ٣٧: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾
الأحقاف ٣٤: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾
القيامة ٤٠: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾
التين ٧، ٨: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾
النفي في هذه الآيات جميعاً قد انتقض وخرج إلى تقرير باتَّ وإثبات حاسم.
فهل جاء معنى التقرير والإثبات في هذه الآيات، من خروج الاستفهام عن معناه الأصلي، على ما قرره علماء البلاغة؟.
معروف أن الاستفهام قد يخرج إلى هذا الوجه من التقرير، كما قد يخرج إلى وجوه أخرى كالاسترحام والضراعة أو النفي والزجر والوعيد أو التوقُّع والانتظار. . .
وهذه الآيات خاصة بالاستفهام عن منفى بليس، وقد انتقض النفي فيها جميعاً وخرج إلى التقرير لا إلى أي وجه آخر من الوجوه التي يعرفها البلاغيون.
ومن حيث اطرد اقتران الخبر فيها بالباء، تعين أن يكون لهذه الباء أثرها في الدلالة البيانية.
فلو قلنا مثلاً: ألست غافلاَ عما حولك؟ أليس الصبح قريباً؟
احتمل الاستفهام أن يكون على معناه الأصلي من طلب الفهم، وأن يخرج إلى التوبيخ أو التنبيه أو السخرية والتهكم أو التوقع والانتظار.
ولا شيء من هذه المعاني، مما تحتمله آيات الاستفهام المقترن خبر ليس فيها بالباء، وإنما هي للتقرير والإثبات لا لمعنى آخر.
стр. 174
وهذا هو سر الباء التي قالوا إنها زائدة على الخبر لمعنى التأكيد، ثم جروا على إبطال عملها أصالةَ في الخبر، وأعربوه منصوباً منع من ظهور حركته الأصلية اشتغالُ محلها بحركة حرف الجر الزائد.
* * *
وخلاصة ما هدى إليه الاستقراء لآياتها في البيان القرآني:
- أن الجمل الخبرية المنفية بـ "كان" لا يقترن خبرها بالباء. ووجه الاستغناء عن الباء، أن النفي بهذا الأسلوب يفيد الجحد أصالةَ، شأنه شأن أسلوب الجحد في الفعل: "ما كان الله ليعذبهم".
- حيثما جاء الخبر منفياً بما أو ليس، في الجمل الخبرية، واقترن الخبر بالباء، أفادت تقرير النفي بالجحد والإنكار.
وتلزم الباء خبر ما وليس في هذا السياق، في البيان القرآني: ولا تتخلف إلا حين يكون المقام مستغنياً عن تقرير النفي، أو محتملاً لشك في الخبر.
- في الجمل الاستفهامية، يطرد اقتران خبر ليس بالباء، وبها ينتقض النفي ويخرج الاستفهام إلى إثبات حاسم وتقرير بات، لا إلى أي وجه آخر من سائر الوجوه التي يعرفها علم البلاغة في خروج الاستفهام عن معناه الأول في أصل اللغة.
* * *
وإذ كشف حرف الباء عن سره في البيان الأعلى، يبدو القول بزيادته مما يجفوه حس العربية المرهف. ولا يلطف من هذه الجفوة أن نعلم أنهم لم يعنوا بالزيادة مجرد الحشو أو الفضول، بل أدرجوها تحت الحكم العام لمعنى التأكيد بالباء الزائدة.
ولا أدري ما إذا كان من المجدي، أن أقول في هذه الباء غيرَ ما قرره النحاة،
стр. 175
كي تبقى حرفاً أصلياً غير زائد؟ وتظل على أصيل معناها في الإلصاق، وتعمل عملها المباشر في الخبر ملصقة به غير معقول بزيادتها، ومنها معاً يستفاد خبر المنفي بما وليس؟
غير أني لا أشك في أننا لو رجعنا النظر في سائر المواضع الأخرى التي قال النحاة فيها إن الباء تأتي فيها زائدة، لهدى الاستقراء إلى ملاحظ بيانية ذات بال.
* * *
ولعنا كذلك نعيد النظر في حروف أخر قالوا بزيادتها، لنلتمس سرها في البيان القرآني، كحرف "من" في آية الحجرات:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٤، ٥.
تَصَرَّفَ به الظرفُ "وراء" من جموده مبيناً بمعنى خلف، إذ ليس الحكم في الآية مقيداً بالنداء خلفَ الحجرات، بل من أي جهة من وراء حجراته ﷺ نادوه منها.
ومن النظائر قوله تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ . الحشر ١٤.
﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ المؤمنون ١٠٠.
وسيأتي في الحديث عن "الظواهر الأسلوبية وسر التعبير" مثل آخر من قولهم بزيادة "لا" النافية قبل فعل القسم، في مثل قوله تعالى:
﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾
* * *
стр. 176
وننظر في حروف أخرى لم يتأولوها على تقدير زيادتها، بل قدروها محذوفة، ومضوا في تأويل الآيات على تقدير حرف محذوف وهو مراد؟
ولنأخذ مثلاَ: حذف حرف "لا" مقدراً، في آيات:
يوسف ٨٥: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾
النساء ١٧٦: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
البقرة ١٨٤: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾
تأويل الحذف فيها، يخضع للقاعدة النحوية في حذف "لا النافية".
وهم يقولون إنها تُحذف اطراداً في جواب القسم إذا كان المنفي مضارعاً.. وقدموا له شواهد من الشعر، وأما القرآن الكريم فقدموا منه آية يوسف: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ .
على تأويل حرف (لا) محذوفاً، والتقدير: تالله لا تفتأ تذكر يوسف.
والذي نفهمه، هو أنه متى اطرد الحذف - كقولهم - فالسياق حتماً مستغنٍ عن المحذوف، ولا وجه إذن لتقدير الحرف ثم تأويل حذفه.
لأن السياق متى أعطى المعنى المراد، مستغنياً عن هذا الحرف أو عن غيره، كان ذكره من الفضول أو الحشو الذي يتنزه عن الكلام البليغ، فضلاً عن البيان المعجز. وأراهم في تقدير حرف نفي محذوف، حملوا "تفتأ" على: "مازال" أْمَّ الباب من أفعال الاستمرار. وقد نلحظ أن "زال" لا تكون فعل استمرار إلا منفية، ومضارعها: ما يزال فإذا لم يسبقها حرف نفي فهي تامة بمعنى الزوال
стр. 177
نقيض البقاء، ومضارعها: يزول واستعمالها تامة، كثير في العربية. وهي تتصرف فيه: فعلاً ومصدراً واسم فاعل ومفعولٍ وزمانٍ ومكان. . .
على حين تفيد "فتئ" معنى الاستمرار أصالة مستغنية عن حرف النفي. ولا تأتي تامة في العربية، فيما أذكر. وقلما تتصرف فيها إلا بالفعل ماضياً ومضارعاً: فتئ يفتأ. ولا ينفك عنهما معنى الاستمرار.
* * *
وأما ما جوزوا فيه الحذف بغير اطراد، فذكر ابن هشام في (المغني) أنه قيل به في آية: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ على تقدير: لئلا تضلوا. ثم أضاف: "وقيل: المحذوف مضاف، أي: كراهةَ أن تضلوا"
والآية من آيات الأحكام في تشريع المواريث. وسياقها مستغن تماماً عن تقدير حرف محذوف لم يجد البيان القرآني حاجة إلى ذكره. إذ لا يخطر على البال، إيهامُ أن يكون المعنى: يبين الله لكم لتضلوا! وإنما يبين الله لنا ما نتقي به الضلال.
ومتى أعطى السياقٌ المعنى المراد مستغنياً عن الحرف الذي قدروه محذوفاً، فذِكْرُ المحذوف الذي لا حاجة إليه، يأباه البيان العالي. إذ لو كان الحذف مما يوقع في شبهة إيهام، لاقتضى المقام وجوب ذكره دفعاً لأي وَهْم. ولعله مراد "ابن جنى" في (باب في أن المحذوف إذ دلت الدلالة عليه كان في حكم الملفوظ به) إذ استهل الباب قبله (في الاستغناء عن الشيء بالشيء) بقول سيبويه: "أعلم أن العرب قد تستغني بالشيء عن الشيء حتى يصير المستغني عنه مُسقَطاَ من كلامهم".
* * *
ونتدبر آية الإفطار والفدية في تشريع أحكام الصيام:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ البقرة ١٨٣، ١٨٤.
стр. 178
والكلام فيها يطول: فالحذف فيها ليس مما يطرد على قواعد النحاة، وإنما هو مما يجوز ولا يطرد.
وقد اختلف علماء الأحكام والمفسرون في القول بنسخها أو إحكامها، وفي تأويلها على القولين:
منهم من قال إنها منسوخة، والقول بنسخها هو أول ما أورده "الطبري" من الأقوال في تفسيرها:
"قال بعضهم، كان ذلك في أوَّل ما فُرض الصوم، وكان من أطاقه من المقيمين - غير المسافرين - صامه إن شاء، وإن شاء أفطره وافتدى فأطعم لكل يوم أفطره مسكيناً، حتى نُسخ ذلك، فلم تنزل الرخصة إلا للمريض والمسافر"
يعني النسخ يقوله تعالى في الآية بعدها:
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ١٨٥.
على أن الإمام الطبري، نقل كذلك، بعد القول بنسخ الحكم في الآية، قولَ آخرين: "لم يُنسخ ذلك ولا شيء منه. وهم حُكم مثبت مِن لَدُنْ نزلت هذه الآية إلى قيام الساعة".
وأصح الأقوال فيها عنده "أبي جعفر النحاس"، أنها منسوخة، ومن لم يجعلها منسوخة فبمعنى يطيقونه على جهد، أو كانوا يطيقونه. ولم يتعرض لقول بتقدير "لا" محذوفة ونقل فيها "أبو بكر الجصاص" في كتابه (أحكام القرآن) سورة البقرة، أقوالاً ثلاثة. أنها منسوخة، وغير منسوخة، وأن حكم النسخ للصحيح المقيم والمريض المسافر، والإفطار والفدية للشيخ لا يرجى له قضاء في أيام أخر. "فحكمة إيجاب الفدية في الحال، من غير خلاف أحد من نظرائهم - القائلين به - فصار ذلك إجماعاً لا يسع خلافه".
стр. 179
وعند "الزْْمخشري": أن يكون الحكم منسوخاً، وأن يكون تأويل الآية على تقدير: يتكلفونه على جهد منهم وعسر، وهم الشيوخ والعجائز. . . وحكم هؤلاء الإفطار والفدية، وهو على هذا الوجه غير منسوخ (الكشاف) .
وأما "القاضي أبو بكر ابن العربي" فقال في كتابيه (أحكام القرآن، والناسخ والمنسوخ) إن الآية منسوخة. نقله القرطبي في (جامع أحكام القرآن) فيما تقصى من أقوال في الآية، ثم قال: "فقد ثبت بالأسانيد الصحاح عن ابن عباس ﵄ أن الآية ليست بمنسوخة، وأنها محكة في حق من ذكر - الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصوم، والمرضع والحامل إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا - والقول الأول، بنسخها، صحيح أيضاً إلا أنه يحتمل أن يكون النسخ هناك بمعنى التخصيص".
وحاصل الأمر عند "ابن كثير" في تفسيره: "أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وأما الشيخ الفاني الهرم الذي لا يستطيع الصيام فلع أن يفطر ولا قضاء عليه، لأنه ليست له حال يتمكن فيها من القضاء".
وأوجز السيوطي فقال في (إتقانه) : قيل منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وقيل محكمة، و"لا" مقدرة.
والقول بأن لا "محذوفة وهي مرادة" مما تداوله عدد من المفسرين، والفقهاء، في تأويل الآية، على القول بأنها محكمة غير منسوخة. وهي من شواهد "ابن هشام" في (المغني) على جواز حذف "لا" وهي مرادة، على ما نقلنا آنفاً. قال "أبو حيان" بعد أن ذكر أن القول بنسخها هو قول أكثر المفسرين: "وجوَّز بعضهم أن تكون "لا" محذوفة، فيكون الفعل منفياً، وتقديره: وعلى الذين لا يطيقونه. حذَف "لا" وهي مرادة، كقول الشاعر:
стр. 180
آليت أمدح مقرفاَ أبداًَ. . . متى المديح ويذهب الرفد
وقال آخر:
فخالِفْ فلا والله تهبطُ تلعة. . . من الأرض إلا أنت للذلَّ عارفُ
وقال امرؤ القيس:
فقلت يمينَ اللهِ أبرحُ قاعداً. . . ولو قطعوا رأسي لديكِ وأوصالي
ثم عقب أبو حيان: "وتقديرُ (لا) خطأ لأنه مكان إلباس. ألا ترى أن الذي يتبادر إليه الفهم هو أن الفعل مثبت؟ ولا يجوز حذف (لا) وإرادتها إلا في القسم. والأبيات التي استدل بها هي من باب القسم. وعلة ذلك مذكورة في النحو". البحر المحيط.
والنحو لم يمنع حذف (لا) في غير القسم، وإنما القاعدة حذفها اطراداً مع القسم إذا كان المنفي فعلاً مضارعاً، وجوازه في غيره، على ما نقلنا آنفاً من كلام ابن هشام في (المغني) .
تبين من هذا العرض الموجز، أن الآيتين المختلف على القول بالنسخ فيهما تشرعان لحالين مختلفتين: الفدية على من يطيقونه، طعام مسكين.
والقضاء على من كان مريضاً أو على سفر، عدةً من أيام أخر.
والقضاء لا يكلف به إلا من عرض له عذر يبيح الإفطار في شهر رمضان، ثم يلزمه القضاء بعد زوال العذر فيصوم بعدد الأيام التي أفطراها.
وفي مثل هذا لا تقبل الفدية بديلاً من القضاء.
وإنما الفدية بنص الآية "على من يطيقونه".
فهل هم الذين لا يطيقونه؟
نستبعد، والله أعلم، أن تكون "لا" حُذفت هنا وهي مرادة. فالآية من آيات التشريع والأحكام. وغير قريبٍ أن يعبر عنها القرآن بالإيجاب والثبوت، فنتأولها على النفي والحذف.
ونأخذ بقول أبي حيان:
следующие страницы →