Полный текст (584 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وننظر في حروف أخرى لم يتأولوها على تقدير زيادتها، بل قدروها محذوفة، ومضوا في تأويل الآيات على تقدير حرف محذوف وهو مراد؟
ولنأخذ مثلاَ: حذف حرف "لا" مقدراً، في آيات:
يوسف ٨٥: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾
النساء ١٧٦: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
البقرة ١٨٤: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾
تأويل الحذف فيها، يخضع للقاعدة النحوية في حذف "لا النافية".
وهم يقولون إنها تُحذف اطراداً في جواب القسم إذا كان المنفي مضارعاً.. وقدموا له شواهد من الشعر، وأما القرآن الكريم فقدموا منه آية يوسف: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ .
على تأويل حرف (لا) محذوفاً، والتقدير: تالله لا تفتأ تذكر يوسف.
والذي نفهمه، هو أنه متى اطرد الحذف - كقولهم - فالسياق حتماً مستغنٍ عن المحذوف، ولا وجه إذن لتقدير الحرف ثم تأويل حذفه.
لأن السياق متى أعطى المعنى المراد، مستغنياً عن هذا الحرف أو عن غيره، كان ذكره من الفضول أو الحشو الذي يتنزه عن الكلام البليغ، فضلاً عن البيان المعجز. وأراهم في تقدير حرف نفي محذوف، حملوا "تفتأ" على: "مازال" أْمَّ الباب من أفعال الاستمرار. وقد نلحظ أن "زال" لا تكون فعل استمرار إلا منفية، ومضارعها: ما يزال فإذا لم يسبقها حرف نفي فهي تامة بمعنى الزوال
стр. 177
نقيض البقاء، ومضارعها: يزول واستعمالها تامة، كثير في العربية. وهي تتصرف فيه: فعلاً ومصدراً واسم فاعل ومفعولٍ وزمانٍ ومكان. . .
على حين تفيد "فتئ" معنى الاستمرار أصالة مستغنية عن حرف النفي. ولا تأتي تامة في العربية، فيما أذكر. وقلما تتصرف فيها إلا بالفعل ماضياً ومضارعاً: فتئ يفتأ. ولا ينفك عنهما معنى الاستمرار.
* * *
وأما ما جوزوا فيه الحذف بغير اطراد، فذكر ابن هشام في (المغني) أنه قيل به في آية: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ على تقدير: لئلا تضلوا. ثم أضاف: "وقيل: المحذوف مضاف، أي: كراهةَ أن تضلوا"
والآية من آيات الأحكام في تشريع المواريث. وسياقها مستغن تماماً عن تقدير حرف محذوف لم يجد البيان القرآني حاجة إلى ذكره. إذ لا يخطر على البال، إيهامُ أن يكون المعنى: يبين الله لكم لتضلوا! وإنما يبين الله لنا ما نتقي به الضلال.
ومتى أعطى السياقٌ المعنى المراد مستغنياً عن الحرف الذي قدروه محذوفاً، فذِكْرُ المحذوف الذي لا حاجة إليه، يأباه البيان العالي. إذ لو كان الحذف مما يوقع في شبهة إيهام، لاقتضى المقام وجوب ذكره دفعاً لأي وَهْم. ولعله مراد "ابن جنى" في (باب في أن المحذوف إذ دلت الدلالة عليه كان في حكم الملفوظ به) إذ استهل الباب قبله (في الاستغناء عن الشيء بالشيء) بقول سيبويه: "أعلم أن العرب قد تستغني بالشيء عن الشيء حتى يصير المستغني عنه مُسقَطاَ من كلامهم".
* * *
ونتدبر آية الإفطار والفدية في تشريع أحكام الصيام:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ البقرة ١٨٣، ١٨٤.
стр. 178
والكلام فيها يطول: فالحذف فيها ليس مما يطرد على قواعد النحاة، وإنما هو مما يجوز ولا يطرد.
وقد اختلف علماء الأحكام والمفسرون في القول بنسخها أو إحكامها، وفي تأويلها على القولين:
منهم من قال إنها منسوخة، والقول بنسخها هو أول ما أورده "الطبري" من الأقوال في تفسيرها:
"قال بعضهم، كان ذلك في أوَّل ما فُرض الصوم، وكان من أطاقه من المقيمين - غير المسافرين - صامه إن شاء، وإن شاء أفطره وافتدى فأطعم لكل يوم أفطره مسكيناً، حتى نُسخ ذلك، فلم تنزل الرخصة إلا للمريض والمسافر"
يعني النسخ يقوله تعالى في الآية بعدها:
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ١٨٥.
على أن الإمام الطبري، نقل كذلك، بعد القول بنسخ الحكم في الآية، قولَ آخرين: "لم يُنسخ ذلك ولا شيء منه. وهم حُكم مثبت مِن لَدُنْ نزلت هذه الآية إلى قيام الساعة".
وأصح الأقوال فيها عنده "أبي جعفر النحاس"، أنها منسوخة، ومن لم يجعلها منسوخة فبمعنى يطيقونه على جهد، أو كانوا يطيقونه. ولم يتعرض لقول بتقدير "لا" محذوفة ونقل فيها "أبو بكر الجصاص" في كتابه (أحكام القرآن) سورة البقرة، أقوالاً ثلاثة. أنها منسوخة، وغير منسوخة، وأن حكم النسخ للصحيح المقيم والمريض المسافر، والإفطار والفدية للشيخ لا يرجى له قضاء في أيام أخر. "فحكمة إيجاب الفدية في الحال، من غير خلاف أحد من نظرائهم - القائلين به - فصار ذلك إجماعاً لا يسع خلافه".
стр. 179
وعند "الزْْمخشري": أن يكون الحكم منسوخاً، وأن يكون تأويل الآية على تقدير: يتكلفونه على جهد منهم وعسر، وهم الشيوخ والعجائز. . . وحكم هؤلاء الإفطار والفدية، وهو على هذا الوجه غير منسوخ (الكشاف) .
وأما "القاضي أبو بكر ابن العربي" فقال في كتابيه (أحكام القرآن، والناسخ والمنسوخ) إن الآية منسوخة. نقله القرطبي في (جامع أحكام القرآن) فيما تقصى من أقوال في الآية، ثم قال: "فقد ثبت بالأسانيد الصحاح عن ابن عباس ﵄ أن الآية ليست بمنسوخة، وأنها محكة في حق من ذكر - الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصوم، والمرضع والحامل إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا - والقول الأول، بنسخها، صحيح أيضاً إلا أنه يحتمل أن يكون النسخ هناك بمعنى التخصيص".
وحاصل الأمر عند "ابن كثير" في تفسيره: "أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وأما الشيخ الفاني الهرم الذي لا يستطيع الصيام فلع أن يفطر ولا قضاء عليه، لأنه ليست له حال يتمكن فيها من القضاء".
وأوجز السيوطي فقال في (إتقانه) : قيل منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وقيل محكمة، و"لا" مقدرة.
والقول بأن لا "محذوفة وهي مرادة" مما تداوله عدد من المفسرين، والفقهاء، في تأويل الآية، على القول بأنها محكمة غير منسوخة. وهي من شواهد "ابن هشام" في (المغني) على جواز حذف "لا" وهي مرادة، على ما نقلنا آنفاً. قال "أبو حيان" بعد أن ذكر أن القول بنسخها هو قول أكثر المفسرين: "وجوَّز بعضهم أن تكون "لا" محذوفة، فيكون الفعل منفياً، وتقديره: وعلى الذين لا يطيقونه. حذَف "لا" وهي مرادة، كقول الشاعر:
стр. 180
آليت أمدح مقرفاَ أبداًَ. . . متى المديح ويذهب الرفد
وقال آخر:
فخالِفْ فلا والله تهبطُ تلعة. . . من الأرض إلا أنت للذلَّ عارفُ
وقال امرؤ القيس:
فقلت يمينَ اللهِ أبرحُ قاعداً. . . ولو قطعوا رأسي لديكِ وأوصالي
ثم عقب أبو حيان: "وتقديرُ (لا) خطأ لأنه مكان إلباس. ألا ترى أن الذي يتبادر إليه الفهم هو أن الفعل مثبت؟ ولا يجوز حذف (لا) وإرادتها إلا في القسم. والأبيات التي استدل بها هي من باب القسم. وعلة ذلك مذكورة في النحو". البحر المحيط.
والنحو لم يمنع حذف (لا) في غير القسم، وإنما القاعدة حذفها اطراداً مع القسم إذا كان المنفي فعلاً مضارعاً، وجوازه في غيره، على ما نقلنا آنفاً من كلام ابن هشام في (المغني) .
تبين من هذا العرض الموجز، أن الآيتين المختلف على القول بالنسخ فيهما تشرعان لحالين مختلفتين: الفدية على من يطيقونه، طعام مسكين.
والقضاء على من كان مريضاً أو على سفر، عدةً من أيام أخر.
والقضاء لا يكلف به إلا من عرض له عذر يبيح الإفطار في شهر رمضان، ثم يلزمه القضاء بعد زوال العذر فيصوم بعدد الأيام التي أفطراها.
وفي مثل هذا لا تقبل الفدية بديلاً من القضاء.
وإنما الفدية بنص الآية "على من يطيقونه".
فهل هم الذين لا يطيقونه؟
نستبعد، والله أعلم، أن تكون "لا" حُذفت هنا وهي مرادة. فالآية من آيات التشريع والأحكام. وغير قريبٍ أن يعبر عنها القرآن بالإيجاب والثبوت، فنتأولها على النفي والحذف.
ونأخذ بقول أبي حيان:
стр. 181
"وتقدير (لا) خطأ، لأنه مكان إلباس. ألا ترى أن الذي يتبادر إليه الفهم هم أن الفعل مثبت"؟
لقد قال تعالى في أحكام الصيام: "وعلى الذين يطيقونه" فيما ينبغي لنا أن نتأولها بالنفي: وعلى الذين لا يطيقونه، فنخرجها بهذا النفي إلى نقيض نصها الصريح بالإثبات.
ولعل الذين تأولوا الآية على تقدير حذف "لا" - صراحة أو مآلاً، فهموا "يطيقونه" بمعنى: يستطيعونه.
وليست الكلمتان: يطيقونه ويستطيعونه، سواء.
في لفظ الاستطاعة، حسُّ الطواعية والمواتاة والقدرة. ولو كان المكلَّف بحيث يستطيع الصوم، فالتكليف قائم لا تقبل عنه فدية ولا قضاء. وبه نفهم ما روى عن عطاء في "الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم".
وأما الطاقة فهي في العربية أقصى الجهد ونهاية الاحتمال. وحين يقول العربي لصاحبه: هل تطيق هذا؟ لا يقولها إلا وهو يقدر أن هذا مما لا يحتمل ولا يستطاع.
وبهذه الدلالة على أقصى الجهد ونهاية الاحتمال، نُقل لفظ الطاقة إلى المصطلح العلمي في الطبيعية والرياضيات.
وجاءت "طاقة" مرتين في القرآن الكريم، بآيتي البقرة:
﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾
﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾
وبهما نستأنس في فهم الآية الثالثة:
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾
فندرك أن الأمر في احتمال الصوم إذا جاوز الطاقة إلى ما لا يطاق، سقط التكليف. لأنه لا تكليف شرعاً بما لا يطاق، والله لا يكلف نفساً
стр. 182
إلا وسعها. فالحكم بالفدية في الآية. غير وارد على من يستطيعونه، إذ التكليف مع الاستطاعة قائم.
وغير وارد كذلك على من لا يطيقونه، بسقوط التكليف عمن لا يطيق.
وإنما الفدية تيسير على من يطيقونه، بمعنى من يستنفذ الصوم طاقتهم وأقصى احتمالهم، فليسوا بحيث يستطيعون القضاء عدة من أيام أخر.
ونقبل هنا قول من ذكروا في تفسير الآية:
"المريض الذي لا يرجى شفاؤه، والشيخ الفاني الهرم، لا قضاء عليه لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء"
كما نقبل قول الزمخشري:
"يطيقونه، يتكلفونه على جهد منهم وعسر. وهم الشيوخ والعجائز، وحكم هؤلاء الإفطار والفدية. وهو على هذا الوجه غير منسوخ"
تيسيراً على من لا يستطيعون القضاء عدة من أيام أخر.
وتبقى الآية على صريح نصها: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ دون تأويلها على >حذف لا النافية وهي مرادة" والله أعلم.
ذلك مَثَلٌ مما قالوا فيه بحذف الحرف، يمكن أن يصدق على حروف أخر قالوا فيها بالتأويل على الحذف، ويقوم النص في البيان القرآني مستغنياً عن تقدير حرف محذوف، ولافتاً إلى سر البيان في الاستغناء عما قدروه محذوفاً.
* * *
ومن النظائر، قوله :
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ فاطر ٤١.
﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ الحج ٦٥.
﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ الأعراف ١٧٢.
стр. 183
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ المائدة ١٩.
وأنظر معها آيات: البقرة ٢٨٢، المائدة ٢، الحجرات ٦، الفتح ٢٥. . .
* * *
وقريب من هذا، الإبقاءُ على حرف "لا" مع تعطيل دلالته في صريح النص، كمثل صنيعهم في تأويل آية التوبة:
﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ ٤٤
صريح سياقها: نفىُ استئذان المؤمنين في الجهاد. حَملها مفسرون على نفي الاستئذان في التخلف والقعود وترك الخروج للجهاد. من حيث بدا لهم أن الاستئذان لا يكون إلا في التخلف والقعود. قال الإمام الطبري:
"فأما الذي يُصدق بالله ويقر بوحدانيته وبالبعث والدار الآخرة والثواب والعقاب، فإنه لا يستأذن في ترك الغزو وجهاد أعداء الله بماله ونفسه. وعن ابن عباس: فهذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد من غير عذر. وعذَر الله المؤمنين، فقال: لم يذهبوا حتى يستأذنوه ﷺ ".
وهذا التأويل بنفي الاستئذان في القعود، يبدو مخالفاً لما ذهب إليه الزمخشري في تفسير الآية:
"ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا. وكان الخُلَّص من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي أبداً، ولنجاهدن أبداً معه بأموالنا وأنفسنا".
стр. 184
ونحتكم إلى النص القرآني، فنرى أن الأوْلى حمل الآية على نفي استئذان المؤمنين "أن يجاهدوا" لا أن يتخلفوا ويقعدوا. فليس المؤمن بحيث يستأذن في أن يؤدي فريضة الجهاد، كنا لا يستأذن في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج.
وآية التوبة نزلت في "غزوة تبوك" ولا مجال لاستئذان في الخروج مع المصطفى ﷺ بعد أن استفز أصحابه للجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، بل أن الاستئذان في مثل هذا الموقف أقرب إلى أن يكون مظهر تردد وتباطؤ. فالمترددون هم الذين يستأذنون المصطفى في الخروج معه، عن ارتياب وحيرة بين أن يخرجوا أوْ لا يخرجوا. ولو أنهم أرادوا الخروج حقاً لبادروا بالاستعداد له دون أن يترددوا ويتباطئوا، انتظاراً لإذنه ﷺ .
وهذا هو ما تعطيه الآية بصريح تعلق استئذان المؤمنين فيها بأن يجاهدوا، وصريح سياقها مع الآيات بعدها:
﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ ٤٥، ٤٦.
ومعها آية التوبة (٨٣) في هؤلاء المنافقين الذين ارتابت قلوبهم في ربيهم يترددون:
﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾
وإذ يقول تعالى لنبيه المصطفى:
﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا. . .﴾
نفهم الآية المحكمة بصريح لفظها وسياقها، دون تأويل لها بمثل ما نقل فيها الطبري: لا يستأذنك في ترك الغزو والجهاد.
* * *
стр. 185
وننظر في حروف أخرى لم يقولوا فيها بتأويل على تقدير زيادة أو حذف، وإنما أخذوا فيها بمذهبٍ للنحاة يقول إن حروف الجر يمكن أن تتعاقب فيأخذ أحدها مكان الآخر وينوب بعضها عن بعض. . . "وهذا مما يتداولونه ويستدلون به" كما قال "ابن هشام".
وهو مذهب رفضه من وصفهم "أبو هلال العسكري" بالمحققين من أهل اللغة، ونقل عن "ابن درستويه" قوله:
"في جواز تعاقبهما - أي الحرفين - إبطالُ حقيقة اللغة وإفسادُ الحِكمة فيها والقولُ بخلاف ما يوجبه العقل والقياس".
"قال أبو هلال: وذلك أن الحروف إذا تعاقبت خرجت عن حقائقها ووقع كل واحد منها بمعنى الآخر، فأوجب ذلك أن يكون لفظان مختلفان لهما معنى واحد. فأبى المحققون أن يقولوا بذلك، وقال به من لا يتحقق المعاني".
وقال "ابن هشام" تعقيباً على قولهم إن بعض حروف الجر ينوب عن بعض: "وتصحيحه بإدخال (قد) على قولهم: ينوب عن بعض. وإلا تعذر استدلالهم به، إذ كل موضع ادعوا فيه ذلك، يقال لهم فيه: لا نسلم أن هذا مما وقعت فيه النيابة. ولو صح قولهم، لجاز أن يقال: مررتُ في زيد، ودخلت من عمر، وكتبت إلى القلم.
"وعلى أن البصريين ومن تبعهم يرون في الأماكن التي ادُّعِيتْ فيها النيابة، أن الحرف باق على معناه" فإن كان تجوُّز فليكن في الفعل، لأن التجوز في الفعل أسها منه في الحرف.
ونعرض هذا الخلاف على البيان الأعلى: فيأبى أن نتأول حرفاً منه بحرف آخر
стр. 186
يمكن أن ينوب عنه. من ذلك مثلاً، قوله تعالى: في آية التوبة:
﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ ٤٥.
قيل إن حرف "في" يمكن أن يتأول بحرف منْ أو اللام، على تقدير: فهم من ريبهم، أو لريبهم، يترددون.
ولا يقوم أحد الحرفين مقام الحرف في النص القرآني. وليس المقصود منه التعليل المستفاد من حرف اللام.
وإنما مناط التعبير فيه هذا الانغماس والملابسة الملحوظة في ظرفية "في"
* * *
وحرف "عن" في آية الماعون:
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾
نستبعد قول من تأولوا السهو عن الصلاة في الآية، بأنه سهو في الصلاة، فليس السهو فيها بخطيئة أو منكر، وكل مؤمن عرضة لأن يسهو في صلاته فينجبر سهوه في الصلاة بسجود السهو أو بالسنن والنوافل على ما هو مقرر في باب صلاة السهو من أحكام العبادات.
كما لا نطمئن في تفسير السهو عن الصلاة، إلى ما ذهب إليه الإمام الطبري في قوله: "وأوْلى الأقوال عندي بالصواب، أنهم ساهون لاهون يتغافلون عنها وفي اللهو عنها والتشاغل بغيرها تضييعها أحياناً وتضييع وقتها أحياناً أخرى، فصح بذلك قولُ من قال: عنى بذلك ترك وقتها، وقول من قال: عنى تركَها".
وقريب من هذين الوجهين في تأويل السهو عن الصلاة بتركها أو ترك وقتها ما أضافه الزمخشري: أو لا يصلونها كما صلاها رسول الله ﷺ والسلف. ولكن ينقرونها نقراً من غير خشوع وإخبات، ولا اجتناب لما يُكره فيها
стр. 187
من العبث باللحية والثياب وكثرة التثاؤب والالتفات، ولا يدرى الواحد منهم كما انصرف، ولا ما قرأ من السور".
وحين نفهم الآية في سياقها مع الآيات قبلها، ومع الآية التالية لها وقد ارتبطت بها ارتباط الصلة بالموصول: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ .
يعطينا حلاف "عن" سره، فنرى النذير بالويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون غافلون عن كونها قياماً بين يدي الخالق، يكبح غرور الإنسان وينهاه عن الفحشاء والمنكر، ويأخذه بالخشوع والتواضع أمام جلال خالقه وعظمته وقدرته، ويرهف ضميره فيتقي الله في اليتيم والمسكين مؤدياً حقهما في التواصي بالمرحمة.
ليس السهو عن الصلاة إذن سهواً فيها ولا تركاً لها أو ترك وقتها، أو العبث باللحية والثياب وكثرة التثاؤب، وإنما هو سهو عن حكمتها، ومراءاة بها، قد يؤديها بعضهم في أوقاتها، ويتظاهرون بالخشوع فيها والإخبات رثاء الناس وقصداً إلى منفعة. وصلاة الذي يدُّ اليتيم ولا يحض على طعام المسكين، لا يمكن أن تصدر عن قلب خاشع وضمير مؤمن، وحين لا تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر، فذلك، والله أعلم، هو السهو عنها، تعود به طقوساً شكلية ونفاقاً من المصلين يراءون به الناس.
* * *
ونتدبر معها حرف "ثم" في آية البلد:
﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾
وقف مفسرون طويلاً عند عطف الإيمان على فك رقبة، بحرف "ثم" الذي يفيد الترتيب مع التراخي فتأولوه بما يخرج به من صريح سياقه وظاهر معناه، ليفيد
стр. 188
إبعاد الإيمان عما قبله، والتراخي في الرتبة لا الترتيب.
قالوا: إن "ثم" جئ بها هنا قصداً إلى إبعاد الإيمان عن فك رقبة أو إطعام يتيم أو مسكين، كيلا يكون معهما في رتبة واحدة. ونص عبارة "الزمخشري" في (الكشاف) :
"جاء بـ (ثم) لتراخي الإيمان وتباعده في الفضيلة والرتبة عن العتق والصدقة، لا في الوقت. لأن الإيمان هو السابق المقدم على غيره، ولا يثبت عمل صالح إلا به"
وإلى مثل هذا ذهب "أبو حيان" وزاده تفصيلاً فقال:
"ثم: لتراخي الإيمان في الفضيلة لا للتراخي في الزمان، لأنه لابد أن يسبق تلك الأعمال الحسنة الإيمانُ، إذ هو شرط في صحة وقوعها من الطائع. أو يكون المعنى: ثم كان في عاقبة أمره من الذين وافوا الموتَ على الإيمان إذ الموافاة عليه شرط في الانتفاع بالطاعات، أو يكون التراخي في الذكر، كأنه قيل: ثم اذكر أنه كان من الذين آمنوا. . . ".
* * *
وبعيداً عن مثل هذه التأويلات، نأخذ حرف "ثم" على صريح معناه في السياق، فنفهم أن القرآن إذ يرتب مراحل اقتحام العقبة الجدير بالإنسان المميز أن يكابده، يضع العتق والتراحم خطوتين سابقتين على الإيمان لازمتين له، مقرراً بذلك أن الإيمان لا يُرجَى فيمن يتسلط على عباد الله بالاسترقاق، أو يتحجر قلبه فيطيق في يوم ذي مسْغبة، جوعَ يتيم ذي مقربة أو مسكين ذي متربة. فلا موضع لإيمان صادق، من مثل هذا الجاحد القاسي، يستعبد الخلق ويغفل عن حق اليتيم القريب أو المسكين في يوم مجاعة!. ويؤنس إلى هذا الفهم لحرف "ثم" آية الماعون:
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى
стр. 189
طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ وآية آل عمران:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾
والإيمان فيها مسبوق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولا حاجة إلى احتراز بمثل قولهم: إن الإيمان شرط قي صحة الطاعات.
لأن هذا من أصل العقيدة. وإنما يحترز عن الظن بأن ظاهر الإيمان يغني عن المجاهدة والبذل والإيثار، وأن أداء العبادات يعفي من تكاليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنواصي بالصبر والحق والمرحمة. . .
* * *
стр. 190
ومن الحروف التي تأولوها في القرآن الكريم، حرف الواو في آية النساء:
﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ - ٣.
كأنهم حسبوا أن العطف بالواو يعطي حاصل الجمع: تسع نساء!
فقالوا: إن الواو فيها نائبة عن "أو"
وقد يكفي أن أنقل هنا من ردَّ "ابن هشام":
"ولا يُعرف ذلك في اللغة، وإنما يقوله بعضُ ضعاف اللغويين والمفسرين".
ثم نقل من كلام "أبي طاهر حمزة بن الحسن الأصفهاني" في كتابه (الرسالة المعربة عن شرف الإعراب) :
"القول فيها - أي في آية النساء - بأن الواو بمعنى أو، عجز عن دَرْك الحق. فاعملوا أن الأعداد التي تجمع قسمان: قسم يؤتَى به ليُضَم بعضَه إلى بعض، وهو الأعداد الأصول، نحو:
﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾
﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾
"ولم يقولوا: ثُلاثَ وخماسَ، ويريدون ثمانية" كما قال تعالى: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾
* * *
ونستأنس لفهم آية النساء، بآية فاطر:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ - ١
стр. 191
وآية سبأ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ ٤٦.
فندرك دلالة الواو في مثل هذا السياق، بما يفيد من كون الملائكة ليسوا جميعاً سواء أولى أجنحة مثنى، أو ثلاثَ، أو رُباعَ، بل منهم أولو أجنحة مثنى، ومنهم أولو ثلاث، وأولوا رُباع.
وفي (آية سبأ) يجوز لهم أن يقوموا لله مثنى وأن يقوموا فرادى أي وحدانا ومجتمعين. ولو كان القول: مثنى أو فرادى، للزم أن يقوموا جميعاً، إما مثنى وإما فرادى.
وبهذا الاستئناس، لا نرى السياق يستقيم، بل لا نرى المعنى يصح إطلاقاً، إذا ما وضعنا "أو" نيابة عن "الواو" في آية النساء. لأن مقتضى التخيير بـ: أو، أن ينكحوا إما مثنى أو ثلاث أو رباع، بحيث لا يحل لمن اختاروا أن ينكحوا مثنى، أن ينكحوا ثلاث أو رباع. وليس هذا هو الحكم المستفاد من الآية، في إباحة تعدد الزوجات مثنى وثلاث ورباع، ثم لا يتجاوز إلى المحظور وراء رباع.
ويخطئ سر العربية مّن لا يفرق بين: مثنى وثلاث ورباع، وبين اثنتين وثلاث وأربع، مجموعها تسع، فالأعداد لا تجمع إلا إذا جاءت على أصلها غير معدول بها إلى: مثنى وثلاث ورباع.
كما يخطئه من لا يميز بين "مثنى وثلاث ورباع" بما تفيد من إباحة التعدد مثنى وثلاث ورباع، بحسب الظروف والأحوال؛ وبين: مثنى أو ثلاث أو رباع، بما تفيد من دلالة التخيير يُقْتصَرُ فيها إما على مثنى أو ثلاث، أو رباع.
* * *
أحسب أن هذه الشواهد التي قدمتها تكفي لاجتلاء سر الحرف لا يقوم مقامه
стр. 192
ويُغني عن مزيد تتبع هنا، ما قد يتاح لنا من تدبر سر الحرف في سياقه القرآني عند الحديث عن "الأسلوب وسر التعبير" ثم في مسائل ابن الأزرق وأخص بالذكر منها المسألتين ١٢٠، ١٢١.
* * *
стр. 193
(٢)
دلالات الألفاظ وسر الكلمة
من قديم شغلت قضية الترادف علماء العربية. واختلفت مذاهبهم فيها.
والبيان القرآني يجب أن يكون له القول الفصل فيما اختلفوا فيه، حين يهدي إلى سر الكلمة لا تقوم مقامَها كلمةٌ سواها من الألفاظ المقول بترادفها.
стр. 194
والأمر كذلك في ألفاظ القرآن: ما من لفظ فيه يمكن أن يقوم غيره مقامه وذلك ما أدركه العرب الخلَّص الفصحاء الذين نزل فيهم القرآن.
وأحتاج هنا إلى نظر في مشكلة الترادف التي طال الجدل فيها والخلاف عليها.
ولا يشغلنا تعدد الألفاظ للمعنى الواحد، إذا كان عن اختلاف لغات القبائل العربية. وذلك ما لا خلاف فيه، فيما أعلم.
وإنما يشغلنا الترادف حين يقال بتعدد الألفاظ للمعنى الواحد، دون أن يرجع هذا الترادف إلى تعدد اللغات، أو يكون بين الألفاظ المقول بترادفها قرابة صوتية.
منا من يَعُدُّ هذا التعدد ظاهرةَ فقدان الحس اللغوي وعدم قدرته على ضبط الدلالات وتحديد معاني الألفاظ. أو يراه من الفضول والتزيد الذي لا فائدة فيه.
ومن من يراه ظاهرة ثراء وسعة وقدرة على التصرف. وما أكثر من يباهون بهذه الثروة اللغوية ويعدونها ميزة من مزايا العربية الشريفة!
وإن يكن تقدم الدراسات اللغوية قد جاوز بنا مرحلة المفاضلة الساذجة بين لغتنا وغيرها من اللغات، ووجَّهنا إلى البحث في خصائص العربية منتفعين بما هدت إليه البحوث العلمية في اللغويات والصوتيات، فلم تعد كثرة الألفاظ الدالة على الكعنى الواحد، مدعاة فخر ومباهاة، وإنما أصبحت قضية تلتمس حلاً.
* * *
وحين ننظر فيما وصل إلينا من كتب اللغة ومعاجمها، نراها تسلك مسلكين متغايرين:
стр. 195
منها ما يذهب إلى وجود الترادف فيجمع للمعنى أو الشيء الواحد الفاظاً ذات عدد، دون إشارة إلى كونها لغات فيه. وهذا هو مذهب "أبي مسحل الأعرابي ق ٢هـ" في (كتاب النوادر) و"ابن السكيت - ٢٤٤ هـ" في (الألفاظ) . وللفيروزابادى، صاحب القاموس - ٨١٧ هـ - كتاب اسمه (الروض المسلوف، فيما له اسمان إلى ألوف) وكتاب آخر في (أسماء العسل) ذكروا أنه جمع فيه منها ثمانين اسماً.
ولكن من كتب اللغة ما يميز دلالة خاصة لكل لفظ من الألفاظ التي تطلق على الشيء الواحد أو تتوارد على معنى من المعاني. وهو مذهب "أبي منصور الثعالبي" في (فقه اللغة) وأبي هلال العسكري في (الفروق اللغوية) وأحمد بن فارس في (الصاحبي في فقه اللغة) وأبي الفتح ابن جنى في (الخصائص) وهم من علماء العربية في القرن الرابع للهجرة.
والخلاف بين المذهبين قديم. نقل "أحمد بن فارس" حبر الأصمعي حين سأله "الرشيد" في شعر غريب ففسره، فقال الرشيد:
"يا أصمعي، إن الغريب عندك لغَيرُ غريب.
قال: يا أمير المؤمنين، ألا أكون كذلك وقد حفظت للحجَر سبعين اسماً؟ "
وسُمِعَ "ابن خالويه" يقول: جمعتُ للأسد خمسمائة اسم، وللحيَّةِ مائتين.
ورووا أنه قال يوماً في مجلس سيف الدولة بحلب: أحفظ للسيف خمسين اسماً. فتبسم "أبو علي الفارسي"، وكان يومئذ بالمجلس، وقال: ما أحفظ له إلا اسماً واحداً وهو السيف.
ولما سأله ابن خالويه: فأين المهند، والصارم، والقضيب، والحسام، وكذا وكذا؟
أجاب أبو علي: هذه صفات، وكأن الشيخ لا يفرق بين الاسم والصفة.
ويقول "المبرد" في كتابه (ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد) :
стр. 196
"هذه حروف ألفناها من كتاب الله ، متفقة الألفاظ مختلفة المعاني متقاربة في القول مختلفة في الخبر، على ما يوجد في كلام العرب، لأن من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين والمعنى واحد:
"أما اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين فنحو قولك: ذهب وجاء، وقام وقعد، ويدٌ، ورجل، وفرس،
وأما اختلافها والمعنى واحد، فقولك: ظننت وحسبت، وقعدت وجلست، وذراع وساعد، وأنف ومِرسَن".
وأما اتفاقهما واختلاف المعنيين فنحو قولك: وجدت شيئاً وجدانا للضالة، ووجدت على الرجل موجدة أي غضبت، ووجدت زيداً كريماً، أي علمت"
ما جاء به المبرد أمثلةً لاختلاف اللفظين والمعنى واحد، فيه نظر: إذ ليس الظن والقعود والذراع والأنف، مرادفة للحساب والجلوس والساعد والمرسن.
على أن "المبرد" في موضع آخر، يرفض القول بالترادف، على ما سوف ننقله بعدُ.
وممن قالوا بوجود الترادف: قطرب أبو علي البصري، والفخر الرازي، والتاج السبكي. . . ويوشك أن يكون هذا هو مذهب السيوطي أيضاً.
وأنكره علماء آخرون إنكاراً باتاً، منهم "ثعلب" الذي نقل عن ابن الأعرابي قوله:
"كل حرفين أوقعتهما العرب على معنى واحد، في كل منهما معنى ليس في صاحبه، ربما عَرَفناه فأخبرنا به، وربما غمض علينا فلم نلزم العربَ جهله" ومسلك "الثعالبي" في (فقه اللغة) يقطع برفضه القول بالترادف، وابن الأنباري في (كتاب الأضداد) يقرر أن هناك علة لغوية كامنة وراء تعدد لفظين في
стр. 197
معنى واحد، إذ أن كل لفظ منها يختلف عن الآخر في المعنى اختلافاً مت "وقد يكون الفرق دقيقاً لا ينتبه له إلا العارف بلغة العرب".
وصنّف "أبو هلال العسكري" كتابه (الفروق اللغوية) لبيان فروق الدلالات بين معاني ألفاظ مقول بترادفها. صدَّره بباب "في الإنابة عن كون اختلاف الألفاظ في لغو واحدة، يوجب اختلاف المعاني" فإذا جرى اسمان على معنى من المعاني أو عين من الأعيان في لغة واحدة، فإن كان كل واحد منهما يقتضي خلاف ما يقتضيه الآخر، وإلا لكان الثاني فضلاً لا يُحتاج إليه.
قال: "وإلى عذا ذهب المحققون من العلماء. . . وإليه أشار المبرد في تفسير قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ قال: فعطف شِرعةً على منهاج، لأن الشرعة لأوَّل الشيء، والمنهاج لمعظمه ومتَّسعِه. . . ويعطف الشيء على الشيء، وإن كانا يرجعان إلى شيء واحد، إذا كان في أحدهما خلاف للآخر، فأما إذا أريد بالثاني ما أريد بالأول، فعُطِف أحدهما على الآخر، فهو خطأ.
"قال أبو هلال: والذي قاله المبرد ههنا في العطف، يدل على أن جميع ما جاء في القرآن وعن العرب من لفظين جاريين مجرى ما ذكرنا، من العقل واللب، والمعرفة والعلم، والكسب والجرح، والعمل والفعل. . . معطوفاً أحدهما على الآخر، فإنما جاز هذا فيهما لما بينهما من الفرق في المعنى، ولولا ذلك لم يجُز عطفُ زيد على أبي عبد الله، إذا كان هو هو. . .
"وكما لا يجوز أن يدخل اللفظ الواحد على معنيين، فكذلك لا يجوز أن يكون اللفظان يدلان على معنى واحد، لأن في ذلك تكثيراً للغة بما لا فائدة فيه"
وقال "ابن فارس" في كتابه (الصاحبي) : "ومذهبنا أن كل صفة منها - أي الصفات الواقعة على الشيء الواحد - معناها غير معنى الأخرى. وقد خالف قوم في ذلك فزعموا أنها وإن اختلفت ألفاظها، فإنها ترجع إلى معنى واحد".
* * *
стр. 198
وظلت القضية فيما أعلم، معلقة لم يستقر فيها أصحاب العربية على رأى، حتى بعد أن اتصلت دراساتنا اللغوية الحديثة بجديد البحوث غي علوم اللغة والصوت والاجتماع.
وإن كان مذهب القول بالترادف هو الذي غلب وراج في العصور المتأخرة. ويقول به اليوم عدد من أصحاب التخصص في فقه اللغة وعلم الاجتماع اللغوي منهم "الدكتور علي عبد الواحد" الذي نشر في (مجلة الثقافة سنة ١٩٦٣) مقالاً في مزايا لغتنا العربية، التي انفردت بشرف نزول الوحي بها. فكان مما عده من مزاياها، أنها تستطيع لثرائها أن تؤدي المعنى الواحد بعشرات الألفاظ.
و"الدكتور إبراهيم أنيس"، قطع في كتابه (دلالات الألفاظ) بوجود الترادف في العربية، فلم يلمح فرقاً، أي فرق، بين أن تقول مثلاً: لم يسمع، وفي أذنيه صمم، وفي أذنيه وقر. وذكر الآية الكريمة شاهداً:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾
وإلى عهد قريب، كانت قضية الترادف من بين ما شَغِلَ به المجمع اللغوي في القاهرة. وقد اقترح أحد السادة الأعضاء، أن نتخفف من ثقل المترادفات فنصنف معجماً لألفاظ العربية، يستبعد في المعنى الواحد مازاد على لفظ واحد يختاره المجمعيون من حشد الألفاظ المترادفة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والقرآن الكريم كتاب العربية الأكبر، ومن الحق ألا نأخذ في القضية برأي دون عرضها على الكتاب العربي المبين، لأنه الذي يحسم ذلك الخلاف الذي طال.
وفيما أشتغل به على المدى الطويل من تخصص في الدراسات القرآنية، شهد التتبع الاستقرائي لألفاظ القآن في سياقها، أنه يستعمل اللفظ بدلالة معينة
стр. 199
لا يؤديها لفظ آخر، في المعنى الذي تحشد له المعاجم وكتب التفسير عدداً قلَّ أو كثر من الألفاظ.
* * *
الرؤيا والحلم:
في آيتى يوسف مثلاً، عن رؤيا ملك مصر:
﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ ٤٣، ٤٤.
المعاجم تفسر الحلم بالرؤيا.
فهل من العرب الخلص في عصر المبعث. بحيث يضعون أحد اللفظين بدلاً من الآخر، حين تحداهم القرآن أن يأتوا بسورة من مثله، فيقال مثلاً: أفتوني في حلمي إن كنتم للحلم تعبرون؟
ذلك ما لا يقوله عربي يجد حسَّ لغته، سليقة وفطرة.
ونستقرئ مواضع ورود اللفظين في القرآن فلا يترادفان.
استعمل القرآن "الأحلام" ثلاث مرات، يشهد سياقها بأنها الأضغاث المهوشة والهواجس المختلطة، وتأتي في المواضع الثلاثة بصيغة الجمع، دلالة على الخلط والتهويش لا يتميز فيه حلم من آخر: في جدل المشركين:
﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ الأنبياء: ٥.
وعلى لسان الملأ، من قوم العزيز، حين سألهم أن يُفتوه في رؤياه:
﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ يوسف ٤٤
وأما الرؤيا، فجاءت في القرآن سبع مرات، كلها في الرؤيا الصادقة، وهو لا يستعملها إلا بصيغة المفرد، دلالة على التميز والوضوح والصفاء.
стр. 200
من بين المرات السبع، جاءت الرؤيا خمس مرات للأنبياء، فهي من صدق الإلهام القريب من الوحي:
رؤيا إبراهيم ﵇ في آية الصافات:
﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ١٠٤، ١٠٥
ورؤيا يوسف إذ قال له أبوه:
﴿يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٥
نتابع سياقها في السورة وقد صدقت وتحققت:
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ ١٠٠
ورؤيا المصطفى ﵊ في الإسراء:
﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾
ورؤياه في الفتح:
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ٢٧
فهذه خمس مرات من استعمال القرآن للرؤيا من الأنبياء. والمرتان الأخريان في رؤيا العزيز وقد صدقت. وفي آيتها هبر عنها القرآن مرتين على لسان الملك بالرؤيا، لوضوحها في منامه وجلائها وصفائها، وإن بدت للملأ من قومه هواجس أوهام وأضغاث أحلام.
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا
стр. 201
أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ يوسف ٤٣، ٤٤
وتمضي القصة في سياقها القرآني، فإذا رؤيا الملك صادقة الإلهام، وليست كما بدت للملأ من قومه أضغاث أحلام.
* * *
آنس، وأبصر:
في المعاجم، آنس الشيء أبصره، والصوتَ سمعه. واستأنس: استأذن. فهل تسيغ العربية النقية، حيث يقول القرآن: ﴿آنس ناراً﴾ أن سقال: أبصرها، أو نظرها، أو رآها، أو ما أشبه ذلك من الألفاظ التي يُظن أنها تتعاقب على معنى آنس؟
نستقرئ الاستعمال القرآني، فيعطينا حِسَّ العربية المرهف، لا تقول "آنس" في الشيء تُبصره أو تسمعه إلا أن تجد فيه أْنساً. فإذا قال العربي الأصيل: آنستُ، فقد رأى أو سمع ما يؤنسه.
والقرآن قد استعمل الفعل "آنس" خمس مرات، منها أربعً في النار التي رآهل موسى ﵇ إذ سار بأهله في البرية، فأنس إليها وهذه آياتها:
طه ١٠: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ .
النمل ٧: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾
القصص ٢٩: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾
والمرة الخامسة في آية النساء:
стр. 202
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ٦
ليس الإيناس هنا مجرد إبصار لظواهر الرشد المادية الحسية في سن البلوغ ولكنه الطمأنينة المؤنسة بالابتلاء والامتحان، إلى أنهم قد رشدوا حقاً.
وفي القرآن من المادة، صيغة الفعل المضارع من الاستئناس في آية النور:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ .
الاستئناس فيها ليس مجرد استئذان كما وهم الذين فسروه بذلك، وإنما هو حِسُّ الإيناس لأهل البيت قبل دخوله. ولا يسوغ في ذوق العربية أن يقال مثلاً:
استأنس الرشطي، أو جابى الضرائب، أو الجائن. وإنما هو الاستئذان ليس فيه حِسُّ إيناس.
كما لا يسوغ استعمال "آنس" في رؤية عدو أو نار حريق، أو في سماع هزيم رعد وزئير وحش. . .
* * *
النأى، والبُعد:
يأتي بهما أكثر المعجميين والمفسرين تأويلاً لأحدهما بالآخر، دون إشارة إلى فرق بينهما. وفَرَّقَ بينهما مَن أنكروا الترادف.
ونستقرئ مواضع الاستعمال القرآني للنأى والبعد فلا يترادفان:
النأى يأتي بمعنى الإعراض والصد والإشاحة، بصريح السياق في آياته:
الإسراء ٨٣: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾
معها فصلت ٥١
الأنعام ٢٥، ٢٦: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا
стр. 203
إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾
وأما البعد، فيأتي بمختلف صيغة في القرآن، على الحقيقة أو المجاز، في البعد المكاني أو الزماني، المادي منهما والمعنوي، بصريح آياته:
التوبة ٤٢: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾
الوخرف ٣٨: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾
الفرقان ١٢: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾
سبأ ٥٢: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ معها: سبأ ٥٣.
فُصلت ٤٤: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾
هود ٨٣: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾
الأنبياء ١٠١: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾
آل عمران ٣٠: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾
الأنبياء ١٠٩: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾
المعارج ٦: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾
سبأ ١٩: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾
النمل ٢٢: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾
ق ٣١: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾
وكلها في البُعد المكاني أو الزمني.
وجاء البعد نقيضاً للقرب في لعنة الطرد بآيات:
стр. 204
هود ٩٥: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾
هود ٤٤، ٦٠، ٦٨، ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ومعها: المؤمنون ٤١، ٤٤ كما جاء في المعنويات في:
﴿شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ بآيات: البقرة ١٧٦، الحج ٥٢، فصلت ٥٢.
و ﴿ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ بآيات: إبراهيم: ٣، ١٨، والنساء: ٦، ١١٦، ١٣٦، ١٦٧، والحج ١٢، الشورى ١٨، سبأ ٨، ق ٢٧.
والبعد، فيها جميعاً، نقيض القرب
على حين يخلُص النأى للصد والإعراض، نقيض الإقبال.
* * *
стр. 205
حَلَفَ وأقسم:
كثيراً ما يُفسر أحدهما بالآخر. وقلما نفرق بينهما المعاجم.
وقد تأتي "حلف" في شواهد من الشعر الجاهلي بمعنى أقسم، في مثل قول
"النابغة الذبيانى": * حلفت فلم أترك لنفسك ريبة *
وقول "الأعشى": * حلفت له بالراقصات إلى مِنىً *
وشاس بن عبدة: * حلفتُ بما ضمَّ الحجيج إلى منى *
ولكن اللافت من حِس العربية النقية، أنها تقول: حِلفة فاجر، وأحلوفة كاذبة، ولم يُسمع بَرً وأحلوفة صادقة، إلا أن تأتي مجازاً.
وفي العربية: أحَلفَ الغلامُ، جاوز رُهاق الحُلمُ فشُكَّ في بلوغه. وقد قالت العرب: ناقة محلفة السنام، للمشكوك في سنها. وقالت: كميت محلفة، إذا اشتبه لونها بين الأحوى والأحم، فإذا كانت صافية الكُمتة، قالوا: كميت غير محلفة. وقالوا: حضارِ والوزنُ محِلفان، وهما كوكبان يطلعان قبل سُهيل، فيُظن بكل واحد منهما أنه سهيل.
فهل يكون ما في الشعر من "حلف" في غير موضع الشك والريبة، من الضرورات الشعرية؟
نحتكم إلى البيان الأعلى، في النص المحكم الموَثَّق، فيشهد الاستقراء الكامل بمنع ترادفهما:
جاءت مادة "ح ل ف" في ثلاثة عشر موضعاً، كلها بغير استثناء، في الِحنْث باليمين.
والغالب أن يأتي الفعل مسنداً إلى المنافقين، كآيات التوبة التي فضحت زيف نفاقهم:
стр. 206
﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٤٢
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ ٥٦
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ٦٢
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ ٧٤
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ. . .﴾ ٩٥
﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ٩٦
﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ١٠٧
ومعها في المناقفين. . . كذلك، آيات:
النساء ٦١ - ٦٣: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾
المجادلة ١٤: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
المجادلة ١٨: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾
وآية القلم ١٠ - ١٢: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾
стр. 207
وجاء الفعل مرة واحدة مسنداً إلى ضمير الذين آمنوا فوجبت عليهم كفارة الحَلْف: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ المائدة ٨٩.
وأما القسم، فيأتي في الإيمان الصادقة: وجاء موصوفاً بالعظمة في آية الواقعة:
﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ٧٦
وسؤالاً من الله تعالى، على وجه الاعتبار، لكل ذي حجر، في آية الفجر ٥:
﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ ؟
واختص القسم بحرمة الشهادة على الوصية، حيث لا يحل الحنث باليمين، في آيتى المائدة (١٠٨، ١٠٩) .
وكان أصحاب الجنة، في سورة القلم، صادقين:
﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾
وليس المجرمون بكاذبين إذ يقسمون يوم تقوم الساعة ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ .
وكذلك يسند القسم في القرآن إلى الضالين، عن وَهْمٍ منهم أو إيهام بالصدق، قبل أن ينكشف أنهم كانوا على ضلال، كما في آيات:
الأنعام ١٠٩: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
فاطر ٤٢: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾
الأعراف ٤٨، ٤٩: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ ؟
إبراهيم ٤٤: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا
стр. 208
أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾
النحل ٣٨: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
وفي آية المائدة ٥٣: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾
يحتمل سياقُها أن يكون هذا القسم قبل أن يُبتلى المنافقون بالتجربة الكاشفة عن كذبهم والله أعلم.
وأما هذا البيان القرآني، لا يهون أبداًَ أن نفسر القسم بالحلف، وصنيع القرآن يلفت إلى فرق دقيق بينهما. فإن لم نقل إن القسم لليمين الصادقة - حقيقة أو وهماً - والحلف لليمين الكاذبة على إطلاقها، فلا أقل من أن يكون بين دلالتهما الفرق بين العام والخاص: فيكون القسمَ لمطلق اليمين بعامة، ويختص الحَلْفُ بالحنث في اليمين، على ما اطرد استعماله في البيان القرآني.
* * *
التصدع والتحطم:
وقوله تعالى في آية الحشر:
﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢١
ليس التصدع فيها مرادفاً للتحطم:
التصدع من الصدع، والأصل فيه الشق في الأجسام الصلبة، وتستعمله العربية مجازاً في الصداع، كأنه انشقاق في الرأس من الألم أو الخمار، ومنه آية الواقعة: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ ١٨، ١٩
كما يستعمل معنوياً في التصدع بمعنى التفرق والتمزق. والصدعُ بالأمر:
стр. 209
الفصلُ فيه بحسم قاطع، ومنه آية الحِجر: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾
وأما الحطم فأصله في العربية الهشم، مع اختصاص بما هو يابس وإن لم يكن صلباً، كالعظام، وقيل للأسد حطوم، يحطم الفريسة ويهشمها. والحاطوم والحطمة: السنة المشئومة. ورجل حكم يلتهم كل شيء ولا يشبع. وراعٍ حُطَمة وحطم، كأنه يحطم الماشية عند سوقها، لعنفه.
وهذا الملحظ الأصيل من التهشيم مع العنف والقسوة، لا نخطئه في الاستعمال القرآني للمادة، في المواضع الستة التي جاءت فيها:
الفعل في آية النمل ١٨:
﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
وحطام، للزرع المصفر اليبيس المهشم، في آيتى الزمر والحديد:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ ٢١
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ ٢٠
وحُطمة، في آيتى "الهمزة" لنار الله الموقدة تهشم كل هُمَزة ولمزةٍ:
﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ ٢ - ٦
وهذا الحطم للهشيم اليَبيِس، غير التصدع للجبل الصلب في آية الحشر، وصدعِ الأرضِ في آية الطارق:
стр. 210
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ ١١ - ١٤
* * *
الخشوع والخشية
والخضوع والخوف:
والتصدع للجبل، في آية الحشر. آية البيان فيه، أن تراه خاشعاً متصدعاً من خشية الله، لو أنه تعالى أنزل عليه هذا القرآن. إذ ليس من شأن الجبل أن يخشع ولا أن يخشى، والخشوع والخشية، كلاهما، من أفعال القلوب التي لا تصدر عن جماد، إلا أن يكون ذلك من صنيع البيان يبث الحياة في الصخر الأصم.
وتفترق الخشية عن الخوف، بأنها تكون عن يقين صادق بعظمة من نخشاه، كما يفترق الخشوع عن الخضوع، بأننا لا نخشع إلا عن إنفعال صادق بجلال مَن نخشع له.
وأما الخوف فيجوز أن يحدث عن تسلط بالقهر والإرهاب، كما أن الخضوع قد يكون تكلفاً عن نفاق وخوف، أو تقية ومداراة. والعرب تقول: خشع قلبه، ولا تقول: خضع، إلا تجوزاً.
وعجيب أمر هذا البيان المعجز في اطراد نسقه ولطف دلالاته وباهر أسراره:
كل خشية فيه، على اختلاف صيغها، لا تكون إلا في الحياة الدنيا، لا في الآخره، إذ الدنيا هي مجال الإبتلاء:
وإذا تعلقت الخشية، في القرآن، بأمر يَّخشىَ، فإنه الغيب، والساعة، واليوم الأخر. أو العنت والكساد والإملاق، وضياع اليتامى، والإرهاق طغياناً وكفراً.
وأما إذا تعلقت بذات، لا بأمر، فإنها في تقدير القرآن، لا تكون إلا الخشية لله، وحده، دون أي مخلوق. يطرد ذلك في كل مواضع استعمالها في الكتاب المحكم، بصريح الآيات:
стр. 211
يس ١١: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾
معها آيات: ق ٣٣، الأنبياء ٤٩، فاطر ١٨، الملك ١٣، الرعد ٢١، المؤمنون ٥٧.
البينة ٨: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾
النازعات ١٩: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾
الأحزاب ٣٧: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ معها آيات: المائدة ٣، ٤٤ والتوبة ١٣ والبقرة ١٥٠، والنساء ٧٧.
التوبة ١٨: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾
آل عمران ١٧٣: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾
وتسند خشية الله في القرآن إلى: الذين يبلغون رسالات ربهم، ومن اتبع الذكر، والمؤمنين، والعلماء، والذين رضى الله عنهم ورضوا عنه. . .
فإذا كانت خشية الله متوقَّعة من الجبل كما في آية الحشر، أو من الحجارة كما في آية البقرة: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ٧٤.
فذلك من رائع البيان الرقآني إذ يبث الحياة في الجامد الأصم، فيجعله بحيث يحس وينفعل، ويخشى الله ويخشع.
والخشوع كذلك، ليس من شأن الجبل الجامد، لأنه من أفعال القلوب. وإذا خشع الصوت أو خشع الوجه أو البصر، فإنما يكون ذلك من خشوع القلب.
ويتسق البيان القرآني في استعماله للخشوع، كمثل اتساقه في استعمال الخشية: فكل خشوع في القآن إنها هو لله تعالى:
يأتي وصفاً أو بياناً لحال المؤمنين، في هذه الحياة الدنيا، مطرداً بلا تخلف، بصريح الآيات:
الإسراء ١٠٧ - ١٠٩: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ
стр. 212
سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾
المؤمنون ١، ٢: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
آل عمران ١٩٩: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾
الأنبياء ٩٠: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ومعها آيات: البقرة ٤٥، الأحزاب ٣٥، الحديد ١٦.
فإذا جاء الخشوع، في البيان القرآني من المجرمين والكفار، فذلك إنما يكون منهم في اليوم الآخر الذي كانوا يوعَدون، بصريح السياق في الآيات:
الغاشية ١ - ٤: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾
النازعات ٨ - ١٢: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾
المعارج ٤٣، ٤٤: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾
الشورى ٤٤، ٤٥: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾
القمر ٦، ٧: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾
وأمعن التدبر لهاذ الملحظ من المراد مجئ خشوع المؤمنين لله في الدنيا، وخشوع الكفار والمجرمين والظالمين ف٦ي الآخرة، وسرُّه البياني - فيما ألمح - هو أن خشوع
стр. 213
الكفار لا يكون إلا بعد أن يأتي اليوم الذي يوعّدون فيخشعوا خوفاًَ ورهبة وذلة، على حين يخشع المؤمنون في الدنيا، عن صدق إيمان وتقوى، وخشية لله.
وفي آية الحشر، لا يمنع الجبلّ من الخشوع إلا أن هذا القرآن لم ينزل عليه، وإلا لرأيته خاشعاَ متصدعاً من خشية الله.
مثل يضربه الله تعالى للناس لعلهم يتفكرون.
فإذ كان الجبل الصلد الأصم بحيث يُرى خاشعاً متصدعاً من خشية الله، لجلال هذا القرآن، فكيف بالإنسان المدرك الواعي، المميز السميع البصير؟
قليل منه، وقد أُنزِل إليه هذا القرآن، لأن يُرى خاشعاَ من خشية الله، وإن الجبل لجدير بأن يُرى كذاك، لو أنزِل القرآن عليه.
ودون هذه الدرجة من الحس والتأثير والاعتبار، تُهدر إنسانية بجحود عقله وقسوة قلبه، فيكون أقسى قلباً من الحجارة وأكثف حِساً من الجبل:
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾
* * *
زوج، وامرأة:
وترى البيان القرآني يستعمل لفظ "زوج" حيثما تحدث عن آدم وزوجه: (آيات البقرة ٣٥ والأعراف ١٩ وطه ١١٧)
على حين يستعمل لفظ "امرأة" في مثل: امرأة العزيز، وامرأة نوح وامرأة لوط، وامرأة فرعون.
قد يبدو من القريب أن يترادفا فيقوم أحد اللفظين مقام الآخر - وكلاهما من الألفاظ القرآنية - فنقول في "زوج آدم" مثلاً: امرأة آدم، وفي "امرأة العزيز": زوج العزيز.
وذلك ما يأباه البيان المعجز.
стр. 214
وهو الذي يعطينا سرَّ الدلالة في الزوجية مناط العلاقة بين آدم وزوجه في قصة أول زوجين من البشر. ولم تكن زوج آدم امرأة من أخريات. بل كانت وحدها الزوج، وكانت الزوجية، ولا شيء غيرها، مناط علاقتها بآدم، وسر وجودها.
ونتدبر سياق استعمال القرآن للكلمتين:
كلمة زوج تأتي حيث تكون الزوجية هي مناط الموقف: حكمة وآية، أو تشريعأً وحُكماً: في آية الزوجية قال تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ الروم ٢١
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ الفرقان ٧٤.
وكذلك الأمر في "أزواج" بالحياة، في مثل آيات: الواقعة ٧، والبقرة ٢٥، وآل عمران ١٥، والنساء ٥٦، والزخرف ٧٠، ويس ٥٦. . .
فإذا تعطلت آيتها من السكن والمودة والرحمة، بخيانة أو تباين في العقدية، فامرأة لا زوج: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ يوسف ٣٠، ٥١
﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ التحريم ١٠
- ومعها في امرأة لوط، آيات: العنكبوت ٣٣، النمل ٥٧، الحجر ٦٠، الذاريات ٨١، الأعراف ٨٣.
"امرأة فرعون" وقد تعطلت آية الزوجية بينهما، بإيمانها وكفره: التحريم ١١ وحكمة الزوجية في الإنسان وسائر الكائنات الحية من حيوان ونبات، هي اتصال الحياة بالتوالد. وفي هذا السياق يكون المقام لكلمة زوج، وزوجين وأزواج، من ذكر وأنثى، كآيات: النساء ١، هود ٤٠، الشورى ١١، يس ٣٦، الذاريات ٤٩، النجم ٤٥، النبأ ٨. . .
стр. 215
ومعها: المؤمنون ١٧، الأنعام ١٠٣، الزمر ٦، الرعد ٣، لقمان ١٠، الحج ٥، الشعراء ٧، طه ٥٣، ق ٧. . .
فإذا تعطلت حكمة الزوجية في البشر بعقم أو ترمل، فامرأة لا زوج، كالآيات في امرأة إبراهيم وامرأة عمران (هود ٧١، والذاريات ٢٩، آل عمران ٣٥)
ويضرع زكريا إلى الله سبحانه:
﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ مريم ٥
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ - آل عمران ٤٠
ثم لما استجاب له ربه وحققت الزوجية حكمتها، كانت الآية:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ الأنبياء ٩٠
وبملحظ دقيق من تقرير التكامل بين الزوجين، لم يستعمل القرآن الكريم كلمة "زوجة" - وإن صحت عربيةً - في الإفراد ولا في التثنية والجمع، بل هي زوجه وهو زوجها، وهما زوجان، وهن أزواجهم وهم أزواجهن،.. يطرد ذلك حيثما وردت الكلمة في البيان القرآني. . .
* * *
следующие страницы →