Полный текст (584 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
يس ١١: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾
معها آيات: ق ٣٣، الأنبياء ٤٩، فاطر ١٨، الملك ١٣، الرعد ٢١، المؤمنون ٥٧.
البينة ٨: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾
النازعات ١٩: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾
الأحزاب ٣٧: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ معها آيات: المائدة ٣، ٤٤ والتوبة ١٣ والبقرة ١٥٠، والنساء ٧٧.
التوبة ١٨: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾
آل عمران ١٧٣: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾
وتسند خشية الله في القرآن إلى: الذين يبلغون رسالات ربهم، ومن اتبع الذكر، والمؤمنين، والعلماء، والذين رضى الله عنهم ورضوا عنه. . .
فإذا كانت خشية الله متوقَّعة من الجبل كما في آية الحشر، أو من الحجارة كما في آية البقرة: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ٧٤.
فذلك من رائع البيان الرقآني إذ يبث الحياة في الجامد الأصم، فيجعله بحيث يحس وينفعل، ويخشى الله ويخشع.
والخشوع كذلك، ليس من شأن الجبل الجامد، لأنه من أفعال القلوب. وإذا خشع الصوت أو خشع الوجه أو البصر، فإنما يكون ذلك من خشوع القلب.
ويتسق البيان القرآني في استعماله للخشوع، كمثل اتساقه في استعمال الخشية: فكل خشوع في القآن إنها هو لله تعالى:
يأتي وصفاً أو بياناً لحال المؤمنين، في هذه الحياة الدنيا، مطرداً بلا تخلف، بصريح الآيات:
الإسراء ١٠٧ - ١٠٩: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ
стр. 212
سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾
المؤمنون ١، ٢: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
آل عمران ١٩٩: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾
الأنبياء ٩٠: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ومعها آيات: البقرة ٤٥، الأحزاب ٣٥، الحديد ١٦.
فإذا جاء الخشوع، في البيان القرآني من المجرمين والكفار، فذلك إنما يكون منهم في اليوم الآخر الذي كانوا يوعَدون، بصريح السياق في الآيات:
الغاشية ١ - ٤: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾
النازعات ٨ - ١٢: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾
المعارج ٤٣، ٤٤: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾
الشورى ٤٤، ٤٥: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾
القمر ٦، ٧: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾
وأمعن التدبر لهاذ الملحظ من المراد مجئ خشوع المؤمنين لله في الدنيا، وخشوع الكفار والمجرمين والظالمين ف٦ي الآخرة، وسرُّه البياني - فيما ألمح - هو أن خشوع
стр. 213
الكفار لا يكون إلا بعد أن يأتي اليوم الذي يوعّدون فيخشعوا خوفاًَ ورهبة وذلة، على حين يخشع المؤمنون في الدنيا، عن صدق إيمان وتقوى، وخشية لله.
وفي آية الحشر، لا يمنع الجبلّ من الخشوع إلا أن هذا القرآن لم ينزل عليه، وإلا لرأيته خاشعاَ متصدعاً من خشية الله.
مثل يضربه الله تعالى للناس لعلهم يتفكرون.
فإذ كان الجبل الصلد الأصم بحيث يُرى خاشعاً متصدعاً من خشية الله، لجلال هذا القرآن، فكيف بالإنسان المدرك الواعي، المميز السميع البصير؟
قليل منه، وقد أُنزِل إليه هذا القرآن، لأن يُرى خاشعاَ من خشية الله، وإن الجبل لجدير بأن يُرى كذاك، لو أنزِل القرآن عليه.
ودون هذه الدرجة من الحس والتأثير والاعتبار، تُهدر إنسانية بجحود عقله وقسوة قلبه، فيكون أقسى قلباً من الحجارة وأكثف حِساً من الجبل:
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾
* * *
زوج، وامرأة:
وترى البيان القرآني يستعمل لفظ "زوج" حيثما تحدث عن آدم وزوجه: (آيات البقرة ٣٥ والأعراف ١٩ وطه ١١٧)
على حين يستعمل لفظ "امرأة" في مثل: امرأة العزيز، وامرأة نوح وامرأة لوط، وامرأة فرعون.
قد يبدو من القريب أن يترادفا فيقوم أحد اللفظين مقام الآخر - وكلاهما من الألفاظ القرآنية - فنقول في "زوج آدم" مثلاً: امرأة آدم، وفي "امرأة العزيز": زوج العزيز.
وذلك ما يأباه البيان المعجز.
стр. 214
وهو الذي يعطينا سرَّ الدلالة في الزوجية مناط العلاقة بين آدم وزوجه في قصة أول زوجين من البشر. ولم تكن زوج آدم امرأة من أخريات. بل كانت وحدها الزوج، وكانت الزوجية، ولا شيء غيرها، مناط علاقتها بآدم، وسر وجودها.
ونتدبر سياق استعمال القرآن للكلمتين:
كلمة زوج تأتي حيث تكون الزوجية هي مناط الموقف: حكمة وآية، أو تشريعأً وحُكماً: في آية الزوجية قال تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ الروم ٢١
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ الفرقان ٧٤.
وكذلك الأمر في "أزواج" بالحياة، في مثل آيات: الواقعة ٧، والبقرة ٢٥، وآل عمران ١٥، والنساء ٥٦، والزخرف ٧٠، ويس ٥٦. . .
فإذا تعطلت آيتها من السكن والمودة والرحمة، بخيانة أو تباين في العقدية، فامرأة لا زوج: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ يوسف ٣٠، ٥١
﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ التحريم ١٠
- ومعها في امرأة لوط، آيات: العنكبوت ٣٣، النمل ٥٧، الحجر ٦٠، الذاريات ٨١، الأعراف ٨٣.
"امرأة فرعون" وقد تعطلت آية الزوجية بينهما، بإيمانها وكفره: التحريم ١١ وحكمة الزوجية في الإنسان وسائر الكائنات الحية من حيوان ونبات، هي اتصال الحياة بالتوالد. وفي هذا السياق يكون المقام لكلمة زوج، وزوجين وأزواج، من ذكر وأنثى، كآيات: النساء ١، هود ٤٠، الشورى ١١، يس ٣٦، الذاريات ٤٩، النجم ٤٥، النبأ ٨. . .
стр. 215
ومعها: المؤمنون ١٧، الأنعام ١٠٣، الزمر ٦، الرعد ٣، لقمان ١٠، الحج ٥، الشعراء ٧، طه ٥٣، ق ٧. . .
فإذا تعطلت حكمة الزوجية في البشر بعقم أو ترمل، فامرأة لا زوج، كالآيات في امرأة إبراهيم وامرأة عمران (هود ٧١، والذاريات ٢٩، آل عمران ٣٥)
ويضرع زكريا إلى الله سبحانه:
﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ مريم ٥
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ - آل عمران ٤٠
ثم لما استجاب له ربه وحققت الزوجية حكمتها، كانت الآية:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ الأنبياء ٩٠
وبملحظ دقيق من تقرير التكامل بين الزوجين، لم يستعمل القرآن الكريم كلمة "زوجة" - وإن صحت عربيةً - في الإفراد ولا في التثنية والجمع، بل هي زوجه وهو زوجها، وهما زوجان، وهن أزواجهم وهم أزواجهن،.. يطرد ذلك حيثما وردت الكلمة في البيان القرآني. . .
* * *
стр. 216
والمحققون من فقهاء العربية لم ينكروا الترادف في الألفاظ التي تختلف حروفها وموادها فحسب، بل أنكروه كذلك في الألفاظ تتفق مادتها وحروفها، وتختلف صِيَغُها وأبنيتها - إلا أن يجئ ذلك في لغتين - بل إنه لا يجوز أن تختلف الحركتان في الكلمتين ومعناهما واحد.
ونقل "أبو هلال" من ذلك مثلاً، صيغ المبالغة: "إذا كان الرجل قوياً على الفعل قيل فعول، مثل صبور وشكور. وإذا فعل الفعل وقتاُ بعد وقت، قيل فعَّال، مثل علام وصبَّار. وإذا كان ذلك عادة له قيل مفعال، مثل معوان ومعطاء. ومن لا يتحقق المعاني يطن أن ذلك كله يفيد المبالغة فقط. وليس الأمر كذلك. بل هي مع إفادتها المبالغة تفيد المعاني التي ذكرناها.
"وكذلك قولنا: فعلت، يفيد خلاف قولنا: أفعلت، في جميع الكلام، إلا ما كان من لغتين. فقولك: سيقت الرجل، يفيد أنك أعطيتة ما يشربه أو صببته في حلقه. وأسقيته: يفيد أنك جعلت له سقيا أو حظاً من المائ. وقولك: شرقت الشمس، يفيد خلافَ غرُبت، واشرقت يفيد أنها صارت ذات إشراق.
"فأما قول بعض أهل اللغة إن الشَّعَر والشَّعْر، والنهَر، والنَّهْر بمعنى واحد، فإن ذلحك لغتان. وإذا كان اختلاف الحركات يوجب اختلاف المعاني، فاختلاف المعاني أنفسها أولى أن يكون كذلك"
* * *
ويجلو لنا كتاب العربية الأكبر، هذا الملحظ الدقيق من فروق الدلالات بين الألفاظ تختلف حركاتها أو صِيَغُها من المادة الواحدة. . .
من ذلك مثلاً:
стр. 217
أشتات، وشتى:
مادتهما واحدة، والشتُّ والشتات في اللغة التفرق والاختلاف. وقد وردت المادة خمس مرات في القرآن الكريم، ثلاث منها بصيغة شتى، في آيات:
طه ٥٣: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾
الليل ٤: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾
الحشر ١٤: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾
ومعنى الاختلاف، المقابل للائتلاف، هم ما يعيطه سياقها.
على حين يؤذن السياق بمعنى التفرق، المقابل للتجمع، في صيغة أشتات، يآيتى:
الزلزلة ٦: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾
النور ٦١: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾
* * *
الإنس والإنسان:
يلتقيان في الملحظ العام لدلالة مادتها المشتركة على نقيض التوحش، لكنهما لا يترادفان، بل ينفرد كل منهما بكلحظ خاص يميزه عن الآخر:
لفظ الإنس يأتي في القرآن دائماً مع الجن على وجه التقابل. يطرد ذلك ولا يتخلف في كل الآيات التي جاء فيها اللفظ قسيماً للجن، وعددها ثماني عشر آية.
وملحظ الإنسية فيه، بما تعني من نقيض التوحش، هو المفهوم صراحة من مقابلته بالجن في دلالتها أصلاً على الخفاء الذي هو من ظواهر التوحش.
وبهذه الإنسية يتميز جنسنا عن أجناس خفية مجهولة غير مألوفة لنا، ولا هي تخضع لنواميس حياتنا.
стр. 218
وأما الإنسان فليس مناط إنسانيته فيما نستقرئ من آيات البيان المعجز. كونه مجرد إنس، وإنما الإنسانية فيه ارتقاء إلى أهلية التكليف وحمل أمانة الإنسان، وما يلابس ذلك من تعرض للابتلاء بالخير والشر.
وقد جاء لفظ الإنسان في القرآن الكريم في خمسة وستين موضعاً نتدبر سياقها جميعاً فتهدينا إلى الدلالة المميزة للإنسانية
هو في جنسه العام إنس:
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ الرحمن: ١٤
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ الحجر: ٢٦
لكنه مع إنسيته، يختص إنساناً:
بالقراءة والعلم: العلق ١ - ٥
والبيان: الرحمن ٣.
والكسب والتكليف: الإنسان، النجم ٣٩، القيامة ١٤، الإسراء ١٧.
والجدل: الكهف ٥٤
ويحتمل الوصية: لقمان ١٤، العنكبوت ٨
وهموم المكابدة واقتحام العقبة: البلد ٤
ويحمل الأمانة التي أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها: الأحزاب ٧٢
وهو الذي يتعرض لتجربة الابتلاء ومحنة الغواية: الفرقان ٢٤، ق ١٦، الحشر ١٦، الإنسان ٢، ٤، الفجر ١٥
стр. 219
ويزدهيه الغرور فيطغى ويستكبر، ويضله وهمُ الاستغناء عن خالقه: العلق ٦
وما أكثر ما يُذكر القرآن هذا الإنسان بضعفه وهَوَانِه، كبحاً لجماح غروره كيلا يتجاوز قدره فيطغى. وهو مظنة أن يتمادى به الغرور والطغيان إلى حد الكفر بخالقه والوقوف منه تعالى موقف خصيم مبين.
(النحل ٤، مريم ٦٧، الانفطار ٦، فصلت ٤٩، الزخرف ١٥، عبس ١٧، العاديات ٦) .
* * *
النعمة، والنعيم:
اللفظان من مادة واحدة، وهما يلتقيان فب الدلالة العامة لمادتهما المشتركة. والمعاجم اللغوية لا تكاد تفرق بين الصيغتين، والمفسرون يؤولون النعيم بكل ما تحتمله الدلالة المعجمية للمادة.
ونستقؤئ الصيغتين في القرآن كله فنراه يفرق بينهما تفرقة واضحة:
كل نعمة في القرآن إنما هي لنعم الدنيا على اختلاف أنواعها. يطرد ذلك ولا يتخلف في مواضع استعمالها، مفرداً وجمعاً، وعددها ثلاثة وخمسون موضعاً.
وأم صيغة النعيم فتأتي في البيان القرآني بدلالة إسلامية، خاصة بنعيم الآخرة. يطرد هذا أيضاً ولا يتخلف، في كل آيات النعيم وعددها ست عشرة آية. منها خمس عشرة آية لا يحتمل صريح لفظها أي تأويل بغير نعيم الجنة:
الواقعة ٨٩: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾
المعارج ٣٨: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾
стр. 220
المطففين ٢٢: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ .
الشعراء ٨٥: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾
الإنسان ٢٠: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ . . . ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾
المائدة ٦٥: ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾
يونس ٩: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾
القلم ٣٤: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾
لقمان ٨: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾
الطور ١٧: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾
الحج ٥٦: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ معها آيتا: الصافات ٤٣، الواقعة ١٢.
التوبة ٢١: ﴿وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾
وتبقى آية التكاثر، خطاباً لمن ألهاهم التكاثر:
﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾
لا نستطيع أمام اطراد تخصيص القآن صيغة نعيم لنعيم الآخرة، أن نفسرها بنعمة من نعم الدنيا التي لا تأتي في البيان القرآني إلا بصيغة نعمة ونعماء ونِعَم. وسرُّ البيان فيها، أن الذين ألهاهم التكاثر في أعراض الدنيا عن اتزود لأخراهم، سوف يُسألون يوم يرون الجحيم، وسيرونها عين اليقين، عن النعيم الحق ما هو، وعندئذ يعلمون علم اليقين حققية النعيم الذي أضاعوه، وألهاهم عنه التكالب على نعم الدنيا الفانية والتكاثر في أعراضها الزائلة.
стр. 221
أكتفي بما قدمت من شواهد تؤيد ما ذهب إليه المحققون من أهل اللغة في إنكار القول بالترادف إلا أن يجئ في لغتين "فأما أن يجئ في لغة واحدة فمحال أن يختلف اللفظان والمعنى الواحد، كما ظن كثير من النحويين واللغويين. وإنما سمعوا العرب تتكلم بذلك على طباعها وما في نفوسها من معانيها المختلفة، وعلى ما جرت به عادتها وتعارفُها، ولم يعرف السامعون تلك العلل والفروق فظنوا ما ظنوه من ذلك وتأولوا على العرب ما لا بجوز في الحكم".
* * *
فأما ما كان من لغتين فقال فيه "ابن جنى" في (باب الفصيح تجتمع في كلامه لغتان فصاعداً) : وما اجتمعت فيه لغتان أو ثلاث، أكثر من أن يحاط به، فإذا ورد شيء من ذلك كأن يجتمع في لغة رجل واحدٍ لغتان فصيحتان فصاعداً، فينبغي أن تتأمل حال كرمه: فإن كانت اللفظتان في كلامه متساويتين كثرتُهما واحدة، فإن أخلق الأمر به أن تكون ف=قبيلته تواضعت في ذلك المعنى على تينك اللغتين، لأن العرب قد تفعل ذلك للحاجة إليه في أوزان أشعارها وسعة تصرف أقوالها. وقد يجوز أن تكون لغته في الأصل إحداهما ثم إنه استفاد الأخرى من قبيلة أخرى وطال به عهده وكثر استعماله فلحقت لطول المدة واتصال استعمالها بلغته الأولى. وإن كانت إحدى اللفظتين أكثر في كلامه من صاحبتها فأخلَقُ الحالين به في ذلك أن تكون القليلة الاستعمال هي المفادة، والكثيرة هي الأولى الأصلية. . .
"وإذا كثر على المعنى الواحد ألفاظ مختلفة فسُمِعَتْ في لغة إنسان واحد فإن أحْرى ذلك أن يكون قد أفاد أكثرها أو طرفا منها، من حيث كانت القبيلة الواحدة لا تتواطأ في المعنى الواحد على ذلك كله. هذا غالب الأمر وإن كان الآخر من وجه القياس جائزاً.."
* * *
стр. 222
وقد ينبغي لي أن أعترف هنا بقصوري عن لمح فروق الدلالة لألفاظٍِ قرآنية تبدو مترادفة، فليس لي إلا أن أقر بالعجز والجهل، وأنا أتمئل بكلمة ابن الأعرابي:
"كل حرفين أوقعتهما العرب على معنى واحد، في كل منهما معنى ليس في صاحبه، ربما عرفناه فأخبرنا به، وربما غمض علينا فلم نُلزم العربَ جهلَه".
* * *
стр. 223
(٣)
الأساليبُ وسرُّ التعبير
قد نكون عرفنا البلاغة علماً وثَقِفناها صناعةً ومنطقاً. غير أننا ما نزال في أشد الحاجة إلى أن نجتليها ذوقاً أصيلاً وحِساً مرهفاً في آيات الفصاحة العليا والبيان المعجز.
стр. 224
الاستغناء عن الفاعل:
من الظواهر الأسلوبية اللافتة في البيان القرآني، ظاهرة الاستغناء عن الفاعل التي توزعت في دراستنا وكتبنا بين أبواب شتى متباعدة، لا تعطي سر هذا الاستغناء.
فأنت تقرأ في علم الصرف كيفية بناء الفعل للمجهول وصيغ المطاوعة، وتقرأ في علم النحو أحكام نائب الفاعل، أما لماذا حُذف الفاعل وبني فعله للمجهول، فذلك موضوع آخر تدرسه في علم آخر هو علم المعاني التي انفصلت عن الإعراب فعاد هذا الإعراب صنعة، وهو في الأصل مناط المعنى. كما تدرس في علم البيان إسنادَ الفعل إلى غير فاعله على سبيل المجاز.
دون أن يحاول أحد الدراسين فيما أعلم، أن يجمع هذا الشتاتَ المنتثر لظاهرة أسلةبية واحدة، لاستجلاء سرها الذي من أجله تستغنى العربية عن الفاعل فتسنده إلى غير فاعله، بالبناء للمجهول أو المطاوعة أو الإسناد المجازي.
وقد لفتني اطراد ظاهرة الاستغناء عن الفاعل في البيان القرآني، في موقف القيامة، أما بالبناء للمجهول في مثل آيات:
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾
﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾
﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾
﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾
стр. 225
﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾
﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾
ومعها سائر آيات النفخ في الصور، وكلها مبنية للعل المجهول، الماضي منها والمضارع:
(الكهف ٩٩، المؤمنون ١٠١، يس ٥١، الزمر ٦٨، ق ٢٠، الحاقة ٢٣، الأنعام ٧٣، طه ١٠٢، النمل ٨٧، النبأ ١٨. . .)
وإما أن يستغنى البيان القرآني عن ذكر الفاعل في موقف الآخرة، بإسناده إلى غير فاعله، مطاوعة أو مجازاً، كما في آيات:
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾
﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾
﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾
стр. 226
﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ .
وعجيب حقاً أن تطرد هذه الظاهرة الأسلوبية في موقف واحد، ثم لا تلفت البلاغيين والمفسرين مع وضوحها.
والبلاغيون يقولون في حذف الفاعل: إنه يُحذف للعلم أو الجهل به، أو الخوف منه أو عليه. ونعرض هذه الوجوه على البيان القرآني، فيأبى أن يكون حذف الفاعل، سبحانه، لأحداث القيامة، للخوف عليه أو الجهل به. ثم يشهد الاستقراء أن القرآن لم يحذف الفاعل في مواضع العلم به يقيناً، مثل:
﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾
﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾
﴿يَهدِى ويُضِلُّ﴾
﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾
. . . . . . . . . . . . ..
فما سر ظاهرة الاستغناء عن ذكر الفاعل في أحداث يوم القيامة؟
يهدينا البيان القرآني إلى:
أن أساليب: البناء للمجهول، والمطاوعة، والاسناد المجازي، تلتقي جميعاً في الاستغناء عن ذكر الفاعل، وإن كان لكل أسلوب منها ملحظة البياني الخاص، يجلوه استقراء مواضعه في الكتاب المحكم.
* اطراد هذه الظاهرة في موقف البعث والقيامة، ينبه إلى أسرار بيانية وراء ضوابط الصنعة وإجراءات الإعراب الشكلية:
فبناء الفاعل للمجهول: فيه تركيز الاهتمام على الحَدث، بِصَرْفِ النظرِ عن مُحدِثه.
стр. 227
والمطاوعة: فيها بيانً للطواعية التي يتم بها الحدَثُ تلقائياً أو على وجه التسخير، وكأنه ليس في حاجة إلى فاعل. . .
والإسناد المجازي: يعطى المسنَد إليه فاعليةً محققة يستغنى بها عن ذكر الفاعل الأصلي. . . والله أعلم.
* * *
стр. 228
البدء بواو القسم:
ننطر في ظاهرة أسلوبية أخرى من البيان القرآني، وهي ظاهرة البدء بواو القسم في مثل آيات:
الضحى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾
الليل: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾
الفجر: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾
النجم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾
العاديات: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾
العصر: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾
. . . . . . . . . . . . . . .
والأصل في الواو أن تأتي في درَج الكلام للربط والعطف، فإذا جاءت للقسم فإن لها الصدارة، في مقام التوثيق لما يسبق إنكاره، أو الإقرار والشهادة.
وقد اتجه بها المفسرون، أو جمهرتهم فيما أعلم، إلى تعظيم المقسَم به.
ثم مضوا يلتمسون وجه العظمة في المقسم به بالواو. وأكثر ما ذكروه من ذلك يدخل في الحكمة وهي تختلف تماماً عن العظمة: فما من شيء في الكون خُلِق عبثاً، وكل ما خلقه الله، خلقه لحكمة ظاهرة لنا أو خفية علينا، وأما العظمة فلا يهون القول بها لمجرد لمح وجهٍ لظاهر الحكمة في المقسَم به، بعد هذه الواو.
ثم إنهم غالباً، لم يراعوا القيد في المقسم به: ففي الضحى مثلاً تحدثوا عن عظمة الضياء، وليس مقصوراً على وقت الضحى، بل لعله في الظهيرة أقوى. . .
وفي الليل إذا سجى، تحدثوا عن عظمة الليل مطلق الليل، وهو في الآية مقيد
стр. 229
بـ "إذا سجى" وجاء في آيات أخرى مقيداً بـ: إذا عسعس، إذا يغشى، إذا يسرى، إذا أدبر. . .
وفي آية النجم، تحدثوا عن عظمة النجم، وهو في الآية مقيد بـ: إذا هوى: واضطربوا كذلك في ربط القسم بهذه الواو، بجواب قسَمه: فأين الصلة بين عظمة العاديات ضبحاً، وبين كنود الإنسان لربه، وبعثرة ما في القبور؟ وما معقد الصلة بين عظمة الليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، وبين: إن سعيكم لشتى؟ أو بين عظمة النجم إذا هوى، و ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ؟
وقبل ذلك كله، ما السر البياني لهذا البدء بالواو القسم؟ وهل كان العربي الأصيل في عصر المبعث لا يجد فرقاً بين الآيات: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ . . .
وبين مألوف التعبير بصريح القسم: أقسم بالضحى، وبالليل إذا سجى، وأقسم بالنجم إذا هوى؟ . . .
إن التعظيم الذي لفتهم من واو القسم، يتحقق مثله بصريح لفظ القسم، فهل العدول عن: أقسم بالنجم، إلى "والنجم" لا يعطى أي ملحظ بياني؟
* * *
نلحظ بادئ ذي بدء أن ظاهرة القسم بالواو جاءت في مستهل السور مع: الضحى، والليل، والفجر وليال عشر، والعصر، والتين والزيتون، والنجم إذا هوى، والعاديات ضبحاً، والنازعات غرقاً، والذاريات ذرواً، والصافات صَفَّا والسماء والطارق، والسماء ذات البروج، والشمس وضحاها، والطور وكتاب مسطور، والتين والزيتون، وطور سنين. . .
وكلها سور مكية، ولم تأت سورة مدنية مبدوءة بهذه الواو.
стр. 230
فإذا كان القصد إلى إعظامها، فما وجه إيثارها بهذا الاستهلال، وليس في القرآن كله، سورة مفتتحة بالواو مع اسم من أسماء الله الحسنى، وأين من عظمته تعالى عظمة مخلوقاته؟
ولا مجال أن نقيس بعظمة الله، عظمةَ التين والزيتون والعاديات ضبحاً، والنجم إذا هوى. . .
بل ليس في القرآن "والله" قسماً غير قسم المشركين يوم القيامة، في آيتى الأنعام: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ - ٢٣
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ - ٣٠
والواو هنا في درج الكلام وليست في مستهل السورة أو الآية، والمقسِمون هم المشركون يوم الحشر، والقسم على أصل معناه من الإقرار. . .
على حين تأتي واو القسم في فواتح السور والآيات، والمقسِم فيها جيمعأً هو الله سبحانه.
وجاءت واو القسم مع "رَبًّ" في أربع آيات ليست في مستهل سورها، والواو فيها لا تثع ابتداء في أول الجملة، بل يسبقها حرف الفاء، أو: فلا، أو إى:
الذرايات ٢٣: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾
الحجر ٩٢: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
النساء ٦٥: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
يونس ٥٣: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾
стр. 231
والقسم فيها جميعاً على وجهه من التأكيد والتقرير والإعظام.
وإذ يأتي القسم بالواو على وجهه مع "ربَّ" في أربع آيات ومع "الله" في آيتين فحسب، وجاء القسم بـ: "والليل" وحده ست مرات، يطرد فيها مجئ الواو في صدر الآيات، فإن ذلك يدعو إلى مراجعة لما قنع به المفسرون والبلاغيون في تأويل هذه الواو بأنها لإعظام ما تلاها، من ليل ونهار وضحى وفجر وتين وزيتون. . .
ولا سبيل إلى قياس عظمتها بعظمة الخالق ﷻ .
وهم قد ذكروا في القسَم بالليل والنهار مثلاً، وجوهَ الحكمة فيهما وعَدوُّا الكثير من فوائدها. وكرروا ذكر هذه الفوائد حيثما جاء القسم بالفجر والصبح والضحى والنهار، أو بالليل ساجياً وغاشياًَ وسارياً ومدبراً. . .
وحمَّلوا الآيات من التأويلات الفلسفية والإشارية - في مثل ما نقرأ في تفاسير الفخر الرازي والنبيسابورى والطبرسى والشيخ محمد عبده - ما لا نتصور أن هذه الواو يمكن أن تحمله من قريب أو بعيد. مع ملاحظة أن البيان القرآني يلفت إلى آيتى الليل والنهار، أو الشمس والقمر، بغير القسم، فيفهمها النائ بأيسر تنُّبهٍ، كالذي في آيات:
القصص ٧١: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ؟
الإسراء ١٢: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾
يونس ٦: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا
стр. 232
بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾
- وانظر معها آيات: الأنعام ٩٦، يونس ٦٧، النمل ٨٦، آل عمران ١٩٠، الجاثية ٥، الفرقان ٤٧، الروم ٢٣.
وليس على هذا النحو من بيان الحكمة، تأتي آيات القسم بالواو: والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، والنجم إذا هوى، والضحى، والليل إذا سجى. ونظائرها.
من هنا كان وقوفي أمام هذه الظاهرة الأسلوبية في البيان القرآني، لعلى أجتلى من سرها البياني ما أضيفه إلى فكرة الإعظام التي سيطرت وحدها على جمهرة من قرأت لهم من المفسرين والبلاغيين. . . .
والذي اطمأننت إليه بعد طول التدبر لسياقها في الآيات المستهلة بالواو، هو أن هذه الواو قد خرجت عن أصل معناها اللغوي الأول في القسم للتعظيم، إلى معنى بلاغي، هو اللفتُ بإثارة بالغة إاى حِسَّيات مُدرَكة لا تحتمل أن تكون موضع جدل ومماراة، توطئة إيضاحية لبيانِ معنوياتِ مُمارَى فيها، أو تقرير غيبياتِ ليست من الحسيات والمدركات.
فالبيان القرآني في قسمه بالفجر وبالصبح إذا أسفر وإذا تنفس، وبالشمس وضحاها، والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى. . .
يَجلو معاني من الهدى والحق أو الضلال والباطل، بماديات من النور والظلمة في مختلف درجاتهما.
وهذا البيان للمعنوي بالحسي، هو مدار استعمال البيان القرآني للظلمات والنور بمعنى الضلال والهدى.
стр. 233
وهو الذي يمكن أن نعرضه على أكثر الآيات المستهلة بواو القسم، فتقبله دون تكلف في التأويل أو اعتساف الملحظ.
ففي آيات الليل مثلاٍ:
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾
ذكروا فيها وجوه الحكمة في تعاقب الليل والنهار، وليسا هنا مطلق الليل ومطلق النهار. وإذ لم يتعلق البيان القرآني فيهما بغير الغشية والتجلي، نلمح السر البياني فيما تلفت إليه الواو من تقابل واضح محسوس، بين غشية الليل بظلامه وتجلي النهار بضيائه.
ومثله في الوضوح الحسي المدرك، التفاوت بين خلق الذكر والأنثى.
توطئة إيضاحية لبيان تفاوت مماثل في معنويات لا تدرك بالحس: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ وتفاوت أبعدَ في غيبياتٍ بين الآخرة والأولى، والجزاء والعقاب.
﴿أَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ . . .
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ .
كل هذه المتقابلات: المعنوي منها والغيبي: اعطى وبخل، اتقى واستغنى، صدق وكذب، اليسرى والعسرى، الآخرة والأولى، يصلاها ويُجَنَّبُها، الأشقى والأتقى. . .،
يجلوها البيان المعجز بتوطئة موضحة لافتة إلى التفاوت المادي الواضح المدرك في: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾
* * *
стр. 234
وفي آيات الضحى:
﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾
الواو لافتة إلى صورة مادية وواقع حسي، يشهد به الناس تألق الضوء في ضحوة النهار، ثم فتور الليل إذا سجى وسكن. وتتعاقب الظاهرتان الكونيتان كل يوم دون أن يكون في تواردهما ما يبعث على دهشة وإنكار، بل دون أن يخطر على بال أحد أن السماء تخلت عن الأرض بأن أسلمتها إلى وحشة الليل بعد تألق الضوء في ضحى اليوم نفسه.
فأي عجب في أن يجئ بعد أنس الوحي وتجلي نوره على المصطفى ﷺ ، فترةُ سكون للوحي، على نحو ما نشهد من سجو الليل بعد تألق الضحى؟ وفيم القول، أو الظن بأن محمداً ودعه ربه وقلاه؟
* * *
ونتدبر كذلك آية النجم:
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ .
اللفت بالواو إلى ظاهرة كونية مشهودة، يراها الناس في النجم إذا هوى فيلمحون على الأفق ما يبدو على مد البصر من اتصال السماء بالأرض بخيط من النور.
ظاهرة كونية تتكرر على مرأى منهم ومشهد، فلا يجدون فيها ما هو موضع جدل أو إنكار، ففيم العجب وفيم المماراة والإنكار للظاهرة الغيبية المماثلة، إذ يتجلى نور الوحي من الأفق الأعلى فيدنو ويتدلى حتى يصل إلى المصطفى على هذه الأرض؟
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)
стр. 235
فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ ؟
* * *
وآيات العاديات:
السورة تبدأ بالواو لافتة إلى ما عهد القوم من غارات الخيل المصبحة، تفجؤهم على غير توقع فلا ينتيهون إلا وقد توسطت الجمعَ فبعثرته وسط نقعها المثار.
توطئة إيضاحية لصورة بيانية أخرى منذرة بغيب غير مشهود ولا مدرك، يفجأ الإنسانَ الكنود لربه، بالبعث يأخذه على غير أهبة أو توقع، فإذا الناس في حيرة وارتباك، قد بعثُروا من القبور أشتاتاً كالفراش المبثوث أو الجراد المنتشر، وإذا كل ما في صدورهم قد حُصّل لم تفلت منه خافية مضمرة في طي الصدور:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ . . .
﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾
* * *
وآية العصر:
الواو في موضعها الذي تطرد به الظاهرة الأسلوبية في اللفت إلى ابتلاء الإنسان بالزمن يعصره ويصهره بالضغط والمعاناة.
توطئة إيضاحية لبيان ما يستخلص العصرُ من عصارة هذا الإنسان وما يبلو من طاقته ويصهر من معدنه، كاشفاً عن خبره أو شره. فيكون الخسر أو النجاة:
﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
* * *
стр. 236
وقوة اللفت في مثل هذا الأسلوب، تأتي من العدول بالواو عن موضعها المألوف في درج الكلام، فتثير أقصى التنبه.
ولعل السلف الصالح من المفسرين، ما فاتهم هذا الملحظ البياني إلا لأن علماء البلاغة قد عرفوا خروج الخبر والاستفهام والأمر والنهي عن معانيها الأولى في أصل اللغة إلى معان بلاغية نصوا عليها في كتب البلاغة المدرسية. ثم لم يشيروا إلى خروج القسم عن معناه الأول. فكان ما كان من اعتساف التأويل للآيات المبدوءة بواو القسم لتظل كما أراد لها علماء البلاغة على أصل معناها اللغوي، لا تخرج عنه إلى معنى بلاغي.
ولا بأس علينا إن شاء الله، إذا نحن التمسنا من البيان القرآني ما يمنح هذه الواو سرها البلاغي وراء معناها القريب المألوف الذي عرفوه لها.
والله أعلم. . .
* * *
стр. 237
السجع ورعاية الفواصل:
وأنتقل إلى النظر في الفواصل القرآنية التي شغلت السلف واختلفوا فيها اختلافاً بعيداً.
ولا خلاف بينهم أعلمه في أن لفواصل القرآن إيقاعها الفريد وبلاغتها العليا، لكن الخلاف في شأن هذه الفواصل، هل هي من قبيل ما يعرف بالسجع في فنون البديع، أو هي شيء آخر غيره؟
ومنذ بدأ عصر التأليف في الدراسات القرآنية والبلاغية، أخذت قضية الفواصل موضعها من عناية الأجيال الأولى من علماء العربية وأن لم تستقل بمباحث مفردة بل جاءت عارضة في ثنايا المصنفات القرآنية المبكرة:
فأبو عبيجة، معمر بن المثنى البصري - ٣١٠ هـ - يقف بين حين وآخر في متابه (مجاز القرآن) عن الفاصلة إذا لحظ فيها عدولاً عن مألوف الاستعمال اللغوي، موجهاً همه إلى الاحتجاج لهذا العدول بأن "العرب تفعل ذلك في كلامها" وهي العبارة التي تلقانا كثيراً في كتاب مجاز القرآن.
كذلك لم يعرض "الفراء أبو زكريا الكوفي" - ٢٠٧ هـ - لمسألة الفواصل عرضاً مباشراً في متابه (معاني القرآن) ولكنه في توجيه الآيات، وترجيحه بين القراءات. يصرح بأن القرآن يراعي الفاصلة: فيقدم أو يؤخر أو يحذف، ويؤثر لفظاً على آخر في معناه، أو يعدل عن صيغة للكلمة إلى صيغة أخرى، رعاية "لمشاكلة المقاطع ورءوس الآيات، وكأنه نزل على ما يستحب العرب من موافقة المقاطع".
وعلى كثرة ما عرض "الفراء" للفواصل القرآنية وبخاصة في السور المكية،
стр. 238
لم يذكرها باسم الفواصل وإنما هي عنده رءوس آيات. وقد تحاشى القول "بالسجع" فيها، وإن ثبت على مذهبه في أن النظم القرآني يرعاها قصداً إلى الجرس الصوتي ومشاكلة المقاطع.
وحتى القرن الثالث للهجرة، كان التحرج واضحاً من القول بالسجع في القرآن، وكأنما كان الحس المؤمن ينبو عن هذه الكلمة، لكثرة ما أطلقت عن قديم على سجع الكهان.
لكن القضية ما لبثت أن دخلت معترك الجدل الكلامي بين الفرق الإسلامية فارتبطت بالإعجاز بالنظم، وبدأت تستقل بمباحث مفردة.
قرر "الأشاعرة" نفي السجع عن القرآن، وقالوا إنما هي فواصل. وعقد "الباقلاني" في كتابه (إعجاز القرآن) فصلا في نفي السجع عن القرآن بسط فيه مذهبهم في التفرقة بين السجع والفواصل. وقد بدأه بقوله:
"ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع عن القرآن. وذكره الشيخ أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه. . . وذهب كثير ممن يخالفهم إلى إثبات السجع في القرآن. وزعموا أن ذلك مما يبين به فضل الكلام، وإنه من الأجناس التي يقع فيها التفاضل في البيان والفصاحة، كالتجنيس والالتفات، وما أشبه ذلك من الوجوه التي تعرف بها الفصاحة. . . وأما ما في القرآن من السجع فهو كثير لا يصح أن يتفق كله غير مقصود إليه.
"وهذا الذي يزعمونه غير صحيح. ولو كان القرآن سجعاً لكان غير خارج عن أساليب كلامهم ولو كان داخلاً فيها لم يقع بذلك إعجاز. ولو جاز أن يقولوا: سجع معجز. لجاز لهم أن يقولوا: شعر معجز. وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب؟ ونفيه عن القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر. لأن الكهانة تنافي النبوات وليس كذلك الشعر. وقد روى أن النبي ﷺ قال للذين جاءوه وكلموه في شأن - دِيَةِ - الجنين: كيف نَدِى مَن لا شَرِبَ ولا أكل، ولا صاح فاستهل، أليس دمُه قد يُطَل؟ فقال ﵊:
стр. 239
"أسجاعة كسجاعة الجاهلية؟ " وفي بعضها - أي الروايات" "أسجعا كسجع الكهان؟ ".
"والذي يقدرونه أنه سجع فهو وهم، لأنه قد يكون في الكلام على مثال السجع وإن لم يكن سجعاً. لأن السجع يتبع المعنى فيه اللفظَ الذي يؤدى السجع، وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن، لأن اللفظ يقع فيه تابعاً للمعنى. وفصلَ بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود إليه، وبين أن يكون المعنى منتظماً دون اللفظ. ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع كان مستجلبا لتحسين الكلام دون تصحيح المعنى. . .
"ثم إن سلَّم لهم مُسلَّم موضعاً أو مواضع معدودة، وزعم أن وقوع ذلك موقع الاستراحة في الخطاب إلى الفواصل لتحسين الكلام بها - وهي الطريقة التي يباين بها القرآن سائر الكلام - وزعم أن الوجه في ذلك أنه من الفواصل، أو زعم أن ذلك وقع غير مقصود إليه، فإن ذلك إذا اعترض الخطاب لم يُعد سجعاً، على ما قد بَيَّنا في القليل من الشعر كالبيت الواحد والمصراه والبيتين من الرجز ونحو ذلك، يعرض فيه فلا يقال إنه شعر، لأنه لا يقع مقصوداً إليه مإنما يقع مغموراً في الخطاب، وكذلك حال السجع الذي يزعمونه ويقدرونه. . .
"ويقال لهم: لو كان الذي في القرآن، على ما تقدرونه، سجعاً لكان مذموماً مرذولاً، لأن السجع إذا تفاوتت أوزانه واختلفت طرقه كان قبيحاً من الكلام. وللسجع منهج مرتب محفوظ وطريق مضبوط، متى أخل به المتلكم وقع الخلل في كلامه وُسب إليه الخروج عن الفصاحة، كما أن الشاعر إذا خرج عن الوزن المعهود كان مخطئاً وكان شعره مرذولاً، وربما أخرجه ذلك عن كونه شعراً.
"وقد علمنا أن بعض ما يدعونه سجعاً متقارب الفواصل متداني المقاطع
стр. 240
وبعضها مما يتضاعف طوله وترد الفاصلة على ذلك الوزن الأول بعد كلام كثير، وهذا في السجع غير مُرضٍ ولا محمود.
"فإن قيل: متى خرج السجع المعتدل إلى نحو ما ذكرتموه، خرج من أن يكون سجعاً وليس على المتكلم أن يكون كلامه كله سجعاً، بل يأتي به طوراً ثم يعدل عنه إلى غيره، ثم قد يرجع إليه،
"قيل: متى وقع أحد مصراعي البيت مخالفاً للآخر كان تخليطاً وخبطاً. وكذلك متى اضطرب أحد مصراعي الكلام المسجّضع وتفاوت، كان خبطاً. وقد عُلم أن فصاحة القرآن غير مذمومة في الأصل، فلا يجوز أن يقع فيها هذا النحو من الاضطراب.
"ولو كان الكلام الذي هو في صورة السجع، منه، لما تحيروا فيه، ولكانت الطباع تدعو إلى المعارضة لأن السجع غير ممتنع عليهم"
وبعد أن أطنب "الباقلاني" في الاحتجاج لنفي السجع في القرآن، بعجز العرب عن معارضته، قال:
"فبَاَنَ بما قلنا أن الحروف التي وقعت في الفواصل متناسبة موقع النظائر التي تقع في الاسجاع، لا يخرجها عن حَدَّها ولا يدخلها في باب السجع.
"ولابد لمن جوَّز السجع فيه وسلك ما سلكوه، من أن يُسلم بما ذهب إليه (النظام، وعباد بن سليمان، وهشام القوطي) ويذهب مذهبهم في أنه "ليس في نظم القرآن وتأليفه إعجاز، وأنه يمكن مع معارضته وإنما صُرفوا عنه ضرباً من الصرف" ويتشمن كلامه تسليم الخبط في طريقة النظم، وأنه منتظم من فرق شتى ومن أنواع مختلفة ينقسم إليها خطابهم ولا يخرج عنها، ويستهين ببديع نظمه وعجيب تأليفه الذي وقع التحدي إليه. وكيف يعجزهم الخروج عن السجع والرجوع إليه، وقد علمنا عادتهم في خُطبهم وكلامهم، أنهم كانوا لا يلزمون أبداً
стр. 241
طريقة السجع والوزن، بل كانوا يتصرفون في أنواع مختلفة؟ فإذا ادعوا على القرآن مثل ذلك، لم يجدوا فاصلة بين نظمى الكلام".
ويوشك "الباقلاني" في احتجاجه لنفي السجع في القرآن، أن يسلم بقدر منه فيه مما سماه السجع المعتجل، وهذا القدر لا يكفي عنده لحمله على السجع، كما لا يكفي وجود شطر أو بيت وبيتين من الشعر والرجز في الكلام ليكون شعراً.
ولا يبدو لنا قوياًَ واضحاً، وجهُ تفريقه بين الفواصل والسجع، من حيث تفاوتُ المقاطع طولاً وقُصراً.
وليس حتماً على من جَوَّز السجع في القرآن، أن يسلم كما قال الباقلاني بمذهب أصحاب الاعتزال في الإعجاز بالصرفة، فالمعتزلة أنفسهم نفوا السجع عن القرآن نفياً باتاً، واحتج منهم "علي بن عيسى الرماني" لهذا النفي بأقوى مما احتج به الأشاعرة، وعدَّ الفواصل القرآنية من وجوه الإعجاز البلاغي للقرآن، مميزاً بينها وبين الأسجاع تمييزاً واضحاً.
ففي رسالته (النكت في إعجاز القرآن) عقد باباً خاصاً للفواصل، عرفها فيه بأنها "حروف متشاكلة في المقاطع، توجب إفهام المعاني" ثم استطرد شارحاً: "والفواصل بلاغة والأسجاع عيب. وذلك أن الفواصل تابعة للمعاني، وأما الأسجاع فالمعاني تابعة لها، وهو قلب ما توجبه الحكمة في الدلالة، إذ كان الغرض الذي هو حِكمة، إنما هو الإبانة عن المعاني التي إليها الحاجةُ ماسَّةٌ. فإذا كانت المشاكلة وصلة إليه فهي بلاغة، وإذا كانت المشاكلة على خلاف ذلك فهو عيب ولُكنة. . .
"وفواصل القرآن كلها بلاغة وحكمة، لأنه طريق إلى إفهام المعاني التي يحتاج إليها في أحسن صورة يدل بها عليها. وإنما أُخِذَ السجع في الكلام من سجع الحمامة، وذلك أنه ليس فيه إلا الأصوات المتشاكلة، إذ كان المعنى لَمَّا تُكُلَّفَ من
стр. 242
غير وجه الحاجة إليه والفائدة فيه لم يُعتد به، فصار بمنزلة ما ليس فيه إلا الأصوات المتشاكلة"
والفواصل عند "الرماني" علة وجهين:
أحدهما على الحروف المتجانسة، كآيات:
﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾
﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾
والآخر، على الحروف المتقاربة كالميم والنون في مثل:
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾
والدال والباء، في مثل:
﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾
فالعبرة عند "الرماني" بالمعنى، وإن لم يمتنع عنده أن يكون للجرس اللفظي وائتلاف الإسقاع حظه من التقدير أو كما قال في ختام الباب:
"والفائدة في الفواصل دلالتها على المقاطع، وتحسينها الكلام بالتشاكل، وإبداؤها في الآى بالنظائر".
* * *
لكن أكثر البلاغيين لم يطمئنوا مع ذلك إلى هذه التفرقة بين الفواصل والأسجاع وإن أجمعوا على الإقرار بإعجاز النظم القرآنر.
فابو هلال العسكري - ٣٥٩ هـ - يصرح في (الصناعتين) بأن جميع ما في القرآن مما يجرى على التسجيع والازدواج، مخالف في تمكين المعنى وصفاء اللفظ وتضمنه الطلاوة والماء، لا يجرى مجراه من كلام الخلق. . . ألا ترى قوله عن اسمه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ قد بان عن جميع أقسامهم الجارية هذا المجرى.
стр. 243
ولهذا ما قال النبي ﷺ لرجل قال له: أَنَدِى مَنْ لا شَرِبَ ولا أكل، ولا صاح فاستهلّ! : "أسجعا كسجع الكهان؟ " لأن التكلف في. سجعهم فاش. ولو كرهه ﵊ لكونه سجعاً لقال: أسجعاً؟ ثم سكت. وكيف يذمه ويكرهه، وإذا سلم من التكلف وبرئ من التعسف لم يكن في جميع صنوف الكلام أحسن منه؟ ".
فالقضية عند أبي هلال ليست قضية فواصل واسجاع بل سجع بليغ وآخر متكلف مستكره. وكذلك هي عند عبد القاهر الجرجاني - ٤٧١ هـ - في (أسرار البلاغة) لا يقبل من النظم ما جاء "لنصرة السجع وطلب الوزن. . . وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيساًَ مقبولاً ولا سجعاً حسنا حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق نحوه، وحتى لا تبتغي به بدلاً ولا تدج عنه حِوَلا. . . ".
و"أبو هلال" وإن صرح بوجود السجع والازدواج في القرآن، لم يعرض للخرف في القضية عرضاً مباشراً، كما فعل "ابن الخفاجي - ٤٦٦ هـ" الذي تصدى للرد على من نفوا السجع عن القرآن وفرقوا بينه وبين الفواصل. قلا:
". . . وأما الفواصل التي في القرآن فإنهم سموها فواصل ولم يسموها أسجاعاً. . . وفرقوا فقالوا: إن السجع هو الذي يُقصد في نفسه ثم يُحْمَلُ المعنى عليه، والفواصل التي تتبع المعاني ولا تكون مقصودة في أنفسها. وقال "علي بن عيسى الرماني": إن الفواصل بلاغة والسجع عيب. وعلل ذلك بما ذكرناه من أن السجع تتبعه المعاني والفواصل تتبع المعاني. وهذا غير صحيح.
"والذي يجب أن يحرر فذ لك أن يقال: إن الأسجاع حروف متماثلة في مقاطع الفصول. والفواصل على ضربين، ضرب يكون سجعاً وهو ما تماثلت حروفه في المقاطع. وضرب لا يكون سجعاً وهو لمِا تقابلت حروفه في المقاطع ولم تتماثل. ولا يخلو كل واحد من هذين القسمين - التماثل والتقارب - من أن
стр. 244
يكون يأتي طوعاً سهلاً وتابعاً للمعاني، وبالضد من ذلك حتى يكون متكلفاً يتبعه المعنى. فإن كان من القسم الأول فهو المحمود الدال على الفصاحة وحسن البيان، وإن كان من النوع الثاني فهو مذموم مرفوض.
"فأما القرآن فلم يرد فيه إلا ما هو من القسم الأول المحمود لعُلوَّه في الفصاحة، وقد وردت فواصل متماثلة"
- ذكر منها آيات: طه، والطور، والعاديات، والفجر. ونص على أن الياء حذفت فيها، من: يسر (ى) الواد (ى) طلباً للموافقة في الفواصل. وكذلك الآيات الولى من سورة القمر. ثم قال:
"وجميع هذه السورة - القمر - هذا الازدواج. وهذا جائز أن يسمى سجعاً لأن فيه معنى السجع، ولا مانع في الشرع يمنع ذلك"
وأما مثال الفواصل المتقاربة فذكر منها، كالرمانى، آيات الفاتحة وأوائل سورة ق، ثم قال:
"وهذا لا يسمى سجعاً. لأنا قد بينا أن السجع ما كانت حروفه متماثله. فأما قول الرومانى: "إن السجع عيب والفواصل بلاغة" على الإطلاق، فغلط: لأنه إن أراد بالسجع ما يكون تابعاً للمعنى وكأنه غير مقصود، فذلك بلاغة والفواصل مثله. وإن كان يريد بالسجع ما تقع المعاني تابعة له وهو مقصود متكلف، فذلك عيب والفواصل مثله. وكما يعرض التكلف في السجع عند طلب تماثل الحروف، كذلك يعرض في الفواصل عند تقارب الحروف"
ونبه "الخفاجي" إلى ملحظ دقيق من كراهية تسمية الفواصل القرآنية المتماثلة سجعاً فقال: "وأظن أن الذي دعا اصحابنا إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل، ولم يسموا ما تماثلت حروفه سجعاً، رغبة في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق
стр. 245
بغيره من الكلام المروي عن الكهنة وغيرهم. وهذا غرض في التسمية قريب، فأما الحقيقة فما ذكرناه".
وكذلك لم ير "ابن الأثير الضياء أبو الفتح - ٦٣٧ هـ - في (المثل السائر) وجهاً لذم السجع على الإطلاق، ونفيه عن القرآن جمبة، ولا تكاد تخلو سورة من السور من السجع البليغ.
وإنما المنكر أن يأتي الكلام على مثل سجع الكهان.
وقد عرض للقضية بتفصيل في مبحث "الصناعة اللفظية" في أول كتابه (المثل السائر قال: "أعلم أن صناعة تأليف الألفاظ إلى ثمانية أنواع هي: السجع، ويختص بالكلام المنثور.
والتصريع، ويختص بالكلام المنظوم وهو داخل في باب السجع والتجنيس، وهو يعم الجنسين أيضاً. والموازنة، وتختص بالكلام المنثور، واختلاف صيغ الألفاظ، وهو يعم القسمين جميعاً، وتكرير الحروف، كذلك.
"النوع الأول المسجع، وحَدُّه أن يقال: تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد. وقد ذمه بعض أصحابنا من أرباب هذه الصناعة، ولا أرى لذلك وجهاً سوى عجزهم أن يأتوا به، وإلا فلو كان مذموماًَ لما ورد في القرآن الكريم، فإنه قد أتى منه بالكثير حتى إنه ليؤتى بالسورة جميعاً مسحوعة، كسورة الرحمن وسورة القمر وغيرهما. وبالجملة فلم تخل منه سورة من السور.
"وقد ورد على هذا الأسلوب من كلام النبي ﷺ شيء كثير أيضاً. . . فإن قيل: إن النبي ﷺ قال لبعضهم منكراً: "أسجعاً كسجع الجاهلية. أو" كسجع الكهان" ولولا أن السجع مكروه لما أنكره النبي ﷺ ، فالجواب عن ذلك أنا نقول: لو كره النبي - صلى الله عليه
стр. 246
وسلم - السجع مطلقاً لقال "أسجعاً؟ " ثم سكت.. فلما قال: "أسجعاً كسجع الكهان" صار المهنى معلقاً على أمر وهو إنكار الفعل لم كان على هذا الوجه. فعُلم أنه إنما ذم من السجع ما كان مثل سجع الكهان لا غير، وأنه لم يذم السجع على الإطلاق، وقد ورد في القرآن الكريم. وهو، ﷺ ، قد نطق به في كثير من كلامه حتى إنه غيَّر الكلمة عن وجهها إتباعاً لها بأخواتها من أجل السجع، فقال لابن بنته ﵉: "أعيذه من الهامة والسامَّة، وكل عين لأمة".
وإنما أراد "ملمة" لأن الأصل فيها من: أَلَّم فهو مُلِمّ. وكذلك قوله ﵊: "ارجعن مأزورات غير مأجورات" وإنما أراد: موزورات من الوز، فقال: مأزورات، لمكان "مأجورات" طلباً للتوازن والسجع. وهذا مما يدلك على فضيلة السجع.
"على أن هذا الحديث النبوي الذي يتضمن إنكار سجع الكهان، عندي فيه نظر، فإن الوهم يسبق إلى إنكاره، يقال: فما سجع الكهان الذي يتعلق الإنكار به ونهى عنه رسول الله ﷺ ؟
والجواب عن ذلك: أن النهي لم يكن عن السجع نفسه وإنما النهي عن حكم الكاهن الوارد باللفظ المسجوع. ألا ترى لما أمر رسول الله ﷺ في دية الجنين بِغرّة: عبد أو أمَة، قال الرجل: أأّدِى من لا شرب ولا أكل، ولا نطق فاستهل، ومثل ذلك يُطَلّ؟ فقال رسول الله ﷺ : "أسجعاً كسجع الكهان"؟
"فالسجع إذن ليس بمنهي عنه، وإنما المنهي عنه هو الحكم المتبوع في قول
стр. 247
الكاهن. . . أي: أحُكماً كحكم الكهان. . .؟ وإلا فالسجع الذي أتى الرجلُ لا بأس به، وكلامه حسن من حيث السجع، وليس بمنكر لنفسه وإنما المنكر هو الحكم الذي تضمنه في امتناع الكاهن أن يَدِى الجنين. . .
"واعلم أن الأصل في السجع إنما هو الاعتدال في مقاطع الكلام. ومع هذا فليس الوقوف في السجع عند الاعتدال فقط، ولا عند تواطؤ الفواصل على حرف واحد، إذ لو كان في ذلك هو المراد من السجع لكان كل أديب سجَّاعاً، وما من أحد منهم، ولو شدا شيئاً يسيراً من الأدب، إلا ويمكنه أن يؤلف ألفاظاً مسجوعة ويأتي بها في كرمه، بل ينبغي أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة حادة طنانة رنانة، لا غثة ولا باردة. وأعني بقولي: غثة باردة، أن صاحبها يصرف نظره إلى السجع نفسه من غير نظر إلى مفردات الألفاظ المسجوعة وما يشترط لها من الحسن، ولا إلى تركيبها وما يشترط له من الحسن. . .
"وهذا مقام تزل عنه الأقدام ولا يستطعيه إلا الواحد من أرباب هذ الفن بعد الواحد. ومن أجل ذلك كان أربابه قليلاً.
"فإذ صفى الكلام المسجوع من الغثاثة والبرد، فإن وراء ذلك مطلوباً آخر وهو أن يكون اللفظ فيه تابعاً للمعنى، لا أن يكون المعنى تابعاًُ للفظ فإنه يجئ عند ذلك كظاهر مُمَوَّهٍ على باطن مشوَّه، ويكون مثله كغِمدٍ من ذهب على نصل من خشب. وكذلك يجرى الحكم على الأنواع الباقية، من التجنيس والترضيع وغيرهما" ولخص "ابن الأثير" مذهبه في السجع البليغ فحدد له شرائطاً أربعا: اختيار مفردات الألفاظ، واختيار التركيب، وأن يكون اللفظ تابعاً للمعنى، وأن تكون كل من الفقرتين المسجوعتين دالة على معنى غير الذي دلَّت عليه أختها، فهذه شرائط أربع لابد منه للسجع البليغ.
و"ابن أبي الإصبع" البلاغي المصري - ت: ٦٥٤ هـ - لا يبدو في كتابه
стр. 248
(بديع القرآن) مستقراً على رأي في الموضوع: فهو في باب "ائتلاف الفاصلة مع ما يدل عليه سائر الكلام" - وهذا الباب عنده من مخترعات قدامة بن جعفر، وسماه مَنْ بعده: (التمكين) - يقول ما نصه: "وكل مقاطع آي الكتاب العزيز لا تخلو من أن تكون أحد الأقسام الأربعة - لائتلاف الفاصلة، وهي: التمكين، والتصدير، والتوشيح، والإيغال - ولهذا تسمى مقاطعة فواصل لا سجعاً ولا قوافي، لاختصاص القوافي بالشعر، والسجع بالمنافرة، مأخوذ من سجع الطائر" فتفهم من هذا، أنه مع الذين تفوا وجود السجع في القرآن. لكنه لا يلبث في "باب التسجيع" أن يعده فناً من بديع القرآن، ويستشهد لضَرببيه - المتماثل والمتقارب - بالآيات الأولى من سورة "ق" وسورة "الرحمن" وكأنه تحاشى القول صراحة بالسجع في القرآن، ثم لما وصل إلى باب التسجيع، شق عليه ألا يقدم نماذجه العليا من الفواصل القرآنية، في (بديع القرآن) .
و"يحيى بن حمزة العلوي" - ت: ٧٤٩ هـ - في باب "التسجيع" من كتابه (الطراز، المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز) لم يفرق بين الأسجاع والفواصل، ولا اعتد بقول الذين نفوا السجع في القرآن. والتسجيع عنده: "من علوم البلاغة، كثير التدوار عظيم الاستعمال في ألسنة البلغاء، ويقع في الكلام المنثور. وهو في مقابل التصريع، في الكلام المنظور الموزون في الشعر. ومعناه في ألسنة علماء البيان: اتفاق الفواصل في الكلام المنثور، في الحرف، أو في الوزن، أو في مجموعهما".
стр. 249
وواضح من مسلكه في الاستشهاد لكل ضرب من ضروب التسجيع بىيات قرآنية، أنه على مذهب الذين قالوا بوجود السجع في القرآن، ولا فرق عندهم بينه وبين الفواصل. قال يبين أنواع التسجيع:
"فإن اتفقت الأعجاز في الفواصل مع اتفاق الوزن، سُمَّى المتوازي كقوله تعالى:
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ - سورة الغاشية.
وإن اتفقا في الأعجاز من غير وزن، سُمي المُطَرَّق كقوله تعالى:
﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ - سورة نوح
وإن اتفقا في الوزن دون الحرف، سُمَّى المتوازن، كقوله تعالى:
﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ - سورة الغاشية
وفصَّل "ابن حمزة" القول في حكم التسجيع مع الحديث المروي في كراهة سجع الكهان، فقال:
"وفيه مذهبان: الأول جوازه وحُسنُه، وهذا هو الذي عول عليه علماء أهل البيان. والحجة على ذلك هي أن كتاب الله تعالى والسنة النبوية وكلام أمير المؤمنين، مملوء منه. فلو كان مستكرهاً لما ورد في هذا الكلام البالغ في الفصاحة كل مبلغ. ولأجل كثرته في ألسنة الفصحاء لا يكاد بليغ من البلغاء يرتجل خطبة ولا يحرر موعظة إلا ويكون أكثره مبنياً على التسجيع في أكثره. وفي هذا دلالة قاطعة على كونه مقبولاً مستعملاً على ألسنة الفصحاء في المقامات المشهورة والمحافل المعهودة.
"المذهب الثاني: استكراهه. وهذا شيء حكاه ابن الأثير ولم أعرف قائله ولا وجدته فيما طالعت من كتب البلاغة. ولعل الشبهة لهم في استكراهه ما ورد عن الرسول ﷺ ، لما أوْجَبَ في (دية) الجنين غُرَّةً، عبداً أو أمَة.
стр. 250
فقال الذي أوجبها عليه: كيف تِدى من لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل ومثلُ ذلك يُطَلُّ؟
"والجواب أنا نقول: إنه لم ينكر السجع مطلقاً، وإنما أنكر سجعاً مخصوصاً وهو سجع الكهان لأن أكثر أخبارهم عن الأمور الكونية والأوهام الظنية، على جهة السجع وتطابق أعجاز الألفاظ.
"والمختار: قبولُه. ولو لم يكن جائزاً في البلاغة لما أتى في أفصح كلام وهو التنزيل. ولما جاء في كلام سيد البشر وكلام أمير المؤمنين. لأن هذه هي أعظم الكلام بلاغة وأدخلها في الفصاحة فلا يمكن ترك هذا الأسلوب من الكلام لقصَّة عارضةٍ من جهة الرسول ﷺ يمكن حملُها على وجه لائق كما أشرنا إليه"
وفي بيان السجع البليغ المقبول، اشترط مثل ما اشترط "ابن الأثير" - ويمثل عبارته، وعلى نفس الترتيب - من الاعتدال مع شرائط أربع:
"أن تكون الألفاظ حلوة المذاق رطبة طنانة، صافية على السماع طيبة رنانة، وجوده التركيب وحسنة، وأن تكون الألفاظ في تركيبها تابعة لمعناها، ولا يكون المعنى فيها تابعاً لألفاظ فيكون ظاهرة التمويه وباطنُه التشويه، ويصير مثاله كمثال عمد من ذهب على نصب من خشب.
"وأن تكون كل واحدة من السجعتين دالة على معنى حسن بانفراده، مغاير للمعنى الذي دلت عليه الأخرى. فهذه الشرائط الأربع لابد من اعتبارها في كل كلام مسجوع".
* * *
وأراني أطلت في عرض أقوال السلف في الفواصل القرآنية والسجع، توطئة لتدبر أسرار التعبير في هذه الظاهرة الأسلوبية اللافتة، من البيان المعجز
следующие страницы →