← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12759

الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق

عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ

Полный текст (584 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وسلم - السجع مطلقاً لقال "أسجعاً؟ " ثم سكت.. فلما قال: "أسجعاً كسجع الكهان" صار المهنى معلقاً على أمر وهو إنكار الفعل لم كان على هذا الوجه. فعُلم أنه إنما ذم من السجع ما كان مثل سجع الكهان لا غير، وأنه لم يذم السجع على الإطلاق، وقد ورد في القرآن الكريم. وهو، ﷺ ، قد نطق به في كثير من كلامه حتى إنه غيَّر الكلمة عن وجهها إتباعاً لها بأخواتها من أجل السجع، فقال لابن بنته ﵉: "أعيذه من الهامة والسامَّة، وكل عين لأمة". وإنما أراد "ملمة" لأن الأصل فيها من: أَلَّم فهو مُلِمّ. وكذلك قوله ﵊: "ارجعن مأزورات غير مأجورات" وإنما أراد: موزورات من الوز، فقال: مأزورات، لمكان "مأجورات" طلباً للتوازن والسجع. وهذا مما يدلك على فضيلة السجع. "على أن هذا الحديث النبوي الذي يتضمن إنكار سجع الكهان، عندي فيه نظر، فإن الوهم يسبق إلى إنكاره، يقال: فما سجع الكهان الذي يتعلق الإنكار به ونهى عنه رسول الله ﷺ ؟ والجواب عن ذلك: أن النهي لم يكن عن السجع نفسه وإنما النهي عن حكم الكاهن الوارد باللفظ المسجوع. ألا ترى لما أمر رسول الله ﷺ في دية الجنين بِغرّة: عبد أو أمَة، قال الرجل: أأّدِى من لا شرب ولا أكل، ولا نطق فاستهل، ومثل ذلك يُطَلّ؟ فقال رسول الله ﷺ : "أسجعاً كسجع الكهان"؟ "فالسجع إذن ليس بمنهي عنه، وإنما المنهي عنه هو الحكم المتبوع في قول

стр. 247

الكاهن. . . أي: أحُكماً كحكم الكهان. . .؟ وإلا فالسجع الذي أتى الرجلُ لا بأس به، وكلامه حسن من حيث السجع، وليس بمنكر لنفسه وإنما المنكر هو الحكم الذي تضمنه في امتناع الكاهن أن يَدِى الجنين. . . "واعلم أن الأصل في السجع إنما هو الاعتدال في مقاطع الكلام. ومع هذا فليس الوقوف في السجع عند الاعتدال فقط، ولا عند تواطؤ الفواصل على حرف واحد، إذ لو كان في ذلك هو المراد من السجع لكان كل أديب سجَّاعاً، وما من أحد منهم، ولو شدا شيئاً يسيراً من الأدب، إلا ويمكنه أن يؤلف ألفاظاً مسجوعة ويأتي بها في كرمه، بل ينبغي أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة حادة طنانة رنانة، لا غثة ولا باردة. وأعني بقولي: غثة باردة، أن صاحبها يصرف نظره إلى السجع نفسه من غير نظر إلى مفردات الألفاظ المسجوعة وما يشترط لها من الحسن، ولا إلى تركيبها وما يشترط له من الحسن. . . "وهذا مقام تزل عنه الأقدام ولا يستطعيه إلا الواحد من أرباب هذ الفن بعد الواحد. ومن أجل ذلك كان أربابه قليلاً. "فإذ صفى الكلام المسجوع من الغثاثة والبرد، فإن وراء ذلك مطلوباً آخر وهو أن يكون اللفظ فيه تابعاً للمعنى، لا أن يكون المعنى تابعاًُ للفظ فإنه يجئ عند ذلك كظاهر مُمَوَّهٍ على باطن مشوَّه، ويكون مثله كغِمدٍ من ذهب على نصل من خشب. وكذلك يجرى الحكم على الأنواع الباقية، من التجنيس والترضيع وغيرهما" ولخص "ابن الأثير" مذهبه في السجع البليغ فحدد له شرائطاً أربعا: اختيار مفردات الألفاظ، واختيار التركيب، وأن يكون اللفظ تابعاً للمعنى، وأن تكون كل من الفقرتين المسجوعتين دالة على معنى غير الذي دلَّت عليه أختها، فهذه شرائط أربع لابد منه للسجع البليغ. و"ابن أبي الإصبع" البلاغي المصري - ت: ٦٥٤ هـ - لا يبدو في كتابه

стр. 248

(بديع القرآن) مستقراً على رأي في الموضوع: فهو في باب "ائتلاف الفاصلة مع ما يدل عليه سائر الكلام" - وهذا الباب عنده من مخترعات قدامة بن جعفر، وسماه مَنْ بعده: (التمكين) - يقول ما نصه: "وكل مقاطع آي الكتاب العزيز لا تخلو من أن تكون أحد الأقسام الأربعة - لائتلاف الفاصلة، وهي: التمكين، والتصدير، والتوشيح، والإيغال - ولهذا تسمى مقاطعة فواصل لا سجعاً ولا قوافي، لاختصاص القوافي بالشعر، والسجع بالمنافرة، مأخوذ من سجع الطائر" فتفهم من هذا، أنه مع الذين تفوا وجود السجع في القرآن. لكنه لا يلبث في "باب التسجيع" أن يعده فناً من بديع القرآن، ويستشهد لضَرببيه - المتماثل والمتقارب - بالآيات الأولى من سورة "ق" وسورة "الرحمن" وكأنه تحاشى القول صراحة بالسجع في القرآن، ثم لما وصل إلى باب التسجيع، شق عليه ألا يقدم نماذجه العليا من الفواصل القرآنية، في (بديع القرآن) . و"يحيى بن حمزة العلوي" - ت: ٧٤٩ هـ - في باب "التسجيع" من كتابه (الطراز، المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز) لم يفرق بين الأسجاع والفواصل، ولا اعتد بقول الذين نفوا السجع في القرآن. والتسجيع عنده: "من علوم البلاغة، كثير التدوار عظيم الاستعمال في ألسنة البلغاء، ويقع في الكلام المنثور. وهو في مقابل التصريع، في الكلام المنظور الموزون في الشعر. ومعناه في ألسنة علماء البيان: اتفاق الفواصل في الكلام المنثور، في الحرف، أو في الوزن، أو في مجموعهما".

стр. 249

وواضح من مسلكه في الاستشهاد لكل ضرب من ضروب التسجيع بىيات قرآنية، أنه على مذهب الذين قالوا بوجود السجع في القرآن، ولا فرق عندهم بينه وبين الفواصل. قال يبين أنواع التسجيع: "فإن اتفقت الأعجاز في الفواصل مع اتفاق الوزن، سُمَّى المتوازي كقوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ - سورة الغاشية. وإن اتفقا في الأعجاز من غير وزن، سُمي المُطَرَّق كقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ - سورة نوح وإن اتفقا في الوزن دون الحرف، سُمَّى المتوازن، كقوله تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ - سورة الغاشية وفصَّل "ابن حمزة" القول في حكم التسجيع مع الحديث المروي في كراهة سجع الكهان، فقال: "وفيه مذهبان: الأول جوازه وحُسنُه، وهذا هو الذي عول عليه علماء أهل البيان. والحجة على ذلك هي أن كتاب الله تعالى والسنة النبوية وكلام أمير المؤمنين، مملوء منه. فلو كان مستكرهاً لما ورد في هذا الكلام البالغ في الفصاحة كل مبلغ. ولأجل كثرته في ألسنة الفصحاء لا يكاد بليغ من البلغاء يرتجل خطبة ولا يحرر موعظة إلا ويكون أكثره مبنياً على التسجيع في أكثره. وفي هذا دلالة قاطعة على كونه مقبولاً مستعملاً على ألسنة الفصحاء في المقامات المشهورة والمحافل المعهودة. "المذهب الثاني: استكراهه. وهذا شيء حكاه ابن الأثير ولم أعرف قائله ولا وجدته فيما طالعت من كتب البلاغة. ولعل الشبهة لهم في استكراهه ما ورد عن الرسول ﷺ ، لما أوْجَبَ في (دية) الجنين غُرَّةً، عبداً أو أمَة.

стр. 250

فقال الذي أوجبها عليه: كيف تِدى من لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل ومثلُ ذلك يُطَلُّ؟ "والجواب أنا نقول: إنه لم ينكر السجع مطلقاً، وإنما أنكر سجعاً مخصوصاً وهو سجع الكهان لأن أكثر أخبارهم عن الأمور الكونية والأوهام الظنية، على جهة السجع وتطابق أعجاز الألفاظ. "والمختار: قبولُه. ولو لم يكن جائزاً في البلاغة لما أتى في أفصح كلام وهو التنزيل. ولما جاء في كلام سيد البشر وكلام أمير المؤمنين. لأن هذه هي أعظم الكلام بلاغة وأدخلها في الفصاحة فلا يمكن ترك هذا الأسلوب من الكلام لقصَّة عارضةٍ من جهة الرسول ﷺ يمكن حملُها على وجه لائق كما أشرنا إليه" وفي بيان السجع البليغ المقبول، اشترط مثل ما اشترط "ابن الأثير" - ويمثل عبارته، وعلى نفس الترتيب - من الاعتدال مع شرائط أربع: "أن تكون الألفاظ حلوة المذاق رطبة طنانة، صافية على السماع طيبة رنانة، وجوده التركيب وحسنة، وأن تكون الألفاظ في تركيبها تابعة لمعناها، ولا يكون المعنى فيها تابعاً لألفاظ فيكون ظاهرة التمويه وباطنُه التشويه، ويصير مثاله كمثال عمد من ذهب على نصب من خشب. "وأن تكون كل واحدة من السجعتين دالة على معنى حسن بانفراده، مغاير للمعنى الذي دلت عليه الأخرى. فهذه الشرائط الأربع لابد من اعتبارها في كل كلام مسجوع". * * * وأراني أطلت في عرض أقوال السلف في الفواصل القرآنية والسجع، توطئة لتدبر أسرار التعبير في هذه الظاهرة الأسلوبية اللافتة، من البيان المعجز

стр. 251

وقد رأينا كيف تباعدت بهم السبل بين الطرفين المتقابلين: ففي البيئة الكلامية اختلفت الفرق الإسلامية بين نفي السجع في القآن نفياً باتاً، والقول بوجوده في النظم القرآني، وعَدَّه من وجوه إعجازه. وفي البيئة اللغوية والبلاغية، اتسع الخلاف بين مذهب "الفراء" في أن السجع في القرآن مقصود إليه لذاته، وأنه ربما عدل عن نسق إلى آخر وآثر لفظاً على غيره في معناه، قصداً إلى المشاكلة والتوافق بين رءوس الآيات. وبين من أنكروا، كابن سنان الخفاجي وابن الأثير، أن تكون معاني الفواصل القرآنية تابعة للألفاظ. ورأينا من علماء السلف من فرقوا بين الفواصل والأسجاع، كالقاضي الباقلاني وعلي بن عيسى الرماني. وإن لم ير أكثر البلاغيين فرقاً بين الفواصل والسجع، وعندهم أن الأمر في هذه التفرقة، ليس إلا كراهة القول بالسجع في القرآن، بعد أن شاع إطلاقه على سجع الكهان. * * *

стр. 252

وما نزال نجد جفوة تجاه لفظ السجع، لطول ما ابتذلته الصنعة اللفظية في الزخرف البديعي، في أساليب العصور المتأخرة، بعد أن التزمه الكهان في العصر الجاهلي. ومن ثم نؤثر أن نمضي على تسمية مقاطع الآيات في القرآن بالفواصل، وهو الذي جرى عليه أكثر المفسرين. وبعد الذي سُقناه من خلافهم، يكون من المجدي في القضية، أن نتدبر الفواصل القرآنية، لنرى ما إذا كان البيان الأعلى يتعلق في فاصلة منها بمجرد رعاية شكلية للرونق اللفظي، أو أن فواصله تأتي لمقتضيات معنوية، مع نسق الإيقاع بهذه الفواصل، وائتلاف الجرس لألفاظها التي اقتضها المعاني على نحو تتقاصر دونه بلاغة البلغاء؟ وأختار هنا شواهد من الفواصل التي مال "الفراء" ومن ذهب مذهبه، إلى حملها على قصد المشاكلة اللفظية بين رءوس الآيات، بإيثار نسق على آخر، أو العدول عن لفظ إلى غيره في معناه. دون أن يحتاطوا لدفع وهم الإطلاق، والتعميم، بذكر المقتضى المعنوي للفواصل المرعية. ننظر، مثلاً، في هذه الفواصل القرآنية: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ذهب "الفراء" إلى أن القرآن جرى فيها على طرح كاف الخطاب من: قلاك، اكتفاء بالكاف الأولى - في: ودعك - ولمشاكلة رءوس الآيات.

стр. 253

وعدّ "الفخر الرازي" من وجوه حذف الكاف رعاية الفاصلة. ومثله "النيسابورى" في تفسيره لآيات الضحى، ونظائرها. ولو كان البيان القرآني يتعلق بهذا الملحظ اللفظي فحسب، لما عدل عن رعاية الفاصلة في الآيات بعدها: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ وليس في السورة كلها "ثاء" فاصلة. بل لسي فيها حرف ثاء، على الإطلاق. وعلى مذهبهم، كانت الفواصل تُرعى بمثل لفظ: فخَّبْر، لمشاكلة رءوس الآيات بالعدول إلى هذا اللفظ، عن: "فحدثْ" ونرى والله أعلم، أن حذف كاف من: "وما قلى" مع دلالة السياق عليها، تقتضيه حساسية مرهفة بالغة الدقة واللطف، هي ما تحاشى خطابه رسوله المصطفى، في موقف الإيناس، بصريح القول: وما قلاك. لما في القلى من حسَّ الطرد والإبعاد وشدة البغض. وأم التوديع فلا شيء فيه من ذلك، بل لعل الحس اللغوي فيه يؤذن بأنه لا يكون وداع إلا بين الأحباب كما لا يكون توديع إلا مع رجاء العودة وأمل البقاء. وحُذفت كاف الخطاب في الفواصل بعدها، لأن السياق بعد ذلك أغنى عنها. ومتى أعطى السياق الدلالة المرادة مستغنياً عن الكاف، فإن ذكرها يكون من الفضول والحشو المنزة عنهما أعلى بيان. * * * وآيات الفجر: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ

стр. 254

قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ صرح "الفراء" في (معاني القرآن) بأن ياء العلة حذفت من: يسرِ (ى) لمشاكلة رءوس الآيات. وكذلك ذهب "ابن سنان الخفاجي" في (سر الفصاحة) إلى حذفعا وحذف باء المنقوص من: بالوادِ (ى) قصداً إلى تماثل الفواصل. لأن القاعدة عندهم، إثبات ياء العلة، في الفعل المضارع المرفوع. إثبات ياء الاسم المنقوص مجروراً ومرفوعاً، إذ اقترن بـ: ال، أو أضيف. ويكفي الرد على من ذهبوا إلى حذف الياءين في آيات الفجر، لرعاية الفاصلة، أن نذكر أن القرآن الكريم لم يقتصر على حذفهما عنا في مقاطع الآيات، ليسلم لهم القولُ بأن الحذف قصد إلى رعاية الفواصل وتماثل رءوس الآيات، وإنما حذفت ياء المصارع المرفوع المعتل الآخر، وواوه أيضاً، وباء امنقوص مضافاً ومعرفاً بأل، في أواسط الجمل ودرج الكلام. وقد عقد الإمام "أبو عمرو الداني" باب في ذكر أصول القراء الأئمة، في الياءات المحذوفة من الرسم ومنها في غير الفواصل: هود ١٠٥: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ الإسراء ١١: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ القمر ٦: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ القمر ٨: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ ق ٤١: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ النازعات ١٦: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ ومعها: القصص ٣٠، طه ١٢

стр. 255

النمل ١٨: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُون﴾ الروم ٥٣: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ البقرة ١٨٦: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي. . .﴾ الصافات ١٦٣: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ الرحمن ٢٤: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ التكوير ١٥: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ ولا مجال لقولٍ في هذه الآيات ونظائرها، بحذف ياء المنقوص المضتف أو المعروف بال، وآخر المضارع المرفوع المعتل بالواو أو الياءـ لرعاية الفواصل، ومشاكلة رءوس الآيات, وقد يسبق إلى الظن أن الياء والواو حذفتا فيها للتخلص من التقائهما ساكنتين، بساكن بعدهما، إلا أن نلتفت إلى آيات هود والبقرة والقمر، والحرف فيها غير متلو بحرف ساكن. أفلا يكون القائلون بالحذف لرعاية الفواصل قد تعجلوا بمثل هذا القول في آيات الفجر ونظائرها، محتكمين إلى قواعد اللغويين والنحاة في المعتل الآخر والمنقوص، حين ينبغي أن نعرض قواعدهم على ما يهدي إليه الاستقراء لكل مواضع الحذف والإثبات في الكتاب المحكم؟ * * * وآيتا الأعلى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ والليل: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ليست صيغة "الأعلى" معدولاً إليها فيهما عن العلىَّ لمجرد رعاية الفاصلة.

стр. 256

ولا أَريدَ بها المفاضلة بين أعلى وعال، على ما وهم بعضهم خضوعاً لأحكام اللغويين في صيغ التفضيل ودلالتها؟ وقد جَرَّ هذا الوهم إلى ما أشار إليه "افخر الرازي" من تعلق الملاحدة في "ربه الأعلى" من اقتضاء أن يكون هناك رب آخر مفضولاً في العلو، على ما يقضى به منطق التفضيل عندهم وقواعده. وذلك من عُقم الحسَّ في من يغيب عنه السر البياني في إطلاق مثل صيغة الأعلى - والعليا - دون قصد إلى مفاضلة أو ترتيب، وإنما القصد إلى المضي بالعلو إلى نهايته القصوى بغير حدود ولا قيود. وهو نفس الملحظ الدلالي لصيغ: الحسنى، واليسرى، والعسرى، والأشقى، والأتقى، في سورة "الليل" دالة على غاية الحسن واليسر والتقوى، وأقصى العسر والشقاء الذي ما بعده من شقاء. ومثلها صيغة الأكرم في آية العَلَق: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ لم يعدل فيها عن الكريم إلى الأكرم، لمجرد رعاية الفاصلة، ولا قُصد بها المفاضلة بين أكرم وكريم، على ما تأوله مفسرون، وساقوا وجوهاً عدة لأكرميته تعالى. واستقراء آياتها، يشهد بأن صيغتى الأفعل والفعلى، تفيدان الإطلاق إلى أقصى المدى، بغير حد أو قيد مفاضلة. إنما تتعين المفاضلة بذكر المفضول، مضافاً إليه أو مجروراً بحرف من، في مثل: أكثر الناس، أكثركم، أكبر من أختها، والفتنة أشد من القتل، ولا أقل من ذلك ولا أكثر. . . ووجه التفضيل في مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أنه في سياق الحديث عن مكر المخلوقين: ثمود في آية (النمل ٥٠) والكافرين من بني إسرائيل

стр. 257

(آل عمران ٥٤) والذين كفروا من قريش (الأنفال ٣٠) . وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ بآيات يونس ١٠٩، والأعراف ٨٧، ويوسف ٨٠. ومعها ﴿أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ في آيتى هود ٤٥ والتين ٨. منظور فيها إلى أن الحكم قد يكون من المخلوقين ومنه في القرآن الكريم مثل آيات: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ . . . وأما قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ فإذ لم يُنظر فيه إلى أن الخلق قد يكون من الناس - و"الراغب" في المفردات يفرق بين الخلق من الله على غير مثال، ومن الناس على مثال - فأقربُ ما يبدو لنا من وجه فيه، أن العربية لا تصوغ أفعل وفعلى، من: خَلَق فهو خالق. إنما تصوغ الأخلق من معنى: خايق. والتقييد بوجه مفاضله، في أفعل التفضيل، إنما يتعين صراحة بالتمييز في مثل: أكبر شهادة، أكثر أموالآً، أكثر جمعاً، أكثر شيء جدلاً، أزكى طعاماً، أعظم درجةً، أهدى سبيلاً. . . وذلك كله غير الإطلاق بصيغتى: الأفعل، والفعلى، إلا أن يصرح في النص بقيد تمييزٍ أو تخصص ومقارنة، كالذي في آيات: الكهف ١٠٣: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ آل عمران ١٣٩: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ معها: محمد ٣٥ الأنفال ٤٢: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾

стр. 258

الإسراء ١: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ فإذا أطلق "الأفعل، والفُعلى" من قيد ومن مفضول، خرج، والله أعلم، عن دلالة المفاضلة وخصوصية القيد، وأفاد الإطلاق غير المحدود، فذلك هو قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ ومثله: ﴿الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ في سورتى النازعات والنجم. و ﴿آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ في سورة طه. و ﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ في سورة الدخان. و ﴿الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ في سورة النازعات و ﴿النَّارَ الْكُبْرَى﴾ في سورة الأعلى. و ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ في سورتى النحل والروم.. * * * وآية الرحمن: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) . . . ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ ليست تثنية جنتين فيها مراداً بها الإفراد وعدل القرآن إليها مراعاة للنظم كما ذعهب "الفراء". وإنما السياق قبلها وبعدها على التثنية. وواضح لنا أن المراد بالآية: ولمن خاف مقام ربه، من الإنس والجان، جنتان. ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ * * * وآية التكاثر: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ تجد الصنعة البلاغية فيها أن المقابر أوثرت على القبور، للمشاكلة اللفظية بينها

стр. 259

وبين التكاثر، ويحس البلاغيون، ونحس معهم، نَسَقَ الإيقاع بها وانسجام الجرس. ولكن وراء هذا الملحظ البلاغي في النسق اللفظي، ملحظاً بيانياً اقتضاه المعنى: فالمقابر جميع مقبرة، وهي مجتمع القبولا. واستعمالها هنا هو الملائم معنوياً لهذا التكاثر، دلالة على مصير ما يتكالب عليه المتكاثرون في حطام الدنيا. . . هناك حيث مجتمع الموتى ومحتشد الرمم على اختلاف الأعمار والأجيال والطبقات. وهذه الدلالة من السعة والعموم والشمول، لا يمكن أن يقوم بها لفظ القبور جمع قبر. فبقدر ما بين قبر ومقبرة من تفاوت، يتجلى البيان القرآني في إيثار المقابر على القبور، حين يتحدث عن غاية ما يتكاثر فيها المتكاثرون على مرَّ العصور والأجيال. . . * * * ومما قالوا فيه برعاية الفاصلة، آياتُ الهمزة: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ على القول بأن الأفئدة في معنى القلوب، وعدل إليها للمشاكلة بين رءوس الآيات. ولا تترادف الأفئدة والقلوب في حس العربية المرهف، ليقال فيهما برعاية الفاصلة. بل يطلق القلب بدلالة عامة على الجهاز العضوي من أجهزة الجسم، وعلى موضع الشعور والأهواء والعقدية والوجدان. وأما الفؤاد فلا يطلق إلا بدلالة خاصة على المعنوي دون العضوي. ونحن نعرف مثلاً جراحة القلب، وأما جراحة الفؤاد فلا تدخل في نطاق الطب البشري. ونحن نأكل القلب كما نأكل الكبد والكلى، وأما الفؤاد فليس مما يؤكل أو يباع. كما نعرف قلوباً للبشر والحيوان الأعجم على اختلاف فصائله، وأما الفؤاد فللإنسان لا غير. . .

стр. 260

وبهذه الخصوصية في الدلالة المعنوية للفؤاد، جاء اللفظ مفردا وجمعاً ست عشرة مرة في القرآن الكريم، ليس فيها ما يحمل على معنى الجارحة. والقلب، وإن جاء في القرآن في المعنويات كذلك من الاطمئنان والسكينة والرحمة والتآلف والخشوع والوجل والفقه والطهر، ومع الارتياب والتقلب والخوف والاشمئزاز والقسوة والتكبر والجبروت والزيغ والمرض والإثم والغفلة والعمى، إلا أن العربية، لغة القرآن، لا تستعمل غير القلب في الدلالة الأصلية على هذا العضو من الجسم. وإذن يكون لإيثار الأفئدة على القلوب في آية الهُمزَة، مع الملحظ البلاغي من النسق اللفظي والجرس الصوتي، مقتضاه المعنوي البياني، في تخليص الأفئدة من حسِ العضوية التي يحتملها لفظ القلوب فيما ألف العرب من لغتهم. ولا نزال نستعمل القلب بمعناه العضوي في التشريح والطب وأصناف اللحوم، ولا نستعمل الفؤاد بهذه الدلالة على الإطلاق. وكذلك لا تترادف مؤصدة ومغلقة، ليقال باحتمال العدول عن أولهما إلى الآخرى رعاية للفاصلة. بل يتميز الإيصاد بخصوصية الدلالة على إحكام الإغلاق وقوة تحصينة، والعربية استعملت "الوصيد" للبيت الحصين يُتَّخذ من حجارة في الجبال، وتقول: استوصد في الجبل، أي اتخذ فيه حظيرة من حجارة. ويمثل هذا المعنى من الإيصاد المحكم، جاءت آية البلد: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ ولا رعاية فيها لفاصلة لفظية، بل المعنى من إطباق النار على أصحاب المشأمة وإحكام إيصادها، هو ما تعلق البيان الأعلى، والله أعلم. * * *

стр. 261

وآية الزلزلة: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ . قالوا فيها: "وعدىّ أوحى باللام، وإن كان المشهور تعيدتها بإلى، لمراعاة الفواصل" ونستقرئ مواضع فِعل الإيحاء في القرآن كله فلا نراه يتعدى بـ "إلى" إلا حين يكون الموحى إليه من الأحياء. يطرد ذلك في كل آيات الإيحاء بإلى، وعددها سبع وستون آية. وأما حين يكون الموحي له جماداً، فالفعل يتعدى باللام كآية الزلزلة، أو بحرف في، كما في آية فُصلت: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ ودلالة "اللام" الإيحاء المباشر على وجه النسخير، ودلالة "في" البَثُّ والملابسة. وأما الإيحاء بـ "إلى" فيأخذ دلالته الخاصة في المصطلح الدينى للوحي، إذا كان الموحى إليه من الأنبياء. وإلى غير الأنبياء، بشراً أو حيواناً يكون الإيحاء بمعنى الإلهام. وللجماد بمعنى التسخير، فلا يكون للأرض في آية الزلزة، عدولاً عن: أوحى إليها، لمراعاة الفواصل، بل التعدية باللام هنا متعينة، لأن الموحّى إليه جماد، وقد هدى الاستقراء إلى أن القرآن لا يُعدى الفعل بحرف "إلى" إلا حين يكون الموحي إليه من الأحياء. * * * وفي التقديم والتأخير، قالوا برعاية الفاصلة في مقل آية الليل: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾

стр. 262

عدل البيان القرآني فما عما هو مألوف ومتبادر من تقديم الأولى على الآخرة. وليس القصد إلى رعاية الفاصلة، هو وحده الذي اقتضى تقديم الآخرة هنا على الأولى. وإنما اقتضاه المعنى أولاً، في سياق البشري والوعيد، إذ الآخرة خير وأبقى، وعذابها أكبر وأشد وأخزى. . . وبهذا الملحظ البياني قُدمت الآخرة على الأولى في سياق البشري للمصطفى، ﵊، بآية الضحى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ كما قُدمت الآخرة على الأولى في سياق الوعيد لفرعون، بآية النازعات: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ . . . . . . . . . . . . * * * مقتضى الإعجاز أنه ما من فاصلة قرآنية لا يقتضى لفظها في سياقه، دلالة معنوية لا يؤديها لفظ سواه، قد نتدبره فنهتدي إلى سرَّه البياني. وقد يغيب نا فنْقرُّ بالقصور عن إدراكه. ولا يُظَن بي أنني أُهوَّن من قيمة التآلف اللفظي والإيقاع الصوتي لهذا النسق الباهر الذي يجتلي فيه فنيَّة البلاغة، تؤذي المعنى بأرهف لفظ وأروع تعبير وأجمل إيقاع. فالبلاغة من حيث هي فن القول، لا تفصل بين جوهر المعنى وبين أسلوب أدائه، ولا تعتد بمعان جليلة تقصر الألفاظ عن التعبير البليغ عنها، كما لا تعتد بألفاظ حميلة تضيع المعنى أو تجور عليه ليسلم لها زخرف بديعي. وهذا هو الحد الفاصل بين فنية البلاغة كما تجلوها الفواصل القرآنية بدلالتها المعنوية المرهفة ونسقها الفريد في إيقاعها الباهر، وبين ما تقدمه الصنعة البديعية من زخرف لفظي يُكرِه الكلماتِ على أن تجئ في غير مواضعها.

стр. 263

فلعل جلال الفواصل القرآنية في نسقها الفريد، يعفينا من لَدَدِ خصومةٍ بين أصحاب اللفظ وأصحاب المعنى، لا يعرفها ذوق العربية المرهف في البيان الأعلى بالكتاب العربي المبين. * * *

стр. 264

﴿لَا أُقْسِمُ﴾ ومن الظواهر الأسلوبية اللافتة في البيان القرآني، مجئ فعل القسم بعد "لا النافية" في مثل قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ . والخلاف قديم في تأويل "لا" وتوجيه القسم بعدها. قال "الفراء" يرد على قول كثير من النحويين بأنها صلة: "ولا يُبتَدأ بجحد ثم يُجعَل صلةَّ على نية الطرح فلا يُعرف خبر فيه جحد من خبر لا جحد فيه. ولكن القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث والجنة والنار، ومثل لذلك بقولك: لا والله لا أفعل ذاك؛ جعلوا لا وإن رأيتها مبتدأة، رداً لكلام قد كان مضى، ولو ألقيت "لا" مما يُنوَى به الجواب، لم يكن بين اليمين التي تكون جواباً والتي تستأنف فرق. . . " في القرن الثامن، جاء بها "ابن هشام" في باب "لا، الزائدة في الكلام لمجرد تقويته وتأكيده" ولخص أقوالهم فيها: قيل هي نافية. ثم اختلفوا في تأويل المنفي بها: منهم من قال إنها تنفي شيئاً تقدم في سورة أخرى، ففي آية القيامة أنكر المشركون البعث، فقيل لهم: لا، ليس الأمر كذلك. ثم استؤنف القسم: أقسم. ووجه هذ التأويل عندهم، أن القرآن كله كالسورة الواحدة، ولهذا يُذكر الشيء في سورة، وجوابه في سورة أخرى، ونَظَّرا لذلك بقوله تعالى:

стр. 265

﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ رداً على ما في سورة أخرى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ . . . ورَّده "أبو حيان" بأنه لا يجوز، لأن في لك حذف اسم "لا" وخبرها. وليس جواباً لسائل يسأل فيحتمل ذلك. نحو قولك: لا، لمن سأل: هلى من رجل في الدار؟ (البحر المحيط) . وقيل هي زائدة: توطئة وتمهيداً لنفي الجواب محذوفاً. وتقديره في آية القيامة: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ لا يُتْرّكون سُدَّى. ورُد هذا التأويل بأنه لا وجه لتقدير جواب، والجواب صريح في مثل: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ المعارج. ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ البلد. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ . الواقعة. وفي قولٍ إنها زيدت لمجرد التأكيد وتقوية الكلام. ونظيره عندهم، آية الحديد: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ . . . ورُدّ بأنها لا تزاد لذلك في صدر الكلام، بل تزاد حشواً. لأن زيادة الشيء تفيد اطراحه، وكونه في أول الكلام يفيد الاعتناء به. وقول ثالث: إنها ليست نافية ولا زائدى، وإنما هي لام الابتداء، أشبِعت فَتحتُها فتولدت عنها ألف، كقول الشاعر: * أعوذ بالله من العقراب *. أشبعت فتحة الراء فيها، فتولَّد عنها ألِفٌ، وإنما هي: العقرب.

стр. 266

وعلى هذا الوجه قراءة الحسن البصري، إمامها: ﴿فَلَأُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ . وقراءة هشان بن عمار الدمشقي مقرئها الإمام، لآية إبراهيم: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ . بياء بعد الهمزة، تولدت من إشباع كسرتها. ولما كانت لام الابتداء لا تدخل على الفعل، في قواعدهم، قدروا دخولها في الآية على جملة من مبتدأ وخبر: ﴿فلأنا أقسم" ثم حذف المبتدأ. وردّه "الزمخشري" بأن اللام في هذه القراءة لا تصح أن تكون لام القسم لأمرين: أحدهما: أن حقها أم يُقرن بها النون المؤكدة، والإخلال بها ضعيف قبيح. والثاني: أن سياق الآية يرشد إلى أن القسم بمواقع النجوم واقع، ومقتضى جعلها جواباً لقسم محذوف، أن تكون للاستقبال، وفعل القسم يجب أن يكون للحال. * * * وبعذ هذا كله، نرد إلى القرآن ما تنازعوا فيه. فنستبعد بادئ ذي بدء أن تكون "لا" في آيات القسم، رداً على كلام سبق في سورة أخرى، لأن هذا فضلاً عما سبق من رد أبي حيان، يقتضي القراءة على وجوب الفصل بين: لا، أقسم، لكمال الانقطاع، وكل القراءات فيها على الوصل. وتنظيرهم بقوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ رداً على ما حكى القرآن من قولهم في سورة الحِجْر: ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ؛ يرد عليه أن سورة القلم، ثانية السور في ترتيب النزول على المشهور، وسورة الحجر، ترتيبها في النزول الرابعة والخمسون!

стр. 267

وتأويل "لا أقسم" بأنها "لأقسم" أشبعت فتحة اللام فيها فتولدت عنها ألف، إذا لم يبعده رد "الزمخشري" فقد يبعده معه أن هذا الإشباع موضع إلباس بـ: لا النافية. ولا إلباس في قراءة "أفئيدة". ثم نتدبر آيات القسم في الكتاب المحكم، فيهدينا إلى اطراد مجئ آيات "لا أقسم" وضمير المتكلم فيها، لله تعالى: الواقعة ٧٥: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ الحاقة ٣٨: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ المعارج ٤٠: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ . القيامة ١: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ . التكوير ١٥: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ الانشقاق ١٦: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ البلد ١: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ . ولو يأت فعل القسم، في القرآن كله، مسنداً إلى الله تعالى. بغير "لا" هذه. كن لم تأت "لا" النافية مع فعل القسم مسنداً إلى غيره تعالى. وإنما جاءت "لا" الناهية في آية النور ﴿لَا تُقْسِمُوا﴾ وليست مما يشغلنا هنا من الظاهرة الأسلوبية "لا أقسم" في القرآن لله وحده، دون غيره من الخلق.

стр. 268

وهذا الاطراد يُبعد احتمالَ أن تكون "لا" هي لام الابتداء أشبعت فتحتها فتولدت عنها ألف، كما أشبعت فتحة الراء في شاهدهم: * أعوذ بالهه من العقراب * كما يُبعد احتمالَ أن تكون "لا" زائدة، والمعنى: "أقسم" كما اختار أبو حيان. وقد قالوا هم أنفسهم إن زيادة الحرف تفيد اطراحه. كما صرحوا بأن مجئ الحرف في أول الكلام يفيد كونه موضعَ عنايةٍ أعطتْه الصدارة. فهل هي مزيدة للقسم تقوية وتأكيداً له؟ قالوا إن إدخال لا النافية على فعل القسم جاء في كلام العرب وأشعارهم، ومن شواهدهم قول "امرئ القيس": فلا وأبيكِ ابنةَ العامرىَّ. . . لا يدَّعى القومُ أني أفِرْ وقول "غوية بن سلمى": ألا نادتْ أمامةُ باحتمالِ. . . لتحزننى، فى بِكِ ما أُبالى وقول آخر: * فلا وأبي أعدائها لا أخونها * وجعول منه آية الحديد: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ - ٢٩ والآية كما لاجظ "ابن هشام" في سياق لانفي الصريح. وكذلك كل الشواهد الشعرية التي ذكروها، سياقُها النفي الصريح. وليس الأمر كذلك في آيات "لا أقسم" وكلها في سياق الإثبات والتقرير. ونفهم أن تأتي "لا" في سياق النفي فتؤكده. واما أن تأتي لتؤكد الإثبات، فذلك ما يبدو غريباً حقاً على المنطق اللغوي والحس البياني. إذ القسم للتوثيق، وهو أقوى من التأكيد، ولا يسوغ، في الأصول أو المنطق، أن تؤكد التوثيق بنفيه. والنفي نقيضُه التأكيد، فإذا نفيت

стр. 269

القسَم انتقض بنفيك إياه. والجمعُ بينهما أوْلى بأن يُسقطهما كليهما، على القاعدة الأصولية في الدليلين يتعارضان فيتساقطان. * * * أفلا يهيدنا تدبر سياق آيات "لا أقسم" لله تعالى وحده، إلى سر البيان في "لا" تنفي حاجته، ﷻ ، إلى القسم؟. بلى، وإنما نحتاج نحن البشر إلى أن نقسم، دفعاً لمظنة اتهام أو إزاحةً لشكَّ. ومن ثم نلمح سر العربية إذ تستعمل هذا الأسلوب، حيث تنتفي الحاجة إلى القسم، في مواضع الثقة واليقين. وفرقً بعيد أقصى البعد، بين أن تكون "لا" لنفي القسم، كما قال بعضهم. وبين أن تكون لنفي الحاجة إلى القسم، كما يهدي إليه البيان القرآني. ومن نفي الحاجة إلى القسم، يأتي التوثيق والتقرير. لأنه يجعل المقام في غنى بالثقة واليقين عن الإقسام. والسر البياني لهذا الأسلوب، يعتمد في قوة اللفت، على ما يبدو بين النفي والقسم من مفارقة مثيرة لأقصى الانتباه. وما نزال بسليقتنا اللغوية نؤكد الثقة بنفي الحاجة معها إلى القسم، فتقول لمن تثق فيه: لا تقسم، أو: من غير يمين. مقررأ بذلك أنه موضع ثقتك فلست بحاجة إلى أن يقسم لك. كما تقول لصاحبك: لا أوصيك بكذا، تأكيداً للتوصية بنفي الحاجة إليها. * * * وإذ اكتفى بهذا القدر ككا اجتليت من أسرار الإعجاز في البيان القرآني، أرجو ألا يُظن بي أنني أجحد جهود السلف الصالح في خدمة كتاب الإسلام ومحاولاتهم في فهم إعجازه. فالحق أن عطاءهم السخي كان لنا على تتابع الأجيال ذخيرة ومدداً.

стр. 270

وأعود فأقرر أن الإعجاز البياني للقرآن، يفوت كل محاولة لتحديده، ويجاوز كل طاقاتنا في لمح أسراره الباهره. قصارى ما اطمأننت إليه في هذه المحاولة لفهم إعجاز البيان القرآني، هو أنه ما من لفظ فيه أو حرف يمكن أن يقوم مقامه غيره، بل ما من حركة أو نبرة لا تأخذ مكانها في ذلك البيان المعجز. وما أزعم، وما ينبغي لي، أنني فيكا اجتليت وأجتلى من أسرار البيان القرآني قد شارفت أفُقه العالى. لكنها محاولة أبتغي بها ثواب المسعى وشرف الوسيلة والقربى. وينفد القول ولا تنفد كلمات ربي: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ صدق الله العظيم.

стр. 271

الجزء الثاني مسائل نافع بنِ الأزرق * في تراث السلف؛ والدراسات الحديثة * في مخطوطات الظاهرية ودار الكتب المصرية * المسائل: نص ودراسة

стр. 272

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اللهمَّ يسَّرْ وأَعِنْ في الطبعة الأولى من كتابي هذا، قدمت محاولة تطبيقية في دراسة قرآنية بيانية لمسائل نافع بن الأزرق لعبد الله بن عباس ﵄، في نحو مائتى كلمة من غريب القرآن مع شاهد من كلام العرب لتفسير كل مسألة. المسائل معروفة لعلماء اللغة والشعر والقرآن، على خلاف بينهم في طرقهم إليها وأسانيدهم، وفي مساقها وعددها، وربما اختلفوا كذلك في المروي عن ابن عباس في تفسير بعضها وشواهده عليها. ذكرها "المبرد - ٢٨٥ هـ" جملة في خبر الخوارج من كتابه (الكامل) في سياق الكلام عن نافع بن الأزرق، أبي راشد الذهلي رأس الأزارقة (٦٥ هـ) وما كان من حرصه على طلب العلم وتحريه فبه وغيرته عليه قبل أن يبتلى في الفتنة. وروى المبرد ثلاث مسائل منها، مما حدث به أبو عبيدة معملا بن لامثنى (١١٠ - ٢١٠ هـ) عن أسامة بن زيد - الليثي مولاهم، ١٥٣ هـ - عن عكرمة ابن عباس (١٠٥ هـ) ومعها بضع مسائل دون العشر، "مما حدث به أبو عبيدة وغيره. . . " وعقب المبرد عليها بهذا الخبر: "ويروى عن أبي عبيدة من غير وجه، أن ابن الأزرق أتى ابنَ عباس فجعل يسائله حتى أمَلَّه، جعل ابن عباس يظهر الضجر. وطلع "عمر بن أبي ربيعة" على ابن عباس وعمر يؤمئذ غلام، فسلم وجلس، فقال له لبن عباس: ألا تنشدنا شيئاً من شعرك، فأنشده: أَمِن آلِ نُعْمٍ أنت غادٍ فمُبْكِرُ. . . غداةَ غدٍ أم رائح فمُهَجَّرُ

стр. 273

- ونقل المبرد أربعة عشر بيتاً من أول القصيدة إلى قوله: "رأت رجلاً * البيت - حتى أتمها عمر وهي ثمانون بيتاً. فقال ابن الأزرق: لله أنت يا ابن عباس، أنضرب إليك نسألك في الدين فتعرض، ويأتيك غلام من قريش فينشدك سفهاً فتسمعه؟ فقال: تا لله ما سمعت سفهاً. فقال ابن الأزرق: أما أنشدك: رأتْ رجلا أما إذا الشمسُ عارضتْ. . . فيضحى، وأما بالعشىَّ فيخسر فقال: ما هكذا قال، وإنما قال: * فيضحى وأما بالعشى فيخصَرَْ * وبعد أن علق "المبرد" على البيت وشرحه، استأنس له بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ واتجهت عنايته إلى شرح الغريب والاستئهاد له. وسياق المسائل في كتابه، يأخذ صفة الأمالى الأدبية اللغوية، لا الدراسة القرآنية. وسيأتي انفراد المبرد بهذا الخبر عن عمر ورائيته دون سائر الرواة لمسائل ابن الأزرق فيما وصل إلينا. * * * وأخرجها "أبو بكر ابن الأنباري" - ت ٣٢٨ هـ - في مقدمات كتابه الجليل (إيضاح الوقف والابتداء من كتاب الله ) سماعاً من شيخه بشر بن أنس، قال: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال: حدثنا أبو صالح هدية بن مجاهد، قال: أخبرنا محمد بن شجاع قال: أخبرنا محمد بن زياد البشكرى - الميمونى - عن ميمون بن مهران قال: "دخل نافع بن الأزرق إلى المسجد الحرام فإذا هو بابن عباس جالساً على حوض من حياض السقاية قد دلّضى رجليه في إناء، وإذا الناس قيام عليه يسألونه عن التفسير فإذا هو لا يحبسهم تفسيرَه. فقال نافع: تا للهِ ما رأيت رجلا أجرأ على ما تأتي به منك يا ابن عباس! فقال له ابن عباس: ثكلتْك أمُّك، أوَ لا أدلُّكَ على

стр. 274

من هو أجرأ مني؟ قال: ومن هو؟ قال: رجل تكلم بغير علم أو كتم علماً عنده. فقال نافع: يا ابن عباس، إني أريد أن أسألك عن أشياء فأخبرني بها: قال: سلْ ما شئت. قال: أخبرني عن قوله تعالى ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ قال: الخيط الأبيض ضوء النهار، والخيط الأسود سواد الليل. قال: فهل كانت العرب تعرف ذلك من قبل أن ينزل القرآن؟ قال نعم، قال أمية بن أبي الصلت: الخيط الآبيض ضوءُ الصبح منبلج. . . والخيط الأسود لونُ الليل مكموم وعلى هذا النسق مضى ابن الأنباري في رواية المسائل وعددها عنده، من طريق محمد بن زياد اليشكري الميموني عن ميمون بن مهران الرقَى الحافظ، خمسون مسألة. معها جملة غيرها مما سئل عنه علماء السلف في غريب القرآن فاستشهدوا لتفسيره بأبيات من الشعر احتجاجاً من ابن الأنباري للشعر وتفسير القرآن به قال: "وهذا كثير من الصحابة والتابعين، إلا أنا نجتزئ بما ذكرنا كراهية لتطويل الكتاب. وإنما دعانا إلى ذكر هذا أن جماعة لا علم لهم بحديث رسول الله ﷺ ولا معرفة لهم بلغة العرب، أنكروا على النحويين احتجاجهم على القرآن بالشعر.." وأورد أقوالهم، ورد عليها محتجاً في الرد بنصوص من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وعملهم، ﵃. * * * وأخرجها "الطبراني" (٢٦٠ - ٣٦٠ هـ) في معجمه الكبير في سياق مناقب ابن عباس، ﵄، وما روى من سعة علمه وفضله. تقدمةً لما في المعجم الكبير من حديث ابن عباس رضى عنهما. ومساقها عند الطبراني بهذا الإسناد:

стр. 275

حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، ثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، ثنا أبو عبد الرحمن الحراني - وهو عثمان بن عبد الرحمن - ثنا عبيد الله موسى ابنا يزيد الحرانيان، قالا: ثنا جويبر عن الضحاك بن مزاحم الهلالي قال: "خرج نافع بن الأزرق ونجدة بن عويمر - الحرورى، قتل سنة ٦٩ هـ في نفر من رءوس الخوارج (ينقرون) عن العلم ويطلبونه حتى قدموا مكة، فأذ هم بعبد الله بن عباس قاعداً قريباً من زمزم وعليه رداء له أحمر وقميص، وإذا ناس قيام يسألونه عن التفسير يقولون: يا ابن عباس ما تقول في كذا وكذا؟ فيقول: هو كذا وكذا. فقال له نافع بن الأزرق: ما أجرأك يا ابن عباس على ما (تخير به) منذ اليوم! فقال له ابن عباس: ثكلتك أمك يا نافع، وعَدمَتْك، ألا أخبرك من هو أجرأ مني؟ قال: من هو يا ابن عباس؟ قال: رجل تكلم بما ليس (له) به علم، ورجل كتم علماً عنده. قال: صدقت با ابن عباس، أتيتك لأسالك. وقال: هات يا اين الأزرق، فسلْ.." وساق المسائل والجواب عنها والشواهد عليها، وعددها عنده - من طريق "جويبر - بن سعيد الأزدي، أبي القاسم البلخي"، توفى بعد سنة ١٤٠ هـ - عن "الضحاك - بن مزاحم الهلااي، مولاهم، أبي القاسم الخراساني" التابعي المفسر (١٠٥ هـ) - إحدى وثلاثون مسألة. وكذلك موضعها وعددها في زوائد الطبراني بمجمع الزوائد للحافظ نور الدين الهيثمي (٨٠٧ هـ) : في كتاب المناقب، مناقب ابن عباس: باب جامع فيما جاء في علمه وما سئل عنه وفي كتاب التفسير: باب كيف يفسر القرآن. وذكرها "البدر الزركشي" - ٧٩٤ هـ - مجملة في كتابه (البرهان في علوم القرآن) : النوع الثامن عشر، معرفة غريبه. ومساقها عنده، أن معرفة هذا الفن للمفسر ضروري، وإلا فلا يحل له الإقدام على كتاب الله تعالى. ونقل أقوالاً في

стр. 276

ذلك، عن الإمام مالك ومجاهد وابن عباس، ثم قال: "ومسائل نافع له عن مواضع من القرآن، واستشهاد ابن عباس في كل جواب ببيت، ذكرها الأنباري في كتاب (الوقف والابتداء) بإسناده، وقلا: "فيه دلالة على بطلان قول من أنكر على النحويين احتجاجهم على القرآن بالشعر وأنهم جعلوا الشعر أصلاً للقرآن، وليس كذلك.." ونقل احتجاج ابن الأنباري للشعر وتفسير القرآن الكريم به، وبعده: "وهذا الباب عظيم الخطر، ومن هنا تهيب كثير من السلف تفسير القرآن وتركوا القول فيد حذراً أن يزلوا فيذهبوا عن المراد، وإن كانوا علماء باللسان فقهاء في الدين. وكان الأصمعي، وهو إمام اللغة، لا يفسر شيئاً من غريب القرآن، وحكى عنه أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿شَغَفَهَا حُبًّا﴾ فسكت وقال: هذا في القرآن، ثم ذكر قولاً لبعض العرب في جارية لقوم أرادوا بيعها: أتبيعونها وهي لكم شغاف؟ ولم يزد على هذا. ولهذا حث النبي ﷺ على تعلم إعراب القرآن وطلبِ معاني العربية" وذكر تحرج أبي بكر وعمر، ﵄ من تفسير كلمة الأبّ في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: "وما ذاك بجهلٍ منهما معنى الأب، وإنما يحتمل والله أعلم، أن يكون من الألفاظ المشتركة في لغتهما أو في لغات فخشيا إن فسراه بمعنى من معانيه أن يكون المراد غيره. ولهذا اختلف المفسرون في معنى الأبَّ على سبعة أقوال. . . " وذكرها. ولم ينقل الزركشي في هذا السياق مسائل مما في كتاب (الوقف والابتداء) وإن أورد عدداً منها في المسرد الخاص بغريب القرآن. * * * "الجلال السيوطي - ٩١١ هـ - هو الذي جاء بأكبر مجموعة منها في كتابه

стр. 277

(الإتقان في علوم القرآن) . ذكرها أولاً في معرفة غريب القرآن، ثم أفرد لها فصلاًَ منه استهله بقوله: "قال أبو يكر ابن الأنباري: قد جاء عن الصحابة والتابعين كثير من الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله بالشعر. وأنكر جماعة لا علم لهم، على النحويين ذلك وقالوا: إذا فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلاً للقرآن. قالوا: وكيف يحوز أن يحتج بالشعر على القرآن، وهو مذموم في القرآن والحديث؟ قال: وليس الأمر كما زعموه من أنا جعلنا الشعر أصلاً للقرآن بل أردنا تبين الحرف الغريب من القرآن بالشعر، لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ وقال ابن عباس: الشعر ديوان العرب. فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه. ثم أخرج - أبو بكر - من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر. . . " قال السيوطي: "وأوعب ما رويناه عنه (مسائل نافع بن الأزرق) وقد أخرج بعضها ابن الأنباري في (كتاب الوقف) والطبراني في (معجمه الكبير) وقد رأيت أن أسوقها هنا بتمامها لتستفاد: أخبرني ابن هبة الله محمد بن علي الصالحي بقراءتى عليه، عن أبي إسحاق التنوخي، عن القاسم بن عساكر: أنا أبو نصر محمد بن هبة الله الشيرازي أنا أبو المظفر محمد بن أسعد العراقي، أنا أبو علي محمد بن سعيد ابن نبهان الكاتب، أنا أبو علي بن شاذان: حدثنا أبو الحسين عبد الصمد بن علي بن محمد بن مكرم المعروف بابن الطستي، حدثنا أبو سهل السري الجنديسابورى، حدثنا يحيى ابن أبي عبيدة (بحر بن فروخ السلمى) أنا سعيد بن أبي سعيد، أنا عيسى بن دأب عن حميد الأعرج وعبد الله بن أبي بكر بن محمد عن أبيه قال: "بينا عبد الله بن عباس جالس بفناء الكعبة وقد اكتنفه الناس يسألونه عن

стр. 278

تفسير القرآن (والحلال والحرام) فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن عويمر: قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن والفتيا بما لا علم له به. فقاما إليه فقالا له: إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتب الله فتفسرها لنا وتأتينا بمصادِقه من كلام العرب، فإن الله إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين. فقال ابن عباس: سلاني عما بدا لكما". وعدد المسائل في (الإتقان) عن طريق "أبي الحسين عبد الصمد بن علي بن محمد بن مكرم الطستي" (٢٦٦ - ٣٤٦ هـ) بإسناده عن عيسى ابن دأب، أبي الوليد بن يزيد بن أبي بكر الأخباري، عن حميد الأعرج، أبي صفوان المكي (- ١٣٠ هـ) وعبد الله بن أبي بكر بن محمد الأنصاري المدني (- ١٣٥ هـ) عن أبيه "أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، أميرها وقاضيها النابعي الفقيه الحافظ القدوة (- ١٢٠ هـ) : مائة وتسعون مسألة قال السيوطي بعد أن ساقها: "هذا آخر مسائل نافع بن الأزرق، وقد حذفت منها يسيراً، نحو بضعة عشر سؤالاً. وهي أسئلة أخرج الأئمة أفراداً منها بأسانيد مختلفة إلى ابن عباس. وأخرج أبو بكر بن الأنباري في (كتاب الوقف والابتداء) قطعة منها هي المعلم عليها بالحمرة وصورة (ك) - وذكر إسناد أبي بكر إلى ابن عباس - وخرج الطبراني في (معجمه الكبير) منه قطعة وهي المعلم عليها بحرف (ط) من طريق جويبر عن الضحاك بن مزاحم، قال: خرج نافع بن الأزرق. . . وذكره". قلت: ولم تصل إلينا النسخة العتيقة المعلم بالحمرة وحرف كُ على المنقول من كتاب الوقف والابتداء، وبحرف (ط) على المنقول من معجم الطبراني الكبير. وقد نبه الشيخ العلامة المحقق "نصر أبو الوفا" الهوريني - في تصحيحه نسخته من الإتقان - على أنه "مما تعسر الوصول إليه أن المؤلف - السيوطي - ذكر في آخر

стр. 279

صفحة ١٦٤ من الأول، أنه أشار بصورة ك حمراء على بعض مسائل نافع بن الأزرق. وما وجدت تلك الصورة إلا في نسخة عتيقة أتلف العرق معظم صفحاتها". والذي في طبعتنا من الإتقان - وهي الطبعة المذكورة آنفاً - مما له نظير في (الوقف والابتداء) ست وعشرون مسألة، لا نملك الجزم بأنها المنقولة منه، لاحتمال أن يكون النقل من مصادر أخرى. ويقال مثل ذلك في ثماني عشرة مسألة بالإتقان، لها نظائرى في المعجم الكبير للطبراني، وليس في مطبوعة الإتقان علامة (ط) التي كانت بالحمرة في النسخة العتيقة. * * * وأجوبة ابن عباس، ﵄، عن المسائل مبثوثة في كتب التفسير والكتب المفردة في غريب القرآن، ومعاني القرآن، والفصول والأبواب الخاصة بالغريب من الكتب الجامعة لعلوم القرآن. وأوردها، نقلاً من الإتقان، خادم القرآن والسنة "الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي" ﵁ في (معجم غريب القرآن) مرتبة على حروف الهجاء لألفاظ الغريب في المسائل بالإتقان. وتأخذ موضعها كذلك، في قضية الإسلام والشعر، وغالباً ما يئول المتأخرون في ذلك إلى "أبي بكر الأنباري" فيما قاله، بعد إيراد المسائل - من احتجاج للشعر - ثم نقله البدر الزركشي في (البرهان) والجلال السيوطي في (الإتقان) على ما ذكرنا آنفاً. ومن طربق السيوطي نقله الفقيه الأديب "أبو العباس السلاوي. أحمد بن خالد" في (زهر الأفنان) شرحاً لقول الشاعر المغربي "أحمد بن محمد الونان" في منظومته الفريدة (الشمقمقية) تنويها بفضل الشعر بعد ذكر مكانته لدى النبي ﷺ :

стр. 280

لو لم يكن له عند من مضى. . . فضل، على الكعبة لم يُعلَّقِ لو لم يكن فيه بيانُ آيةٍ. . . ما فسَّرت مسائل ابن الأزرق ما هو إلا كالكتابة وما. . . فضلهما إلا كشمس الأفق وإنما نزه عنهما النبي. . . ليُدرَك الإعجاز بالتحقق عقد شارحها "أبو العباس السلاوي" فصلين بعنوان (ذكر مسائل ابن الأزرق وما يتعلق بها، وذكر فضل الشعر والكتابة، وتنزية النبي ﷺ عنهما) وفي أولهما ذكر الشارح ما روى من سؤال عمر بن الخطاب ﵁، عن قةله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ - النحل ٤٧ - فسكت القوم إلا شيخاً من هذيل قال: في لغتنا التخوف التنقص. فسأله أمير المؤمنين: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ فأجاب: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي: تخوف الرجل منها تامكا قَرِداً. . . كما تخوف عودَ النبغة السَّفَنُ وأضاف الشارح ما في إتقان السيوطي من احتجاج أبي بكر الأنباري للشعر في (الوقف والابتداء) ثم نقل من رواية السيوطي للمسائل الثلاث الأولى منها. وختم الفصل بقوله: "ومضى السيوطي يذكرها مسألة مسألة حتى ملأ منها نحو الكراسة، فانظرها في كتابه الإتقان في علوم القرآن، والله الموفق" وكذلك أضافها الزميل الأستاذ الدكتور محمد الراوندي من علماء القرويين، في دراسته الجامعية الجليلة (الصحابة الشعراء، ﵃) إلى ملف الدراسات المعاصرة لقضية الإسلام والشعر. * * *

стр. 281

من (إتقان السيوطي) نقلتها في الطبعة الأولى من كتابي هذا، حيث لم تتجه العناية إلى غير الدراية القرآنية لألفاظ الغريب في مسائل ابن الأزرق، دون بيان لطرق أسانيدها رواتها وتحقيق متونها وتخريج شواهدها، فكذلك كان علماء الغريب من سلفنا الصالح، يوجهون العناية إلى معاني الألفاظ، على ما هو واضح في (مفردات القرآن للراغب الأصبهاني) - ٥٠٢ هـ - وفي (كتاب الغربيين لأبي عبيد الهروي) ٤٠١ هـ؛ ذكره "ابن الأثير الجزري، المجد أبو السعادات" في خطبة كتابه (النهاية في غريب الحديث والأثر) فيمن سبقوه إلى التصنيف فيه، قال: "فلما كان زمن أبي عبيد أحمد بن محمد الهروي - ٤٠١ هـ صاحب الإمام أبي منصور الأزهري - ٣٧٠ هـ -. . . صنف كتابه المشهور السائر، في الجمع بين غريبى القرآن العزيز والحديث. ورتبه مُقَفَّى على حروف المعجم، على وضع لم يُسبق في غريب القرآن والحديث إليه، فاستخرج الكلمات اللغوية الغريبة من أماكنها وأثبتها في حروفها وذكر معانيها، إذ كان الغرض والقصد من هذا التصنيف معرفة الكلمات الغريبة لغة وإعراباً ومعنى، لا معرفة متون الأحاديث والآثار وطرق أسانيدها وأسماء رواتها، فإن ذلك علم مستقل بنفسه مشهور بين أهله". وأعددت هذه الطبعة الجديدة وقد أتيح لي الظفر بثلاث نسخ خطية من (مسائل ابن الأزرق) في أجزاء مفردة مستقلة لم تكن بيد يدي أثناء إعداد الطبعة الأولى: - نسخة الظاهرية (ظ) في المجموع لرقم ٣٨٤٩م. الأوراق من (١٠٨ وجه - ١١٩ ظهر) من وقف الشيخ موفق الدين ﵁ " - ونسختا دار الكتب بالقاهرة:

стр. 282

في المجموع رقم ١٦٦ م (١٣٢ و - ١٤٣ ظ) ورمزها: ك - طلعت، في المجموع رقم ٢٦٦ م (١ - ٣٣) ورمزها: ط أما نسخة الظاهرية بدمشق فأصل عتيق، من رواية "أبي بكر أحمد بن جعفر ابن محمد بن سَلْم الخُتَّلى" من مخضرمي القرنين الثالث والرابع (٢٧٨ - ٣٦٥ هـ) . سماعه من ابن عمار أبي العباس أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عمار الثقفى، بإسناده إلى جويبر عن الضحاك بن مزاحم الهلالي، قال: "خرج نافع بن الأزرق ونجدة بن عويمر في نفر من رءوس الخوارج ينقرون عن العلم ويطلبونه حتى قدموا مكة فإذا هم بعبد الله بن عباس قاعداً إاى جنب زمزم عليه رداء له أحمر وقميص أبيض، وإذا الناس قيام يسألونه عن التفسير ويقولون: يا ابن عباس يا ابن عباس، ما تقول في كذا؟ فيقول: كذا وكذا. فقال له نافع ابن الأزرق: ما أجرأك يا ابن عباس على ما تجئ به منذ اليوم؟ فقال له ابن عباس: ثكلتك أمك يا نافع، أفلا أخبرك عمن هو أجرأ مني؟ قال: ومن هو يا ابن عباس؟ قال: هو رجل تكلم بما ليس له به علم، ورجل كتم علماً عنده. قال: صدقت. ثم قال: إني أتيتك لأسألك. قال هات يا ابن الأزرق" وذكر المسائل وعددها في رواية ابن عمار الثقفي من طريق جويبر عن الضحاك، خمسون مسألة (١٠٨ ظ - ١١٢ ظ) بعدها (من ص ١١٢ ظ) إسناد آخر من رواية أبي شهاب الحناط عبد ربه بن نافع (١٧١ هـ) عن أبي بكر الهذلي (١٦٧ هـ) عن عكرمة مولى ابن عباس (١٠٥ هـ) قال: خرج نافع بن الأزرق ونجدة.." فذكر الخبر بنحو ما في رواية أبي بكر الختلي عن ابن عمار الثقفي من طريق جويبر عن الضحاك. ثم في صفحة (١١٥ و) بعنوان مسائل ابن الأزرق، رواية ثالثة لها من طريق عثمان

стр. 283

ابن عبد الرحمن الحراني - لعله الطرائفي ت ٢٠٣ هـ - أسنده عن جويبر عن الضحاك كذلك، قال: خرج نافع بن الأزرق ونجدة بن عويمر في نفر من رءوس الخوارج ينقرون عن العلم ويطلبونه حتى قدموا مكة فإذا هم بابن عباس قاعدا إلى جنب زمزم عليه قميص أبيض ورداء أحمر والناس قيام يسألونه عن التفسير فيجيبهم. . . " فذكر الخبر والمسائل، وعددها خمسون مسألة كذلك، مع تحويل الإسناد في السؤال عن قوله تعالى: (مكاء وتصديه) إلى الكلبي - ١١٧ ووالنِسخة في هذا الأصل العتيق دقيقة الخط صعبة القراءة، لا يؤمن فيها التباس حرف بآخر، واشتباه اسم وطمس كلمة من قدم وبلى. على أنها في المقروء منها، وهو جملتها، غاية في الضبط والتوثيق. وعلى وجه المخطوط بأعلى الصفحة الأولى توقيعات سماع بخطوط علماء أئمة: - سماع أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي. - والد الشيخ الموفق (- ٥٥٨ هـ) - مفروغ: أحمد بن محمد بن سلفة الأصبهاني نسخاً وسماعاً - هو الحافظ أبو طاهر السلفي (- ٥٧٦ هـ) - فرغ منه الساجي سماعاً وانتقاء - هو الحافظ أبو نصر المؤتمن بن أحمد البغدادي (- ٥٠٧ هـ) وعلى هذه الصفحة ألأولى، تصحيح سماع لطبقات من الأعلام والحفاظ الأئمة، منها سماع الشيخ أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي (- ٥٠٠ هـ) على أبي طاهر محمد بن علي بن محمد بن يوسف العلاف، عن أبي بكر ابن مسلم الختلي عن ابن عمار. ثم توالت تقييدات السماع للجزء كله. على الشيخ الجليل أبي الحسين المبارك، منها: - سمعه عليه الشيخ أبو منصور موهوب بن أحمد الجواليقي (- ٥٤٠ هـ) بقراءة عبد الخالق بن عبد القادر بن يوسف محدث بغداد (- ٥٤٨ هـ) وأبو الفضل محمد بن الحسن بن محمد الإسكاف، بقراءة محمد بن ناصر

стр. 284

ابن محمد، أبي الفصل البغدادي محدث العراق (- ٥٥٠ هـ) وذلك يوم الاثنين الثالث والعشرين من المحرم سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة. ثم سماع الآخرين عليه، في شهر رمضان في سنة أربع وتسعين، وفي شهر ربيع الأول من سنة ست وتسعين وأربع ماية (١٠٨ و) وعلى الصفحة الأخيرة، تصحيح سماع طبقة قبل هؤلاء، لجميع الجزء، من الشيخ أبي طاهر محمد بن علي بن محمد، بكتابه، عن أبي بكر أحمد بن جعفر ابن مسلم الختلي، بقراءة محمد بن عبد الملك بن علي بن عيسى بن النحوي - أبي سعيد البغدادي - سمعه: أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصورى الحافظ (- ٤٤٢ هـ) وأبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي، في آخرين من الطبقة، وذلك في جمادى الآخرة من سنة ٤٣٨ هـ وتعاقب السامعون للجزء على الشيخ أبس الحسين المبارك. سمعه عليه بقراءة أبي نصر المؤتمن بن أحمد بن علي الساجي (- ٥٠٧ هـ) : ابن أخيه أبو منصور محمد، والقاضي الأجل أبو نصر محمد بن هبة الله بن مميل الشيرازي، والشيخ الأجل أبو الفضل عبد الملك بن علي بن عبد الملك ابن يوسف، وأبو الفضل ناصر بن محمد بن علي، وأبو منصور موهوب بن أحمد ابن محمد بن الخضر الجواليقى، وأبو طاهر أحمد بن محمد بن سلفة، وأبو العباس أحمد بن محمد بن أبي القاسم، الاصبهانيان، وأبو طالب مهلهل بن علي بن الخضر المعمر الهمدانى، وهزارست بن عوض بن الحسن الهروي. وذلك بتاريخ شهر رمضان من سنة ٤٩٤ والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله. يليه سماع عدد من الشيوخ لهذا الجزء، على الشيخ الصالح أبي الحسين المبارك ابن عبد الجبار الصيرفي "أيده الله" بقراءة الشيخ أبي البركات عبد الوهاب

стр. 285

ابن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي (٥٣٨ هـ) . في ذي الحجة سنة أربع وتسعين وأربع مائة، ٤٩٤ هـ. * * * وأما نسختا دار الكتب بالقاهرة بالمجموعتين: ١٦٦م، ٢٢٦ م طلعت، بعنوان (سؤالات نافع بن الأزرق لابن عباس ﵁) فالراجح أنهما منقولتان من أصل واحد من القرن الرابع للهجرة، ويحتمل كذلك أن إحداهما نسخت من الأخرى. فتكون ط هي المنقولة، ترجيحاً، من (ك) لوجود نقص في موضعين من ط، يختل به السياق. والنسختان، كلتلهما، عاريتان على أي حال، من تقييد سماع أو توقيع ناسخ وتاريخ نسخ. ويبدأ المخطوط فيهما بهذا الإسناد: حدثنا أبو الحسين عبد الصمد بن علي بن محمد بن مكرم المعروف بابن الطّستي، قراءة عليه من لفظه في مسجده بدرب زباج يوم الخميس لعشرٍ خلون من ربيع الآخر من سنة أربع وأربعين وثلثماية؛ قال: نا أبو سهل السري بن سهل بن حربان الجنديسابورى بجنديسابور قراءة عليه سنة ثمان وثمانين ومائتين، قال: نا يحيى بن أبي عبيدة المُسْلى - واسم أبي عبيدة بحر بن فروخ - قال: أخبرنا سعيد بن أبي سعيد، قال: أنا عيسى بن دأب عن حميد الأعرج وعبد الله بن أبي بكر بن محمد عن أبيه، قال: بينا عبد الله بن عباس جالس بفناء الكعبة قد أسدل رجله في حوض زمزم إذ الناس قد اكتنفوه من كل ناحية يسألونه عن تفسير القرآن وعن الحلال والحرام، وإذا هو لا يتعايا بشيء مما يسألونه عنه، فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن عويمر: قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن والفتيا بما لا علم له به. فقالا: يا ابن عباس، ما يحملك على تفسير القرآن والفتيا بما لا علم لك به؟ أشيئاً سمعته من رسول الله ﷺ ، أم هذا منك تخرصا؟ فإن كل هذا منك تخرصا فهذه والله الجرأةُ على الله . فقال ابن
следующие страницы →