← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12759

الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق

عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ

Полный текст (584 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

من (إتقان السيوطي) نقلتها في الطبعة الأولى من كتابي هذا، حيث لم تتجه العناية إلى غير الدراية القرآنية لألفاظ الغريب في مسائل ابن الأزرق، دون بيان لطرق أسانيدها رواتها وتحقيق متونها وتخريج شواهدها، فكذلك كان علماء الغريب من سلفنا الصالح، يوجهون العناية إلى معاني الألفاظ، على ما هو واضح في (مفردات القرآن للراغب الأصبهاني) - ٥٠٢ هـ - وفي (كتاب الغربيين لأبي عبيد الهروي) ٤٠١ هـ؛ ذكره "ابن الأثير الجزري، المجد أبو السعادات" في خطبة كتابه (النهاية في غريب الحديث والأثر) فيمن سبقوه إلى التصنيف فيه، قال: "فلما كان زمن أبي عبيد أحمد بن محمد الهروي - ٤٠١ هـ صاحب الإمام أبي منصور الأزهري - ٣٧٠ هـ -. . . صنف كتابه المشهور السائر، في الجمع بين غريبى القرآن العزيز والحديث. ورتبه مُقَفَّى على حروف المعجم، على وضع لم يُسبق في غريب القرآن والحديث إليه، فاستخرج الكلمات اللغوية الغريبة من أماكنها وأثبتها في حروفها وذكر معانيها، إذ كان الغرض والقصد من هذا التصنيف معرفة الكلمات الغريبة لغة وإعراباً ومعنى، لا معرفة متون الأحاديث والآثار وطرق أسانيدها وأسماء رواتها، فإن ذلك علم مستقل بنفسه مشهور بين أهله". وأعددت هذه الطبعة الجديدة وقد أتيح لي الظفر بثلاث نسخ خطية من (مسائل ابن الأزرق) في أجزاء مفردة مستقلة لم تكن بيد يدي أثناء إعداد الطبعة الأولى: - نسخة الظاهرية (ظ) في المجموع لرقم ٣٨٤٩م. الأوراق من (١٠٨ وجه - ١١٩ ظهر) من وقف الشيخ موفق الدين ﵁ " - ونسختا دار الكتب بالقاهرة:

стр. 282

في المجموع رقم ١٦٦ م (١٣٢ و - ١٤٣ ظ) ورمزها: ك - طلعت، في المجموع رقم ٢٦٦ م (١ - ٣٣) ورمزها: ط أما نسخة الظاهرية بدمشق فأصل عتيق، من رواية "أبي بكر أحمد بن جعفر ابن محمد بن سَلْم الخُتَّلى" من مخضرمي القرنين الثالث والرابع (٢٧٨ - ٣٦٥ هـ) . سماعه من ابن عمار أبي العباس أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عمار الثقفى، بإسناده إلى جويبر عن الضحاك بن مزاحم الهلالي، قال: "خرج نافع بن الأزرق ونجدة بن عويمر في نفر من رءوس الخوارج ينقرون عن العلم ويطلبونه حتى قدموا مكة فإذا هم بعبد الله بن عباس قاعداً إاى جنب زمزم عليه رداء له أحمر وقميص أبيض، وإذا الناس قيام يسألونه عن التفسير ويقولون: يا ابن عباس يا ابن عباس، ما تقول في كذا؟ فيقول: كذا وكذا. فقال له نافع ابن الأزرق: ما أجرأك يا ابن عباس على ما تجئ به منذ اليوم؟ فقال له ابن عباس: ثكلتك أمك يا نافع، أفلا أخبرك عمن هو أجرأ مني؟ قال: ومن هو يا ابن عباس؟ قال: هو رجل تكلم بما ليس له به علم، ورجل كتم علماً عنده. قال: صدقت. ثم قال: إني أتيتك لأسألك. قال هات يا ابن الأزرق" وذكر المسائل وعددها في رواية ابن عمار الثقفي من طريق جويبر عن الضحاك، خمسون مسألة (١٠٨ ظ - ١١٢ ظ) بعدها (من ص ١١٢ ظ) إسناد آخر من رواية أبي شهاب الحناط عبد ربه بن نافع (١٧١ هـ) عن أبي بكر الهذلي (١٦٧ هـ) عن عكرمة مولى ابن عباس (١٠٥ هـ) قال: خرج نافع بن الأزرق ونجدة.." فذكر الخبر بنحو ما في رواية أبي بكر الختلي عن ابن عمار الثقفي من طريق جويبر عن الضحاك. ثم في صفحة (١١٥ و) بعنوان مسائل ابن الأزرق، رواية ثالثة لها من طريق عثمان

стр. 283

ابن عبد الرحمن الحراني - لعله الطرائفي ت ٢٠٣ هـ - أسنده عن جويبر عن الضحاك كذلك، قال: خرج نافع بن الأزرق ونجدة بن عويمر في نفر من رءوس الخوارج ينقرون عن العلم ويطلبونه حتى قدموا مكة فإذا هم بابن عباس قاعدا إلى جنب زمزم عليه قميص أبيض ورداء أحمر والناس قيام يسألونه عن التفسير فيجيبهم. . . " فذكر الخبر والمسائل، وعددها خمسون مسألة كذلك، مع تحويل الإسناد في السؤال عن قوله تعالى: (مكاء وتصديه) إلى الكلبي - ١١٧ ووالنِسخة في هذا الأصل العتيق دقيقة الخط صعبة القراءة، لا يؤمن فيها التباس حرف بآخر، واشتباه اسم وطمس كلمة من قدم وبلى. على أنها في المقروء منها، وهو جملتها، غاية في الضبط والتوثيق. وعلى وجه المخطوط بأعلى الصفحة الأولى توقيعات سماع بخطوط علماء أئمة: - سماع أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي. - والد الشيخ الموفق (- ٥٥٨ هـ) - مفروغ: أحمد بن محمد بن سلفة الأصبهاني نسخاً وسماعاً - هو الحافظ أبو طاهر السلفي (- ٥٧٦ هـ) - فرغ منه الساجي سماعاً وانتقاء - هو الحافظ أبو نصر المؤتمن بن أحمد البغدادي (- ٥٠٧ هـ) وعلى هذه الصفحة ألأولى، تصحيح سماع لطبقات من الأعلام والحفاظ الأئمة، منها سماع الشيخ أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي (- ٥٠٠ هـ) على أبي طاهر محمد بن علي بن محمد بن يوسف العلاف، عن أبي بكر ابن مسلم الختلي عن ابن عمار. ثم توالت تقييدات السماع للجزء كله. على الشيخ الجليل أبي الحسين المبارك، منها: - سمعه عليه الشيخ أبو منصور موهوب بن أحمد الجواليقي (- ٥٤٠ هـ) بقراءة عبد الخالق بن عبد القادر بن يوسف محدث بغداد (- ٥٤٨ هـ) وأبو الفضل محمد بن الحسن بن محمد الإسكاف، بقراءة محمد بن ناصر

стр. 284

ابن محمد، أبي الفصل البغدادي محدث العراق (- ٥٥٠ هـ) وذلك يوم الاثنين الثالث والعشرين من المحرم سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة. ثم سماع الآخرين عليه، في شهر رمضان في سنة أربع وتسعين، وفي شهر ربيع الأول من سنة ست وتسعين وأربع ماية (١٠٨ و) وعلى الصفحة الأخيرة، تصحيح سماع طبقة قبل هؤلاء، لجميع الجزء، من الشيخ أبي طاهر محمد بن علي بن محمد، بكتابه، عن أبي بكر أحمد بن جعفر ابن مسلم الختلي، بقراءة محمد بن عبد الملك بن علي بن عيسى بن النحوي - أبي سعيد البغدادي - سمعه: أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصورى الحافظ (- ٤٤٢ هـ) وأبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي، في آخرين من الطبقة، وذلك في جمادى الآخرة من سنة ٤٣٨ هـ وتعاقب السامعون للجزء على الشيخ أبس الحسين المبارك. سمعه عليه بقراءة أبي نصر المؤتمن بن أحمد بن علي الساجي (- ٥٠٧ هـ) : ابن أخيه أبو منصور محمد، والقاضي الأجل أبو نصر محمد بن هبة الله بن مميل الشيرازي، والشيخ الأجل أبو الفضل عبد الملك بن علي بن عبد الملك ابن يوسف، وأبو الفضل ناصر بن محمد بن علي، وأبو منصور موهوب بن أحمد ابن محمد بن الخضر الجواليقى، وأبو طاهر أحمد بن محمد بن سلفة، وأبو العباس أحمد بن محمد بن أبي القاسم، الاصبهانيان، وأبو طالب مهلهل بن علي بن الخضر المعمر الهمدانى، وهزارست بن عوض بن الحسن الهروي. وذلك بتاريخ شهر رمضان من سنة ٤٩٤ والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله. يليه سماع عدد من الشيوخ لهذا الجزء، على الشيخ الصالح أبي الحسين المبارك ابن عبد الجبار الصيرفي "أيده الله" بقراءة الشيخ أبي البركات عبد الوهاب

стр. 285

ابن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي (٥٣٨ هـ) . في ذي الحجة سنة أربع وتسعين وأربع مائة، ٤٩٤ هـ. * * * وأما نسختا دار الكتب بالقاهرة بالمجموعتين: ١٦٦م، ٢٢٦ م طلعت، بعنوان (سؤالات نافع بن الأزرق لابن عباس ﵁) فالراجح أنهما منقولتان من أصل واحد من القرن الرابع للهجرة، ويحتمل كذلك أن إحداهما نسخت من الأخرى. فتكون ط هي المنقولة، ترجيحاً، من (ك) لوجود نقص في موضعين من ط، يختل به السياق. والنسختان، كلتلهما، عاريتان على أي حال، من تقييد سماع أو توقيع ناسخ وتاريخ نسخ. ويبدأ المخطوط فيهما بهذا الإسناد: حدثنا أبو الحسين عبد الصمد بن علي بن محمد بن مكرم المعروف بابن الطّستي، قراءة عليه من لفظه في مسجده بدرب زباج يوم الخميس لعشرٍ خلون من ربيع الآخر من سنة أربع وأربعين وثلثماية؛ قال: نا أبو سهل السري بن سهل بن حربان الجنديسابورى بجنديسابور قراءة عليه سنة ثمان وثمانين ومائتين، قال: نا يحيى بن أبي عبيدة المُسْلى - واسم أبي عبيدة بحر بن فروخ - قال: أخبرنا سعيد بن أبي سعيد، قال: أنا عيسى بن دأب عن حميد الأعرج وعبد الله بن أبي بكر بن محمد عن أبيه، قال: بينا عبد الله بن عباس جالس بفناء الكعبة قد أسدل رجله في حوض زمزم إذ الناس قد اكتنفوه من كل ناحية يسألونه عن تفسير القرآن وعن الحلال والحرام، وإذا هو لا يتعايا بشيء مما يسألونه عنه، فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن عويمر: قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن والفتيا بما لا علم له به. فقالا: يا ابن عباس، ما يحملك على تفسير القرآن والفتيا بما لا علم لك به؟ أشيئاً سمعته من رسول الله ﷺ ، أم هذا منك تخرصا؟ فإن كل هذا منك تخرصا فهذه والله الجرأةُ على الله . فقال ابن

стр. 286

عباس لنافع بن الأزرق: لا والله، ما هذا مني تخرصا لكنه علم علمنيه الله. ولكني سأدلك على من هو أجرأ مني يا ابن أم الأزرق. قال: دلني عليه؟ قال: رجل تكلم بما لا علم له به، أو رجل كتم الناس علماً علمه الله . فذاك أجرأ مني يا ابن أم الأزرق. وقال نجدة: فإنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسره لنا وتأتينا بمصداقة من كلام العرب، فإن الله ، إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين. قال ابن عباس: سلاني عما بدا لكما تجدا علمه عندي حاضرا إن شاء الله تعالى. . . " وساق المسائل، فبلغت من هذا الطريق في النسختين مائتين وخمسا وخمسين مسألة، ختامها فيهما: (تمت مسائل ابن الأزرق لابن عباس) ﵁، والحمد لله وحده، وصلى الله على من لا نبي بعده) . * * *

стр. 287

بمقابلة هذه الأجزاء المخطوطة الجامعة لمسائل ابن الأرزق، بعضها على بعض، وعلى ما فيها (كامل المبرد، وإيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري، والمعجم الكبير للطبراني - ومعه مجمع الزوائد للهيثمي - وإتقان السيوطي) تبين لنا: أن "المبرد" انفرد بذكر الخبر عن عمر بن أبي ربيعة وإنشاده رائيته عبدَ الله بن عباس، في الحرم المكي. وأن نسخة الظاهرية (ظ) أصل عتيق، تتفق مع (المعجم الكبير للطبراني) مساقاً ومتنا، وعدد المسائل في كل منهما إحدى وثلاثون. ويلتقي الإسناد فيهما عند عثمان ابن عبد الرحمن الحراني. عن عبيد الله عن جويبر عن الضحاك بن مزاحم الهلالي. وأن نسختى دار الكتب بالقاهرة (ك، ط) تتفقان مع ما في إتقان السيوطي مساقا ومتنا، مع زيادة فيهما. لما صرح السيوطي بأنه اختصره من المسائل. ويلتقي إسناده معهما عند |"أبي الحسين عبد الصمد بن علي بن محمد بن مكرم، ابن الطسني" من طريق عيسى بن دأب، أبي الوليد بن يزيد بن بكر الأخباري، عن حميد الأعرج وعبد الله بن أبي بكر بن محمد، عن أبيه أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن جزم الأنصاري، التابعي الفقيه الحافظ. مع إثبات تاريخ السماع ومكانه، عن أبي الحسين ابن الطستي، في النسختين الخطيتين. وبذلك يكون لدينا لرواية أبي القاسم الطبراني في طبعه معجمه الكبير, مرجعان للمقابلة والتصحيح: مخطوطة الظاهرية وزوائد الطبراني في مجمع الزوائد لنور الدين الهيثمي. ولرواية السيوطي في (الإتقان) ما له نظائر في مصدريه اللذين نص عليهما: (الوقف والابتداء، والمعجم الكبير) مع نسختى دار الكتب المصرية (ك، ط) . * * *

стр. 288

ما اجتمع لي من المسائل من مختلف الطرق في أصولها خطية ومطبوعة، يسعف على ما لم يكن متاحاً لي من قبل، من توثيقها وإخراجها على سعة من الوقت في نص محقق إذا يسر الله تعالى وأعان. وإنما أقتصر هنا على الانتفاع بهذه النسخ في المقابلات والمراجعات، استكمالاً لنقص وترميماً لخرم وضبطا لسياق وتصحيحاً لتصحيف أو تحريف. إذ القصد من إيراد المسائل هنا، كما ذكرتُ من قبل، خدمة قضية الإعجاز البياني، بما روى عن ابن عباس، ﵄، حبر هذه الأمة وترجمان القرآن، من تفسيرٍ لكلمات قرآنية في مسائل ابن الأزرق، وما يكون لعلماء العربية والقرآن من أقوال في تفسيرها، وعرض هذا التفسير على الدلالة القرآنية التي يهدى إليها التدبر والاستقراء، وصولا إلى إدراك فوتها جهدَ المحاولة لتفسيرها بغير لفظها في البيان المعحز، إلا على وجه الشلرح والتقريب. "وعلى الله قصد السبيل"

стр. 289

المسائل نص، ودراسة في الكتب المطبوعة (وق) كتاب إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله ، لأبي بكر ابن الأنباري: ط دمشق ١٣٩٠ هـ - ١٩٧١ م. (ط ب) المعجم الكبير للطبراني: ط وزارة الأوقاف ببغداد (تق) الإتقان في علوم القرآن، للجلال السيوطي. ط الموسوية بالقاهرة ١٢٧٨ هـ. النسخ الخطية (ظ) الخزانة الظاهرية بدمشق (٣٨٤٩) مجموع. (ك) دار الكتب المصرية (١٦٦م) مجاميع. (ط) دار الكتب المصرية: طلعت (٢٦٦) مجاميع.

стр. 290

١ - ﴿عِزِينَ﴾ قال نافع بن الأزرق لابن عباس: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ قال ابن عباس: عزين، الحَلَق الرفاق. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول "عبيد بن الأبرص": فجاءوا يهرعون إليه حتى. . . يكونوا حول مِنْبَرِه عِزِينا (تق، ك، ط) = الكلمة من آية المعارج ٣٧، والكلمة وحيدة في القرآن، صيغة ومادة: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ معناها في آية المعارج عن الفراء: والعزون الحلق الجماعات.. واحدها عِزَة، وأصلها عِزْوة، قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: جماعات في تفرقة. وفسرها البخاري بمثل قول الفراء. وقال الطبري في تأويل الآية: أي فِرَقاً حول النبي ﷺ لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه. ثم أسند عن قتادة: العزين الحلق المجالس، وعن الضحاك: حلقاً ورفقاء، وفي الحديث المرفوع: "ما لي أراكم حلقاً" - اخرجه مسلم - أسند الطبري عن أبي هريرة: والعزين الحلق المتفرقة. وعن جابر بن سمرة قال: دخل علينا رسول الله ﷺ ونحن متفرقون فقال: "ما لي أراكم عزين" وفي رواية أنهم كانوا جلوساً فقال ﷺ : "ما لي أراكم عزين حلقاً" نستأنس به لدلالة العزوة

стр. 291

والعزين، على العزو والانتماء. لحظها الراغب فقال: الجماعة المنتسب بعضها إلى بعض (المفردات) . ولعل تأويل "عزين" في المسألة بالحق الرفاق، بملحظ من الدلالة على الجماعة يعتزى بعضها إلى بعض: محاصرة عن اليمين والشمال في الآية، وتأييداً ونجدة ونصره في الشاهد من بيت عبيد، والله أعلم. * * * ٢ - ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ : قال: أخبرني عن قول الله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ما الوسيلة؟ قال: القربة، قال فيه عنترة: أن العدو لهم إليكِ وسيلة. . . أن يأخذوكِ تكحَّلى وتخضَّبى (وق) وفي (تق، ك، ط) قال: الوسيلة الحاجة. = الكلمة من آية المائدة ٣٥: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ومعها آية الإسراء ٥٧: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾

стр. 292

وليس في القرآن غيرهما من المادة. تأويلها في المسألة بالقربة، في (وق) ، أوْلى من تأويلها في (ك، ط) بالحاجة، ولم أقف عليه فيما قرأت لهم في معنى آية المائدة. قال أبو عبيدة في (مجاز القرآن) : أي القربة، أي أطلبوا واتخذوا ذلك بطاعته، يقال: توسلت إليه، تقربت. قال عنترة: - البيت. وفي تأويل الطبري: اطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه، والوسيلة فعلية من: توسلت إلى فلان بكذا، بعمنى تقربت، ومنه قول عنترة البيت. يعني بالوسيلة القربة. ونحوه في تفسير القرطبي للآية، ولم ينقلا فيها خلافاً بين أهل التأويل في تفسيرها بالقربة. وقال الراغب: الوسلية التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوصيلة، لتضمنها معنى الرغبة. قال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ والوسيلة إليه تعالى مراعاة سبيله وهي كالقربة، بالعلم والعبادة وتحرى الشريعة (المفردات) . وفي حديث الآذان: "اللهم آت محمداً الوسيلة" قال ابن الأثير: الوسيلة هي في الأصل ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به. والمراد بها في الحديث القرب من الله تعالى، وقيل هي الشفاعة يوم القيامة، وقيل هي منزلة من منازل الجنة. (النهاية) * * * ٣ - ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ قال ابن عباس، أخبرني عن قول الله : ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ قال: الشرعة الدينُ، والمنهاج الطريق. قال: زهل تعرف العرب ذلك" قال: نعم. واستشهد بقول أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: لقد نطق المأمونُ بالصدقِ والهدى. . . وبينَّ للإسلام ديناً ومنهجاً (ك، ط، تق)

стр. 293

= الكلمتان من آية المائدة ٤٨ خطاباً للرسول ﵊، بعد ذكر التوارة والإنجيل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ولم تأت صيغة "شرعة" إلا في هذه الآية. وجاء منها الفعل الثلاثي ماضياً في آيتى الشورى (١٣، ٢١) و"شريعة من الأمر" في آية الجاثية (١٨) و"شُرَّعا" في آية الأعراف (١٦٣) وأما ﴿مِنْهَاجًاْ﴾ فوحيدة فيه، صيغة ومادة. الشريعة في اللغة، المشرَع والمورد إلى الماء. ويقال: شرعت الباب إلى الطريق وأشرعته، أي فتحته على الشارع: الطريق الواسع، جمعه شوارع. واستعير الشرع والشريعة لما شرعه الله تعالى لعباده. "وأما المنهاج فإن أصله الطريق البينَّ الواضح، يقال عنه: طريق نهج ومنهج، كما قال الراجز: مَنْ يكُ في شك فهذا فلج. . . ماء روى وطريق نهج ثن يستعمل في كل شيء كان بيناً واضحاً" قاله الطبري. تأويلهما في المسألة عن ابن عباس: الشرعة الدين والمنهاج الطريق. والذي أسنده الطبري عن ابن عباس: من عدة طرق، قال: سبيلاً وسنة. وأسند مثله عن قتادة، وقال: والسنن مختلفة: للتوراة شريعة وللإنجيل والإخلاص الذي جاءت به الرسل. ثم أسند عن قتادة: الدين واحد ولاشريعة مختلفة. والشرع من الدين، بصريح قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية ١٣ وقوله ، فيها: ﴿أَمْ

стр. 294

لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية ٢١. وتتعدد الشرائع: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ والدين واحد، فليس في القرآن كله لفظ: أديان، جمعاً. * * * ٤ - ﴿وَيَنْعِهِ﴾ وسأله عن قوله تعالى: ﴿إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ : قال: نضجه وبلاغه. واستشهد بقول الشاعر: إذا ما مشتْ وسط النساء تأوَّدتّ. . . كما اهتز غصن ناعمُ النْبت يانعُ (تق، ك، ط) = الكلمة من آية الأنعام ٩٩: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وحيدة في القرآن، صيغة ومادة. وتفسير الينع بالنضج والبلاغ، قريب منه ما أسنده الطبري عن ابن عباس وغيره من أهل التأويل. ولا يفوتنا معه أن الينع لأوج الأزدهار الطبيعي في النبت والثمر، على حين جاء النضج، لما تنضجه النار في قوله تعالى في سورة النساء ٥٦. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ ولم يأت فيه غيره من المادة. * * *

стр. 295

٥ - ﴿رِيشًا﴾ : وسأله عن قوله تعالى: ﴿وَرِيشًا﴾ قال: المال، واستشهد بقول الشاعر: فَرِشْنَىِ بِخيرٍ طال ما قد بَريَتْنَى. . . وخيرُ الموالى مَن يَرِيشُ ولا يَبْرِى (تق، ك، ط) = الكلمة من آية الأعراف ٢٦: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ وحيدة في القرآن صيغة ومادة. وجاء المال فيه، نكرة ومعرفة، مفرداً وجمعاً، ستاً وثمانين مرة. مما يؤذن بفرق بين مال وريش، في آية الأعراف. وذكر الفراء والطبري قراءة لغير السبعة: "ورياشا" ووجهه عندهما إما أن يكون مصدراً مثل لبس ولباس، أو جمعاً واحدُه ريش كصحْبٍ وصحاب. وأورده أبو عبيدة في مجاز القرآن بلفظ "ورياشاً" قال: الرياش والريش واحد وهو - في الآية - ما ظهر من اللباس والشارة. والرياش أيضاً الخِصب والمعاش. وقال الطبري: الرياش في كلام العرب الأثاث وما ظهر من الثياب والمتاع مما يُلبس أو يُحشى من فراش أو دثار. والريش إنما هو في المتاع والأموال عندهم وربما استعملوه في الثياب والكسوة، دون سائر المال، وقد يستعمل في الخصب ورفاهة العيش. ثم أسند عن ابن عباس وآخرين أنه المال. وعنه أيضاً وآخرين أنه اللباس والعيش الناعم. وفي قولٍ: المعاش، والجمال. وسياق الآية: أقرب في الريش إلى اللباس، مستعار من الريش لأنه كالثياب

стр. 296

للإنسان على ما قال الراغب. وأما في الشاهد فهو من" راش السهم يريشه إذا ألصق به الريش وسدده، واستعبر للإصلاح. كما أن البَرْى مجاز من بُراية القلم واستعير للعجز والضعف. * * * ٦ - ﴿كَبَدٍ﴾ قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿فِي كَبَدٍ﴾ ما الكبد؟ قال: في اعتدال [واستقامة] قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول لبيد بن ربيعة: يا عينُ هلا بكيتِ أربدَ إذ. . . قمنا وقام الخصوم في كبَد (ظ، ك، ط، تق) = الكلمة من آية البلد ٤: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ وحيدة في القرآن صيغة ومادة. وفي معاني القرآن صيغة ومادة. وفي معاني القرآن للفراء: منتصباً معتدلاً. ويقال خُلقِ في كبد يكابد أمر الدنيا والآخرة. وهما روايتان عن ابن عباس في الطبري وفتح الباري (٨ / ٤٩٨) ورواية ثالثة عنه في الطبري: في شدة، في معيشته وحَمْلِه وحياته ونبات أسنانه. واختار الطبري بعد نقل اختلاف أهل التأويل فيها: في شدة يكابد الأمور، لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب من معاني الكَبَد ومنه قول لبيد الشاهد. وأكثر المفسرين على أنه المكابدة والمشقة وأنشدوا فيه بيت لبيد. وفي شرحه

стр. 297

للطوسي قال: القيام على الأمر الشديد هو الكبد. وذلك غير معنى الاعتدال في المسألة. ودلالة المشقة أصل في المادة، فالعربية استعملت الكَبد في المعاناة من كبِدٍ مريضة، ثم نقلتها إلى المكابدة المعنوية، على سبيل المجاز، فقيل: وقع في كبَد، في مشقة؛ وتقول للخُصماء: إنهم لفي كبد من أمرهم، وبعضهم يكابد بعضاً، والمسافر يكابد الليلَ، إذا ركب هوله وصعوبته. وأطمئن إلى أنه في الآية الكريمة من المكابدة لتبعات التكليف ومخاطر اقتحام العقبة: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ وكذلك يبدو معنى المشقة في بيت لبيد، أقرب من معنى الاعتدال والاستقامة. * * * ٧ - ﴿سَنَا﴾ : وسأل ابن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ قال: السنا، الضوء. واستشهد ببيت أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: يدعو إلى الحقَّ لا يبغي به بدلاً. . . يجلو بضوءِ سنَاه داجىَ الظُّلَمِ (تق، ك، ط) = الكلمة من آية النور ٤٣: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ وحيدة في القرآن صيغة ومادة.

стр. 298

ولفظ الضوء - في تفسير المسألة - ليس من مفردات القرآن، والذي فيه من المادة: "ضياء" في آيات: يونس ٥، والأنبياء ٤٨، والقصص ٣١. ومعها الفعل الثلاثي ماضياً في آيتى البقرة: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ ومضارعاً في آية النور: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ وتفسير السنا بالضوء لا يشهد له بيت أبي سفيان بن الحارث، من حيث لا يقال فيه: * يجلو بضوء ضوئه داجى الظلم * فيضاف الشيء إلى مثله. وأقرب منه أن يكون في السنا معنى الساطع المتألق المرتفع من الضوء. وهو في اللغة يستعمل في العلو، فالسناء، بالمد: العلو والرفعة، والسنىُّ: العالي المرتفع. وفي تفسير الطبري للآية، أنه لمعان البرق - ولم يشر إلى خلاف في تأويله - وقال الراغب: السنا: الضوء الساطع. (المفردات) . * * * ٨ - ﴿حَفَدَةً﴾ : قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قال: أما بنوك فإنهم يعاطونك ويكفونك، وأما حفدتك فإنهم خدمك. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت الثقفي:

стр. 299

حَفَدَ الولائدُ حولَهنَّ وألِقيتْ. . . بأكُفَّهنَّ أزِمَّةُ الأجمالِ (ظ، طب) وفي (ك، ط) : ولد الولد وفي (تق) قال: الحفدة ولد الولد وهم الأعوان. = الكلمة من آية النحل ٧٢: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ وحيدة في القرآن صيغة ومادة. والخلاف في تأويلها بالمسألة عن ابن عباس، مثلُه وأكثر منه فيما ذكر الطبري من اختلاف أهل التأويل في المعنيين بحفدة، وأسند عن ابن عباس وغيره أنهم الأنصار، وعن ابن عباس أيضاً أنه سئل عن ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ فقال: من أعانك فقد خدمك، أما سمعت قول الشاعر: حفد الولائد / البيت، وعن عدد من أهل التأويل أنهم أختانُ الرجل على بناته، وانهم الخدم،. . . وفي (مفردات الراغب) في قوله تعالى ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ : جمع حافد وهو المتحرك المتبرع بالخدمة أقارب كانوا أو أجانب، وحكى عن المفسرين أنهم الأسباط، وذلك لأن خِدمتَهم أصدق، قال الشاعر: حفد الولائد * وفي الدعاء: إليك نسعى ونحفد. وأصل الحفد عند ألصمعي مداركة الخظو. وعن الخليل قال: الحفدة عند العرب الخدم. قال الزمخشري. ومن المجاز حفدت فلاناً خدمته وخففت إلى طاعته، فهو محفود، مخدوم مطاع. وهم حفدة فلان أي خدمه وأعوانه ومنه قيل لأولاد الابن: حفدة (س) لعل القريب من سياق الآية أن الحفدة أولاد البنين، ومن حيث يكونون أعواناً لأهلهم جوزت العربية استعمال الحفدة للأعوان يخفون لخدمة المحفود وطاعته ولو

стр. 300

لم يكونوا من أولاد ولده، وهو المفهوم من * حفد الولائد *، الشاهد. ومن حديث الدعاء: "وإليك نسعى ونحفد". والله أعلم. * * * ٩ - ﴿حَنَانًا﴾ قال: فأخبرني عن قول الله ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ ما الحنان؟ قال: الرحمة. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت يقول طرفة بن العبد وهو يقول للنعمان بن المنذر: أبا منذرٍ أفنيت فاستبق بعضَنا. . . حناَنيْكَ بعض الشر أهون من بعضِ (ظ، تق، ك، ط) = الكلمة من آية مريم ١٣: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ وحيدة في القرآن صيغة ومادة. وأما الرحمة - في تفسيرها بالمسألة - فكثير الورود في القرآن الكريم، نكرة ومعرفة و"المرحمة" والفعل الثلاثي ماضياً ومضارعاً وأمراً، ورحماء و"أرحم الراحمين" والرحمن والرحيم من الأسكماء الحسنى. ومن المادة جاءت الأرحام اثنتى عشرة مرة، و"أقرب رحماً" في آية الكهف. ومعنى الكلمة بالآية: الرحمة، عند أبي عبيدة والفراء. وفيما نقل الطبري فيها من اختلاف أهل التأويل: القول بأن "حناناً" الرحمة، والتعطف والمحبة، وأسند عن ابن جريح عن عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة عن ابن عباس قال: لا والله ما أدري ما حناناً. وقال الطبري: وللعرب فيها لغتان: حنانك وحنانيك، واختلفوا في حنانيك: هل هو تثنية حنان، أو كقولهم: حواليك؟ واصل الحنان

стр. 301

من قولهم: حَنّ إلى كذا، ارتاح إليه واشتاق، وتحنن: تعطف عليه ورَقَّ (سورة مريم) . وفي إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس وفي جامع القرطبي أنه من حنين الناقة. وأنشدوا في حنانيك بيت طرفة، وفي حنان قول امرئ القيس: * حنانك ذا الحنان * وحكى القرطبي فيها قول جمهرة المفسرين: الحنان الشفقة والرحمة والمحبة، وهو من أفعال القلوب. وفي الرحمة ملحظ من التسامح واللطف والعفو، إذا كانت من الله : ذي الرحمة، الرحمن الرحيم، أرحم الراحمين، فإذا كانت من الناس فبملحظ من القربى والرحم، والتراحم بين أولى الأرحام، والأخوة في الدين: والوجهان في آية الإسراء ٢٤٥: في الإحسان بالوالدين: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ صدق الله العظيم. * * * ١٠ - ﴿يَيْأَسِ﴾ قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال: أفلم يعلم. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت بقول مالك بن عوف: لقد ييئسُ الأقوامُ أنى أنا ابنُه. . . وإن كنت عن أرض العشيرة نائيَّا (ظ) زاد في (تق، ك، ط) : أفلم يعلم، بلغة بني مالك.

стр. 302

= الكلمة من آية الرعد ٣١: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ وفي القرآن غيرها، الماضي والمضارع من يئس سبع مرات، واستيأس، واستيأسوا، ويئوس ثلاث مرات. تأويل "أفلم ييأس" في المسألة: أفلم يعلم، قاله جمهور أهل التأويل، بلفظه أو بلفظ، أفلم يتبين، مكا في تفسير البخاري. وإن ذكروا اختلاف أهل العلم بكلام العرب، فيه: قال أبو عبيدة، في الآية: أي أفلم يعلم ويتبين. وعن الكلبي أنها لغة النخع، أوحَّى منهم. حكاه الفراء، والجوهري في (ص) وبها فسر الآية. ومعها في الطبري عن القاسم بن معن أنها لغة هوازن، وحكاهما القرطبي وأبو حنان، وابن حجر في فتح الباري عن الطبري. وأنشدوا جميعاً فيها شاهد المسألة، وبيت سحيم: أقول لهم بالشعب إذ يأسروننى. . . ألم تيأسوا أني ابنُ فارسِ زهدم وأوردها ابن قتيبة في باب المقلوب من (تأويل مشكل القرآن) قال: ويئست بمعنى علمت، من قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ الآية لأن في علمك الشيء وتيقنك له يأسَك من غيره. وأنشد بيت سحيم. وهي عند الزمخشري من المجاز: تقول قد يئست أنك رجل صدق - بمعنى علمت - وأنشد الشاهدين. وذلك أنه مع الطمع القلقُ، ومع انقطاعه السكوتُ والطمأنينة كما مع العلم، ولذلك قيل: اليأس إحدى الراحتين. (س) وهو نحو من توجيه الفراء، مع إنكاره أن يكون ييأس بمعنى يعلم محفوظاً من

стр. 303

كلام العرب. وردّه الطبري بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. وحكاه عنه ابن حجر في (فتح الباري) وفي القرآن الكريم غير آية الرعد، إحدى عشرة كلمة، والذي أطمئن إليه، والله أعلم، أن اليأس فيها على أصل معناه في القنوط وانقطاع الرجاء، بصريح السياق في آياتها البينات: الطلاق ٤: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ المائدة ٣: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ الممتحنة ١٣: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ ومعها آية العنكبوت ٢٣ يوسف ٨٧: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ يوسف ٨٠: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ يوسف ١١٠: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ هود ٩: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ ومعها آيتا الإسراء ٨٣ وفُصلت ٤٩. وى يبعد أن نستأنس بها لفهم اليأس في آية الرعد بمعنى أنه قد آن للذين آمنوا أن يقنطوا من الذين كفروا، ويقطعوا الرجاء فيهم، بما عملوا ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ نظير قوله : ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ الأنعام ٣٥ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يونس ٩٩. وإجماع أهل التأويل على القول بأن معنى "أفلم ييأس" أفلم يعلم أو: أفلم يتبين، هو مقتضى اليأس من الذين كفروا، كما يفهم من توجيه الفراء وابن قتيبة

стр. 304

والزمخشري، وهو صريح قول الراغب: اليأس انتفاء الطمع، يقال: يئس واستيأس، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقيل معناها أفلم يعلموا، ولم يُرد أن اليأس موضوع في كلامهم للعلم، إنما قصد أن يأس الذين آمنوا من ذلك يقتضي العلم، فإذاًَ ثبوت يأسهم مقتضى حصول علمهم". والله أعلم. وأحسب أن الشاهد للمسألة، أقوى بمثل هذا التوجيه، مما لو حُمِل على علم الأقوام بأنه ابنُ أبيه، وإن كان عن أرض العشيرة نائيا. * * * ١١ - ﴿مَثْبُورًا﴾ وسأله عن معنى قوله تعالى: ﴿مَثْبُورًا﴾ قال: ملعونا محبوساً من الخير، واستشهد بقول عبد الله بن الزبعرى: [ذ أُبَارِى الشيطان في سنن الغيً. . . ومن مال مَيْلَه مثبورُ] (تق، ك، ط) = الكلمة من آية الإسراء ١٠٢ في الآيات التسع لموسى ﵇: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ وحيدة الصيغة في القرآن، ومن مادتها جاء "ثُوراً" أربع مرات: ثلاث في آيتى الفرقان: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا

стр. 305

وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ ١٣، ١٤ والرابعة في آية الانشقاق. ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرً﴾ - ١١ وهذا هو كل ما في القرآن من المادة. تأويلها في المسألة باللعنة والحبس عن الخير، أسنده الطبري عن ابن عباس. ونقل "الراغب" في (المفردات) في معنى الكلمة بآية الإسراء: "قال ابن عباس ﵁: يعني ناقص العقل، ونقصان العقل أعظم هُك" وهو ما أسنده الطبري عن ابن زيد وأسند معه عن مجاهد وقتادة: هالكاً. والتفسير على القولين، تقريب لا يفوتنا معه ما في "الثبور" من حس الهلاك الذي لا ينفك ولا يتراخى. وهو ما لم يفت "الراغب" في تفسير الثبور بالهلاك والفساد المثابر على الإتيان. وفي (الأساس) : ثابر على الأمر مثابرة. وثبره الله أهلكه دائماً لا ينتعش منه. ومن ثم يدعو أهل النار ثبوراً. * * * ١٢ - ﴿فَأَجَاءَهَا﴾ وسأله عن معنى قوله تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ فقال ابن عباس: ألجأها. واستشهد بقول حسان بن ثابت: إذْ شدَدْنا شدَّةً صادقةً. . . فأجَأنْاكُم إلى سفحِ الجبَلْ (تق، ك، ط) = الكلمة من آية مريم ٢٣: فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾

стр. 306

ولو يأت الفعل: أجاء، رباعياً مزيداً بالهمزة، إلا في هذه الآية. وأما الثلاثي منه فكثير، مبنياً للمعلوم وللمجهول. ذهب الفراء إلى أن ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ من: جئت، كما تقول: فجاء بها المخاض إلى جذع النخلة. . . كما تقول: آتيتُكَ زيداً، تريد: أتيتك بزيد. ولغة أخرى لا تصلح في الكتاب وهي تميمية: فأشاءها المخاض. ومن أمثال العرب: شرُّ مَّا ما ألجأك إلىَّ. . . وأهل الحجاز والعالية يقولون: شرُّ ما أجاءك، وتميم تقول: شر ما أشاءك. وحكاه عنه الأزهري في (التهذيب: ج أى) ونحوه عند الطبري. وتأويلها في المسألة بـ: ألجأها، أسنده الطبري عن ابن عباس، وأسند عن قتادة، قال: اضطرها. واختاره الطبري والقرطبي، وأنشدوا بيت زهير: وجارٍ سارَ معتمداً إلينا. . . أجاءتْه المخافة والرجاء وهو شاهد أبي حيان لمعنى: ساقها وفي الإجاءة بها من معنى شدة الموقف وعسر الاضطرار، ما ليس في كلمة "ألجأها" بما تفيد من معنى الملجأ والملاذ، بصريح آياتها الثلاث في الكتاب المحكم: التوبة ٥٧، في المنافقين المتخاذلين: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ التوبة ١١٨، في الصحابة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، لغير نفاق، فتاب الله عليهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾

стр. 307

الشورى ٤٧: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ . والأمر كذلك في بيت حسان ﵁ شاهداً على أن السيطرة على الموقف كانت للمسلمين بعد الجولة الأولى من أُحدٍ، فأجاءوا المشركين إلى سفح الجبل. وتفسير الإجاءة بهم بالإلجاء، يفيد أن المسلمين جعلوا لعدوهم ملجأ، وليس المراد. وإنما يريد حسان تقرير ما كان للمسلمين من سيطرة على الموقف، فكانوا هم الذين أجاءوا عدوهم إلى سفح أُحُد. * * * ١٣ - ﴿نَدِيًّا﴾ وسأل ابن الأزرق عن معنى قوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ فقال ابن عباس: النادى، المجلس واستشهد له بقول الشاعر: يومانِ، يومُ مَقاماتٍ وأنديةٍ. . . ويومُ سيرٍ إلى الأعداءِ تأويب (تق) زاد في (ك، ط) : المجلس والتكأة = الكلمة من آية مريم ٧٣: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ وحيدة الصيغة في القرآن. وجاء النادى مرتين في آيتى: العلق ١٧: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾

стр. 308

والعنكبوت ٢٩، في قوم لوط: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ وسائر ما في القرآن من النداء: فعلاً ومصدراً واسم فاعل. ومن التنادي في آية القلم ٢١: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ . وأما مقام، فيأتي مصدراً نحو ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ ونحوه "يا قوم أن كان كبُر عليكم قيامي وتذكيري بآيات الله" ويأتي اسم زمان ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ واسم مكان ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ﴿نَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ لا يرادبه منزل إبراهيم ومقعد سليمان ﵉، بل حيث كانا يقومان أو باعتبار قيامهما كما قال الراغب. والسؤال عن قوله تعالى "نديا" والجواب: النادى المجلس. والمعاجم تجمع بين الندى والنادى والمنتدى والندوة، لمجتمع القوم ومجلسهم. وفي تأويل الآية قال البخاري: "نديا" والنادى واحد، مجلسا. وأسنده الطبري عن ابن عباس من عدة طرق، قال: المقام المنزل والندى المجلس. وعنه أيضاً بلفظ: المقام المسكن والندى المجلس والنعمة والبهجة التي كانوا فيها. وعن قتادة: قال: مجلساً، وقرأ ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ . وفي الندى والنادى، دلالة التنادي والتجمع، وهي أصل في المادة. قيده الجزهري باجتماع القوم في المجلس، فإن تفرقوا فليس بندى (ص) وقال الراغب: وعُبَّر عن المجالسة بالنداء حتى قيل للمجلس: النادى والمنتدى والندى. وقيل ذلك للجليس ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ - المفردات. والمقام والندى في الآية وفي الشاهد، في موضع الفخر والمباهاة، فلا يكونان مجرد مسكن ومنزل ومجلس، بل ما هو منهما من العظمة والجاه والكثرة بحيث يُباهَى بهما ويُفاخر، والله أعلم.

стр. 309

١٤ - ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ وسأله عن معنى قوله تعالى: ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ . قال: الأثاث المتاع، والرئى الشراب. واستشهد بقول الشاعر: كأن على الحمول غداةَ ولَّوْا. . . من الرئى الكريم من الأثاث (تق، ك، ط) وفيهما: الرى = الكلمة من آية مريم ٧٤: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ ومعها أثاث في آية النحل ٨٠: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ وأما رئِى، فوحيدة الصيغة في القرآن، على كثرة ما جاء فيه من المادة في الرؤية والرأى والرؤيا، ورثاء والمراءاة والترائي. . . وتفسير الأثاث في المسألة بالمتاع، أخرجه البخاري في كتاب التفسير عن ابن عباس وأسنده الطبري عنه. وقال الفراء في معنى الآية: الأثاث المتاع، لا واحد لهما، وقد يجمعان. وخص الأزهري الأثاث بمتاع البيت. وخصه الهروى في (الغريبين) بما يلبس ويفترش. ويظهر من استقراء الآيات في الكلمتين أن الأثاث يستعمل، أكثر ما يستعمل، في متاع البيت بخاصة، ومع ملحظ الوفرة والكثرة. وقلما استعمل في المعنوي. وأما المتاع، فعامَّ فيما هو من متاع الدنيا، غير مقصور على الأثاث. وتتصرف العربية في المتاع، على سبيل المجاز بمثل قولهم: متع النهار متوعاً، إذا ارتفع غاية

стр. 310

الارتفاع ما قبل الزوال؛ وشيء ماتع: بالغ في الجودة، ورجل ماتع: كامل في خصال الخير (س) ويَقْوَى هذ الملحظ في الفرق بين خصوص الأثاث وعموم المتاع، بعطف أحدهما على الآخر في آية النحل. مع تدبر آياتٍ في المتاع، لا يقبل سياقها أن تُحمل الكلمة على معنى الأثاث. الحجر ٨٨: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ معها: آية طه ١٣١ البقرة ٣٦: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ معها: الأعراف ٢٤ المائدة ٩٦: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ الرعد ١٧: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ يس ٤٤: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ البقرة ٢٤١: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ معها: البقرة ٢٣٦ والنساء ٢٤ والأحزاب ٤٩، ٢٨ محمد ١٢: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ آل عمران ١٤: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ آل عمران ١٨٥: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ معها: الحديد ٣٥ الأنبياء ١١١: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ واضح أن المتاع فيها، عام لمتع الحياة الدنيا، وليس كذلك "الأثاث" بخصوص دلالته في آيتيه من الكتاب المحكم. وتفسير "رئى" بأنه: من الشراب، كأنه أُخِذ من الرَّىَّ، وليست قراءة الأئمة السبعة، وفيها قال الطبري: وقرأ الجمهور "ورئيا" من رؤية العين، فِعْل بمعنى مفعول كالطِحْنِ والسِقى. ثم أسند عن ابن عباس قال: الرئى المنظر. وفي رواية عنه: المنظر الحسن. والمهموزُ من مادة رأى، لا تنفك عنه دلالة الرؤية

стр. 311

بالحاسة، أو الرأى بالفكر والعقل، والرؤيا لما يُرى في المنام. فكذلك الرئى، فيه ما يُرى شُهوداً، أو بالوهم والتخييل كقولهم للتابع من الجن: رَئِى. ولا يدبو لي وجهُ تقريبٍ لتفسير الرئى، من الشراب. في ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ بل تظل لة دلالة الرؤية الملحوظة في سائر استعمال العربية للمادة؛ فيقرُب أن يكون: مشهداًَ، ومنظرا يُرى بالعين أو يُتخيل على الوهم والظن والفتنة. كما ر يبدو تخريج الشاهد الشعري على معنى: * من الشراب الكريم من الأثاث * قريباً. وأقرب منه أن نفهمه بمعنى المشهد المرئي والمنظر. * * * ١٥ - ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ وسأله عن معنى قوله تعالى: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾ فقال: القاع الأملس والصفصف المستوى. سأله نافع: وهلى تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول: بِمَلمُومَةٍ شهباءَ لو قذفوا بها. . . شماريخَ من رَضْوَى إذاً عادَ صفصفا (تق، ك، ط) = الكلمتان من آية طه ١٠٦ في يوم القيامة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ القاع، واحدُ القيعان، وحيدة الصيغة في القرآن. واوية، قلبت ياء قيعان، لكسر ما قبلها (ص) ومن المادة جاءت قيعة، في آية النور ٣٩: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾

стр. 312

ودلالة الهبوط والانخفاض في القاع أقرب من دلالة الملاسة. وهو في الأصل اللغوي لما انحفض من الأرض وهبط. وصيغة صفصف، وحيدة في القرآن كذلك، وجاء فيه من المادة صفّ، وصافاتِ والصافات، وصواف، ومصفوفة. ومعناهما عند الفراء: القاع، والقيعة: المستنقع، وما نبسط من الأرض ويكون فيه السراب وهماً: والصفصف الأملس الذي لا نبات فيه. وفي تفسير البخاري: قاعاً، يعلوه الماء، والصفصف المستوى من الأرض. وفي تأويل الطبري: قاعاً، أرضاً ملساء. صفصفا: مستويا لا نبات فيه. وأسنده عن ابن عباس وغيره من أهل التأويل. وتفسيره بالمستوى، نُظر فيه إلى الصفَّ. ومعنى الخلاء في الصفصف أقرب. والعربية تقول: صفصَف، إذا سار وحده. ودلالة الاستواء في الصفصف على ما فسرها به ابن عباس وغيره، من حيث لا ترى في القاع الخالي الأجرد علامةً تتميز من غيرها أو تظهر بارزة. وأما الصف، فيأخذ معنى الأستواء فيه، دلالَة النظام والترتيب. ومنه "صافات، وصوافّ، ومصفوفة" والله أعلم. * * * ١٦ - ﴿تَضْحَى﴾ وسأل ابن الأزرق عن معنى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ فقال ابن عباس: لا [تعرق] فيها من شدة الحر. ولما سأله: وهل تعرف

стр. 313

العرب ذلك؟ أجاب: نعم، أما سمعت الشاعر يقول: رأتْ رجلا أمَّا إذا الشمسُ عارضتْ. . . فيضحَى، وأما بالعَشىَّ فيَخصِرُ (تق، ك، ط) = الكلمة من آية طه ١١٩: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ وحيدة الصيغة في القرآن. وجاء "الضحى" الوقت من النهار في آية الضحى. وجاء نكرة: ضحَّى، في آيتى طه (٥٩) والأعراف (٩٨) وضحاها، ثلاث مرات في آيات النازعات ٤٦، ٤٩ والشمس وضُحاها. وتفسير "لا تضحى" بِ: لا تعرق من شدة الحر إنما يكون على وجه تقريبٍ لا يفوتنا معه أصل دلالة الضحى على الوقت بعينه من النهار فويق ارتفاع الشمس. ومنها يجئ الاستعمال في كل ما وَقَع أو فُعِلَ في هذا الوقت، ومشتقات المادة تدور حول هذا المعنى. وقيل لمن ضربته الشمس: ضَحَا. ولعله أقرب إلى معنى الكلمة في آية طه، من العرق من شدة الحر. قال الفراء في معنى الكلمة: لا تصيبك شكس مؤذية. وذُكر في بعض التفسير: لا تعرق، والأول أشبه بالصواب. قال الشاعر * رأت رجلا * البيت. وفي تأويل الطبري: لا تظهر للشمس فيؤذيك حرها، وأسند نحوه عن ابن عباس وعدد من أهل التأويل. وقد فسره "الراغب" بنحو هذا فقال في (المفردات) : أي لك أن تتصون من حرَّ الشمس. وهو أيضاً ما يُفهَم به الشاهدُ من بيت عمر على ما قال الفراء وقد فسره المبرد في الكامل بقوله: يضحى، يظهر للشمس، ويخصر: في البَرْديَنَ: بَرْدِ العِشىَّ وما بعده. وتلا الآية.

стр. 314

١٧ - ﴿خُوَارٌ﴾ : وسأل ابن الأزرق عن معنى قوله تعالى: ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ فقال ابن عباس: صياح. واستشهد بقول الشاعر: كأن بنى معاويةَ بنِ بكرٍِ. . . إلى الإسلام صائحةٌ تخورُ (تق، م ط) = الكلمة من آيتى: الأعراف ١٤٨: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ طه ٨٨: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ وليس في القرآن غيرهما من المادة. ولا يبدو قريباً وجه سؤال عن "خوار" والجواب عنه بصياح، فالخوار من المصادر القياسية في العربية، لصوت البقر بخاصة، كالمواء والنباح والعواء لأصوات الهر والكلب والذئب. ولعل السؤال عن خوار عجل جسد، مجوف كما في معاني القرآن للفراء (آية الأعراف) أو مصمت كما في تفسير القرطبي للآية. وفي آية الأعراف: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ . وآية طه متلوه بقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ . وبخوار هذا العجل الجسد الذي لا يكلمهم ولا يرجع لهم قولاً، شغل المفسرون وعلماء القرآن، مع قوله تعالى في ردهم على موسى ﵇: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾

стр. 315

في معاني الفراء: وجاء في التفسير أنه خار مرة واحدة. وفي تفسير البخاري عن مجاهد: من حليهم: زينة القوم التي استعاروا من آل فرعون. وفي فتح الباري: وصله الفريابى عن مجاهد. وأخرج الحاكم من حديث علي كرم الله وجهه، قال: عمد السامري إلى ما قدر عليه من الحلى فضربه عجلاً ثم ألقى القبضة في جوفه فإذا هو عجل له خوار (٨ / ٣٠٢) . والقصة بتفصيل في كتاب الأنبياء في تفسير البخاري، وفي المطولات من كتب التفسير كالطبري وجامع القرطبي. وفي تأويل المسألة، فجاءت منه صيحة في أخذه العدو (المنافقون) وأخذه الدمار الساحق (هود، والحجر، والعنكبوت) وصيحة البعث ليوم القيامة (يس، ق) . كذلك لا يبدو حمل الخوار على الصياح في الشاهد، قريباً: وإنما الخوار فيه مستعار من خوار البقر. * * * ١٨ - ﴿وَلَا تَنِيَا﴾ وسأله عن معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ قال: لا تضعفا عن أمرى. وشاهده قول الشاعر: إني وجَدَّكَ ما ونيت ولم أزل. . . أبغي الفِكاكَ له بكل سبيلِ (تق، ك، ط) = الكلمة من آية طه ٤٢، خطاباً لموسى وأخية هارون ﵉: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ وحيدة في القرآن صيغة ومادة. وأما الضعف فكثير: الفعل الثلاثي ومصدره، وضِعف وضِعفان وأضعاف.

стр. 316

والرباعي من المضاعفة ومصدره، والسداسي من الاستضعاف، وضعيف وضعفاء والمستضعفون. في كتاب الأنبياء من صحيح البخاري عن مجاهد أيضاً: لا تضعفنا. وأسنده الطبري عن ابن عباس وجمهور أهل التأويل بلفظه أو بلفظ لا تبطئا. لم يذكر خلافاً بينهم إلا ما أسنده عن ابن زيد قال: الواني الغافل. والروايتان عن ابن عباس في جامع القرطبي. وفيه عن أبَانَ، قال: لا ينى لا يزال. وبها فسر الآية واستشهد بقول طرفة: كأنَّ القدروّ الراسِيَاتِ أمامهم. . . قدور بَنَوْها لا تَنىِ أبدا تغلى قال القرطبي: والونى الضعف والفتور والكلال والإعياء، وكله مراد في الآية. وفي الوني من دلالة الإبطاء والتقصير وفتور الهمة والعزيمة، ما ليس في الضعف، أكثر ما يكون في العجز وضعف القوة والطاقة، لا عن توان وتقصير بالضرورة. والعربية فرقت بين ما يكون من التواني تراخياً وفتوراً وإبطاء، ومن الأناة حِلما وتمهلاً. ومعنى التقصير والفتور أقرب إلى "ما ونيت" في شاهد المسألة من تفسيره بمطلق الضعف قد يكون عن اضطرار وعجز. * * * ١٩ - ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ وسأله عن معنى قوله تعالى: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ فقال: القانع الذي يقنع بما أُعطى، والمعرُّ الذي يعترض الأبوابَ. سأله نافع: هل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول:

стр. 317

على مُكثِريهم حقُّ مَن يعتريُهمُ. . . وعند المُقِلَّينَ السماحةُ والبذلُ (تق) ووقع في مخطوطتى (ك، ط) : والمعتر الذي يعترض = الكلمتان من آية الحج ٣٦ في الأحكام: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وحيدتان في تالقرآن صيغة. ومن مادة (ق ن ع) جاء اسم الفاعل جمعا من الإقناع في آية إبراهيم ٤٣: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ ومن مادة (ع رَ رَ) جاءت معرة في آية الفتح ٢٥: ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ . ذهب الفراء إلى أن معناهما في الآية: القانع الذي يسألك فما أعطيته من شيء قَبِلَه. والمعتر ساكت يتعرض لك عند الذبيحة ولا يسألك". على أن الأصمعي عدَّ القانع من الأضداد قال: القانع الراضي بما قسم الله ومصدره القناعة. والقانع السائل ومصدره القُنوع. ورأيت أعرابياً يقول في دعائه: "اللهم إني أعوذ بك من القنوع والخنوع والخضوع، وما يغض طرْفَ المرء ويغرى به لئامَ الناس". قال عدى: وما خُنتُ ذا عهد وأبْتُ بِعهدِه. . . ولأم أحْرم المضطر إذ جاء قانعاً فالقانع السائل. والمعتر الذي يأتيك ويتعرض لك ولا يسأله. قال الشماخ:

стр. 318

لَمالُ المرء يصلحه فيغنى. . . مَفَارقه أعفُّ من القنوع أي أعف من المسألة. قال لبيد في القناعة: فمنهم سعيد آخِذ بنصيبه. . . ومنهم شقى بالمعيشة قانعُ ومثله بلفظه وشواهده في الأضداد لابن السكيت. وقريب منه في الأضداد للسجستاني ولابن الأنباري. وفي تأويل الآية، نقل الطبري من اختلاف أهل التأويل في المعنى بالقانع والمعتر، ما لا يسهل التوفيق بين أقوالهم فيهما: فالقانع المستغني بما أعطيته وهو في بيته، والمعتر الذي يتعرض لك أن تطعمه ولا يسأل: عن ابن عباس وآخرين من أهل التأويل بلفظ مقارب. وعنه أيضاً وآخري: القانع والمتعفف والمعتر السائل. وعن غيرهم: القانع هو السائل والمعتر الذي يعتريك ولا يسأل. واختار الطبري قول من قال: عنى بالقانع السائل، والمعتر الذي يأتيك معترا بك لتعطيه وتطعمه. زاد القرطبي، على ما في الطبري من مختلف الأقوال: وقال مالك ﵁: سمعت أن القنه؛ الفقير، والمعتر الزائر. والله أعلم. * * * ٢٠ - ﴿مَشِيدٍ﴾ وسأل ابن الأزرق عن معنى قوله تعالى: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾

стр. 319

فقال ابن عباس: مشيد بالجصِ والآجُرَّ. واستشهد ببيت عدى بن زيد: شاده مَرمراً وكلله كلْـ. . . ـساً فللطيرِ في ذُرَاه وُكورُ (تق، م، ط) = الكلمة من آية الحج ٤٥: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ وحيدة الصيغة في القرآن، اسم مفعول من شاد، الثلاثي. ومعها ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ من الرباعي المضعف العين، في آية النساء ٧٨: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ . قال أبو عبيدة: المُشيَّد المطوَّل والمعمول بالشِيد وهو كل شيء طليت به الحائط من جص أو بلاط. وعن الكسائي: "مشِيد" مخففا للواحد، من قوله تعالى: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ ومشُيَّد للجمع، من قوله تعالى ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ . حكاهما الأزهري في (التهذيب) وأنشد بيت عدى. ومثله في (الصحاح) بغير الشاهد. والذي في معاني القرآن للفراء (آية النساء) : يشدَّد ما كان من جمع مثل قولحك ثياب مصبغة وأكبُش مذبحة فجاز التشديد لأن الفعل متفرق في جمع، فإذا أفردت الواحد من ذلك، فإن كان الفعل يتردد في الواحد ويكثر جاز فيه التشديد والتخفيف مثل ثوب ممزق وكبش مذبوح، ولا تقل مُذَبَّح لأن الذبح لا يتردد فيه كتردد التمزق في الثوب. ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ ، يجوز فيه التشديد لأن التشييد بناء فهو يتطاول ويتردد. يقاس على هذا ما ورد (١ / ٢٧٧) .

стр. 320

في تفسير البخاري: عن مجاهد، مشيد بالقَصَّة، جِصَّ - الضبط من فتح الباري ٨ / ٣٠٨ - وأسنده الطبري عن مجاهد من عدة طرق، وفي راوية منها بالقصة أو الفضة. وعن قتادة: كان أهله شيدوه وحصنوه. ونحوه عن السدى والضحاك: قصر رفيع طويل. واختار الطبري: المجصص، لأن الشيد في كلام العرب الجص. قال: وقد يجوز أن يكون معنياً بالمشيد المرفوع بناؤه. وأنشد بيت عدى بن زيد. ودلالة رفع البنيان أصل في شاد، ونقل مجازاً إلى الإشادة بالذكر أو بالصوت والعورات (الأساس والنهاية) والتشييد يفيد بالتضعيف ملحظَ تقويةٍ وتحصين كما ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ . ويتعين في الشاهد من قول "عدى" أن القصر مشيد بالمرمر مكلل بالكلس، بصريح لفظه. * * * ٢١ - ﴿شُوَاظٌ﴾ قال: أخبرني عن قول الله : ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ ما الشواظ؟ قال: هو اللهب الذي لا دخان له قال: وهل كانت العرب تعلاف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمد ﷺ ؟ قال: نعم، أما سمعت بقول أمية بن خلف وهو يهجو حسان بن ثابت وهو يقول: ألا من مبلغ حسانً عني. . . مغلغلة تدب إلى عكاظ أليس أبوك فينا كان قينا. . . لدى القينات فَسْلاً في الحفاظ يمانيا يظل يشب كِيراً. . . وينفخ دائبا لهب الشواظ من (ظ) في روايتى الحراني من طريق جويبر عن الضحاك. ومثلها في (ق) وفي رواية الحناط من طريق عكرمة
следующие страницы →