Полный текст (584 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
والرباعي من المضاعفة ومصدره، والسداسي من الاستضعاف، وضعيف وضعفاء والمستضعفون.
في كتاب الأنبياء من صحيح البخاري عن مجاهد أيضاً: لا تضعفنا. وأسنده الطبري عن ابن عباس وجمهور أهل التأويل بلفظه أو بلفظ لا تبطئا. لم يذكر خلافاً بينهم إلا ما أسنده عن ابن زيد قال: الواني الغافل.
والروايتان عن ابن عباس في جامع القرطبي. وفيه عن أبَانَ، قال: لا ينى لا يزال. وبها فسر الآية واستشهد بقول طرفة:
كأنَّ القدروّ الراسِيَاتِ أمامهم. . . قدور بَنَوْها لا تَنىِ أبدا تغلى
قال القرطبي: والونى الضعف والفتور والكلال والإعياء، وكله مراد في الآية. وفي الوني من دلالة الإبطاء والتقصير وفتور الهمة والعزيمة، ما ليس في الضعف، أكثر ما يكون في العجز وضعف القوة والطاقة، لا عن توان وتقصير بالضرورة. والعربية فرقت بين ما يكون من التواني تراخياً وفتوراً وإبطاء، ومن الأناة حِلما وتمهلاً.
ومعنى التقصير والفتور أقرب إلى "ما ونيت" في شاهد المسألة من تفسيره بمطلق الضعف قد يكون عن اضطرار وعجز.
* * *
١٩ - ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾
وسأله عن معنى قوله تعالى: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾
فقال: القانع الذي يقنع بما أُعطى، والمعرُّ الذي يعترض الأبوابَ. سأله نافع: هل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول:
стр. 317
على مُكثِريهم حقُّ مَن يعتريُهمُ. . . وعند المُقِلَّينَ السماحةُ والبذلُ
(تق) ووقع في مخطوطتى (ك، ط) :
والمعتر الذي يعترض
= الكلمتان من آية الحج ٣٦ في الأحكام:
﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
وحيدتان في تالقرآن صيغة.
ومن مادة (ق ن ع) جاء اسم الفاعل جمعا من الإقناع في آية إبراهيم ٤٣: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾
ومن مادة (ع رَ رَ) جاءت معرة في آية الفتح ٢٥:
﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .
ذهب الفراء إلى أن معناهما في الآية: القانع الذي يسألك فما أعطيته من شيء قَبِلَه. والمعتر ساكت يتعرض لك عند الذبيحة ولا يسألك".
على أن الأصمعي عدَّ القانع من الأضداد قال: القانع الراضي بما قسم الله ومصدره القناعة. والقانع السائل ومصدره القُنوع. ورأيت أعرابياً يقول في دعائه: "اللهم إني أعوذ بك من القنوع والخنوع والخضوع، وما يغض طرْفَ المرء ويغرى به لئامَ الناس".
قال عدى:
وما خُنتُ ذا عهد وأبْتُ بِعهدِه. . . ولأم أحْرم المضطر إذ جاء قانعاً
فالقانع السائل. والمعتر الذي يأتيك ويتعرض لك ولا يسأله. قال الشماخ:
стр. 318
لَمالُ المرء يصلحه فيغنى. . . مَفَارقه أعفُّ من القنوع
أي أعف من المسألة. قال لبيد في القناعة:
فمنهم سعيد آخِذ بنصيبه. . . ومنهم شقى بالمعيشة قانعُ
ومثله بلفظه وشواهده في الأضداد لابن السكيت. وقريب منه في الأضداد للسجستاني ولابن الأنباري.
وفي تأويل الآية، نقل الطبري من اختلاف أهل التأويل في المعنى بالقانع والمعتر، ما لا يسهل التوفيق بين أقوالهم فيهما: فالقانع المستغني بما أعطيته وهو في بيته، والمعتر الذي يتعرض لك أن تطعمه ولا يسأل: عن ابن عباس وآخرين من أهل التأويل بلفظ مقارب.
وعنه أيضاً وآخري: القانع والمتعفف والمعتر السائل. وعن غيرهم: القانع هو السائل والمعتر الذي يعتريك ولا يسأل. واختار الطبري قول من قال: عنى بالقانع السائل، والمعتر الذي يأتيك معترا بك لتعطيه وتطعمه.
زاد القرطبي، على ما في الطبري من مختلف الأقوال:
وقال مالك ﵁: سمعت أن القنه؛ الفقير، والمعتر الزائر. والله أعلم.
* * *
٢٠ - ﴿مَشِيدٍ﴾
وسأل ابن الأزرق عن معنى قوله تعالى: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾
стр. 319
فقال ابن عباس: مشيد بالجصِ والآجُرَّ. واستشهد ببيت عدى بن زيد:
شاده مَرمراً وكلله كلْـ. . . ـساً فللطيرِ في ذُرَاه وُكورُ
(تق، م، ط)
= الكلمة من آية الحج ٤٥:
﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾
وحيدة الصيغة في القرآن، اسم مفعول من شاد، الثلاثي.
ومعها ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ من الرباعي المضعف العين، في آية النساء ٧٨:
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ .
قال أبو عبيدة: المُشيَّد المطوَّل والمعمول بالشِيد وهو كل شيء طليت به الحائط من جص أو بلاط. وعن الكسائي: "مشِيد" مخففا للواحد، من قوله تعالى: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ ومشُيَّد للجمع، من قوله تعالى ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ .
حكاهما الأزهري في (التهذيب) وأنشد بيت عدى. ومثله في (الصحاح) بغير الشاهد.
والذي في معاني القرآن للفراء (آية النساء) : يشدَّد ما كان من جمع مثل قولحك ثياب مصبغة وأكبُش مذبحة فجاز التشديد لأن الفعل متفرق في جمع، فإذا أفردت الواحد من ذلك، فإن كان الفعل يتردد في الواحد ويكثر جاز فيه التشديد والتخفيف مثل ثوب ممزق وكبش مذبوح، ولا تقل مُذَبَّح لأن الذبح لا يتردد فيه كتردد التمزق في الثوب. ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ ، يجوز فيه التشديد لأن التشييد بناء فهو يتطاول ويتردد. يقاس على هذا ما ورد (١ / ٢٧٧) .
стр. 320
في تفسير البخاري: عن مجاهد، مشيد بالقَصَّة، جِصَّ - الضبط من فتح الباري ٨ / ٣٠٨ - وأسنده الطبري عن مجاهد من عدة طرق، وفي راوية منها بالقصة أو الفضة. وعن قتادة: كان أهله شيدوه وحصنوه. ونحوه عن السدى والضحاك: قصر رفيع طويل. واختار الطبري: المجصص، لأن الشيد في كلام العرب الجص. قال: وقد يجوز أن يكون معنياً بالمشيد المرفوع بناؤه. وأنشد بيت عدى بن زيد.
ودلالة رفع البنيان أصل في شاد، ونقل مجازاً إلى الإشادة بالذكر أو بالصوت والعورات (الأساس والنهاية) والتشييد يفيد بالتضعيف ملحظَ تقويةٍ وتحصين كما ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ .
ويتعين في الشاهد من قول "عدى" أن القصر مشيد بالمرمر مكلل بالكلس، بصريح لفظه.
* * *
٢١ - ﴿شُوَاظٌ﴾
قال: أخبرني عن قول الله : ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ ما الشواظ؟
قال: هو اللهب الذي لا دخان له قال: وهل كانت العرب تعلاف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمد ﷺ ؟ قال: نعم، أما سمعت بقول أمية بن خلف وهو يهجو حسان بن ثابت وهو يقول:
ألا من مبلغ حسانً عني. . . مغلغلة تدب إلى عكاظ
أليس أبوك فينا كان قينا. . . لدى القينات فَسْلاً في الحفاظ
يمانيا يظل يشب كِيراً. . . وينفخ دائبا لهب الشواظ
من (ظ) في روايتى الحراني من طريق جويبر عن الضحاك. ومثلها في (ق) وفي رواية الحناط من طريق عكرمة
стр. 321
عن ابن عباس، جاء في (ظ) : فأجابه بمثل الجواب في حديث الحراني، غير أنه قال: الشعر لأمية بن أبي الصلتِ. مثلها في (طب) وكذلك في (تق، ك، ط) مع الاقتصار فيها على البيت الثالث محل الشاهد وصدره فيها: * يظل يشب كيرا بعد كبر *
* * *
= الكلمة من آية الرحمن ٣٥:
﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
وحيدة صيغة ومادة.
تأويلها في المسألة باللهب الذي لا دخان فيه، قال الزجاج فيما حكى عنه الأزهري في (التهذيب: شواظ) ومعه عن ابن شميل قال: يقال لدخان النار شواظ، ولحرها شواظ، وحر الشمس شواظ".
وفي (معاني القرآن للفراء: آية الرحمن) : والشواظ النار المحضة.
وفي (الكشاف) : والشواظ اللهب الخالص. وفي (مفردات الراغب) مثل ما في المسألة. على أن الطبري نقل عن ابن عباس: لهب النار. وعن الضحاك وقتادة: لهب من نار (سورة الرحمن) ولا يبدو قريباً من الشاهد من بيت "أمية بن خلف" حملُه على معنى: وينفخ دائبا لهب اللهب بلا دخان. والله أعلم.
стр. 322
٢٢ - ﴿أَفْلَحَ﴾
وسأل ابن الأزرق عن معنى قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾
فقال ابن عباس: فازوا وسعدوا. واستشهد بقول لبيد بن ربيعة:
فاعقِلى إنْ كنتِ لَمَّا تعقلي. . . ولقد أفلح مَنْ كان عقَلْ
(تق) ك، ط، وزاد فيهما في جواب ابن عباس: يوم القيامة.
= الكلمة من آية المؤمنون الأولى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
وفي القرآن منه: أفلح، الماضي من الرباعي، أربع مرات، ومضارعع ثلاثاً وعشرين مرة واسم الفاعل منه، جمع مذكر سالم، مرتين.
إثباتاً للفلاح وبشرى: للمؤمنين والمتقين، والصابرين، والمجاهدين، وحزب الله، والذين على هدى من ربهم.
ونفياً له عن: الكافرين، والظالمين، والمكذبين، والساحر، والذين يفترون على الله الكذب.
وتفسير الإفلاح بالفوز والسعادة قريب.
ومن معاني الفلاح في العربيةك النجاحُ وإدراك البغية. وميز "الراغب" بين ضربين منه: الدنيوي وهو الظفر بالسعادات التي تطيب بها الحياة الدنيا من بقاء وغنى وعز. قال: وإياه عَنى الشاعر بقوله:
أفلِحْ بما شئتَ فقد يُدرَك بالضـ. . . ـعفِ وقد يُخَدعَ الأرِيبُ
стр. 323
والضرب الآخر: فلاح أخروى: بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ذل، وعلم بلا جهل (المفردات) .
وإلى الفوز في الآخرة، وجَّهه الطبري في تأويله للآية، والقرطبي في آية البقرة: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ - ٥.
وهي الرواية في جواب المسألة في (ك، ط) : فازوا وسعدوا يوم القيامة. وفسره الطبري بمعنى "ظفر بحاجتة وأصاب خيراً".
وقج نميل إلى فهم إفلاح المؤمنين، بدلالة إسلامية على التوفيق إلى ما يرضى الله سبحانه ويرضيهم. والله أعلم. وهو في الشاهد من بيت "لبيد" أقرب إلى معنى نجاح المسعى وإدراك الطلب المراد.
* * *
٢٣ - ﴿يُؤَيِّدُ﴾
وسأل ابن الأزرق عن معنى قوله تعالى: ﴿يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾
فقال ابن عباس: يُقَوى. واستشهد ببيت حسان بن ثابت:
برِجالٍ لستمُ لأمثالَهم. . . أيَّدوا جبريلَ نصراً فَنَزلْ
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية آل عمران ١٣:
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾
стр. 324
وحيدة الصيغة، فعل مضارع، في القرآن الكريم.
ومعها الفعلَ الماضي ثماني مرات، و (الأيْدُ) في آية:
ص ١٧: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ .
والملحظ الاستقرائي لسياقها، هو أن كل تأييد في القرآن، من الله تعالى. يطرد ذلك في آياته التسع التي جاء الفعل فيها مسنداً إليه سبحانه، مثبتاً غير منفي.
وتفسير التأييد بالتقوية قريب، على ألا يفوتنا هذا الملحظُ من الدلالة الإسلامية في اختصاص التأييد في القرآن، بكونه من الله تعالى وحده، فليس إلا لحزبه المؤمنين المتقين المجاهدين. وكذلك "الأيد" لعبده داود فضلاً من الله ومِنَّة.
وأما القوة، فقد تأتي بمعنى البأس والجبروت، كالذي في آيات:
النمل ٣٢ في الملأ من سبأ: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ .
محمد ١٣: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾
فاطر ٤٤: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾
معها آيات: (القصص ٧٨، الروم ٩، غافر ٢١، ٨٢ وفصلت ١٥) وقد يوصف المخلوق بالقوة، كالذي في آيتى: القصص ٧٨، والروم ٥٤. كما قد تكون القوة من العباد، كالذي في آيتى هود ٨٠ والكهف ٩٥.
وليس كذلك التأييد في الكتاب المحكم، مسنداً إلى الله سبحانه ومتعلقاً بالصفوة من عباده، لا بطاغوت الكفر وبأس الجبابرة.
* * *
стр. 325
٢٤ - ﴿نُحَاسٌ﴾
قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿نُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ ما النحاس؟
قال: هو الدخان الذي لا لهب فيه. قال: وهل كانت العرف تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت بقول النابغة الجعدي:
يضئ كضوء سراج السلـ. . . ـيطِ لم يجعلِ الله فيه نُحاساً
من (ظ) في روايتى الحزانى. وفي رواية الحناط: نابغة بنى ذبيان. ومثله في (طب) ولم ينسبه في (تق، ك، ط) .
= الكلمة من آية الرحمن ٣٥:
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
وحيدة في القرآن.
ومن المادة جاء نحْس ونَحسات في آيتى القمر ١٩: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ .
فصلت ١٦: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾
في معاني القرآن للفراء (سورة الرحمن) : الشواظ النار المحضة. والنحاس الدخان. وأنشد الشاهد.
وروى الطبري بأسانيده، من اختلاف أهل التأويل في معناه: أنه الدخان، عن ابن عباس، وعنه أيضاً: الصفْر يعذبون به. وعن مجاهد وسفيان: يذاب الصفر من فوق رءوسهم. واختار القول بأنه الدخان، وأنشد بيت النابغة.
وكذلك نقل القرطبي عن مجاهد وقتادة ورواية عن ابن عباس، أنه الصفر
стр. 326
المذاب يصب على رءوسهم. وعنه أيضاً، وعن سعيد بن جبير: الدخان الذي لا لهب فيه. وهو قول الخليل. وعن ابن مسعود أنه المهل، وعن الضحاك: وهو دردى الزيت المغلي. وعن الكسائي: النار التي لها ريح شديدة.
وفي البحر المحيط: الدخان لا لهب فيه وهو معروف من كلام العرب - وأنشد بيت الجعدي - والنار لها ريح شديدة، وقيل الصفر المذاب.
قال الراغب: ﴿مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ : فالنحاس اللهيب بلا دخان، وذلك تشبيه في اللون بالنحاس. والنحس ضد السعد ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ وأصل النحس أن يحمر الأفق فيصير كالنحاس أي لهب بلا دخان، فصار ذلك مثلاً للشؤم (المفردات) .
والآيات الثلاث، في العذاب والشؤم. وأغنى سياقها من فسروا النحاس بمثل ما في المسألة. عن الاحتراز بأن اللهب بغير دخان قد ينفع في الدفء الاصطلاء، وفي الشي والإنضاج.
والله أعلم.
* * *
٢٥ - ﴿أَمْشَاجٍ﴾
قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ ما الأمشاج؟ قال: ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا في الرحم كان مشيجا. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال نعم، أما سمعت بقول أبي ذؤيب الهذلى:
стр. 327
كأن النَّصْل والفُوقَينِ منه. . . خلال الريشِ سِيطَ به مَشِيجُ
فجالتْ فالتمستُ به حَشَاها. . . فخرَّ كأنه خَوطْ هديج
(ظ) واقتصر في (طب، تق، ك، ط) على البيت الأول وفيه محل الشاهد
= الكلمة من آية الإنسان ٢:
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
وحيدة في القرآن صيغة ومادة.
فسره الفراء في معاني القرآن، بالأخلاط، ماء الرجل وماء المرأة والدم والعلقة. ويقال للشيء من هذا إذا خلط: مشيج وممشوج كخليط ومخلوط. نقله القرطبي وحكى معه عن المبرد: واحد الأمشاج مشج وهو هنا اختلاط النطفة بالدم. ومثله في (خلق الإنسان) وفيه عن ابن الأعرابي: يكون مشيج من لونين فهو مشج ومشيج. وفي رواية عن ابن عباس عند القرطبي "الأمشاج الحمرة في البياض والبياض في الحمرة" قال: وهذا قول يختاره كثير من أهل اللغة.
وفسره البخاري بمثل ما نقلنا عن الفراء. قال ابن حجر في الفتح: هو قول الفراء، قاله في ﴿أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة قال: من الرجل الجلدُ والعظم ومن المرأة الشعرُ والدم. ومن طريق الحسن: من نطفة مُشِجتْ بدم المرأة وهو دم الحيض. ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: مختلفة الألوان: ومن طريق ابن جريح عن مجاهد: أحمر وأسود. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود قال: الأمشاج العروق.
ولا يخرج عن هذه الأقوال ما في التفاسير الموسعة كالطبري والقرطبي وابن كثير والبحر المحيط. والله أعلم.
* * *
стр. 328
٢٦ - ﴿فُومِهَا﴾
وسأله عن قول الله : ﴿وَفُومِهَا﴾ ما الفوم؟ قال: الحنطة. أما سمعت قول أبي محجن الثقفي:
قد كنتُ أحسبني كأغنىَ واحدٍ. . . قدم المدينةَ عن زراعة فوم
(ظ، طب، تق) وزاد في (ك، ط) بعد بيت أبي محجن: قال: ومن قرأها على قراءة عبد الله بالثاء فهو هذا المنتن، قال أمية بن أبي الصلت:
كانت منازلهم إذا ذاك ظاهرة. . . فيها الفراديس والفُومانُ والبصلُ
= الكلمة من آية البقرة ٦١:
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ. . .﴾
وحيدة في القرآن، صيغة ومادة.
في مجاز القرآن لأبي عبيدة أنه الحنطة، وقالوا هو الخبز (١ / ٤) وقال الفراء إن الفوم فيما ذُكِرَ لغة قديمة وهي الحنطة والخبز جميعاً قد ذُكروا. قال بعضهم: سمعنا العرب من أهل هذه اللغة يقولون: فَوَّموا لنا بالتشديد لا غير. يريدون: اختبزوا. وهي في قراءة عبد الله: "وثومِها" بالثاء، فكأنه أشبه المعنيين بالصواب لأنه مع ما يشاكله من العدس والبصل. والعرب تبدل الفاء ثاء (١ / ٤١)
стр. 329
وحكاه الطبري عن بعض أهل العلم بلغات العرب، ولم يسمه - كعادته - وابن حجر في فتح الباري (٨ / ٧٨٣) والقرطبي في الجامع، ونقل في الفوم بمعنى الثوم، أنه قول الكسائي والنضر بن شميل، وقيل: الفوم الحنطة، رُوِىَ عن ابن عباس أيَضاً، وأكثر المفسرين، واختاره النحاس وقال: هو أوْلى. . . وإن كان الكسائي والفراء اختارا القول الأول لإبدال العرب الفاء من الثاء، والإبدال لا يقاس عليه.
* * *
٢٧ - ﴿سَامِدُونَ﴾
وسأله عن معنى قوله تعالى ﴿سَامِدُونَ﴾ ما السمود؟
قال: لا هون. أما سمعت قول هُزَيلة بنت بكر وهي تبكي عاداً:
قيل قمْ فانظر إليهم. . . ثم دَعْ عنك السمودا
(ظ، طب، تق، ك، ط)
= الكلمة من آية النجم ٦١:
﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾
وحيدة في القرآن صيغة ومادة
لم يوردها أبو بكر ابن الأنباري في المسائل بالوقف والابتداء، وأوردها في
стр. 330
(الأضداد: ١٧) وقال: السامد في كلام أهل اليمن: اللاهي، وفي كلام طيئ: الحزين. ثم روى المسألة من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، بمثل ما هنا في المسألة، مع بيت هزيلة، وقال: وعن أبي عبيدة: السمودُ اللهو واللعب، وقال بعض أهل اللغة: الحزن والتحير.
وبيت هزيلة أنشده أبو حاتم السجستاني في (الأضداد ١٤٣) شاهداً على السمود بمعنى السكون. وقال: وهو اللهو في كلام أهل اليمين. وأنشد لأبي زُبيد الطائي:
وتخال العزيفَ فينا غناءً. . . لِندامَى من شارب مثمود
وعن أبي ثروان: السامد الحزين في كلام طيئ واللاهي في كلام اليمن. ثم قال: وأما الذي في القرآن فلا علم لي به. واختلفوا فيه عن الصحابة وغيرهم. ويُروَى عن عليًّ ﵇ أنه خرج ليصلي بهم وإذا هم قيام يترددون فقال: "نا لي أراكم سامدين؟ " والله أعلم بذلك.
اقتصر الفراء في معنى الكلمة بآية النجم، على: ﴿لا هون﴾ وفي تأويل الطبري: وأنتم لاهون عما فيه من العبر والذكر معرضون عنه، وبنحو ذلك قال أهل التأويل وإن اختلفت ألفاظهم بالعبارة عنه. ومما روى منها عن ابن عباس، قال: هو الغناء وهي لغة أهل اليمن. وعنه أيضاً: لاهون. وعنه: شامخون. ثم أخرج حديث علي ﵁، من عدة طرق، وفيه قال ابن الأثير: كأنه أنكر قيامهم قبل أن يروا إمامهم. والسامد القائم في تحير (النهاية) .
واقتصر في الكشاف على أن السمود الغناء في لغة حمير.
وتوسع القرطبي فأورد مختلف الأقوال في معناها. وفي الصحاح: سمد سموداً رفع رأسه تكبراً. وقال ابن الأعرابي: سمدت سموداً علوت. والسمود: اللهو، والسامد: اللاهي، والمغني، والقائم، والساكت، والخاشع.
وأقول مع أبي حاتم: هذا في اللغة، وأما الذي في القرآن فلا علم لي به، والله أعلم.
стр. 331
وأما بيت هزيلة، فلا يشهد لِلاّضهين كما في المسألة، والأقرب أن يكون بمعنى الهمود أو السكون كما قال أبو حاتم.
* * *
٢٨ - ﴿غَوْلٌ﴾
وسأله عن معنى قوله : ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾
قال: ليس فيها نتن ولا كراهية خمر الدنيا. واستشهد بقول امرئ القيس:
رُبَّ كأسٍ شربتُ لا غولَ فيها. . . وسقيتُ النديمّ منها مِزَاجا
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية الصافات ٤٧ في شراب أهل الجنة:
﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾
وحيدة في القرآن صيغة ومادة
في تفسير البخاري عن مجاهد: غول وجع بطن: وفي (فتح الباري) : وصله الفريابي عنه كذلك. وروى فيها الطبري من اختلاف أهل التأويل في معناها: أنه الصداع. عن ابن عباس. وعنه أيضاً وعن مجاهد: وجع بطن، وعن قتادة وغيره: لا وجع فيها ولا صداع رأس. وعن السدى: لا تغول عقولهم. وعن ابن جبير: لا يصيبهم أذى ولا مكروه. وقال آخرون: إثم. واختار القول بأنها تغتال عقولهم. وقد يحتمل أن لا يكون فيها ما يؤذيهم من مكروه.
وعن الشعبي والسدى وأبي عبيدة: لا تغتال عقولهم فتذهب بها. حكاه القرطبي وأنشد:
стр. 332
ومازالت الكأس تغتالنا. . . وتذهب بالأوّلِ فالأولِ
أي تصرعنا واحدا واحدا.
وهذا المعنى أصل في المادة بمختلف صيغها واشتقاقها: الغُول، والغَول، والتغوَّل، والغيلة، والاغتيال، والدواهي وكل ما يغول المرء. قال ابن الأثير: كانت العرب تزعم أن الغُول في الفلاة تتراءى للناس فتتغول تغولا، أي تتلون في صور شتى، وتغولهم أي تضلهم وتهلكهم (النهاية)
ويحتمل الغول في الخمر كل هذه الدلالات من اغتيال للعقل وهلاك وضلال وضياع، ومن تلبيس الوهم وأباطيل الخيال. . .
* * *
٢٩ - ﴿اتَّسَقَ﴾
وسأله عن معنى قول الله : ﴿إِذَا اتَّسَقَ﴾ ما اتاقُه؟
قال: اجتماعه. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت "ابن صِرْمة الأنصاري" حيث يقول:
إنَّ لنا قلائصا نقانقا. . . مستوسقاتٍ لو يجدن سائقا
(ظ، وق، طب، تق، ك، ط)
= الكلمة من آية الانشقاق ١٨:
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾
стр. 333
وليس في القرآن من المادة غير هذين الفعلين: وسق، اتسق. قال الفراء: واتساقه امتلاؤه، ثلاث عشرة إلى ست عشرة، فيهن اتساقه.
وفي تأويل الطبري: إذا تم واستوى. وأسند عن ابن عباس، وآخرين: إذا استوى. وعنه: أذا اجتمع واستوى. وعن مجاهد وابن جبير: إذا امتلأ لثلاث عشرة ليلة، وبلفظ: إذا امتلأ واستدار، عن آخرين.
حكى القرطبي هذه الأقوال ثم قال: وهو افتعال من الوسق الذي هو الجمع، يقال وسقته فاتسق كوصلته فاتصل. ويقال: أمر فلان متسق، أي مجتمع على الصلاح منتظم. ويقال: اتسق الشيء إذا تتابع. نحوه في (مفردات الراغب) وقال المبرد في شاهد المسألة: "استوسق القوم إذا اجتمعوا".
ولعل محكمات أقرب إلى مستوسقات، من: مجتمعات.
وفي الاتساق من اطراد النسق والإحكام والنظام ما يفوت لفظ الاجتماع في تأويل المسألة. ولعل الاجتماع منظور فيه إلى الوسق، فكل شيء وسقته فقد جمعته، ثم جاء الاتساق للإحكام وانتظام النسق واطراده. والله أعلم.
* * *
٣٠ - ﴿خَالِدُونَ﴾ :
وسأل نافع عن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
فقال ابن عباس: باقون لا يخرجون منها أبداً. واستشهد بقول "عدى بن زيد":
فهل من خالدٍِ إمَّا هَلكْنا. . . وهل بالموتِ، يالَلنَّاسِ، من عارِ
стр. 334
(تق، ك، ط) وزاد في الأخيرتين: وقال لبيد بن ربيعة:
كلُّ بَنىِ أمَّ وإن كثُروا. . . يوماً يصيرون إلى واحدِ
فالواحد الباقي كمن قد مضى. . . ليس بمتروكٍ ولا خالدِ
= الكلمة من آية البقرة ٢٥:
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
وتفسير ابن عباس للكلمة، هو من قبيل الشرح، والخلود في العربية نقيض الفناء.
واستقراء ما في القرآن من مادة (ح ل د) وقد جاءت فيه بصيغ عدة سبعاً وثمانين مرة، يضيف إلى الدلالة اللغوية ملحظاً هاماً من خصوص الدلالة القرآنية للخلود، فلا خلود في القرآن إلا في الحياة الآخرة: في دار الخلود، أو في عذاب الخلد. وحيث يأتي الخلود متعلقاً بالحياة الدنيا، فعلى وجه الوهم أو الإنكار والنفي كالذي في آيات:
الشعراء ١٢٩: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾
الهمزة ٣: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾
الأنبياء ٣٤: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾
ولا غنى عن هذا الملحظ في فهم الدلالة الإسلامية للكلمة القرآنية. وفي (مفردات الراغب) أن معنى هذا الخلود هو أن يبرأ الخالد من أعراض الفساد.
* * *
٣١ - ﴿الْجَوَابِى﴾
وسأله عن معنى قوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾
стр. 335
قال: كالحياض الواسعة. وشاهده قول طرفة بن العبد:
كالجوابىِ لاتَنىِ مُترعةً. . . لِقرَى الأضياف أو للمُحْتَضرْ
(تق) وبمعناه في (ك، ط) وزاد فيهما بعد الشاهد:
تجبرُ المحروبَ فينا مالُه. . . بِقبابٍ وجِفانٍ وخّدَمْ
= الكلمة من آية سبأ ١٣ فيما سُخر لسليمان ﵇ من الجن:
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾
وحيدة الصيغة، ومعها آيو الفجر ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ تأتي في المسألة ١٧٦، وسائر ما في القرآن من المادة غيرهما، في الإجابة والجواب والاستجابة.
في تفسير البخاري: وقال ابن عباسك كالجوابي، كالجوبة من الأرض (سورة سبأ) قال ابن حجر: قيل الجوابي في اللغة جمع جابية، وهو الحوض الذي يُجتبي فيه الشيء أي يجمع، وأما الجوبة فهي الموضع المطمئن، فلا يستقيم تفسير الجوابي بها. وأجيب باحتمال أن يكون فسر الجابية بالجوبة، لم يرد أن اشتقاقهما واحد (فتح الباري)
وأسند الطبري عن الضحاك: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ : جمع جابية، الحوض الذي يجُبى فيه الماء. عن ابن عباس: كالجوبة من الأرض، وعنه: كالحياض الواسعة. وحكى القرطبي عن ابن عرفة: الجوابي جمع جابية حُفيرة كالحوض. وعن ابن القاسم عن الإمام مالك: كالجوبة من الأرض. وعن مجاهد: الجوابي جمع جوبة، الحفرة الكبيرة في الجبل فيها ماء المطر. وفي الكشاف: والجوابي الحياض الكبار لأن
стр. 336
الماء يجبي إليها أي جمع (سورة سبأ) والجوبة الحفرة، وفجوة ما بين البيوت، أو الفرجة في السحاب والجبال، جمعها جُوَب (ص، ق) وهي الحفرة المستديرة الواسعة في (النهاية) كالغائط من الأرض (المفردات)
* * *
٣٢ - ﴿فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾
وسأله عن معنى قوله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾
قال: الفجور والزنا. واستشهد له بقول الأعشى:
حافظ للفرج راضٍ بالتقى. . . ليس ممن قلبُهُ فيه مرضْ
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية الأحزاب ٣٢:
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾
معها ثلاث وعشرون مرة، في مرض في القلب، ومرض في القلوب - يأتي في المسألة ١٧٩ -
يكون بالنفاق والارتياب والرجس والكفر والضغن من أفعال القلوب.
تأويلها في المسألة بالفجور والزنا، فيه أن الفجور مما يُعَلَن ويُجاهَر به، والزنا اقتراف للفاحشة يوجب الحد. وليس من أفعال القلوب.
والأقرب أن يكون طمع شهوة، وإن لم يبلغ حد الفجور المعلن والزنا المقترف. وقد أسند الطبري عن قتادة والسدى، أنه شك ونفاق. وعن عكرمة أنه شهوة. وحكى القرطبي القولين في تأويله بالنفاق، والتشوف لفجور. وقال: وهو أصوب، وليس للتفاق مدخل إلى هذه الآية.
* * *
стр. 337
٣٣ - ﴿لَازِبٍ﴾
وسأله عن معنى قوله تعالى: ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾
قال: اللازب الملتصق: وشاهده قول النابغة:
ولا يحسبون الخيرَ لا شرَّ بعده. . . ولا يحسبون الشرَّ ضربةَ لازِب
(تق) وفي (ك، ط) قال: الملتزق الجيد، وهو الطين الحر.
= الكلمة من آية الصافات ١١:
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾
وحيدة في القرآن، صيغة ومادة.
القولان في المسألة، أسندهما الطبري عن ابن عباس بلفظ مقارب: الملتصق، والطين الحر الجيد اللزج.
وعن ابن زيد: يلتصق كأنه غراء، ذلك اللازب. . . وقال الطبري في تأويلها: ولاصق، وصفه جل ثناؤه باللزوب لأن التراب إذا خلط بماء صار طيناً لازباً. وعن الضحاك: المنتِن، والعرب تبدل أحياناً هذه الياء ميما نقول طين لازم ومن اللازب قول النابغة / البيت. ومن اللازم قول النجاشي الحارثي: * ضربة لازم * وقيل: اللازق وفي مفردات الراغب: اللازب الثابت الشديد الثبوت: "من طين لازب"
قال القرطبي بعد أن حكى الأقوال في تأويلها: وقال الماوردى: والفرق بين اللاصق واللازق، أن اللاصق هو الذي ألصق بعضه ببعض "واللازق الذي
стр. 338
يلتزق بما أصابه." ثم قال: والعرب تبدل الباء من الميم فتقول: ضربة لازب، وهو أفصح من لازم. وأنشد بيت النابغة
ونحوه في حاشية الشيخ نصر الهوريني على القاموس.
* * *
٣٤ - ﴿أَنْدَادًا﴾
وسأله عن معنى قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾
قال: الأشباه والأمثال. وشاهده قول لبيد:
أحْمدُ اللهَ فلا نِدَّ له. . . بيديْهِ الخيرُ ما شاء فَعَلْ
(تق) وزاد في (ك، ط) : وقال حسان ابن ثابت يرد على أبي سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب:
أتهجوه ولستَ له بِنِدَّ. . . فشرُّكما لخيرِكما الفِداءُ
= الكلمة من آية فُصَّلت ٩:
﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا. . .﴾
ومعها آيات:
البقرة ١٦٥: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا. . .﴾
إبراهيم ٣٠: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ والزمر: ٨
سبأ ٣٣: ﴿اإِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾
البقرة ٢١: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
стр. 339
الآيات الست، على وجه النكير والنهي، وليس في القرآن غيرها من المادة. والكلمة عندهم في كتب الأضداد: النَّدُّ النظير والمِثْل، والند الضد. وحكى ابن الأنباري عن ابن عباس: أنداداً أعدالا، وعن أبي عبيدة: أضدادا. وحكى الأزهري القولين عن ابن السكيت والأخفش. وفي مجاز القرآن: أنداداً واحدها ند، معناها أضداد.
قال أبو حاتم السجستاني: اجتمعت العرب على أن نِدَّ الشيء مِثْله وشِبهُه وعِدله، ولا أعلمهم اختلفوا في ذلك.
وأنشدوا فيها شاهدى المسألة.
وأخرج البخاري في باب (فلا تجعلوا لله أنداداً) حديث عبد الله بن مسعود، قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله أنداداً وهو خلقك" قال ابن حجر: جمع نِدّ، وهو النظير. وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي العالية قال: النِد العِدْل. ومن طريق الضحاك عن ابن عباس، قال: الأنداد الأشباه والنظائر (فتح الباري)
وحكاه القرطبي عن ابن عباس، وغيره، وقال: أنداداً: أكفاء ونظراء. وأنشد الشاهدين (سورة البقرة)
وقال الراغب في الند، أنه مشاركة في جوهره وذلك ضرب من المماثلة، فإن المثل يقال في أي مشاركة كانت، وليس كل مِثْلٍ نِدًّا.
ووضحه في (مثل) قال: والمماثلة [أعم] الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك أن الند يقال فيما يشارك في الجوهر، والشبه فيما يشارك في الكيفية فقط، والمساوي فيما يشارك في الكمية فقط، والشكل فيما يشارك في القدر والمساحة، والمثْل عام في جميع ذلك. (المفردات)
وفي الحديث الشريف قال ابن الأثير: الأنداد جمع ندّ، وهو مثل الشيء الذي يضادّه في أموره وينادّه، أي يخالفه وينأى عنه. (النهاية)
стр. 340
وفي (الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري) بيان للفرق الدقيق بين الند، والمِثْل، والشِِبه، والعِدْل، والنظير، والمساوي، والشكل.. وما يجرى مجراها. وقال في الفرق بين المثل والند: أن لاند هو المثل المنادّ من قولك: نادّ فلان فلاناً إذا عاداه وباعده، ولهذا سمى الضد نِداً. وقال صاحب العين: الند ما كان مثل الشيء يضاده في أموره، والندي. والندودُ الشرود والتنادّ التنافر.. وأصل الباب التشريد.. (الباب التاسع من الفروق)
كأن البيان القرآني في عدوله عن الأشباه والأمثال إلى أنداد، لم يُردْ أن يعطيها صفة المشابهة أو المماثلة. والله أعلم.
* * *
٣٥ - ﴿شَوْبًا﴾
وسأله عن معنى قوله : ﴿لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾
قال: الخلط بماء الحميم، والحميم الغساق. واستشهد بقول الشاعر:
تلك المكارم لا قَعْبَانِ من لينٍ. . . شِيبَا بماءٍ فعادا بعدُ أبوَالا
(ك، ط، تق)
= الكلمة من آية الصافات ٦٧ في شجرة الزقوم:
﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾
وحيدة في القرآن صيغة ومادة
стр. 341
وتفسير الشوب بالخلط - وإليه ذهب الفراء في (معاني القرآن ٢ / ٣٨٧) "والراغب" كذلك في المفردات - تقريب لا يفوتنا معه ما للشوب من دلالة خاصة على المزج والسوط. واستعماله أصلاً، في الشراب والسوائل، تشاب فلا يتميز منها سائل عن آخر. ويستعار بهذا الملحظ من المزج، لغير السوائل في الاستعمال المجازي.
وأما الخلط فتتميز فيه عناشر المخلوط ومواده، كأن تخلط القمح بالشعير. ويستعار للناس يخالط بعضُهم بعضاً دون أن تتماحى الخصائص أو تذوب الفروق بينهم، وقد جاءت مادته في القرآن في خلْطٍ عملٍ صالح بآخر سيئ (البقرة ١٠٢) وفيما اختلط من شحوم بعظم (الأنعام ١٤٦) ومن ماء المطر بنبات الأرض (يونس ٢٤، والكهف ٤٥) وحاء الفعل المضارع من المخالطة في آية (البقرة ٢٢٠) والخلطاء يبغي بعضهم على بعض (ص: ٢٤)
وتتميز عناصر الخليط واضح في دلالة المادة على اختلاف صيغها واستعمالها، على حين لا يتميز في الشوب سائل أو عنصر عنما شيب به. وهو واضح في آية الصافات المسئول عنها، وواضح كذلك في الشاهد من بيت الشاعر.
و"الراغب" وإن فسر الشوب في الآية بالخلط، قال في (خلط) : الخلط هو الجمع بين أجزاء الشيئين فصاعداً، سواء كانا مانعين أو جامدين، أو أحدهما مائع والآخر جامد وهو أعم من المزج (المفردات) .
وقال ابن الأثير في "الخلاط" من حديث الزكاة: والمراد به أن يخلط الرجل إبله بإبل غيره، أو بقره وغنمه، ليمنع حق الله فيها أو يبخس المصدقَ فيما يجب له.
وفي حديث الشفعة: "الشريك أولى من الخليط، والخليط أولى من الجار" قال ابن الأثير: الشريك المشارك في الشيوع، والخليط المشارك في حقوق الملك كالشرب والطريق (النهاية) .
ولعل في هذا كله، ما يوضح تميز عناصر الخليط، فيفترق بذلك عن الشوب بما فيه من معنى النشوب والمزج لا يتميز عنصر من آخر ولا ينفصل عنه. والله أعلم.
стр. 342
٣٦ - ﴿قِطَّ﴾
وسأله عن معنى قول الله : ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾
قيل: القط: الجزاء. وشاهده قول الأعشى:
ولا الملِكُ النعمان يومّ لقيته. . . بأمته يعطى القُطوطَ ويُطلِلقُ
(تق) وزاد في (ك، ط) :
وهو الحساب أيضاً
= الكلمة من آية ص ١٦ في المشركين:
﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾
وحيدة في القرآن، وأما الجزاء أو الحساب - في تأويل المسألة - فكثير. القطوط، والقططة، جمع القِط، كقرود قردة. والقط في كلام العرب الصحيفة المكتوبة (الفراء) أو الكتاب (أبو عبيدة) ، وصكوك العطاء (الصحاح) .
وفي تفسير البخاري للآية: القط الصحيفة، هو ههنا صحيفة الحسنات (سورة ص) فقال ابن حجر: في رواية الكشمهينى - يعنى عن الفربرى عن البخاري - الحساب. وكذلك عند النسفي - عن مسلم - قال أبو عبيدة: القط الكتاب.. وأصله من قط الشيء أي قطعه، والمعنى قطعة من العطية، وأكثر استعماله في الكتاب (فتح البارى) .
وكذلك هو الكتاب والصحيفة والصك، أو الحظ والنصيب، عند جمهرة المفسرين، مع رده إلى أصل معناه في القطع (الطبري، والكشاف، والجامع،
стр. 343
والبحر، والمفرادات) وإنما اختلف أهل التأويل في معنى مسألة المشركين ربهم التعجيلَ لهم بكتابهم على وجه الاستهزاء والاستخفاف. قيل هو من قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ . وقيل: سألوه أن يريهم في الدنيا منازل أهل النار وأهل الجنة ليؤمنوا به. وقيل: سألوا أن يعجل لهم بنصيبهم من العذاب، كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾
الأقزال في تأويلها عند الطبري بأسانيده إليهم. وحكاها القرطبي وأبو حيان. وذكروا معها اختلاف أهل العلم بكلام العرب فبها. وإن ردوها إلى القطع وهو الأصل. ومنه استعمال حرف قط في النفي البات. والمقطع الأول من الكلمة مشترك في ألفاظ عدة تدل على القطع، ثم تتميز بالحرف الثالث فروقُ الدلالات باعتبار الشيء المقطوع، كالقطب والقطف والقطل والقطم. . .
وأما "المقطوط" في الشاهد من بيت الأعشى، فلم يختلفوا في أن معناها صكوك الجوائز أو كتب الصلات. وأنظر فيه (مقاييس اللغة لأبن فارس) باب قط ٥ / ١٣.
* * *
٣٧ - ﴿حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾
وسأله عن معنى قوله تعالى: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾
قال: الحمأ السواد. واستشهد بقول حمزة بن عبد المطلب:
أغرّ كأن البدرَ سنةُ وجهِه. . . جلا الغيمَ عنه ضوؤه فتبددا
(تق) وزاد في (ك ط) : وهو الشاط أيضاً
= الكلمتان من ثلاث آيات من سورة الحجر:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ . ٢٦
стр. 344
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ . ٢٨
﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ . ٣٣.
ومعها من كادة حَمَأ، آية الكهف ٨٦:
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾
وأما مسنون فجاء من مادتها كثير: سُنة الله، وسُنتنا، وسنُة الأولين، وسنُنَ جمعا.
وجاءت السَّن في أحكام القصاص: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾
اختلف أهل اللغة في حمأ وفي مسنون.
عَدّ بعضهم الحمأ من الأضداد: تقول منه حَمَأت الركية حمْأً إذا أخرجتَ منها الحمأة، وأحَمأتُها إحماءً إذا جعلت فيها الحمأة. حكاه ابن الأنباري عن قطرب، وقال: وليس هذا عندي من الأضداد، لأن لفظ حمأتُ، يخالف أحمأت، فكل واحدة منهما لا تقع إلا على معنى واحد، وما كان على هذا السبيل لا يدخل في الأضداد (الأضداد ٣٠٤ / ٣٩٦) .
وقال ابن السكيت في الأضداد: والحمأ الطين الأسود، وكذلك الحمْأة. تقول منه حَمِئتُ البئر إذا نزعت حمأتها، وأحمأتها ألقيت فيها الحمأة. وحكاه القرطبي في تفسير آية الحجر ٢٦.
وفي (مسنون) بالآية، قال أبو عبيدة في المجاز: المسنون المصبوب، وهو من قول العرب: سنت الماء وغيره على الوجه إذا صببته. وحسَّنه النحاس فيما حكاه القرطبي عنه.
وقال سيبويه: المسنون المصَورّ. أُخذ من سنة الوجه وهو صورته. وقال الأخفض في المعاني: المسنون المنصوب القائم، من قولهم: وجه مسنون إذا كان
стр. 345
فيه طول. وقال الفراء في معنى الآية: وهو المتغير، وأصله من قولهم: سننت الحجر على الحجر إذا حككته. وما يخرج من الحجرين يقال له السنانة والسنين. ومنه المِسَنُّ.
والمعاجم تجمع بين هذه الأقوال، مع شواهدهم لها: (ص، ل، ق، س) . واختلف أهل التأويل كذلك في معناهما في الآية: نقل فيه الطبري قول بعض أهل العلم بلغات العرب من البصريين، ومن الكوفيين، كالذي نقلنا عن سيبويه والفراء - ولم يسمهما - وأسند عن ابن عباس، قال: الحمأ المنتن، وعنه: هو الطين الرطب، وعن مجاهد وقتادة بلفظ: الحمأ المسنون الذي قد تغير وأنتن. وعن ابن عباس أيضاً، قال: خلق الإنسان - آدم - من ثلاثة: من طين لازب، وصلصال، وحمأ مسنون. فالطين اللازب اللازق الجيد، والصلصال المرقق الذي يصنع منه الفخار، والمسنون الطين فيه الحمأة.
قال الطبري: والذي هو أوْلى بتأويل الآية: أن يكون الصلصال في هذا الموضع الذي له صوت من الصلصلة وذلك أن الله تعالى شبهه بالفخار ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ ليُيْسِه. وأما قوله ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ فإن الحمَأ جمع حمأة، وهو الطين المتغير إلى السواد.
وذكر الراغب في الباي: السَّن واحد الأسنان، وسنَّ الحديدَ بالمِسَنَّ، وسنان الرمح، وسنَنَ الطريق، وسنة الوجه، وسنة النبي ﷺ طريقته، وسنُة الله تعالى قد يقال لطريقة حكمته وطريقة طاعته. وقوله تعالى: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ قيل: متغير. (المفردات) .
ولا يخرج عن هذا ما أورده الزمخشري من معاني سن، الأصلية والمجازية (س) وبمزيد تفصيل في جامع القرطبي. والله أعلم.
وأما الشاهد من بيت حمزة ﵁ في النبي ﷺ ، فما أدري وجه الاستشهاد به لتأويل حمأ مسنون في المسألة، بالسواد المصور، أو الشاط كما زاد في (ك، ط) وهو في اللغة الزيت المحروق.
стр. 346
٣٨ - ﴿الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾
وسأل ابن الأزرق عن معنى قوله تعالى: ﴿الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾
فقال ابن عباس: البائس الذي لا يجد شيئاً من شدة الحال. واستشهد له بقول "طرفة بن العبد":
يغشاهمُ البائسُ المُدَفَّعُ والضيـ. . . ـف وجارً مُجاوِرٌ جُنُبُ
(تق، ك)
= الكلمة من آية (الحج ٢٧) خطاباً لإبراهيم ﵇:
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾
وحيدة الصيغة في القرآن.
ومعها ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ في آية الأعراف ١٦٥.
ومن المادة جاءت "البأساء" مع الضراء في آياتها الأربع: البقرة ١٧٧، ٢١٤، والأنعام ٤٢، والأعراف ٩٤.
وآيتا هود ٣٦ ويوسف ٩٦؛ ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ .
وجاء الفعل الجامد "بِئس" تسعاً وثلاثين مرة، و"بأس" نكرة ومعرفة، خمساً وعشرين مرة.
في تأويل الطبري: "البائس هو الذي أضر به الجوع والزمانة والحاجة. والفقير الذي لا شيء له". يوهم أن الإطعام للبائس وللفقير. والفقير في الآية من صفة البائس كما لحظ القرطبي وقال: وهو الذي ناله البؤس وشده الفقر.
стр. 347
وفي البائس صريح الدلالة على البؤس، وكذلك البأساء. والشدة أصل في المعنى؛ وتفرق العربية بين صيغ المادة لملاحظ من فروق الدلالات: فتجعل البأسَ للقوة والسطوة والشدة في الحرب، وفعلُه: بؤس بأساً. حين تجعل البُؤسَ والبؤسىَ، من: بَئِس، لشدة الكرب والحاجة، وتجعل البأساء للمكاره. وقالوا للشجاع القوي: بَئيس، وللأسد: بَيْأس، على وزن ضيغم. وللمحتاج المكروب: بائس. وليس كل بائس فقيراً، ولا كل فقير بائساً، فمع الزهد والتعفف لا يكون بؤس. ومن هنا جمعت الآية بين الصفتين ﴿الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ولو لم يُلحظ في البائس سوى العوز، لأغنى الفقير عن ذكره، كما في آيات: البقرة ٢٦٨، ٢٧١، وآل عمران ١٨١، والنساء ١٣٥، والتوبة ٦٠، وفاطر ١٥، ومحمد ٣٨.
وقول "الراغب" في (المفردات) : "البؤس والبأس والبأساء، الشدة والمكروه. إلا أن البؤس في الفقر والحرب أكثر، والبأس والبأساء في النكاية".
يرد عليه أن البأساء جاءت في آياتها الأربع مقترنة بالضراء، فهي إلى المكاره أقرب منها إلى النكاية.
كما يرد عل قوله: البؤس في الفقر والحرب أكثر؛ أن القرآن يستعمل الفقر مقابل الغنى بصريح آيات:
آل عمران ١٨١: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾
النور ٣٢: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
فاطر ١٥: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾
محمد ٣٨: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾
وكذلك يأتي البأس، لا البؤس، في الحرب والقتال وفي الجبروت والسطوة، بصريح آيات:
الأنعام ٦٥: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾
النساء ٨٤: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
стр. 348
النمل ٣٣: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ . ومعها: الفتح ١٦
الحشر ١٤: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ .
والبائس في الشاهد من قول طرفة. موصوف بالمدفَّع، وهو المهان (ق) ومن المجاز: فلان مدفع، وهو الذي يدفعه كل أحد عن نفسه (س) .
وانظر الفرق بين الفقير والبائس، في (الفروق اللغوية: ١٤٧) .
* * *
٣٩ - ﴿مَاءً غَدَقًا﴾ :
وسأله عن معنى قوله تعالى: ﴿مَاءً غَدَقًا﴾
قال: كثيراً جارياًَ. وشاهده قول الشاعر:
نُدنِى كراديسَ ملتفًّا حدائقُها. . . كالنْبتِ جادتْ بها أنهارُها غَدَقا
(تق، ك)
= الكلمة من آية الجن ١٦:
﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾
وحيدة، صيغة ومادة.
جمهرة المفسرين على أن الماء الغدق الكثير. أو الماء الطاهر الكثير، بلفظ ابن عباس فيما أسنده الطبري عنه. والذين تأولوه منهم بسعة في الرزق ورغد من العيش، فلأن الخير والرزق بالمطر، فأقيم مقامه على سبيل المجاز، ومنه مكان غِدق ومغدق: كثير الماء مخصب، وهم في غدق من العيش: رغد وسعة. وذلك معروف. فلعل وجه السؤال هنا، يتعلق بما اختلف فيه أهل التأويل في "وأن لو استقاموا على الطريقو" فقال بعضهم: على طريق الحق والهدى والطاعة، نظير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ . وهو اختيار الطبري، وأسند نحوه عن ابن عباس وآخرين.
стр. 349
وقال بعضهم: وأن لو استقاموا على الضلالة لأعطيناهم سعة من الرزق لنستدرجهم بها. أسنده الطبري عن الربيع بن أنس بن مالك.
وهو قول الفراء في معنى الآية: على طريقة الكفر، ونظَّر لها بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ الآية: ليكون فتنة عليهم في الدنيا وزيادة في عذاب الآخرة. والله أعلم.
* * *
٤٠ - ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ :
وسأل ابن الأزرق عن معنى قوله تعالى: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾
فقال ابن عباس: شعلة من نار يقتبسون منها. واستشهد بقول "طرفة بن العبد":
هَمُّ عَرانِى فَبِتُّ أدْفعُهُ. . . دونَ سُهادِى، كَشُعَلَةِ القَبَسِ
= الكلمتان من آية النمل ٧:
﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾
وجاء شهاب، مفرداً وجمعاً، في آيات:
الحجر ١٨: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ . ومعها الصافات ١٠.
والجن ٨، ٩: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨)
стр. 350
وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾
وسياق آياتها، في الجن، غير سياق "شهابٍ قبسٍ" من النار التي آنسها "موسى" في آية النمل.
وقد جاء "قَبس" مرة أخرى في السياق نفسه بآية طه ١٠:
﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾
ومعهما فعل الاقتباس في آية الحديد ١٣: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ . تفسير الشهاب بشعلة، تقريب يلحظ فيه دلالة السطع والتوهج، والشهب في العربية: الدرارى؛ والشهب، بفتحتين: الجبل علاه الثلج. وقد فسر "الراغب" الشهاب بالشعلة الساطعة من النار الموقدة أو من العارض في الجو.. (المفردات) ويقال: فيه شهبة وشهب، وهو بياض يصدعه خلال سواده (س) فكأنه النور يصدع الظلمة.
وقوله تعالى: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ قرأها الكوفيون: عاصم وحمزة والكسائي: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ بتنوين شهاب، وقرأها الباقون بغير تنوين. قال الأخفش في (معاني القرآن: آية النمل ٧) : ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ إذا جعل القبس بدلاً من الشهاب. نُوَّنَ، وإن أضاف الشهاب إلى القبس لم ينون. وكلَّ حسن.
ومن معاني القبس في اللغة: شعلة نار تقتبس من معظم النار، كما في تأويل المسألة.
ثم لا يفوتنا حس الكلمة في البيان القرآني، لم تأت في آياتها الثلاث إلا مع الإيناس والهدى والنور، فوجهت كلمة "بشهاب" معها، إلى غير سياقها الرادع الزاجر، في آيات الحجر والصافات والجن. وبهذا الملحظ في القبس، قال ابن
стр. 351
الأثير في حديث الإمام عليّ كرم الله وجهه "حتى أورِىَ قبسا لقابس": أي أظهِر نورا من الحق لطالبه. (النهاية) .
* * *
٤١ - ﴿أَلِيمٌ﴾ :
وسأله عن معنى قوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
قال: الوجيع، واستشهد بقول الشاعر:
نام من كان خِليّاً من ألم. . . وبقِيتُ الليلَ طولاً لم أنمْ
(تق، ك، ط)
وفي (ظ، وق) المسألة عن قوله : ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ ما الألم؟ قال: الوجع.
واستشهد في (ظ) بقول الحارث بن حلزة اليشكرى:
أَلِمُوا القتلَ حين دارت رَحاهُمْ. . . ورَحانا على عِنان الدماءِ
وشاهده في (وق) قول الأعشى:
لا نَقِيهم حَدَّ السلاح ولا نأ. . . لم جرحا، ولا نبالي السهاما
= الكلمة في الرواية الأولي من آيات:
التوبة ٦١: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . وإبراهيم ٢٢، والنور ١٦، والعنكبوت ٢٢٣ والشورى ٢١، ٤٢ ومعها: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
في آيات: البقرة ١٠، ١٠٤، ١٧٨، وآل عمران ٧٧، ١٧٧، ١٨٨، والمائدة ٣٦، والتوبة ٧٩، والنحل ٦٣، ١٠٤، ١١٧، والحشر ١٥، والتغابن ٥. . . في ثمان وستين آية، وصف فيها عذاب والعذاب، بعذاب أليم، من عذاب أليما، العذاب الأليم.
стр. 352
وأما الرواية في (ظ، وق) : ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ .
فمن آية النساء ١٠٤:
﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
لم يأت في غيرها، أيُّ فعلٍ من الألم.
وأقوال اللغويين والنمفسرين، تأتي في آية البقرة ١٠:
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ .
إذ هي المرة الأولى التي جاء فيها "عذاب أليمط في ترتيب المصحف. تأويل الألم في المسألة بالوجع، وأليم بوجيع، يبدو قريباً ظاهر القرب. والجمهرة من المفسرين تأولوه بالوجع، وقال الراغب: الوجع الشديد. وهو معروف من كلام العرب، والشواهد فيه كُثْرٌ، وإن لم يكن الوجع من ألفاظ القرآن.
وفي (مجاز القرآن: آية البقرة ١٠) ، قال أبو عبيدة: "عذاب أليم" أي موجع، من: الألم. وهو في موضع مُفعِل - أي مؤلم - قال ذو الرمة:
ونرفع في صدور شمردلاتٍ. . . يصكُّ وجوهَها وَهَجٌ أليمُ
الشمردلة: الطويلة.
والبيت من شواهد الطبري والقرطبي، لأليم بمعنى وجيع.
لكن "ابن عرفة" أنكره فيما جكى عنه الهروى، قال في (الغريبين، باب الهمزة مع اللام) : قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال أبو عبيدة: أي مؤلم. يقال: أَلمِنى الشيءُ وألمِتُ الشيءَ، قال تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ . وقال ابن عرفة: أليم ذو ألم، وسميع ذو سماع، ولا أدري معنى ما قال أبو عبيدة. "ابن عرفة" إبراهيم بن محمد بن عرفة العتكي الأزدى، نفطويه، واسطى سكن بغداد وتوفى بها سنة ٣٢٣ هـ: نحوى راوية ثبت، محدث صدوق ثقة،
стр. 353
وفقيه ظاهرى حجة. له كتاب في (غريب القرآ ن) ذكره ابن النديم وياقوت والقفطى.
ولعله إنما أنكر قول أبي عبيدة من جهة الاشتقاق. وكان ينكره ويحيله وله فيه كتاب، كما قال القفطي في (الإنباه)
ويظهر لي أن الوجع أقرب إلى ما يعتري الجسم من مرض أو أذى بدني عارض. وفي (ق) : الأم الوجع، والألم من العذاب الذي يبلغ غاية البلوغ. وغلبة مجئ أليم لعذاب الآخرو. عذاب يوم أليم، وأخْذ الله تعالى الكفار والفاسقين ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ يؤذن - والله أعلم - بأن الأليم أخص وأفدح من وجع يعرض لعامة البشر. وتفسير "ألم" في شاهد المسألة الأول. يقوى بدلالة عذاب من وجد وسهد وأرق، مما لو كان مجرد وجع لعارض من مرض أو جرح كما في الشاهد من قول الأعشى: ولا نألم جرحا *.
* * *
٤٢ - ﴿قَفَّيْنَا﴾ :
وسأل نافع عن معنى قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾
فقال ابن عباس: أتبعنا على آثار الأنبياء. أي بعثنا. واستشهد بقول عدى ابن زيد:
يومَ قَفَّتْ عِيرهُم مِنْ عِيرِنا. . . واحتمال الحىَّ في الصُّبحِ فَلَقْ
(تق، ك، ط)
السؤال في روايتى (ظ) عن قوله : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
قال ابن عباس: لا تقل ما ليس لك به علم. وشاهده بيت زهير:
إذا ما رأيت المرء يقفو نفسه. . . والمحصَناتِ فما لذاكَ حَوِيرُ
стр. 354
= الكلمة من آية المائدة ٤٦، في الأنبياء المرسلين:
﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ ومعها: آية الحديد ٢٧.
وآية البقرة ٨٧: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾
وجاء الفعل الثلاثي في آية الإسراء ٣٦: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ . وفيها السؤال في (ظ) . وهذا هو كل ما في القرآن من المادة.
وما نُقل عن ابن عباس في تفسيرها، تقريب. وقيدها "الراغب" في (المفردات) بإتباعٍ من خَلْف. راجعاً بها إلى أصل مأخذها من القَفَا، كالإرداف من الردف، والتعقيب من العَقِب، والتذييل من الذيل.
وتعلُّق "على آثارهم" بـ: قفيًّنا، يفيد معنى التأييدِ واتباع نهج من مَضى من الرسل ﵈، من حيث يأتي النبي المرَسل، مصدقاً لمن سبقه من الرسل، تقفيةً على آثارهم. والعرب تقول: قفوت أثره، غذا تتبعت خطوه لا أِحيدُ عنه. وأغنت "على آثارهم" في السياق، عن الاحتراز بما يكون من التقفية مطاردةً أو صداً وإدباراً، ومنه في الحديث: "فلما قفى قال" أي ذهب مولياً.
قال ابن الأثير: كأنه من القفا، أي أعطاه قفاه وظهره.
ومثله الحديث: "أل أخبركم بأشد حرّاً منه يوم القيامة؟ هذينك الرجلين المقفَّفيَيْنِ" أي الموليين. (النهاية)
واضح من سياق الكلمة القرآنية في آياتها الثلاث، أن التقفية على آثار الرسل ﵈، إتباعُ تصديقٍ وتأييد.
ويرد على الاستئهاد لمعنى الإتباع في الآية، بقول عدى بن زيد: يومَ قفَّت عِيرُهم من عيرنا * أن الفعل فيه تعدى بحرف "من" فأفلاد التولي والإدبار ممن
стр. 355
احتملوا للرحيل، وهو في الآية متعد بحرف "على" آثارهم، فأفاد تتبعَ النهج والسير على الأثر. والله أعلم.
* * *
٤٣ - ﴿تَرَدَّى﴾
وسأل ابن الأزرق عن معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾
فقال ابن عباس: إذا مات وتردى في النار. ولما سأله: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول "عَدى بن زيد":
خطفتْه مَنِيَّةٌ فتردَّى. . . وهو في المُلْكِ يأملُ التعميرا
الكلمة من آية الليل ١١:
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾
ومن التردى، المتردية بآية المائدة ٣:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ. . .﴾
واضح أن المتردية فيها بيست من الموت والتردى في النار، وإنما هي على أصل دلالتها في الهلاك بالمِرْداة، أي الصخرة. وبه "فسر" الراغب الكلمة في (المفردات) . أو التي تردَّت من جبَلٍ أو في بئر فماتت. كما في (الكشاف) ومنه جاء الردى، بمعنى الموت. ومطلق الهلاك. ويأتي الفعلُ ثلاثياً بمعنى الهلاك الساحق، مع ملحظ سقوطٍ وهبوط، ومنه آية:
следующие страницы →