Полный текст (584 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الأثير في حديث الإمام عليّ كرم الله وجهه "حتى أورِىَ قبسا لقابس": أي أظهِر نورا من الحق لطالبه. (النهاية) .
* * *
٤١ - ﴿أَلِيمٌ﴾ :
وسأله عن معنى قوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
قال: الوجيع، واستشهد بقول الشاعر:
نام من كان خِليّاً من ألم. . . وبقِيتُ الليلَ طولاً لم أنمْ
(تق، ك، ط)
وفي (ظ، وق) المسألة عن قوله : ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ ما الألم؟ قال: الوجع.
واستشهد في (ظ) بقول الحارث بن حلزة اليشكرى:
أَلِمُوا القتلَ حين دارت رَحاهُمْ. . . ورَحانا على عِنان الدماءِ
وشاهده في (وق) قول الأعشى:
لا نَقِيهم حَدَّ السلاح ولا نأ. . . لم جرحا، ولا نبالي السهاما
= الكلمة في الرواية الأولي من آيات:
التوبة ٦١: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . وإبراهيم ٢٢، والنور ١٦، والعنكبوت ٢٢٣ والشورى ٢١، ٤٢ ومعها: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
في آيات: البقرة ١٠، ١٠٤، ١٧٨، وآل عمران ٧٧، ١٧٧، ١٨٨، والمائدة ٣٦، والتوبة ٧٩، والنحل ٦٣، ١٠٤، ١١٧، والحشر ١٥، والتغابن ٥. . . في ثمان وستين آية، وصف فيها عذاب والعذاب، بعذاب أليم، من عذاب أليما، العذاب الأليم.
стр. 352
وأما الرواية في (ظ، وق) : ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ .
فمن آية النساء ١٠٤:
﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
لم يأت في غيرها، أيُّ فعلٍ من الألم.
وأقوال اللغويين والنمفسرين، تأتي في آية البقرة ١٠:
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ .
إذ هي المرة الأولى التي جاء فيها "عذاب أليمط في ترتيب المصحف. تأويل الألم في المسألة بالوجع، وأليم بوجيع، يبدو قريباً ظاهر القرب. والجمهرة من المفسرين تأولوه بالوجع، وقال الراغب: الوجع الشديد. وهو معروف من كلام العرب، والشواهد فيه كُثْرٌ، وإن لم يكن الوجع من ألفاظ القرآن.
وفي (مجاز القرآن: آية البقرة ١٠) ، قال أبو عبيدة: "عذاب أليم" أي موجع، من: الألم. وهو في موضع مُفعِل - أي مؤلم - قال ذو الرمة:
ونرفع في صدور شمردلاتٍ. . . يصكُّ وجوهَها وَهَجٌ أليمُ
الشمردلة: الطويلة.
والبيت من شواهد الطبري والقرطبي، لأليم بمعنى وجيع.
لكن "ابن عرفة" أنكره فيما جكى عنه الهروى، قال في (الغريبين، باب الهمزة مع اللام) : قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال أبو عبيدة: أي مؤلم. يقال: أَلمِنى الشيءُ وألمِتُ الشيءَ، قال تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ . وقال ابن عرفة: أليم ذو ألم، وسميع ذو سماع، ولا أدري معنى ما قال أبو عبيدة. "ابن عرفة" إبراهيم بن محمد بن عرفة العتكي الأزدى، نفطويه، واسطى سكن بغداد وتوفى بها سنة ٣٢٣ هـ: نحوى راوية ثبت، محدث صدوق ثقة،
стр. 353
وفقيه ظاهرى حجة. له كتاب في (غريب القرآ ن) ذكره ابن النديم وياقوت والقفطى.
ولعله إنما أنكر قول أبي عبيدة من جهة الاشتقاق. وكان ينكره ويحيله وله فيه كتاب، كما قال القفطي في (الإنباه)
ويظهر لي أن الوجع أقرب إلى ما يعتري الجسم من مرض أو أذى بدني عارض. وفي (ق) : الأم الوجع، والألم من العذاب الذي يبلغ غاية البلوغ. وغلبة مجئ أليم لعذاب الآخرو. عذاب يوم أليم، وأخْذ الله تعالى الكفار والفاسقين ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ يؤذن - والله أعلم - بأن الأليم أخص وأفدح من وجع يعرض لعامة البشر. وتفسير "ألم" في شاهد المسألة الأول. يقوى بدلالة عذاب من وجد وسهد وأرق، مما لو كان مجرد وجع لعارض من مرض أو جرح كما في الشاهد من قول الأعشى: ولا نألم جرحا *.
* * *
٤٢ - ﴿قَفَّيْنَا﴾ :
وسأل نافع عن معنى قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾
فقال ابن عباس: أتبعنا على آثار الأنبياء. أي بعثنا. واستشهد بقول عدى ابن زيد:
يومَ قَفَّتْ عِيرهُم مِنْ عِيرِنا. . . واحتمال الحىَّ في الصُّبحِ فَلَقْ
(تق، ك، ط)
السؤال في روايتى (ظ) عن قوله : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
قال ابن عباس: لا تقل ما ليس لك به علم. وشاهده بيت زهير:
إذا ما رأيت المرء يقفو نفسه. . . والمحصَناتِ فما لذاكَ حَوِيرُ
стр. 354
= الكلمة من آية المائدة ٤٦، في الأنبياء المرسلين:
﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ ومعها: آية الحديد ٢٧.
وآية البقرة ٨٧: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾
وجاء الفعل الثلاثي في آية الإسراء ٣٦: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ . وفيها السؤال في (ظ) . وهذا هو كل ما في القرآن من المادة.
وما نُقل عن ابن عباس في تفسيرها، تقريب. وقيدها "الراغب" في (المفردات) بإتباعٍ من خَلْف. راجعاً بها إلى أصل مأخذها من القَفَا، كالإرداف من الردف، والتعقيب من العَقِب، والتذييل من الذيل.
وتعلُّق "على آثارهم" بـ: قفيًّنا، يفيد معنى التأييدِ واتباع نهج من مَضى من الرسل ﵈، من حيث يأتي النبي المرَسل، مصدقاً لمن سبقه من الرسل، تقفيةً على آثارهم. والعرب تقول: قفوت أثره، غذا تتبعت خطوه لا أِحيدُ عنه. وأغنت "على آثارهم" في السياق، عن الاحتراز بما يكون من التقفية مطاردةً أو صداً وإدباراً، ومنه في الحديث: "فلما قفى قال" أي ذهب مولياً.
قال ابن الأثير: كأنه من القفا، أي أعطاه قفاه وظهره.
ومثله الحديث: "أل أخبركم بأشد حرّاً منه يوم القيامة؟ هذينك الرجلين المقفَّفيَيْنِ" أي الموليين. (النهاية)
واضح من سياق الكلمة القرآنية في آياتها الثلاث، أن التقفية على آثار الرسل ﵈، إتباعُ تصديقٍ وتأييد.
ويرد على الاستئهاد لمعنى الإتباع في الآية، بقول عدى بن زيد: يومَ قفَّت عِيرُهم من عيرنا * أن الفعل فيه تعدى بحرف "من" فأفلاد التولي والإدبار ممن
стр. 355
احتملوا للرحيل، وهو في الآية متعد بحرف "على" آثارهم، فأفاد تتبعَ النهج والسير على الأثر. والله أعلم.
* * *
٤٣ - ﴿تَرَدَّى﴾
وسأل ابن الأزرق عن معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾
فقال ابن عباس: إذا مات وتردى في النار. ولما سأله: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول "عَدى بن زيد":
خطفتْه مَنِيَّةٌ فتردَّى. . . وهو في المُلْكِ يأملُ التعميرا
الكلمة من آية الليل ١١:
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾
ومن التردى، المتردية بآية المائدة ٣:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ. . .﴾
واضح أن المتردية فيها بيست من الموت والتردى في النار، وإنما هي على أصل دلالتها في الهلاك بالمِرْداة، أي الصخرة. وبه "فسر" الراغب الكلمة في (المفردات) . أو التي تردَّت من جبَلٍ أو في بئر فماتت. كما في (الكشاف) ومنه جاء الردى، بمعنى الموت. ومطلق الهلاك. ويأتي الفعلُ ثلاثياً بمعنى الهلاك الساحق، مع ملحظ سقوطٍ وهبوط، ومنه آية:
стр. 356
طه ١٦: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾
وفي الحديث: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ترديه" قال ابن الأثير: أي توقعه في مهلكة (النهاية) .
وكونه في النار، على تفسير ابن عباس، دلالة إسلامية خاصة لأن ذلك هو المعروف من التردي، كما قال الإمام الطبري في تفسيره لآية الليل.
ويؤيده سياق الآية بعدها، في النذير والوعيد:
﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾
ويستفاد من صريح النص في آيتى:
الصافًّات ٥٦: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾
وفُصَّلتْ ٢٣: ﴿يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾ :
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
وأما بيت "عدى بن زيد" فلا يبدو لنا قريباً وجهُ الاستشهاد به على معنى التردى في النار بهذه الدلالة الإسلامية، بل سياقه في العظمة والاعتبار، أقربُ إلى معنى السقوط إلى مَهواةِ الردَى من المنية، بصريح لفظه.
* * *
٤٤ - ﴿نَهَرٍ﴾
وسأل نافع عن معنى قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾
стр. 357
فقال ابن عباس: النهر السعة، واستشهد بقول "لبيد بن ربيعة".
ملكتُ بها كَفَّى فأنهرتُ فَتْقَها. . . يَرى قائمٌ مِنْ دونِها ما وراءها
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية القمر ٥٤:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
وجاء نَهَر، واحد الأنهار، مفرداً في آيتى البقرة ٢٤٩ والكهف ٣٣.
وأما أنهار، جمعاً، فجاء إحدى وخمسين مرة.
ذهب الفراء في آية القمر، أن معنى نهر: أنهار، وهو في مذهبه كقوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ . ونقل فيه عن الكسائي أن معنى نهر الكثير. وقيل: في ضياء وسعة وسمع بعض العرب ينشد
*إن تك ليليَّا فإنى نهِر* أي صاحب نهار (معاني القرآن ٣ / ١١١) وهو من شواهد الطبري والقرطبي.
وتفسير ابن عباس النهر في آية القمر بالسعة، منظور فيه، كما قال الراغب في (المفردات) إلى التشبيه بنهر الماء. ويقال: أنهر الماء جرى. وأنهرتُه أجريته.
ويبقى للنهر مع هذه الدلالة المجازية على السعة، ملحظً من خير ونعمة، في حِسَّ العربية للنهر واحد الأنهار، مياها عذبة. ويضفى عليها القرآن معنى البركة والخير في الجنة ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ وهو الغالب على الاستعمار القرآني.
стр. 358
وحين يذكر الأنهار في الدنيا، فعلى وجه المنَّ بنعمته تعالى على عباده: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾ إبراهيم ٣٢
أو على وجه المباهاة بها في الحكاية عن فرعون:
﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ الزخرف ٥١ وفيما اقترح المشركون على الرسول ﵊ أن يأتيهم به من آيات ليؤمنوا بنبوته: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾ الإسراء ٩١
والشاهد من بيت "قيس بن الخطيم" يحتمل معنى السعة فحسب.
وأما في آية القمر: مع جنات للمتقين، فمعنى الفيض من الخير والبركة والنعيم، أولى بالمقام ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
* * *
٤٥ - ﴿الْأَنَامِ﴾
وسأل نافع عن معنى قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾
فقال ابن عباس: الخلق. واستشهد بقول لبيد بن ربيعة:
فإنْ تسألينا فيمَ نحن فإننا. . . عصافيرُ من هذا الأنام المُسَحَّرِ
(تق، ك، ط)
стр. 359
= الكلمة من آية الرحمن ١٠:
﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
وحيدة في القرآن كله.
ومعناها عند الفراء كذلك: جميع الخلق (٣ / ١١٣)
وتفسيرها بالخلق، على ما يبدو من قربه، لا يجيب عن وجه تفردُّها في القرآن، مع كثرة ورود الخلق فبه: فعلاً ماضياً مبنياً للمعلوم ١٥٠ مرة وللمجهول سبع مرات، ومضارعاً للمعلوم ثلاثا وعشرين مرة وللمجهول أربع مرات. ومصدراً أو اسماً خمساً وأربعين مرة، واسم فاعل مفرداً ثماني مرات، وجمع مذكر سالم أربع مرات. ومعها "الخلاق" و"مخلقة" مرتين.
ومجموعها. مائتان وخمس وأربعون.
والدلالة المعجمية تذكر في الأنام: الخلق، أو الجن والإنس، أو جميع ما على الأرض (القاموس) .
وفي (الكشاف) : "للأنام: للخلق، وهو كل ما على ظهر الأرض من دابة، وعن الحسن: الإنس والجن فهي كالمهاد لهم يتصرفون فوقها"
وآيات الخلق، تؤذن بفرق بينه وبين الأنام. فالخلق عام لكل ما خلق الله في السموات والأرض وما بينهما من ملائكة وإنس وجن، ومن حيوان ونبات وجماد، ما نعلم منها وما لا نعلم: إن ربك هو الخلاق العليم، فتبارك الله أحسن الخالقين، الذي أحسن كلَّ شيء خلقَه، خلق لكم ما في الأرض جميعاً، ويخلق ما لا تعلمون. . .
فهل يكون الأنام لمن خلق الله لهم الأرضَ من الأحياء، دون ما في السموات وسائر الكائنات المخلوقة في الأرض وما بينهما؟ أعلم أعلم.
* * *
стр. 360
٤٦ - ﴿يَحُورَ﴾ :
قال نافع: فأخبرني عن قول الله : ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾
قال: لن يرجع. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ فقال: نعم، أما سمعت بقول "لبيد بن ربيعة":
وما المرءُ إلاَّ كَالشهابِ وضَوئه. . . يَحُورُ رَمَاداً بَعْدَ إذْ هو سَاطِعُ
(ظ، طب) وفي (تق، ك، ط) : لن يرجع بلغة الحبشة.
= الكلمة من آية الانشقاق ١٤:
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾
وحيدة الصيغة في القرآن.
ومن المادة، جاء مضارع الرباعي "يحاوره" في آيتى الكهف ٣٤، ٣٧ والمصدر "تحاوُرَكما" في آية المجادلة.
وجاءت "حُورٌ" أربع مرات، و"الحَوارِيُّون" خمس مرات.
وقول ابن عباس: "لن يرجع، بلغة الحبشة" يُسوَّغ الترادفَ. وفسرها "الزمخشري" بـ: لن يرجع. دون أن يشير إلى لغة فيها، بل نقل عن ابن عباس: "ما كنت أدري ما معنى يحور، حتى سمعت أعرابية تقول لبنُية لها: حُورى، أي ارجعى" الكشاف.
والعربية على أي حال تصرفت في الكلمة، إن صح أنها بلغة الحبشة، فأعطتها دلالة من أقرب مادتها: حير، بمعنى التردد، ثم خصَّت اليائي بالحيرة، والواوىَّ
стр. 361
بالرجوع، مع ملحظ دلالى مشترك بينهما: فكان التحاور رجعاً للكلام يتردد بين المتحاورين، والمحور: العود الذي تدور فيه البكرة، والحوارى: النصير يُرجَعُ إليه، والمَحَارة: شِبْهُ حارة يتردد الهواء فيها برجْعِ الصوت. وشبُهت بها الحور لاستدارة الأعين ونصوع البياض فيها حول سواد المقلة.
وأما الحيرة، يائيةً، فخالصة للتردد.
وفسر الفراء "لن يحور" لن يعود إلينا في الآخرة (٣ / ٢٥١) وعند القرطبي: لن يرجع مبعوثاً فيحاسب ثم يثاب أو يعاقب (١٩ / ٢٧١) وكذلك فسرها "الراغب" في المفردات بالبعث، وهي دلالة إسلامية متعينة في الآية.
وأما الشاهد الشعري، فأقرب إلى أن يفهم بمعنى يَصير كما قال "الطوسى" في شرح البيت من ديوان لبيد.
* * *
٤٧ - ﴿أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾
وسأل نافع عن معنى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾
فقال ابن عباس: أجدر ألا تميلوا. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:
إنا اتبعنا رسولَ اللهِ واطَّرحوا. . . قولَ النبي وعالوا في الموازين
(تق، ك، ط)
= الكلمتان من آية النساء ٣:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾
стр. 362
ويأتي الدنو في (القرآن) فعلاً ماضياً ومُضارعاً، واسم فاعل "دان" "ودانية" ومعنى الجدارة في "أدنى" يأتي من دلالة الدنو على القرب. والكلمات الثلاث: أدنى وأجدر، وأقرب، قرآنية. وهي متقاربة، وإن كان اختلاف ألفاظها يؤذن باختلاف في المعنى. ولعل الأصل في الأقرب أنه يقابل الأبعد، وفي الأدنى أنه مقابل الأنأى، والأجدرُ بمعنى الأوْلى.
وأما كلمة "تعولوا" فوحيدة الصيغة في القرآن.
وجاء اسم الفاعل في آية الضحى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾
والمصدر في آية التوبة ٢٨: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
والواوى واليائى منه متقاربان، لتداخلهما فيما يلحق عينهما من إعلال وإبدال. وقيل: أكثر ما يستعمل الواوىُّ في العِولَ والعالة والعويل. واليائىُّ في العَيْلة، من: عال يعيل عيلا وعيلة إذا افتقر، والاسم العيلة. قاله الفراء، (١ / ٢٥٥) وشاهد اليائي منه بمعنى الفقر، بيتٌ "أحيحة بن الجلاح":
ولا يدري الفقير متى غناه. . . ولا يدري الغني متى يعيل
ونحوه في جامع القرطبي، بالشاهد لأحيحة. وهو اشتقاقه في (القاموس) واستدرك عليه مُحَشَّية فنقل على هامشه: في (شرح الشفا) : "والصحيح ورود العيلة بمعنى العيال".
وتقول في الواوى: "عالَ اليتامى يعولهم فهو عائل وهم عيال. كما تقول في اليائى: يتيم عائل، أي فقير" وفسره الأخفش في الآية، بالفقر (معاني القرآن ٢ / ٣٢٩)
وتفسير العول بالميل، فيما نُقِلَ من قول ابن عباس، على وجه تقريب اشار إليه "الراغب" فقال: ومعنى الجور جاء من ترك النصفة، بأخذ الزيادة: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ - المفردات. وإليه ذهب "أبو عبيدة" قال: أي أقرب ألا تجوروا (مجاز القرآن ١ / ١١٧) واختاره الطبري.
стр. 363
فيُفهم الميل، بمعنى الجور ميلا عن الإنصاف.
ولا يفوتنا مع هذا التقريب، ما في دلالة العول من الضيق وثقل العبء على العائل.
* * *
٤٨ - ﴿مُلِيمٌ﴾
قال: فأخبرني عن قوله : ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾
قال: وهو مذنب. واستشهد بقول أمية بن أبي الصلت:
برئ من الآفات ليس لها بأهلٍ. . . ولكن المسئ هو الُملِيم
(ظ، وق، طب) وفي (تق، ك، ظ) : المليم المسئ المذنب
= الكلمة من آيتى:
الصافات ١٤٢، في يونس ﵇:
﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾
الذاريات ٤٠ في فرعون:
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾
وجاء ملوم، مفرداً في آيات (الذرايات ٥٤، الإسراء ٢٩، ٣٩) وجمعاً (ملومين) في آيتى (المعارج ٣٠، المؤمنون ٦) والفعل الثلاثي في آيتى يوسف ٣٢، إبراهيم ٢٢، ومضارع التلاوم في آية القلم ٣٠ (يتلاومون) و (لومة لائم) في المائدة ٥٤، و (النفس اللوامة) في آية القيامة: ٢.
стр. 364
فرّق الطبري بين المليم والملوم، بأن المليم من أتى ما يُلام عليه وإن لم يُلَم، فأما الملوم فهو الذي يلام باللسان ويُعذل بالقول. وقال القرطبي في الفرق بينهما: فأما الملوم فهو الذي يلام، استحق ذلك أو لم يستحق، وقيل: المليم المعيب (سورة الصافات)
ومعنى مليم عند الفراء: أتى بالائمة، وقد ألام (المعاني ٣٠ / ٨٧) وأسند فيها الطبري عن مجاهد وقتادة وابن زيد، أنه المذنب.
وعدول القرآن الكريم في آيتى الصافات والذرايات عن ملوم إلى "مليم" يوجه إلى كونه فاعلاً لموجب اللوم. والله أعلم.
* * *
٤٩ - ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾
وسأله عن معنى قوله تعالى: ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾
قال: تقتلونهم بإذنه. واستشهد بقول عتيبة الليثي:
نحسُّهُم بالبِيضِ حتى كأنما. . . نُفلّق منهم بالجماجم حنظلا
(ظ، طب) وفي (تق) تقتلونهم زاد في (ك، ط) بأمر محمد. والشاهد في الثلاثة قول الشاعر:
ومنا الذي لاقى بسيف محمدِ. . . فحَسَّ به الأعداء عرض العساكر
= الكلمة من آية آل عمران ١٥٢ في يوم أحد:
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾
стр. 365
وحيدة في القرآن، من الفعل الثلاثي: حَسَّ
ومن الرباعي آيات:
آل عمران ٥٠: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾
الأنبياء ١٢: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾
مريم ٩٨: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾
ومعها ﴿تَحَسَّسُوا﴾ في آية يوسف ٨٧
و ﴿حَسِيسَهَا﴾ في آية الأنبياء ١٠٢
والحِسُّ هو أصل المعنى للمادة، وهو المفهوم من قرب في الاستعمال القرآني للإحساس والتحسس والحسيس، وإلى الحِسَّ رده "الراغب" فقال: نُقل الحَسّ إلى القتل من قولهم: أحُسُّه بحَسىَّ، نحو رُعته وكبدته. ولما كان ذلك قد يتولد منه القتل، عُبَّر به عنه فقيل: حسسته، أي قتلته (المفردات: حس) وقريب منه، في (جامع القرطبي ٤ / ٢٣٥)
وقد نقل الطبري في تفسير الكلمة بالقتل في آية آل عمران، ما روى عن ابن عباس وغيره.
والقتل كثير الورود في القرآن بصيغ عدة: الفعل الثلاثي ماضياً ومضارعاً وأمرا، ومصدره. والرباعي من القتال ماضياً ومضارعاً وأمرا ومصدراً، ومن التقتيل ماضيا ومضارعا، ومن الاقتتال.
فلفت ذلك إلى فرق في الدلالة بين القتل، والحَسَّ وحيدة الصيغة في القرآن الكريم.
وتدبر سياق الآيات في القتل، على اختلاف الصيغ، يفيد دلالة العموم فيه، إذ يقع على الفرد وعلى الجمع، بالسلاح أو بغيره كما في قتل الأولاد، خشية إملاق، وأداً. وجاء ماضي الثلاثي مبنيا للمجهول، دعاء عليه، من المجاز كالآيات:
стр. 366
المدثر ٢٠: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾
عبس ١٧: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾
الذاريات ١٠: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾
البروج ٤: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾
والقتل في هذه الآيات، دعاء عليهم.
فهل يكون الحسُّ في الآية بدلالة خاصة على استئصال الجمع قتلا؟ في مجاز أبي عبيدة: "إذ تحسونهم، تستأصلونهم قتلا، يقال حسسناهم عن آخرهم أي استأصلناهم، قال رؤبة:
إذا شكونا سنة حسوسا. . . تأكل بعد الأخضر اليبيسا (١ / ١٠٤)
وقال الفراء: الإحساس الوجود، تقول: هل أحسست أحدا، وكذلك "هل تحسة منهم من أحد" ,إذا قلت؛ حسَسْت بغير ألف فهي في معنى الإفناء والقتل (معاني القرآن، آية آل عمران ٥٢) ونقل القرطبي عن أبي عبيد: الحس الاستئصال بالقتل. وأنشد بيت رؤية (الجامع ٤ / ٢٣٥)
ومعناه عند الزمخشري: القتل الذريع (س) وقال ابن هشام بعد رواية ابن إسحاق للظروف العصبية التي لابست نزول آية آل عمران:
"الحس: الاستئصال. يقال حَسسْتُ الشيءَ أي استأصلته بالسيف أو بغيره، قال جرير:
تحَسُّهمُ السيوفُ كما تسامَى. . . حلايقُ النارِ في الأجَمِ الحصيد"
ومعنى الاستئصال واضح في الشاهد، لكنه ليس استئصالا لشيء بالسيف أو بغيره، بل هو استئصال للجمع بالسيوف، بصريح النص.
وكذلك الشاهدان في تفسير ابن عباس، ليس الحَسُّ فيهما مطلقَ قتل، وإنما هو حَس استئصال للأعداء بالبِيضِ، وبسيفِ محمد، ﵊، والله أعلم.
* * *
стр. 367
٥٠ - ﴿أَلْفَيْنَا﴾
وسأل نافع الأزرق عن معنى قوله تعالى: ﴿مَا أَلْفَيْنَا﴾
فقال ابن عباس: يعني، وجدنا. واستشهد بقول نابغة بني ذبيان:
فحَسبوه فألفَوْه كما زعمتْ. . . تسعاً وتسعين لم تنقضْ ولم تَزدِ
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية البقرة ١٧٠:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾
ومعها آيتا:
الصافات ٦٩: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾
ويوسف ٢٥: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾
وهذه الثلاث، هي كل ما في القرآن من الكلمة، صيغةَّ ومادة.
وتفسير "ألفينا" بـ: وجدنا، قريب. وكذلك فسرها "الراغب" في (المفردات) في آيتى البقرة ويوسف، وأبو عبيدة في آية البقرة (مجاز القرآن ١ / ٦٣)
ويؤنس إلى هذا القرب بين ألفى ووجد، أن الفعل (وجد) يأتي في مثل هذا السياق: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ بآيات: المائدة ١٠٤، والأعراف ٢٨، ويونس ٧٨، ولقمان ٢١. ومعها: الأنبياء ٥٣، والشعراء ٧٤، والزخرف ٢٢، ٢٣.
ولا يفوتنا مع ذلك، أن القرآن لم يستعمل "ألفى" إلا ثلاث مرات، بصيغة
стр. 368
واحدة هي الفعل الماضي، على حين كثر استعماله للفعل "وجد": ماضياً ومضارعاً، للمعلوم، وللمجهول.
وفي اللغة، تتصرف العربية في (وجد) فيكون منه الوجد والوجود والوجدان والموجدة، والوجادة في مصطلح الحديث. كما تتصرف فيه مجرداً ومزيداً، مع مشتقاتهما.
ولا نعرف لها مثل هذا التصرف في (ألفى) الذي لا يكاد يأتي إلا بمعنى وجد، رباعباً مزيداً، ومعه لَفَاء، كسحاب، مهموزاً، بمعنى التراب وكل خسيس حقير.
ولابد أن يكون لهذه الفروق الاستعمالية بين وجد وألفى، في البيان القرآني وفي اللغة، ملحظ من فرق الدلالة لم أهتد إليه، أو لعلهما من اختلاف اللغات وإن لم أجد فيه نصاً، والله أعلم.
* * *
٥١ - ﴿جَنَفًا﴾
قال نافع: يا ابن عباس، أخبرني عن قوله : ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾
قال: الميل والجور في الوصية. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ فقال: نعم أما سمعت "عدى بن زيد" وهو يقول:
وأُمُّكَ يا نُعْمانُ في أخواتها. . . يأتين ما يأتينه جَنَفَا
(ك، ط، تق)
= الكلمة من آية البقرة ١٨٢، في الوصية: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
стр. 369
وحيدة الصيغة، وليس معها من مادتها في القرآن إلا اسم الفاعل من التجانف في آية المائدة ٣، فيما حُرَّم من طعام: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
وتفسير الجنف بالميل والجور في الوصية، واضح القرب. وقال "الراغب": أصل الجنف ميل في الحكم، وذكر الكلمتين من آيتى البقرة والمائدة (المفردات) .
ومعنى الجنف في الآية: الجور، عند الفراء (١ / ١١١) والهروى في الغريبين (١ / ٤١٠) وهو الجور عن الحق والعدول عنه في مجاز أبي عبيدة (١ / ٦٦) ونقل فيه الطبري: الخطأ والإثم العمد، والجور والعدول عن الحق، والميل (٢ / ٧٢) وفي تهذيب الأزهري عن الزجاج: الميل والإثم (١١ / ١١١) وهي معان متقاربة.
وقال ابن الأثير: الجنف الميل والجور، يقال: جنف وأجنف إذا مال وجار. . . وقيل: الجانف يختض بالوصية، والمجنف المائل عن الحق. ومنه حديث عمر، وقد أفطر الناس في يوم من رمضان ثم ظهرت الشمي: "نقضيه، ما تجانفنا فيه لإثم" أي لم نمل فيه لارتكاب الإثم. (النهاية) وفي (ق) أجنف مختص بالوصية، وجنف كفرح، في مطلق الميل عن الحق.
يرد عليه، أن القرآن استعمل الجنَف، لا الإحناف في الوصية. وفي (س) أن العرب تقول: جَنَف في الوصية، وجنف علينا في الحكم.
ويبدو أن الميْلَ أصل في الدلالة، نقلا من قولهم: رجل أجنف، مائل في أحد شقيَّة (خلق الإنسان ٢٤٢، والمخصص ٢ / ١٩) ثم تخالف العربية بين الألفاظ المشتركة في معنى الميل، لفروق في الدلالات، فتجعل الازورار للإعراض، والصد نقيض الإقبال، والزور للباطل والميل عن الهدى، والجور للميل عن العدل على وجه القهر والغلبة، والجنَف للميل عن الحق الواجب، فيكون منه الجور في الوصية، والميل عن الإنصاف في الحكم.
ولاجنف في آية البقرة، متعلق بالوصية بصريح اللفظ. وعطفَ "إثماً" عليه بحرف أو: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ من حيث يميل الموصِى
стр. 370
عما ينبغي له من إنصاف لأهله، أو يأثم بالميل عن حدود الله في الوصية. على ما هو مبين بتفصيل في تفسير الطبري (٢ / ٧٢)
* * *
٥٢ - ﴿الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾
وسأل نافع عن معنى قوله تعالى: ﴿بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾
قال: البأساء الخصب، والضراء الجدب. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت زيد بن عمرو وهو يقول:
إن الإله عزيز واسع حَكَمٌ. . . بكفَّه الضرُّ والبأساءُ والنعَمُ
(تق، ك، ط)
الكلمتان من آيتى:
الأنعام ٤٢: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾
والأعراف ٩٤: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾
ومعما آيتا البقرة:
﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ ١٧٧
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ٢١٤.
وقد نفهم وجه التقريب في تفسير الضراء بالجدب، على أن يكون تخصيصاً من
стр. 371
عموم: فالجدب ضراء، والضرَّاء تكون من جدب وتكون من غيره، أذى أو محنة وبلاء.
وأما تفسير البأساء بالخصب، كما روى عن ابن عباس، فلا ندري ما وجهه. فإن يكن نَظَرَ فيه إلى فتنة الخصب، كما في آيات: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ فإن سياق آيات البأساء الأربع لا يعين عليه، مع الأخذ والتضرع في آيتى الأنعام والأعراف، ومع الصبر الأربع لا يعين عليه، مع الأخذ والتضرع في آيتى الأنعام والأعراف، ومع الصبر والمسَّ في آيتى البقرة.
كما لا أجد فيما بين يدىَّ من كتب اللغة، ما يؤنس إلى معنى الخصب في البأساء، على الحقيقة أو المجاز. بل تدور في الاستعمال على الشدة والعذاب والداهية والحزن. ومن مادتها. البؤس والبأس والبؤسى، والابتئاس، وفي (الأساس) وقع في البؤس والبأساء، وفي أمر بئيس: شديد، وابتأس بذلك، إذا اكتأب واستكان من الكآبة: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
قال الهروى في تفسير آية البقرة بالغريبين: البأساء الشدة. . . وسمعت الأزهري يقول: البأساء في الأموال وهو الفقر، والضراء في الأنفس وهو القتل. قال: والبؤس شدة الفقر. (١ / ١١٨)
وقابل على (تهذيب اللغة للأزهري ١٣ / ١٠٨)
وبيت "زيد بن عمرو" لا يتعين شاهداً على الخصب، بل يحتمل من قرب أن تكون البأساء فيه مع الضر، ثم قال: *والنعَم* ناظراًَ إلى نقيض الضر والبأساء.
وفرّق "أبو هلال" بين البأساء والضراء فقال: "الضراء هي المضرة الظاهرة، والفرق بينهما، أن البأساء ضراء معها خوف، واصلها البأس هو الخوف يقال: لا بأس عليك، أي لاخوف عليك. وسميت الحرب بأساً لما فيها من الخوف".
وصريح كلامه، أن البأساء أشد من الضراء.
стр. 372
وقد نطمئن إلى أن الشدة اصل في معنى الكلمة، ثم تخالف العربية بين صيغها لملاحظ من فروق الدلالات: فتجعل البأس للقوة وشدة السطوة، والبؤس لشدة الكرب والتعاسة، والبأساء لوطأة المحنة على ما سبقت الإشارة إليه في المسألة رقم ٣٨: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ والله أعلم.
* * *
٥٣ - ﴿رَمْزًا﴾
قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ ما الرمز؟
قال: الوحي بالحاجب، واستشهد بقول الشاعر:
ما في السماء من الرحمن من رَمِزٍ. . . إلا إليه، وما في الأرض من وَزَرِ
من (وق) وفي (تق، ك، ط) قال: الرمز، الإشارة باليد، والوحيٌ بالرأس.
= الكلمة من آية آل عمران ٤١، في زكريا ﵇:
﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾
وحيدة في القرآن، صيغة ومادة.
تفسير الرمز بالإشارة بالحاجب أو الوحي بالرأس، تقريب لا يفوتنا معه أن الإشارة الرمزية تكون باليد وبالحاجب، وبغيرهما. قال "الفراء" في معنى الآية: والرمز يكون بالشفتين والحاجبين والعينين، وأكثره في الشفتين، كل ذلك رمز" (معاني القرآن ٢ / ٢١٣) . وقال الراغب: الرمز إشارة بالشفة، والصوت الخفي، والغمز بالحاجب، وعُبَّر عن كل كلام كالإشارة بالرمز: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ
стр. 373
ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ وما ارمازَّ أي لم يتكلم. وكتيبة رمَّازة: لا يسمع منها من كثرتها. (المفردات)
وفصَّله "الفيروزابادى" فقال: الرمز، ويضم ويُحرك، الإشارة التي ترتمز أي تتحرك وتضطرب من جوانبها، وهذه ناقة ترتمز أي لا تكاد تمشي من ثقلها وسمنها (ق)
وكذلك قوله في المسألة: الوحي بالرأس، فيه أن الوحي يغلب استعماله في الإلهام، ملحوظاً فيه أصلُ دلالته على السرعة والخفاء. ويأخذ في القرآن دلالة إسلامية، مما يوحى به الله تعالى إلى رسله الأنبياء، فإذا تعلق بغير الأنبياء فهو من الإلهام كآية القصص ٧: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ أو التسخير كآية النحل ٦٨: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾
وكل وحي وإيحاء في القرآن، من الله تعالى، باستثناء آيتى الأنعام ١١٢، ١٢١ فيما يوحِى الشياطين إلى أوليائهم زخرفَ القول غروراً.
وكلام زكريا للناس رمزاً، يبدو أقرب إلى الإيماء والإشارة، غير مقيد بحاجب وبيد أو بوحي من رأس، ودون أن يُفهم من الرمز، كلاماً للناس، وحيٌ بمعنى إلهام أو تسخير. والله أعلم.
* * *
٥٤ - ﴿فَازَ﴾
وسأل نافع بن الأزرق عن معنى قوله تعالى: ﴿فَقَدْ فَازَ﴾
فقال ابن عباس: سَعِدَ ونجا، واستشهد بقول عبد الله بن رواحه:
وعسى أن أفوزَ ثُمَّتَ ألْقى. . . حُجَّةً أتَّقِى بها الفَتَّانا
= الكلمة من آيتى:
стр. 374
آل عمران ١٨٥: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾
والأحزاب ٧١: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
وجاء معهما الفوز، نكرة ومعرفاً باِل، سبع عشرة مرة، وجمع المذكر السالم أربع مرات، و ﴿مفازاً للمتقين﴾ و ﴿مَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ و ﴿مَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾
وتفسير الفوز بالسعادة والنجاة واضح القرب. مع ملحظٍ من اختصاصه في القرآن بدلالة إسلامية. في الفوز برضى الله ورحمته ورضوانه، ونعيم جنته للمتقين من عباده، فهم الفوز العظيم والمبين.
وما جاء من الفوز متعلقاً بالمغانم في آية النساء ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٧٣
فعلى سبيل الوهم والغرور. أو كما قال "الراغب": يحرصون على أعراض الدنيا ويعدون ما ينالونه من الغنيمة فوزاً عظيماً (المفردات)
والمفاز في القرآن، إنما هو للمتقين؛ والمفازة، من العذاب، لا يمسهم السوء، والشاهد من بيت الشاعر الصحابي "عبد الله بن رواحة الأنصاري" ﵁ يأخذ الدلالة الإسلامية كذلك، على الفوز برضوان الله والنجاة من الضلال. على أن الأصمعي عدَّ الفوز من (الأضداد) قال: وسموا المفازة، مفعلة من: فاز يفوز، إذا نجا. وهي مهلكة، قال الله جل ثناؤه ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي بمنجاة. وأصل المفازة مهلكة، فتفاءلوا بالسلامة والفوز كقولهم للملدوغ: سليم، والسليم المعافي (٣٨ / ٤٦) .
ونحوه في (الأضداد لابن السكيت. (١٩٢ / ٣١٩)
* * *
٥٥ - ﴿سَوَاءٍ﴾
وسأل نافع بن الأزرق عن معنى قوله تعالى: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾
стр. 375
فقال ابن عباس: عدل. واستشهد بقول الشاعر:
تَلاقَيْنا فقاضينا سواءٌ. . . ولكنْ جرَّ عن حالٍ بحالِ (تق، ك، ط)
= الكلمة من آية آل عمران ٦٤، خطاباً للنبي ﵊:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ .
وجاءت الكلمة في ست وعشرين آية، سياقها أقربُ إلى معنى المساواة. ومعها من المادة: (الصراط السوىّ) في آيتى طه ٣٥ ومريم ٤٣ و (ثلاث ليالٍ سويّاً) ، في مريم ١٠ ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ في مريم ١٧.
كما جاء الفعل "سوى" ماضياً عشر مرات، ومضارعاً مرتين.
والفعل "استوى" ماضياً خمس عشرة مرة، ومضارعاً عشرين مرة، ومرة واحدة، جاء الفعل "ساوى" في آية الكهف ٩٦: ﴿سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾
وتفسير سواءٍ بعدل، في آية آل عمران، قريب، ففي العدل دلالةُ المساواة الأصلية في المادة، لا تنفك عنها في السوىَّ المعتدل المشتقيم، وفي الاستواء بمعنى الاعتدال، أو التعادل إذا كان من طرفين، والوسيط.
وإن كان العدلُ قد غلب استعماله في الأحكام وما يجري مجراها، والسوىُّ في الاعتدال والاستقامة، وسواء في التساوي والتعادل والتكافؤ.
ويأتي (سواء الجحيم) في المسألة ٩٥.
* * *
стр. 376
٥٩ - ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾
وسأل نافع عن معنى قوله تعالى: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾
فقال ابن عباس: السفينة الموقرة الممتلئة، واستشهد بقول عبيد بن الأبرص:
شَحَنّا أرضَهم بالخيلِ حتى. . . تركناهم أذلَّ من الضَّراطِ
(تق، ك، ط)
= الكلمتان من آيات:
الشعراء ١١٩، في نوح: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾
يس ٤١: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾
والصافات ١٤٠: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾
ومعها الفُلك بمعنى السفينة، في عشرين آية أخرى: في فُلك نوح. وفيما سخر لنا الله من فلك تَجرى في البحر.
وجاء فَلَك في آيتى الأنبياء ٣٣ ويس ٤٠ ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾
وأما مشحون فلم تأت إلا مع الفُلك، في الآيات الثلاث.
وتفسير الفُلْكِ بالسفينة هو القريب المتبادر، ويؤنس إليه أن القرآن استعمل "السفينة" في قصة نوح والطوفان بآية العنكبوت ١٥: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
وإن كنت مع أطيل التدبر في آيات الفُلْك الثلاث والعشرين، وليس في القرآن كلمة السفينة إلا في آية العنكبوت، وآيتى الكهف خبراً عن موسى وصاحبه: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾
стр. 377
فهل يكون الفُلْك ما يربطها بالفَلَكِ في آيات القدرة الإلهية والنظام الكوني، وتكون السفينة لمجرد المركب المائي؟ ذلك ما ألمحه من بعيد.
وكذلك تفسير المشحون بالممتلئ، قريب، وإن كنت ألمح في الشحنة حِسَّ الدلالة على أقصى ما تحتمله الفلك من امتلاء. وقد نقول ملأت المكان، لا تريد إلا القدر الذي يتسع له، دون أن تشحنه بنوع من الضغط والحشد، والله أعلم.
* * *
٥٧ - ﴿زَنِيمٍ﴾
وسأله نافع عن قوله تعالى: ﴿زَنِيمٍ﴾
فقال ابنُ عباس: ولد الزنا. واستشهد بقول الشاعر.
زنيمٌ تداعته الرجالُ زيادةً. . . كما زِيدَ في عرضِ الأديمِ الأكارِعُ
من (تق) وفي (ك، ط) : الزنيم كزنمة الشاة وكذلك ولد الزنا.
= الكلمة من آية القلم ١٣:
﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾
وحيدة في القرآن، صيغة ومادة.
وتفسيرها بولد الزنى قد يدبو قريباً، فمن معانيها في اللغة: اللئيم المعروف بلؤمه وشره، والدعِىُّ في القوم ليس منهم. وربما كان مأخوذاً لهذا المعنى. من: الزنمة، وهي جزء يقطع من أذن البعير فيترك مُعَلقاً. وقد ذكره "الراغب" في (المفردات) ومعناه في آية القلم عند الفراء: الزنيم الملصق بالقوم وليس منهم وهو المدَّعى (٣ / ١٧٣)
стр. 378
في صحيح البخاري عن مجاهد عن ابن عباس ﵄، قال: رجل من قريش كانت له زنمة كزنمة الشاة (ك التفسير، سورة ن) وذكر له ابن حجر طرقاً أخرى، منها من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس: يعرف بالشر كما تعف الشاة بزنمتها. وقال أبو عبيدة: الزنيم المعلق في القوم ليس منهم، قال الشاعر:
* زنيم ليس يعرف من أبوه * وقال حسان: * وانت زنيم لِيطَ في آلِ هاشم * قال: ويقال للتيس: زنيم، له زنمتان (فتح الباري ٨ / ٤٦٧)
ونقل فيه "الطبري"، معنى الفاحش اللئيم، والمصَلق بالقوم وليس منهم، واستشهد بقول حسان بن ثابت، بقول آخر:
زنيم ليس يُعرف مَن أبوه. . . بغىُّ الأمَّ ذو حَسَبٍ زنيم
وخصه "الزمخشري" في تفسير آية القلم، بالوليد بن المغيرة، قيل: كان دعِياً في قريش، ادعاه أبوه بعد أن بلغ الثامنة عشرة من عمره. نقله "أبو حيان" ومعه: أن الوليد كان له ست أصابع في يده، فكأنها الزنمة. ثم علق قائلاً: "والذي يظهر أن هذه الأوصاف في آيات القلم ليست لمعينَّ، وإنما تصدقُ على عامة من يتصف بها".
ونضيف: إن سياق الآية يخرجها من الخصوص إلى العموم المستفاد صراحةً من لفظ "كل" وإذا قيل في أسباب النزول إنها نزلت في الوليد بن المغيرة، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي نزلت فيه الآية، على ما قرره الأصوليون.
والملحظ الذي نلتفت إليه في تفسير الزنيم بولد الزنى، على ما يبدو من قربه، هو أن القرآن في مَحْقِه للزنى إنما يقصر اللعنة على الزاني والزانية، لا على أولادهما. من هنا نرجح في الزنيم معنى اللؤم والفحش. والعربية في إطلاقها الزنيم على الدعىَّ الملحق بالقوم ليس منهم، وعلى ولد الزنى، قد لحظت فيه لؤم الأصل وما يغلب عليه من دناءة الطباع. والله أعلم.
стр. 379
٨٥ - ﴿قِدَدًا﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾
قال ابن عباس: المتقطعة في كل وجه. وشاهده قول الشاعر:
ولقد قلتُ وزيدٌ حاسرً. . . يومَ ولَّتْ خيلُ زيدٍ قِدَدَا
(تق) وفي (ك، ط) : من كل وجه.
الكلمة من آية الجن ١١:
﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾
وحيدة الصيغة في القرآن، وليس معها فيه من مادتها غير الفعل الماضي في آيات يوسف، وامرأة العزيز، (٢٥ - ٢٨) :
﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ ، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾
والقد فيها على أصل معناه في التمزيق.
وتفسيره ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ بالمتقطعة في كل وجه، لعله عنى به التقطع المجازي في الهدى والضلال، ونظر فيه، والله أعلم، إلى آيات:
الأعراف ١٦٨: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ ومعها ١٦٠ في تقكيع قوم موسى أسباطاً..
والمؤمنون ٥٣: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ وآية الأنبياء ٩٣:
وإن جاء التقطع والتقطيع كذلك في تقطيع الأرحام (محمد ٢٢) وتقطع القلوب حسرة (التوبة ١١١) كما جاء على أصل معناه في تقطيع الأيدي في حد السرقة (المائدة ٣٨) والأيدي والأرجل في حد الحرابة (التوبة ٣٣) وتقطيع النسوة أيديهن في
стр. 380
آيتى (يوسف ٣١، ٥٠) ووعيد فرعون لمن آمن من السحرة بتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف (الأعراف ١٢٤، طه ٧١، الشعراء ٤٩)
وجاء في النذير بعذاب الكفار في الجحيم: ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ الحج ١٩ ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ محمد ١٥
وذهب الفراء في معنى آية الجن إلى: كنا فرقا مختلفة أهواؤنا (٣ / ١٩١) ونقل فيها القرطبي عن الضحاك: أدياناً مختلفة. وعن قتادة: أهواء متباينة، وأنشد:
القابض الباسط الهادي بطاعته. . . في فتنة الناسِ إذ أهواؤهم قِدَدُ
قال: ويقال القوم طرائق، جمع طريقة، أي على مذاهب شتى. والِقدَد نحو منها وهو توكيد لها واحدها قِدَّة، وأصلها من قدَّ السيور وهو قطعها (الجامع ١٩ / ١٤) وكذلك فسرها أبو حيان بالسِير المختلفة، وأنشد:
* القابض الباسط * البيت، وبيت الكُميت:
جمعتَ بالرأي منهم كلَّ رافضة. . . إذ هم طرائق في أهوائها قِدَدُ
(البحر ٨ / ٣٤٤)
والتفاوت بين الصلاح وما دونه، هو صريح آية الجن. ومعها في سياقها: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾
وأما الشاهد في جواب المسألة - وهو للبيد بن ربيعة - فصريح في تشتت الخيل وتقطعها في كل وجه.
* * *
٥٩ - ﴿الْفَلَقِ﴾
وسأله عن معنى قوله : ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾
قال: الصبح. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت
стр. 381
بقول "لبيد بن ربيعة" وهو يقول:
الفارج الهمَّ مسدولاً عساكره. . . كما يُفرَّج غمَّ الظلمة الفلقُ
(ظ، في الروايتين) وفي (طب) : ضوء الصبح وفي (تق، ك، ط) : الصبح إذا انلق من ظلمة الليل.
= الكلمة من آية الفلق:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ. . .﴾
ومعها من مادتها اسمُ الفاعل في آيتى الأنعام: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ - ٩٥ ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ - ٩٦
وفَعلَ المطاوعة في آية الشعراء ٦٣: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾
تأويل الفلق في المسألة بالصبح أو بضوئه، يبدو قريباً. وقد يؤنس إلى انفلاقة "فالق الإصباح" إلا أنه مختلف فيه: بالصبح فسره البخاري عن مجاهد (ك التفسير، سورة الفلق) ونقل فيه ابن حجر قول الفراء أنه الصبح (الفتح ٨ / ٥٢٤) وهو الصواب عند الطبري، عن ابن عباس وغيره. وإن نقل فيه من اختلاف التأويل، أن الفلق الخّلق، عن ابن عباس. وسِجن في جهنم، عنه أيضاً من طريقين، وقيل اسم من أسمائها، أو جُبُّ فيها عن القرظي والسدَّى (٣٠ / ٢٢٥) ونقل فيه القرطبي نحو ذلك، وقيل شجرة في النار (الجامع
стр. 382
٢٠ / ٢٥٢) . وأصل الفلْق في العربية الشقُّ، والفلوق: الشقوق، والفالق: النخلة المنشقة عن الطلْع، والمطمئن من الأرض بين ربوتين، كأنه شَقٌ بينهما؛ والفُلَّيْق: الخوخ ينفلق عن نواه.
وعند الراغب: قيل هو الصبح، وقيل: الأنهار، وقيل: الكلمة التي علَّمها اللهُ موسى فانفلق بها البحر (المفردات)
وفي (الصحيحين) أنه ﷺ كان يرى الرؤيا فتأتي "مثل فَلَقِ الصبح" فسره ابن الأثير بضوء الصبح وإنارته، أو هو الصبح نفسه (النهاية) .
* * *
٦٠ - ﴿خَلَاقٍ﴾
وسأل ابن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿خَلَاقٍ﴾
فقال ابن عباس: نصيب. وشاهده قول أمية بين أبي الصلت:
يدعُون بالويلِ [فيها] لا خلاق لها. . . إلا سرايبل من قَطْرٍ وأغلالِ
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آيات:
البقرة ١٠٢ في السَّحْر: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾
والبقرة ٢٠٠: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾
آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ. . .﴾
стр. 383
ومعها آية التوبة ٦٩:
﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
ولم تأت الكلمة بهذه الصيغة، إلا في هذه الآيات الأربع.
وجاء "خُلُق" مرتين في آيتى: الشعراء ١٣٧ ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ القلم ٤: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
و ﴿اخْتِلَاقٌ﴾ في آية ص ٧: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾
وجاء في الخَلْقِ نحو مائتين وخمسين مرة، بصيغ: المصدر: والفعل ثلاثياً ماضياً ومضارعاً، واسم فاعله.
وخلاَّق (مرتين) ومُخَلَّقة (مرتين)
الخَلْق في معجم العربية: التقدير. فإذا أسند إلى الخالق، فهو إبداع الشيء على غير مثالٍ سبق. وخلَق الكلاَم: صنعه: واختلقه: افتراه. والخلاَق النصيب الوافر من الخير (ق) والخُلق: السجية والطبع.
وقال "الراغب": الخَلْق التقدير المستقيم، واستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاء. وليس الخَلْق الذي هو الإبداع، إلا الله تعالى. ولا يستعمل في كافة الناس إلا على وجهين: أحدهما في معنى التقدير. . . والثاني الكذب: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ وكل موضع استعمل الخَلْق فيه في وصف الكلام، فالمرادُ به الكذب، ومن هذا الوجه مَنَعَ كثير من الناس إطلاق لفظ الخلق على القرآن. . . والخَلْق يقال في معنى المخلوق، والخَلْق والخُلُق في الأصل واحد، لكن خُص الخَلق
стр. 384
بالهيئات والأشكال والصور، المدركات بالبصر. وختص الخُلق بالقوى المدركة بالبصيرة قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وقرئ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ .
والخلاَق: ما اكتسب الإنسان من الفضيلة بخُلقه: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ. . .﴾ (المفردات)
ومن الخلق في التقدير والإبداع، جاء الخلق كأنه خِلقة في صاحبة وسجية. فإذا اخترع الكلامَ كذباً فذلك الاختلاق.
وتفسير "خلاق" بنصيب، هو معناه في آية البقرة عند الفراء (١ / ١٢٢) وأبي عبيدة في آية آل عمران (المجاز ١ / ٩٧) لكنه قيده في آية البقرة بنصيب من خير (١ / ٤٨) ومحوه في (ق) وقيده الراغب بما اكتسب الإنسان من فضيلة. ونقل الطبري من اختلاف أهل التأويل فيه: أنه النصيب، عن مجاهد والسدى وسفيان. والحجّة، عن قتادة، والدين، عن الحسن. وأخرج من طريق ابن جريج عن ابن عباس، قال: ما له من قوام.
وأوْلى هذه الأقوال عنده، أنه النصيب، وذلك أنه معناه في كلام العرب. قال: ومنه قول النبي ﷺ : "ليؤيدن الله هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم" يعنى لا نصيب لهم ولا حظ في الإسلام والدين. وأنشد شاهد المسألة.
وسياق الكلمة في آياتها الثلاث، صريح في أنه النصيب من الجزاء الأخروى على كسب الأعمال. وقد جاءت كلمة "نصيب" المفسرَّ بها خلاف، في نظير ذلك:
غافر ٤٧: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾
والشورى ٢٠: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾
لكنها جاءت كذلك في واحد الأنصبة بأحكام المواريث (النساء ٧) ونصيب من
стр. 385
الحرث والأنعام (الأنعام ١٣٦) ومن الملك (النساء ٥٣) ومن الدنيا (القصص ٧٧) وفي (الفروق اللغوية) أن الخلاق: النصيب الوافر من الخير خاصة، بالتقدير لصاحبه أن يكون نصيباً له.
قد يهدي هذا الاستقراء إلى أن الخلاق إذا فُسَّر بالنصيب بمعنى القَدرْ، فملحوظ فيه خصوص دلالته على جزاء ما يكسب الإنسان بخلقه ومسعاه. ويكون النصيب بدلالة أعم، فيأتي بمعنى القدر من كسب الخُلق والعمل، ويأتي كذلك بمعنى القدر المفروض، والحظ المقسوم. والله أعلم.
* * *
٦١ - ﴿قَانِتُونَ﴾
وسأل نافع عو قوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾
فقال: مُقِرُّون. واستشهد بقول عَدىَّ بن زيد:
فقال: مُقِرُّون. واستشهد بقول عَدىَّ بن زيد:
قَانتاً للهِ يرجو عَفْوَهُ. . . يومَ لاَ يُكفَرُ عَبْدٌ مَا ادَّخرْ
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آيتى:
البقرة ١١٦: ﴿سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾
والروم ٢٦: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾
ومعهما اسم الفاعل، مفرداً، وجمعاً في آيات:
الزمر ٩: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾
النحل ١٢٠: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
стр. 386
البقرة ٢٣٨: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
آل عمران ١٧: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾
النساء ٣٤: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾
ومعها آيتا: الأحزاب ٣٥، والتحريم ٥ في نساء النبي ﵊، وآية التحريم ١٢ في مريم ﵍.
وجاء الفعل مرة واحدة في آية الأحزاب ٣١، خطاباً لنساء النبي: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾
وتفسير القنوت بالإقرار لا يكون إلا على وجه تقريب لا يفوتنا فيه أن الإقرار يغلب أن يصدر على وجه الإلزام، وقد يكون عن تَقِيَّة وخوف، ولا يكون القنوت إلا عن خشوع صادق. يؤيد هذا الملحظ أن القرآن لم يستعمل القنوت إلا لله ورسوله، والقانتون والقانتات فيه هم الصفوة المؤمنون العابدون.
وجوهر الفرق أن القنوت من أفعال القلوب كالخشوع والتقوى، وليس الإقرار كذلك. وفي القرآن منه، آية البقرة ٨٤ خطاباً لبني إسرائيل فيما نقضوا من ميثاق بعد الإقرار: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
وآية آل عمران ٨١: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
ملحظ الإلزام في الإقرار واضح، فاحتاج إلى الإشهاد عليه وكان نقضه بعد إقراره، إثماً وعدواناً وفسقاً.
стр. 387
وقول "الراغب": القنوت لزوم الطاعة مع الخضوع، وفُسرَّ بكلَّ زاحد منهما في قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ قيل: خاضعين، وقيل طائعين، وقيل ساكتين، لم يعن به: عن الكلام، وإنما عنى به ما قال ﵇: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي قرآن وتسبيح". (المفردات)
يرد عليه أن الخضوع، قد يكون أيضاً عن قسر وخوف أو عن تقية ومداراة. وهذا وجه تخصيصه عند الفراء، فقال في معنى آية البقرة ١١٦: يريد مطيعين، وهذه خاصة لأهل الطاعة، ليس بعامة (١ / ١٤١)
ومن معاني القنوت عن ابن الأثير: الطاعة، والخشوع - وهو غير الخضوع - ولاصلاة. والدعاء والعبادة وطول القيام والسكوت (النهاية) ولا يخرج عما في المعاجم. وهي معان متقاربة، وفيها من الخشوع والتواضع لله ، ما ليس في الإقرار الذي قد يكون عن إلزام بالخضوع.
* * *
٦١ - ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾
وسأله عن معنى قوله ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾
قال عظمة ربنا. واستشهد له بقول أمية بن أبي الصلت:
لكَ الحمدُ والنعماءُ والمُلْكُ رَبَّنا. . . فلا شيءَ أعلى منك جَداً وأمجدُ
(تق، ك، ط)
(ظ، طب)
стр. 388
= الكلمة من آية الجن ٢٣:
﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾
وحيدة الصيغة. ومن مادتها جاء "جديد" ثماني مرات، كلها صفة لخلق جديد، للبعث والقيامة. و"جُدَد" في آية فاطر ٢٧:
﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ .
ومن معاني الجَد في العربية: العظمة والجلال، ووالد الأب، والحظ والحظوة. والجادة: الطريق المسلوك الممهد، والسوي. والجِِد، بالكسر، الاجتهاد، والجديدان الليل والنهار، لما في تعاقبهما من جديد، أو من تجدد آيتهما.
وفي قوله تعالى: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ قال ابن قتيبة في تأويل المشكل؛ سورة الجن: يقال: جَدَّ فلان في قومه إذا عظم.
وقال أبو عبيدة في (مجاز القرآن) : علا ملك ربنا وسلطانه. وأسند الفراء في معناها عن مجاهد: جلال ربنا.
ومما رواه الطبري بإسناده من اختلاف أهل التأويل في معناها: تعالت عظمة ربنا، وأمره وسلطانه، وجلاله، وقدرته: عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة، بألفاظ مقاربة، واختاره.
وقيل: غِنىَ ربنا، وقيل: الجد الذي هو أب الأب، من كلام جهلة الجن. وأسنده عن مجاهد. وعن أنس ﵁، قال: كان الرجل منا إذا حفظ البقرة وآل عمران، جَدَّ في أعيننا. ذكره القرطبي.
وقال الراغب: "تعالى جد ربنا" أي فيْضه، وقيل: عظمته. وإضافته إليه، سبحانه، على سبيل الاختصاص بملكه. وسمى ما جعل الله من الحظوظ الدنيوية جَداً، وهو البخت (المفردات)
سياق الآية يؤنس إلى عظمة ربنا وجلاله وتفرده، بتمام آيته ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ صدق الله العظيم
стр. 389
٦٣ - ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ :
وسأله عن معنى قوله : ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ ما الآن؟
قال: الحار الذي اشتد حره. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت بقول النابغة.
وتُخضَبُ لحيةٌ غدرتْ وخانت. . . بأحمر من نجيع الجوفِ آنِ
(ظ، طب) وفي (تق، ك، ط)
قال: الآنى الذي انتهى طبخه وحرُّه.
= الكلمة من آية الرحمن ٤٤:
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ من أنى يأنى فهو آن.
معها آنية في آية الغاشية ٥: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾
والفعل المضارع عن آية الحديد ١٦:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾
والمصدر في آية الأحزاب ٥٣:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾
وجاءت ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ ثلاث مرات (آل عمران ١١٣، طه ١٣٠، الزمر ٩) و ﴿آنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ﴾ في آية (الإنسان ١٥) وأنَّى، في ثمانٍ وعشرين آية.
وتفسير ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ بالذي اشتد حره وانتهى، قال بنحوه الفراء في معنى
стр. 390
الكلمة بالآية: والآنى الذي قد انتهت شدة حره (٣ / ١١٨) ونقل فيه ابن الأنباري: وقال بعض الناس، الحميم من الأضداد يقال للحار وللبارد، ولم يذكر شاهداً. (الأضداد ٨٢ / ١٣٨) أحسبه عنى الأصمعي. وقد صرح به أبو حاتم السجستاني فقال: وزعموا أن الأصمعي قال: الحميم الماء الحار والماء البارد، ولا أعرفه (الأضداد ١٥٢ / ٢٦٧) وذكر فيه القرطبي ثلاثة أوجه: أنه الذي انتهى حره وحميمه، قال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدى. وأنشد بيت النابغة. وقال قتادة منذ خلق الله السمواعت والأرض، وقال كعب القرطبي: واد من أودية جهنم يجتمع فيد صديد أهل النار (الجامع ١٧ / ١٧٥) "الراغب" لحظ فيه أصل دلالة المادة على الزمن، فقال: حان وقته وبلغ إناه في شدة الحر (المفردات) وبه تتقارب الأقوال في تفسير الكلمة بشدة الحر، وانتهائه، ونضجه. والله أعلم.
* * *
٦٤ - ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾
فقال ابن عباس: الطعن باللسان. وشاهده قول الأعشى:
فيهمُ الخصبُ والسماحةُ والنجـ. . . ـدة فيهم، والخاطبُ المِسلاقُ
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية الأحزاب ١٩، في المعوَّقين عن الجهاد:
﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾
следующие страницы →