Полный текст (584 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
البقرة ٢٣٨: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
آل عمران ١٧: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾
النساء ٣٤: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾
ومعها آيتا: الأحزاب ٣٥، والتحريم ٥ في نساء النبي ﵊، وآية التحريم ١٢ في مريم ﵍.
وجاء الفعل مرة واحدة في آية الأحزاب ٣١، خطاباً لنساء النبي: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾
وتفسير القنوت بالإقرار لا يكون إلا على وجه تقريب لا يفوتنا فيه أن الإقرار يغلب أن يصدر على وجه الإلزام، وقد يكون عن تَقِيَّة وخوف، ولا يكون القنوت إلا عن خشوع صادق. يؤيد هذا الملحظ أن القرآن لم يستعمل القنوت إلا لله ورسوله، والقانتون والقانتات فيه هم الصفوة المؤمنون العابدون.
وجوهر الفرق أن القنوت من أفعال القلوب كالخشوع والتقوى، وليس الإقرار كذلك. وفي القرآن منه، آية البقرة ٨٤ خطاباً لبني إسرائيل فيما نقضوا من ميثاق بعد الإقرار: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
وآية آل عمران ٨١: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
ملحظ الإلزام في الإقرار واضح، فاحتاج إلى الإشهاد عليه وكان نقضه بعد إقراره، إثماً وعدواناً وفسقاً.
стр. 387
وقول "الراغب": القنوت لزوم الطاعة مع الخضوع، وفُسرَّ بكلَّ زاحد منهما في قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ قيل: خاضعين، وقيل طائعين، وقيل ساكتين، لم يعن به: عن الكلام، وإنما عنى به ما قال ﵇: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي قرآن وتسبيح". (المفردات)
يرد عليه أن الخضوع، قد يكون أيضاً عن قسر وخوف أو عن تقية ومداراة. وهذا وجه تخصيصه عند الفراء، فقال في معنى آية البقرة ١١٦: يريد مطيعين، وهذه خاصة لأهل الطاعة، ليس بعامة (١ / ١٤١)
ومن معاني القنوت عن ابن الأثير: الطاعة، والخشوع - وهو غير الخضوع - ولاصلاة. والدعاء والعبادة وطول القيام والسكوت (النهاية) ولا يخرج عما في المعاجم. وهي معان متقاربة، وفيها من الخشوع والتواضع لله ، ما ليس في الإقرار الذي قد يكون عن إلزام بالخضوع.
* * *
٦١ - ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾
وسأله عن معنى قوله ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾
قال عظمة ربنا. واستشهد له بقول أمية بن أبي الصلت:
لكَ الحمدُ والنعماءُ والمُلْكُ رَبَّنا. . . فلا شيءَ أعلى منك جَداً وأمجدُ
(تق، ك، ط)
(ظ، طب)
стр. 388
= الكلمة من آية الجن ٢٣:
﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾
وحيدة الصيغة. ومن مادتها جاء "جديد" ثماني مرات، كلها صفة لخلق جديد، للبعث والقيامة. و"جُدَد" في آية فاطر ٢٧:
﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ .
ومن معاني الجَد في العربية: العظمة والجلال، ووالد الأب، والحظ والحظوة. والجادة: الطريق المسلوك الممهد، والسوي. والجِِد، بالكسر، الاجتهاد، والجديدان الليل والنهار، لما في تعاقبهما من جديد، أو من تجدد آيتهما.
وفي قوله تعالى: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ قال ابن قتيبة في تأويل المشكل؛ سورة الجن: يقال: جَدَّ فلان في قومه إذا عظم.
وقال أبو عبيدة في (مجاز القرآن) : علا ملك ربنا وسلطانه. وأسند الفراء في معناها عن مجاهد: جلال ربنا.
ومما رواه الطبري بإسناده من اختلاف أهل التأويل في معناها: تعالت عظمة ربنا، وأمره وسلطانه، وجلاله، وقدرته: عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة، بألفاظ مقاربة، واختاره.
وقيل: غِنىَ ربنا، وقيل: الجد الذي هو أب الأب، من كلام جهلة الجن. وأسنده عن مجاهد. وعن أنس ﵁، قال: كان الرجل منا إذا حفظ البقرة وآل عمران، جَدَّ في أعيننا. ذكره القرطبي.
وقال الراغب: "تعالى جد ربنا" أي فيْضه، وقيل: عظمته. وإضافته إليه، سبحانه، على سبيل الاختصاص بملكه. وسمى ما جعل الله من الحظوظ الدنيوية جَداً، وهو البخت (المفردات)
سياق الآية يؤنس إلى عظمة ربنا وجلاله وتفرده، بتمام آيته ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ صدق الله العظيم
стр. 389
٦٣ - ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ :
وسأله عن معنى قوله : ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ ما الآن؟
قال: الحار الذي اشتد حره. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت بقول النابغة.
وتُخضَبُ لحيةٌ غدرتْ وخانت. . . بأحمر من نجيع الجوفِ آنِ
(ظ، طب) وفي (تق، ك، ط)
قال: الآنى الذي انتهى طبخه وحرُّه.
= الكلمة من آية الرحمن ٤٤:
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ من أنى يأنى فهو آن.
معها آنية في آية الغاشية ٥: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾
والفعل المضارع عن آية الحديد ١٦:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾
والمصدر في آية الأحزاب ٥٣:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾
وجاءت ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ ثلاث مرات (آل عمران ١١٣، طه ١٣٠، الزمر ٩) و ﴿آنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ﴾ في آية (الإنسان ١٥) وأنَّى، في ثمانٍ وعشرين آية.
وتفسير ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ بالذي اشتد حره وانتهى، قال بنحوه الفراء في معنى
стр. 390
الكلمة بالآية: والآنى الذي قد انتهت شدة حره (٣ / ١١٨) ونقل فيه ابن الأنباري: وقال بعض الناس، الحميم من الأضداد يقال للحار وللبارد، ولم يذكر شاهداً. (الأضداد ٨٢ / ١٣٨) أحسبه عنى الأصمعي. وقد صرح به أبو حاتم السجستاني فقال: وزعموا أن الأصمعي قال: الحميم الماء الحار والماء البارد، ولا أعرفه (الأضداد ١٥٢ / ٢٦٧) وذكر فيه القرطبي ثلاثة أوجه: أنه الذي انتهى حره وحميمه، قال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدى. وأنشد بيت النابغة. وقال قتادة منذ خلق الله السمواعت والأرض، وقال كعب القرطبي: واد من أودية جهنم يجتمع فيد صديد أهل النار (الجامع ١٧ / ١٧٥) "الراغب" لحظ فيه أصل دلالة المادة على الزمن، فقال: حان وقته وبلغ إناه في شدة الحر (المفردات) وبه تتقارب الأقوال في تفسير الكلمة بشدة الحر، وانتهائه، ونضجه. والله أعلم.
* * *
٦٤ - ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾
فقال ابن عباس: الطعن باللسان. وشاهده قول الأعشى:
فيهمُ الخصبُ والسماحةُ والنجـ. . . ـدة فيهم، والخاطبُ المِسلاقُ
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية الأحزاب ١٩، في المعوَّقين عن الجهاد:
﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾
стр. 391
﴿سَلَقُوكُمْ﴾ وحيدة في القرآن مادة وصيغة.
وأما "حِداد" فوحيدة الصيغة، وجاء من المادة "حديد" ست مرات و"حدود الله" ثلاث عشرة مرة
كما جاء الفعل "حادَّ" ماضياً مرة، ومضارعاً مرتين.
وملحظ الحِدَّة والعنف واضح في: ألسنة حداد، وفي لجج المحادة ولَدَد الجدل. . . وفي الحديد ظاهرة القوة، وفي حدود الله ما يعطيها قوة الإلزام والحُرمة.
والسؤال فيما يبدو، متعلق بكلمة ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ وتفسير السلق بالطعن باللسان احتراز يغني عنه التصريح ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ فيأخذ السلق دلالته على النجريح والطعن، من أصل مادته في سلق الشيء بالماء الحار. وقال الفراء في معنى الآية آذوكم في الأمن (٢ / ٣٣٩)
وفي حديث "ليس منا من سلق أو حلق" قال ابن الأثير: أي رفع صوته عند المصيبة، وقيل هو ان تصك المرأة وجهها وتمرشه، والأول أصح. (النهاية)
وفي القاموس: سلقه بالكلام أذاه، واللحَم عن العظم: التحاه، وفلاناً: طعنه، والبردُ النباتَ: أحرقه، وفلاناً بالسوط: نزع جلده، وشيئاً بالماء الحار: أذهب شَعره ووبره.
والمسلاق في الشاهد من قول الأعشى، أخذ السلقُ فيه كونهَ باللسان، من لفظ * الخاطب * أي الخطيب. وكل هذا من الاستعمال المجازي للمادة، منقولاً إليه من أصل استعماله في السلْق بالماء الحار. والله أعلم.
* * *
٦٥ - ﴿أَكْدَى﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿وَأَكْدَى﴾
فقال ابن عباس: كَدَّرَه بِمَنَّهِ. واستشهد بقول الشاعر:
стр. 392
أًعْطَى قليلاً ثم أكدى بِمَنَّه. . . ومَنْ ينشرِ المعروفَ في الناسِ يُحمَدِ
= الكلمة من آية النجم ٣٤:
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾
والمَنُّ في الشاهد الشعري، لا يؤخذ من قوله: * ثم أكدى * وإنما يؤخذ من صريح قوله * بمنَّه *
وقد فسره الراغب في آية النجم، بالمعطى المقل، ويرد عليه أيضاً أن "أكدى" في الآية، معطوفة على: وأعطى قليلاً، فلزم أن يكون هناك فرق بين الإكداء وإعطاء القليل. ومعناه عند الفراء: أمسك بعد عطاء قليل (٣ / ١٠١) ومن المجاز: بلغ الناس كُدْيتِه وكُدَاه، إذا أًَمسك بعد عطاء (س) .
ولعل الشح أقرب إلى الإكداء. مأخوذاً من الكُدية، وهي في العربية الأرض الغليظة، والصفاة الشديدة. وحفرَ فأكدى: صادفها - ومن هذا المعنى نُقلت الكدية في الاستعمال المجازي، إلى شدة الدهر - ومِسكٌ كَدِىُّ: لا رائحة له.
والأقرب أن يكون الإكداء في الآية، البخل والشح بعد عطاء قليل. دون قيده بتكدير المن الذي صرح به الشاعر في الشاهد.
* * *
٦٦ - ﴿وَزَرَ﴾
قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ ما الوزر؟
قال: الوزر الملجأ. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت بقول طابن الدَّثْنِيَة" وهو يذكر حِمْيَر وما أصابها:
стр. 393
لَعَمْرُكَ ما للفتى من مَفَرْ. . . من الموت يلحقه والكِبَرْ
لعمرك ما إنْ له صخرةٌ. . . لعمرك ما إن له من وزر
من (ظ في الروايتين، تق، ك، ط)
= الكلمة من آية القيامة ١١:
﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾
وحيدة الصيغة في القرآن الكريم.
ومن المادة الوِزر والأوزار بمعنى الحمل الثقيل في آيتى الشرح، وطه ١٨٧، ومعهما آية محمد ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾
ووزير في آيتى طه ٢٩ والفرقان ٣٥
وغلب مجئ الوزر في معنى الإثم والذنب فعلاً مضارعاً: ثماني مرات، واسم فاعل "وازرة" خمس مرات، واسماً ومصدراً في آيات: الأنعام ٣١، ١٦٤ وفاطر ١٨، والزمر ٧ والنحل ٢٥ وطه ١٠٠
والدلالة المشتركة فيها جميعاً: ثقل العبء، حسياً مادياً في الأحمال والأعباءـ ومعنوياً في الإثم والذنب، وفي الوزير يحمل الهم والعبء.
فتفسير الوزَر بالملجأ، ملحوظ فيه هذه الدلالة الأصلية للمادة، في الملاذ لمثقلٍ بعبء مادي أو همَّ نفسي أو نذب وخطيئة. والعربية تسمى الجبلَ وزَرا، بملحظ من مناعته وصلاحيته لأن يكون صحناً وملاذاً، وقد ذكر فيه جمهرة المفسرين واللغويين: الملجأ، والمفر، والمهرب، والحصن، والحرز، والمعقل. وأنشد فيه "ابن السكيت" في باب الاجتماع بالعداوة قول الشاعر الأنصاري:
والناسُ أَلْبٌ علينا فيك ليس لنا. . . إلا السيوفَ وأطرافَ القَنا وَزَرُ
стр. 394
وقد نظَر إليه الراغب فقال: الوزر الملجأ الذي يلجأ إليه من الجبل: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ . (المفردات) .
ونراه اعتبر الدلالة المعجمية، وهو في الآية أقرب إلى المهرب والملاذ من هول القيامة: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ صدق الله العظيم.
* * *
٦٧ - ﴿نَحْبَهُ﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿قَضَى نَحْبَهُ﴾
فقال ابن عباس: أجله الذي قُدر له. واستشهد بقول لبيد بن ربيعة:
ألاَ تسألانِ المرءَ ماذا يحازلُ. . . أنَحْبٌ فيُقضَى أم ضلالٌ وباطلُ
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية الأحزاب ٢٣:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾
وحيدة في القرآن، صيغة ومادة.
تفسير النحب بالأجل، اقتصر عليه الفراء في معنى الآية وحكاه "ابن سيده" في (المحكم) عن الزجاج. وفسره البخاري في آية الأحزاب بالعهد (ك التفسير) ونقل فيه ابن حجر عن أبي عبيدة قال: أي نذره. والنحب أيضاً النفس، والخطر العظيم، وقال غيره: النحب في الأصل النذر، ثم استعمل في آخر كل شيء. وأسند عن الحسن في الآية: قضى أجله على الوفاء والتصديق. وتعقبه (فتح الباري
стр. 395
٨ / ٣٦٦) وقال ابن الأثير: النحب النذر، كأنه ألزم نفسه أن يصدق أعداء الله في الحرب وقيل: النحب الموت. كأنه يلزم نفسه أن يقاتل حتى يموت. (النهاية)
ومن معاني النحب، والنحيب: في اللغة، أشد البكاء، وحشرجة السعال، والموت، والأجل (المحكم) والذي في (الأساس) النخب: النذر. . .، ومن المجاز: قضى نحبه: مات، كأن الموت نذر في عنقه." وربما كان أصل النحيب حشرجة السعال، فكان منه حشرجة الموت، والنحيب على الموتى، ومن حتمية قضاء الأجل، جاء استعمال النحب في النذر. والله أعلم.
٦٨ - ﴿مِرَّةٍ﴾
قال: يا ابن عباس، أخبرني عن قول الله : ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾
قال ابن عباس: ذو شدة في أمر الله. وهو جبريل عيله السلام. واستشهد له بقول نابغة بني ذبيان:
قج كنت أقرِيه إذا ضافنى. . . وهناً قِرَى ذي مرَّة حازم
من (ك، ط) بزيادة: وهو جبريل ﵇، عما في (تق)
= الكلمة من آية النجم ٦:
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾
وحيدة الصيغة في القرآن، وأما مادتها فأكثر ما جاء منها: مِرَّةٍ، في ثلاثة عشر موضعاً، ومثناها في خمسة مواضع، وجمعها في موضع واحد.
وجاء الفعل من المرور إحدى عشرة مرة، واسم فاعل "مستمر" مرتين؛ وأفعل
стр. 396
التفضيل من المرارة، في آية القمر: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾
وتفسير ذي مِرَّة، بذى شدة في أمر الله، هو من قبيل الشرح والتقريب، ودلالة الشدة جاءت من استعمال العربية لإمرار الحبل، بمعنى كرر فتله فأحكمه. ونُقل إلى الإحكام المجازي في المِرَّة.. كما نُقل الصبر من النبات المر، إلى احتمال المكاره والصبر عليها.
* * *
٦٩ - ﴿الْمُعْصِرَاتِ﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾
فقال: السحاب يعصر بعضها بعضاً فيخرج الماء من بين السحابتين.
واستشهد بقول نابغة بني ذبيان:
تَجُرُّ بها الأرواحُ من بينِ شمألٍ. . . وبين صَبَاه بِالمعصراتِ الدوَامِس
(ص، ط، تق)
= الكلمة من آية النبأ ١٤:
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾
وحيدة الصيغة في القرآن. وجاء من مادتها:
العَصْر، بمعنى الزمن، في آية العصر.
والعَصْر بمعناه اللغوي في عصر الخمر، بآية يوسف ٣٦:
﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ ومعها آية يوسف ٤٩:
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾
والإعصار في آية البقرة ٢٦٦: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾
стр. 397
تفسير المعصرات بالسحاب يعصر بعضها بعضاً فيخرج الماء من بين السحابتين، هو من قيبل الشرح، ولا نرى ضرورة لقيد المعصرات بسحابتين بل تكفي دلالتها على ما تعتصر من مطر وما تجود به من عصارة السحب تُخرج حباً ونباتاً وجنات ألفافاً. و"الراغب" لم يحدد سحابتين، بل فسر المعصرات بالسحائب التي تعتصر بالمطر أي تغص، وقيل: التي تأتي بالإعصار (المفردات) .
والعصر في كل صيغة واستعماله، يرجع إلى أصل دلالته على الضغط لاستخلاص العصارة. استعملته العربية حسياً في عصر العنب ونحوه. ومنه ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ على المجاز، والمِعصَرة: آلة العصر، والمَعصَرة: مكانه. والعواصر: ثلاثة أحجار كانوا يعصرون بها العنب. وسميت السحب الممطرة معصرات، لما تعتصر من المطر. وأعصِرَ القوم: أُمطِروا. كما أطلق الإعطار على الريح الشدية تسوق السحب.
وتسمية الدهر عصراً، ملحوظ فيه أنه يستخلص عصارة الإنسان بالضغط والابتلاء والمعاناة. وأخذه "الراغب" من نفاية ما يُعصَر. وليس الوجه. وما نقله في المعصرات من قولٍ بأنها تأتي بالإعصار، لا يؤنس إليه سياق الآية في المنَّ بإخراج الحب والنبات وجنات ألفافاً بالمعصرات، مع الاستعمال القرآني لإعصار فيه نار أصاب جنةً من نخيل وأعنبا فاحترقت. كما لا يعين عليه مألوف استعمال العربية للإعصار: الريح العاتية، وللمعصرات: السحب الممطرة. د
* * *
٧٠ - ﴿عَضُدَ﴾
وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾
فقال ابن عباس: العضد، المعين الناصر، واستشهد بقول نابغة بني ذبيان:
стр. 398
في ذِمَّةٍ من أبى قابوسَ منقذةٍ. . . للخائفين ومَن ليست له عَضُدُ
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية القصص ٣٥ خطاباً لموسى ﵇:
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾
ومعها آية الكهف ٥١، في إبليس وذريته:
﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾
وهما كل ما في القرآن من المادة.
وتفسير العضد بالمعين والناصر قريب. وذكر "الراغب" استعارة العضد للمعين، كاليد، وأصله ما بين المرفق إلى الكتف (المفردات)
وذلك في الاستعمال المجازي للعضد، في المؤازرة، والتقوية، كأنه أعانه بعضده. كما استعمل الظهير في نحو ذلك، كناية عن التقوية والمؤازرة كأنه أسنده بظهره، والساعد كأنه قواه بساعده. قال القرطبي في تفسير الآية: أي نقويك به وهذا تمثيل، لأن قوة لايد بالعضد، قال طرفه:
بَنِى لُبِيْنى لستُمُ بِيَدٍ. . . إلاَّ يَداً ليستْ لها عَضُدَ
ويقال في دعاء الخير: شد الله عضدك. وفي ضِده: فتَّ في عضدك. (الجامع ١٣ / ٢٨٧)
ومن هذا الاستعمال المجازي، جاء التعاضد والتظاهر والمساعدة، في معنى المساندة والتقوية. والله أعلم.
стр. 399
٧١ - ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾
قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾
فقال: عجوز من الباقين. واستشهد بقول عبيد بن الأبرص:
ذهبوا وخَلَّفنى المخَلَّفُ فيهمُ. . . فكأنني في الغابرين غَرِيبُ
(ك، ط، تق)
= الكلمة من آيتى الشعراء ١٧١، والصافات ١٣٥ في امرأة لوط ﵇:
﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾
ومعها ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ في السياق نفسه، من آيات:
الأعراف ٨٣، الحجر ٦٠، النمل ٥٧، العنكبوت ٣٢، ٣٣
ويما عدا هذه الصيغة، لم يأت من المادة في القرآن إلا ﴿﴾ في آية عبس:
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾
وتفسير الغابرين بالباقين، قاله الفراء أيضاً في معنى آية الشعراء وأنشد في معناه بيت الحَارث بن حلزة:
لا تكسيعِ الشُولَ بأغْبارِها. . . إنك لا تدري مَنِ الناتجُ (٢ / ٢٨٢)
لكن الأصمعي قال في (الأضداد) : الغابر الباقي، والغابر الماضي (٥٨ / ٩٧) قال أبة حاتم السجتاني في أضداده: ومن الأضداد، الغابر: الباقي والماضي، والأكثر على الباقي. ومن شواهده قول العجاج:
فما وَنَى محمد مذ أنْ غَفَرْ. . . لهُ الإلهُ ما مضى وما غَبَرْ
(١٥٣ / ٢٦٩)
ويبدو الفرق بين "الغابرين" والباقين، في أن القرآن لم يستعمل "الغابرين" إلا في سياق هذا الحديث عن امرأة لوط وقومه الفاسقين. وأما البقاء فيأتي في
стр. 400
القرآن نقيض النفاد والفناء، فيما يبقى عند الله من عمل صالح، وما عند الله خير وأبقى (القصص ٦٠ والشورى ٣٦) ورَزق ربك خيرٌ وأبقى (طه ١٣١) وفيما يخلد.
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ الرحمن ٢٧
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ الأعلى ١٧
﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ النحل ٩٦
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ طه ٧١ ومعها: ١٣١
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ الكهف ٤٦ ومعها مريم ٧٦ وهو ٨٦.
﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ الصافات ٧٧
﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ الزخرف ٢٨
﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى﴾ البقرة ٢٤٨
ولا يقرب أن نفهمها بمعنى: غبر، فهل يحتمل (في الغابرين)
أن يكون بمعنى: في الباقين، أو بمعنى في الماضين الدابرين؟ في تفسير القرطبي لآية (الشعراء ١٧١) عن قتادة: غبرتْ في عذاب الله ، أي بقيت.
وأبو عيبدة يذهب إلى أن المعنى: من الباقين في الهرم، أي بقيت حتى هرمت.
والعربية تستعمل الغابر فيمن بقى وطال عمره، مأخوذاً من الغبرة البقية في الضرع. والغبار ما يبقى من النقع المثار. ويذهب "الرغب" في المفردات، إلى أن الباقي قيل له غابر "تصوراً بتخلف الغبار عن الذي يعدو"
وأراه من الغبرة البقية، أوْلى.
* * *
٧٢ - ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾
قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾
قال: يقول، لا تحزنوا. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟
стр. 401
قال: نعم، أما سمعت بقول لبيد بن ربيعة حيث يقول:
قليل الأسىَ فيما أتى الدهرُ دونه. . . كريم النَثَا حلو الشمائل معجبِ
(ظ، في الروايتين، طب) والمسألة في (تق، ك، ط) في: (فلاتأس) قال: لا تحزن، وشاهده بيت امرئ القيس
وقوفاً بها صحبى على َّ مَطِيَّهم. . . يقولون لا تهلكْ أسىً وتجملِ
= الكلمتان من آية الحديد:
﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ - ٢٣
وآيتى المائدة:
﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ٢٦
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ - ٦٨
ومعهما ىية الأعراف ﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ - ٩٣
في معنى آية الحديد قال الفراء: أي لا تحزنوا (٣ / ١٣٦) وفي آية المائدة قال أبو عبيدة في المجاز: أي لا تأسَ ولا تجزع. والأسى الحزن. يقال أسىَ يأسىَ، وأنشد للعجاج: وانحلبت عيناه من فرط الأسى * وللشاعر - طرفه * يقولون
стр. 402
لا تهلك أسىً وتجلِد * (١ / ١٧١) وبالحزن فسر الطبري آية الحديد عن ابن عباس. وعنه أيضاً قال: الصبر عند المصيبة والشكر عند النعمة (٢٧ / ١٣٥) ونحوه ما في الكشاف، وجامع القرطبي وأنشدٍ: * يقولون لا تهلك أسى وتجمل * (١٧ / ٢٥٨) وفسر "الراغب" الأسى بالحزن، وقال: وحقيقته اتباع الفائت بالغم. وأصله من الواو لقولهم: رجل أسَوان أي حزين.
وتفسير الأسى بالحزن قريب، وفيه مع هذا القرب، أن الأسى يكون على ما فات، والحزن قد يكون على حاضر أو آت: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾
صدق الله العظيم
* * *
٧٣ - ﴿يَصْدِفُونَ﴾
قال: يا ابن عباس، أخبرني عن قول الله : ﴿يَصْدِفُونَ﴾
قال: يعرضون عن الحق، نَزَلت في قريش. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت قول أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:
عجبتُ لحِلمِ اللهِ عنا وقد بدا. . . له صَدْفُنا عن كلَّ حقًّ مُنَزَّلِ
من (ك، ط) مع (تق)
= الكلمة من آيتى الأنعام:
﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ ٤٦
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ - ١٥٧
стр. 403
ومعها من المادة الصَّدفانِ في آية الكهف ٩٦، في ذي القرنين: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا﴾
وتفسير "يصدفون" بـ "يعرضون عن الحق" هو من قبيل الشرح للكلمة في سياقها، وإن كان الصدف لمطلق الإعراض، وفيه ملحظ شدة وصلابة في الصَدَّ والنفور، يأتيه من أصل استعماله اللغوي في الصدف: صلابة في خف البعير، يميل به في المشي. والصَّدَفُ بفتحتين جانب الجبل المائل. وغلاف اللؤلؤ يصد عنه الأذى بصلابته. ونقُل إلى الصَدَف مجازاً، في الصدَّّ وشدة النفور.
* * *
٧٤ - ﴿تُبْسَلَ﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾
فقال ابن عباس: تُحَبس. واستشهد بقول زهير:
وفارقَتْكَ بِرَهنٍ لافكاكَ له. . . يومَ الوداع فقلبي مُبسَلٌ غَلِقَا
(تق) زاد في (ك، ط) : تحبس بما كسبت، في النار
= الكلمة من آية الأنعام ٧٠، خطاباً للنبي ﵊:
﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾
وليس في القرآن من المادة، غير الفعلين في هذه الآية، مبنيين للمجهول. ومعنى ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ عند الفراء: أي ترتهن قال: والعرب تقول: هذا عليك
стр. 404
بسل، أي حرام (١ / ٣٣٩) وهو في الأضداد لابن الأنباري يقال: للحلال والحرام (٣٠ / ٦٣) وفي مجاز أبي عبيدة: ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ أي ترتهن وتسلم. . . [الآية] : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾ (١ / ١٩٤) .
الأقرب في البسل أن يكون، من حبس ارتهان حرموا به الثواب كما قال الراغب، ومنه قولهم للمحروم والمرتهن مبسل.
* * *
٧٥ - ﴿أَفَلَتْ﴾
وسأل ابن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾
فقال ابن عباس: زالت عن كبد السماء. وضاهده قول كعب بن مالك:
فتغيَّر القمرُ المنير لفقدِه. . . والشمسُ قد كُسفَتْ وكادت نأفُلُ
= الكلمة من آية الأنعام ٧٨، في إبراهيم ﵇:
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾
وفيما عدا هذه الآيات، لم ترد المادة في القرآن الكريم.
وتفسير أفول الشمس بزوالها عن كبد السماء، هو من قبيل الشرح على وجه التقريب، فلا يفوتنا معه لمحُ ما في الأفول من دلالة الغروب. والقرآن لم يستعمله إلا في النيرات: الكوكب والقمر والشمس، إذ يغيب ضوؤها في مغيب الغروب. وفي مجاز القرآن لآبي عبيدة: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ اي غاب (١ / ١٩٩) وفي الغريبين للهروى: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ أي التي تغيب، يقال أفلتى النجوم إذا غابت (١ / ٥٩) ولعله منقول من الآفل: المرضع ذهب لبنها.
* * *
стр. 405
٧٦ - ﴿الصَّرِيمِ﴾
قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾
قال: كالليل المظلم.
قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم أما سمعت بقول النابغة وهو يقول:
لا تزجزا مكفهًّرّاً لاكفاء له. . . كالليل يَخْلِطُ أصراماً بأصرام
من (ظ، في الروايتين، طب) وفي (تق ك، ط) قال ابن عباس: كالذاهب. واستشهد له بقول الشاعر:
غدوت عليه غدوةٌ فوجدته. . . قعوداً لديه بالصريم عواذلُهْ
= الكلمة من آية القلم ٢٠:
﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾
تأويل الصريم بالذاهب قد يراد به المصروم. وتأويله في رواية (ظ، طب) مثل ما قاله الفراء في معنى الآية: كاليل الأسود. وقال ابن قتيبة في تأويل المشكل: أي سوداء كالليل لأن الليل ينصرم عن النهار، والنهار ينصرم عن الليل (باب المقلوب) ولعل هذا وجهُ عَدَّه من الأضداد: يقال لليل وللنهار: صريم، لأن كل واحد منهما ينصرم من صاحبه. . . فأصبحت كالصريم. . . معناه كالليل الأسود قال زهير: غدوت عليه * البيت (الأضداد لابن الأنباري) .
стр. 406
وكذلك ذكره الأصمعي في (الأضداد) وقال: ومن الصريم الليل قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ أي كالليل. وفي (الأضداد لأبي حاتم السجستاني) : والصريم الليل إذا تصرم من النهار، والنهار إذا تصرم من الليل، والصريم أيضاً المصروم، وعن أبي عمرو الشيباني، وأنشد بيت زهير: يريد الليل.
وأسند الطبري عن ابن عباس، قال: الليل المظلم. وعنه أيضاً: كالرماد الأسود وعن سفيان: كالزرع المحصود، فالصريم بمعنى المصروم.
والراغب فسر الصرْم بالقطيعة. وقال في الآية:
قيل: أصبحت كالأشجار الصريمة، أي المصروم حملها. وقيل كالليل، أي صارت سوداء لاحتراقها (المفردات) وكذلك فير ابن الأثير والصرم بالجدع والقطع (النهاية) .
ونرى دلالة القطع في الصرم. وفي الهجر والقطيعة، وفي الصرم: البت، والصارم: القاطع، ومعنى الآية يقوى بالقطع، دون الذهاب، من حيث لا يطمئن السياق على تأويل: إذا أقسموا ليذهبن بها. . . فأصبحت كالذاهب. . . والله أعلم.
* * *
٧٧ - ﴿تَفْتَأُ﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿تَفْتَأُ﴾
فقال ابن عباس: لا تزال. وشاهده قول الشاعر:
لعمرك ما تفتأ نذكر خالداً. . . وقد غاله ما غال تُبَّعَ من قَبْلُ
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية يوسف ٨٥ في حديث إخوته لأبيه:
стр. 407
﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾
وحيدة في القرآن، صيغة ومادة. وتأتي "حرضا" في المسألة (١٢٧)
وتفسيرها بمعنى: لا تزال، قاله الفراء كذلك في معاني القرآن (٢ / ٥٤) والبخاري في كتاب التفسير (سورة يوسف) وحكاه ابن حجر عن أبي عبيدة. وروى الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ تفتأ، أي لا تفتر عن حبه، وقيل معنى تفتأ تزال، فحذف حرف التفي (فتح الباري) ، (٨ / ٢٥١)
وقال "الراغب": "خي من أخوات "مازال" تلتقي معها في كزنها مع النفي من أفعال الاستمرار".
والظاهر أن جمهرة النحاة والمفسرين حملوها على تقدير حرف لا محذوف. صرح بذلك نصر الهوريني في حاشيته على القاموس:
قوله: "أي ما تفتأ، كذا في سائر النسخ، والصواب: لا تفتأ، كما قدره جميع النحاة والمفسرين"
ولا نقف هنا عند الخلاف في الحرف المحذوف المقدر: ما تفتأ، أو لا تفتأ، وإنما الذي يعنينا هو تقدير حرف نفي محذوف.
وفي "ير الخوف" بالمبحث من هذا الكتاب، سبق النظر في هذا الحرف الذي قدروه محذوفاً من آية يوسف. حملاً لفعل "تفتأ": على: لا تزال. وهدى التدبر إلى أن "فتئ" تفيد الاستمرار مستغنية عن حرف النفي، فنقول: فتئ يفعل كذا، أي استمر يفعله. وليس الأمر كذلك مع "زال": تفيد الاستمرار بحرف النفي، فإذا زال عنها النفي كانت تامة، وأفادت معنى الزوال والذهاب.
كما في آيات: فاطر ٤١ وإبراهيم ٤١، ٤٦
وكقلك برح وانفك، يفيدان الاستمرار مع النفي، فيلحقان بـ: لا زال، فإذا زال عنهما النفي، فهما فعلان تامان على أصل معناهما في البراح والانفكاك.
стр. 408
وتظل آية ﴿تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ على وجهها في البيان القرآني مفيدة معنى الاستمرار مستغنية عن تقدير حرف نفي محذوف. والله أعلم.
* * *
٧٨ - ﴿إِمْلَاقٍ﴾
وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾
فقال ابن عباس: مخافة الفقر. واستشهد بقول الشاعر:
وإني على الإملاف ياقوم ماجدٌ. . . أُعِدُّ لأضيافي الشواءَ المصَهبَّا
(تق، ك، ظ)
= الكلمة من آية الإسراء ٣١:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾
ومعها آية الأنعام ١٥١:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾
وليس في القرآن غيرهما، من المادة.
فسرها البخاري في آية الإسراء بالإنفاق، وقال: يقال: أنفق الرجل أملق، ونفق الشيء ذهب (ك التفسير) قال ابن حجر: كذا ذكره هنا، والذي قاله أبو عبيدة في ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ أي من ذهاب مال. . . وفي قوله تعالى ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ أي فقر (فتح الباري) ٨ / ٢٧٥.
وتفسير الإملاق بالفقر، على ما يبدو من قربه، فيه أن القرآن لم يستعمل الإملاق إلا في هذا الموضع بخاصة، على حين استعمل الفقر والفقير والفقراء اثنتى عشرة مرة، لا يحتمل أن يقوم سياقها بالإملاق، في مثل الصدقات "للفقراء
стр. 409
والمساكين. . . " التوبة ٦١، البقرة ٢٧١، ٢٧٣ - والفئ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ الحشر ٨.
﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ - النور ٣٢. وكذلك في آيات: ﴿بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ - الحج ٢٨.
﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ - فاطر ١٥ ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ محمد ٣٨.
والعربية تستعمل الملق في غسل الثوب، ورضاع الصغير أمَّه. والمالَقُ ما يملس به الحارثُ الأرضَ المثارة. ومن التلميس جاء الملق بمعنى التلطف، وان تعطي باللسان ما ليس في القلب.
فهل يكون الإملاق بمعنى الإنفاق، يمتص المال كما يملق الصبي أمه؟
"ابن الأثير" يذهب إلى أن الإملاق إنفاقٌ ينفذ به المال، قال: وأصل الإملاق الإنفاق، يقال أملف ما معه إملاقاً، وملقه إذا أخرجه من يده ولم يحبسه، والفقر تابع لذلك، فاستعملوا لفظ السبب في موضع المسبب حتى صار به أشهر. (النهاية)
وعلى هذا، يكون وجه التقريب في تفسير الإملاق بالفقر، أنه إنفاق يئول إلى فقر.
وقد ألمح معه من بعيد، احتمال أن يكون البيان القرآني في إيثاره لفظ الإملاق في نهي الآباء عن قتل أولادهم خشية إملاق، قد اتجه إلى لمس عاطفة الأبوة فيهم، بالكلمة التي ألفوا في رضاع الولد الصغير أمه. والله أعلم.
* * *
٧٩ - ﴿حَدَائِقَ﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿حَدَائِقَ﴾
فقال ابن عباس: البساتين. واستشهد بقول الشاعر:
стр. 410
بلاد سقاها اللهُ أمَّا سهولُها. . . فقَضْبٌ ودُرُّ مُغْدقٌ وحدائقُ
(تق) (ك، ط) والسؤال فيهما في قوله تعالى: ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾
= الكلمة من آيات:
النبأ ٣٢: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾
عبس ٣٠: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾
النمل ٦٠: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾
وليس في القرآن من المادة، غير هذه الكلمات الثلاث.
واضح أن تفسير الحدائق بالبساتين، هو من التفسير بمعرَّبٍ من لغة أخرى. فالبستان فارسي معرب، ولم يستعمله القرآن.
والعربية تستعمل الحديقة، فيما يُحدِق به بناء، من شجر أو نخل، ثم شاع إطلاقه على القطعة من النخل توسعاً بملحظٍ من إحداقه بها. وذهب "الراغب" في المفردات، إلى أنها سمُيت حديقة تشبيهاً بحديقة العين في الهيئة وحصول الماء فيها.
* * *
٨٠ - ﴿مُقِيتًا﴾
قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾
قال: قادرا. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت بقول "أحيحة بن الجلاح" حيث يقول:
стр. 411
وَذِى ضِغنٍ النفس عنه. . . وكنت على مَسَاءتِه مقيتا
(ظ، في الروايتين، طب) وفي (وق) : قال قادرا. وفي (تق، ك، ط) قادرا مقتدرا
= الكلمة من آية النساء ٨٥:
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾
وحيدة الصيغة في القرآن الكريم، ومعها من مادتها "أقوات" جمع قوت، في آية فصلت: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ - ١٠
واللغويون والمفسؤون على أن "مقتا" من قوت، وربطها الفراء في معنى الآية بالقوت، قال: المقيت المقدر والمقتدر، كالذي يعطي كل رجل قوته (١ / ٨٠) وقال أبو ععبيدة في الآية: أي حفيظا محيطا، قال اليهودي في غير هذا الكعنى:
ليت شعري وأَشعرنَّ إذا ما. . . قرَّبوها مطويةً ودُعِيتُ
ألِىَ الفضلُ أم عليّ إذا حوسـ. . . ـبتُ إني على الحسابِ مُقيت
ونقل الطبري من اختلاف أهل التأويل فيه: حفيظاً، عن ابن عباس، شهيداً عن مجاهد، وفي رواية القدير، وذلك فيما ذكروا بلغة قريش وينشد للزبير بن عبد المطلب: * وذي ضغن البيت * قال: وأما المقيت في بيت اليهودي، وأنشد بيتي السموءل، فإن معناه: فإني على الحساب موقوف، وهو من غير هذا المعنى (٥ / ١١٨) .
وذكر أبو حيان في البحر الأقوال في تأويل الكلمة بآية النساء، وقال: "وهذه أقوال متقاربة" لا ستلزام بعضها بعض و"لأن القوت يمسك النفس
стр. 412
ويحفظها" كما قال الزمخشري والراغب. وابن فارس في (المقاييس: قوت) .
ولعل تأويل مقيت بمقتدر، أقرب إلى سياق الآية. وإن لفت إلى فرق بين الكلمتين، أن "مقيتا" وحيدة في القرآن، على حين كثر مجئ قادر: نكرة ومعرفة، مفرداً وجمعاً (١٤ مرة) وقدير: اسماً لله تعالى وصفة (٤٥ مرة) ومقتدر: مفرداً أربع مرات ومرة بصيغة الجمع ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ .
وهذا الفرق الواضح في الاستعمال، يبُقى لكلمة مقيت دلالة اتصال بمادتها: القوت، منقولة إلى الاقتدار عن طرق هذا المعنى الخاص، كما في معاني الفراء.
قال ابن فارس في مادة (قوت) : القاف والواو والتاء أصل صحيح يدل على إمساك وحفظ وقدرة على الشيء من ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ .
وأنشد شاهد المسألة: * وكنت على مساءته مقيتا * غير منسوب. (مقاييس اللغة)
* * *
٨١ - ﴿لَا يَئُودُهُ﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾
فقال ابن عباس: لا يثقله، واستشهد بقول الشاعر:
يعطى المئينَ ولا يؤوده حملها. . . محض الضرائب ماجد الأخلاق
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية الكرسي:
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ البقرة ٢٥٥.
وحيدة في القرآن، صيغة ومادة.
стр. 413
فسرها الطبري كذلك بـ لا يثقله. ومعه مما روى أهل التأويل: لا يكثر عليه. لا يعز عليه. وقال القرطبي: لا يثقله، عن ابن عباس وغيره. آده الحمل أثقله. وفي (س) من المجاز: آدنى هذا الأمر، بلغ مني المجهود والمشقة.
ولا يفوتنا مع ذلك أن القرآن استعمل الثقل نحو أربعين مرة، إما على أصل معناه في الوزن والموازين والمثقال، وإما في الأثقال حسية ومعنوية.
ولعل الفرق بين الثقل والأود. أن الوزن أصل في معنى الثقل، وأما الأود ففيه معنى العوج والمشقة، فكأن الإثقال فيه جاء من جهد المشقة، لاحتماله أو لإقامة اعوجاجه. والله أعلم.
* * *
٨٢ - ﴿سَرِيًّا﴾
قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾
ما السرى؟ قال: هو النهر الصغير. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت بقول لبيد بن ربيعة؟ وهو يقول:
فتوسَّطَا عرضَ السرِىَّ وصَدَّعا. . . مسجورة متجاوراً أقلامها
(ظ) في الروايتين. وزاد في الأولى بالإسناد عن ابن عباس، قال: أما سمعت قول القائل:
سَلْمٌ تَرى الدالِىَ منه أزْوَرّا. . . إذا يعِجُّ في السرىَّ هرهرا
وفي (تق) : السرى النهر الصغير. زاد
стр. 414
في (ك، ط) : وهو الجدول أيضاً وشاهده فيها:
سهلُ الخليقة ماجد ذو نائل. . . مثل السرىَّ تمده الأنهار
وأورده ابن الأنباري في غير المسائل فأسند عن الحسن - البصري، أبي سعيد - انه تلا الآية وقال: كان والله سريا. يعني عيسى ﵇ فقال له خالد بن صفوان: يا أبا سعيد، إن العرب تسمى الجدول سريا. قال: صدقت (وق: فقرة ١١٤) .
= الكلمة من آية مريم ٢٤:
﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾
وحيدة الصيغة في القرآن.
ومعها من مادتها جاء فِعل السُّرى مضارعاً في آية الفجر ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ وفعل الإسراء ماضياً في آية الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ وجاء فعل الأمر منه خمس مرات، كلها من الأمر الإلهي للنبيَّ لوط في آيتى هود ٨١ والحجر ٦٥، وموسى في آيات طه ٧٧ والشعراء ٥٣ والدخان ٢٣: "ان اسر باهلك": ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾
تفسير السرى بالنهر الصغير، والجدول هو المعروف من كلام العرب (معاني القرآن للفراء، في الآية، والوقف والابتداء: ١١٤، وشرح التبريزي للشاهد من معلقة لبيد، ومعاجم اللغة) لكنه في آية مريم ﵍، أحد الأقوال في
стр. 415
تأويلها. ومعه مما روى الطبري من اختلاف أهل التأويل: أنه نهر عيسى، عن ابن عباس. وعنه أيضاً: الذي كان تحت مريم حين ولدته ﵉. وهو نهر بالسريانية عن مجاهد والضحاك، والجدول الصغير بالقبطية عن سعيد بن جبير.
وقيل: هو عيسى نفسه، عن الحسن وغيره. قالوا: لو كان النهر لكان إمما يكون إلى جنبها، لا: من تحتها. والقولان في (مفردات الراغب، وجامع القرطبي والبحر لأبي حيان) ولعلهما من اختلاف القراء الأئمة في قراءة الآية.
والشواهد من الشعر، صريحة في معنى النهر أو الجدول. وكون النهر من تحتها، فيه ملحظ الخفاء في استعمال القرآن. والعربية، للسُّرى والإسراء. وقد يؤنس إلى دلالة السرى، بمعنى النهر الصغير والجدول، أن دُلَّت عليه مريمُ ﵍، من حيث لم تتوقع، مع سياق الآيات في الأكل من رطب النخلة، والشرب. قال تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾
ولعل ملحظ الخفاء، هو الفرق الدقيق بين سرى، لم تأت غير مرة واحدة، والنهر والأنهار، وقد جاءا في القرآن الكريم خمس مرة. والله أعلم.
* * *
٨٣ - ﴿دِهَاقًا﴾
قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾
قال ابن عباس: ممتلئة. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت بقول خِداش بن زهير:
стр. 416
أتانا عامرّ يرجو قِرَانا. . . فأتْرعنا له كأساًَ دِهاقاً
(ظ، في الروايتين، وفي (تق) : ملاء وفي (ك، ط) : الكأس الخمر، والدهاق الملآن
= الكلمة من آية النبأ ٣٤:
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾
وحيدة في القرآن. صيغة ومادة.
وتفسير دهاق بممتلئة، كما عند الجمهرة من اللغويين والمفسرين، أو مفعمة كما قال "الراغب" في (المفردات) مترعة كما في (الكشاف) على ما يبدو من قربه، يُلحظ معه أن البيان القرآني خصَّ ﴿كَأْسًا دِهَاقًا﴾ بذلك المقام في نعيم المتقين بدار الخلد، على كثرة استعماله لمادة ملأ: فعلاً سبع مرات، ومصدراً مرة، واسم فاعل للجمع مرتين.
ويغلب أن تأتي على اختلاف صيغها في سياق خاصّ، كآية الكهف ١٨ ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾
والوعيد كآية آل عمران ٩١:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾
أو النذير بعذاب المجرمين في جهنم، وما يملئون به بطونهم من طلع شجرة الزقوم، بصريح آيات:
الأعراف ١٧: خطاباً لإبليس: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
ومعها آيات: هود ١١٩، السجدة ١٣، ص ٨٥
стр. 417
ق ٣٠: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾
الواقعة ٥٣: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ ومعها آية الصافات ٦٦
ثم إن العربية تتصرف في مادة (ملأ) على سعة، خلافا للدهق الذي قلما يستعمل إلا في كأس دهاق، وأدهقت الكأس، والحوض. فلعل بين المادتين فرق عموم وخصوص. والله أعلم.
* * *
٨٤ - ﴿كَنُودٌ﴾
قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ما الكنود؟
قال: الكفور. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت بقول أبي زُبَيْد الطائي:
إنْ تَفُتْنى [فلم] أطِبْ عنك نفساً. . . غيرَ أني أمَتَّى بدَهرٍ كُنَود
(ظ) في الروايتين. وفي (تق) كنود للنعم، وهو الذي يأكل وحده ويمنع لافده. زاد في (ك، ط) : ويجيع عبده. وشاهده في الثلاثة، قول الشاعر:
شكرتُ له يومَ العكاظِ نوالهَ. . . ولم أكُ للمعروفِ ثَمَّ كَنُودا
* * *
= الكلمة من آية العاديات ٦:
стр. 418
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾
نقل فيها الفراء في (معاني القرآن) : قال الكلبي، وزعم أنها لغة في كندة وحضرموت: لكنود: لكفور بالنعمة. وقال الحسن: لوام لربه المسيئات وينسى النعم (٣ / ٢٨٥)
وتأويلها في المسألة، رواه الطبري، والقرطبي وأبو حيان، عن ابن عباس وغيره، ورووا فيه حديث أبي أمامة الباهلي عن النبي ﷺ : قال: (الكنود هو الذي يأكل وحده ويمنع رفده ويضرب عبده) وعن ابن عباس مرفوعاً بلفظ: (من نزل وحده ومنع رفده وجَلَد عبده) - أخرجهما الحكيم الترمذي في نوادر الأصول.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: الكنود بلسان كندة وحضرموت: العاصي، وبلسان ربيعة ومضر: الكفور: وبلسان كناهنة: " البخيل السيء الملكة (الطبري، والزمخشري، والقرطبي، وأبو حيان)
والمعاني متقاربة، وفي (مفردات الراغب) أنه الكفران بنعمة الله.
والأرجح أنها ترجع إلى الأرض الكنود: تعصي على الزرع فلا تنبت، فهي عاصية وبخيلة، ثم كثر استعماله في الكافر بالنعمة، لا يؤدى حقها، وذلك أسوأ البخل. وقريب منه: الجحود بمعنى نكران الجميل والمعروف.
وأقرب معانيها إلى آية العاديات، أنه الجحود والكفران بنعمته تعالى، والله أعلم.
* * *
٨٥ - ﴿يُنْغِضُونَ﴾
وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾
فقال ابن عباس: يحركون رءوسهم استهزاءً. واستشهد بقول الشاعر:
стр. 419
أتُنغِضُ لي يَوم الفخارِ وقد ترى. . . خيولاً عليها كالأسود ضواريا
(تق) (ك، ط) وفيهما: استهزاءً "برسول الله ﷺ "
= الكلمة من آية الإسراء ٥١: خطاباً للنبي ﵊ في الظالمين من قومه:
﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾
وحيدة في القرآن صيغة ومادة.
وتأويلها في المسألة بتحريك الرأس استهزاء. رواه الطبري بإسناده عن ابن عباس وقتادة. وتأويلها عنده: فسيهزون لك رءوسهم برفع وخفض، وكذلك المنغض في كلام العرب إنما هو حركة ارتفاع ثم انخفاض، أو انخفاض ثم ارتفاع ولذلك سمي الظليم نغضا لأنه إذا عجل المشي ارتفع وانخفض وحرك رأسه. وهو قريب من قول الفراء في معاني القرآن.
فالإنغاض بمعنى التحريك، من التقريب الذي لا يفوتنا معه ما لم يفت الفراء والطبري والراغب من ملحظ اضطراب الحركة وارتجافها في النغض والإنغاض، فليس كل تحرُّكٍ إنغاضاً. . . بل الاهتزاز والاضطراب أصل في دلالة النغص (مقاييس اللغة) .
ويقوى المعنى إذا فهمنا الآية بهذا الملحظ من الارتجاف والاضطراب حين بصك سمعهم البرهانُ المفحم: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾
وتخونهم الطمأنينة، فينم عنها إنغاضُ رءوسهم، وإن لجوا في العناد:
стр. 420
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ صدق الله العظيم
٨٦ - ﴿يُهْرَعُونَ﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾
فقال ابن عباس: يقبلون إليه بالغضب. وشاهده قول الشاعر:
أتَوْنا يُهرعُون وهُمْ أسَارَى. . . نَسوقُهمُ على رغمِ الأنوف
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية هود ٧٨
﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾
ومعها آية الصافات ٧٠، في الظالمين الضالين:
﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾
وليس في القرآن غيرهما من المادة.
ولعل قيد الغضب في التفسير المروي عن ابن عباس، احتراز من قوله: يقبلون إليه. وفي الإقبال ملحظ قبول. وكذلك قيده اللغويون بالرعدة أو الضعف والخوف، وإن لحظ فيه معنى المشي في سرعة واضطراب. الهراغ كغراب، مشىٌ في اضطراب، وسرعة وأقبل يهرع بالضم. وأُهَرع فهو مُهرَع: قال ابن السكيت في باب الجبن وضعف القلب: "وجاء قومهم يهرعون إليه" إهراعاً وهي الرعدة إذا ذهبت عقولهم (تهذيب الألفاظ ١٨١) . نقل القرطبي في تفسير الآية: قال الكسائي والفراء وغيرهما من أهل اللغة: لا يكون إهراع إلا إسراعاً مع رعدة. وأنشد بيت مهلهل.
стр. 421
والهروع: المجنون يصرع، والمصروع من الجهد (س، ق)
وأخذه "الراغب" من السوق بعنف وتخويف، قال: هرَع وأهرَع، ساقه سوقا بعنف وتخويف، قال تعالى: يهرعون إليه - المفردات.
وإن كان سياق آية هود في قوم لوط، يفهم أنهم ما جاءوه يهرعون إليه غاضبين أو خائفين، وإنما يهرعون إليه في جنون الشهوة. لفعل السيئات مع ضيفه.
كما أن سياق الصافات، أقرب إلى أن يعطي أنهم على آثار آبائهم "يهرعون" تقليداً أهوج ومتابعة حمقاء طائشة.
وفي الكلمة حس السرعة مع الاضطراب والعنف وطيش الاندفاع، وبناؤه للمجهول، في آيتى هود والصافات، يعطيه دلالة هذا الاندفاع غير الإرادي كأنهم يساقون بعنف مغلوبين على أمرهم بشهوة فسقهم، أو بتقليدٍ أعمى ومسايرة طائشة على آثار آباء لهم ضالين.
وكذلك الشاهد من قول الشاعر:
* أتونا يُرعون وهم أسارى *
لا يشهد للإقبال بالغضب، وإنما هو اضطراب أسارى مغلوبين على أمرهم يساقون إلى الأسر على رغم الأنوف.
* * *
٨٧ - ﴿الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾
فقال ابن عباس: بئس اللعنة. بعد اللعة. واستشهد بقول نابغة بني ذبيان:
لا تقذِفَنَّى بِركُنٍ لاكَفاءَ له. . . وإن تأثَّفَك الأعداءُ بالرفدِ
(وق، ك، ط) وفي (تق) : بئس اللعنة.
стр. 422
= الكلمتان من آية هود ٩٩، في فرعون وملئه:
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾
وحيدتان في القرآن، صيغة ومادة.
وتأويلها في المسألة، باللعنة بعد اللعنة، مستفاد من التصريح بلعنةٍ أُتبعوها في هذه، ويَومَ القيامة.
والرفد في العربية الصلة والعطاء، يقال: رَفَده، وصله وأعطاه، والرفودُ الناقة لا ينقطع لبنها، والرافدان: نهرا دجلة والفرات. والترافد: التعاون، ومنه الرفادة، كانت لقريش في الجاهلية يترافدون فيها لطعام الحاج في الموسم.
وملحظ التتابع يفهم في آية هود من لعنة في هذه ويوم القيامة، مع سياق الآية قبلها: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾
* * *
٨٨ - ﴿تَتْبِيبٍ﴾
وسأل ابن الأزرق عن قوله: ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾
فقال ابن عباس: تخسير. واستشهد بقول بشر بن أبي خازم:
هُمُ جدَعوا الأنوف فأوْعبوها. . . وهمْ تركوا بني سعدٍ تَبابا
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية هود ١٠١ بعد الآية في المسألة السابقة:
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ
стр. 423
ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ .
وحيدة الصيغة في القرآن، وجاء في مادتها:
الفعل الثلاثي ماضياً في آية البلد المسد ١: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾
وتبات في آية غافر ٣٧:
﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾
وهذا كل ما في القرآن من المادة.
وتأويل التتبيب بالتخسير، تقريب لا يفوتنا معه أن القرآن لم يستعمله إلا في لعنة الضلال، وأما الخسر فقد يحتمل الخساريةُّ المادة، نقيض الربح، في التجارة ومثلها. ومنه في القرآن ثلاث آيات مع الوزن والكيل (المطففون ٣، والرحمن ٩، والشعراء ١٨١) ومنه نقل إلى الخسر المجازي في المعنويات، وإلى المعنى الديني فيمن خسروا الدنيا والآخرة، وهو الغالب في الاستعمال القرآني.
ومن معاني التَّبَّ في العربية: النقص والخسار، والهلاك. وإليه ذهب ابن الأثير في حديث أبي لهب: "تبًّا لك، ألهذا جمعتنا؟ " قال: التب الهلاك هو منصوب بفعل مضمر مرتوك الإظهار (النهاية) وأورده ابن السكيت في باب الدعاء على الإنسان بالبلاء والأمر العظيم (تهذيب الألفاظ) وتبب على القوم دعا عليهم بالتب (س) .
والعربية قلما تستعمل التب إلا في الهلاك، والتبوبُ، كالتنور: المهلكة، وما انطوت عليه الأضلاع من ضغن أو هم. وتقول: تبًّا له أي سُحقاً وهلاكا. ولا أعرف أنها استعملت التَبَّ في الخسارة المادية أو التعامل التجاري. وهذا الملحظ، في الفرق بين الخسر والتب، يجلوه البيان القرآني في استعماله للكلمتين يظن أنهما تترادفان فتفسر إحداهما بالأخرى. والله أعلم.
стр. 424
٨٩ - ﴿هَيْتَ لَكَ﴾
قال: أخبرني عن قول الله تعالى: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾
قال: هلم لك، قال فيه أحَيْحَةُ بنُ الجَلاجَ:
به أحمى المُضَافَ إذا دعاني. . . إذا ما قيل للأبطال هَيْتَا
(وق) وفي (تق) قال ابن عباس: تهيأت لك. زاد في (ك، ط) : قم فاقض حاجتي.
= الكلمة من آية يوسف ٢٣ في امرأة العزيز:
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾
وحيدة في القرآن، صيغة ومادة.
وتفسير ابن عباس، كأنه على قراءة من قرأ: هِيْتَ لَكَ، بالكسر أي تهيأت. وفسره الراغب فقال: هيتَ، قريب من هَلُمَّ، وقرئ: هيتُ، أي تهيأت (المفردات) .
ولم يذكر الفيروزابادى: هيت، في المهموز، والذي قاله فيه: (الهيئة) الهئْ وإلهِئ الدعاء إلى الطعام والشراب، ودعاء الإبل للشرب. . .
وأما كلمة: هيت، فجاء بها في حرف التاء، لا الهمزة. وذكر فيها كسر أوله
стр. 425
قال: وهَيت لك، مثلثة الآخر وقد يكسر أوله، أي هلم. والهيت الغامض من الأرض.
على أنهم نقلوا في تفسير آية يوسف عن ابن عباس، والحسن: هيت كلمة سريانية تدعوه إلى نفسها. وقال السدى: معناها بالقبطية: هلم لك. قال أبو عبيد: كان الكسائي يقول: هي لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز: معناه: تعال. وبه قال عكرمة. وقال مجاهد وغيره: هي لغة عربية تدعوه بها إلى نفسها وهي كلمة حث وإقبال.
(جامع القرطبي: سورة يوسف) ٩ / ١٦٤
* * *
٩٠ - ﴿عَصِيبٌ﴾
وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾
فقال ابن عباس: شديد. ولما سأله نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ أجاب: نعم، أما سمعت قول الشاعر:
همُ ضربوا قوانسَ خَيلِ حُجْرٍ. . . بجنبِ الرَّدْهِ في يوم عَصيبِ
(تق، ك)
= الكلمة من آية هود ٧٧:
﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾
وحيدةالصيغة في القرآن.
ومن مادتها، جاءت كلمة "عَصْبة" أربع مرات في آيات: يوسف ٨، ١٤ والنور ١١ والقصص ٧٦.
وتأويل "عصيب" بشديد في المسألة، هو ما في جمهرة كتب التفسير، وأورده
следующие страницы →