← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12759

الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق

عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ

Полный текст (584 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

والهروع: المجنون يصرع، والمصروع من الجهد (س، ق) وأخذه "الراغب" من السوق بعنف وتخويف، قال: هرَع وأهرَع، ساقه سوقا بعنف وتخويف، قال تعالى: يهرعون إليه - المفردات. وإن كان سياق آية هود في قوم لوط، يفهم أنهم ما جاءوه يهرعون إليه غاضبين أو خائفين، وإنما يهرعون إليه في جنون الشهوة. لفعل السيئات مع ضيفه. كما أن سياق الصافات، أقرب إلى أن يعطي أنهم على آثار آبائهم "يهرعون" تقليداً أهوج ومتابعة حمقاء طائشة. وفي الكلمة حس السرعة مع الاضطراب والعنف وطيش الاندفاع، وبناؤه للمجهول، في آيتى هود والصافات، يعطيه دلالة هذا الاندفاع غير الإرادي كأنهم يساقون بعنف مغلوبين على أمرهم بشهوة فسقهم، أو بتقليدٍ أعمى ومسايرة طائشة على آثار آباء لهم ضالين. وكذلك الشاهد من قول الشاعر: * أتونا يُرعون وهم أسارى * لا يشهد للإقبال بالغضب، وإنما هو اضطراب أسارى مغلوبين على أمرهم يساقون إلى الأسر على رغم الأنوف. * * * ٨٧ - ﴿الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ فقال ابن عباس: بئس اللعنة. بعد اللعة. واستشهد بقول نابغة بني ذبيان: لا تقذِفَنَّى بِركُنٍ لاكَفاءَ له. . . وإن تأثَّفَك الأعداءُ بالرفدِ (وق، ك، ط) وفي (تق) : بئس اللعنة.

стр. 422

= الكلمتان من آية هود ٩٩، في فرعون وملئه: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ وحيدتان في القرآن، صيغة ومادة. وتأويلها في المسألة، باللعنة بعد اللعنة، مستفاد من التصريح بلعنةٍ أُتبعوها في هذه، ويَومَ القيامة. والرفد في العربية الصلة والعطاء، يقال: رَفَده، وصله وأعطاه، والرفودُ الناقة لا ينقطع لبنها، والرافدان: نهرا دجلة والفرات. والترافد: التعاون، ومنه الرفادة، كانت لقريش في الجاهلية يترافدون فيها لطعام الحاج في الموسم. وملحظ التتابع يفهم في آية هود من لعنة في هذه ويوم القيامة، مع سياق الآية قبلها: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ * * * ٨٨ - ﴿تَتْبِيبٍ﴾ وسأل ابن الأزرق عن قوله: ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ فقال ابن عباس: تخسير. واستشهد بقول بشر بن أبي خازم: هُمُ جدَعوا الأنوف فأوْعبوها. . . وهمْ تركوا بني سعدٍ تَبابا (تق، ك، ط) = الكلمة من آية هود ١٠١ بعد الآية في المسألة السابقة: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ

стр. 423

ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ . وحيدة الصيغة في القرآن، وجاء في مادتها: الفعل الثلاثي ماضياً في آية البلد المسد ١: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وتبات في آية غافر ٣٧: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ وهذا كل ما في القرآن من المادة. وتأويل التتبيب بالتخسير، تقريب لا يفوتنا معه أن القرآن لم يستعمله إلا في لعنة الضلال، وأما الخسر فقد يحتمل الخساريةُّ المادة، نقيض الربح، في التجارة ومثلها. ومنه في القرآن ثلاث آيات مع الوزن والكيل (المطففون ٣، والرحمن ٩، والشعراء ١٨١) ومنه نقل إلى الخسر المجازي في المعنويات، وإلى المعنى الديني فيمن خسروا الدنيا والآخرة، وهو الغالب في الاستعمال القرآني. ومن معاني التَّبَّ في العربية: النقص والخسار، والهلاك. وإليه ذهب ابن الأثير في حديث أبي لهب: "تبًّا لك، ألهذا جمعتنا؟ " قال: التب الهلاك هو منصوب بفعل مضمر مرتوك الإظهار (النهاية) وأورده ابن السكيت في باب الدعاء على الإنسان بالبلاء والأمر العظيم (تهذيب الألفاظ) وتبب على القوم دعا عليهم بالتب (س) . والعربية قلما تستعمل التب إلا في الهلاك، والتبوبُ، كالتنور: المهلكة، وما انطوت عليه الأضلاع من ضغن أو هم. وتقول: تبًّا له أي سُحقاً وهلاكا. ولا أعرف أنها استعملت التَبَّ في الخسارة المادية أو التعامل التجاري. وهذا الملحظ، في الفرق بين الخسر والتب، يجلوه البيان القرآني في استعماله للكلمتين يظن أنهما تترادفان فتفسر إحداهما بالأخرى. والله أعلم.

стр. 424

٨٩ - ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ قال: أخبرني عن قول الله تعالى: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ قال: هلم لك، قال فيه أحَيْحَةُ بنُ الجَلاجَ: به أحمى المُضَافَ إذا دعاني. . . إذا ما قيل للأبطال هَيْتَا (وق) وفي (تق) قال ابن عباس: تهيأت لك. زاد في (ك، ط) : قم فاقض حاجتي. = الكلمة من آية يوسف ٢٣ في امرأة العزيز: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ وحيدة في القرآن، صيغة ومادة. وتفسير ابن عباس، كأنه على قراءة من قرأ: هِيْتَ لَكَ، بالكسر أي تهيأت. وفسره الراغب فقال: هيتَ، قريب من هَلُمَّ، وقرئ: هيتُ، أي تهيأت (المفردات) . ولم يذكر الفيروزابادى: هيت، في المهموز، والذي قاله فيه: (الهيئة) الهئْ وإلهِئ الدعاء إلى الطعام والشراب، ودعاء الإبل للشرب. . . وأما كلمة: هيت، فجاء بها في حرف التاء، لا الهمزة. وذكر فيها كسر أوله

стр. 425

قال: وهَيت لك، مثلثة الآخر وقد يكسر أوله، أي هلم. والهيت الغامض من الأرض. على أنهم نقلوا في تفسير آية يوسف عن ابن عباس، والحسن: هيت كلمة سريانية تدعوه إلى نفسها. وقال السدى: معناها بالقبطية: هلم لك. قال أبو عبيد: كان الكسائي يقول: هي لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز: معناه: تعال. وبه قال عكرمة. وقال مجاهد وغيره: هي لغة عربية تدعوه بها إلى نفسها وهي كلمة حث وإقبال. (جامع القرطبي: سورة يوسف) ٩ / ١٦٤ * * * ٩٠ - ﴿عَصِيبٌ﴾ وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ فقال ابن عباس: شديد. ولما سأله نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ أجاب: نعم، أما سمعت قول الشاعر: همُ ضربوا قوانسَ خَيلِ حُجْرٍ. . . بجنبِ الرَّدْهِ في يوم عَصيبِ (تق، ك) = الكلمة من آية هود ٧٧: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ وحيدةالصيغة في القرآن. ومن مادتها، جاءت كلمة "عَصْبة" أربع مرات في آيات: يوسف ٨، ١٤ والنور ١١ والقصص ٧٦. وتأويل "عصيب" بشديد في المسألة، هو ما في جمهرة كتب التفسير، وأورده

стр. 426

ابن السكيت في باب نعوت الأيام في شدتها (ته ٤٢٢) وكذلك فسره "الراغب" فقال: يوم عصيب، شديد. يصح أن يكون بمعنى فاعل وأن يكون بمعنى مفعول، أي يوم مجموع الأطراف. والعصبة جماعة متعصبة متعاضدة. (المفردات) . نظر في معصوب إلى معنى الجمع في العصبة. وأما شديد، فوجه التقريب فيه واضح، مع ملحظ من شدة وطأته على العصَب بخاصة، فيفترق بذلك عن "شديد" الذي قد يأتي بمعنى قويَّ وحصين محكم، ومنه في القرآن آية الحديد ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وآية هود ٨٠، في لوط وقومه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ ولا يحتمل مثل هذا السياق، أن يفسر شديد بعصيب: كما لا يحتمله سياق آيات الشدَّ في التقوية والإحكام، كقوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ الإنسان ٢٨ ومعها: ص ٢٠، في داود ﵇: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ طه ٣١: في حديث موسى ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ قال القرطبي في تفسير يوم عصيب، أي شديد في الشر. مكروه، مجتمع الشر (٩ / ٧٤) . * * * ٩١ - ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ قال ابن عباس: مُطبِقة. واستشهد بقول الشاعر: تحِنُّ إلى أجبال مكةَ نساقتي. . . ومن دونِنا أبوابُ صنعاءَ موصَدَه

стр. 427

(تق) وفي (ك، ظ) قال ابن عباس: أبواب النار على الكفار مطبقة. وسقط من (ط) . = الكلمة من آيتى: الهمزة في نار الله الموقدة، نذيراً لكل همزةٍ لمزةٍ: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ ٧. والبلد ٢٠: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ ولم يأت في القرآن من المادة غي هذه الصيغة في الأيتين. ومعهما (الوصيد) في آية الكهف: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ فسرها بـ: مطبقة كذلك، البخاري وأبو عبيدة والفراء. وقيل فيها أيضاً: مغلقة، وقيل مبهمة لا يدرى ما داخلها (القرطبي) ، يقال: آصدت، وأوصدت إيصاداً، وقيل: يجوز أن تكون قراءة موصدة، من آصدت وسهل الهمزة. وتفسير مؤصدة بمطبقة أولى من مغلفة. ومعنى الإطباق مُستفاد كذلك من لفظ "عليهم" إذ تفيد من الملاصقة والإطباق المباشر ما لا تفيد "فوقهم" لاحتمال أن تكون الفوقية غير كلاصقة ولا مطبقة. وأما الإيصاد فأصل معناه: الإغلاق المحكم. والعربية استعملت الوصيد للبيت الحصين يُتخذ للمال من حجارة في الجبال. واستوصد في الجبل: اتخذ فيه وصيداً. ولا نخطئ دلالة الإيصاد على الإغلاق المحكم في الآيات الثلاث للمادة: نار الله الموقدة، مؤصدة على كل هُمَزَةٍ لمزة، وعلى الذين كفروا أصحاب المشأمة، وكلب أهل الكهف باسط ذراعيه بالوصيد. وقد لمح "الراغب" معنى الإحكام مع الإطباق، فقال في آيتى الهمزة والبلد: يقال أوصدت الباب أي أطبقته وأحكمته. والوصيد المتقارب الأصول (المفردات)

стр. 428

ولم أدر وجه تقارب الأصول في الوصيد، وإنما يفهم من قربِ بمعنى الباب الموصد بإحكتم. واكتفى "ابن الأثير" بالإغلاق فقال في حديث الغار "فوقع الجبل على باب الكهف فأوصده". أي سده. يقال: أوصدت الباب وأصدته إذا أغلقته. (النهاية) . ولا ترى الإيصاد مجرد إغلاق، وإنما هو السدّ المحكم والإطباق كما يُفهم من نص الحديث: فوقع الجبل على باب الكهف فأوصده" وهو القريب المتبادر أيضاً في الشاهد من قول الشاعر: * ومن دونا أبوابُ صنعاءَ موصده * * * * ٩٢ - ﴿يَسْأَمُونَ﴾ وسأل نافع الأزرق عن قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾ فقال ابن عباس: لا يفترون ولا يَملُّون، واستشهد بقول الشاعر: منَ الخوفِ لا ذو سأمةٍ من عبادةٍ. . . ولا هو من طولِ التعبُّد يُجْهَدُ (تق، وبزيادة في (ك، ط) : الملائكة لا يفترون ولا يملون عن العبادة. = الكلمة من آية فصلت ٣٨: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ ومعها آيتا فصلت ٤٩: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ والبقرة ٢٨٢ في كتابه الدَّيْن:

стр. 429

﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ وتفسير "لا يسامون" بـ: لايفترون ولا يملون، وجه التقريب فيه أن في السآمة معنى الملل. قال في (القاموس) : سئم الشيء ومنه، كفرح.. ملَّ فهو سئوم. وكذلك فسره "ابن الأثير" بالملل في حديث: "إن الله لا يسأم حتى تسأموا" قال: لا يمل حتى تملوا، وهو الرواية في المشهورة. والسآمة الملالة والضجر (النهاية) على ألا يفوتنا في السآمة، معنى الملل مما يتكرر. وهو ما التفت إليه الراغب فقال إنها: الملالة مما يتكرر ويكثُر لبثُه، فعلاً أو انفعالاً قال تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ وقال: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ وقال الشاعر زهير بن أبي سلمى: سئمتُ تكاليفَ الحياةِ ومن يَعِشْ. . . ثمانينَ حَوْلاًَ، لا أبَا لكَ، بَسْأمِ وأما الفتور فيما نُقل عن ابن عباس في تفسير الكلمة، فيأتي نتيجة للسآمة أو مظهراً لها، من حيث يفتر الإنسان عما سئمه وملَّه. * * * ٩٣ - ﴿أَبَابِيلَ﴾ وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿أَبَابِيلَ﴾ فقال ابن عباس: ذاهبة وجائية تنقل الحجارة بمنلقيرها، فتبلبل عليهم رءوسهم. ولما سأله نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ أجاب: نعم، أما سمعت قول الشاعر: وبالفوارسِ مِن وَرْقاءَ قد عَلِموا. . . أحلاسُ خيلٍ على جردٍ أبابيل (تق) زاد في (ك، ط) بمناقيرها، وأرجلها.

стр. 430

= الكلمة من آية الفيل، في أصحابه: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ . وحيدة في القرآن كله. لا واحد لها من لفظها، وقيل في واحدها: ابالة بالتخفيف وأبَّالة بالتشديد، وأبول وأبابيل كعجول وعجاجيل، وإيبالة كدينار ودنانير (الفراء، والأزهري عنه، وثعلب في شرح ديوان لبيد، والهروى في الغريبين) وقيل إبَّيل كسكين وسكاكين، قياسا لا سماعا. وأبُّول (القرطبي) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن، وذكر الآية: ولم نر أحداً يجعل لها واحدا (٢ / ٣١٢) وفسرها البخاري بمتتابعة مجتمعة، عن مجاهد. قال ابن حجر: وصله الفريابي عنه في قوله: شتى متتابعة (فتح الباري ٨ / ٥١٦) وقال ثغلب في شرح ديوان لبيد: متفرقة تأتي من كل وجه يتبع بعضها بعضاً. والعربية كررت الباء واللام فيما فيه ملحظ اضطراب واختلاط، بلبلة الأسِنَّة، أى اختلاطها. وبَلبلَ القومَ: هيَّجهم. ومنه البلبلة في عجمة اللسان واضطراب مسلكه في النطف من اختلاط الألسنة، والبُلبل: للطائر المعروف؛ ينطق مردداً الصوت والنغم دون وعي أو إبانة. وفارقت العربية بين الحيى في البلبلة، والمعنوي في البلبال، للهم الشديد يضكرب له البال من اختلاط الوساوس وكثرة الهواجس. وكل ذلك مما يعطى كلمة "أبابيل" حس البلبلة والبلبال، ثم تأخذ من سياق الآية، مت في شرح ابن عباس من "بلبلة رءوسهم بما تنقل من حجارة". وإن قصَّرت جملة: تنقل من حجارة عن التعبير القرآني: ﴿رْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ وقصَّر الشرحُ: تبلبل عليهم رءوسهم، عن التدمير الساحق الماحق، في قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ .

стр. 431

فضلاً عما لا وجه له من تقييد نقل الحجارة بمناقيرها، والآية أطلقت الرمي من قيدٍ بالمناقير، أو بالأرجل كما في (ك، ط) أو بالمخالب. . . والله أعلم. * * * ٩٤ - ﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ فقال ابن عباس: وجدتموهم. سأله نافع: وهلٍ تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول حسان: فإمَّا تَثْقَفَنَّ بَنى لُؤَىًّ. . . جُذَيْمةَ إنَّ قتلتهمُ دواءُ = الكلمة من آيتى: البقرة ١٩١: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والنساء ٩١: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ ومعهما الفعل الماضي مبيناً للمجهول في آيتى: آل عمران ١١٢ في الفاسقين من أهل الكتاب ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ والأحزاب ٦١: في المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في المدينة ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ وجاء الفعل مضارعاً، في آيتى: الأنفال ٥٧: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ

стр. 432

لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ والممتحنة ٢: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ . وهذه الكلمات الست، هي كل ما في القرآن من المادة. حرصتُ على نقل آياتها جميعاً، ليتضح سياقها في القتال، والعداوة. فتفسيُرها بـ: وجدتموهم، لا يفوتنا معه ملحظ اختصاص الكلمة بهذا السياق، في كل آياتها بالقرآن، وكذلك في الشاهد الشعري من همزية حسان ﵁. وقد فسرها الطبري - ولم يذكر فيها خلافاً - بـ: اقتلوهم حيث أصبتم مقاتلهم وأمكنكم قتلهم. وهو معنى ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ ومعنى الثقفة بالأمر الحذق به والبصر. يقال: إنه تقِف لقِف. إذا كان جيد الحذر بصيراً بمواقع القتل. فأما التثقيف فمعنى غير هذا وهو التقويم. فمعنى الآية، اقتلوهم في أي مكان تمكنتم من قتلهم وأبصرتم مقاتلهم (٢ / ١١١ البقرة) ومعنى الكلمة عند الفراء: اسرتهم (١ / ٤١٤) وردَّ "الراغب" الكلمة في آيات آل عمران والأنفال والأحزاب، إلى معنى الحِذق والإدراك (المفردات) . وابن الأثير فسرها بالفطنة والذكاء في حديث الهجرة: "وهو غلام لِقنٌ ثقف" وفي حديث أم حكيم بنت عبد المطلب: "إني حصانٌ فما أُكَلَّم، وثقاف فما أعلَّمُ" وأخذه من التثقيف والإصلاح في قول السيدة عائشة أم المومنين تصف أباها: "وأقام أًوْدّها بثقافِه" تعني أنه سوَّى عوج المسلمين، وأما في حديث: "إذا ملك اثنا عشر من بني عمرو بن كعب كان الثقف والثقاف" ففسرهما ابن الأثير بالخصام والجلاد (النهاية) .

стр. 433

والعربية تعرف في المادة معنى الفطنة، في الثقافة بمعنى الحذق. وتقول: ثَقِفَ فلاناً، إذا أخذه وظفر به أو أدركه. كما تعرف الثَّقاف بمعنى الخصام والجلاد، مأخوذاً من الثقاف: ما تُسوى به الرماحُ تهيئة للجِلاد (ص، س، ق) وغير بعيد أن نلمح في آيات (ثقف) في القرآن، دلالة فطنة المأخذ وإدراك العدو وجلاده. ويتضح الفرق بينها وبين (وجد) إذا ذكرنا مع ما تقدم من استقراء لمواضع استعمال الكلمة في سياق العداوة والقتال، أن القرآن وإن استعمل (وجد) في السياق نفسه، في آيتى: النساء في المنافقين ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ ٨٩ والتوبة في المشركين: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥ إلا أن "وجد" تأتي كثيراً في البيان القرآني في غير هذا السياق، أذكر منها آيات الضحى خطاباً للرسول ﵊: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ ص ٤٤، في أيوب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ طه ١٠: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ يوسف ٩٤: ﴿قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ الكههف ٣٧: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ الجن ٢٢: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ المزمل ٢٠: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ والبقرة ١١٠. مما يؤنس إلى أن (وجد) أعم في الدلالة من (ثقف) التي تأخذ في العربية دلالة

стр. 434

الثقافة والثقاف، وتأتي في البيان القرآني بملحظٍ من فطنة للعدو، وبصرٍ بموضعه ومأخذه. . . والله أعلم. * * * ٩٥ - ﴿نَقْعًا﴾ وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ فقال ابن عباس: النقع ما يسطع من حوافر الخيل. سأله نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول حسان: عَدِمْنَا خَيْلَنا إن لم ترَوها. . . تثير النقعَ، موعدها كدَاءُ (تق، ك، ط) = الكلمة من آية العاديات: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وحيدة في القرآن صيغة ومادة. وتفسير النقع المثار بما يسطع من حوافر الخيل، تقريب أخذ السطوع من الآية قبله: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ دون أن يكون في النقع نفسه معنى السطوع. فالنقع الغبار، أو التراب كما في تفسير الطبري للآية ولم ينقل فيها خلافاً. وهو ما في معاني القرآن للفراء (٣ / ٢٨٥) وأكثر ما تستعمله العربية بهذا المعنى، فيما يثار من الخيل العاديات، ولعل ملحظ التقريب في شرحه بما يسطع من حوافر الخيل، جاء من كون النقع المثار في الغارة، يسطع فيه من شدة العَدَوِ، ما توريه حوافر الخيل من قدح الشرر.

стр. 435

٩٦ - ﴿سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ فقال ابن عباس: في وسط الجحيم. سأله ابن الأزرق: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: رماها بسهمٍ فاستوى في سَوائِها. . . وكان قبولاً للهوادى الطوارقِ (نق، ك، ط) = الكلمة من آية الصافات ٥٥، في عباد الله المخلصين، في الجنة: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ويأتي معها لفظ سواء في ست وعشرين آية، سياقها في معنى التساوي والتسوية والعدل. وسبقت المسألة (٥٥) في ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ وتفسير الكلمة في آية الصافات بالوسط، قريب من أصل دلالة الكلمة على الموضع الوسَط بين الأطراف. والعربية تستعمل المساواة في المعادلة المعتبر فيها بالموازين والمقادير والمقاييس، ملحوظاً فيها التساوي بين مقدارين، كما تستعمل سواء في المكان المتوسط بين مكانين. وينقل ذاك مجازياً إلى المعنويات، في مثل ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ أي عدل، و ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ، أي يستوى الأمران. وفي آية الصافات، ذهب الراغب كذلك إلى أن ﴿سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ بمعنى وسط الجحيم، وقال: ومكان سوى وسواء، وسط أي يستوي طرفاه. ويستعمل ذلك وصفاً وظرفاً، واصل ذلك مصدر (المفردات) وبالوسط فسرها الفراء في المعاني. والأصمعي وابن السكيت وابن الأنباري، في (الأضداد) لهم.

стр. 436

وقال ابن الأثير في (النهاية) : "وسواء الشيء وسطه، لاستواء المسافة إليه من الأطراف" والوسط المكاني هو المعنى القريب، ولعله ليس مراداً، بل هو من الكناية المراد بها: صميم الجحيم. والشاهد من بيت الشاعر يَقوى أيضاً بحمله على الكناية. وكذلك حديث أبي بكر ﵁: "أمكنت من سواء الثغرة" قال ابن الأثير في النهاية: "أي وسط ثغرة البحر" وأطمئن فيه إلى دلالة الكناية فيه، على معنى صميم الثغرة. والله أعلم. * * * ٩٧ - ﴿مَخْضُودٍ﴾ وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ فقال ابن عباس: الذي ليس به شوك. واستشهد بقول أمية بن أبي الصلت: إن الحدائق في الجنانِ ظليلةٌ. . . فبها الكواعبُ سدرُها مخضود (تق) وفي (ك، ط) قال: الذي ليس بشوك = الكلمة من آية الواقعة ٢٨ في نعيم الآخرة: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ وحيدة يف القرآن، صيغة ومادة. وأما كلمة سِدْر، فجاءت في آية سبأ ١٦: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾

стр. 437

وتفسير سدر مخضود بالذي ليس به شوك، يفهم منه أنه نَبَتَ بغير شوك، وقد يكون كذلك في الجنة والله أعلم. وقد روَى فيه الطبري بإسنادع عن ابن عباس وعكرمة وقتادة: الذي ذهب شوكه فلا شوك له. على أن كلمة مخضود تدل على معنى قطع الشوك منه، من قول العربية الشجرَ فهو مخضود وخضيد، بمعنى مقطوع الشوك. وفيه يفترق مخضود عن مقطوع بأن الخضد يكون للشوك أو لما هو لينَّ منه (ص، س، ق) وأما القطع ففيه معنى الإبانة والبتر والبتّ. وبهذا الملحظ في الفرق بين الخضد والقطع أو الكسر. تحتفظ الكلمة القرآنية بخاصَّ دلالتها على التشذيب والتجريد من الشوك، دون حاجة إلى التصريح بلفظه. على حين لو قلنا: سدر مكسور أو مقطوع، لاقتضى أن نقيدهما بالشوك صراحة، وهو قول الطبري والزمخشري والقرطبي وأبي حيان، في تفسير الآية، وقول "الراغب" في الآية: أي مكسور الشوك. وقول ابن الأثير: أي الذي قطع شوكه. * * * ٩٨ - ﴿هَضِيمٌ﴾ وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ فقال ابن عباس: منضم بعضه إلى بعض، ولما سأله نافع وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول امرئ القيس: دار لبيضاءِ العوارضِ طفلةٍ. . . مهضومة الكشحين ريَّا المِعْصَمِ (تق) وفي (ك، ط) قال: متصل بعضه إلى بعض = الكلمة من آية الشعراء ١٤٨، في ثمود قوم صالح:

стр. 438

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ وحيدة الصيغة في القرآن وليس معها فيه من مادتها غير المصدر في آية طه ١١٢: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ تأويل هضيم في المسألة بانضمام، أو اتصال، بعضه ببعض، كأنه نظر فيه إلى * مهضومة الكشحين * في الشاهد الشعري، والهضم فيهما لطف تظام (تهذيب الألفاظ: باب صفات النساء، ومعاجم: (مقاييس اللغة، ص، س: ك ش ح) والطبري روى الآية من اختلاف أهل التأويل بإسناده عن ابن عباس، قال: أينع ونضج فهو هضيم. وعن آخرين: هو المتهشم المتفتت، وقال آخرون: هو من الرطب اللين تهصمه، وقال غيرهم: الراكب بعضه بعضا. وأوْلى الأقوال عنده بالصواب، أن الهضيم هو المتكسر من لينة ورطوبته.. وقال الراغب: الهضم شدخ ما فيه رخاوة ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ اي داخل بعضه في بعض كأنه شدخ (المفردات) والعربية تعرف هذه المعاني الثلاثة في المادة، ولعلها ترجع فيها إلى هضم الطعام، والهضوم والهاضوم كل ما هضم طعاماً، وبملحظ منه جاء الهضَم خمص البطن ولطف الكشح وقله انجفار الجنين. وتجوَّزتْ فاستعملته في هضم المال ومنه جاء مطلق الهضم في الإنهاك والجور، ومنه آية طه: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ . فلعل كلمة "هضيم" في آية الشعراء، من انضمام طلع النخل، وتراكبه، مع حس دلالته الأصلية على يُسْرِ الهضم ولين الجنى. والله أعلم. * * *

стр. 439

٩٩ - ﴿سَدِيدًا﴾ وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾ فقال ابن عباس: قولاً عدلاًَ. واستشهد بقول حمزة: أمين على ما استودع اللهُ قلبَه. . . لإإن قال قولا كان فيه مُسددا (تق) وفي (ك، ط) : قولاً عدلاً حقاً = الكلمة من آيتى: النساء ٩: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ والأحزاب ٧٠: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ وليس في القرآن من السداد غيرهما. وفيه من المادة سَدّ، مفرداً في آيتى يس ٩: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ والكهف ٩٤: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ ومثنى في آية الكهف ٩٢: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ في آية النساء، روى الطبري من اختلاف أهل التأويل، أنه الحق، عن ابن عباس، والعدل والإحسان، والنهي عن الحيف والجور، وقيل هو التعريف بما أباح الله في الوصية، وهذا أولى الأقوال عنده بالصواب، ولا تكاد أقوال المفسرين تخرج عن هذا، وإن بسطوا قول في شرح الاية وسبب نزولها. وتفسير "سديد" بعدل وحق، لا يفوتنا معه ملحظ اختصاص الكلمة بالقول في الآيتين وفي الشاهد من قول حمزة، بن عبد المطلب ﵁. مع التفات إلى ما في السداد من معنى الاستقامة والصواب (الراغب) . وأصل السدَد في العربية ما تُسَدُّ به الثلمة، ومنه السدادة، والسُّدة: واقية من

стр. 440

المطر. والسدُّ: الحاجز المانع أو الواقي. ونُقل إلى السداد بمعنى الاستقامة، والسداد التوفيق إلى الصواب من القول والعمل والأمر، على حين يغلب اختصاص العدل بالأحكام، نقيض الظلم والجور، ومنه العدل بمعنى المساواة. ويبدو الفقر الدقيق بين سديد وعدل، إذا تدبرنا الاستعمال القرآني للعدل. فيهدينا سياق آياته، إلى معنى المساواة في مثل آيات: الأنعام ١: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ومعها آية الأنعام ١٥٠ النساء ٣: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ومعها آية النساء ١٢٩ النساء ١٣٥: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ وقريب منه معنى العِوَض في آيات: البقرة ٤٨، ١٢٣، والأنعام ٧٠. وبمعنى العدالة في الحكم وما يجري مجراه كالتحكيم والشهادة، بصريح آيات الأحكام: المائدة ٩٥، ١٠٦، والطلاق ٢. النساء ٥٨: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ومعها آية الحجرات ٩ البقرة ٢٨٢: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ. . .﴾ المائدة ٨: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ويأتي العدل في البيان القرآني متعلقاً بالكلمة والقول، في سياق الحكم العادل نقيض الظلم والجور، كآيتى الأنعام: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ١١٥ ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١٥٢ فلعل السداد أخص بالقول والرآي، صوابا وإصلاحاً. ودلالة العدل أعم، مع غلبة مجيئها في الأحكام، والله أعلم. * * *

стр. 441

١٠٠ - ﴿الإِلّ﴾ قال: أخبرني عن قول الله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ ما الإلُّ؟ قال: الرحِم، قال فيه حسان: لَعمرُكَ إنَّ إلَّكَ من قريش. . . كَإلَ السَّقب من رَأَلِ النعامِ (وق) وفي (تق، ك، ط) قال: الإل القرابة، وشاهده فيها قول الشاعر: جَزى اللهُ إلاَّ كان بيني وبينهم. . . جزاءَ ظلومٍ لا يؤخَّرُ عاجلا = الكلمة من آيتى التوبة ٨، ١٠ في المشركين: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ وحيدة الصيغة والمادة، لم ترد في غير هذا الموضع. ممن فسرها بالقرابة: ابن الأنباري في (الأضداد) والهروى في (الغريبين) والزمخشري في (س) وابن الأثير في حديث أم زرع: "وفيّ الإِلَّ كريم الخِلَّ" (النهاية) . وقال الراغب: الإِلُّ كل حالة ظاهرة من عهِد حلف أو قرابة (المفردات) . ومن معاني الإِلَّ في العربية: العهد والحلف والجار والقرابة. . . وأسند الطبري عن مجاهد من عدة طرق: أن ﴿إِلًّا﴾ في آية التوبة: الله . قال الطبري: الأوْلى أن يقال إن الإِل على معان ثلاثة: العهد والعقد والحلف والقرابة: وهو أيضاً بمعنى الله، ولم تخص الآية معنى دون آخر، فالصواب أن يعم ذلك (١٠ / ٥٩) .

стр. 442

١٠١ - ﴿خَامِدُونَ﴾ : وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿خَامِدِينَ﴾ فقال ابن عباس: ميتين. واستشهد له بقول لبيد: خَلُّوا ثيابَهُم على عوراتهم. . . فهُمُ بأفنية البيوتِ خُمودُ (تق) وفي (ك، ط) قال: أصبح قوم صالح في ديارهم ميتين. = الكلمة من آية الأنبياء ١٥: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ . ومعها آية "يس" في أصحاب القرية: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ ٢٩. لم يأت غيرهما من المادة. والأكثر عند أهل العربية وأهل التأويل، تفسيرها بالهمود كما تخمد النار وتطفأ (البخاري: ك التفسير، سورة الأنبياء. وأبو عبيدة في مجاز القرآن) ولم يذكر الطبري خلافاً في تأويلها بالهمود كما تخمد النار. وأسنده عن ابن عباس بلفظ: خامدين خمود النار إذا طفئت. قال الزمخشري: نار خامدة وقد خمدت، سكن لهبها وذهب حسيسها، وللنار وقدة ثم خمدة. على أنه من المجاز: خمدت الحمى سكنت، وخمد فلان مات أو أغمى عليه ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ (س) ونحوه مفردات الراغب.

стр. 443

فلنذكر معه أن القرآن الكريم لم يستعمل الكلمة إلا في أهل القرية، وقرية كانت ظالمة، وقد استعمل الموت نحو مائة وعشرين مرة، بمختلف الصيغ، الفعل الماضي ثلاثياً ورباعياً، ومضارعهما وأمر الثلاثي، والاسم والمصدر: موت وممات، واسمى المرة والهيئة: موتة وميتة، وميت، وأموات وموتى وميتون. . . واضح من سياقها الموت مقابل الحياة، فهو تعالى الذي يحيي ويميت، خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وكل نفس ذائقة الموت. وطبيعية الموت المحتوم على كل كائن حي، ليست الملحوظة في الذين حقَّت عليهم، بظلمهم، لعنةُ القصم الماحق لا يبقى ولا يذر، والهلاك المباغت لا مفر منه. ودلالة الأخذ المباغت، صريحة في ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ بآية يس، وفي "إذا" الفجائية في آية الأنبياء. فالخمود في هذا السياق، والله أعلم، همود يباغت مَن أخذتهم صيحة واحدة، وهم في عنفوان الحياة وغرور الأمل وضجيج التكالب على الدنيا، وهوشلل الحركة فيمن يركضون التماساً لمهرب لما رأوا بأس الله ، حين لا يجدى ركضُهم ولا ينفعهم إقراراهم بظلمهم ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ صدق الله العظيم. * * * ١٠٢ - ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ فقال ابن عباس: قطع الحديد. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سعمت قول كعب بن مالك: تلظَّى عليهم حين أن شَدَّ حَمْيَها. . . بِزُبْرِ الحديدِ والحجارةِ ساجرُ (تق، ك، ط)

стр. 444

= الكلمة من آية الكهف ٩٦: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ وحيدة الصيغة في القرآن، ومعها زُبُر، بضمتين: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ المؤمنون ٥٣. والزبور، في آية: الأنبياء ١٠٥، وزبور، مفرداً في آيتى النساء ١٦٢ والإسراء ٥٥. والجمع زُبُر، بآيات: آل عمران ١٨٤، والنحل ٤٤، والشعراء ١٩٦، وفاطر ٢٥، والقمر ٤٣، ٥٢. ولم يذكر الطبري خلافاً في تأويل زبر الحديد بقطع الحديد عن ابن عباس وغيره. أو فلق الحديد، عن قتادة (سورة الكهف) مع التفات إلى أن القرآن استمعل قطعاً من الليل ثلاث مرات، ومعها قطع في الأرض متجاورات بآية الرعد (٤) . ويبدو أن الزُبْرة، واحدة الزبَر، يغلب استعمالها في قِطَع الحديد بوجه خاص، منقولاً إليها بملحظ القوة، من الزبرة بكعنى الكاهل، والشعر المجتمع بين كتفى الأسد. (س) في (مقاييس اللغة) لمادة زبر أصلان: أحدهما يدل على إحكام الشيء، ومنه زُبرة الحديد، القطعة منه، والجمع زُبَر. والآخر يدل على قراءة وكتابة وما أشبه ذلك، ومنه الزبور، جمعة زُبُر. وفي الزبر دلالة القوة والشدة، ويذهبُ "الراغب" إلى أن الزبور كل كتاب غليظ الكتابة، وخص الكتاب المنزل على داود. وقيل بل الزبور كل كتاب صعب الوقوف عليه من الكتب الإلهية: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ - المفردات. * * *

стр. 445

١٠٣ - ﴿سُحْقًا﴾ وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿فَسُحْقًا﴾ فقال ابن عباس: بُعداً. واستشهد بقول حسان: ألاَ مَنْ مُبْلغٌ عَنَّى أُبَيَّا. . . فقد أُلْقِيتَ في سُحْقِ السعيرِ (تق) ورد في (ك، ط) : يهجو أبي بن خلف = الكلمة من آية الملك ١١: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ وحيدة الصيغة في القرآن، ومعها سحيق في آية الحج ٣١: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ سحقاً: بُعَداً، هو تأويل الطبري للكلمة وأسنده بهذا اللفظ عن ابن عباس. والقرآن خَصَّ السحقَ بهذا السياق في نذير الكفار المشركين، على حين استعمل البعد بدلالة أعم، فمنه البعد المكاني في الشقة والأسفار وبعد المشرقين، والبعد الزماني في أمدٍ بعيد، وفي مقابل قريب زمناً، ومنه البعد المجازي في شقاقٍ وضلالٍِ ورجعٍ بعيد، وبعداً للقوم الظالمين، ولعادٍ ولثمودَ ولمدينَ. . . والبعد نقيض القرب، حسياً ومعنويّاً. وأما الحسق ففيه دلالة انسحاق وتفتتُّ، من أصل معناه في تَفتيت المسحوق، ومنه قيل السحق، للثوب البالي. وفي (مقاييس اللغة) لمادة سحق أصلان: أحدهما البعد ومنه ﴿فَسُحْقًا

стр. 446

لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ والآخر إنهاك الشيء حتى يُبلغَ به إلى حال البلى، ومنه السحق الثوب البالي. ودلالة الهلاك في ﴿سُحْقًا﴾ واضحة. ويقرب كذلك أن يفهم "سحيق" في آية الحج، بالهاوية، من نصها ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ كما يفهم قول حسان ﵁ * سحق السعير * بغور السعير. * * * ١٠٤ - ﴿غُرُورٍ﴾ وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ فقال ابن عباس: في باطل. ولماسأله نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قولّ حسان: تمنَّيكَ الأماني من بعيدٍ. . . وقول الكفرِ يرجعُ في غرورِ (تق) زاد في (ك، ط) : يهجو أبىَّ بنَ خلف = الكلمة من آية الملك ٢٠: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ ومعها آية الأعراف، في الشيطان وآدم وزوجه: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ وآيتا النساء ١٢٠، والإسراء ٦٤: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ وفاطر ٤٠: ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾

стр. 447

والأنعام ١١٢: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ والأحزاب ١٢: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ لقمان ٣٣، فاطر ٥: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ ومعها الحديد ١٤. الحديد ٢٠: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ وآل عمران ١٨٥. وسياقها فيمن غرتهم الدنيا، والشيطان والأماني وزخرف القول، وما يعد الظالمون بعضُهم بعضاً، يحتمل التفسير بالباطل عن قرب، مع التفات إلى ما في الغرور من غفلة ظاهره، ينخدع فيها المغرور لا يدري زيفَ ما يغره. ومنه قولهم صبحهم الجيش وهم غارون، أي غافلون (س) وأطلق الراغب: الغرور كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشيطان (المفردات) . * * * ١٠٥ - ﴿حَصُورًا﴾ وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿وَحَصُورًا﴾ فقال ابن عباس: الذي لا يأتي النساء. واستشهد بقول الشاعر: وحصور عن الخنا يأمر النا. . . سَ بفعلِ الخيراتِ والتشميرِ (تق، ك، ط) = الكلمة من آية آل عمران ٣٩، خطاباً لزكريا ﵇: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وحيدة الصيغة في القرآن، ومعها من مادتها آيات: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ - النساء ٩٠ ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ - التوبة ٥ ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ - البقرة ١٩٦

стр. 448

﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ - البقرة ٢٧٣ لم يختلف أهل اللغة في أن أصَل الحصر من الحبس والمنع. ومنه قيل: حَصور لمن يمتنع عن النساء لا يأتيهن (ص، س، ل، ق) . وهو القول في معنى "حصور" عند الفراء (١ / ٢١٣) وردَّها أهل التأويل كذلك إلى هذا الأصل، مع تعدد أقوالهم في تأويلها: قبل الذي لا يأتي النساء كأنه ممنوع عنهن، وهو قول الطبري وأسنده عن ابن مسعود. وعنه أيضاً وعن ابن عباس وابن جبير وقتادة وعطاء والحسن والسدى، وغيرهم: أنه الذي يكف نفسه عن النساء ولا يقربهن مع القدرة. وهذا أصح الأقوال عند القرطبي، في مقام المدح والثناء، لأن الثناء لا يكون إلا عن الفعل المكتسب دون الجِبِلَّة. وهو قريب من قول الراغب: فالحصور الذي لا يأتي النساء إما من أنفته وإما من العفة والاجتهاد في إزالة الشهوة. والثاني أظهر في الآية لأنه بذلك يستحق المحمدة (المفردات) وسياق البشرى في الآية يؤنس إليه. وهو متعين في الشاهد: * وحصور عن الخنا * وإلا انصرف إلى الذم والهجاء. * * * ١٠٦ - ﴿عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ قال: يا ابن عباس، أخبرني عن قول الله : ﴿عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ قال: الذي ينقبض وجهه من شدة الوجع، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: ولا يوم الحساب وكان يوماً. . . عبوساً في الشدائد قمطريراً (ك، ط، تق) = الكلمة من آية الإنسان ١٠، في الأبرار: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾

стр. 449

السؤال فيما يبدو عن قمطرير. وحيدة في القرآن كله، صيغة ومادة. وتفسيرها بالذي ينقبض وجهه من شدة الوجع، لا يدبو قريبا في صفة يوم عبوس قمطرير، وقد فسره البخاري في سورة الإنسان: بالشديد. يقال يوم قمطرير ويوم قماطر. والعبوس والقمطرير العصيب، أشد ما يكون من الأيام في البلاء. قال ابن حجر: هو كلام أبي عبيدة بتمامه. وقال الفراء: والقمطرير الشديد، يقال يوم قمطرير وقماطر (فتح الباري ٨ / ٤٨٣ ومعاني القرآن للفراء ٣ / ٢١٦) وأورده ابن السكيت في باب نعوت الأيام وشدتها من (تهذيب الألفاظ: ٤٢٢) وفسره الراغب بشديد. وإنما يجئ تقبض الوجه من الشدة والبلاء والضيق كما في (تعذيب الألفاظ) وقاله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة (فتح الباري) . * * * ١٠٧ - ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: يا ابن عباس، أخبرني عن قول الله : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: عن شدة الآخرة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول؛ اسلمْ عصلم إن شرُّ باقْ. . . قبلك سرَّ الناسَ ضربُ الأعناق قد قامت الحرب بنا على ساقْ (ك، ط) واقتصر في (تق) على الشطر. والمسألة في (ظ) : ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ قال: الحرب، قال أبو ذؤيب الهذلي

стр. 450

أخو الحرب إن عضَّتْ به الحرب عضها. . . وإن شمرت عن ساقها الحربُ شمرا = الكلمة في المسألة الأولى، من آية القلم ٤٢: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ ومعها آية النمل ٤٤، والكشف عن الساق فيها على أصل معناه: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ الكشف عن الساق، والتشمير في مثل سياق آية القلم، عند اللغويين: كناية عن شدة الحرب والخوف (مجاز القرآن لأبي عبيدة والأساس: ش م ر" وقال الفراء في معنى آية القلم، عن ابن عباس: يريد القيامة والساعة لشدتها (٣ / ١٧٧) وفي الطبري: قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل: يبدو عن أمر شديد، وأسند عن ابن عباس قال: هو يوم حرب وشدة، وأنشد * وقامت الحرب بنا على ساق * وفي القرطبي عنه أيضاً: يكشف عن أمر عظيم، وأنشد بيت الهذلى بلفظ: * فتى الحرب * غير منسوب، وعن مجاهد عنه: هي أشد ساعة يوم القيامة. . . والأقوال فيها متقاربة، كناية عن هول الموقف يوم الحشر، والله أعلم. وأنظر في صحيح البخاري: ك التفسير: باب يوم يكشف عن ساق، وفتح الباري معه. قال في الكشاف: وأصله في الروع. . . ومعنى الآية: يشتد الأمر ويتفاقم هوله، ولا كشف ثو ولا ساق (سورة القلم) . * * * ١٠٨ - ﴿إِيَابَهُمْ﴾ قال: يا ابن عباس، أخبرني عن قول الله : ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ قال: الإياب المرجع. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول:

стр. 451

وكل ذى غيبة يئوب. . . وغائب الموت لا يئوب وقال الأول: فألقتْ عَصاها واستقر بها النوى. . . كما قَرَّ عيناً بالإياب المسافرُ (ك، ط) واقتصر في (تق) على الشاهد الأول = الكلمة من آية الغاشية ٢٥: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ وحيدة الصيغة في القرآن. ومعها من المادة (مآب) تسع مرات، و (أوَّبى) في آية سبأ ١٠، و (أوَّاب) مفردا خمس مرات، وجمعا في آية الإسراء ٢٥: في تفسير سورة الغاشية بصحيح البخاري قال ابن عباس: إيابهم مرجعهم وتأولها الطبري: إن إلينا رجوع من كفر ومعادهم. لم يذكر فها خلافا. تأويل إيابهم في المسألة بمرجعهم، أوْلى من التأويل برجوعهم، إذ كل إياب ومآب في البيان القرآني إنما هو الله وحده. وكذلك صيغتا المرجع والرجعى. وأما صيغة الرجوع فليست من الألفاظ القرآنية. وكثر مجئ الفعل منها، ماضياً ومضارعاً وأمراً، واسم الفاعلين. . . والرجوع فيها إلى الله تعالى، وإلى غيره: إلى الناس الكفار، وإليهم، إلى قومهم، إلى قومه، إلى طائفة منهم، إلى أبيهم، إلى أمَّك، إلى أنفسهم. . . إلى المدينة، يثرب، إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم. . . إلى الأصنام. ثم إن المحققين من العلماء، لهم في ترداف الأوب والرجوع نظر:

стр. 452

لحظ الراغب أن الأوب ضرب من الرجوع وذلك أن الأوب لا يقال إلا في الحيوان الذي له إرادة، والمآب مصدر منه، والأواب كالتواب، وهو الراجع إلى الله تعالى بترك المعاصي وفعل الطاعات، والتأويب يقال في سير النهار (المفردات) . ونتدبر سياق الآيات فيهما، فيؤنس إلى قريب مما لحظه الراغب، حيث يأتي الإياب والمآب للخلق، وأما الرجوع فيأتي الفعل غالباً مسنداً إليهم، وإن جاء متعلقاً في آية هود ١٣٢ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ وإلى الأمور في آية البقرة ٢١٠: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ ومعها آل عمران ١٠٩ والأنفال ٤٥ والحج ٨٦ وفاطر ٤ والحديد ٥. وآية الطارق ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ . في (أوب) حكى ابن فارس عن أبي حاتم السحستاني، قال: كان الأصمعي يفسر الشعر الذي فيه ذكرُ الإياب أنه مع الليل، ويحتج بقوله: * تأوَّبنى داء مع الليلِ متصبُ *. وكذلك يفسر جميع ما في الأشعار. فقلت له: إنما الإياب الرجوع، أىَّ وقتٍ رجع، تقول: قد آب المسافر. فكأنه أراد أن أوضح له فقلت: قول عبيد: وكل ذي غيبة يثوب. . . وغائبُ الموتِ لا يئوبُ أهذا بالعشى؟ فذهب يكلمني فيه، فقلت: فقول الله : ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ أهذا بالعشىَّ؟ فسكت" قال أبو حاتم، مستدركاً: ولكن أكثر ما يجئ على ما قال، رحمنا الله وإياه". (مقاييس اللغة: ١ / ١٥٣) وإما (رجع) فعند ابن فارس أن الراء والجيم والعين أصل كبير مطَّرد منقاس يدل على ردًّ وتكرار. تقول: رجع رجوعاً إذا عاد، وراجع امرأتَه ردَّها وهي الرجعة، واسترجع استرد، والترجيع في الصوت ترديده، ومنه رجع الصدى. فأما الرجع فالغيثٌ في قوله : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ وذلك أنها تغيث وتصٌبّ ثم ترجع فتغيث. . . (المقاييس ٢ / ٤٩٠) . وأبو هلال العسكري، فرّق بين الرجوع والإياب، بأن الإياب هو الرجوع إلى منتهى القصد، ومنه ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ . فلعل هذا الفرق في الدلالة، أحسَّه نافع في سؤاله عن الإياب، وليس مرادفا

стр. 453

للرجوع، مع دلالة إسلامية للإياب، والمآب والمرجع والرجعى، إلى الله . وهو أعلم. * * * ١٠٩ - ﴿حُوبًا﴾ وسأله نافع عن قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ قال: إثماً. واستشهد ببيت الأعشى: فإني وما كلفتموني منَ أمرِكم. . . لَيُعلَم مَنْ أمسىَ أعقَّ وأحْوِبِا (تق، ك، ط) وفي (وق) : قال فيه الأعشى: وإني وما كلفتموني وربكم. . . لأَعلمُ من أمسى أعقَّ وأظلما ولا محل فيه للشاهد. = الكلمة من آية النساء ٢: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ وحيدة في القرآن صيغة ومادة. وباتلإثم تأولها أبو عبيدة في (مجاز القرآن) وقال الفراء في (معاني القرآن، آية النساء) الحوب الإثم العظيم، ورأيت بني أسد يقولون: الحائب القاتل. وقد حاب يحوب. ومن الحديث "اللهم اغفر لي حوبتي" وهو يتحوب من القبح يتحرج منه (١ / ٢٥٣) وفعلت كذا لحوبة فلان، أي لحرمته. وما يأثم الرجل إن لم يفعله (س) وفي الطبري عن ابن عباس: إثماً عظيماً، وعن قتادة: ظلماً كبيراً وهو الإثم كذلك في جامع القرطبي، عن ابن عباس والحسن وغيرهما. قال: وأصله الزجر للإبل فسمي الإثم حوبا لأنه يُزجَر عنه، والحوبة أيضاً. وقال الأخفض هي لغة بني تميم، وعن مقاتل: لغة الحبشة. وفسره الراغب بالإثم كذلك: لكونه مزجوراً عنه. والأصل فيه: حوب، لزجر الإبل؛ وفلان يتحوب من كذا: يتأثم،

стр. 454

وقولهم: ألحق به الحوبة، أي المسكنة والحاجة؛ وحقيقتها هي الحاجة التي تحمل صاحبها على ارتكاب الإثم. . . (المفردات) . والذي في (النهاية لابن الأثير) أن الحوب الإثم، تفتح الحاء وتضم، وقيل: الفتح لغة الحجاز، والضم لغة الحبشة. وذكر الحديث أن رجلاً سأل النبي ﷺ الإذن في الجهاد، قال: "ألك حوبة" قال: نعم. قال ابن الأثير في الحوبة: يعني ما يأثم به إن صنعه. وتحوب من الإثم توقاه وألقى الحوب عن نفسه. وقيل: الحوبة ههنا: الأم والحرم اللائي لا يستغنين عمن يقوم عليهن ويتعهدهن، ولابد في الكلام من حذف مضاف تقديره: ذات حوبة وذات حوبات. والحوبة الحاجة، ومنه حديث الدعاء: "إليك أرفع حوبتي" أي حاجتي. وفي الحديث أن أبا أيوب أراد أن يطلق أم أيوب فقال له النبي ﷺ : "إن طلاق أم أيوب لحوب" أي: لوحشة أو إثم (النهاية) . وتجمع الدلالة المعجمية بين هذه المعاني جميعاً، ففيها: الحوب والحوبة الأبوان والأخت والبنت. ولي فيهم حوبة: أي قرابة من الأم، والحوبة: رقة فؤاد الأم: والحوبة أيضاً: الإثم، كالحابة والحاب والحوب، ويُضم، والوجعُ، والجهد والمسكنة، وزجر الإبل. والحوب بالضم: الهلاك والبلاء والمرض والنفس. . . وفي (مقاييس اللغة) أن الحاء والواو والباء "أصل واحد يتشعب إلى: إثم، أو حاجة، أو مسكنة. وكلها متقاربة". والقرآن قد خص الحوب بأكل الأوصياء على اليتامى أموالهم، وأطلق الإثم عاماً في أكل أموال اليتامى، وفي الخطيئة والخيانة والفواحش والكفر. مما يؤنس إلى أن ملحظ القربى في الضعاف من ذوي الأرحام، أصيل في الدلالة. ومت رقة فؤاد الأم، جاء الحوب في الضعف والألم والجهد، ومنه جاء معنى الإثم في ظلم الضعفاء من ذوي القربى بخاصة. والله أعلم. ويؤنس إلى هذا الفهم، حديث "ألك حوبة؟ " يمعنى الأم والحرم اللائي لا يستغنين عمن يقوم عليهن. وهو واضح كذلك في حديث طلاق أم أيوب وفي الشاهد من بيت الأعشى

стр. 455

١١٠ - ﴿الْعَنَتَ﴾ وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿الْعَنَتَ﴾ فقال ابن عباس: الإثم. ولما سأله نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ قالك نعم، أما سمعت قول الشاعر: رأيتُك تبتغي عَنَتِى وتسعى. . . مع الساعي علىَّ بِغيرِ ذَخْلِ (تق، ك، ط) = الكلمة من آية النساء ٢٥ في النكاح من الفتيات المؤمنات: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وحيدة الصيغة في القرآن. ومعها من المادة فعل الإعنات ماضياً، في آية البقرة ٢٢٠: ﴿. . . وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وفعل العنت ماضياً كذلك في آيات: آل عمران ١١٨ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ .

стр. 456

التوبة ١٢٨: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ومعها آية الحجرات: ٧ وهذه الكلمات الخمس، هي كل ما في القرآن من المادة. وسبق النظر في استعمال القرآن لكلمة الإثم، في تفسير الحوب في المسألة رقم ١٠٩. العنت في اللغة المشقة، وقال أبو عبيدة والزجاج: الهلاك. وقال الزمخشري: وقع فلان في العنت، أي فيما شق عليع. وأكَمَةٌ عنوت: طويلة شاقة المصعد. وعَنِتَ العظم: انكسر بعد الجبر، واعنته: هاضه (س) وهو في آية النساء، الفجور عند الفراء. والزنا في تأويل الطبري، وعن ابن عباس وكثير من أهل التأويل. وقال غيرهم: إنه الحد الذي تخشى منه العقوبة. والصواب من القول عنده: لمن خاف منكم ضررا في دينه وبدنه، فالذين وجهوه إلى الزنا، هو ضرر في الدين، وإلى الحد ضرر في البدن. ونحوه في (مفردات الراغب. والبحر المحيط لأبي حيان والنهاية لابن الأثير) . وملحظ المشقة لا ينفك عن استعمال المادة في العنت والإعنات. والشاهد من قول الأعشى، صريح في الإعنات إلحاحا في التحامل وطلب العثرة. * * * ١١١ - ﴿فَتِيلًا﴾ قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ما الفتيل: قال: ما في شق النواة، وما فتلت بين أصابعك من الوسخ، قال فيه زيد الفوارس: أعاذلَ بعض لومك لا تِلجَّى. . . فإن اللوم لا يغني فتيلا

стр. 457

(وق) واقتصر في (تق، ك، ط) على: التي تكون في شق النواة وشاهده في الثلاثة قول النابغة: يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو. . . ثم لا يرزأ الأعادى فتيلا زاد في (ك، ط) وقال الأول: أعاذلَ بعضَ لومك * البيت = الكلمة في آيات: النساء ٤٩: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ٧٧: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ الإسراء ٧١: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ وليس في القرآن من المادة سواها. وسياقها جميعاً في حساب الله تعالى عباده، لا يظلم أحدٌ فتيلاً. القولان في تأويلهما في المسألة، قالها الفراء في معنى الكلمة بآية النساء (١ / ٢٧٣) وابن قتيبة في باب الاستعارة من (مشكل اعراب القرآن ١ / ١٠٤) وكذلك رواهما الطبري بإسناده عن ابن عباس وغيره من أهل التأويل، والقرطبي في الجامع، والراغب في (المفردات) . وذكر معه: ما تفتله بين أصابعك من خيط أو وسخ. مع التوجيه إلى معناه المجازي: أي أن الله تعالى لا يظلم عباده بأقل الأشياء ولو كان لا خطر له ولا قيمة (الطبري) وكناية عن الحقير والتافه (ابن قتيبة) وعن التحقير والتصغير (القرطبي) .

стр. 458

وكذلك الفتيل في الشاهين، لا يراد بهما حقيقة المفتول أو ما في شق النواة، بل المعنى المجازي من الضآلة والتفاهة هو المراد. * * * ١٢ - ﴿قِطْمِيرٍ﴾ وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ فقال ابن عباس: الجلدة البيضاء التي على النواة. واستشهد بقول أمية ابن أبي الصلت: لم أنل منهم فَسيطاَ ولا رَبـ. . . ـذاً ولا فُوفَةً ولا قطميرا (تق، ك، ط) = الكلمة من آية فاطر ١٣: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ وحيدة في القرآن، صيغة ومادة. والتفسير تقريب، يقال فيه ما نقلنا في "فتيل" بالمسألة السابقة (١١١) فهو يرد الكلمة إلى معناها القريب في أصل اللغة، والمراد معناه المجازي، يكني عن القطمير بأهون الأشياء وأخفها، ومثله الشاهد من بيت أمية لا يريد بالقطمير - أصل - معناه في القشرة وسحاة النواة، وإنما يكني بها عن أضال الأشياء وأحقرها. * * *

стр. 459

١١٣ - ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ وسأل نافع عن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ فقال ابن عباس: حبسهم، واستشهد بقول أمية بن أبي الصلت: فأُركِسوا في حميم النارِ إنهمُ. . . كانوا عتُاةً تقول الإِفكَ والوزرا (تق) زاد في (ك، ط) : حبسهم في جهنم بما عملوا. = الكلمة من آية النساء ٨٨: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ ومعها آية النساء ٩١ في السياق نفسه: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ ولم يأت من المادة في القرآن الكريم، غير هذا الفعل الرباعي في آيتى النساء. الركس في اللغة النكس وقلب الشيء على رأسه، أو ردّ أوله على آخره، وهو أصل المادة في (مقاييس اللغة: ركس) وشاهده آية النساء، في المسألة والمركوس المنكوس (س، ص) وحكاه القرطبي وأبو حيان عن الكسائي والنضر ابن شميل. وفي معنى آية النساء ٨٨ قال الفراء: ردهم إلى كفرهم (١ / ٢٨٠) وفي تفسير البخاري لسورة النساء، باب (فما لكم في المنافقين فئتين) الآية: قال ابن عباس: بددهم فئة فئة. ومعه في (فتح الباري) عن ابن عباس أيضاً: أوقعهم، وعنه:

стр. 460

أهلكهم. وهو تفسير باللازم لأن الركس معناه الرجوع (٨ / ١٧٨) وفي تأويل الطبري: ارتدوا فصاروا مشركين، وفي مفردات الراغب: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ ردهم إلى كفرهم. ولعل تأويلها في المسألة بالحبس في جهنم، أقرب إلى الشاهد من قول أمية ابن أبي الصلت، منه إلى سياق الكلمة في القرآن الكريم، ومن إركاس في الضلال وفي الفتنة. والله أعلم. * * * ١١٤ - ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ قال: يا ابن عباس، أخبرني عن قول الله : ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ قال: سلطنا عليهم الجبابرة فساموهم سوء العذاب. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة يقول: إن يُغْبَطُوا ييسروا وإن أَمِرُوا. . . يوما يصيروا للهُلْكِ والفَقدِ (ك، ط) وفي (تق) قال ابن عباس: سلطنا. = الكلمة من آية الإسراء ١٦: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ تأويل "أمرنا" في المسألة بالتسليط، كأنه على قراءة "أمَّرنا" بالتشديد، كما صرح بذلك الفراء في معنى الآية، قال بعد ذكر القراءات فيها: وفسر بعضهم
следующие страницы →