← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12759

الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق

عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ

Полный текст (584 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

التوبة ١٢٨: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ومعها آية الحجرات: ٧ وهذه الكلمات الخمس، هي كل ما في القرآن من المادة. وسبق النظر في استعمال القرآن لكلمة الإثم، في تفسير الحوب في المسألة رقم ١٠٩. العنت في اللغة المشقة، وقال أبو عبيدة والزجاج: الهلاك. وقال الزمخشري: وقع فلان في العنت، أي فيما شق عليع. وأكَمَةٌ عنوت: طويلة شاقة المصعد. وعَنِتَ العظم: انكسر بعد الجبر، واعنته: هاضه (س) وهو في آية النساء، الفجور عند الفراء. والزنا في تأويل الطبري، وعن ابن عباس وكثير من أهل التأويل. وقال غيرهم: إنه الحد الذي تخشى منه العقوبة. والصواب من القول عنده: لمن خاف منكم ضررا في دينه وبدنه، فالذين وجهوه إلى الزنا، هو ضرر في الدين، وإلى الحد ضرر في البدن. ونحوه في (مفردات الراغب. والبحر المحيط لأبي حيان والنهاية لابن الأثير) . وملحظ المشقة لا ينفك عن استعمال المادة في العنت والإعنات. والشاهد من قول الأعشى، صريح في الإعنات إلحاحا في التحامل وطلب العثرة. * * * ١١١ - ﴿فَتِيلًا﴾ قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ما الفتيل: قال: ما في شق النواة، وما فتلت بين أصابعك من الوسخ، قال فيه زيد الفوارس: أعاذلَ بعض لومك لا تِلجَّى. . . فإن اللوم لا يغني فتيلا

стр. 457

(وق) واقتصر في (تق، ك، ط) على: التي تكون في شق النواة وشاهده في الثلاثة قول النابغة: يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو. . . ثم لا يرزأ الأعادى فتيلا زاد في (ك، ط) وقال الأول: أعاذلَ بعضَ لومك * البيت = الكلمة في آيات: النساء ٤٩: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ٧٧: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ الإسراء ٧١: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ وليس في القرآن من المادة سواها. وسياقها جميعاً في حساب الله تعالى عباده، لا يظلم أحدٌ فتيلاً. القولان في تأويلهما في المسألة، قالها الفراء في معنى الكلمة بآية النساء (١ / ٢٧٣) وابن قتيبة في باب الاستعارة من (مشكل اعراب القرآن ١ / ١٠٤) وكذلك رواهما الطبري بإسناده عن ابن عباس وغيره من أهل التأويل، والقرطبي في الجامع، والراغب في (المفردات) . وذكر معه: ما تفتله بين أصابعك من خيط أو وسخ. مع التوجيه إلى معناه المجازي: أي أن الله تعالى لا يظلم عباده بأقل الأشياء ولو كان لا خطر له ولا قيمة (الطبري) وكناية عن الحقير والتافه (ابن قتيبة) وعن التحقير والتصغير (القرطبي) .

стр. 458

وكذلك الفتيل في الشاهين، لا يراد بهما حقيقة المفتول أو ما في شق النواة، بل المعنى المجازي من الضآلة والتفاهة هو المراد. * * * ١٢ - ﴿قِطْمِيرٍ﴾ وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ فقال ابن عباس: الجلدة البيضاء التي على النواة. واستشهد بقول أمية ابن أبي الصلت: لم أنل منهم فَسيطاَ ولا رَبـ. . . ـذاً ولا فُوفَةً ولا قطميرا (تق، ك، ط) = الكلمة من آية فاطر ١٣: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ وحيدة في القرآن، صيغة ومادة. والتفسير تقريب، يقال فيه ما نقلنا في "فتيل" بالمسألة السابقة (١١١) فهو يرد الكلمة إلى معناها القريب في أصل اللغة، والمراد معناه المجازي، يكني عن القطمير بأهون الأشياء وأخفها، ومثله الشاهد من بيت أمية لا يريد بالقطمير - أصل - معناه في القشرة وسحاة النواة، وإنما يكني بها عن أضال الأشياء وأحقرها. * * *

стр. 459

١١٣ - ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ وسأل نافع عن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ فقال ابن عباس: حبسهم، واستشهد بقول أمية بن أبي الصلت: فأُركِسوا في حميم النارِ إنهمُ. . . كانوا عتُاةً تقول الإِفكَ والوزرا (تق) زاد في (ك، ط) : حبسهم في جهنم بما عملوا. = الكلمة من آية النساء ٨٨: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ ومعها آية النساء ٩١ في السياق نفسه: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ ولم يأت من المادة في القرآن الكريم، غير هذا الفعل الرباعي في آيتى النساء. الركس في اللغة النكس وقلب الشيء على رأسه، أو ردّ أوله على آخره، وهو أصل المادة في (مقاييس اللغة: ركس) وشاهده آية النساء، في المسألة والمركوس المنكوس (س، ص) وحكاه القرطبي وأبو حيان عن الكسائي والنضر ابن شميل. وفي معنى آية النساء ٨٨ قال الفراء: ردهم إلى كفرهم (١ / ٢٨٠) وفي تفسير البخاري لسورة النساء، باب (فما لكم في المنافقين فئتين) الآية: قال ابن عباس: بددهم فئة فئة. ومعه في (فتح الباري) عن ابن عباس أيضاً: أوقعهم، وعنه:

стр. 460

أهلكهم. وهو تفسير باللازم لأن الركس معناه الرجوع (٨ / ١٧٨) وفي تأويل الطبري: ارتدوا فصاروا مشركين، وفي مفردات الراغب: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ ردهم إلى كفرهم. ولعل تأويلها في المسألة بالحبس في جهنم، أقرب إلى الشاهد من قول أمية ابن أبي الصلت، منه إلى سياق الكلمة في القرآن الكريم، ومن إركاس في الضلال وفي الفتنة. والله أعلم. * * * ١١٤ - ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ قال: يا ابن عباس، أخبرني عن قول الله : ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ قال: سلطنا عليهم الجبابرة فساموهم سوء العذاب. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة يقول: إن يُغْبَطُوا ييسروا وإن أَمِرُوا. . . يوما يصيروا للهُلْكِ والفَقدِ (ك، ط) وفي (تق) قال ابن عباس: سلطنا. = الكلمة من آية الإسراء ١٦: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ تأويل "أمرنا" في المسألة بالتسليط، كأنه على قراءة "أمَّرنا" بالتشديد، كما صرح بذلك الفراء في معنى الآية، قال بعد ذكر القراءات فيها: وفسر بعضهم

стр. 461

"أمرنا" بالطاعة "ففسقوا" أي أن المترف إذا أمِر بالطاعة خلف إلى الفسوق، وقرأ الحسن: آمرنا، وروى عنه: أمِرنا، ولا ندري أنها حُفظت عنه، لأنا لا نعرف معناها ها هنا، ومعنى آمرنا بالمد: كثَرنا. وقرأ أبو العالية الرِياحى: أمَّرنا، وهو موافق لتفسير ابن عباس، وذلك أنه قال: سلطنا رؤساءها ففسقوا فيها (٢ / ١١٩) والجمهور على القراءة بالتخفيف: ﴿أَمَرْنَا﴾ وأسند البخاري عن عبد الله، بن مسعود ﵁، قال: كنا نقول للحي إذا كثروا في الجاهلية: أمِروا (ك التفسير) الإسراء، باب ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ الآية ومعه في (فتح الباري) بعد نقل كلام الفراء: واختار الطبري قراءة الجمهور، واختار في تأويلها حملها على الظاهر وقال: المعنى: أمرنا مترفيها بالطاعة ففسقوا، ثم أسنده عن ابن عباس. وقد أنكر الزمخشري هذا التأويل وبالغ كعادته، وعمده إنكاره حذف ما لا دليل عليه، وتُعِقبّ بأن السياق يدل عليه، كقولك: أمرته فعصاني، أي بطاعتي، وكذا: أمرته فامتثل (٨ / ٢٧٥) ومعه تأويل الطبري لآية الإسراء (١٥ / ٤٢) وأنشد الشاهد من قول لبيد. وقال الراغب: أي أمرناهم بالطاعة، لا يؤخذ من ظاهر النص وإنما على تقدير الطاعة مأموراً بها. . . وفي الآية قراءة بالتشديد "أّمرنا مترفيها" أي جعلناهم أمراء. (المفردات) وبالتخفيف "أمَرْنا" قراءة الأئمة السبعة، وجهها كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح. والله أعلم. * * * ١١٥ - ﴿يَفْتِنَكُمُ﴾ وسأل نافع عن معنى قول الله : ﴿أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس: أن يضلكم الذين كفروا بالعذاب والجهد. واستشهد بقول الشاعر: كلُّ امرئ من عبادِِ الله مضُطَهِدٍ. . . بِبَطْنِ مَكةَ مقهورٍ ومفتونِ

стр. 462

= الكلمة من آية النساء ١٠١: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ مادة (فتن) أصل يدل على ابتلاء واختبار، ومنه الفتنة الامتحان، فتن الدينار، والمعدن، بالنار. وفتنه الشيطان وفتنته الدنيا، وقيل الشيطان فتان (المقاييس والأساس) قال الفراء: أهل الحجاز يقولون فتنتُ الرجل وربيعة وقسي وأسد وجميع أهل نجد يقولون: أفتنته وفرق بينهما الخليل وسيبويه فقالا: فتنته، جعلته فتنة وأفتنته جعلته مفتَتَنا (جامع القرطبي، في آية النساء) وقال ابن فارس في (المقاييس) يقال: فتنة وأفتنة وأنكر الأصمعي أفتن." اقتصر الطبري في الآية، على ذكر وجه الفتنة، قال: وقتنتهم إياهم فيها، حملُهم عليهم وهم ساجدون حتى يقتلوهم أو يأسروهم فيمنعوهم من إقامتها ويحولوا بينهم وبين عبادة الله وإخلاص التوحيد له." وبينه الراغب، قال: أصل الفتن إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته. . . وجُعلت الفتنة كالبلاء فيما تدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء. وهما في الشدة أظهر وأكثر استعمالا. "وهم لا يفتنون، أي لا يختبرون" (المفردات) وقريب منه قول ابن الأثير: وقد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار، للمكروه. ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم والكفر والقتال والإحراق والإزالة، والصرف عن الشيء (النهاية) بكل من الامتحان، والبلاء والابتلاء، والفتنة، جاء القرآن ولعل استقراء آياتها جميعاً يهدي إلى ملحظ في سياق الاستعمال لكل منها: الامتحان بمعنى الاختبار، في آيتين، وهو من الله تعالى في آية الحجرات ٩

стр. 463

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ ومن الذين آمنوا للمهاجرات في آية الممتحنة ١٠: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ وجاء الابتلاء مرة واحدة في ابتلاء الأوصياء رشد اليتامى (النساء ٦) وغلب مجيئه فيما يبتلى به الله تعالى عباده: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ ونظائرها. ومعها الآيتان في اليوم الآخر، بدلالة السياق: الطارق ٩: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ ويونس ٣٠ وأما الفتنة فتكون من الله تعالى في مثل آيتى العنكبوت ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ونظائرها. وتكون الفتنة من الشيطان (الأعراف ٢٧) والسَّحر (البقرة ١٠٢) والمنافقين (الحديد ١٤) ومن الكفار والمشركين في آية النساء ١٠١ - وفيها المسألة - وآيات (يونس ٨٣، التوبة ٤٧، الإسراء ٧٤، المائدة ٤٩، العنكبوت ١٠، البروج ١٠) ومن قتنة الناس بعضهم لبعض (الفرقان ٢٠) وقول الراغب وابن الأثير، إن البلاء والفتنة أظهر في الشدة وأكثر استعمالا، يؤيده الاستقراء. ويقلُّ مجيئها في الابتلاء بالنعمة والخير، ومع اقترانه بالابتلاء بالضيق والشر، كما في آيات: النمل ٤٠ ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ الأنبياء ٣٥ ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ والأعراف ١٦٧، والمَلْك ٢، والفجر ١٥. ومنه الحديث: "ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم، وستبتلون بفتنة السراء". * * *

стр. 464

١١٦ - ﴿لَمْ يَغْنَوْا﴾ قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ قال: لم يعمروا فيها. قال فيه مهلهل: غَنِيَتْ دارُنا تهامة في الدهـ. . . ـرِ فيها بنو مَعَدَّ حُلَولاَ وقال فيه لبيد: وغنيتُ سبتاً قبل مَجْرى داحسٍ. . . لو كان للنفس اللجوج خلودُ (وق) وفي (تق) كأن لم يكونوا. زاد في (ك، ط) في الدنيا حين عذبوا فيها. والشاهد في الثلاثة بيت لبيد. الكلمة من آيات: الأعراف ٩٢: في كفارِ مَدْيِن: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ هود ٦٨ في ثمود: ﴿لَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ هود ٩٥ في مدين: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ وفي المعنى نفسه، جاءت في مثل الحياة الدنيا بآية يونس ٢٤ ﴿. . . حَتَّى إِذَا

стр. 465

أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ وفيما عدا هذه الآيات الأربع، جاءت المادة في معنى الغني، نقيض الفقر والحاجة. تأويل ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ في (وق) : كأن لم يعمروا، أوْلَى من: كأن لم يكونوا. والشائع في: غِنىَ بالمكان، أنه بمعنى أقام. وإليه دهب ابن الأثير في حديث عليًّ كرم الله وجهه: "ورجل سماه الناس عالماً ولم يغن في العلم يوماً سالماً" قال: أي لم يلبث في العلم يوماً تاماً، من قولك: غنيت بالمكان أغنَى، إذا أقمت (النهاية) وهو لا يفيد معنى التعمير وهو صريح في الشاهدين لمهلهل ولبيد. على أن بين (لم يغنوا) ولم يعمروا أو لم يقيموا، فرقا دقيقا في الدلالة، التفت إليه "الراغب" حين ربط الغنى في المكان بأصل دلالته في نقيض الحاجة والفقر. قال: غنى في المكان بمعنى طال مقامه فيه، مستغنيا به عن غيره (المفردات) ونضيف إليه ملحظاً آخر من دلالة قرآنية خاصة: فالعربية تستعمل غنى بالمكان ولم يغن، إيجاباً ونفياً. ولم تأت الكلمة في القرآن إلا منفية، في خبر ديار ثمود ومدين، وَمَثَل الحياة الدنيا. فكأن القرآن لا يرى مقاماً في الدنيا، يمكن أن يغني أو يستغنى به، وإنما غَرّ ثمودَ ومدينَ مقامهُم بديارهم فأخذتهم الصيحة والرجفة فأصبحوا جاثمين كأن لم يغنوا فيها. وهو السياق في مَثَلِ الحياة الدنيا، ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ وفي هذا السياق لا تؤدي عُمَّر، وأقام، معنى "غنى" بما تفيد من وهم الغنى والاستغناء فيما نظنه مَغنَى، إذ ليس من شأن الدنيا الفانية أن يكون فيها مغني إلا غروراً ووهماً. والله أعلم

стр. 466

١١٧ - ﴿الْهُونِ﴾ وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ ما الهون؟ فقال ابن عباس: عذاب الهوان. واستشهد بقول عبد الله بن الحارث: إنا وجدنا بلاد الله واسعةً. . . تُنْجِى من الذلَّ والمخزاة والهون (وق) وفي (تق، ك، ط) الشاعر وفُسرت في (ك ط) بالعذاب الشديد. الكلمة من آيتى: الأنعام ٩٣: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ الأحقاف ٢٠: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ومعهما العذابُ الهون في آية فصلت ١٧: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وجاء العذاب وعذاب، موصوفين بالمهين ومهين، أربع عشرة مرة. ومعها اسم المفعول في آية الفرقان ٦٩:

стр. 467

﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ والفعل من الإهانة في آيتى الفجر ١٦ ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ والحج ١٨: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ وفي غير هذا السياق، آية الفرقان ٦٨: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ قال أبو عبيدة "يُجُزَون عذاب الهُون" مضموم وهو الهوان. وإذا فتحوا أوله فهو الرفق واللين (مجاز القرآن) ١ / ٢٠٠ ونحوه في (س) . ويفرق (الراغب) بين نوعين من الهوان: أحدهما تذلل الإنسان نفسه لما لا يُلحق به غضاضة فيُمدح، نحو ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ وأن يكون من جهة متسلطٍ به فيذم، وعليه قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ (المفردات) ثم لا يفوتنا أن تفسير الهوُن بالهوان، على ما يبدو من قربه، فيه أن القرآن لم يستعمل صيغة الهوان. والهوان والهوُن كلاهما من مصادر (هان) لكن العربية حين تخالف بين المصادر فلملحظ من فروق الدلالات. فيكون: الهَون بالفتح، للسهولة واليسر ومنه معنى الدعة واللين، والهوينى: سير على مهل. . . والاستهانة والتهاون للتساهل والتفريط، كأنك تجده هيناً سهلاً، والهوان والمهانة، للاحتقار والازدراء. والهُون، بالضم، للخِزى. * * * ١١٨ - ﴿نَقِيرًا﴾ قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ ما النقير؟ قال: النقير ما في شق النواة، قال فيه الشاعر: لقد رزحتْ كلاب بني زُبيد. . . فما يُعطون سائلهم نقيرا (وق) زاد في (تق) : ومنه تنبت النخل

стр. 468

وفي (ك، ط) : ما ظهر النواة ومنه تنبت النخلة. وشاهده في الثلاثة قول الشاعر: وليس الناسُ بعدَكَ في نَقِير. . . وليسوا غيرَ أصداءٍ وهَامِ والمسألة فيها: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ = الكلمة في (وق) من آية النساء ٣٥: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ وفي (تق، ك، ط) من آية النساء ١٢٤: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ ومن المادة: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ بآية المدثر ٨. تأويلها في المسألة بما في شق النواة أو ظهرها، أوضح منه قول أبي عبيدة في (مجاز القرآن ١ / ١٣٠) والفراء في (معاني القرآن ١ / ٢٧٣) : النقرة في ظهر النواة. وجهها أهل اللغة وأهل التأويل بمثل ما وجهوا به "فتيلا" و"قطميرا" - في المسألتين: ١١١، ١١٢ - غير مُرادٍ بها أصل معناها، بل المراد المعنى المجازي كناية عن الضئيل الحقير والتافه لا قيمه له. "وأصل النقير النكتة التي في ظهر النواة". الأساس. * * *

стр. 469

١١٩ - ﴿فَارِضٌ﴾ وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ﴾ فقال ابن عباس: الهرمة. ولما سأله نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: لَعمرى لقد أعطيت ضيفَك فارِضاً. . . تُساق إليه ما تقومُ على رِجْل (تق) وزاد في (ك، ط) الكبيرة المسنة الكلمة من آية البقرة ٦٨ في قوم موسى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ وحيدة الصيغة والاستعمال في القرآن. وسائر ما فيه من المادة، إنما هو في الفرْضِ، والفريضة، والمفروض. معناها عند الفراء: ليست بهرمة ولا شابة. والفارض قد فرضَتْ وبعضهم يقول فرُضت (١ / ٤٤) . وهي المسنة في شرح شواهد الكشاف. وردها الراغب إلى معنى القطع، قال: ورجل فارض: بصير بحكم الفرائض - الحجج القاطعة - منقولاً إليه من الفارض: بصير بحكم الفرائض - الحجج القاطعة - منقولاً إليه من الفارض، المسنّ من البقر. وقيل إنما سمي فارضاً لكونه فارضاً للأرض أي قاطعاً، أو فارضاً لما يحمل من المشاق. وقيل: بل لأن فريضة البقر اثنتان: تبيعة ومُسِنَّة، فالتبيع يجوز في حال دون حال، فسميت الفارضة لذلك، فعل هذا يكون الفارض اسماً إسلامياً (المفردات) . قال في الكشاف: الفارض المسنة التي انقطعت ولادتها من الكبر وكأنها سميت فارضا لأنها فرضت سنها وانقطعت وأنشد الشاهد.

стр. 470

والبكر الفتية، والعوان النصف. وفي تفسير القرطبي عن ابن قتبيبة، أن الفارض التي ولدت. وذهب ابن فارس في (المقاييس / فرض) إلى أن الفارض - في الآية. بمعنى المسنة، مما شذ عن الأصل في الفرض، وهو عنده: الحزّ في الشيء. ولا يبعد عن أصله، أن تكون المسنة قد حز فيها الزمن. * * * ١٢٠ - ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ من ﴿الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ قال: أخبرني عن قول الله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ قال: الخيط الأبيض نور الفجر، والخيط الأسود سواد الليل. قال: فهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل القرآن؟ قال: نعم، قال أمية بن أبي الصلت: الخيط الأبيضُ نور الصبح مُنفِلق. . . والخيط الأسود لون الليل مكمومُ (وق) وفي (تق، ك، ط) قال: بياض النهار من سواد الليل. = الكلمات في آية البقرة ١٨٧ في أحكام الصيام: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وفي (مجاز القرآن لأبي عبيدة) الخيط الأبيض هو الصبح المعروف، والخيط الأسود هو الليل، والخيط: اللون (١ / ٦٨) واقتصر الفراء في معناها على حديث من سأل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: هو الليل من النهار (١ / ١١٤) . وأخرج البخاري في (ك التفسير، باب: وكلوا واشربوا) الآية، عن عدى بن حاتم ﵁، من وجهين، أنه أخذ عقالا أبيض، وعقالا أسود فوضعهما

стр. 471

تحت وسادة حتى كان بعض الليل فلم يستبينا فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "إنك أذاً لعريض القفا، بل هو سواد الليل من بياض النهار" ثم أخرج عن سهل بن سعد ﵁ أنه لما نزلت قوله تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ كان رجال إذا أرادوا الصوم ربط احدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله تعالى بعدُ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعلموا أنه يعني سواد الليل من بياض النهار. ونقل الطبري اختلاف أهل التأويل فيه على قولين. أنه ضوء النهار بطلوع الفجر من سواد الليل. وقال آخرون: هو ضوء الشمس من سواد الليل. وأوْلاهما بالصواب عنده القول الأول، وقوله تعالى ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ ، يعني حتى يتبين الخيط الأبيض من الفجر، وليس ذلك هو جميع الفجر، فمن حينئذ فصوموا "ثم أتموا الصيام الليل" والخيط الأبيض إنما يتبين عند ابتداء أوائل الفجر، وقد جعله الله تعال حداً لمن لزمه الصوم. * * * ١٢١ - ﴿شَرَوْا﴾ وسأله نافع عن معنى قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ قال: باعوا نصيبهم من الآخرة بطمع يسير من الدنيا. . . أما سمعت قول الشاعر: يُعْطَى بها ثمنا فيمنعها. . . ويقول صاحبها ألا تَستِرى (تق) والمسألة في (ك، ط) : ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ وليس الشاهد لها.

стр. 472

= الكلمة من آية البقرة ١٠٢ في السَّحْر: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وأما الكلمة في (ك) فمن آية البقرة ٩٠ في بني إسرائيل: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ الكلمتان: شروا، واشتروا في الآيتين، ونظائرهما، بمعنى باعوا عند أهل التأويل. وشرى واشترى عند علماء اللغة في الأضداد: بمعنى باع وبمعنى اشترى: أوردهما الأصكعي في: (باع) للمشتري والبائع، وفي (شراه) : ملَكه بالبيع، وأيضاً باعه (الأضداد) وفي (باع) قال أبو حاتم السجستاني في الأضداد: يقال بعت الشيء وأخذت ثمنه، وبعض العرب يقول: بعت الشيء أي اشتريته.. وقالوا اشتريت الشيء وأعطيت ثمنه، وقد يقال اشتريت الشيء إذا بعته. وبعتهُ أوضح في الوجهين، وفي القرآن ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي يبيعون. و ﴿مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ يبيعها. ومن شواهده لشرى بمعنى البيع بيت "المسيب ابن علس" وبمعنى الشراء قول "طرفة" - في معلقته: ويأتيك بالأخبار من لم تبع له. . . بتاتا ولم تضرب له وقت موعدِ وأورده ابن الأنباري كذلك في: اشتريت، وفي بعت، وأنشد فيه بيت المسيب (الأضداد) وابنُ السكيت في شرى، وباع، من كتابه (الأضداد.) وقال ابن قتيبة في باب المقلوب من (مشكل إعراب القرآن) : يقال للمشتري شارٍ، وللبائع شارٍ، لأن كل واحد منهما اشترى، فكذلك قولهم لكل واحد منهما: بائع، لأنه باع وأخذ عوضاً مما دفع فهو شارٍ وبائع. وقال الله :

стр. 473

﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ وفي مجاز القرآن لأبي عبيدة، آية البقرة ١٠٢ أي باعوا به أنفسهم. وقال ابن مفرغ الحميري: وشرَيْت بُرْداً ليتني. . . من بعد برد كنت هامه أي بعُته. وبرد غلام له كان باعه. وفي آية البقرة ٩٠: في معاني تالقرآن للفراء: معناه والله أعلم، بئس ما باعوا به أنفسهم. . . وللعرب في شروا واشتروا مذهبان، فالأكثر منهما أن شروا: باعوا، واشتروا: ابتاعوا. وربما جعلوهما باعوا، وكذلك البيع يقال: بعت الثوب على معنى أخرجته من يدي. وبعته اشتريته، وهذه اللغة في تميم وربيعة، سمعت أبا ثروان - العُكلى - يقول لرجل: بع لي تمرا بدرهم، يريد: اشترلى. وأنشدني بعض ربيعة - لطرفة، من معلقته: ويأتيكَ بالخبار من لم تَبِعْ له. . . بتاتاً، ولم تضرب له وقت موعد على معنى: لم تشتر له بتاتا. قال الفراء: والبتاتُ والزادُ". وكون ذلك من اختلاف اللغات، أقرب من القول بالضدية. على أن "ابن فارس" في (المقاييس) ردَّ (شرى) في الشراء والبيع، إلى أصل "المماثلة: أخذاً وإعطاءً: شريت الشيء واشتريته، إذا أخذته من صاحبه بثمنه. وربما قالوا: شريت، إذا بعت، قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ . والمماثلة ليست متعينة فيما يؤخذ ويعطى، بيعا وشراء، إلا أن يعني بها المبادلة، فيقرب. وذهب الزمخشري إلى أن: من المجاز ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ : استبدلوه ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ - الأساس والقاعدة في الاستبدال، أن الباء تدخل على المتروك: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ ؟

стр. 474

ولم يطرد دخولها على المبيع المتروك، في: شرى، واشترى، كما يتضح بعدُ، بالاستقراء. ولم يفرق "ابن الأثير" بين شرى، واشترى، وباع، قال في حديث الزبير لأبنه عبد الله، ﵄ "والله لا اشرى عملى بشيء من الدنيا": لا أشرى أي لا أبيع. يقال: شرى، بمعنى باع، واشترى (النهاية) . والوجه عند "الراغب" أن: الشراء والبيع يتلازمان، فالمشترى دافع الثمن وآخذ المثُمَّن، والبائع دافع المُثَمَّن وآخذه الثمن، هذا إذا كانت المبايعة والمشاراة بيع سلعة بسلعة فصح أن يتصورَّ كل واحد منهما مشتريا وبائعا. ومن هذا الوجه صار لفظ البيع والشراء يستعمل كل واحد منهما في موضع الآخر. وشَريِتُ بمعنى بِعتُ أكثر، وابتعت بمعنى اشتريت أكثر, قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي باعوه، وكذلك قوله ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ . ويجوز الشراء والاشتراء في كل ما يحصل به شيء - وليس سلعة - نحو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ . . . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ فقد ذكر ما اشترى به وهو قوله: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ﴾ الآية. . . ويسمى الخوارج بالشراة متأولين فيه بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ فمعنى يشري، يبيع. (المفردات: شرى) . . . ما أضيفه إلى المسألة، مما هدى إليه الأستقراء، هو أن (شرى) الثلاثي لم تأت في القرآن - ولا في شواهدهم - إلا بمعنى باع، ودخلت الباء على المشتَرَى المطلوب، لا على المبيع المتروك. يطرد ذلك في آياتها الأربع: البقرة ١٠٢: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ البقرة ٢٠٧: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ النساء ٧٤: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ يوسف ٢٠: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ وأما اشترى، فجاءت احدى وعشرين مرة، فعلاً ماضيا ومضارعا، للواحد

стр. 475

وللجماعة، يفيد سياقها في تسعة عشر موضعا أنها بمعنى الشراء، والباء فيها دخلت على المبيع المتروك، مثل: البقرة ١٦: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ البقرة ٨٦: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ البقرة ١٧٥: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ التوبة ٩: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ونظائرها. وفي آيتين، دخلت الباء على الثمن المبذول المأخوذ، لا على المبيع المتروك المنبوذ، فأفادت اشترى معنى باع: البقرة ٩٠ في الكافرين من أهل الكتاب جاءهم كتاب القرآن من عند الله مصدقاً لما معهم فكفروا به: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: باعوا انفسهم. والتوبة ١١١: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ وهم هنا بائعون، باعوا أنفسهم لله تعالى، بصريح نص الآية: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ صدق الله العظيم * * * ١٢٢ - ﴿حُسْبَانًا﴾ وسأله عن قوله تعالى: ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ فقال: ناراً من السماء. ولما سأله نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ أجاب: نعم، أما سمعت قول حسان: بقية معشرٍ صُبَّتْ عليهم. . . شآبيبٌ من الحسيانِ شُهْبُ (تق، ك، ط)

стр. 476

= الكلمة من آية الكهف ٤٠: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ومعها آية الأنعام ٩٦: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ وآية الرحمن ٥: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ وجاء الحساب بدلالة إسلامية على المحاسبة يوم الحساب، باستثناء آيتى يونس ٥: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ والإسراء ١٢. لم يفت "الراغبَ" ربطُ الكلمة في آية الكهف، بأصل معنى الحساب في العدد. قال: الحساب استعمال العدد: ﴿عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ . . . ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ : ناراً وعذاباً. وإنما هو في الحقيقة ما يُحاسَب عليه فيُجازى به (المفردات) . وحكاه أبو حيان في البحر، عن الزجاج. ودلالة المادة أصلاً على العدد والحساب، لا تنفك عنها في كل صيغها واستعمالها. ومنه جاء "الحساب" بدلالته الإسلامية على حساب الله لعباده على أعمالهم وكفى به حسيباً. ولم يفرق "الراغب" بين الحسبان والحساب، كما ترى فيما نقلتُ من عبارته في (المفردات) . واختلاف الصيغتين يوجب اختلافاً في المعنى وراء دلالتهما المشتركة: الاستعمال في العدد، أصل الدلالة في الحساب. ومنه أُخَذَ الحسبانُ بمعنى التقدير الزمني كما في آيتى الأنعام ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ والرحمن: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ . واستعماله في العقاب، ملحوظ فيه معنى المحاسبة على العمل، كما هو واضح من سياق آية الكهف: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ يحتمل أن يكون ناراً كما

стр. 477

قال ابن عباس، ويحتمل أن يكون مرامى من السماء، قاله الأخفض وأبو عبيدة، أو جراداً كما نُقِلَ عن أبي زياد الكلابي، أو البرد فيما روى عن الضحاك، أو الصواعق والإعصار كما في آية البقرة ٢٦٦، أو آفة مجتاحة (الطبري، والقرطبي، وأبو حيان) والله أعلم. * * * ١٢٣ - ﴿عَنَتِ﴾ وسأل نلفع عو قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ فقال ابن عباس: استسلمت وخضعت. واستهشد بقول الشاعر: ليِبْكِ عليكَ كلُّ عانٍ بِكُرْبَةٍ. . . وآلُ قُصَىَّ من مُقِلَّ وذي وَفْرِ الكلمة من آية طه ١١١ ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ وحيدة في القرآن، صيغة ومادة. من: عنا يعنو. واليائي منها: عنىَ، ليس في القرآن كذلك. تفسيرها بالاستسلام والخضوع، في المسألة، قاله الفراء في معناها بآية طه. وقال الطبري: استأسرت وجوه الخلق واستسلمت، وأصل العنو الذل: عنا وجهُه لربَّه يعنو عنوا: خضع له وذل. وكذلك قيل للأسير عانٍ لذلة الأسر. فأما قولهم: أخذت الشيء عنوة، فهو أخذه غلبة، وقد يكون عن تسليم وطاعة. و"الراغب" فسر الكلمة كذلك بالخضوع، مع ربطها بالنصب والعناءـ قال: وعنت الوجوه

стр. 478

للحي القيوم، أي خضعت مستأسرة بعناء. وعنَّيته بكذا: أنصبته. وعُنىَ: نصب واستأسر، ومنه العاني الأسير (المفردات) . والعربية تفرق بين الواوي واليائي من المادة، فتجعل الواوي للعناء والأسر والخضوع. ومنه العاني: الأسير والمعاناة: المكابدة والمقاساة، والعنوة: القهر، والتعني: التجشم. وااليائي للاهتمام والعناية، ومنه الحديث: (من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه) أي: ما لا يهمه كما في (النهاية) . * * * ١٢٤ - ﴿ضَنْكًا﴾ وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ فقال ابن عباس: الضنك الشديد. واستشهد بقول الشاعر: والخيل قد لحقتْ بها في مأزقٍ. . . ضَنْكٍ نواحيه، شديد المقدمِ (تق، ك) = الكلمة من آية طه ١٢٤: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ وحيدة في القرآن صيغة ومادة. معناها عند الفراء، الضيقة الشديدة، بالتأنيث، لأن الضيقّ لست كضنك: يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، والمذكر والمؤنث: عيش ضنك ومعيشة ضنك، وُصِفَ بالمصدر. وهي عند أهل التأويل كذلك الضيق، أو الضيق

стр. 479

الشديد واختلاف أقوالهم فيها إنما هو في وجه هذا الضنك: قيل عذاب القبر، وقيل الكسب الحرام، وقيل الزقوم (الطبري، القرطبي.) والقرآن لم يستعمل ضنكاً إلا في هذا الموضع، نذيراً لمن أعرض عن ذكره تعالى، يحشره سبحانه يوم القيامة أعمى. وأما الضيق، فجاء في ضيق النفس والأرض على الثلاثة الذين خلفوا عن الخروج مع الرسول ﷺ في غزوة تبوك، لغير نفاق: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ التوبة ١١٨ وفي ضيق الصدر بآيات الحجر ٩٧، والشعراء ١٣، والأنعام ١٣٥ ومعها، آيات: النحل ١٢٧ ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ والنمل ٧١، وهود ١٢ ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ والخطاب في الآيات الثلاث، للنبي ﵊. وآيتا هود ٧٧، والعنكبوت ٣٣ في ضيق لوط ﵇ بضيفه: ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ وجاء الضيق في سياق عذاب الآخرة، في آية الفرقان ١٣: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ يبدو أن الضنك، في البيان القرآني، أشد الضيق وهو في الشاهد للمأزق وضنك السعال يأخذ بالخناق. وأما الضيق، فأعمُّ في الدلالة من الضنك، يكون من عذابٍ كآية الفرقان، ويكون من ضيق الصدر هماً وكربا، كما يكون من ضيق الأرض والمكان. والله أعلم. أو بعبارة موجزة: الضيق نقيض السعة، على الحقيقة أو المجاز.

стр. 480

والضنك: أشد الضيق والمأزق. "ويقال: إن المال الحرام ضنك، وإن كثر واتُّسِعَ فيه" الأساس. * * * ١٢٥ - ﴿فَجٍّ﴾ وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ فقال ابن عباس: طريق. واستشهد بقول الشاعر: حازوا العيالَ وسدوُّا الفِجا. . . جَ بأجسادَ عادٍ لها آبدات (تق) وفي (ك) : الشاعر يرثى قوم عاد. = الكلمة من آية الحج ٢٧: خطاباً لإبراهيم ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ ومعها، بصيغة الجمع، آيتا: الأنبياء ٣١: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ نوح ٢٠: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ وهذا كل كا في القرآن من المادة. الفَجُّ واحد الفجاج عند أهل اللغة: كل سعة بين نشازين (تهذيب الألفاظ باب أسماء الطرق) أو هو الطريق الواسع بين جبلين. والفُجَّة، بالضم الفرجة (ق) وفرَّق الراغب بين طريق وفج، فقال: الطريق السبيل الذي يُطرق بالأرجل، ومعه استعير كل مسلك يسلكه الإنسان في فعله، محمود ومذموم. والفج: شقة يكتنفها جبلان، ويستعمل في الطريق الواسع (المفردات) .

стр. 481

وقيده ابن ألثير كذلك بالسعة في حديث الحج: "وكل فجاج مكَة منحر" قال: الفجاج جمع فج، وهو الطريق الواسع (النهاية) . ومما هدى إليه التدبر لآيات القرآن في الفج والطريق: الفج والفجاج في آياتهما الثلاث، على أصل معناها في الطريق الحسي المطروق. وأما الطريق، فيأتي حسياً في آية طه ٧٧ خطاباً لموسى ﵇: ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ ومعها المؤمنون ١٧، في مجرى الأفلاك: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ ويأتي في سائر الأيات بدلالة معنوية مجازية، كآيات: الأحقاف ٣٠: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ النساء ١٦٨: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ وفي المعنوي كذلك، تأتي طريقة وطرائق في آيات: طه ١٠٤: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ الجن ١١: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ الجن ١٦: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ ولاختصاص فجاج، بالطرق الحسية، جاءت: ﴿فِجَاجًا سُبُلًا﴾ ﴿سُبُلًا فِجَاجًا﴾ ولم تأت سبل مع طرائق وطريق وطريقة إذ يغلب استعمالها بدلالة مجازية معنوية للمسلك محموداً أو مذموماً، استعارة من الطريق المطروق، كما قال "الراغب" والله أعلم. * * *

стр. 482

١٢٦ - ﴿الْحُبُكِ﴾ قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ قال: الطرائق. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول زهير ابن أبي سلمى: مُكَلَّلٌ بأصولِ النجم تَنْنسِجُهُ. . . ريحُ الشمال لضاحى مائِه حُبُكُ (ظ في الروايتين، طب) وفي (تق، ك) : ذات طرائق والخَلْق الحسن. وشاهده قول زهير: هم يضربون حَبِيكَ البَيْض إذ لحقوا. . . لا ينكصون إذا ما إذا ما استُلحمِوا وحَموا = الكلمة من آية الذرايات ٧: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ وحيدة يف القرآن، مادة وصيغة. الحبك في شرح الديوان، طرائق الماء، الواحد حبيك. وعلى هامشه: والذي في كتب اللغة أن مفرد الحبُك حِبَاك، ككتب وكتاب. والنقل من (ق) . في (معاني القرآن) قال الفراء: وواحد الحبك حِباك وحبيكة أيضاً. وقاله الزمخشري في (س) وأبو حيان في (البحر) والجوهري في (ص) ولفظه: الحبيكة والحباك الطريقة في الرمل. وجمع الحبُك حِباك، وجمع الحبيكة حبيك وحبائك وجبك كسفينة وسفين وسفائن وسفن.

стр. 483

وهي عندهم الطرائق، في الرمل، إذا مرت به الريح الساكنة فتكسر، والماء كذلك وطرائق النجوم، والدرع محبوكة لأن حلقها مطرق طرائق، والمحبوك الشديد الخلق من فرس وغيره والمجعد من خُصل الشعر ومن العُرَى. وسبق النظر في طريق وطرائق، في المسألة ١٢٥ ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ وقال الراغب في الحبك: الطرائق فمن الناس من تصور أنها الطرائق المحسوسة بالنجوم والمجرة. ومنهم من اعتبر ذلك بما فيها من الطرائق المعقولة المدركة بالبصيرة. وأصله من قولهم: محبوك العرُى أي محكمُه. والاحتباك شدّ الإزار (المفردات) . فاويلها في المسألة بالطرائق، والخلق الحسن، لا يفيد دلالة الإحكام الملحوظة في الحبْك. * * * ١٢٧ - ﴿حَرَضًا﴾ قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قال: الحرض البالي. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم أما سمعت طرفة حيث يقول: أمِنْ ذِكْرِ ليلى أنْ نأتْ غربةُ النوَى. . . كأنك حَمَّ للأطباء مُحرَضُ (ظ) في الروايتين وفي (وق) : الفاسد الدنف، وفي (طب) : البالي. والشاهد فيها بيت طرفة. وفي (تق ك) : الحرض الدنف الهالك من شدة الوجع. والشاهد فيهما بيت طرفة، غير منسوب.

стр. 484

= الكلمة من آية يوسف ٨٥، في أبيه ﵉، وإخوته: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ وحيدة الصيغة، وليس معها في القرآن من مادتها سوى فعل الأمر "حَرَّضْ" المؤمنين على القتال في آيتى الأنفال ٨٥، والنساء ٨٤. يقال: حَرَضٌ، للمذكر والمؤنث، الواحد والاثنين والجمع، وصف بالمصدر. ويقال حارض وحارضة فيثنى ويجمع. وهو الفاسد في جسمه أو عقله (معاني القرآن للفراء ٢ / ٥٤) وعن أبي عبيدة: الحرض الفاسد في الجسم، أو العقل من الحزن أو العشق أو الهرم. وفي (تهذيب الألفاظ) : الحارض: الرذل الفسل الذاهب العقلي، والحرض الذي لا يُرجَى خيره ولا يخاف منه. وفي (س) المنُهك المشفي على المهلاك. ومعه في (ق) الكالّ المعيِى، والمضنىّ مرضاً وسقماً. . . وفي (المقاييس) لمادة حرض أصلان. أحدهما بنت - الأشنان، وإلا حريص العصفر، والآخر دليل التلف والإشراف على الهلاك، ومنه ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ . واوله آخرون بالتالف الدنف من المرض وهو دون الموت، عن ابن عباس ومجاهد. وقيل اليابس الجلد على العظم، والذائب من الهم. (الطبري والقرطبي) وهي معان متقاربة، وفي قولٍ: هالكا، وليس السياق. وفسره الراغب بنحو ما نقلناه عن ابن السكيت والزمخشري. تأويله في المسألة بالبالي، لا يفيد دلالة من أذابه الهم وأضناه الأسف والحزن. وتأويله بالهالك، يمنعه سياق الآية ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ فالأقرب إلى حرض، المشفي على الهلاك. والله أعلم. * * * ١٢٨ - ﴿يَدُعُّ﴾ وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾

стр. 485

فقال ابن عباس: يدفعه عن حقه. واستشهد بقول أبي طالب: يُقسَّمُ حقاً لليتيم ولم يكن. . . يَدُعُّ لدى أيسارِهن الأصاغوا (تق، ك، ط) = الكلمة من آية الماعون ٢: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ معها في القرآن من مادتها آية الطور ١٣ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ في (مقاييس اللغة) : الدال والعين أضل واحد منقاس مطرد، وهو يدل على حركة ودفع واضطراب. ومعنى ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ عند الفراء كالذي في المسألة: يدفعه عن حقه ويظلمه، (٣ / ٢٦٤) وهو أحد الأقوال في تأويلها عند الطبري، ومعه: يقهره، ويدفعه. وفسر ابن الأثير الدفع بالطرد. ولعل القهر والدفع بقسوة وجفوة. أولى من تأويلها في المسألة بدفعه عن حقه، ونستأنس لها بآية الطور: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ولاحق فيها للمكذبين يُدَعُّون عنه ويدفعون، وإنما الدعُّ سَزْقٌ بقهرٍ ونهرٍ وغلظة ودع اليتيم، قد يكون مع عدم دفعه عن حقه وظلمه، وقد يتصور بعض الناس أنهم إذا أدوا لليتيم حقه وماله، فليس عليهم وراء ذلك أن ينهروه ويصدوه في جفاء وقسوة وغلظة. وفي (الأساس) : دع اليتيم دفعه بجفوة. اللهم لا أن يدخل في حقه، على تأويلها بالدفع عنه، ما أمر به الله تعالى ورسوله ﵊ من إكرام اليتيم والرفق به والمرحمة، وأنه تعالى جعل

стр. 486

دعَّ اليتيم في الآية تكذيباً بالدين. وفيما مَنَّ به الله تعالى على نبيه المصطفى ﵊: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ صدق الله العظيم. * * * ١٢٩ - ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ فقال ابن عباس: منصدع من خوغ يوم القيامة. واستشهد بقول الشاعر: طبَاهنَّ حتى أعوصّ الليل دونَها. . . أفاطير وَسْمِىَّ رواءٍ جذورهُا (تق، ك، ط) = الكلمة من آية المزمل ١٨: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ وحيدة الصيغة في القرآن، ومعها الفعل الماضي في آية الانفطار: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ومن المادة، جاء الفعل الثلاثي ماضياً ثماني مرات، الإسناد فيخا جميعاً سبحانه الذي "فطر" السموات والأرض، وفطرني وفطرنا وفطركم أول مرة. كما جاء اسن الفاعل ست مرات لله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومعها ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ . و"فُطور" في آية الملك ٣: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ و ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ في آيتى مريم ٩٠، والشورى ٥. في معنى آية المزمل، قال الفراء: منفطر به بذلك اليوم. والسماء تذكر وتؤنث، فهي ها هنا على وجه التذكير (٣ / ١٩٩) . وفي المجاز لأبي عبيدة، قال: جعُلت السماء بدلا من السقف، بمنزلة تذكير سماء

стр. 487

البيت (١ / ١٥) ونحوه عن أبي عمرو بن العلاء، والكسائي، حكاه أبو حيان والقرطبي في تفسير الآية. مع خلاصة لأقوال علماء اللغة في توجيه التذكير. وجاءت في القرآن على وجه التأنيث، في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ وفسر البخاري "منفطر به"، بمثقلة به. ذكر ابن حجر تخريجه عن الحسن قال: مثقلة به يوم القيامة، وبلفظ: مثقلة موقرة، كذلك (فتح الباري ٨ / ٤٧٨) . وفي تأويل الطبري: السماء مثقلة بذلك اليوم متصدعة مضققة وأسند عنه ابن عباس قال: يعني تشقق السماء حين ينزل الرحمن يوم القيامة. وعنه أيضاً: ممتلئة به، بلسان الحبشة. ورده الراغب إلى: أصل الفطر الشق طولاًَ، يقال فطر فلان كذا فكورا وانفطر "من فطور" من اختلال. وذلك على سبيل الفساد. وقد يكون على سبيل الصلاح، قال تعال ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ (المفردات) . وأسند ابن الأنباري، في غير المسائل، من طريق مجاهد عن ابن عباس، قال: ما كنت أدري ما ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى أتاني أعهرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، أنا ابتدأتها. (الوقف، فقرة ١٠٩) . وفي القرآن الكريم، لا يأتي (فطر، وفاطر) إلا بدلالة إسلامية، لله فاطر السموات والأرض، والفطرة الخلقة الأصلية التي فطر الله الناس عليها. ومن استعمال المادة في العربية: فطر الناب، ورءوس العنب عن تشقق، ومنه: تفطرت قدماه إذا تشققت. والإفطار لوجبة الصباح. تكسر جوعَ الليل، وانتقل إلى إفطار الصائم وزكاة الفطر. والفطور خلل، منظور فيه إلى الأصل في التصدع، وهو واضح في انفطار السماء وتفطر السموات والأرض. والضمير في ﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ الله عند من تأولوه بذلك، وليوم القيامة على التأويل الأرجح. وإسناد النفطار والتفطر إلى السماء والأرض، هو من الإسناد المجازي الدال على طواعية تلقائية كأنه يستغنى بها عن فاعل، ونظيره في آيات القيامة: ﴿إِذَا

стр. 488

السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ وقد مضى النظر فيها في مباحث الإعجاز. * * * ١٣٠ - ﴿يُوزَعُونَ﴾ وسأله عن معنى قوله تعالى: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ قال: يحبُس أولهم على آخرهم حتى تنام الطير، وشاهده قول الشاعر: وزَعْتُ رَعِيلَها بِأقَبَّ نَهْدٍ. . . إذا ما القومُ شدُّوا بعد خمسّ (تق، ك، ط) = الكلمة من آيات: النمل ١٧: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ النمل ٨٣: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ فصلت ١٩: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ وليس في القرآن من المادة، غير هذا الفعل المضارع مبنياً للمجهولين في الآيات الثلاث. ومعها فعل الأمر في آيتى النمل ١٩ والأحقاف ١٥: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ الوزع عند أهل اللغة: الكف والمنع. وأوزعه بالشيء أغراه به، قال الفراء في معنى آية الصافات، والجوهري والزمخشري في (ص، س) "وقال بعض أهل اللغة: أوزعت حرف من الأضداد، يقال أوزعت الرجل إذا أغربته بالشيء، وإذا نهيته وحبسته عنه ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ والصحيح عندنا أن يكون أوزعت بمعنى أمرت وأغريت، ووزعت بمعنى حبست. والدليل عليه قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ (الأضداد ٨٣ / ١٣٩) .

стр. 489

قال أبو حاتم السجستاني: وقالوا، زعموا: أوزعني به أولعنى به، وهذا معروف. وقالوا: أوزعته نهيته وكففته، وقال تعالى: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ ، أي يُكفون ويمُنعون. قال أبو حاتم: لا علم لي بهذا، وهو قرآن فلا أقدم عليه. ولكن يقال: وزعته نهيته وكففته. ومنه قيل: يوزعون. ومنه وزَعَةُ السلطانِ الذين يكفون عنه الناس. وفي الحديث "لابد للسلطان من وزَعةُ" وقال الذبياني: على حين عاتبت المشيبَ على الصبا. . . وقلتُ أَلَمَّا تَصْحُ والشيبُ وازعُ (الأضداد: أوزع) . والمعنيان في: وزع، كف ومنع، وأوزعه أغرى. في (ص، س) والنهاية لابن الأثير. وفي (المقاييس) : وزعتُه عن الأمر: كففتُه، قال الله سبحانه: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ اي يُحبس أزلهم على آخرهم. وجمع الوازع وَزَعةَ. تأويلها في المسألة بحبس أولهم على آخرهم حتى تنام الطير، لا يبدو وجه قيد الإيزاع بنوم الطير الذي في معاني القرآن للفراء: وجاء في التفسير يُحبَسُ أوَّلُهم على آخرهم حتى يدخلوا النار، وأسنده الطبري عن ابن عباس، وعنه أيضاً: يجعل على كل صنف من يرد أولاها على أخراها لئلا يتقدموا كما تصنع الملوك. وعن قتادة: يرد أزلهم على آخرهم. واختاره الطبري لأن الوازع في كلام العرب هو الكافّ. يقال منه: وزع فلاناً عن الظلم إذا كفه عنه. وإنما قيل للذين يدفعون الناس عن الأمراء: وزَعة، لكفهم إياهم عنهم. وفسر الر اغب الوزع بالكف. على سبيل القمع في آية النمل ١٧، وعلى سيبل العقوبة فيمن يُدَعّون إلى جهنم في آيتى النمل ٨٢ وفصلت ١٩، وقيل الوزع الولوع. ومنه ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ معناه ألهمني. وتحقيقه: أولعني بذلك واجعلني بحيث أزع نفسي عن الكفران (المفردات) . والكلمة المسئول عنها مبنية للمجهولين، مما يؤنس إلى دلالة السوق إلى المحشر

стр. 490

وعلى وجه الدع والقسر والإرغام. والله أعلم. ولعل أصل المعنى في اللغة: الدفع والسَّوق قسراً، فالموزَع مساق بإرادة غيره. ويأخذ الدفعُ صفة الإرغام فيمن يوزعون إلى المحشر، ويأخذ صفة الحمل والتوجيه في الدعاء. ومن ملحظ التشتت والحيرة والبعثرة في سوق الجمع قسرا، جاء معنى التفرق في الأوزاع. * * * ١٣١ - ﴿خَبَتْ﴾ وسأله نافع عن قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ فقال ابن عباس: الخبوُّ الذي يطفأ مرة ويُسعر أخرى. واستشهد له بقول الشاعر: والنار تخبو عن آذانهم. . . وأضريها إذا ابتردوا سعيرا (تق، ك، ط) = الكلمة من آية الإسراء ٩٧: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ وحيدة في القرآن صيغة ومادة. تأويلها في المسألة بالانطفاء مرة والسعير أخرى. قد يفهم منه أن سياق الخبو فتور حِدة اللهب وانطفاء وهجه، مع القابلية للتسعير المستمر. وهو صريح فيما اسنده الطبري عن ابن عباس، قال: كلما أحرقتهم تسعر بهم حطبا فإذا أحرقتهم

стр. 491

فلم تُبق منهم شيئاً صارت جمرات تتوهج. فذلك خبوها. وفسرها "الراغب" بسكون لهبها، كأنه صار عليها خباء من رماد، أي غشاء. وهو قريب من قول الزمخشري في الأساس: "ومن المجاز: وخبا لهبه إذا سكن أوار غضبه. والحب في خبائه، وهو غشاوة من السنبلة. واحترز القرطبي فقال: وسكون التهابها من غير نقصان في آلامهم ولا تخفيف عنهم من عذابهم. * * * ١٣٢ - ﴿الْمُهْلِ﴾ وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ فقال ابن عباس: كدُرْدِى الزيت. ولما سأل نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: تبارى بها العِيسُ السمومَ كأنها. . . تبطنتِ الأقرابَ من عرقٍ مُهْلا (تق،) زاد في (ك، ط) : وسواد العرق من خوف يوم القيامة. = الكلمة من آيات ثلاث: الكهف ٢٩: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ الدخان ٤٥: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ المعارج ٨: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾

стр. 492

ومن المادة، جاء فعل الأمر من التمهيل والإمهال في آيتى المنزمل ١١ والطارق ١٧. من معاني المُهْلَ في اللغة: القطران الرقسق. وما ذاب من صفر أو حديد، والزيت أو دُردية أو رقيقة، وما يتحاتّ من الرماد، والجمر والسم والقيح وصديد الميت. والمهل، بالفتح، التؤدة والسكينة والرفق. وأمهله ترفق به، ومهَّله: أجَّله. وتمهل اتأد (ص، ق، س) فلعل المهل في الأصل لذوب المعدن المنصهر - ذكره ابن فارس في المقاييس بلفظ: وقالوا هو النحاس الذائب - لحُظ فيه بطءُ الانصهار فجاء المهل بمعنى التؤدة والبطء، والإمهال بمعنى الإرجاء والتأخير، والتمهيل بمعنى الصبر على من تُمهله. وبملحظ من توقد الانصهار قيل للجمر مهل، ونقل إلى كل سائل كريه مؤذ، كدردى الزيت والقيح وصديد الميت. وروى الطبري من اختلاف أهل التأويل في المهل: أنه كل شيء أذيب وانماع. وقيل هو القيح والدم الأسود، عن مجاهد. وعن ابن عباس: أسود كهيئة الزيت. وعنه أيضاً: هو ماء غليظ مثل دردى الزيت. وفسره الراغب كذلك بدردى الزيت. وعند الطبري: "أن هذه الأقوال وإن اختلفت ألفاظ قائليها فمتقاربات المعنى" والله أعلم. * * * ١٣٣ - ﴿وَبِيل﴾ وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾ فقال ابن عباس: شديداًَ ليس له ملجأ. واستشهد له بقول الشاعر: أخِزْىُ الحياةِ وخِزْىُ الَممأتِ. . . وكُلاَّ أراه طعاماً وَبِيلاَ = الكلمة من آية المزمل ١٦: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾

стр. 493

وحيدة الصيغة في القرآن. ومن مادتها، جاء ﴿وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ في آية المائدة ٩٥، ﴿وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ في آية الحشر ١٥، ﴿وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ في آية الطلاق ٩. وجاء "وابل" ثلاث مرات في آيتى البقرة ٢٦٤، ٢٦٥. في تفسير البخاري: قال ابن عباس: وبيلا شديدا. وفي فتح الباري: وقال أبو عبيدة مثله. وحكاه القرطبي كذلك عن ابن عباس. وقال الزجاج: ثقيلا غليطا. وقيل: مهلكا (سورة المزمل) . وردّه "الراغب" إلى معنى الثقل في المطر الوابل والوبل، ولمراعاة الثقل قيل للأمر الذي يُخاف ضرره: وبال، ويقال طعام وبيل وكلأ وبيل، يخاف وباله، قال تعالى: ﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾ (المفردات) وقال ابن الأثير: الوبال في الأصل الثقل والمكروه، وفي حديث "فاستوبَلوا المدينة" أي استوخموها ولم توافق أبدانهم. ويقال أرض وبلة، أي وبئة وخمة. وفي (المقاييس) : الواو والباء واللام أصل يدل على شدة في شيء وتجمع (وبل ٦ / ٨٢) . قد نرى أن العربية خالفت بين الصيغ لفروق في الدلالات، فجعلت الوابل للثقل الشديد التدفق والانهمار، وأكثر ما يختص به المطر. وجعلت الوبال للويل وثقل العذاب، وجعلت الوبل للوبئ الوخيم، والوبيل للادح المهلك. * * * ١٣٤ - ﴿نَقَّبُوا﴾ وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾ فقال ابن عباس: هربوا، بلغة اليمن. واستشهد بقول عدى بن زيد:

стр. 494

نقبوا في البلاد من حذر المو. . . ت وجالوا في الأرض أي مجالِ (تق، ك، ط) = الكلمة من آية (ق) ٣٦: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ وحيدة الصيغة في مادتها. وجاء النقب في آية الكهف ٩٧، في خبر ذي القرنين: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ونقيب في آية المائدة ١٢: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ القراءة ﴿فَنَقَّبُوا﴾ قراءة الأئمة السبعة. معناها عند الفراء: خرقوا البلاد فساروا فيها فهل كان لهم من الموت محيص؟ (٣ / ٧٩) وعن النضر بن شميل: دوّروا. وفي (س) : ساروا. وفي تأويل الطبري: فخربوا في البلاد فساروا فيها فطافوا وتوغلوا إلى الأقاصي منها. وفي تفسير القرطبي: ساروا فيها طلبا للمهرب وقيل: اثروا، عن ابن عباس. وقال مجاهد: ضربوا وطافوا، وقال قتادة طوّفوا، وقال المؤرج - السدوسى - تباعدوا. وقال أبو حيان: أي دخلوا البلاد من أنقابها، والمعنى طافوا في البلاد. وقيل: نقروا وبحثوا. والتنقيب والبحث. وقال الراغب: النقب في الحائط والجلد كالثقب. . . ونقب القوم ساروا (المفردات) . ودلالة البحث والتنقير - بفتح الشيء كما في المقاييس - أصل في المادة وقد يجمع

стр. 495

بين الأقوال المتعددة في تأويل الكلمة أنهم ساروا في البلاد وطافوا بالآفاق وتباعدوا بحثا عن محيص من الموت ومنجي من الهلاك وهيهات. ولحظ أبو حيان أن تنقيبهم في البلاد متسبب عن شدة بطشهم، أقدرتهم على التنقيب وقوّتهم عليه. ونَظَّرَ لها الفراء والطبري بقوله تعالى في سورة محمد ﵊: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ صدق الله العظيم. * * * ١٣٥ - ﴿هَمْسًا﴾ قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ قال: الهمس خفي الأقدام. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت بقول أبي زُبَيد الطائي: فباتوا ساكنين وبات يسرى. . . بصير بالدُّجى هادٍ هموسُ (ظ، في الروايتين) وفي (تق، ك، ط) قلا: الوطء الخفي والكلام الخفي، وشاهده بيت أبي زبيد غير منسوب. = الكلمة من آية طه ١٠٨: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ وحيدة في القرآن صيغة ومادة. في معناها عند الفراء: يقال: نقل الأقدام إلى المحشر ويقال إنه الصوت الخفي
следующие страницы →