Полный текст (584 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
فلم تُبق منهم شيئاً صارت جمرات تتوهج. فذلك خبوها.
وفسرها "الراغب" بسكون لهبها، كأنه صار عليها خباء من رماد، أي غشاء. وهو قريب من قول الزمخشري في الأساس: "ومن المجاز: وخبا لهبه إذا سكن أوار غضبه. والحب في خبائه، وهو غشاوة من السنبلة. واحترز القرطبي فقال: وسكون التهابها من غير نقصان في آلامهم ولا تخفيف عنهم من عذابهم.
* * *
١٣٢ - ﴿الْمُهْلِ﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿كَالْمُهْلِ﴾
فقال ابن عباس: كدُرْدِى الزيت. ولما سأل نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:
تبارى بها العِيسُ السمومَ كأنها. . . تبطنتِ الأقرابَ من عرقٍ مُهْلا
(تق،) زاد في (ك، ط) : وسواد العرق من خوف يوم القيامة.
= الكلمة من آيات ثلاث:
الكهف ٢٩: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾
الدخان ٤٥: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾
المعارج ٨: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾
стр. 492
ومن المادة، جاء فعل الأمر من التمهيل والإمهال في آيتى المنزمل ١١ والطارق ١٧.
من معاني المُهْلَ في اللغة: القطران الرقسق. وما ذاب من صفر أو حديد، والزيت أو دُردية أو رقيقة، وما يتحاتّ من الرماد، والجمر والسم والقيح وصديد الميت. والمهل، بالفتح، التؤدة والسكينة والرفق. وأمهله ترفق به، ومهَّله: أجَّله.
وتمهل اتأد (ص، ق، س) فلعل المهل في الأصل لذوب المعدن المنصهر - ذكره ابن فارس في المقاييس بلفظ: وقالوا هو النحاس الذائب - لحُظ فيه بطءُ الانصهار فجاء المهل بمعنى التؤدة والبطء، والإمهال بمعنى الإرجاء والتأخير، والتمهيل بمعنى الصبر على من تُمهله. وبملحظ من توقد الانصهار قيل للجمر مهل، ونقل إلى كل سائل كريه مؤذ، كدردى الزيت والقيح وصديد الميت.
وروى الطبري من اختلاف أهل التأويل في المهل: أنه كل شيء أذيب وانماع. وقيل هو القيح والدم الأسود، عن مجاهد. وعن ابن عباس: أسود كهيئة الزيت. وعنه أيضاً: هو ماء غليظ مثل دردى الزيت. وفسره الراغب كذلك بدردى الزيت.
وعند الطبري: "أن هذه الأقوال وإن اختلفت ألفاظ قائليها فمتقاربات المعنى"
والله أعلم.
* * *
١٣٣ - ﴿وَبِيل﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾
فقال ابن عباس: شديداًَ ليس له ملجأ. واستشهد له بقول الشاعر:
أخِزْىُ الحياةِ وخِزْىُ الَممأتِ. . . وكُلاَّ أراه طعاماً وَبِيلاَ
= الكلمة من آية المزمل ١٦:
﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾
стр. 493
وحيدة الصيغة في القرآن.
ومن مادتها، جاء ﴿وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ في آية المائدة ٩٥، ﴿وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ في آية الحشر ١٥، ﴿وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ في آية الطلاق ٩.
وجاء "وابل" ثلاث مرات في آيتى البقرة ٢٦٤، ٢٦٥.
في تفسير البخاري: قال ابن عباس: وبيلا شديدا. وفي فتح الباري: وقال أبو عبيدة مثله. وحكاه القرطبي كذلك عن ابن عباس. وقال الزجاج: ثقيلا غليطا. وقيل: مهلكا (سورة المزمل) .
وردّه "الراغب" إلى معنى الثقل في المطر الوابل والوبل، ولمراعاة الثقل قيل للأمر الذي يُخاف ضرره: وبال، ويقال طعام وبيل وكلأ وبيل، يخاف وباله، قال تعالى: ﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾ (المفردات)
وقال ابن الأثير: الوبال في الأصل الثقل والمكروه، وفي حديث "فاستوبَلوا المدينة" أي استوخموها ولم توافق أبدانهم. ويقال أرض وبلة، أي وبئة وخمة. وفي (المقاييس) : الواو والباء واللام أصل يدل على شدة في شيء وتجمع (وبل ٦ / ٨٢) .
قد نرى أن العربية خالفت بين الصيغ لفروق في الدلالات، فجعلت الوابل للثقل الشديد التدفق والانهمار، وأكثر ما يختص به المطر. وجعلت الوبال للويل وثقل العذاب، وجعلت الوبل للوبئ الوخيم، والوبيل للادح المهلك.
* * *
١٣٤ - ﴿نَقَّبُوا﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾
فقال ابن عباس: هربوا، بلغة اليمن. واستشهد بقول عدى بن زيد:
стр. 494
نقبوا في البلاد من حذر المو. . . ت وجالوا في الأرض أي مجالِ
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية (ق) ٣٦:
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾
وحيدة الصيغة في مادتها.
وجاء النقب في آية الكهف ٩٧، في خبر ذي القرنين:
﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾
ونقيب في آية المائدة ١٢:
﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾
القراءة ﴿فَنَقَّبُوا﴾ قراءة الأئمة السبعة.
معناها عند الفراء: خرقوا البلاد فساروا فيها فهل كان لهم من الموت محيص؟ (٣ / ٧٩)
وعن النضر بن شميل: دوّروا. وفي (س) : ساروا.
وفي تأويل الطبري: فخربوا في البلاد فساروا فيها فطافوا وتوغلوا إلى الأقاصي منها. وفي تفسير القرطبي: ساروا فيها طلبا للمهرب وقيل: اثروا، عن ابن عباس. وقال مجاهد: ضربوا وطافوا، وقال قتادة طوّفوا، وقال المؤرج - السدوسى - تباعدوا.
وقال أبو حيان: أي دخلوا البلاد من أنقابها، والمعنى طافوا في البلاد. وقيل: نقروا وبحثوا. والتنقيب والبحث. وقال الراغب: النقب في الحائط والجلد كالثقب. . . ونقب القوم ساروا (المفردات) .
ودلالة البحث والتنقير - بفتح الشيء كما في المقاييس - أصل في المادة وقد يجمع
стр. 495
بين الأقوال المتعددة في تأويل الكلمة أنهم ساروا في البلاد وطافوا بالآفاق وتباعدوا بحثا عن محيص من الموت ومنجي من الهلاك وهيهات. ولحظ أبو حيان أن تنقيبهم في البلاد متسبب عن شدة بطشهم، أقدرتهم على التنقيب وقوّتهم عليه. ونَظَّرَ لها الفراء والطبري بقوله تعالى في سورة محمد ﵊:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ صدق الله العظيم.
* * *
١٣٥ - ﴿هَمْسًا﴾
قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾
قال: الهمس خفي الأقدام. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال:
نعم، أما سمعت بقول أبي زُبَيد الطائي:
فباتوا ساكنين وبات يسرى. . . بصير بالدُّجى هادٍ هموسُ
(ظ، في الروايتين) وفي (تق، ك، ط) قلا: الوطء الخفي والكلام الخفي، وشاهده بيت أبي زبيد غير منسوب.
= الكلمة من آية طه ١٠٨:
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾
وحيدة في القرآن صيغة ومادة.
في معناها عند الفراء: يقال: نقل الأقدام إلى المحشر ويقال إنه الصوت الخفي
стр. 496
وذكر عن ابن عباس أنه تمثل بقول الراجز: * وهن يمشين بنا هميسا * فهذا صوت أخفاف الإبل في سيرها (المعاني: سورة طه) .
وبناء (هـ م س) أصله الخفاء كيفما تصرف. ومنه الحروف المهموسة. قال القرطبي. وفي تأويل الطبري أنه وطء الأقدام إلى المحشر، وأصله الصوت الخفي. وأسند عن ابن عباس قال: يعني همس الأقدام وهو الوطء، وعنه: الصوت الخفي.
ولا يخرج عن هذين القولين، جمهرة أهل التأويل وهو قول الر اغب: الصوت الخفي وهمس الأقدام أخفى ما يكون من صوتها. وذكر الآية. وقال ابن الأثير في حديث: (فجعل بعضنا يهمس إلى بعض) : اي بالكلام الخفي لا يكاد يسمع.
والهموس في الشاهد، من خفى وطء الأقدام. ولعله في الآية. والله أعلم، أقرب إلى أن يكون من همس الأصوات خشوعاً وهيبة، بصريح قوله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ صدق الله العظيم.
* * *
١٣٦ - ﴿مُقْمَحُونَ﴾
وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿مُقْمَحُونَ﴾
فقال ابن عباس: المقمح الشامخ بأنفه المنكس رأسه. ولما سأله ابن الأزرق: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:
ونحنُ علىَ جَوانِبِها قُعُودً. . . نَغضُّ الطَّرفَ كَالإبلِ القِمَاحِ
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية يس ٨:
стр. 497
﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾
وحيدة في القرآن صيغة ومادة.
قال الأصمعي: والقوامح التي ترفع رءوسها عن الماء فلا تشرب، قال بشر يذكر سفينة وركبانها: ونحن على جوانبها * البيت. ويقال للشهرين اللذين يشتد فيهما البرد شهرا قماح، لأن الإبل تقامح فيهما، أي تكره شرب الماء من شدة البرد. (الأضداد: قمح) . وخصه ابن فارس أصلاً بصفة تكون عند شرب الماء، وهو أن يرفع رأسه، فهو القامح، من إبلٍ قماح (المقاييس) .
وفي (س) : وقمح البعير عن الماء وقامَحَ، إذا رفع رأسه عنه لا يشربه لعيافة أو لبرد الماء أو لبعض العلل. . . ومنه شهراً قماح. قال بشر بن أبي خازم البيت. ومن المجاز: أُمح المغلول فهو مقمح إذا لم يتركه عمودُ الغُل الذي ينخس ذقنه أن يطأطىّ رأسة ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ نقله الشيخ نصر الهوريني في حاشيته على (ق) ونقل معه من قول الأزهري: "وأراد أن أيديهم لما غُلّت عند أعناقهم رَفعت الأغلالُ أذقانَهم ورءوسهَم صُعُدا كالإبل القماح الرافعة رءوسها" اهـ.
والمقمح في تأويل الطبري، هو المقنع، وهو أن يحدر الذقن حتى يصيره في الصدر ثم يرفع رأسه في قول بعض أهل العلم بكلام العرب من البصريين. وفي قول بعض الكوفيين: هو الغاض بصره بعد رفع رأسه..
وقال الراغب: الإقماح من أخذ القمح ورافع رأسه لسفَّه. ثم يقال لرفع الرأس كيفما كان: قمح. قمح البعير رأسه، وأقمحتُ البعيرَ شددت رأسه إلى خلف. وقوله تعالى: ﴿مُقْمَحُونَ﴾ تشبيه بذلك ومَثَلٌ لهم وقصد إلى وصفهم بالتأبي عن الانقياد للحق وعن الإذعان لقبول الرشد. . . وقيل: إشارة إلى حالهم في القيامة إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل (المفردات) .
قد نرى أن تأويل المقمح في المسألة بالشامخ لأنفه المنكس رأسه يحتاج شموخ
стр. 498
الأنف فيه إلى قيدِ بالأغلال. أو لعل وجه الاحتراز فيه أنه الشامخ الأنف المنكس رأسه. والله أعلم.
* * *
١٣٧ - ﴿مَرِيجٍ﴾
وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾
فقال ابن عباس: المريج الباطل. ولما سأله ابن الأزرق: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:
فراغَتْ فالتمستُ بها حَشَاها. . . فخَرَّ كأنه خُوطٌ مريج
(تق) وفي (ك، ط) :
قال: المريج الباطل الفاسد
= الكلمة من آية (ق) ٥:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾
وحيدة الصيغة. ومن مادتها حاء:
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ في الفرقان ٥٣، والرحمن ١٩.
﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ في الرحمن ١٥.
و ﴿الْمَرْجَانُ﴾ مع اللؤلؤ في الرحمن ٢٢، ومع الياقوت في الرحمن ٥٨.
تأويلها في المسألة بالباطل، نحو قول الفراء في معناها: في ضلال. وفي تأويل الطبري: فهم في أمر مختلط عليهم ملتبس لا يعرفون حقه من باطله، وقد مرج أمر الناس إذا اختلط وأهمل. ثم أسند عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى:
стр. 499
﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ فقال: المريج المنكر، أما سمعت قول الشاعر: * فجالت والتمست به حشاها * البيت. وقال آخرون: بل معناه في أمر مختلف، وقيل في أمر ضلالة، وقيل في أمر ملتبس عليهم.
وكلمة الباطل جاءت في القرآن ستا وعشرين مرة نقضياً للحق. كما جاء الفعل منها خمس مرات واسم الفاعل المبطلون خمس مرات كذلك، للضالين المفسدين الخاسرين.
وليس في سياقها ما في ﴿مَرِيجٍ﴾ من دلالة يؤنس إليها قوله تعالى في آيتى الفرقان والرحمن: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ بما يفيد المرج من معنى الاختلاط.
وقد ذكر "الراغب" الخلط أصلاً لمعنى المرج، وفسر ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ بمختلط، و ﴿مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ اي لهب مختلط، وأمرجت الجابة في المدعى: أرسلتها فيه (المفردات) .
وكذلك فسر ابن الأثير المرج بالخلط، وذكر في ﴿مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ لهبها المختلط بسوادها، والمرج الأرض الواسعة ذات النبات تمرج فيه الدواب، أي تُخلى تسرح مختلطة كيف شاءت (النهاية) .
ودلالة الاختلاط والاضطراب أصل في المادة كيفما تصرفت (مقاييس اللغة: مرج ٥ / ٣١٥) ومنه في المعنوي الالتباس المفضي إلى ضلال. والله أعلم.
فإذا كان تفسير ابن عباس لكلمة ﴿مَرِيجٍ﴾ بالباطل، من قبيل التقريب فليس يفوتنا في الكلمة حسُّ الاختلاط والاضطراب من ارتباب الذين اختلط عليه أمر الحق لما جاءهم فكذبوا وضلوا وزغوا عن الحق. والله أعلم.
* * *
١٣٨ - ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ما الحتم؟
فقال ابن عباس: الحتم الواجب، واستشهد بقول أمية:
стр. 500
عبادُك يخطئون وأنا ربُّ. . . بِكَفَّيْكَ المنايا والحتوم
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية مريم ٧١:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾
وحيدة في القرآن، صيغة ومادة.
في تأويل الطبري: قضاء مقضيا.
وقيل قسما واجباً. وقال القرطبي: الحتم إيجاب القضاء
وفسرها ابن الأثير كذلك، باللازم الواجب الذي لابد من فعله، (النهاية) .
وذهب ابن فارس، بأكثر ظنَّ، إلى أن الحتم من إبدال التاء من الكاف، لما فيه من إحكام الشيء (المقاييس ٢ / ١٣٤) .
والأقوال في تأويل الكلمة في الآية، متقاربة. وفي الوجوب، ملحظ من دلالة اللفظ على القطع والحسم، وقد استعملته العربية في القضاء وإيجابه، والحاتم: القاضي، كما استعملته في القضاء المحتوم، وسمَّت غراب البين حاتماً لنذيره بحتم الفراق. ثم لا يبلغ تأويل الكلمة القرآنية بأي قول فيها، ما يعيطه صريح نصها في إيجابه ﴿عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ . والله أعلم.
* * *
١٣٩ - ﴿أَكْوَابٍ﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿وَأَكْوَابٍ﴾
قال ابن عباس: القِلال التي لا عُرَا لها. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت قول الهذلى:
стр. 501
فلم ينطق الديكُ حتى ملأتُ. . . كوبَ الدَّنانِ له فاستدارا
(تق، ك، ط)
= الكلمة جاءت أربع مرات بآيات:
الزخرف ٧١: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾
الإنسان ١٥: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾
الغاشية ١٤: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾
الواقعة ١٨: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾
كلها في سياق البيان لنعيم أهل الجنة. واحدُها: كوب.
الأقوال فيها متقاربة عند أهل اللغة وأهل التأويل، وإن زاد بعضهم في وصفها فقال الفراء في آية الزخرف: الكوب المستدير الرأس الذي لا أذن له. ونحوه في تأويل الطبري، وأسند عن الضحاك أنها: جرار ليست لها عُرى وهي بالنبطية كوبا. وعن ابن عباس: الجرار من فضة.
وفسرها "الراغب" كذلك، بالقدح لا عروة له، وذكر معه الكوبة، الطبل الذي يُلعب به. ومثله في (ق) .
ويبدو من شواهدهم لها، أنها أكواب الخمر. واقتصر في (س) على قولهم: "لا يزال معه كوب خمر"
ثم لا يفوتنا أن أكوابا لم تأت إلا في آيات نعيم الجنة.
* * *
стр. 502
١٤٠ - ﴿يُنْزَفُونَ﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾
فقال ابن عباس: لا يسكرون. أما سمعت قول "عبد الله بن رواحة":
ثم لا ينُزَفون عنها ولكنْ. . . يَذهبُ الهمُّ عنهم والغليلُ
(نق) زاد في (ك، ط) إذا شربوا الخمر في الجنة.
= الكلمة من آية الصافات ٤٧، في خمر الجنة: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ ومعها آية الراقعة ١٩، في السياق نفسه:
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾
﴿يُنْزِفُونَ﴾ في ىية الصافات، قرأها حمزة حمزة والكسائي بكسر الزاى، والباقون بفتحها، ولا خلاف في ضم الياء. وفي آية الواقعة قرأها عاصم وحمزة والكسائي بكسر الزاى والباقون بفتحها.
قال الفراء: وله معنيان: يقال قد أنزف الرجل إذا فنيت خمرُه، وأُنزِف إذا ذهب عقله من سكر، وإذا ذهب دمه وغشي عليه ومات، قيل: منزوف (المعاني في الآيتين) والأصل في المادة (في مقاييس اللغة) : يدل على نفادٍ وانقطاع. نُزف دمُه خرج كله، والسكران نزيف: نزف عقله. والنزف نزح ماء البئر شيئا فشيئا. وأنزفوا انقطاع شرابهم (٥ / ٤١٦) .
قال ابن قتيبة في خطبة (مشكل إعراب القرآن) : وتبين قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ في وصف خمر الجنة. كيف نفى عنها بهذين اللفظين جميع عيوب الخمر: عدم العقل وذهاب المال، وفاد الشراب".
стр. 503
والقولان: ذهاب العقل، ونفاد الشراب، عند أهل التأويل في الآيتين، والراغب في (المفردات) بمزيد تفصيل.
وتأويلهما بالسكر، في المسألة، مقيد عندهم بنفي نزف العقل وذهابه. وهو صريح النص في الآية: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ يغتال العقل ويذهب به.
* * *
١٤١ - ﴿كَانَ غَرَامًا﴾ :
قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾
قال: البلاء. . . أما سمعت بقول بشر بن أبي خازم:
ويومُ الجِفارِ ويومُ النِسَارِ. . . كانا عذابا وكانا غراما
(ظ) في الروايتين وفي (وق) :
قال: المولع، قال فيه عبد الله بن عجلان:
وما أكلةُ إن نِلْتُها بغنيمةٍ. . . ولا جوعة إن عِفتُها بغرام
وفي (تق، ك، ط) قال: ملازما
شديدا كلزوم الغريم للغريم.
وشاهده بيت بشر.
= الكلمة من آية الفرقان ٦٥، في عباد الرحمن.
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾
وحيدة الصيغة، وفي القرآن مادتها:
اسم الفاعل في آية التوبة ٦٠ ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
стр. 504
واسم المفعول من الرباعي في آية الواقعة ٦٦ ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ .
والمصدر الميمي في آيتي:
التوبة ٩٨: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾
والقلم ٤٦: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾
الملازمة والإلحاح أصل في المادة، مطرد، كما في (مقاييس اللغة) ومنه ﴿كَانَ غَرَامًا﴾ ٤ / ٤١٩.
قال الفراء في آية الفرقان: كان مُلِحا دائما، والعرب تقول إن فلانا لَمُغرَم بالنساء إذا كان مولعا بهن، وإني بك لَمُغرَم إذا لم تصبر عن الرجل.
وتأويل الطبري لآية الفرقان: كان ملحاً دائماً، لازما غير مفارق، ومنه قولهم: رجل مغرم، من الغرم والدَّين. وقيل للغريم غريم لطلبة حقه وإلحاحه على صاحبه فيه ومنه قيل للمولع بالنساء إنه لمغرم بهن. قال: وبنحو ذلك قال أهل التأويل. ثم أسند عن الحسن البصري، قال: كل غريم مفارق غريمه إلا غريم جهنم. ومحوه في (جامع القرطبي، ومفردات الراغب، والنهاية لابن الأثير) .
وقد اختلفت الروايات عن ابن عباس في المسألة. (ظ) البلاء، وفي (تق ك ط) الملازم كلزوم الغريم - والشاهد من بيت بشر قريب منه - وفي (وق) : مولع، ولا يشهد له قول ابن عجلان: * ولا جوعة إن عِفتُها بغرام * بل هو أقرب إلى معنى الغرم في آية الواقعة، ومغرم في آيتى التوبة والقلم. والله أعلم.
* * *
١٤٢ - ﴿التَّرَائِبِ﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿التَّرَائِبِ﴾
стр. 505
فقال ابن عباس: الترائب موضع القِلادة من المرأة. واستشهد بقول الشاعر:
والزعفرانُ عَلَى ترائِبها. . . شَرِقاً به اللبَّاتُ والنَّحْرُ
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية الطارق ٧:
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾
وحيدة الصيغة، وفي القرآن من مادتها:
تراب: في سبع عشرة آية.
وأتراب: في ثلاث آيات.
ومتربة: في آية البلد: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾
الترائب واحدتخا التربية.
اختلف أهل اللغة في معناها: فهي في باب الصدر من كتاب (خلق الإنسان) وما اكتنف لباب المرأة مما تقع عليه القلائد (معاني الفراء) وعظام الصدر ما بين الترقوة إلى الثندُؤة أي مغرز الثدي أو اللحم الذي حوله (ص) وهي عظام الصدر، أو ما ولى الترقوتين منه، أو بين الثديين والترقوتين، أو أربع أضلاع من يمينه الصدر وأربع من يسرته، أو اليدان والرجلان، أو موضِع القلادة (ق) وقيل: عصارة القلب ومنها يكون الولد. (حكاه أبو حيان) .
واختلف أهل التأويل فيها كذلك، فيما قال الطبري. وأسند عن ابن عباس.
стр. 506
قال: بين ثدييها. وعنه أيضاً، وعن غيره: الصدر. وعنه أيضاً: اليدان والرجلان والعينان. والصواب عند أبي جعفر أنها مواضع القردة من صدر المرأة، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وبه جاءت اشعارهم. ونحوه في الكشاف، وجامع القرطبي، واقتصر أبو حيان في البحر، على ـاويلها بموضع القلادة من الصدر.
وذهب الراغب إلى أن الترائب هي ضلوع الصدر، ومنه الكلمة في آية الطارقوالأتراب الِلَّداتُ ينشأن معاًَ، تشبيها في التساوي والتماثل بالترائب التي هي ضلوع الصدر. . . وقيل لأن الترائب في حال الصَّبِي تلعب بالتراب: (المفردات) وهو قريب من مذهب ابن فارس إلى أصلين للمادة: أحدهما التراب وما يشتق منع، وتساوي الشيئين ومنه الترب الخدن، والتريب الصدر عند تساوي رءوس العظام (المقاييس ٥ / ٢٠٠) .
وتأويلها في المسألة بموضع القلادة من المرأة، هو ما يقبله الشاهد وسائر شواهدهم لها، وليس العينين أو اليدين والرجلين، والله أعلم.
* * *
١٤٣ - ﴿بُورًا﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ فقال ابن عباس: هَلْكى بلغة عُمَان، وهم من اليمن. واستشهد له بقول الشاعر:
فلا [تكفروا] ما قد صَنَعْنَا إليكمُ. . . وكافُوا به فالكُفرُ بورٌ لصانعِهْ
(تق)
= الكلمة من آية الفتح ١٢ في المخلفين من الأعراب:
﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ ومعها آية الفرقان ١٨:
стр. 507
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ .
وفي القرآن من مادتها، الفعل مضارعاً مرتين في آيتى فاطر:
﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ - ١٠
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ - ٢٩
والبوار في آية إبراهيم ٢٨:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾
الهلاك وما يشبهه من تعطل، أصل أول في المادة (المقاييس ١ / ٣١٦) .
والبوُر في كلام العرب: لا شيء، يقال: أصبحت أعمالهم بورا ودُورهم قبورا (الفراء) ، ومثله في الطبري، حكى أبو عبيدة: امرأة بور، والمثنى والجمع. وقيل يجوز أن يكون جمع بائر كحائل وحول (الطبري وأبو حيان) وفي معناها، أسند الفراء عن ابن عباس، قال: البور في لغة أزد عمان الفاسد ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ قوماً فاسدين (معاني القرآن) ، آية الفتح.
وفي تأويل الطبري: هلكى قد غلب عليهم الشقاء والخذلان. . . ومنه: بارت السوق وبار الطعام إذا خلا من الطالب والمشتري فصار كالشيء الهالك. ورده "الراغب" كذلك إلى فرط الكساد، يؤدي إلى الفساد. فيُعبر بالبوار عن الهلاك. ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ ، اي هلكى، جمع بائر، وقيل هو مصدر يوصف به الواحد والجمع. وأنشد الشاهد من قول الشاعر:
يا رسولَ المليكِ إن لساني. . . راتقٌ ما فتقتُ إذ أنا بُورُ
وكل ما في مادة "بور" في القرآن الكريم، هو من الخُسر بالضلال والكفر، وإنه لأفدح الفساد والهلاك، منقولاً إليها من أصل معناها في البوار والكساد.
стр. 508
١٤٤ - ﴿نَفَشَتْ﴾
وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿نَفَشَتْ﴾
فقال ابن عباس: النفش الرعى ليلا. واستشهد ببيت لبيد:
بُدَّلْنَ بعدَ النفَشِ الوَجِيفَا. . . وبعد طول الجِرَّةِ الصَّرِيفا
(تق)
= الكلمة من آية الأنبياء ٧٨:
﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾
وحيدة الصيغة. وليس في القرآن من مادتها سوى اسم المفعول في آية القارعة:
﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾
تفسير النفَش بالرعي ليلاً، يُلَحظ معه دلالة المادة اصلاً على التشعت والتفرق. وقد ذكر (القاموس) في النفش الرعي ليلاً، مع تقييده: "بغير راع" وذلك أبلغ في التشعيت والنفَش. وكذلك قيده "الراغب" فقال في المادة: النفش نثر الصوف، قال: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ ونفش الغنم انتشاره، والنفَش: الغنم المنتشر قال تعالى: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ والإبل النوافض المترددة ليلاً في المرعى بلا راع.
وقال ابن الأثير: نفشت السائمة تنفش نفوشاً، إذا رعت ليلاً بلا راع، وهملت إذا رعت بالنهار (النهاية) .
ويقرب فهم الآية، بالمعنى المجازي كناية عن الاختلاط والفوضى، يلتبس معها أمر غنم القوم؛ وراء المعنى القريب من أصل استعمال النفش للغنم والإبل، ترعى ليلاً بغير راع، فلا تكاد تتميز أو تُضبط. والله أعلم.
* * *
стр. 509
١٤٥ - ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾
وسأله عن قوله تعالى: ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾
فقال: الجدِل المخاصِم في الباطل. واستشهد بقول مهلهل:
إن تحت الأحجار حزماً وجوداً. . . وخصيماً ألدَّ ذا مغلاق
(تق) زاد في (ك، ط) : في الباطل، من كل وجه.
= الكلمة من آية البقرة ٢٠٤:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾
ومعها آية مريم ٩٧: خطاباً للنبي ﵊: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ - جمع ألد.
قال الفراء: يقال للرجل هو ألدُّ من قوم لُدَّ، والمرأة لدّاء ونسوة لُدّ. إذا غلبت الرجل في الخصومة فقد لددته (المعاني: آية البقرة) .
وقال أبو عبيدة: الألد شديد الخصومة، ويقال للفاجر: أبَلَّ وألدّ. . . مصدره اللدَد، والجميع قوم لُدّ (مجاز القرآن: آية البقرة)
وأخرج فيه البخاري حديث عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصِم" (ك التفسير باب وهو ألد الخصام) قال في فتح الباري: ألد، أفعل تفضيل من اللدد، شدة الخصومة.
стр. 510
ويحتمل أن يكون مصدراً. وقيل: أفعل هنا ليست للتفضيل بل بمعنى الفاعل، وهو لديد الخصام أي شديد المخاصمة (٨ / ١٣٠) والألد. عند الراغب، الخصيم الشديد التأبي لحجته وجمعه لُدَّ، قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ وفسره ابن الأثير في حديث عائشة ﵂ ترفعه - بالشديد الخصومة (النهاية)
والمعاجم تذكر في اللدد: اللديدان جانبا الوادي وصفحتا العنق، ومنه اشتقاق التلدد، أي الالتفاف يميناً وشمالاً. واللدود من الأدوية ما يصب في أحد شِقى الفم، واللدَدُ شدة الخصومة واللجاج (ص، س، ق) والمقاييس (لا)
وتأويلها في المسألة بالجدل المخاصم في الباطل، مستفاد من سياق الآية، والله أعلم.
* * *
١٤٦ - ﴿حَنِيذٍ﴾
وسأله عن معنى قوله تعالى: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
قال: الحنيذ النضيج مما يُشوى بالحجارة، واستشهد بقول الشاعر:
لهم راحٌ وفارُ المِسْكِ فيهم. . . وشاويهم غذا شاءوا حنِيذا
(تق، ك، ط)
الكلمة من آية هود ٦٩:
﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
وحيدة، صيغة ومادة.
تأويلها في المسألة بالنضيج مما يشوى بالحجارة، هو قول في حنيذ، اسنده الطبري عن ابن عباس فيما روى من اختلاف أهل التأويل فيه.
стр. 511
وقيل: هو الذي يُحنَذ في الأرض، والذي يقطر ماء وقد شُوِىَ. وحكاه عن بعض أهل العلم بكرم العرب من الكوفيين: كل ما انشوى في الأرض إذا خددت له فدفنته وغممته فهو الحنيذ والمحنوذ. والخيل تحنذ إذا ألقيت عليها الجلال بعضها على بعض لتعرق.
وفي (باب اللحم من تهذيب الألفاظ) قال ابن السكيت: والحنيذ الذي تلقى فيه الحجارة المحماة لتنضجه. وقد حُنِذَ الفرس إذا ألقى عليه الجلال ليعرق ونحوه في (مقاييس اللغة: حنذ) .
وهذه الأقوال في حنيذ، في المعاجم، وجمهرة كتب التفسير، مفردات الراغب.
وقد قال الطبري بعد ذكر الأقوال والمرويات في حنيذ: "وهذه الأقوال عن أهل العربية والتأويل متقاربات المعاني، بعضها من بعض" والله أعلم.
* * *
١٤٧ - ﴿الْأَجْدَاثِ﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾
فقال ابن عباس: القبور. واستشهد بقول ابن روَاحة:
حينا يقولون إذ مروا على جَدَثى. . . أرْشدْه ياربَّ من عانٍ وقد رشدا
(تق) (ك، ط) والمسألة فيهما:
﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾
الكلمة جاءت ثلاث مرات، في آيات:
القمر ٧: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧)
стр. 512
مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾
يس ٥١: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾
المعارج ٤٣: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾
ويبدو تفسير الأجداث بالقبور قريباً. ومثله في (النهاية لابن الأثير) وفي المعاجم واقتصر "الراغب" في (المفردات) على: الأجداث جمع الجدث، يقال جدث وجدف. وتأويلها في المسألة بالقبور هو ما في المعاجم (ص، س، ق) والشاهد له.
ولا يفوتنا مع ما يبدو من قرب تفسير الأجداث بالقبور، أن القرآن قَصَرَ الأجداث، في آياتها الثلاث، على المخرج إلى الحشر يوم القيامة وهذا الملحظ الدلالي، يفرق بين الأجداث وبين القبور التي تأتي فيه بدلالة عامة: في سياق البعث (الحج ٧، الانفطار ٤، العاديات ٩) .
كما تأتي في سياق مضجع الموتى، قبل البعث والنشور، في مثل آيات:
عبس ٢١: في الإنسان: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾
التوبة ٨٤: في المنافقين: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾
فاطر ٢٢: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾
الممتحنة ١٣: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾
ومعها المقابر في آية التكاثر:
стр. 513
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾
يظهر، والله أعلم، أن القرآن خصّ الخروج من الأجداث بالمخرج يوم القيامة، وهو صريح السياق في آياتها الثلاث.
* * *
١٤٨ - ﴿هَلُوعًا﴾
وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿هَلُوعًا﴾
فقال ابن عباس: ضَجِراً جزوعاً. وشاهده قول بشر بن أبي خازم:
لا مانعاً لليتيم نِحلتَهُ. . . ولا مكُبَّا لخلقِه هَلعا
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية المعارج ١٩:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾
وحيدة في القرآن. صيغة ومادة. في معاني القرآن للفراء: الهلوع الضجور، وصفته كما قال تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ يقال منه هَلعَ يهلَع هَلعا، مثل: جزع يجوع جزعا، وحكى القرطبي عن ثعلب. وخصها المعجميون بأفحش الجزع أو الجزع الشديد. وقيدها بعضهم بالجزع والفزع من الشر، وعدم الصبر على المصائب. والهالع: النعام السريع في مضيه لخفته وسرعة فزعه. والهلواع: الناقة السريعة السير. (س، ص، ق) ونقول مع الفراء، وثعلب: وصفته كما قال تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ صدق الله العظيم.
* * *
١٤٩ - ﴿لَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾
قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾
قال: ليس بحين فرار. وشاهده قول الأعشى:
стр. 514
تذكرتَ ليلى حين لاتَ تذكرُ. . . وقد بِنْتَ منها والمناصُ بعيدُ
(تق، ك، ط) واقتصر في (ظ) على: أما الأعشى فقد كان يعرفه حيث يقول: تذكرت ليلى
وعلقت منها حاجة ليس تبرح
= الكلمة من آية ص
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ - ٣
وحيدتان في القرآن.
تأويلها في المسألة: ليس بحين فرار، هو بلفظه عند الفراء على القول بأن لات في معنى ليس. وقال ابن قتيبة: لات حين لا مهرب. والمناص المنجي في (س) والملجأ والمفر في (ص) والمادة في (المقاييس) أصل يدل على تردد ومجئ وذهاب، والمناص المصدر، والملجأ أيضاً.
والأقوال في (مناص) متقاربة كذلك عند أهل التأويل (الطبري)
وإنما الاختلاف في: لات، تبعا لاختلاف أهل اللغة فيها. قال الفراء: ومن العرب من يضيف لات فيخفض؛ أنشدوني: * ولات ساعةِ مندمٍ * ولا أحفظ صدره. والكلام أن ينصب بها لأنها في معنى ليس، وأنشدني النفضل:
تذكرَ حبَّ ليلى لاتّ حينا. . . وأضحى الشيب قد قطع القرينا
وأنشدني بعضهم:
طلبوا صلحَنا ولات أوانٍ. . . فأجبْنا أنْ ليس حينَ بقاءُ
فهذا خفض: وفي الآية أقف على "لات" بالتاء، والكسائي يقف بالهاء
стр. 515
(المعاني، سورة ص ٢ / ٣٩٧) ونقله عنه في (اللسان، والمفردات)
ونقل فيها ابن قتيبة قول سيبويه: لات شبيهة بليس في بعض المواضه ولم تُمكن تمكنها، ولم يستعملوها إلا مضمراً فيها لأنها ليست كليس في المخاطبة والإخبار عن غائب، ألا ترى أنك تقول: ليست وليسوا وعبد الله ليس ذاهباً، ولات لا يكون فيها ذاك؟ قال تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ .
وقال الرغب بعد أن حكى كلام الفراء: تقديره: لا حين، والتاء زائدة فيه كما زيدت في ثُمت ورُبت. وقال بعض البصريين: معناه ليس. وقال أبو بكر العلاف: أصله ليس، فقلبت الياء ألفا. وأبدل من السين تاء كما قالوا: نات في ناس. وقال بعضهم أصله لا، وزيد فيه تاء التأنيث تنبيها على الساعة والمدة، كأنه قيل: ليست الساعة والمدة حين مناص (المفردات) .
وفي النفس شيء من هذه التأويلات، فالقول بأن التاء زائدة كما زيدت في ثمت وربت، قد يمنعه أن هذين الحرفين يبقى لهما معناهما. وأما (لات) فتئول إلى لا. وتأويلها بليس على القلب والابدال، فيه أن لغة نات في ناس، أبدل فيها حرف واحد، وأما لات فلا يبقى منها بعد القلب والإبدال سوى حرف اللام.
وعلى التأويلين: نرى أن (لا) و (ليس) كثير مجيئهما في القرآن، فالعدول عنهما إلى (لات) في آية (ص) يفيد فرقا في الدلالة، قد نراه في أن (لا) تجئ اصلاً لنفي الجنس، و (ليس) للنفي نسخا. وأما (لات) فأقرب ما تكون إلى معنى البُعد والاستحالة.
ولو تُرك لنا مجالُ اجتهاد في النحو الذي قرروا أنه نضج واحترق، لفكت عقدة (لات) دون تأويل وقلب وإبدال، بحملها على اسم فعلٍ قريب من هيهات، والفرق بينهما أن تكون هيهات لمطلق البعد، و (لات) للبعد مع استحالة، مُقربةً من (ليت) التي تتعلق بالتمني للمستحيل أو ما يقاربه.
* * *
стр. 516
١٥٠ - ﴿دُسُرٍ﴾
وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿وَدُسُرٍ﴾
فقال ابن عباس: الدسر الذي تُحرز به السفينة. وشاهده:
سفينة نُوتِىَّ قد آحكم صنعها. . . مُنَحَّتة الألواح منسوجةُ الدسْرِ
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية القمر ١٣، في فُلْك نوح ﵇:
﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾
وحيدة في القرآن، صيغة ومادة.
وتفسير الدسر، بالذي تخرز به السفينة يحتاج إلى مزيد إيضاح لا يقدمه الشاهد، لما تخرز السفينة. ومعناها عند الفراء: مسامير السفن وشرُطُها التي تُشد بها. وفي تفسير البخاري، عن مجاهد: دسر، اضلاع السفينة. قال ابن حجر: وصله الفريابي بلفظه من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأسند من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: الألواح ألواح السفينة والدسر معاريضها التي تُشَدّ بها السفينة، وعنه أيضاً: المسامير، وبه جزم أبو عبيدة (فتح الباري ٨ / ٤٣٦) جمع دسار، وهو المسمار في (س، ص) .
وعند الراغب كذلك أن الدُسر في الآية، المسامير، الواحد: دِسَار، قال: وأصل الدَّسْرِ الدفع الشديد بقهر، يقال: دسره بالرمح. ورجل مَدْسَر كقولك: مطعن (المفردات) .
وكذلك فسرها "ابن الأثير" بالمسامير في حديث "عليّ": "رفعها بغير عمد يدعمها ولا دسار ينتظمها" أي مسمار، جمعه دسر.
وبالدفع الشديد في حديث "عمر": "إن أخوف ما أخاف عليكم أن يؤخذ الرجل المسلم، البرئ عند الله، فيدسرَ الجزورُ" أي يدفع ويُكبُّ للقتل كما يفعل بالجزور عند النحر.
стр. 517
وفي حديث "ابن عباس"، وسئل عن زكاة العنبر فقال:
"إنما هو شيء دسره البحر" أي دفعه وألقاه في الشط (النهاية) .
والمعاجم تذكر في الدير: الطعن والدفع، وإصلاح السفينة بالدسار للمسمار، وإدخال الدسار في شيء بقوة. وتذكر معها: الدسار، خيط من ليف تُشد به ألواحها. جمعه دسر. والدسر السفينة تدسر الماء بصدورها، الواحدة دسراء (ص، ق) . وابن فارس جعل أصلاً في الدفع، الشديد، ومنه أحاديث الباب في (النهاية) ثم أضاف: "ومما شذ عن الباب وهو صحيح: الدسار، خيط من ليف تشد به السفينة، والجمع دُسُر / الآية / ويقال: الدسر: المسامير.
والله أعلم.
* * *
١٥١ - ﴿رِكْزًا﴾
قال: فأخبرني عن قول الله : ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾
قال: صوتا قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم أما سمعت قول خِداش بن زهير:
فإن سمعتم بخيلٍ هابطي سَرِفاً. . . أو بطن مَرًّ فَأخْفُوا الصوتَ واكتتموا
(ظ، طب) وفي (تق، ك، ط) قال: حِساً. وشاهده قول الشاعر:
وقد توجَّسَ رِكْزا مقفرً ندسٌ. . . بنبأة الصوت ما في سمْعهِ كذبُ
= الكلمة من آية مريم ٩٨:
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾
стр. 518
وحيدة في القرآن، صيغة ومادة.
الركز في اللغة: الصوت الخقي. من: ركزتُ كذا دفنته، والرِكاز المال المدفون في الأرض (س، ص، ق) . وفي (المقاييس) لمادة ركز أصلان: أحدهما إثبات شيء في شيء يذهب سُفلا، والآخر صوت (٢ / ٤٣٣) .
في تأويل الآية، أسند الطبري عن ابن عباس وغيره، قالوا: صوتا. وعن آخرين: حِساً. قال ابو جعفر: والركز في كلام العرب الصوت الخفي. (سورة مريم) .
وهو في الآية الصوت الخفي، في (مفردات الراغب والنهاية لابن الأثير) . وفيهما الركاز، المال المدفون في الأرض.
تأويله في المسألة بالصوت، يحتاج إلى قيد بالخفى وأقرب منه: حِساً، في الرواية الأخرى، والله أعلم.
* * *
١٥٢ - ﴿بَاسِرَةٌ﴾
وسأل ابن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿بَاسِرَةٌ﴾
فقال ابن عباس: كالحة، وشاهده قول عبيد بن الأبرص:
صَبَحْنَا تميماً غداةَ النسارِ. . . بشبهاءَ ملمومةٍ باسرة
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية القيامة ٢٩:
﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾
ومعها الفعل الماضي في آية المدثر:
﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾
стр. 519
وليس في القرآن من المادة غيرهما.
وتفسير باسرة بكاللحة قاله الفراء في معناها بآية القمر. وفي تأويل الطبري: متغيرة الألوان مسوَّدة كالحة. بَشرَ وجهُه فهو باسر بَيُنُ البسور. وبنحو ذلك قال أهل التأويل.
وتأويلها "الراغب" على وجه آخر، فردها إلى الابتسار بمعنى التعجل قبل الأوان. قال: البسر الاستعجال بالشيء قبل أوانه. ومنه قيل لما لم يدرك من التمر: بُسر. وقوله : ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ أي أظهر العبوس قبل أوانه وفي غير وقته. فإن قيل: فقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ ليس يفعلون ذلك قبل الوقت، قيل: إن ذلك إشارة إلى حالهم قبل الانهتاء بهم إلى النار. فخص لفظ البسر، تنبيهاً إلى أن ذلك مع ما ينالهم يجري مجرى التكلف ومجرى ما يُفعل قبل وقته. وبدل على ذلك قوله : ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾
وفسره "ابن الأثير" بالقطوب في حديث "سعد": "لما أسلمتُ راغمتني أمي فكانت تلقاني مرة بالبشر، ومرة بالبسر" البشر بالمعجمة: الطلاقة، وبالمهملة: القطوب (النهاية)
بسر في (المقاييس) اصلان، أحدهما الطراءه ومنه قولهم لكل شيء غض: بُسْر، وأن يكون الشيء قبل إناه، والأصل الآخر وقوف الشيء وجموده. والمعاجم تذكر في البسر: التعجل، والعبوس والقهر. ومنه الابتسار تعجلُ الشيء قبل أوانه، من البسر للتمر قبل نضجه، أو من بَسرَ القرحةَ نكأها قبل النضج. ولعل دلالة العبوس جاءت من ملحظ الغضاضة في بسر التمر، وما يقترن بنكء القرحة قبل نضجها من ضيق وألم وانقباض.
والكلمة في الآية الكريمة مقابلة بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ صدق الله العظيم.
* * *
стр. 520
١٥٣ - ﴿ضِيزَى﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿ضِيزَى﴾
فقال ابن عباس: جائزة. وشاهده قول امرئ القيس:
ضَازَتْ بنو أسدٍ بحُكْمِهمُ. . . إذْ يَعدِلون الرأسَ بالذنَبِ
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية النجم ٢٢:
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾
وحيدة في القرآن، صيغة ومادة.
معناها في اللغة: جائزة: ضاز في الحكم، أي جار، وضازة حقه بخسه. وضأزه كذلك، و ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ أي جائزة. وللعرب فيها ثلاث لغات: ضَيزَى، وضؤزى، وضِئزى، ولم يقرأ أحد بهذه اللغات. قال الطبري: وعندهم أن ضِسزِى، فُعْلْى، كسروا الفاء لتسلم الياء. قال الفراء: وإنما قضيت على أولها بالضم لأن النعوت للمؤنث تأتي إما بفتح وإما بضم، فالمفتوح سكرى وعَطشى، والمضموم الأنُثى والحُبلى (المعاني، ٣ / ٩٨ سورة النجم) وحكاه عنه الطبري بلفظه. والجوهري تضمينا.
في تأويل الطبري للآية: يقول جل ثناؤه: قسمتكم هذه قسمة جائزة غير مستوية، ناقصة غير تامة، لأنكم جعلتم لربكم من الولد ما تكلاهون لأنفسكم. وآثرتم ناقصة بما ترضونه. . . وبنحو ما قلناه قال أهل التأويل، وإن اختلفت ألفاظهم بالعبارة عنها: فقال بعضهم: عوجاء، وآخرون: جائزة، وعن ابن عباس جائزة لاحق فيها، وقال آخرون: مخالفة.
وفي مفردات الراغب: ناقصة.
قلت: تأويلها بالجور والنقصان مملا يحتمله سياق الآية. وهو صريح في شاهد
стр. 521
المسألة، وسائر شواهدهم للمخفف والمهموز.
وفي القرآن الكريم كلمة "جائز" من الجور، وفيه "نقص" فعلا ومصدرا. ولا أحقق وجه انفراد آية النجم بكلمة "ضيزى" وقصارى ما ألمحه فيهاظن عن بُعد، حس مادتها فيما يلوك عبدة الأوثان، منقوله من: ضاز التمرة: لاكها. والله أعلم.
* * *
١٥٤ - ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾
وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾
فقال ابن عباس: لم تغيره السنون. ولما سأله ابن الأزرق: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:
طاب منه الطعمُ والريحُ معاً. . . لن تراه تغير من أسَن
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية البقرة ٢٥٩:
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
وحيدة في القرآن، صيغة ومادة.
وهي صيغة ينفعَّل من (س ن هـ) وفي قول إن اصله من الواو (الفراء، وابن الأنباري) ولم أفهم محل الشاهد في * أسن * وليس المادة. قال أبو عبيدة في الآية: لم تأت عليه السنون فيتغير وليست من الأسن، ولو كانت منها لكانت لم يتأسن (مجاز القرآن ١ / ٨٠)
стр. 522
في تفسير البخاري: لم يتغير. ومعه في (فتح الباري) : أخرجه ابن أبي حاتم من وجهين عن ابن عباس، وعن السدى مثله، قال: لم يحمض التين والعنب ولم يختمر العصير بل هما حُلوانِ كما كانا. وفي تأويل الطبري: يعني لم تغيره السنون التي أتت عليه، ولم ينتن. وقال الراغب: لم يتغير بمر السنين ولم تذهب طراوته. وتفسير التسنه، بالتغير بمر السنين، من شرح الكلمة في سياقها بعد "مائة عام" ولعل التعفن أقرب إلى التسنه بمر السنين، من التغير وجفاف الطراوة، من حيث يُحتمل حدوثُهما للطعام والشراب دونَ عفَنٍ وفساد.
وبالتعفن. يفترق التسنه عن النغير، بدلالته على مطلق التغير من حال إلى حال، وهو المعنى المفهوم من التغير في آيات:
الرعد ١١: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
الأنفال ٥٣: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
النساء ١١٩: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾
* * *
١٥٥ - ﴿خَتَّارٍ﴾
وسأل ابن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾
فقال: هو الغدار الظلوم الغشوم. وشاهده قول الشاعر:
لقد علمتْ واستيقنتْ ذات نفسها. . . بأن لاَ تخافَ الدهرَ صَرْمى ولا خَتْرِى
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية لقمان ٣٢:
﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾
وحيدة في القرآن، صيغة ومادة.
قال الفراء: الختار الغدار. من الختر، الغدر (س، ص) ومن ظاهرِ دِقتها، أن
стр. 523
ابن عباس احتاج في شرحها إلى ذكر ثلاث صفات متتابعات. بصيغ المبالغة: الغدار الظلوم الغشوم. فكان أقرب إلى حِسَّ السياق من قول "الراغب": الختر غدر يختر فيه الإنسان، أي يضعف ويكسر لاجتهاده فيه، قال تعالى: ﴿كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ .
ولحظ فيه "ابن الأثير" المبالغة في الغدر. ففي حديث: "ما ختر قوم بالعهد إلا سُلَّط عليهم العدوُّ" قال: الختر الغدر، يقال ختَر بختُر فهو خاتر، وختار للمبالغة (النهاية) .
والغدر من معاني الختر في المعاجم، ومعه الخبث والخديعة والغدر. وإنما جاء الفتور والضعف بملحظ من تختر الشارب الثمل، وقد خترت نفسه خبثت وفسدت. فالفتور من ظواهر الختر، والخبث والفساد من اصل معناه. والله أعلم.
* * *
١٥٦ - ﴿الْقِطْرِ﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿عَيْنَ الْقِطْرِ﴾
فقال ابن عباس: عين الصُّفْر، وشاهده قول الشاعر:
فأُلقِىَ في مراجلَ من حديدٍ. . . قدور القِطْر ليس من البُرامِ
(تق، ك، ط)
الكلمة من آية سبأ ١٢:
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾
ومعها آية الكهف ٩٦ في سَدَّ ذي القرنين:
стр. 524
﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾
القِطْر بالكسر: النحاس المذاب (ص، س، ق) وفي الطبري عن ابن عباس: عين النحاس. ومثله في جامع القرطبي.
وفسره الراغب في آية الكهف بالنحاس المذاب.
والصفر في تفسير ابن عباس للمسألة، وهو النحاس، وصانعه الصفَّار، وأما المذاب، فمستفاد من الإسالة في الآية: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾
* * *
١٥٧ - ﴿خَمْطٍ﴾
وسأله نافع عن قوله تعالى: ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾
فقال ابن عباس: الأراك. واستشهد له بقول الشاعر:
ما مُغْزِلٍ فردٍ تراعى بعينها. . . أغنَّ غضيض الطرفِ من خلَلِ الخَمْطِ
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية سبأ ١٦:
﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾
وحيدة في القرآن، صيغة ومادة.
الخمط في اللغة الأراك. أو هو شجر له شوك. والحامض المر، ومنه الخمطة الخمر إذا حمضت. وفسرها الفراء وابن الأنباري والزمخشري، في الآية، بالأراك،
стр. 525
والأكُل ثمرهُ. وبنحوه قال أهل التأويل (الطبري) وقال الراغب: الخمط شجر لا شوك له، قيل هو الأراك. (المفردات) .
واختلفوا في توجيه غعرابه على القراءتين فيه. فقال ابن الأنباري: من قرأ بتنوين أكل، جعل الخمط عطف بيان على الأكل، ولا يجوز أن يكون وصفاً لأنه اسم شجرة بعينها، ولا بدلا لأنه ليس هو الأول ولا بعضه. ومَن لم يُنوّن أضاف "أكل" إلى خمط، لأن الأكل هو الثمرة والخمط هو الشجرة (البيان ٢ / ٢٧٨) .
والذي في تأويل الطبري: أنه على على قراءة عامة قراء الأمصار بالتنوين، جعلوا الخمط هو الأكب فردوه عليه في إعرابه، وأما على قراءة أبي عمرو، فإنه يصيفها إلى خمط، بمعنى ذواتى ثمر خمط. وذلك ما لم يتضح في تأويل الخمط بالمسألة.
* * *
١٥٨ - ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ :
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾
فقال ابن عباس: نفرت، واستشهد له بقول عمرو بن كلثوم:
إذا عَضَّ الثقافُ بها اشمأزتْ. . . وَولَّتْهُ عَشَوزَتَةً زَبُونا
(تق، ك، ط)
الكلمة من آية الزمر ٤٥:
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾
وحيدة في القرآن صيغة ومادة.
فسرها "الراغب" كذلك في الآية بقوله: أي نفرت.
وفي حديث: "سَيَليِكم أمراء تقشعر منهم الجلود وتشمئز منهم القلوب" قال
стр. 526
ابن الأثير: أي تتقبض وتجتمع، وهمزته زائدة (النهاية) .
يعني أن أصل الكلمة؛ شمز.
والشمز في اللغة: نفور النفس مما تكره. والتشمُّز التقبض، واشمأز: انقبض واقشعر، أو ذُعِر. والمشمئز: النافر الكاره، والمذعور. حكاه الأزهري في التهذيب عن عدد من اهل اللغة. ومعه (س، ص، ق)
والكلمة في الآية، فيها حِسُّ الكراهة والنفور مع صريح مقابلتها بالاستبشار. فالاشمئزاز نقيض الاستبشار. ولا يشمئز الإنسان إلا مما يكره وينفر منه.
* * *
١٥٩ - ﴿جُدَدٌ﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿جُدَدٌ﴾
فقال ابن عباس: طرائق. وشاهده قول الشاعر:
قَدْ غادرَ النِسْعُ في صفحاتِها جُدداً. . . كأنها طُرقٌ لاَحَتْ على أكَمِ
(تق، ك، ط)
الكلمة من آية فاطر ٢٧، ٢٨:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾
وحيدة الصيغة في القرآن.
ومن مادتها، جاء "جديد" عشر مرات، نفيض قديم. ومعها "جَدًّ" في آية الجن: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ . سبقت في المسألة (٦٢)
الجُدد، جميع حُدَّة، الطرائق والخطط المسلوكة، ومنه: سَلك الجددَ، ومشى على الجادة (س) وفي تأويل الطبري: الخطط تكون في الجبال كالطرق. قال:
стр. 527
وبنحو ذلك قال أهل التأويل. وقال الراغب في الآية: جمع جُدَّة أي طريقة. من قولهم: طريق مجدود، أي مسلوك مقطوع، ومنه جادة الطريق.
وإن لم يبد لنا وجه كون الجبال جُدَداً، بمعنى طرائق، في سياق اختلاف ألوانها: بيض وحمر وغرابيب سود. والله أعلم.
* * *
١٦٠ - ﴿أَغْنَى، وَأَقْنَى﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ فقال ابن عباس: أغنى من الفقر وأقني من الغنى فقنع. واستشهد بقول عنترة العبسي:
فاقْنَىْ حياءك لا أبَالكِ واعْلمى. . . أني امرؤ سأموتُ إن لم أُقْتَلِ
(تق) وسقط من (ك، ط)
= الكلمة من آية النجم ٤٨:
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾
وحيدة في القرآن، صيغة ومادة.
ومن الواوى جاءت ﴿قِنْوَانٌ﴾ في آية الأنعام ٩٩:
﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾
وفي "أقنى" قال الراغب: اي أعطى منه الغني وما فيه القنية، أي المال المدخر. وقيل: أقني وأرضى. وتحقيق ذلك أنه له قُنية من الرضى والطاعة (المفردات)
وفي حديث: "إذا أحب الله عبداً اقتناه فلم يترك له مالاًَ ولا ولداً" قال ابن الأثير: اي اتخذه واصطفاه.
ونقل في حديث النهي عن ذبح قِنىَ الغنم، قولَ أبي موسى: "هي التي تُقتنى للدَّارَّ والولد، واحدتها قنوة، بالضم والكسر، وقنية بالياء. قال الزمخشري: القنى والقنية ما اقتنى من شاة أو ناقة".
стр. 528
ودلالة الاقتناء واضحة في المادة بصريح لفظها، ولا يكون إلا لما يُعَزُّ ويُصان ويُدخر، لقيمته ونفعه، المادي أو المعنوي. ويجوز استعماله في مطلق الادخار على أصل معناه، أو في المجاز، ومنه الشاهد من بيت عنترة.
* * *
١٦١ - ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾ فقال ابن عباس: لا ينقصكم، بلغة بني عبس. واستشهد له بقول الحطيئة العبسى:
أبلغْ سراةّ سعدٍ مغلغلةً. . . جهدَ الرسالة لا ألْتاً ولا كذبا
(تق، ك، ط)
= الكلمة من آية الحجرات ١٤.
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
ومعها الفعل الماضي من المهموز في آية الطور ٢١:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾
﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾ قراءة الأئمة، سوى أبي عمرو ابن العلاء فقرأها "يألتكم" بهمزة ساكنة بعد الياء، وإذا خفف أبدلها ألفا: يالتكم. (التيسير) .
وهما لغتان: لاته يليته لَيْتا، وألَته يأَلْته أَلْتا، نقصه ومنعه. وفيها لغة ثالثة: ألاته، من الرباعي، حكاها أبو عبيدة والأزهري، والهروى في الغريبين. واقتصر الفراء على اللغتين في القراءة، وكذلك ابن الأنباري وقال: والقراءتان بمعنى
стр. 529
واحد: نقصهم وشاهدهم، لقراءة أئمة الحجاز والشام والبصرة، غير مهموز، قول رؤبة:
وليلةٍ ذات نَدىَ سريتُ. . . ولم يَلِتْنى عن سُراها ليتُ
وللمهموز، قول الحطيئة: أبلغ سراة * البيت، وهو الشاهد في المسألة، فكأن ابن عباس فسرها على قراءة "يألتكم" التي انفرد بها أبو عمرو. واختارها السجستاني كذلك، اعتبارا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ وأنشد بيت الحطيئة. وفي الكشاف: لا ينقصكم ولا يظلمكم يقال ألته السلطان حقه أشد الألت. وهي لغة غطفان - وعبس منهم - ولغة أسد وأهل الحجاز: لاته ليتا.
لكنها ليست اختيار أبي عبيدة، والفراء، قال:
﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾ لا ينقصكم ولا يظلمكم من أعمالكم شيئاً وهي من: لات يليت، والقراء مجمعون عليها. قد قرأ بعضهم "لا يألتكم" ولست أشتهيها، لأنها بغير ألف كتبت في المصاحف وليس هذا بموضع يجوز فيه سقوط الهمزة. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿يَأْتُونَ﴾ و ﴿يَأْمُرُونَ﴾ و ﴿يَأْكُلُونَ﴾ لم تُلْقَ الألف في شيء منه لأنها ساكنة، وإنما تلقى الهمزة إذا سُكن ما قبلها، فإذا سكنت هي ثبتت ولم تسقط.
وإنما اجترأ على قراءتها "يألتكم" أنه وجد ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ في موضع، فأخذ ذا من ذاك، والقرآن يأتي باللغتين المختلفتين، ألا ترى قوله ﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ وفي موضع آخر ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ﴾ ولم تحمل إحداهما على الأخرى فتتفقا، ولات يليت وألت يألت: لغتان. (معاني القرآن، الحجرات: ٣ / ٧٤) .
وهو الصواب عند الطبري، وحكاه عن أهل التأويل قال: ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾ لا يظلمكم من أجور أعمالكم شيئاً ولا ينقصكم من ثوابها شيئاً. وبنجو الذي قلناه في ذلك قال أهل التأويل. وقرأت قراء الأمصار ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾ بغير همز ولا ألف، سوى أبي عمرو فإنه قرأ "لا يألتكم" اعتبارا منه بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ وأما الآخرون فإنهم جعلوا ذلك من: لات يليت كما قال رؤبة:
стр. 530
وليلة ذات ندى سريت. . . ولم يلتني عن سراها ليت
والصواب عندنا ما عليه قراء المدينة - ومكة والشام - والكوفة ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾ لعلتين: إجماع الحجة من القراء عليها، والثانية أنها في المصحف بغير ألف ولا تسقط الهمزة من مثل هذا الموضع وإنما تسقط إذا سُكن ما قبلها. ولا يحمل حرف في القرآن إذا أتى بلغة على آخر جاء بلغة خلافها إذا كانت اللغتان معروفتين في كلام العرب، وقد ذكرنا أن ألت ولات معروفتان من كلامهم.
وجاء بها الراغب في "ليت" عن كذا يليته صرفه عنه ونقصه حقا له ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾ أي لا ينقصكم من أعمالكم شيئاً، وأنشد * ولم يلتني عن هواها ليت * (المفردات) .
* * *
١٦٢ - ﴿أَبًّا﴾
وسأل نافع عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾
فقال ابن عباس: الأبُّ ما يعتلف منه الدواب. واستشهد بقول الشاعر:
ترى به الأبَّ واليقطِينَ مختلطاً. . . على الشريعةِ يجرى تحتَها الغَربُ
(تق، ك، ط)
الكلمة من آية عبس ٣١:
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾
وحيدة في القرآن.
وتفسيرها بما يعتلف منه الدواب هو نحو ما في تأويل الطبري: والأب ما تأكله البهائم من العشب والنبات. وبنحوه قال أهل التأويل. وأسنده عن ابن عباس من ثلاث طرق بألفاظ متقاربة: نبت الأرض مما تأكل الدواب ولا يأكله الناس،
следующие страницы →