← Акыда

Акыда · id 12760

أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية - عرض ونقد -

ناصر القفاري

Полный текст (1 221 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

أبي حاتم (١) ، وأبو سعيد الدارمي (٢) ، والآجري في الشريعة (٣) ، والبيهقي في الاعتقاد (٤) ، والأسماء والصفات (٥) ، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٦) ، وابو داود في مسائل الإمام أحمد (٧) . عن جعفر الصادق أنه قال حينما سئل عن القرآن قال: "ليس بخالق ولا مخلوق". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه قد استفاض ذلك عن جعفر (٨) . فلماذا لا يؤخذ بالمعنى المتفق عليه ويترك الباطل الذي لا يسنده إلا أقوال شيوخ يبغون في الأمة الفرقة والخلاف، وينشدون الشذوذ والعزلة ليتسنى لهم تحصيل الأموال الطائلة باسم الخمس، وتتحقق لهم الوجاهة الاجتماعية، والمنزلة (المقدسة) باسم النيابة عن الإمام الغائب؟ ولهذا ما برحوا يؤكدون على القول: إن ما خالف العامة ففيه الرشاد. "والعامة" أو أهل السنة بالمعنى العام يدخل فيه المعتزلة (٩) ، وهم قلدوا المعتزلة في هذا، ذلك أن مسألة خلق القرآن من عقائد أهل الاعتزال، قال عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة: "وأما مذهبنا في ذلك (أي في القرآن) فهو أن القرآن كلام الله تعالى ووحيه وهو مخلوق محدث" (١٠) .

стр. 527

وقد تلقته الشيعة فيما تلقته من آراء المعتزلة.. فهي بضاعة اعتزالية، فلم يتحقق لهم مخالفة العامة. وأول من قال بهذه المقالة هو الجعد بن درهم (١) . قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: "أول من أتى بخلق القرآن جعد بن درهم (٢) . فهو أول من قال بمبدأ التعطيل في هذه الأمة، ثم تلقى ذلك عنه الجهم بن صفوان" (٣) . ويشير البعض إلى أن هذه المقالة ترتد في أصولها إلى مؤثرات أجنبية، فقد ذكر ابن الأثير، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما أن الجعد أخذ ذلك - أي القول بخلق القرآن - عن أبان بن سمعان، وأخذه هذا من طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ وكان يقول بخلق التوراة، وكان طالوت زنديقًا، وهو أول من صنف لهم في ذلك ثم أظهره الجعد بن درهم (٤) ، كما يذكر الخطيب البغدادي أن والد بشر المريسي وهو أحد كبار القائلين بخلق القرآن من المعتزلة كان يهوديًا (٥) . ومن هنا يظهر الأثر اليهودي في ظهور هذه المقالة.

стр. 528

ويشير شيخ الإسلام ﵀ إلى مؤثرات أخرى حيث يذكر أن الجعد بن درهم كان من أهل حران، وكان فيهم من بقايا الصابئين والفلاسفة خصوم إبراهيم ﵇؛ لهذا أنكر تكليم موسى وخلة إبراهيم موافقة لفرعون والنمرود بناء على أصل هؤلاء النفاة وهو أن الرب تعالى لا يقوم به كلام، ولا محبة لغيره، فقتله المسلمون، ثم انتشرت مقالته فيمن ضل من هذا الوجه (١) . وتلك الروايات الواردة في كتب الشيعة والتي تنص على أن القرآن منزل غير مخلوق قد تمثل مذهب قدماء الشيعة الذين كانوا على هذا الاعتقاد كما أشار إلى ذلك أهل العلم (٢) .؛ لأن القول بأن القرآن مخلوق هو من إحداث متأخري الشيعة (٣) . كما أن الاعتقاد بأن القرآن منزل غير مخلوق، هو الثابت عن أهل البيت، إذ ليس من أئمة أهل البيت مثل علي بن الحسين وأبي جعفر الباقر وابنه جعفر بن محمد من يقول بخلق القرآن، ولكن الإمامية تخالف أهل البيت في عامة أصولهم (٤) . أما قولهم بأن كلام الله لموسى خلقه في شجرة؛ فهو مخالف لصريح قوله سبحانه: ﴿وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِمًا﴾ (٥) . فالتأكيد بالمصدر "تكليمًا" ينفي التأويل الذي يشيرون إليه، ولذا قال غير واحد من العلماء: التوكيد بالمصدر ينفي المجاز (٦) . ولو كان الأمر على ما يدعون لم يكن في ذلك مزية لموسى ﵇، وفضيلة اختص بها، ونوه الله سبحانه بذكرها فإن "من سمع كلام الله من مالك أو من نبي أتاه به من عند الله أفضل مرتبة في سماع الكلام من موسى؛ لأنهم سمعوه

стр. 529

من نبي، وموسى سمعه من شجرة.. ويلزمهم أن تكون الشجرة هي التي قالت: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني) وهذا ظاهر الفساد" (١) . والرد على الجهمية القائلين بنفي الصفات كثير في كلام التابعين وتابعيهم، والأئمة المشاهير، وفي مسألة القرآن آثار كثيرة جدًا (٢) ، وهي مذكورة في الكتب المتخصصة في ذلك (٣) . ولكن الذي يمكن أن يضاف فيما يتصل بنقد المذهب الشيعي في ذلك بعد ظهور كتبهم وانتشارها أنهم وهم ينفون هذه الفضيلة لموسى ﵇، وينكرون مناجاة الله له ومناداته، ويزعمون أن الشجرة هي التي كلمت موسى ﵇ لم يأخذوا بهذا المنهج فيما يتصل بالإمام، ونسوا هذه القضية في حديثهم عن فضائل الأئمة.. لقد جاء في كتابهم المعتمد عندهم "بحار الأنوار" باب بعنوان "باب أنّ الله تعالى ناجاه صلوات الله عليه.." (٤) . وساق فيه مجموعة من رواياتهم في هذا المعنى عزاها - كعادته - إلى طائفة من كتبهم المعتمدة. تقول إحدى هذه الروايات: "لمّا بعث رسول الله ﷺ ببراءة مع أبي بكر وأنزل الله عليه: تترك من ناجيته غير مرّة، وتبعث من لم أناجه؟ (٥) فأرسل رسول الله ﷺ فأخذ براءة منه ودفعها إلى علي ﵁ فقال له علي: أوصني يا رسول الله، فقال له: إنّ الله يُوصيك ويناجيك، قال: فناجاه يوم براءة قبل صلاة الأولى إلى صلاة العصر" (٦) . وتقول رواية أخرى: ".. إنّ الله ناجاه (يعني عليًّا) يوم الطّائف ويوم عقبة

стр. 530

تبوك، ويوم حنين" (١) . وفي بصائر الدرجات، والاختصاص وبحار الأنوار، رواية تقول: "عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ لأهل الطائف: لأبعثن إليكم رجلاً كنفسي يفتح الله به الخيبر، سوطه سيفه"، ثم تذكر الرواية اختيار علي لهذه المهمة، وأن الرسول لحق به ولما وصلها كان علي على رأس الجبل فقال له رسول الله ﷺ : اثبت، فثبت، فسمعنا مثل صرير الزجل (٢) . فقيل: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: إنّ الله يناجي عليًّا ﵁" (٣) . وبغض النظر عما في هذه الرواية من أخطاء تاريخية في خلطها بين فتح خيبر والطائف، فلعل القارئ يلاحظ هذا التشبيه لكلام الحق جل شأنه ... فعنصر التجسيم والتمثيل واضح في قوله: "مثل صرير الزجل" ولا تشير الرواية إلى أن هذا قد سمعه علي من شجرة ونحوها، فما بالهم يذهبون تارة إلى التعطيل المحض، وتارة إلى التجسيم، هل هذه الروايات تمثل الأدوار التي مرت بها مراحل التشيع حينما كان الشيعة مجسمة، ثم تحولوا إلى مرحلة التعطيل في المائة الثالثة حينما هبت عليهم أعاصير الاعتزال؟! أم أن وضّاع هذه الروايات يمثلون على نحلة وكل يضع ما تمليه عليه عقيدته؟! والتشيع يحتضن الجميع بلا تفريق؛ فحب علي حسنة لا تضر معها سيئة كما يقولون. ولا يجدون ما يلجؤون إليه في تعليله سوى القول بالتقية، ولا يكاد يجزم

стр. 531

شيخ من مشايخهم بمعرفة أي القولين تقية إلا بالقول بأن ما خالف العامة (يعني أهل السنة) فيه الرشاد. وليتهم قالوا: ما وافق القرآن هو الحق وما سواه تقية. وبعد، أليس يكفي في بيان فساد مذهبهم أنه عنصر غريب على الأمة، وأنه خلاف ما عليه أهل البيت، وخلاف ما اتفقت فيه روايات لهم مع ما جاء عند أهل السنة، وأن رواياتهم كلها متعارضة متناقضة؟! ٢- مسألة الرؤية: الرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١) . وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسن (٢) . وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبين إلى السنة والجماعة (٣) . وخالف في ذلك الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية (٤) . وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة وإجماع السلف (٥) .

стр. 532

وأذكر فيما يلي قول الشيعة من مصادرها: لقد ذهبت الشيعة الإمامية بحكم مجاراتهم للمعتزلة إلى نفي الرؤية، وجاءت روايات عديدة ذكرها ابن بابويه في كتابه التوحيد وجمع أكثرها صاحب البحار تنفي ما جاءت به النصوص من رؤية المؤمين لربهم في الآخرة، فتفتري - مثلاً - على أبي عبد الله جعفر الصادق بأنه سئل "عن الله ﵎ هل يرى في المعاد؟ فقال: سبحان الله وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.. إن الأبصار لا تدرك إلا ما له لون وكيفية، والله خالق الألوان والكيفية" (١) . ويظهر أن الحجة التي احتج بها هؤلاء الذين وضعوا هذه الرواية على جعفر تتضمن نفي الوجود الحق، لأن ما لا كيفية له مطلقًا لا وجود له. ولهذا قال بعض السلف حينما سئل عن الاستواء قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول (٢) . ولم يقل: لا كيفية له. فالمنفي هنا علم البشر بالكيفية لا ذات الكيفية، كما أن هذا يناقض ما رواه صاحب الكافي عن أبي عبد الله أنه قال: ".. ولكن لابد من إثبات أن له كيفية لا يستحقها غيره ولا يشارك فيها ولا يحاط بها ولا يعلمها غيره" (٣) . وقال شيخهم وآيتهم جعفر النّجفي صاحب كشف الغطا: "ولو نسب

стр. 533

إلى الله بعض الصّفات.. كالرّؤية حكم بارتداده" (١) . وجعل الحرّ العاملي نفي الرؤية من أصول الأئمة، وعقد لذلك بابًا بعنوان "باب أنّ الله سبحانه لا تراه عين ولا يدركه بصر في الدّنيا ولا في الآخرة" (٢) . فنفيهم لرؤية المؤمنين لربهم في الآخرة خروج عن مقتضى النصوص الشرعية، وهو أيضًا خروج عن مذهب أهل البيت، وقد اعترفت بعض رواياتهم بذلك، فقد روى ابن بابويه القمّي عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ﵇ قال: قلت له: أخبرني عن الله هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: نعم (٣) . ٣- ومثل مسألة "الرؤية" مسألة أخرى هي "نزول الرب جل شأنه": والذي استفاضت به السنة عن النبي ﷺ واتفق سلف الأمة وأئمتها وأهل العلم بالسنة والحديث على تسديق ذلك وتلقيه بالقبول (٤) . وإثباته على ما يليق بجلاله سبحانه ويختص بعظمته. وقد جاءت عند الاثني عشرية روايات نسبوها لأهل البيت تنكر ذلك (٥) . في حين يوجد روايات أخرى تثبت النزول الإلهي وهي التي تتفق مع نقل أهل السنة عنهم. جاء في كتب الشيعة "قال سائل لأبي عبد الله: تقول إنّه ينزل إلى السّماء الدّنيا؟ قال أبو عبد الله: نقول بذلك، لأنّ الرّوايات قد صحّت به

стр. 534

والأخبار" (١) . ومثل هذا المعنى جاء في تفسير القمي أصل أصول التفاسير عندهم كما أثبت ذلك صاحب البحار (٢) ، وإن كان ناشر الكتاب والمعلق عليه أضاف إليه ما يغير معناه (٣) . ولم يتفطن أن بقية النص تكشف ما زاده فيه (٤) . واختلاف رواياتهم بهذه الصورة يدل على أن جانبًا منها باطل بلا ريب، ولا شك بأن الروايات التي تتفق مع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع السلف هي الصواب، وإن أعرض عنه شيوخ الشيعة مجاراة لأهل الاعتزال. ثم إن اختلاف شيوخ الإمامية المتقدمين عن متأخريهم في هذا الباب يلزم منه أن أحدهما على ضلال، وعليه "لزم ضرورة أن شيوخ الإمامية ضلوا في التوحيد إما متقدموهم وإما متأخروهم" (٥) . وقد جاءت روايات تدل على أن الأئمة - باعتراف كتب الشيعة - قد أخذوا بالمنهج الوسط بين غلو متقدمي الشيعة في الإثبات، وبين غلو متأخريهم في التعطيل. وعقد صاحب الكافي بابًا بعنوان "باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى" وذكر فيه اثنتي عشرة رواية عن الأئمة (٦) . افتتح الباب برواية "عبد الرحيم بن عتيك القصير قال: كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى

стр. 535

أبي عبد الله ﵇: "إن قومًا بالعراق يصفون الله بالصورة وبالتخطيط فكتب إليّ: سألت رحمك الله عن التوحيد وما ذهب إليه من قبلك، فتعالى الله الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وتعالى عما يصفه الواصفون المشبهون الله بخلقه المفترون على الله، فاعلم رحمك الله أن المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات الله جل وعز، فانف عن الله تعالى البطلان والتشبيه فلا نفي ولا تشبيه (١) . لا تعدوا القرآن فتضلوا بعد البيان" (٢) . وعن المفضل قال: سألت أبا الحسن عن شيء من الصفة فقال: "لا تجاوز ما في القرآن" (٣) . لاحظ أن هذا النص الذي ورد في أصح كتبهم الأربعة يأمرهم باتباع ما نزل به القرآن من صفات الله سبحانه. فمن قلد أهل الاعتزال، أو حكم العقل وأعرض عن كتاب الله، لم يتبع كتاب الله، ولم يأخذ بوصية إمامه. قال الرضا: "للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب: نفي، وتشبيه، وإثبات بغير تشبيه؛ فمذهب النفي لا يجوز، ومذهب التشبيه لا يجوز؛ لأن الله ﵎ لا يشبه شيء والسبيل في الطريقة الثالثة إثبات بلا تشبيه" (٤) . فأوائل الشيعة أخذوا بالتشبيه وأواخرهم أخذوا بالنفي، وأعرضوا عن المذهب الوسط، وهو مذهب الأئمة كما تقر به "نقولهم" فدل على أنهم ليسوا على

стр. 536

شيء في هذا الباب فلم يأخذوا بمنهج القرآن والسنة ولم يأخذوا بطريقة الأئمة الذين يزعمون أنهم قدوتهم، بل ساروا مع أهل التمثيل أولاً، وخالفوا قول الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ثم أخذوا بمسلك أهل التعطيل وأعرضوا عن نصوص الصفات الواردة عن الله ورسوله.

стр. 537

المبحث الثالث وصفهم الأئمة بأسماء الله وصفاته وهو ما انفردت به الشيعة، وشذت به عن الأمة ... فإذا كان شيوخ الشيعة المتقدمون قد شبهوا الخالق سبحانه بصفات المخلوقين، ثم واجه هذه الموجة الغالية في التجسيم موقف آخر قد يمثل ردة فعل له، وهو موقف التعطيل.. فشبهوا الله سبحانه بالمعدومات والجمادات والممتنعات، وعطلوا نصوص الأسماء والصفات. فهم لم يصفوا الله سبحانه بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ لا في مذهبهم الأول ولا في مذهبهم الأخير.. إذا كان الأمر كذلك فإنهم لم يكتفوا بذلك، بل تطور الأمر إلى أن الأسماء والصفات الواجبة لله سبحانه وصفوا بها بعض البشر (الأئمة) فخرجوا بمذهب ثالث وهو تشبيه المخلوق بالخالق، فشابهوا النصارى في ذلك كما شابهوا اليهود في المذهب الأول (التجسيم) . لقد خرجوا ببدعة ثالثة أحدثوها في أمة محمد ﷺ ، حيث زعموا أن الأئمة هم أسماء الله، فأسماء الله سبحانه التي ذكرها في كتابه هي - على حد زعمهم - عبارة عن الأئمة الاثني عشر، وهذا يتضمن تعطيل الله من أسمائه الحسنى، وإعطاءها بعض البشر، ويزعمون أن النص من "المعصوم" قد ورد بذلك، وهذا إفك عظيم افتروه؛ فويل لهم مما يفترون. روى الكليني في أصل الكافي عن أبي عبد الله في قول الله : ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) . قال: "نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا" (٢) .

стр. 538

وهذا المعنى تناقله أساطين المذهب في روايات عديدة منسوبة لجعفر الصادق وغيره (١) . الله سبحانه يقول: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ وهؤلاء يقولون: نحن الأسماء الحسنى، فأي محاداة لله وكتابه أعظم من هذا! إن من معين هذه النصوص المظلمة تستقي طوائف الباطنية الملحدة والتي تذهب لتأليه الأئمة.. ومن مائها الآسن ترتوي. وتفصل روايات أخرى لهم ما أجملته الرواية السابقة فيروون عن أبي جعفر أنه قال: "نحن وجه الله نتقلب في الأرض بين أظهركم، ونحن عين الله في خلقه، ويده المبسوطة بالرحمة على عباده، عرفنا من عرفنا وجهلنا من جهلنا" (٢) . وعن أبي عبد الله: "إن الله خلقنا فأحسن صورنا وجعلنا عينه في عباده، ولسانه الناطق في خلقه، ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة، ووجهه الذي يؤتى منه، وبابه الذي يدل عليه، وخزانه في سمائه وأرضه، بنا أثمرت الأشجار وأينعت الثمار، وجرت الأنهار، وبنا ينزل غيث السماء وينبت عشب الأرض، وبعبادتنا عبد الله ولولانا ما عُبد الله" (٣) . وزعموا أن أمير المؤمنين عليًا قال: "أنا عين الله وأنا يد الله وأنا حبيب الله وأنا باب الله" (٤) . وقال - كما يفترون -: "أنا علم الله، وأنا قلب الله الواعي، ولسان الله النّاطق، وعين الله النّاظرة، وأنا جنب الله وأنا يد الله" (٥) .

стр. 539

وفي التوحيد لابن بابويه أنّ أبا عبد الله قال: "إنّ لله خلقًا من رحمته، خلقهم من نوره.. فهم عين الله النّاظرة وأذنه السّامعة، ولسانه النّاطق في خلقه بإذنه.. بهم يمحو السّيّئات، وبهم يدفع الضّيم، وبهم يُنزّل الرّحمة، وبهم يحيي ميتًا، وبهم يميت حيًّا، وبهم يبتلي خلقه، وبهم يقضي في خلقه قضيّته" (١) . وقد ذكر المجلسي ستًا وثلاثين رواية تقول إن الأئمة هم وجه الله ويد الله (٢) . وفي رجال الكشّي وغيره قال علي - كما يفترون -: "أنا وجه الله، أنا جنب الله، وأنا الأوّل، وأنا الآخر، وأنا الظّاهر، وأنا الباطن.." (٣) . وجاءت عندهم روايات عديدة في كثير من مصادرهم المعتمدة تفسر قوله سبحانه: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٤) . وقوله سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ (٥) . بما رووه عن جعفر أنّه قال: "نحن وجه الله" (٦) "نحن الوجه الذي يؤتى الله منه" (٧) ، "نحن وجه الله الذي لا يهلك" (٨) ، وروايات أخرى بهذا المعنى (٩) . وجاء في تفسير العياشي، رواية طويلة تقشعر منها أبدان المؤمنين تصف

стр. 540

ما يجري في يوم القيامة، وتقول نهاية الرواية - على لسان الأئمة -: "ثم يؤتى بنا فنجلس على عرش ربّنا.." (١) . هذا ونصوصهم التي تفسر أسماء الله وصفاته بالإمام والأئمة كثيرة. كما أنهم أضفوا على الأئمة أيضًا بعض صفات الرب سبحانه كالعلم بالغيب، وعقد لذلك صاحب الكافي بابًا بعنوان "باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء" (٢) . وضمنه طائفة من رواياتهم. وعقد بابًا آخر بعنوان "باب أن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا" (٣) . وذكر فيه جملة من أحاديثهم، ومن روايات هذه الأبواب: قال أبو عبد الله - كما يفترون -: "إنّي لأعلم ما في السّماوات وما في الأرض وأعلم ما في الجنّة وأعلم ما في النّار، وأعلم ما كان وما يكون.." (٤) . "وعن سيف التمار قال: كنا مع أبي عبد الله ﵁ جماعة من الشيعة في الحجر فقال: علينا عين؟ فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحدًا، فقلنا: ليس علينا عين. فقال: وربّ الكعبة وربّ البنية - ثلاث مرّات - لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أنّي أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما، لأنّ موسى والخضر ﵉ أعطيا علم ما كان ولم يُعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم السّاعة، وقد ورثناه من رسول الله ﷺ وراثة" (٥) . وبعد، فهذه كلمات لا تحتاج إلى تعليق، وأقول هي "زبالة" المذاهب

стр. 541

الباطنية، التي كان لها وجود في تاريخ المسلمين، والتي تذهب إلى تأليه عليّ والأئمة. قد استوعبتها الاثنا عشرية في بنية مذهبها. وهم يلصقون هذه المفتريات بأهل البيت ليتخذوا منهم "عكازة" يعتمدون عليها لنشر مذهبهم. وإلا فمن يقول: "أنا الأول والآخر والظاهر والباطن" (١) .؛ هل يختلف عن فرعون الذي قال: "أنا ربكم الأعلى"؟! وكيف يتجرأ أساطين المذهب كالكشي والطوسي على نقل هذا الإلحاد، وكيف يعدون الكليني ثقة إسلامهم وهو ينقل هو وأضرابه هذا الكفر البواح؟! وهل ثمة عذر لمعتذر؟ وقد حاول شيخهم المجلسي اللجوء إلى المجاز لتفسير بعض نصوصهم الواردة في هذا الباب حيث قال: "إن تلك المجازات شائعة في كلام العرب، فيقال: لفلان وجه عند الناس، ولفلان يد على فلان وأمثال ذلك، والوجه يطلق على الجهة، فالأئمة الجهة التي أمر الله بالتوجه إليها، ولا يتوجه إليه تعالى إلا بالتوجه إليهم، وكل شيء هالك باطل مضمحل إلا دينهم وطريقتهم وطاعتهم، وهم عين الله أي شاهده على عباده، فكما أن الرجل ينظر بعينه ليطلع على الأمور فكذلك خلقهم الله ليكونوا شهداء من الله عليهم ناظرين في أمورهم. وإطلاق اليد على النعمة والرحمة والقدرة شائع، فهم نعمة الله التامة، ورحمته المبسوطة، ومظاهر قدرته الكاملة. والجنب: الجانب والناحية وهم الجانب الذي أمر الخلق بالتوجه إليهم.. ويحتمل أن يكون كناية عن أن قرب الله تعالى لا يحصل إلا بالتقرب بهم، كما أن قرب الملك يكون بجنبه" اه (٢) . إن هذا الاعتذار دليل على رضا شيوخهم بهذا الكفر البين، وإلا فكيف يلتمس لهذا الإلحاد الظاهر مخرجًا؟! لم لا يضرب به الجدار، وينقي "ثوب التشيع"

стр. 542

من أدران رؤوس الملاحدة، وزبانية الكفر؟ وهل يصح تأويل المجلسي إلا إذا صح تأويل قول فرعون "أنا ربكم الأعلى" إلا إذا كان هذا التأويل لمجرد التستر على الباطل، والدفاع بالهوى عن مقالات الملاحدة. إن التعلق بالمجاز - على فرض القول (١) . به - لا مكان له هنا؛ لأن المجاز في اللغة يلاحظ فيه وجود علاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي، مع وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الأصلي (٢) . والأصل في الكلام الحقيقة "ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذر حمل الكلام على حقيقته" (٣) . ولذلك فإن فرقًا كثيرة في الاثني عشرية وغيرها عدت ذلك الكلام حقيقة، واعتقدت في الأئمة الألوهية بمقتضى هذا الكفر الذي ينقله لهم شيوخ الاثني عشرية، وكان حق هذه المقالة الرفض والتكذيب؛ لأنه لا معنى لدعوى المجاز، فهل توجد علاقة وقرينة لجعل معاني أسماء الله الحسنى وصفاته العليا للأئمة؟! فأين العلاقة في قولهم بأن أسماء الله "الأول والآخر والظاهر والباطن" هي أوصاف للأئمة؟!! وقوله سبحانه: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ أين القرينة الصارفة لهذه الآية عن معناها الأصلي وهو أسماء الله سبحانه؟! لا يوجد شيء من ذلك إلا إن كانت هي زعمهم أن في الأئمة جزءاً إلهيًا، فقد أخرج صاحب الكافي عن الأئمة أنهم قالوا: "إنّ الله خلطنا بنفسه" (٤) . فإذا كانت هذه هي القرينة فهي تؤكد مبدأ الغلو ولا تنفيه، وتعطي الأئمة جزءاً من صفات الله سبحانه. وأنت تلاحظ في كلمات المجلسي مظاهر الغلو في الأئمة وتكاد تكون مجرد صدى لتلك الروايات. فهل يمكن أن يقارن قول العرب: لفلان وجه عند الناس بقول إمامهم -

стр. 543

كما يفترون -: "أنا وجه الله"؟! وهل يقبل أن تجعل قرينة ذلك أن عليًا والأئمة هم الجهة التي أمر الله بالتوجه إليها.. هل عندهم من برهان بهذا فيخرجوه لنا؟ لا يتوجه الناس بعبادتهم ودعائهم إلا إلى الله وحده، ولا يستقبل المسلمون في صلواتهم إلا إلى بيت الله، ولا واسطة بين الله وخلقه إلا في تبليغ وحيه سبحانه، ولا واسطة في التبليغ إلا رسل الهدى ﵈، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، فكيف يقال بعد هذا: إن الأئمة هم الجهة التي يتوجه الناس إليها؟! أما دعوى "أن الأئمة يعلمون ما كان وما يكون ولا يخفى عليهم الشيء" فهذه صفة للحق جل شأنه لا يشاركه فيها أحد سبحانه. قال تعالى: ﴿قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ (١) . ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ (٢) . ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء﴾ (٣) . والله سبحانه أمر أفضل الخلق رسول الهدى ﷺ أن يقول: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ (٤) ، ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ (٥) . فأمره سبحانه أن يفوض الأمور إليه، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم بغيب المستقبل، ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ ... ﴾ (٦) . وقد ذكر علماء الإسلام أن من ادعى شيئًا من علم الغيب فقد كفر،

стр. 544

فقد أضاف الله سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آية من كتابه، فلا يظهر على غيبه إلا من اصطفى من رسله (١) ، وهذا هو الغيب المطلق المحجوب عن جميع الخلق (٢) . وقد عثرت وسط هذا الركام من هذه الدعاوى الغبية الملحدة حول الأئمة على بعض النصوص التي روتها كتب الشيعة والتي تجرد الأئمة من هذه الصفات التي خلعوها عليهم، وهي لا تنبغي إلا للحق جل شأنه. قال أبو عبد الله - كما يروي صاحب الكافي -: "يا عجبًا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلا الله ، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني، فما علمت في أي بيوت الدار هي.." (٣) . ولو كان أبو عبد الله - كما يزعم الكليني في أبوابه التي عقدها بعد ذكره لهذا النص - لو كان يعلم ما يكون ولا يخفى عليه الشيء، وإذا شاء أن يعلم - علم لم يخف عليه موضع الجارية. وكان الأئمة من قديم يشكون من مزاعم هؤلاء الذين جمع أقوالهم صاحب

стр. 545

الكافي وأسندها للأئمة، ولهذا جاء في حديث لهم ذكره صاحب البحار وصاحب الاحتجاج عن بعض أئمتهم قال: "تعالى الله عما يصفون سبحانه وبحمده، ليس نحن شركاء في علمه ولا في قدرته، بل لا يعلم الغيب غيره، كما قال في محكم كتابه ﵎: ﴿قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ (١) أني بريء إلى الله وإلى رسوله ممن يقول: إنا نعلم الغيب أو نشارك الله في ملكه، أو يحلنا محلاً سوى المحل الذي رضيه الله لنا". وروايات الشيعة تكشف نفسها بنفسها وتتناقض نصوصها. وقول الأئمة: إنهم مصدر الرزق وإنزال الغيث.. إلخ والذي يرويه شيوخ الاثني عشرية هو من مخلفات غلاة الشيعة والذين أنكر الأئمة مذهبهم. فقد جاء في أخبارهم أن أبا عبد الله قال حينما قيل له: إن المفضل بن عمر يقول: إنكم تقدرون أرزاق العباد. فقال: "والله ما يقدر أرزاقنا إلا الله، ولقد احتجت إلى طعام لعيالي فضاق صدري وأبلغت إليّ الفكرة في ذلك حتى أحرزت قوتهم؛ فعندها طابت نفسي، لعنه الله وبرئ منه» (٢) . ولكن هذه الروايات هي كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، وفي التقية متسع لكل نص تضيق به نفوس شيوخ الشيعة، وإذا أردت مثالاً على ذلك فاسمع ما يقوله شارح الكافي تعقيبًا على قول أبي عبد الله الذي نقلناه آنفًا (والذي يتعجب فيه أبو عبد الله من قوم نسبوا له العلم بالغيب، ويذكر للرد عليهم بأن جاريته قد اختفت في داره فلم يدر أين هي فكيف يقال عنه إنه يعلم ما كان وما يكون) . قال شارح الكافي.. ".. الغرض من هذا التعجب وإظهاره هو ألا يتخذه الجهال

стр. 546

إلهًا، أو يدفع عن وهم بعض الحاضرين المنكر لفضله ما نسبوه إليه من العلم بالغيب حفظًا لنفسه، وإلا فهو ﵁ كان عالمًا بما كان وما يكون، فكيف يخفى عليه مكان الجارية؟ فإن قلت: إخباره بذلك على هذا يوجب الكذب، قلت: إنما يوجب الكذب لو لم يقصد التورية وقد قصدها، فإن المعنى ما علمت علمًا غير مستفاد منه تعالى بأنها في أي بيوت الدار" (١) . انظر التكلف العجيب في رد هذه الرواية لإثبات أن الإمام يعلم ما كان وما يكون حتى ارتكب في سبيل ذلك نسبة الإمام إلى الكذب، وهدم أصلاً من أصولهم وهو العصمة. وإذا كان الإمام أراد بهذا القول ألا يتخذه الجهال إلهًا فهل أنت بإثباتك لضد قوله تريد أن تدعو إلى تأليه الإمام، وأين الدليل على وجود بعض الحاضرين الذين يخشى من وجودهم الإمام وسلسلة السند كلهم شيعة؟! وعلى أي وجه من وجوه اللغة يعتبر هذا من قبيل التورية؟! أما شيخهم الآخر الشعراني المعلق على الشرح فلم يعجبه هذا التكليف في تأويل الرواية، ورام ردها بأقصر طريق وهو الحكم بأن الرواية كذب (٢) . وهكذا يشيع الزنادقة عن علماء أهل البيت مثل هذه الإشاعات الكاذبة، فإذا أنكروا على هؤلاء الزنادقة فريتهم، وفضحوا باطلهم أمام الملأ حمل شيوخ الشيعة هذا التكذيب والإنكار على التقية.. فصارت التقية حيلة بيد غلاة الشيعة لإبقاء التشيع في دائرة الغلو، ورد الحق، والإساءة لأهل البيت. وقد ادعى زارة بن أعين أن جعفر بن محمد يعلم أهل الجنة وأهل النار، فأنكر ذلك جعفر لما بلغه ذلك، وكفّر من قاله، ولكن زرارة حينما نقل له موقف جعفر قال لمحدثه: "لقد عمل معك بالتقية" (٣) .

стр. 547

المبحث الرابع دعوى التحريف لتأييد مذهبهم في التعطيل وهو مسلك لم يسلكه أحد غيرهم، وشذوذ اختصوا به عن سواهم؛ حيث راموا التخلص من آيات الإثبات للأسماء والصفات في كتاب الله سبحانه بدعوى خطيرة، سبق أعرضنا لها مفصلة، ولذلك سنشير إليها هنا باقتضاب ونقتصر على ما يتصل منها بباب الأسماء والصفات، هذه الدعوى هي تحريفهم للآية عما أنزل الله، فمثلاً روى ابن بابويه عن الرضا علي بن موسى في قول الله سبحانه: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ (١) . قال الرضا: "إنها هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بالملائكة في ظلل من الغمام، وهكذا نزلت" (٢) . قال الرضا: "إنها هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بالملائكة في ظلل من الغمام، وهكذا نزلت" (٣) . وهدف الشيعة من هذا التحريف واضح، فهم يحاولون بذلك نفي الإتيان عن الله سبحانه كقول المعتزلة. وفي الاحتجاج للطبرسي عن أمير المؤمنين علي قال يخاطب أحد الزنادقة لإقناعه بالإسلام!!: "وأما قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ فإنما نزلت كل شيء هالك إلا دينه؛ لأن من المحال أن يهلك منه كل شيء ويبقى الوجه، هو أجل وأعظم من ذلك" (٤) . وواضح أن واضع هذه الأسطورة أعجمي جاهل لا يفقه من أمر العربية شيئًا، وزنديق حاقد في افترائه على كتاب الله، وتعطيله لصفات الله، ونسبة هذا الكفر لأمير المؤمنين علي. ومن كبير مكره وحقده زعمه أن هذه إجابة أمير

стр. 548

المؤمنين لإقناع أحد الزنادقة. إن هذا المنهج في التعطيل يدل على أن هذه الزمرة التي وضعت هذه الروايات لا ترعى في سبيل الدفاع عن مبادئها أية حرمة، ولا تقف عند حد. وإذا كانت فرق العطلة من المعتزلة وغيرها لم تحاول أن تمس لفظ كتاب الله سبحانه، ورامت البحث عن تأويل للمعنى، فإن هذه الفئة قد تخطت الحدود وتجاوزت المبادئ فرامت إثبات مبدئها، يما يخرجها عن الإسلام أصلاً، فدل على أن هناك فئات من أهل التعطيل تريد الكيد للأمة بمحاربة أصل دينها وهو كتاب الله العظيم. ولقد انكشف بهذه الوسيلة أمرها وافتضح شأنها. والله من ورائهم محيط.

стр. 549

الفصل الرابع: اعتقادهم في الإيمان وأركانه وفي هذا الفصل عرض لمبحثين الأول: قولهم في الإيمان والوعد والوعيد، والثاني: قولهم في أركان الإيمان. وفي المبحث الأول خمس مسائل: المسألة الأولى: مفهوم الإيمان عندهم. المسألة الثانية: قولهم بشهادة ثالثة مع الشهادتين. المسألة الثالثة: القول بالإرجاء. المسألة الرابعة: بيان قولهم بالوعد. المسألة الخامسة: بيان قولهم بالوعيد. وفي المبحث الثاني: بيان لقولهم في أركان الإيمان.

стр. 550

المبحث الأول: قولهم في الإيمان والوعد والوعيد المسألة الأولى: مفهوم الإيمان عندهم: لقد أدخل الاثنا عشرية الإيمان بالأئمة الاثني عشر في مسمى الإيمان (١) ، بل جعلوه هو الإيمان بعينه. جاء في أصول الكافي: "الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله" ثم ذكر بقية أركان الإسلام، ثم قال: "الإيمان معرفة هذا الأمر مع هذا، فإن أقر بها ولم يعرف هذا الأمر كان مسلمًا وكان ضالاً" (٢) . ويقولون بأن الثواب في الآخرة ليس على الإسلام، إنما هو على الإيمان. وعقد لذلك صاحب الكافي بابًا بعنوان: "باب أن الإسلام يحقن به الدم وأن الثواب على الإيمان" (٣) . ويفسرون قوله سبحانه: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ... ﴾ (٤) - بما يرونه عن أبي جعفر قال: "إنما عني بذلك عليًا، والحسن، والحسين، وفاطمة. وجرت بعدهم في الأئمة. قال: ثم يرجع القول من الله في الناس فقال:

стр. 551

﴿فَإِنْ آمَنُواْ﴾ يعني الناس ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ﴾ يعني عليًا وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من بعدهم، ﴿فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ " (١) . ولهذا قال ابن المطهر الحلي: "إن مسألة الإمامة (إمامة الاثني عشر) هي أحد أركان الإيمان المستحق بسببه الخلود في الجنان والتخلص من غضب الرحمن" (٢) . وقال محمد جواد العاملي: "الإيمان عندنا إنما يتحقق بالاعتراف بإمامة الأئمة الاثني عشر ﵈، إلا من مات في عهد أحدهم فلا يشترط في إيمانه إلا معرفة إمام زمانه ومن قبله" (٣) . وقال أمير محمد القزويني (من شيوخهم المعاصرين) : "إن من يكفر بولاية علي وإمامته ﵁ فقد أسقط الإيمان من حسابه وأحبط بذلك علمه" (٤) . المسألة الثانية: الشهادة الثالثة وبمقتضى هذا الإيمان الذي لا يعرفه سوى الاثني عشرية، فإنهم اخترعوا "شهادة ثالثة" هي شعار هذا الإيمان الجديد، هي قولهم: "أشهد أن عليًا ولي الله" يرددونها في أذانهم وبعد صلاتهم، ويلقنونها موتاهم. فالإقرار بالأئمة مع الشهادتين يقال بعد كل صلاة، وعقد الحر العاملي بابًا في هذا المعنى (٥) . وجاء في أخبارهم عن زرارة عن أبي جعفر ﵇ قال: "لو أدركت

стр. 552

عكرمة (١) . عند الموت لنفعته، فقيل لأبي عبد الله ﵇: بماذا كان ينفعه؟ قال: يلقنه ما أنتم عليه" (٢) ، وعن أبي بصير عن أبي جعفر قال: لقنوا موتاكم عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله والولاية" " (٣) . ويلقن هذه الشهادة عند إدخاله للقبر (٤) ، وكذلك عند انصراف الناس عنه، وبوَّب لذلك المجلسي فقال: "باب استحباب تلقين الولي الميت الشهادتين والإقرار بالأئمة ﵈ بأسمائهم بعد انصراف الناس" (٥) ، وساق في ذلك جملة من رواياتهم. وهذه الشهادة الجديدة هي إقرار بمسألة الإمامة التي يرى ابن المطهر أنها "أهم المطالب في أحكام الدين وأشرف مسائل المسلمين" (٦) . وبعد، فإن الاعتقاد بأن الإيمان بالاثني عشر هو ركن الإيمان، أو هو الإيمان نفسه وهو أهم مطالب الدين ... إن هذا "الاعتقاد" إحدى الدلائل البينة، والأمارات الواضحة على بطلان مذهبهم، وأنهم شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله. فلا جاء في القرآن ولا ثبت في السنة شيء من ذلك (٧) ، ولهذا رأى شيخ الإسلام أن قولهم بأن الإمامة - فضلاً عن القول بإمامة الاثني عشر التي لا يوافقهم أحد من المسلمين عليها إلا من ارتضى مذهبهم من الروافض - أهم مطالب الدين هو

стр. 553

كفر، لأنه من المعلوم من الدين بالضرورة أن الإيمان بالله ورسوله أهم من مسألة الإمامة (١) . وإذا كانت الإمامة بهذه المثابة التي يزعمون، فأبعد الناس عنها الرافضة الذين يرون أن كل راية ترفع قبل قيام "المعدوم" والذي يسمونه المنتظر هي راية جاهلية (٢) ، ويكفرون بما وراءه من الخلفاء ما عدا خلافة علي والحسن. كما أن مجرد المعرفة للأئمة لا يحصل بها نيل درجة الكرامة، لأن هذا لا يحصل بمجرد معرفة الرسول ﷺ إذا لم يطع أمره ويتبع قوله (٣) . المسألة الثالثة: القول بالإرجاء هذا وإذا كان الإيمان عندهم هو الإقرار بالأئمة الاثني عشر، فقد أصبح معرفة الأئمة عندهم كافية في الإيمان ودخول الجنان، فأخذوا بمذهب المرجئة (٤) . رأسًا. ولهذا عقد صاحب الكافي بابًا بعنوان: "باب أن الإيمان لا يضر معه سيئة، والكفر لا ينفع معه حسنة" (٥) ، وذكر فيه ستة أحاديث منها قول أبي عبد الله: "الإيمان لا يضر معه عمل، وكذلك الكفر لا ينفع معه عمل" (٦) . والإيمان حسب مصطلحهم هو حب الأئمة أو معرفتهم.

стр. 554

وحين قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن أكثر الشيعة يعتقدون أن حب علي حسنة لا يضر معها سيئة" (١) . رد عليه بعض شيوخهم وآياتهم في هذا العصر فقال: "ما نسبه إلى كثير من الشيعة من القول بأن حب علي حسنة ليس يضر معه سيئة، فإنه بهتان منه، فإنهم جميعًا متفقون على ذلك، فتخصيصه الكثير منهم بهذه العقيدة ليس له وجه سوى الكذب" (٢) . قال شيخ الإسلام: "وإذا كانت السيئات لا تضر مع حب علي، فلا حاجة إلى الإمام المعصوم الذي هو لطف في التكليف، فإنه إذا لم يوجد إنما توجد سيئات ومعاص، فإذا كان حب علي كافيًا فسواء وجد الإمام أو لم يوجد" (٣) . فصارت مسألة إمامة المعصوم المبنية على قاعدة اللطف منقوضة بمسألة المحبة المجردة، وكل قول عندهم لابد أن يهدم قولاً آخر وهكذا الشأن في كل دين ليس من عند الله سبحانه. ولعلهم يفارقون المرجئة من حيث إن المرجئة تقول: الإيمان هو المعرفة بالله، وهم يقولون: الإيمان معرفة الإمام أو حبه. وأخبارهم في هذا الباب كثيرة في عشرات من الأحاديث، فقد جاء عندهم "وهل الدين إلا الحب" (٤) . وذكر المجلسي (١٥٤) رواية في باب بعنوان: "باب ثواب حبهم وولايتهم وأنهم أمان من النار" (٥) ، كما جاء في عنوان آخر: "أن ولايته (يعني عليًا) ﵇ حصن من عذاب الجبار، وأنه لو اجتمع الناس على حبه ما خلق الله النار" (٦) ، وجاء في أحاديثهم "لا يدخل الجنة إلا من أحبه

стр. 555

من الأولين والآخرين، ولا يدخل النار إلا من أبغضه من الأولين والآخرين" (١) . وعلى هذا التقدير سقط الإيمان بالله ورسوله، وجميع العقائد الدينية، وجميع التكليفات والأحكام الشرعية، ولم يبق في شريعة الإسلام غير حب علي، وهذه المفتريات قد أضلت كثيرًا ممن يحب الإباحة ويتبع الشهوات (٢) . وهذه الروايات يلزم منها أن القرآن لم ينزل لهداية الخلق، بل لضلالتهم؛ إذ لم يذكر فيه حب علي وبغضه مع أنه هو أصل دخول الجنة أو دخول النار. قال السويدي: "وإذا كان حب الله ورسوله ﷺ غير كاف في النجاة والخلاص من العذاب بلا إيمان وعمل صالح فكيف يكون حب علي كافيًا، وهذا مخالف لقوله سبحانه: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (٣) . وقوله: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٤) .؟ بل مخالف لأصولهم ورواياتهم، أما المخالفة للأصول، فلأنه إذا ارتكب رافضي الكبائر ولم يعاقبه الله على ذلك يلزم ترك الواجب على الله تعالى عندهم. وأما المخالفة للروايات فلأن عليًا والسجاد والأئمة الآخرين قد روي عنهم في أدعيتهم الواردة عندهم بطرق صحيحة البكاء والاستعاذة من عذاب الله تعالى، وإذا كان مثل هؤلاء الأئمة الكرام خاشعين خائفين من عذاب الله فكيف يصح لغيرهم أن يغتر بمحبتهم ويتكل عليهم في ترك العمل (٥) .؟ ". وانظر في قولهم: "إنه لا يدخل النار إلا من أبغضه من الأولين والآخرين" تجد أنه يدل صراحة على أنه لا يدخل النار مثل فرعون وهامان وقارون وسائر رؤساء الكفر وأتباعهم من الأمم الماضية لأنهم لم يبغضوا عليًا، بل لم يعرفوه، فانظر كيف أدى بهم الغلو. ولا شك أن هذه مقالة لا يتكلف في ردها، لأنه معلوم بطلانها من الإسلام

стр. 556

بالضرورة، ولو كان الأمر كما يزعمون لما أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وشرعت الشرائع. لكن هذه العقيدة بقيت آثارها في المجتمعات الشيعية من الاستهانة بشرائع الله، والجرأة على حدود الله. المسألة الرابعة: قولهم في الوعد قال ابن بابويه: "اعتقادنا في الوعد أن من وعد الله على عمل ثوابًا فهو منجزه" (١) . وقد توسعوا في مفهوم الوعد فاخترعوا روايات وأخبارًا ونسبوها لجعفر الصادق وغيره تثبت الوعد بالثواب على أعمال ما أنزل الله بها من سلطان. بل إن الدليل والبرهان قام على منعها وتحريمها أو اعتبارها ضربًا من الشرك أو الإلحاد كلعن صحابة رسول الله ﷺ وقد جعلوه من أفضل القربات (٢) . ولطم الخدود وشق الجيوب، وتعذيب النفس، وضربها بالسكاكين والسيوف باسم عزاء الحسين وهو عندهم من عظيم الطاعات (٣) . والحج إلى الأضرحة والطواف بها ودعائها والاستغاثة بها من أجل العبادات عندهم (٤) . واستحداثهم لعبادات ما نزل بها من عند الله نص، وترتيب عظيم الثواب عليها (٥) .

стр. 557

وجاءت أخبارهم تقول بأن الأئمة يملكون الضمان لشيعتهم بدخول الجنة، وقد شهدوا بذلك لبعض أتباعهم على وجه التعيين، فهم يعدون بالثواب ويحققونه!!. ومن نصوصهم في هذا ما جاء في رجال الكشي: ".. عن زياد القندي عن علي بن يقطين، أن أبا الحسن قد ضمن له الجنة" (١) ، وفي رواية أخرى "عن عبد الرحمن الحجاج، قال: قلت لأبي الحسن ﵁: إن علي بن يقطين أرسلني إليك برسالة أسألك الدعاء له، فقال: في أمر الآخرة (٢) .؟ قلت: نعم، قال: فوضع يده على صدره ثم قال: ضمنت لعلي بن يقطين ألا تمسه النار" (٣) . فانظر إلى هذا "التألي" على الله، وكأن لديهم خزائن رحمة الله، وبيدهم مقاليد كل شيء، فهم يضمنون ولا يستثنون، ويوزعون صكوك الغفران والحرمان، فهل لهم مع الله تدبير؟ أو هم رسل يوحى إليهم، أو اطلعوا على الغيب، أو اتخذوا عند الرحمن عهدًا؟! إن مثل هذه المزاعم تبين أن واضعي هذه الأساطير هم فئة من الزنادقة الذين لا يؤمنون بقرآن ولا سنة، وهدفهم إفساد هذا الدين، فلم يجدوا مكانًا لتحقيق ذلك إلا في محيط التشيع. وعلي بن يقطين الذي ضمن له هؤلاء الزنادقة "جنتهم" قد يكون شريكًا لهم في المذهب، فقد ذكر الطبري في حوادث سنة ١٦٩هـبأنه قتل على الزندقة (٤) . وأخبار ضمان الأئمة لأتباعهم الجنة مستفيضة أخبارها في كتب الاثني

стр. 558

عشرية (١) . المسألة الخامسة: قولهم في الوعيد قال المفيد: "اتفقت الإمامية على أن الوعيد بالخلود في النار متوجه إلى الكفار خاصة دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى والإقرار بفرائضه من أهل الصلاة" (٢) ، وأنهم بارتكاب الكبيرة لا يخرجون عن الإسلام، وإن كانوا يفسقون بما فعلوه من الكبائر والآثام (٣) . وهذا القول في ظاهره موافق لمذهب أهل السنة، لكنهم خرجوا عن تحقيق هذا المذهب من طريق آخر، حيث توسعوا في مفهوم الكفر والمكفرات، ولذلك "اتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار، وأن على الإمام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم وإقامة البينات عليهم فإن تابوا عن بدعهم وصاروا إلى الصواب وإلا قتلهم لردتهم عن الإيمان، وأن من مات منهم على تلك البدعة فهو من أهل النار" (٤) . واتفقت على القول بكفر من حارب أمير المؤمنين عليًا وأنهم "كفار ضلال ملعونون بحربهم أمير المؤمنين وأنهم بذلك في النار مخلدون" (٥) . وهكذا حكمهم في كل من خالفهم، ولذلك قال ابن بابويه: "واعتقادنا فيمن خالفنا في شيء واحد من أمور الدين كاعتقادنا فيمن خالفنا في جميع أمور الدين" (٦) .

стр. 559

فهم من هذا الباب وعيدية، ولهذا قال شيخ الإسلام بأن متأخري الشيعة وعيدية في باب الأسماء والأحكام (١) . ويذكر الأشعري بأن طائفة من الروافض "يثبتون الوعيد على مخالفيهم ويقولون: إنهم يعذبون، ولا يقولون بإثبات الوعيد في من قال بقولهم، ويزعمون أن الله سبحانه يدخلهم الجنة، وإن أدخلهم النار أخرجهم منها، ورووا في أئمتهم أن ما كان بين الله وبين الشيعة من المعاصي سألوا الله فيهم فصفح عنهم، وما كان بين الشيعة وبين الأئمة تجاوزوا عنه، وما كان بين الشيعة وبين الناس من المظالم شفعوا لهم إليهم حتى يصفحوا عنهم" (٢) . وهذا المعنى الذي يتحدث عنه الأشعري قد تبنى المجلسي إشاعته في باب عقده بعنوان: "باب الصفح عن الشيعة" وذكر فيه سبعًا وتسعين رواية (٣) . وبعدما ذكر هذه الروايات كلها كأنه استقلها فقال: قد مرت أخبار كثيرة من هذا الباب في أبواب المعاد من الحوض والشفاعة وأحوال المؤمنين والمجرمين في القيامة وغيرها، وأبواب فضائل الأئمة (٤) . وقد صدر الباب المذكور بحديث يحكي نفس المذهب الذي أشار إليه الأشعري، يقول حديثهم: "إذا كان يوم القيامة ولينا حساب شيعتنا، فمن كانت مظلمته فيما بينه وبين الله حكمنا فيها فأجابنا، ومن كانت مظلمته فيما بينه وبين الناس استوهبناها فوهبت لنا، ومن كانت مظلمته فيما بينه وبيننا كنا أحق من عفا وصفح" (٥) . فهم وعيدية بالنسبة لمن خالفهم، كما أنهم مرجئة فيمن دان بقولهم.

стр. 560

المبحث الثاني: قولهم في أركان الإيمان أركان الإيمان تشمل: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر، كما في قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ... ﴾ (١) . وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢) . وقد سبق الحديث مفصلاً عن انحراف الشيعة في باب الإيمان بالله، في ربوبيته، وإلهيته، وأسمائه وصفاته. وهنا سيكون الحديث عن قولهم في بقية أركان الإيمان، حيث يبدو أن مسألة الإمامة كان لها أثرها على ذلك، فهم مع إثبات أركان الإيمان من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر واليوم الآخر، يبدو أثر الإمامة واضحًا في بيانهم لهذه الأركان، وحديثهم عنها، كما سيتبين في الصفحات التالية: الإيمان بالملائكة: وقد نال هذا الركن من أركان الإيمان نصيبه، فالملائكة خلقوا من نور الأئمة وهم خدم للأئمة، ومنهم طوائف قد كلفوا - بزعمهم - للعكوف على قبر الحسين.. إلخ.

стр. 561

تقول أخبارهم: "خلق الله من نور وجه علي بن أبي طالب سبعين ألف ملك يستغفرون له ولمحبيه إلى يوم القيامة" (١) . وأحيانًا يقولون: "خلق الله الملائكة من نور علي" (٢) . وقد زعموا أن من ملائكة الرحمن من لا وظيفة لهم إلا البكاء على قبر الحسين، والتردد لزيارته، قالوا: "وكَّل الله بقبر الحسين أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة.." (٣) . وزيارة قبر الحسين هي أمنية أهل السماء، قالوا: "وليس شيء في السماوات إلا وهم يسألون الله أن يؤذن لهم في زيارة الحسين ففوج ينزل وفوج يعرج" (٤) . وقالوا: "إن الملائكة لخدامنا وخدام محبينا" (٥) . وجاء في آخر حديث طويل لهم "إن جبرائيل دعا أن يكون خادمًا للأئمة، قالوا: فجبريل خادمنا" (٦) . وقد قال شيخ الإسلام ﵀ وهو يرد على ابن المطهر نقله لمثل هذا اللقب للملائكة قال: "فتسمية جبريل رسول الله إلى محمد ﷺ خادمًا عبارة من لا يعرف قدر الملائكة وقدر إرسال الله لهم إلى الأنبياء.." (٧) . وكيف يطلق هذا اللقب "الوضيع" فيمن وصفه الله بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ

стр. 562

رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ (١) . فالمراد بالرسول الكريم هنا جبريل، وذي العرش رب العزة سبحانه. ولهم دعاوى في هذا الباب كثيرة، وكأنه لا وظيفة للملائكة إلا أمر أئمتهم الاثني عشر، أو كأنهم ملائكة الأئمة لا ملائكة الله!. قال أبو عبد الله: "إن الملائكة لتنزل علينا في رحالنا وتتقلب في فرشنا، وتحضر موائدنا، وتأتينا من كل نبات في زمانه رطب ويابس، وتقلب علينا أجنحتها، وتقلب أجنحتها على صبياننا، وتمنع الدواب أن تصل إلينا، وتأتينا في وقت كل صلاة لتصليها معنا، وما من يوم يأتي علينا ولا ليل إلا وأخبار أهل الأرض عندنا، وما يحدث فيها، وما من ملك يموت في الأرض ويقوم غيره إلا وتأتينا بخبره وكيف كانت سيرته في الدنيا" (٢) . ويقولون بأن وسائد وقلائد أولادهم يأخذونها من أجنحة الملائكة، بل إن الملائكة تتولى رعاية أطفالهم، حتى قال أبو عبد الله: "هم ألطف بصبياننا منا بهم" (٣) . والملائكة في أخبار الشيعة مكلفون بمسألة الولاية، ولكنهم يقولون أنه لم يستجب منهم إلا طائفة المقربين (٤) . رغم أن العقوبة تحل بمن يخالف منهم في أمر الولاية - في زعمهم - حتى إن أحد الملائكة عوقب بكسر جناحه لرفضه ولاية أمير المؤمنين ولم يبرأ إلا حينما تمسح وتمرغ بمهد الحسين (٥) . ولم تشرف الملائكة - بزعمهم - إلا بقبولها ولاية علي (٦) .

стр. 563

وحياة الملائكة موقوفة على الأئمة والصلاة عليهم، لأنه "ليس لهم طعام ولا شراب إلا الصلاة على علي بن أبي طالب ومحبيه، والاستغفار لشيعته المذنبين" (١) ، وكانت الملائكة لا تعرف تسبيحًا ولا تقديسًا من قبل تسبيحنا (يعني تسبيح الأئمة) وتسبيح شيعتنا (٢) . ولذلك فإن الملائكة تراعي أمر الشيعة على وجه الخصوص، فإذا خلا الشيعي بصاحبه اعتزلهم الحفظة فلم يكتبوا عليهم شيئًا، يقولون: إذا التقى الشيعي مع الشيعي يتساءلان، قالت الحفظة: اعتزلوا بنا، فإن لهم سرًا وقد ستره الله عليهما (٣) ، مع أن الله سبحانه يقول: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٤) . وقال سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٥) . هذا ومزاعمهم في هذا الباب متنوعة، وفيها من التطاول على مقام الملائكة المقربين، والكذب عليهم، مع مبالغات غريبة، ومجازفات طاغية، أقرب ما تكون إلى إنكار الملائكة؛ لأن إنكار وظائفهم وخصائصهم وما شرفهم الله به، ووضع دين الولاية هو شرعتهم، والشرك عند قبر الحسين هو عمل طائفة منهم قد يهون عنده إنكارهم أصلاً، ولقد اقتربوا من الإنكار حينما أولوا أسماء وألقاب الملائكة في القرآن بالأئمة، أو جعلوا وظائف الملائكة للأئمة. وبهذا عقد المجلسي بابًا بعنوان "باب أنهم ﵈ الصافون والمسبحون وصاحب المقام المعلوم وحملة عرش الرحمن وأنهم السفرة الكرام البررة" (٦) .

стр. 564

هذا ما يقولونه في الملائكة، والله سبحانه يقول: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (١) . ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ (٢) . الإيمان بالكتب: والشيعة قد تأثر هذا الجانب عندها بمقتضى عقائدها التي انفردت بها عن سائر المسلمين في مسألة الإمامة وغيرها، فآمنت بكتب ما أنزل بها من سلطان، حيث ادعت أن الله سبحانه أنزل على أئمتها كتبًا من السماء، كما أنزل كتبه على أنبيائه. كما زعمت بأن لدى الأئمة الاثني عشر الكتب السماوية التي نزلت على جميع الأنبياء فهم يقرأونها ويحتكمون إليها. وإليك بيان هاتين القضيتين، من خلال النقل الأمين من كتب الشيعة المعتمدة: المسألة الأولى: دعواهم تنزل كتب إلهية على الأئمة (٣) : تضمنت كتب الشيعة المعتمدة عندها دعاوى عريضة، ومزاعم خطيرة ليس لها وجود في عالم الواقع، ولا يرى لها عين ولا أثر، وليس لها في كتب الأمة شاهد ولا خبر. تلك المزاعم والدعاوى تتضمن أن هناك كتبًا مقدسة نزلت من السماء بوحي من رب العزة جل علاه إلى "الأئمة". وأحيانًا تورد كتب الشيعة نصوصًا

стр. 565

وأخبارًا يزعمون أنها مأخوذة من تلك الكتب، وعلى هذه الروايات المدعى أخذها من تلك الكتب تبنى عقائد ومبادئ. وكأن الذين وضعوا أصول التشيع لم يكتفوا لتأييد أصولهم بكل ما مضى من دعاوى حول كتاب الله، وخافوا ألا تكون وافية بالغرض فيفرّ أتباعهم من حولهم، وتضيع مصادر الثروة عليهم فيخسروا المال والجاه والتقديس الذي يجنونه من أولئك الأتباع باسم الخمس والنيابة عن الإمام. فافتعلوا هذه الدعوى ليضمنوا بها - مع أخواتها - تحقيق تلك الأهداف، وليسددوا بها سهمًا آخر ضد الأمة ودينها. وهذه الدعوى لا تكاد تختلف عن دعوى أكثر المتنبئين بتنزل كتب، أو وحي عليهم. ولعل جذور هذه المقالة بدأت في عصر علي ﵁ كما أشارت إلى ذلك إحدى روايات الإمام البخاري ﵁ عن أبي جحيفة قال: "قلت لعليّ: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر" (١) . وفي رواية أخرى للبخاري جاء السؤال: "هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله" (٢) . (وهي تفسر المراد بالكتاب) . قال ابن حجر: "وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك، لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت - لاسيما عليًا - أشياء من الوحي خصهم النبي ﷺ بها لم يطلع غيرهم عليها، وقد سأل عليًا عن هذه المسألة أيضًا قيس
следующие страницы →