وإذا تبين لك ما ذكرنا تعرف سقوط تعقب البوصيري للإمام البخاري بقوله في " الزوائد " (ق ٢٥ / ١) : " وهذا الذي علل به البخاري ليس بقادح، فالإسناد الأول حسن (١) ، رجاله ثقات معرفون، وقد أخطأ من زعم أن خالد بن أبي الصلت مجهول، وأقوى ما أعل به هذا الخبر أن عراكا لم يسمع من عائشة، نقلوه عن الإمام أحمد، وقد ثبت سماعه منها عند مسلم ".
قلت: والجواب على هذا من وجوه: الأول: أن المخالفة التي أعل البخاري الحديث بها لم يجب عنها البوصيري بشيء عنها أصلا، إلا مجرد الدعوى " ليس بقادح "! مع أنه ساق كلامه للرد عليه، فانصرف عنه إلى الرد على غيره! وذلك دليل على ضعف رده وسلامة الحجة عند المردود عليه!
الثاني: أن رجال الإسناد كلهم ثقات رجال مسلم غير ابن أبي الصلت فإن كان ثقة فلماذا اقتصر البوصيري على تحسين الإسناد ولم يصححه؟ ! أليس في هذا وحده ما يدل على أن في ابن أبي الصلت شيئا يمنع حتى الموثقين له من تصحيح حديثه! فما هو هذا الشيء؟ ليس هو إلا عدم الاطمئنان لتوثيق ابن حبان، وإن تظاهروا بالاعتداد بتوثيقه! الثالث: جزمه بخطإ من جهل ابن أبي الصلت مردود عليه بما سبق بيانه في العلة (الثالثة) ، فأغنى عن
الإعادة. الرابع: دعواه أن الانقطاع الذي ذكره هو أقوى ما أعل به الحديث، ليس مسلما عندي، بل الأقوى هو المخالفة التي لم يستطع الإجابة عنها، ثم الجهالة.
الخامس: أن رده للانقطاع بقوله: " ثبت سماعه منه عند مسلم "، خطأ مبني على خطأ، وذلك أنه ليس عند مسلم ما زعمه من سماع عراك من عائشة، وما علمت أحدا سبقه إلى هذا الزعم، وإنما ذكر الشيخ ابن دقيق العيد أن مسلما أخرج في " صحيحه " حديث عراك عن عائشة: " جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها ... " الحديث (٢) ، نقله الزيلعي في " نصب الراية " (٢ / ١٠٧) ، وليس فيه السماع المدعى كما ترى. السادس: أنه لوفرضنا أن عراكا سمع من عائشة بعض الأحاديث، فلا يلزم من ذلك أنه سمع منها كل حديث يروى من طريقه عنها، لاحتمال عدم ثبوت السند بذلك عنه، كما هو الشأن في هذا الحديث، وهذه علة أخرى فيه وهي:
الخامسة: الانقطاع بين عراك وعائشة، والدليل على ذلك مجموع أمرين:
١ - أن أكثر الروايات التي سبق ذكرها لم يقع فيها تصريح عراك بالسماع من عائشة.
стр. 1332
وإنما وقع في رواية علي بن عاصم وهو ضعيف الحفظ كما سبق، وقول الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على " المحلى " (١ / ١٩٧) وقد تابعه على ذلك حماد بن سلمة فارتفعت شبهة الغلط "، ليس مسلما، لأن هذه المتابعة مشكوك في ثبوتها، فإن كل ما رواه عن حماد لم يصرح بالسماع سوى موسى وهو التبوذكي، وأما الثقات الآخرون فرووه معنعنا، وهم وكيع ابن الجراح وبهز بن أسد ويحيى ابن إسحاق وأسد بن موسى ويزيد بن هارون في رواية عنه، وعبد العزيز بن المغيرة، كلهم قالوا: " عن عائشة " وروايتهم أرجح من رواية الفرد ولوكان ثقة، مع أنه يمكن أن تكون المخالفة ليست منه بل من حماد نفسه، لما سبق ذكره من أنه كان يخطىء أحيانا، فكان في الغالب يرويه معنعنا، فحفظ ذلك منه الجماعة، ونادرا يرويه بالسماع فحفظ ذلك منه موسى، وهذا اضطراب من حماد نفسه، كما كان يضطرب في إسناده على ما سبق بيانه.
ومما يرجح رواية العنعنة، رواية جماعة آخرين لها مثل أبي عوانة ويحيى بن مطر والقاسم بن مطيب وعبد الوهاب الثقفي ووهيب عن خالد الحذاء على خلاف بينهم وبين الجماعة الأولى كلهم أجمعوا على روايته بالعنعنة. فهؤلاء عشرة أشخاص وزيادة رووه بالعنعنة فلا يشك كل من وقف عليها أنها هي الصواب، وأن رواية السماع منكرة أو شاذة، وقد صرح بهذا الإمام أحمد فقال إبراهيم بن الحارث: " أنكر أحمد قول من قال: عن عراك سمعت عائشة، وقال: عراك من أين سمع من عائشة ".
وقال أبو طالب عن أحمد: " إنما هو عراك عن عروة عن عائشة، ولم يسمع عراك منها " وذكر ابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص ١٠٣ - ١٠٤ - طبع بغداد) بعد أن ساق الحديث أن الإمام أحمد قال: " مرسل، عراك بن مالك من أين سمع عن عائشة، إنما يروي عن عروة، هذا خطأ، ثم قال: من يروي هذا؟ قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذاء، فقال: قال غير واحد: عن خالد الحذاء ليس فيه سمعت وقال غير واحد أيضا عن حماد بن سلمة ليس فيه سمعت ".
فقد أشار الإمام أحمد ﵀ إلى أن ذكر السماع غير محفوظ عن حماد من جهة، ولا عن خالد الحذاء من جهة أخرى، وذلك ما فصلناه آنفا. ولو أن الذين خالفوا الإمام أحمد ورجحوا رواية السماع تأملوا في كلامه ثم تتبعوا الروايات التي ذكرناها لما أقدموا إن شاء الله على مخالفته، لأن الحجة الواضحة معه، ولكنه ﵀ اكتفى بالإشارة إليها وقد فصلناه لك تفصيلا لا يدع مجالا للشك في خطإ المخالفين، وقال موسى بن هارون: " لا نعلم لعراك سماعا من عائشة ". وليس من السهل في نظر الباحث المحقق تخطئة هذين الإمامين، كما فعل المعلق على " المحلى "، ومن قبله البوصيري بمجرد ذكر السماع في بعض الروايات مع شذوذها، ثم هي
стр. 1333
كلها مدارها على خالد بن أبي الصلت الذي لا دليل عندنا على ثقته وضبطه كما سبق، وما يدرينا ولعل هذا الاختلاف عنه في السماع والعنعنة إنما هو منه، وذلك دليل على تردده وعدم حفظه، ويؤيد هذا ما يأتي:، وهو: الأمر الثاني: أن جعفر بن ربيعة قد خالف خالد بن أبي الصلت، فأدخل بين عراك وعائشة عروة، كما تقدم وهو أرجح من وجهين: أولا: أن جعفر بن أبي ربيعة أو ثق من ابن أبي الصلت كما تقدم بيانه. ثانيا: أن روايته موافقة لبعض الروايات عن خالد وهي رواية يزيد بن هارون عن حماد ابن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت
عن عراك عن عروة بن الزبير عنها. أخرجه الطحاوي كما تقدم، فهذا يؤكد وهم ابن أبي الصلت أو بعض من دونه في ذكر السماع من عراك لعائشة. وقد خالف جعفر خالدا في موضع آخر من السند وهو أنه أوقفه ولم يذكر فيه رسول الله ﷺ ، وقد سبق بيان ذلك في العلة (الرابعة) .
العلة السادسة: النكارة. وقد بقي الكلام على العلة الأخيرة وهي السادسة، وهي النكارة في المتن، وبيان ذلك في ما يأتي: من المعلوم أن النبي ﷺ كان نهى أصحابه عن استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط نهيا عاما لم يقيده بالصحراء، فإذا روي في حديث ما كهذا الذي نحن في صدد الكلام عليه أن الصحابة كرهو ااستقبال القبلة، فما يكون ذلك منهم إلا اتباعا لرسول الله ﷺ اتباعا يستحقون عليه الأجر والمثوبة، لأنهم على أقل الدرجات مجتهدون مخطئون مأجرون أجرا واحدا، وسبب خطئهم عملهم بالنص على عمومه، أو عملهم بالمنسوخ الذي لم يعرفوا نسخه، وأي الأمرين فرض، فلا يعقل أن ينكر النبي ﷺ على أصحابه طاعتهم إياه فيما كان نهاهم عنه قبل أن يبلغهم النص المخصص أو الناسخ، كيف وهو المعروف بتلطفه مع أصحابه في تأديبهم وتعليمهم، كما يدل على ذلك سيرته الشريفة معهم، كحديث الأعرابي الذي بال في المسجد، وحديث معاوية بن الحكم السلمي الذي تكلم في الصلاة جاهلا، وغير ذلك مما هو معروف، فلم ينكر رسول الله ﷺ عليهم نكارا شديدا مع أنهم فعلوا أشياء لم يسبق أن جوزها لهم رسول الله ﷺ وأما في هذا الحديث فهو ينكر عليهم أشد الإنكار عملهم، وما هو؟ كراهيتهم لاستقبال القبلة، التي كانوا تلقوها عنه ﷺ ، فهل يتفق هذا الإنكار مع هديه ﷺ في التلطف في الإنكار؟ كلا ثم كلا، بل لوأراد ﷺ أن يبدل شيئا من الحكم السابق أو أن ينسخه من أصله لقال لهم كما قال في أمثاله: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الأو عية فانتبذوا، وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروها ". أخرجه مسلم وغيره وهو مخرج في " الصحيحة " (٢٠٤٨) .
стр. 1334
فلو أن قوما من أصحاب النبي ﷺ استمروا على العمل بهذا النهي لعدم بلوغ الرخصة إليهم، أفكان ينكر ﷺ عليهم أم يكتفي بتعليمهم؟ لا شك أن الجواب إنما هو تعليمهم فقط، فكذلك الأمر في كراهة الاستقبال، كان يكتفي معهم بتعليمهم، وأما أن ينكر عليهم بقوله " أو قد فعلوها " فإنه شيء
ثقيل لا أكاد أتخيل صدوره منه ﷺ ، وقد أراحنا الله تعالى من التصديق به بعد أن علمنا ثبوته بالطريق التي أقام الحجة بها على عباده في تعريفهم بتفاصيل شريعته، وأعني الإسناد. واعلم أن كلامنا هذا إنما هو قائم على أساس ما ذهب إليه بعض العلماء من الاستدلال بالحديث على نسخ النهي عن استقبال القبلة، وأما على افتراض أنه كان قبل النهي عن استقبال القبلة فلا يرد الاستنكار المذكور، وعليه حمل ابن حزم الحديث على فرض صحته فقال (١ / ١٩٧ - ١٩٨) : " ثم لوصح لما كان لهم فيه حجة، لأن نصه يبين أنه إنما كان قبل النهي، لأن من الباطل المحال أن يكون رسول الله ﷺ ينهاهم عن استقبال القبلة بالبول والغائط، ثم ينكر عليهم طاعته في ذلك المجال، هذا ما لا يظنه مسلم ولا ذوعقل، وفي هذا الخبر إنكار ذلك عليهم، لوصح لكان
منسوخا بلا شك ". قلت: لكن يرد على هذا الافتراض أنه يبعد أن يكره الصحابة شيئا دون توقيف من رسول الله ﷺ لهم، وافتراض ثبوت ذلك عنهم فيه إساءة الظن بهم وأنهم يشرعون بآرائهم، وهذا ما لا يجوز أن نظنه بهم، ولذلك فالحديث كيف ما أول فهو منكر عندي. والله أعلم.
٩٤٨ - " إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة، أو إذخرة. (يعني المني) ".
منكر مرفوعا.
رواه الدارقطني (٤٦) والبيهقي (٢ / ٤١٨) من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق: أخبرنا شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس قال: " سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب؟ قال: " فذكره، وقال الدارقطني: " لم يرو هـ غير إسحاق الأزرق عن شريك (يعني مرفوعا) ، محمد بن عبد الرحمن هو ابن أبي ليلى ثقة في حفظ شيء ". وقال البيهقي: " ورواه وكيع عن ابن أبي ليلى موقوفا على ابن عباس، وهو الصحيح ".
قلت: وهذا وصله الدارقطني: حدثنا محمد بن مخلد: أخبرنا الحساني: أخبرنا وكيع به. ويرجح هذا أنه ورد موقوفا من طريقين آخرين عن عطاء، فقال الشافعي في " سننه " (١ / ٢٤) : أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار وابن جريج كلاهما يخبره عن عطاء عن ابن عباس ﵁ أنه قال في المني يصيب الثوب، قال:
стр. 1335
" أمطه عنك - قال أحدهما - بعود أو إذخرة، فإنما هو بمنزلة البصاق والمخاط ".
قلت: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه البيهقي من طريق الشافعي ثم قال: " هذا صحيح عن ابن عباس من قوله، وقد روي مرفوعا، ولا يصح رفعه ". قلت: وجملة القول أن المرفوع فيه ثلاث علل: الأولى: ضعف محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى كما أشار إلى ذلك الدارقطني بقوله " في حفظه شيء " على تسامح منه في التعبير!
الثانية: ضعف شريك أيضا وهو ابن عبد الله القاضي، وأستغرب من الدارقطني سكوته عنه هنا، مع أنه قال فيه وقد ساق له حديث وضع الركبتين قبل اليدين عند الهو ي للسجود: " وشريك ليس بالقوي فيما تفرد به ". (انظر الحديث المتقدم ٩٢٩) .
الثالثة: تفرد إسحاق الأزرق بروايته عن شريك مرفوعا، وهو - أعني الأزرق - وإن كان ثقة، فقد خالفه وكيع وهو أو ثق منه، ولذلك رجح روايته البيهقي كما تقدم، لكن يبدو لي أن الراجح صحة الروايتين معا عن شريك، الموقوفة والمرفوعة، وأن هذا الاختلاف إنما هو من شريك أو شيخه ابن أبي ليلى، لما عرفت من سوء حفظهما، فهذا الإعلال أولى من تخطئة إسحاق الأزرق الثقة، وهذا أولى من نصب الخلاف بين الثقتين كما فعل البيهقي من جهة، وابن الجوزي من جهة أخرى، أما البيهقي فقد رجح رواية وكيع على إسحاق، وعكس ذلك ابن الجوزي فقال بعد أن ذكر قول الدارقطني " لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك ": " قلنا إسحاق إمام مخرج عنه في " الصحيحين "، ورفعه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، ومن وقفه لم يحفظ ".
كذا قال: وقد عرفت أن الصواب تصحيح الروايتين وأن كلا من الثقتين حفظ ما سمع من شريك، وأن هذا أو شيخه هو الذي كان يضطرب في رواية الحديث عن عطاء، فتارة يرفعه، وتارة يوقفه، فسمع الأزرق منه الرفع
، وسمع وكيع منه الوقف، وكل روى ما سمع، وكل ثقة.
ومن العجيب أن ابن الجوزي يتغافل عن العلتين الأوليين، ويجادل في العلة الثالثة، وقد عرفت ما في كلامه فيها، ولوسلم له ذلك، فلم يسلم الحديث من العلتين، وأعجب من ذلك أن العلة الأولى قد نبه عليها الدارقطني في جملته التي ذكرنا عنه في أول هذا التحقيق، فلما نقلها ابن الجوزي عنه اقتصر منها على الشطر الأول الذي فيه إعلال الحديث بالوقف، ولم يذكر الشطر الثاني الذي فيه الإشارة إلى العلة الأولى وهي ضعف ابن أبي ليلى! وهذا شيء لا يليق بأهل التحقيق والعلم.
ومن الأوهام حول هذا الحديث قول الإمام الصنعاني - في " العدة على شرح العمدة " (١ / ٤٠٤) :
стр. 1336
" ثبت عنه (يعني ابن عباس) مرفوعا إلى النبي ﷺ أنه قال: إنه بمنزلة البصاق والمخاط.... أخرجه الدارقطني من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق: حدثنا شريك.... ". ثم أعاده قائلا (١ / ٤٠٥) : " وإسناده صحيح كما قال ابن القيم في (بدائع الفوائد) " (١) .
قلت: وهذا هو السبب الذي دفعني إلى كتابة هذا التحقيق حول هذا الحديث، وبيان أن رفعه وهم وإن كان ما تضمنه من الحكم على المني بالطهارة هو الصواب، وحسبنا في ذلك جزم ابن عباس ﵁ بأنه بمنزلة المخاط والبصاق، ولا يعرف له مخالف من الصحابة، ولا ما يعارضه من الكتاب والسنة، وقد حقق القول في المسألة ابن قيم الجوزية في المصدر السابق تحت عنوان " مناظرة بين فقيهين في طهارة المني ونجاسته " (٣ / ١١٩ - ١٢٦) وهو بحث هام جدا في غاية التحقيق.
٩٤٩ - " كنا نصلي مع رسول الله ﷺ صلاة الظهر بالهاجرة (٢) فقال لنا: أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم ".
ضعيف بهذا السياق.
أخرجه ابن ماجة (١ / ٢٣٢) وابن أبي حاتم في " العلل " (رقم ٣٧٦ و٣٧٨) وابن حبان في " صحيحه " (٢٦٩ - موارد) والطحاوي في " شرح المعاني " (١ / ١١١) والبيهقي (١ / ٤٣٩) وأحمد (٤ / ٢٥٠) من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق عن شريك عن بيان بن بشر عن قيس بن أبي حازم عن المغيرة بن شعبة قال: فذكره. قلت: وهذا سند ضعيف، علته شريك وهو بن عبد الله القاضي وهو ضعيف لسوء حفظه كما تقدم آنفا، وقال الحافظ في " التقريب ": " صدوق يخطيء كثيرا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة ".
قلت: ومن ذلك تعلم أن قول الحافظ في " الفتح " (٢ / ١٣) : " رجاله ثقات، رواه أحمد وابن ماجه وصححه ابن حبان "، وهم أو تساهل منه، وإن قلده فيه الصنعاني في " العدة " (٢ / ٤٨٥) ، وأشد منه في الوهم قول البوصيري في " الزوائد " (ق ٤٦ / ١) : " إسناده صحيح، ورجاله ثقات "!! وليت شعري كيف يكون ثقة صحيح الإسناد وفيه من كان يخطيء كثيرا، وهو معروف بذلك لدى أهل العلم؟! ولاسيما وقد اضطرب في إسناد هذا الحديث، فرواه مرة هكذا، ومرة قال: " عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمثله ".
стр. 1337
رواه على الوجهين أبو حاتم الرازي، فقال ابنه (١ / ١٣٦ / ٣٧٨) : " سمعت أبي يقول: سألت يحيى بن معين وقلت له: حدثنا أحمد بن حنبل بحديث إسحاق الأزرق عن شريك عن بيان ... (قلت: فذكره ثم قال:) وذكرته للحسن بن شاذان الواسطي فحدثنا به، وحدثنا أيضا عن إسحاق عن شريك عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : بمثله؟ قال يحيى: ليس له أصل إني (١) نظرت في كتاب إسحاق فليس فيه هذا. قلت لأبي: فما قولك في حديث عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : الذي أنكره يحيى؟ قال هو عندي صحيح وحدثنا به أحمد ابن حنبل بالحديثين جميعا عن إسحاق الأزرق. قلت لأبي: فما بال يحيى نظر في كتاب إسحاق فلم يجده؟ قال: كيف؟ نظر في كتابه كله؟ ! إنما نظر في بعض وربما كان في موضع آخر ". فقد حكم أبو حاتم على الحديث بالصحة من رواية شريك بسنده عن أبي هريرة خلافا لما يوهمه صنيع الحافظ في " التلخيص " (٦٧) أنه صحح حديث المغيرة، والسياق المذكور من كلام أبي حاتم يشهد لما ذكرنا.
ويؤيده أن أبا حاتم أعل الطريق الأولى. فقد قال ابن أبي حاتم (١ / ١٣٦ / ٣٧٦) بعد أن ساقها: " ورواه أبو عوانة عن طارق عن قيس قال: سمعت عمر بن الخطاب قال: أبردوا بالصلاة. قال ابن أبي حاتم عن أبيه: "
أخاف أن يكون هذا الحديث (يعني الموقوف على عمر) يدفع ذاك الحديث.
قلت: فأيهما أشبه؟ قال: كأنه هذا، يعني حديث عمر قال أبي في موضع آخر: لو كان عند قيس عن المغيرة عن النبي ﷺ لم يحتج أن يفتقر إلى أن يحدث عن عمر موقوفا ". وقد ذكر الحافظ في " التلخيص " عن ابن معين نحوما ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه فقال: " وأعله ابن معين بما روى أبو عوانة عن طارق عن قيس عن عمر موقوفا. وقال: لوكان عند قيس عن المغيرة مرفوعا لم يفتقر إلى أن يحدث به عن عمر موقوفا، وقوى ذلك عنده أن أبا عوانة أثبت من شريك ".
قلت: وهذا هو الذي تقتضيه القواعد العلمية أن الحديث معلول بتفرد شريك به ومخالفته لمن هو أثبت منه، فلا وجه عندي لتصحيح الحديث كما فعل أبو حاتم، وقال الحافظ قبيل ما نقلنا عنه آنفا! " وذكر الميموني عن أحمد أنه رجح صحته " وفي " طرح الترتيب " للحافظ العراقي (٢ / ١٥٤) : " وذكر الخلال عن الميموني أنهم ذاكروا أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - حديث المغيرة بن شعبة، فقال: أسانيد جياد، قال وفي رواية غير الميموني (٢) : وكان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الإبراد ".
стр. 1338
فهذا النقل عن الإمام أحمد غريب عندي لقوله " أسانيد جياد " مع أنه ليس له إلا إسناد واحد كما يفيده قول الحافظ ابن حجر: " تفرد به إسحاق الأزرق عن شريك ... " وقال البيهقي عقب الحديث: " قال أبو عيسى الترمذي ... فيما بلغني عنه -: سألت محمدا يعني البخاري - عن هذا الحديث؟
فعده محفوظا، وقال: رواه غير شريك عن بيان عن قيس عن المغيرة قال: كنا نصلي الظهر بالهاجرة، فقيل لنا: أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم، رواه أبو عيسى عن عمر بن إسماعيل بن مجالد عن أبيه عن بيان كما قال البخاري ".
قلت: عمر بن إسماعيل ضعيف جدا، قال بن معين: كذاب خبيث رجل سوء، وقال النسائي: " ليس بثقة، متروك الحديث ". وأبوه فيه ضعف، فمثل هذه الطريق لا يقوى طريق شريك لشدة ضعفها، فلا أدري ما وجه عد البخاري الحديث محفوظا، فإن كان بالنظر إلى الطريق الأولى فقد عرفت ضعفها وتفرد شريك بها، وإن كان من أجل هذه الطريق فهي ضعيفة جدا. وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة عندي، لتفرد الضعيف به، وعدم وجود شاهد معتبر له. ثم إن الكلام عليه إنما هو بالنظر لوروده بهذا السياق الذي يدل على أن صلاته ﷺ بالهاجرة منسوخ بقوله: أبردوا.. وهو ظاهر الدلالة على ذلك، وبه أحتج الطحاوي وغيره على النسخ فإذا تبين ضعفه سقط الاحتجاج به وأما إذا نظرنا إلى الحديث نظرة أخرى وهي أنه تضمن أمرين اثنين: صلاته ﷺ بالهاجرة، وأمره بالإبراد دون أن نربط بينهما بهذا السياق الذي يمنع من فعل أي الأمرين ويضطرنا إلى القول بالنسخ. أقول إذا نظرنا إليه هذه النظرة فالحديث صحيح أما الأمر الأول فقد ورد من حديث جابر قال: " كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة ". أخرجه البخاري (٢ / ٣٣) ومسلم (٢ / ١١٩) وغيرهما. وأما الأمر بالإبراد. فقد ورد في " الصحيحين " وغيرهما من طرق عن أبي هريرة وعن أبي سعيد أيضا، وابن عمر. فإذا عرف هذا. فقد اختلف العلماء في الجمع بين الأمرين. فذهب الطحاوي وغيره إلا أن الأول منسوخ. وقد عرفت ضعف دليله، وذهب الجمهور إلى أن الأمر بالإبراد أمر استحباب، فيجوز التعجيل به. والإبراد أفضل، وذهب بعض الأئمة إلى تخصيص ذلك بالجماعة دون المنفرد، وبما إذا كانوا ينتابون مسجدا من بعد، فلوكانوا مجتمعين، أو كانوا يمشون في كن
стр. 1339
فالأفضل في حقهم التعجيل، والحق التسوية، وأنه لا فرق بين جماعة وجماعة، ولا بينهما وبين الفرد، فالكل يستحب لهم الإبراد، لأن التأذي بالحر الذي يتسبب عنه ذهاب الخشوع، يستوي فيه المنفرد وغيره كما قال الشوكاني (١ / ٢٦٥) . وأما تخصيص ذلك بالبلد الحار، فهو الظاهر من التعليل في قوله " فإن شدة الحر من فيح جهنم ". ويشهد له من فعله ﷺ حديث أنس قال: " كان رسول الله ﷺ إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة ". أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (١١٦٢) والنسائي (١ / ٨٧) والطحاوي (١ / ١١١) ، وله عنده شاهد من حديث أبي مسعود بسند حسن. (تنبيه) : قال الحافظ في " التلخيص " في تخريج حديث المغيرة: " وفي رواية للخلال: وكان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الإبراد ".
وتلقى هذا عنه الشوكاني في " نيل الأوطار " (١ / ٢٦٥) دون أن يعزوه إليه كما هو الغالب عليه من عادته! ثم بنى على ذلك قوله في الصفحة التي قبل المشار إليها: " فرواية الخلال من أعظم الأدلة الدالة على النسخ ".
قلت: لكن الظاهر مما نقله الحافظ العراقي عن الخلال فيما سبق ذكره في هذا البحث أن هذه الرواية ليست من حديث المغيرة، وإنما هي من قول الإمام أحمد ﵀، وقد صرح بهذا الحافظ في " الفتح " (٢ / ١٣) فقال: " ونقل الخلال عن أحمد أنه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ". وكذا قال الصنعاني في " العدة " (٢ / ٤٨٥) دون أن يعزوه للحافظ أيضا!
٩٥٠ - " قال الله ﵎: إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل على خلقي، ولم يبت مصرا على معصيتي، وقطع نهاره في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل، والأرملة، ورحم المصاب، ذلك نوره كنور الشمس، أكلؤه بعزتي، وأستحفظه ملائكتي، وأجعل له في الظلمة نورا، وفي الجهالة حلما، ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة ".
ضعيف.
رواه البزار (ص ٦٥ - زوائده) وابن حبان في " المجروحين " (٢ / ٣٥) عن عبد الله بن واقد الحراني عن حنظلة بن أبي سفيان عن طاووس عن ابن عباس مرفوعا.
قلت: وعبد الله بن واقد كان متعففا صالحا متفقها برأي أبي حنيفة حافظا له. ولم يكن حافظا للحديث، فضعف حديثه وترك. كذا في " الأحكام الكبرى " (٥٧ / ١ - ٢) لعبد الحق الإشبيلي. وقال في " المجمع " (٢ / ١٤٧) :
стр. 1340
" رواه البزار وفيه عبد الله بن واقد الحراني ضعفه النسائي، والبخاري، وإبراهيم الجوزجاني، وابن معين في رواية، ووثقه في رواية، ووثقه أحمد، وقال: كان يتحرى الصدق وأنكر على من تكلم فيه، وأثنى عليه خيرا، وبقية
رجاله ثقات ". وكذا قال في " الترغيب " (١ / ١٧٦) أن بقية رواته ثقات، وأشار إلى أن في ابن واقد هذا ضعفا، ولم يسق فيه كلاما للأئمة، وجمهور الأئمة على تضعيفه، وأحمد وإن أثنى عليه خيرا فقد نسبه للخطإ والتدليس، وقال: " لعله كبر واختلط ".
لكنه لم ينفرد به، فأخرجه الحسن بن علي الجوهري في " مجلس من الأمالي " (ق ٦٩ / ٢) من طريق ابن نمير: حدثنا ابن كثير، عن عبد الله بن طاووس عن أبيه به. قلت: لكن ابن كثير واسمه محمد بن كثير البصري السلمي القصاب، قال ابن المديني: " ذاهب الحديث ". وقال البخاري والساجي: " منكر الحديث "، وضعفه آخرون. وروي من حديث علي مرفوعا نحوه، وزاد في آخره: " لا يتسنى ثمارها، ولا يتغير حالها ". رواه ابن عساكر في " مدح التواضع " (ق ٩٠ / ١ - ٢) وقال: " قال الدارقطني: غريب تفرد به الدينوري.
قلت: يعني أبا جعفر محمد بن عبد العزيز بن المبارك الدينوري، قال الذهبي: " منكر الحديث، ضعيف، ذكره ابن عدي، وذكر له مناكير، وكان ليس بثقة يأتي ببلايا ". ثم ساق له حديثين من بلاياه وموضوعاته، وأقره الحافظ في " اللسان " وقال: " وأورد له ابن عدي أحاديث قال في بعضها: باطل بهذا الإسناد، ثم قال: وله غير ما ذكرت من المناكير ".
٩٥١ - " كان إذا أمن أمن من خلفه حتى إن للمسجد ضجة ".
لا أصل له بهذا اللفظ فيما نعلم.
وقد نص على ذلك الحفاظ فقال الحافظ ابن حجر في " التلخيص " (ص ٩٠) : " لم أره بهذا اللفظ، لكن روى معناه ابن ماجه من حديث بشر بن رافع " (ثم ذكر الحديث الآتي) ثم قال: " تنبيه: قال ابن الصلاح في الكلام على " الوسيط ": هذا الحديث أورده الغزالي هكذا تبعا لإمام الحرمين، فإنه أورده في " نهايته " كذلك، وهو غير صحيح مرفوعا، وإنما رواه الشافعي من حديث عطاء قال: " كنت أسمع الأئمة ابن الزبير فمن بعده يقولون آمين حتى إن للمسجد للجة ".
стр. 1341
وقال النووي مثل ذلك، وزاد هذا غلط منهما، وكأنه وابن الصلاح أرادا لفظ الحديث والحق معهما، لكن سياق ابن ماجه يعطي بعض معناه كما أسلفناه ". قلت: ما سلف من كلامه ينص على أن سياق ابن ماجه يعطي معناه كله لا بعضه، فليتأمل فإن السياق المشار إليه يحتمل بعض المعنى أو كله، أما البعض فهو جهر الإمام وحده، وهو صريح في ذلك، وأما الكل، فهو هذا مع جهر المؤتمين لقوله فيه " فيرتج بها المسجد "، فإن هذا يحتمل أن الارتجاج سببه تأمين الرسول ﷺ وهو صريح الحديث، ويحتمل أنه بسبب تأمين المؤتمين معه، وهو محتمل، وهذا هو لفظ ابن ماجه: " كان إذا تلا (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول (فيرتج بها المسجد) ".
٩٥٢ - " كان إذا تلا (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول (فيرتج بها المسجد) ".
ضعيف.
أخرجه أبو داود (١ / ١٤٨) والسياق له وابن ماجه (١ / ٢٨١) والزيادة له، كلاهما من طريق بشر بن رافع عن أبي عبد الله بن عم أبي هريرة عن أبي هريرة مرفوعا.
قلت: وهذا سند ضعيف، وقول الحافظ أبو زرعة ابن العراقي في " طرح التثريب " (٢ / ٢٦٨) : " وإسناده جيد " غير جيد، يبينه ما يأتيك من النصوص، فقال الحافظ في " التلخيص " (٩٠) : " وبشر بن رافع ضعيف، وابن عم أبي هريرة، قيل: لا يعرف، وقد وثقه ابن حبان ". وقال البوصيري في " الزوائد " (ق ٥٦ / ١) : " هذا إسناد ضعيف، أبو عبد الله لا يعرف حاله،
وبشر ضعفه أحمد، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات ". قلت: وتمام كلام ابن حبان (١ / ١٧٩) : " كأنه كان المتعمد لها ". ومن أوهام الشوكاني ﵀ أنه قال في هذا الحديث بعد أن ذكره المجد ابن تيمية بلفظ أبي داود ولفظ ابن ماجه (٢ / ١٨٨) قال الشوكاني: " أخرجه أيضا الدارقطني، وقال: إسناده حسن، والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما " والبيهقي وقال: حسن صحيح "! وهؤلاء إنما أخرجوا الشطر الأول من الحديث بلفظ: " كان إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته فقال: آمين "، فليس فيه تسميع من يليه من الصف.... الخ، فهذا اللفظ لا يحتمل ما يحتمله لفظ ابن ماجه من تأمين المؤتمين أيضا حتى يرتج بها المسجد، فثبت الفرق بين اللفظين، ولم يجز عزوالأول منهما إلى من أخرج الآخر، كما هو ظاهر.
стр. 1342
على أن هذا اللفظ إسناده ضعيف أيضا، فإن فيه عندهم جميعا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي وهو المعروف بابن زبريق وهو ضعيف، قال أبو حاتم: " شيخ لا بأس به " وأثنى عليه ابن معين خيرا، وقال النسائي: " ليس بثقة ". وقال محمد بن عوف: " ما أشك أن إسحاق بن زبريق يكذب ".
لكن هذا اللفظ معناه صحيح، فإن له شاهدا من حديث وائل بن حجر بسند صحيح. وأما اللفظ الأول فلا أعرف ما يشهد له من السنة إلا ما رواه الشافعي في " مسنده " (١ / ٧٦) : أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء قال: " كنت أسمع الأئمة وذكر ابن الزبير ومن بعده يقولون آمين، ويقول من خلفهم آمين، حتى أن للمسجد للجة ". سكت عليه الحافظ كما سبق قريبا، وفيه علتان: الأولى: ضعف مسلم بن خالد وهو الزنجي، قال الحافظ: صدوق، كثير الأوهام ".
الثانية: عنعنة ابن جريج، فإنه كان مدلسا، ولعله تلقاه عن خال بن أبي أنوف فقد رواه عن عطاء بلفظ: " أدركت مائتين من أصحاب رسول الله ﷺ في هذا المسجد (يعني الحرام) إذا قال الإمام " ولا الضالين " رفعوا أصواتهم بآمين، (وفي رواية) : سمعت لهم رجة بآمين ". أخرجه ابن حبان في " الثقات " (٢ / ٧٤) والبيهقي (٢ / ٥٩) والرواية الأخرى له. وخالد هذا ترجمه ابن أبي حاتم (١ / ٢ / ٣٥٥ - ٣٥٦) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وأورده ابن حبان في " الثقات " وفي ترجمته ساق له هذا الأثر، وتوثيق ابن حبان فيه تساهل معروف، ولذلك فإني غير مطمئن لصحة روايته، فإن كان ابن جريج أخذه عنه فالطريق واحدة، وإلا فلا ندري عمن تلقاه ابن جريج، ويبدو أن الإمام الشافعي نفسه لم يطمئن أيضا لصحة روايته هذه، فقد ذهب إلى خلافها، قال في " الأم " (١ / ٩٥) : " فإذا فرغ الإمام من قراءة أم القرآن قال آمين، ورفع بها صوته، ليقتدي به من كان خلفه، فإذا قالها قالوها وأسمعوا أنفسهم، ولا أحب أن يجهروا بها ". فلوأن هذا الأثر ثابت عن أولئك الصحابة عند الشافعي لما أحب خلاف فعلهم إن شاء الله ولذلك فالأقرب إلى الصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه الشافعي أن يجهر الإمام دون المؤتمين. والله أعلم.
ثم رأيت البخاري قد علق أثر ابن الزبير المذكور بصيغة الجزم، فقال الحافظ في " الفتح " (٢ / ٢٠٨) : " وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء، قال ويعني ابن جريج، قلت له: أكان
стр. 1343
ابن الزبير يؤمن على أثر أم القرآن؟ قال: نعم، ويؤمن من وراءه حتى أن للمسجد للجة، ثم قال: إنما آمين دعاء ". قلت: وهو في " مصنف عبد الرزاق " برقم (٢٦٤٠ ج ٢) ومن طريقه ابن حزم في " المحلى " (٣ / ٣٦٤) . فقد صرح ابن جريج في هذه الرواية أنه تلقى ذلك عن عطاء مباشرة، فأمنا بذلك تدليسه، وثبت بذلك
هذا الأثر عن ابن الزبير، وقد صح نحوه عن أبي هريرة، فقال أبو رافع: " إن أبا هريرة كان يؤذن لمروان بن الحكم، فاشترط أن لا يسبقه بـ " الضالين " حتى يعلم أنه قد دخل الصف، فكان إذا قال مروان: " ولا الضالين " قال أبوهريرة: آمين يمد بها صوته، وقال: إذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل السماء غفر لهم ". أخرجه البيهقي (٢ / ٥٩) وإسناده صحيح. فإذا لم يثبت عن غير أبي هريرة وابن الزبير من الصحابة خلاف الجهر الذي صح عنهما، فالقلب يطمئن للأخذ بذلك أيضا، ولا أعلم الآن أثرا يخالف ذلك، والله أعلم.
٩٥٣ - " إذا نام العبد في سجوده باهى الله به ملائكته، قال: انظروا إلى عبدي، روحه عندي وجسده في طاعتي! ".
ضعيف.
رواه تمام في " الفوائد " (ق ٢٦٣ / ٢) وعنه ابن عساكر (١١ / ٤٤٤ / ١) عن داود بن الزبرقان عن سليمان التيمي عن أنس مرفوعا.
قلت: وهذا سند ضعيف جدا، داود بن الزبرقان قال الحافظ في " التقريب ": " متروك، وكذبه الأزدي ". قال ابن حبان (١ / ٢٨٧) : " يأتي عن الثقات بما ليس من أحاديثهم ". قلت: ومن طريقه رواه البيهقي أيضا في " الخلافيات " كما في " تلخيص الحبير " (ص ٤٤) واقتصر هناك على قوله في داود هذا: إنه ضعيف: وقال: " وروي من وجه آخر عن أبان عن أنس، وأبان متروك ". وروي من حديث أبي هريرة مرفوعا.
أخرجه ابن سمعون في " الأمالي " (١٧٢ / ١) عن حجاج بن نصير: أخبرنا المبارك بن فضالة عن الحسن عن أبي هريرة. قلت: وهذا سند ضعيف، وفيه ثلاث علل:
١ - حجاج بن نصير، قال الحافظ: " ضعيف كان يقبل التلقين ".
стр. 1344
٢ - المبارك بن فضالة
ضعيف أيضا، قال الحافظ: " صدوق، يدلس ويسوي ".
٣ - الحسن وهو البصري، فإنه على جلالته كان يدلس، ومن طريقة الأئمة النقاد إعلال الحديث بعنعة الحسن البصري، فانظر " اللآلي المصنوعة " للسيوطي (٢ / ٣٨٩) ، على أنه اختلف في ثبوت سماعه من أبي هريرة. لكن ذكر الحافظ في " التلخيص " أنه رواه ابن شاهين في " الناسخ والمنسوخ " من حديث المبارك بن فضالة، فإن كان عنده غير طريق الحجاج بن نصير، فقد ذهبت العلة الأولى وبقيت الثانية والثالثة.
ثم قال الحافظ: " وذكره الدارقطني في " العلل " من حديث عباد بن راشد كلاهما (يعني المبارك وعبادا) عن الحسن عن أبي هريرة، قال الدارقطني: وقيل: عن الحسن: بلغنا عن النبي ﷺ . قال: والحسن لم يسمع من أبي هريرة ".
قلت: وعباد بن راشد صدوق له أوهام، فمتابعته للمبارك تذهب بالعلة الثانية، فيبقى في الحديث العلة الثالثة، وبها أعل الحديث ابن حزم في " المحلى " فقال (١ / ٢٢٨) : " وهذا لا شيء، أنه مرسل، لم يخبر الحسن ممن سمعه ". ثم قال الحافظ: " ومرسل الحسن، أخرجه في " الزهد "، وروى ابن شاهين عن أبي سعيد معناه، وإسناده ضعيف ". قلت: وسنده في " الزهد " (٢٠ / ٨١ / ١) صحيح، فراجع الإسناد إلى أنه من مرسل الحسن البصري فهو علته. والحديث على ضعفه قد استدل به من ذهب إلى نوم الساجد - وألحقوا به الراكع - لا ينقض الوضوء، قال ابن حزم: " لوصح لم يكن في إسقاط الوضوء عنه ". وهو كما قال، وقال الصنعاني في " سبل السلام " (١ / ٩٢) : " ومن استدل به قالوا: سماه ساجدا
وهو نائم، ولا سجود إلا بطهارة، وأجيب بأنه سماه باعتبار أول أمره، أو باعتبار هيئته ". وقد ذكر الصنعاني اختلاف العلماء، في هذا المسألة، وجمع الأقوال فيها فبلغت ثمانية، الصواب منها القول الأول وهو أن النوم ناقض مطلقا على كل حال قليلا كان أو كثيرا، ونصره ابن حزم بأدلة قوية فراجعه، ومثل هذا الحديث في الضعف والدلالة الحديث الآتي:
٩٥٤ - " من استحق النوم وجب عليه الوضوء ".
شاذ لا يصح.
رواه الحافظ ابن المظفر في " غرائب شعبة " (١٤٨ / ٢) :
حدثنا أبو الفضل العباس بن إبراهيم: حدثنا أبو غسان مالك بن الخليل: حدثنا
محمد بن عباد الهنائي: حدثنا شعبة عن
стр. 1345
الجريري عن خالد بن غلاق - ولا أعلمه إلا عن أبي هريرة مرفوعا: قلت: وهذا سند رجاله كلهم ثقات: أبو الفضل العباس بن إبراهيم له ترجمة في " تاريخ الخطيب (١٢ / ١٥١ - ١٥٢) وقال: " وكان ثقة ". وسائرهم من رجال " التهذيب ". لكن قوله: " لا أعلمه إلا.... " فيه بعض الشك في رفعه، ويقوي الشك أن الهنائي خولف في رفعه، فقال علي بن الجعد: أنبأنا شعبة فذكره موقوفا، أخرجه البغوي في " الجعديات " (٧ / ٦٩ / ١) ومن طريقه البيهقي (١ / ١١٩) وعلي بن الجعد ثقة ثبت، وقد تابعه الثقات، فقال: ابن أبي شيبة في " المصنف " (١ / ٣٩ / ٢) : حدثنا هشيم وابن علية عن الجريري عن خالد بن غلاق القيسي عن أبي هريرة قال: فذكره موقفا عليه، ولعله الصواب، وزاد ابن علية، قال الجريري: فسألنا عن استحقاق النوم. فقالوا: " إذا وضع جنبه ". قلت: فاتفاق هؤلاء الثلاثة الثقات على وقفه يجعل رواية الهنائي شاذة، ولذلك قال البيهقي: " وقد روي مرفوعا ولا يصح رفعه ". وقال الحافظ في " التلخيص " (٤٣) بعد أن ذكره من طريق البيهقي: " وروي موقوفا، وإسناده صحيح، ورواه في " الخلافيات " من طريق آخر عن أبي هريرة وأعله بالربيع بن بدر عند ابن عدي، وكذا قال الدارقطني في " العلل " أن وقفه أصح ".
قلت: ويشهد لوقفه أن البيهقي رواه (١ / ١٢٢ - ١٢٣) من طريق أخرى عن يزيد ابن قسيط أنه سمع أبا هريرة يقول: " ليس على المحتبي النائم، ولا على القائم النائم، ولا على الساجد النائم وضوء حتى يضطجع، فإذا اضطجع توضأ "، وقال: " وهذا موقوف ". قلت: وإسناده جيد كما قال الحافظ في "
التلخيص ". لكن الراجح أن العمل على خلافه كما تقدم في آخر الحديث الذي قبله.
٩٥٥ - " يا معاذ إذا كان في الشتاء فغلس بالفجر، وأطل القراءة قدر ما يطيق الناس ولا تملهم، وإذا كان الصيف فأسفر بالفجر، فإن الليل قصير، والناس ينامون، فأمهلهم حتى يداركوا ".
موضوع.
رواه البغوي في " شرح السنة " (١ / ٥٢ / ١) من طريق أبي الشيخ وهذا في " أخلاق النبي ﷺ " (ص ٧٦ و٨٠) عن يوسف بن أسباط: المنهال بن الجراح عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فقال: فذكره.
стр. 1346
قلت: وهذا سند ضعيف جدا بل موضوع، آفته المنهال بن الجراح، وهو الجراح بن المنهال، انقلب على يوسف بن أسباط، وكذلك قلبه محمد بن إسحاق كما ذكر الحافظ في " اللسان " وهو متفق على تضعيفه، وقال البخاري ومسلم: " منكر الحديث ". وقال النسائي والدارقطني: " متروك "، وقال ابن حبان (١ / ٢١٣) : " كان
يكذب في الحديث ويشرب الخمر ". وذكره البرقي في " باب من اتهم بالكذب ".
ومما يؤكد كذبه في هذا الحديث أنه خلاف ما جرى عليه رسول الله ﷺ من التغليس بصلاة الفجر دون تفريق بين الشتاء والصيف، كما تدل على ذلك الأحاديث الصحيحة فأكتفي بذكر واحد منها، وهو حديث أبي مسعود البدري " أن النبي ﷺ صلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد إلى أن يسفر ".
رواه أبو داود بسند حسن كما قال النووي وابن حبان في " صحيحه " (٢٧٣) وصححه الحاكم والخطابي والذهبي وغيرهم كما بينته في " صحيح أبي داود " (رقم ٤١٧) . والعمل بهذا الحديث هو الذي عليه جماهير العلماء، من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، ومنهم الإمام أحمد أن التعجيل بصلاة الفجر أفضل، لكن ذكر ابن قدامة في " المقنع " (١ / ١٠٥) رواية أخرى عن الإمام أحمد: " إن أسفر المأمومون فالأفضل الإسفار "، واحتج له في الشرح بحديث معاذ هذا، وعزاه لأبي سعيد الأموي في مغازيه!
٩٥٦ - " إذا أنكح أحدكم عبده أو أجيره، فلا ينظرن إلى شيء من عورته، فإن أسفل من سرته إلى ركبتيه من عورته ".
ضعيف مضطرب.
يرويه سوار بن داود أبو حمزة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فرواه هكذا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي وعبد الله بن بكر السهمي - المعنى واحد - قالا: حدثنا سوار به. أخرجه الإمام أحمد (رقم ٦٧٥٦) عنهما معا هكذا، وأخرجه الدارقطني (٨٥) وعنه البيهقي (٢ / ٢٢٨ - ٢٢٩) والخطيب في " تاريخ بغداد " (٢ / ٢٧٨) وكذا العقيلي في " الضعفاء (١٧٣ - ١٧٤) عن السهمي وحده.
وتابعهما وكيع عن سوار لكنه قلب اسمه فقال: " داود بن سوار " بلفظ: " إذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره، فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة ". أخرجه أبو داود (١ / ١٨٥ - ١٨٦ - عون) وقال: وهم وكيع في اسمه، وروى عن أبو داود الطيالسي هذا الحديث فقال: حدثنا أبو حمزة سوار الصيرفي ".
стр. 1347
وخالفهم النضر بن شميل فقال: أنبأنا أبو حمزة الصيرفي وهو سوار بن داود به بلفظ: " إذا زوج أحدكم عبده: أمته أو أجيره، فلا تنظر الأمة إلى شيء من عورته، فإن ما تحت السرة إلى الركبة من العورة ". أخرجه الدارقطني وعنه البيهقي. فهذه الرواية على خلاف الروايات السابقة فإنها صريحة في أن المنهي عنه النظر إنما هي الأمة، وأن ضمير " عورته " راجع إلى " أحدكم " والمقصود به السيد، وهذه الرواية أرجح عندي لسببين:
الأول: أنها أوضح في المعنى من الأولى لأنها لا تحتمل إلا معنى واحدا، بخلاف الأولى، فإنها تحتمل معنيين: أحدهما يتفق مع
معنى هذه، والآخر يختلف عنه تمام الاختلاف، وهو الظاهر من المعنيين، وهو أن المنهي عن النظر إنما هو السيد، وأن ضمير " عورته " راجع إلى العبد أو الأجير أي الأمة، ولهذا استدل بعض العلماء بهذه الرواية على أن عورة الأمة كعورة الرجل ما بين السرة والركبة، قال: " ويريد به (يعني بقوله: عبده أو أجيره) الأمة، فإن العبد والأجير لا يختلف حاله بالتزويج وعدمه " (١) لكن المعنى الأول أرجح بدليل هذه الرواية التي لا تقبل غيره ويؤيده السبب الآتي وهو:
الآخر: أن الليث بن أبي سليم قد تابع سوارا في روايته عن عمرو به، ولفظه: " إذا زوج أحدكم أمته أو عبده أو أجيره، فلا تنظر إلى عورته، والعورة ما بين السرة والركبة ". أخرجه البيهقي (٢ / ٢٢٩) عن الخليل بن مرة عن الليث. وهذا السند إلى عمرو، وإن كان ضعيفا، فإنه لا بأس به في الشواهد والمتابعات، وهذا صريح في المعنى الأول لا يحتمل غيره أيضا، لكن روي الحديث بلفظ آخر، لا يحتمل إلا المعنى الآخر، وهو من طريق الوليد: حدثنا الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا بلفظ: " إذا زوج أحدكم عبده أو أمته (أو أجيره) فلا ينظرن إلى عورتها ". كذا قال " عورتها ". أخرجه البيهقي (٢ / ٢٢٦) ، والوليد هو ابن مسلم وهو يدلس تدليس التسوية، وقد عنعن بين الأوزاعي وعمرو، ثم هو لوصح، فليس فيه تعيين العورة من الأمة، ولذلك قال البيهقي بعد أن أتبع هذه الرواية برواية وكيع المتقدمة: " وهذه الرواية إذا قرنت برواية الأوزاعي دلنا على أن المراد بالحديث نهي السيد عن النظر إلى عورتها إذا زوجها، وأن عورة الأمة ما بين السرة والركبة، وسائر طرق هذا الحديث يدل، وبعضها ينص على (أن) المراد به نهي الأمة عن النظر إلى عورة السيد، بعد ما زوجت، أو نهي الخادم من العبد والأجير عن النظر إلى عورة السيد بعدما بلغا النكاح، فيكون الخبر واردا في بيان مقدار العورة من الرجل، لا في بيان مقدارها من الأمة ".
стр. 1348
وجملة القول أن الحديث اضطرب فيه سوار، فلا يطمئن القلب إلى ترجيح رواية من روايتيه وإن كنا نميل إلى الرواية التي وافقه عليها الليث بن أبي سليم وإن كان ضعيف، فإن اتفاق ضعيفين على لفظ من لفظين، أولى بالترجيح من اللفظ الآخر الذي تفرد به أحدهما، هذا لو اتفق الرواة عنه فيه، فكيف وقد اختلفوا، والبيهقي، وإن مال إلى أن الحديث ورد في عورة الرجل لا الأمة، فقد جزم بضعفه للاختلاف الذي ذكرنا، فقال: " فأما حديث عمرو
بن شعيب فقد اختلف في متنه، فلا ينبغي أن يعتمد عليه في عورة الأمة وإن كان يصلح الاستدلال به وسائر ما يأتي عليه معه في عورة الرجل، وبالله التوفيق ".
وإذا عرفت ذلك، فمن الغرائب أن تتبنى بعض المذاهب هذا الحديث فتقول: بأن الأمة عورتها عورة الرجل! ويرتب على ذلك جواز النظر إليها بل هذا ما صرح به بعضهم، فقالوا: فيجوز للأجنبي النظر إلى شعر الأمة وذراعها وساقها وصدرها وثديها "! ذكره الجصاص في " أحكام القرآن " (٣ / ٣٩٠) ، ولا يخفى ما في
ذلك من فتح باب الفساد، مع مخالفة عمومات النصوص التي توجب على النساء إطلاقا التستر، وعلى الرجال غض البصر انظر كتابنا " حجاب المرأة المسلمة " (٢٢ - ٢٥) .
٩٥٧ - " إن الله قد رفع لي الدنيا، فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة كأنما أنظر إلى كفي هذه، جليانا من أمر الله جلاه لنبيه كما جلاه للنبيين قبله ".
ضعيف جدا.
رواه أبو نعيم في " الحلية " (٦ / ١٠١) من طريق الطبراني: حدثنا بكر بن سهل: حدثنا نعيم بن حماد: حدثنا بقية عن سعيد بن سنان: حدثنا أبو الزاهرية عن كثير بن مرة عن ابن عمر مرفوعا.
قلت: وهذا إسناد واه فيه أربع علل:
١ - سعيد بن سنان متروك، ورماه الدارقطني وغيره بالوضع.
٢ - وبقية مدلس وقد عنعنه.
٣ - ونعيم بن حماد ضعيف.
٤ - وبكر بن سهل ضعيف أيضا. والحديث أورده الهيثمي في " المجمع " (٨ / ٢٨٧) وقال: " رواه
الطبراني، ورجاله وثقوا على ضعف كثير في سعيد بن سنان الرهاوي ".
стр. 1349
٩٥٨ - " كان لا يمس من وجهي شيئا وأنا صائمة، قالته عائشة ".
стр. 1350
منكر.
رواه ابن حبان في صحيحه (٩٠٤) : أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع حدثنا عثمان بن أبي (شيبة: حدثنا وكيع عن) (١) زكريا بن أبي زائدة عن العباس بن ذريح عن الشعبي عن محمد بن الأشعث عن عائشة قالت: فذكره مرفوعا إلى النبي ﷺ وقد رواه الإمام أحمد (٦ / ١٦٢) فقال: حدثنا وكيع عن زكريا به ... مثله، يعني مثل حديث ساقه قبله فقال: حدثنا يحيى بن زكريا حدثني أبي عن صالح الأسدي عن الشعبي عن محمد بن الأشعث ابن قيس عن عائشة أم المؤمنين قالت: " ما كان رسول الله ﷺ يمتنع من شيء من وجهي وهو صائم ". قلت: وفي هذا السياق مخالفتان: الأولى في السند، والأخرى في المتن.
أما المخالفة في السند، فهي أنه جعل مكان العباس بن ذريح، صالحا الأسدي، وهو صالح بن أبي صالح الأسدي، وهو مجهول كما يشير إلى ذلك الذهبي بقوله: " تفرد عنه زكريا بن أبي زائدة ".
وقد قيل: عنه عن محمد بن الأشعث عن عائشة بإسقاط الشعبي من بينهما، أخرجه النسائي وقال: " إنه خطأ، والصواب الأول " كما في " تهذيب التهذيب ". وأخرجه النسائي في " العشرة " من " الكبرى " (ق ٨٤ / ١) من طريق زياد بن أيوب قال حدثنا ابن أبي زائدة قال: أخبرني أبي صالح الأسدي عن الشعبي به، فهذا يرجح رواية أحمد عن وكيع، ويدل على أن رواية ابن حبان شاذة.
ثم رأيتها في " مصنف ابن أبي شيبة " (٣ / ٦٠) عن وكيع مثل رواية أحمد. وأما الاختلاف في المتن فظاهر بأدنى تأمل، وذلك أن يحيى بن زكريا، جعل المتن نفي امتناعه ﷺ من تقبيل وجه عائشة وهو صائم، بينما جعله وكيع - في رواية ابن حبان - نفي تقبيله ﷺ لها وهي صائمة! فإذا كان لفظ رواية وكيع عند أحمد، مثل لفظ رواية يحيى بن زكريا كما يدل عليه إحالة أحمد عليه بقوله: " مثله " كما سبقت الإشارة إليه، إذا كان الأمر كذلك كانت رواية وكيع عند ابن حبان شاذة لمخالفتها، لروايته عند أحمد ورواية يحيى بن زكريا، ويؤكد هذا موافقة لفظ زياد بن أيوب عند النسائي للفظ أحمد. وسواء كان الأمر كما ذكرنا أولم يكن، فإننا نقطع بأن هذه الرواية شاذة بل منكرة، لمخالفتها للحديث الثابت بالسند الصحيح عن عائشة أنه ﷺ كان يقبلها وهما صائمان، فقال الإمام أحمد (٦ / ١٦٢) : حدثنا يحيى بن زكريا قال: أخبرني أبي عن سعد بن إبراهيم عن رجل من قريش من بني تميم يقال له طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: " تناولني رسول الله ﷺ ، فقلت: إني صائمة، فقال: وأنا صائم ". وهذا سند صحيح، وقد رواه جماعة من الثقات عن سعد بن إبراهيم به نحوه كما بينته في " الأحاديث الصحيحة " فانظر " كان يقبلني ... " (رقم ٢١٩) .
стр. 1351
وعلة حديث الترجمة إنما هي تفرد محمد بن الأشعث بهما، وهن في عداد مجهولي الحال. فقد أورده البخاري في " التاريخ الكبير " (١ / ١ / ١٦) وابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ٢٠٦) ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، نعم ذكره ابن حبان في " الثقات " (٣ / ٢٣١) وروى عنه جمع من الثقات، فمثله حسن الحديث عندي إذا لم يخالف، ولكن لما كان قد تفرد بهذا الحديث وخالف فيه الثقة وهو طلحة بن عبد الله بن عثمان القرشي الذي أثبت أنه ﷺ كان يقبل عائشة وهي صائمة، كان الحديث بسبب هذه المخالفة شاذا بل منكرا وقد اتق الشيخان على إخراج حديثها بلفظ: " كان يقبل وهو صائم " وليس فيه بيان أنها كانت صائمة أيضا كما في حديث القرشي عنها وقد خفي هذا على بعض أهل العلم، كما خفي عليه حال هذا الحديث المنكر، فقال الصنعاني في " سبل السلام " (٢ / ٢١٨) : " تنبيه ": قولها: " وهو صائم " لا يدل على أنه قبلها وهي صائمة فقد أخرج ابن حبان بإسناده (عنها) أن النبي ﷺ كان لا يمس وجهها وهي صائمة، وقال: ليس بين الخبرين تضاد، إنه كان يملك إربه، ونبه بفعله ذلك على جواز هذا الفعل لمن هو بمثابة حاله، وترك استعماله إذا كانت المرأة صائمة، علما منه بما ركب في النساء من الضعف عند الأشياء التي ترد عليهن، انتهى ".
فقد فات ابن حبان حديث القرشي المشار إليه، وتبعه عليه الصنعاني، وذهل هذا عن علة حديث ابن حبان! وتبعه على ذلك الشوكاني (٤ / ١٨٠) .
ولكن هذا لم يفته حديث القرشي، بل ذكره من طريق النسائي، فالعجب منه كيف ذكر الحديثين دون أن يذكر التوفيق بينهما، والراجح من المرجوح منهما. فهذا هو الذي حملني على تحرير القول في نكارة هذا الحديث، والله ولي التوفيق. ثم إني لما رأيت الحديث في " المصنف " ووجدت متنه بلفظ: " كان لا يمتنع من وجهي وأنا صائمة "، تيقنت شذوذ لفظ ابن حبان، كما تبينت أنه لا علاقة لابن الأشعث به، وإنما هو من ابن حبان نفسه أو من شيخه عمران، والله أعلم.
٩٥٩ - " الوضوء مما خرج وليس مما دخل ".
منكر.
رواه ابن عدي (١٩٤ / ٢) والدارقطني (ص ٥٥) والبيهقي (١ / ١١٦) عن الفضل بن المختار عن ابن أبي ذئب عن شعبة - يعني - مولى ابن عباس عنه أن رسول الله ﷺ قال: فذكره. وقال البيهقي: " لا يثبت ". قلت: وله ثلاث علل:
الأولى: الفضل بن المختار، وهو أبو سهل البصري وهو متروك، قال أبو حاتم: " أحاديثه منكرة، يحدث بالأباطيل ". وقال ابن عدي:
стр. 1352
" عامة أحاديثه منكرة لا يتابع عليها ". وساق له الذهبي أحاديث، قال في واحد منها: يشبه أن يكون موضوعا "، وفي الأخرى، " هذه أباطيل وعجائب "!
الثانية: شعبة مولى ابن عباس، وهو صدوق سيء الحفظ، كما في " التقريب ". وقال في " التلخيص " (ص ٤٣) : " وفي إسناده الفضل بن المختار، وهو ضعيف جدا، وفيه شعبة مولى ابن عباس وهو ضعيف، وقال ابن عدي: الأصل في هذا الحديث أنه موقوف، وقال البيهقي: لا يثبت مرفوعا، ورواه سعيد بن منصور موقوفا من طريق الأعمش عن أبي ظبيان عنه، ورواه الطبراني من حديث أبي أمامة، وإسناده أضعف من الأول ومن حديث ابن مسعود موقوفا ". قلت: فقد أشار الحافظ إلى أن في الحديث علة أخرى وهي: الثالثة: وهي الوقف، فإن شعبة المذكور علاوة على كونه ضعيفا، فقد خالفه الثقة أبو ظبيان وهو حصين بن جندب الجهني فقال: عن ابن عباس في الحجامة للصائم قال: " الفطر مما دخل، وليس مما خرج، والوضوء مما خرج وليس مما دخل ". رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان.
ذكره الحافظ في " الفتح " (٤ / ١٤١) وقد علقه البخاري في " صحيحه " مجزوما به مقتصرا على الشطر الأول منه " وقد وصله أيضا البيهقي في " سننه " (١ / ١١٦ و٤ / ٢٦١) من طريق أخرى عن وكيع به، وهذا سند صحيح موقوف، فهو الصواب كما أشار إلى ذلك ابن عدي ثم البيهقي ثم الحافظ. وأما حديث أبي أمامة الذي أشار إليه الحافظ في كلامه السابق فهو الآتي عقبه. (تنبيه) : ذكر الشوكاني حديث الترجمة هذا بلفظ: الفطر مما دخل، والوضوء مما خرج " وقال: " أخرجه البخاري تعليقا، ووصله البيهقي والدارقطني وابن أبي شيبة ". ثم ضعفه بالفضل بن المختار، وشعبة مولى ابن عباس.
أقول: وفي هذا التخريج على إيجازه أوهام لابد من التنبيه عليها. الأول: أن الحديث عند البخاري وابن أبي شيبة موقوف وليس بمرفوع كما تقدم. الثاني: أن إسنادهما صحيح وليس بضعيف.
الثالث: أن البخاري لم يخرجه بتمامه، بل الشطر الأول منه فقط، كما سبق منا التنصيص عليه. وقد وقع في بعض هذه الأوهام الصنعاني قبل الشوكاني! فإنه ذكر الحديث مرفوعا إلى النبي ﷺ مجزوما به بلفظ: " الفطر مما دخل وليس مما خرج ". ثم قال في تخريجه: " علقه البخاري عن ابن عباس، ووصله عنه ابن أبي شيبة ". فوهم الوهم الأول، وزاد وهما آخر، وهو أن المرفوع صحيح لجزمه به وعدم ذكر علته،
стр. 1353
فهذا وذاك هو الذي حملني على تحقيق القول في هذا الحديث لكيلا يغتر بكلامهما من لا علم عنده بأوهامهما. هذا وللحديث شاهد من رواية أبي أمامة، ولكنه ضعيف جدا وهو:
٩٦٠ - " إنما الوضوء علينا مما خرج، وليس علينا مما دخل ".
ضعيف جدا.
رواه الطبراني في " الكبير " عن أبي أمامة قال: دخل رسول الله ﷺ على صفية بنت عبد المطلب فغرفت له، أو فقربت له علقا فوضعته بين يديه، ثم غرفت أو قربت آخر فوضعته بين يديه فأكل، ثم أتى المؤذن
فقال: الوضوء الوضوء، فقال " فذكره. قال الهيثمي في " المجمع " (١ / ١٥٢) : " وفيه عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد، وهما ضعيفان لا يحل الاحتجاج بهما ". قلت: ولذلك قال الحافظ فيما سبق نقله عنه في الكلام على الحديث الذي قبله. " إنه أشد ضعفا منه ".
стр. 1354
٩٦١ - " إنما الإفطار مما دخل، وليس مما خرج ".
ضعيف.
أخرجه أبو يعلى في " مسنده ": حدثنا أحمد بن منيع: حدثنا مروان بن معاوية عن رزين البكري قال: حدثنا مولاة لنا يقال لها: سلمى من بكر بن وائل أنها سمعت عائشة تقول: " دخل علي رسول الله ﷺ ، فقال: يا عائشة هل من كسرة؟ فأتيته بقرص، فوضعه في فيه وقال: يا عائشة هل دخل بطني منه شيء؟ كذلك قبلة الصائم، إنما الإفطار.... ".
قلت: وهذا سند ضعيف، من أجل سلمى هذه، فإنها لا تعرف كما في " التقريب "، ورزين البكري إن كان هو الجهني فثقة، وإلا فمجهول. وقد أشار إلى ذلك الهيثمي في " المجمع " (٣ / ١٦٧) قال: " رواه أبو يعلى وفيه من لم أعرفه ". والصواب في الحديث أنه موقوف على ابن عباس كما سبق بيانه قبل حديث.
стр. 1355
٩٦٢ - " ما فضلكم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في صدره ".
لا أصل له مرفوعا.
قال الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " (١ / ٣٠ و ١٠٥ طبعة الحلبي) : " رواه الترمذي الحكيم في " النوادر " من قول بكر بن عبد الله المزني، ولم أجده مرفوعا ". وأقره الحافظ السخاوي في " المقاصد الحسنة " (رقم ٩٧٠) . ومن المؤسف أن يسمع هذا الحديث من بعض الوعاظ في المسجد النبوي، سمعته منه في
стр. 1356
أو اسط شهر شوال سنة ١٣٨٢ هـ مصرحا بصحته، وقد حاولت الاتصال به بعد فراغه من الوعظ، واستدللت على المنزل الذي كان حل فيه، ثم عرض لي ما حال بيني وبين ذلك، ثم سافر في اليوم الثاني، فعسى أن يطلع على
هذه الكلمة، فتكون له ولغيره تذكرة، " والذكرى تنفع المؤمنين ".
٩٦٣ - " كان يخطب يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم الأضحى على المنبر ".
ضعيف.
قال الهيثمي (٢ / ١٨٣) وقد ذكره من حديث ابن عباس: " رواه الطبراني في " الكبير " وفيه حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، ضعفه أحمد وابن المديني والبخاري والنسائي، وبقية رجاله موثقون ".
قلت: وقال الحافظ في الحسين هذا: " ضعيف ".
قلت: ومما يدل على ضعفه روايته مثل هذا الحديث، فإن من المعلوم أن النبي ﷺ إنما كان يصلي الفطر والأضحى في المصلى، ولم يكن ثمة منبر يرقى عليه، ولا كان كان يخرج منبره، من المسجد إليه، وإنما كان يخطبهم قائما على الأرض، كما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من حديث جابر، وأول من أخرج المنبر إلى المصلى مروان بن الحكم، فأنكر عليه أبو سعيد الخدري كما في " الصحيحين " عنه قال: " كان رسول الله ﷺ يوم الفطر ويوم الأضحى بالمصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس.... فلم يزل الناس على ذلك، حتى خرجت مع مروان، وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبذت بثوبه ... " الحديث انظر " فتح الباري " (٢ / ٣٥٩) .
وأما الحديث الذي رواه المطلب بن عبد الله بن حنطب عن جابر قال: " شهدت مع رسول الله ﷺ الأضحى بالمصلى، فلما صلى وقضى خطبته نزل عن منبره، فأتى بكبش فذبحه رسول الله ﷺ بيده وقال: بسم الله، والله أكبر، هذا عني، وعمن لم يضح من أمتي ". أخرجه أبو داود (٢ / ٥) والدارقطني (٥٤٤) وأحمد (٣ / ٣٦٢) .
قلت: فهذا معلول بالانقطاع بين المطلب وجابر، فقد قال أبو حاتم: " المطلب لم يسمع من جابر ولم يدرك أحدا من الصحابة إلا سهل بن سعد ومن في طبقته ". وقال مرة: " يشبه أنه أدركه " يعني جابرا. فإن صح هذا فعلته عنعنة المطلب، فإنه مدلس قال الحافظ: " صدوق كثير التدليس والإرسال ".
стр. 1357
قلت: فمثله لا يحتج به لاسيما والحديث في الصحيحين من طريق أخرى عن جابر وليس فيه ذكر المنبر كما
تقدم.
٩٦٤ - " كان إذا قام يخطب أخذ عصا فتوكأ عليها وهو على المنبر ".
لا أصل له بهذه الزيادة و" وهو على المنبر ".
فيما أعلم وقد أورده هكذا الزرقاني في " شرح المواهب الدنية " (٧ / ٣٩٤) من رواية أبي داود والصنعاني في " سبل السلام " (٢ / ٦٥) من روايته من حديث البراء بلفظ: " كان إذا خطب يعتمد على عنزة له ". والذي رأيته في " سنن أبي داود " (١ / ١٧٨) من طريق أبي جناب عن يزيد بن البراء عن أبيه أن النبي ﷺ نوول يوم العيد قوسا فخطب عليه، وكذا رواه أبو الشيخ في " أخلاق النبي ﷺ " (ص ١٤٦) وابن أبي شيبة (٢ / ١٥٨) ورواه أحمد (٤ / ٢٨٢) مطولا وكذا الطبراني وصححه ابن السكن فيما ذكره الحافظ في " التلخيص " (١٣٧) ، وفيه نظر فإن أبا جناب واسمه يحيى بن أبي حية ضعيف، قال الحافظ في " التقريب ": " ضعفوه لكثرة تدليسه ".
فأنت ترى أنه ليس في الحديث أن ذلك كان على المنبر، ويوم الجمعة، بل هو صريح في يوم العيد دون المنبر، ولم يكن ﷺ يخطب فيه على المنبر، لأنه كان يصلي في المصلى، ولذلك لم يصح التعقب به - كما فعل الزرقاني تبعا لأصله: القسطلاني - على ابن القيم في قوله في " زاد المعاد " (١ / ١٦٦) : " ولم يكن يأخذ بيده سيفا ولا غيره، وإنما كان يعتمد على عصا، ولم يحفظ عنه أنه اعتمد على سيف، وما يظنه بعض الجهال أنه
كان يعتمد على السيف دائما، وأن ذلك إشارة إلى الدين قام بالسيف فمن فرط جهله، فإنه لا يحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف ولا قوس ولا غيره، ولا قبل اتخاذه أنه أخذ بيده سيفا ألبتة، وإنما كان يعتمد على عصا أو قوس ". فقوله " قبل أن يتخذ المنبر " صواب لا غبار عليه، وإن نظر فيه القسطلاني وتعقبه الزرقاني كما أشرنا آنفا، وذلك قوله في شرحه: " كيف وفي أبي داود: كان إذا قام يخطب أخذ عصا فتوكأ عليها وهو على المنبر "! فقد علمت مما سبق أن هذا لا أصل له عند أبي داود، بل ولا عند غيره من أهل السنن الأربعة وغيرهم، فقد تتبعت الحديث فيما أمكنني من المصادر، فوجدته روي عن جماعة من الصحابة، وهم الحكم بن حزن الكلفي وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وسعد القرظ المؤذن، وعن عطاء مرسلا، وليس في شيء منها ما ذكره الزرقاني، وإليك ألفاظ أحاديثهم ما تخريجها:
١ - عن الحكم بن حزن قال:
стр. 1358
" شهدنا الجمعة مع رسول الله ﷺ فقام متوكئا على عصا أو قوس، فحمد الله، وأثنى عليه.. " الحديث. أخرجه أبو داود (١ / ١٧٢) بسند حسن وكذا البيهقي (٣ / ٢٠٦) وأحمد وابنه في " زوائد المسند " (٤ / ٢١٢) ، قال الحافظ في " التلخيص " (١٣٧) : " وإسناده حسن، فيه شهاب بن خراش، وقد اختلف فيه، والأكثر وثقوه وقد صححه ابن السكن وابن خزيمة ".
٢ - عن عبد الله بن الزبير." أن النبي ﷺ كان يخطب بمخصرة في يده ". أخرجه ابن سعد في " الطبقات " (١ / ٣٧٧) وأبو الشيخ (١٥٥) بسند رجاله ثقات، غير أن فيه ابن لهيعة، سيء الحفظ.
٣ - عن عبد الله بن عباس قال: " كان رسول الله ﷺ يخطبهم يوم الجمعة في السفر، متوكئا على قوس قائما ". رواه أبو الشيخ (١٤٦) بسند واه جدا، فيه الحسن بن عمارة وهو متروك.
٤ - عن سعد القرظ المؤذن " أن رسول الله ﷺ كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس، وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا ". أخرجه البيهقي (٣ / ٢٠٦) ، وفيه عبد الرحمن بن سعد بن عمار وهو ضعيف.
٥ - عن عطاء يرويه عنه ابن جريج قال: " قلت لعطاء: أكان رسول الله ﷺ يقوم على عصا إذا خطب؟ قال: نعم، كان يعتمد عليها اعتمادا ". أخرجه الشافعي في " الأم " (١ / ١٧٧) وفي " المسند " (١ / ١٦٣) والبيهقي من طريقين عن ابن جريج به، فهو إسناد مرسل صحيح، وأما قول الحافظ: " رواه الشافعي عن إبراهيم عن ليث بن أبي سليم عن عطاء مرسلا، وليث ضعيف ".
فوهم منه تبعه عليه الشوكاني (٣ / ٢٢٨) ، فليس الحديث عنده بهذا الإسناد، ثم لوكان كذلك فهو ضعيف جدا، لأن إبراهيم - وهو ابن أبي يحيى الأسلمي - أشد ضعفا من الليث، فإنه متهم بالكذب.
وجملة القول: أنه لم يرد في حديث أنه ﷺ كان يعتمد على العصا أو القوس وهو على المنبر، فلا يصح الاعتراض على ابن القيم في قوله: أنه لا يحفظ عن النبي ﷺ بعد اتخاذه المنبر أنه كان يرقاه بسيف ولا قوس وغير، بل الظاهر من تلك الأحاديث الاعتماد على القوس إذا خطب على الأرض، والله أعلم.
стр. 1359
فإن قيل: في حديث الحكم بن حزن المتقدم أنه شهد النبي ﷺ في خطبة الجمعة متوكئا على عصا أو قوس، وقد ذكروا في ترجمته أنه أسلم عام الفتح، أي سنة ثمان، وأن المنبر عمل به سنة سبع فتكون خطبته ﷺ المذكورة على المنبر، ضرورة أنه رآه يخطب بعد أن اتخذ له المنبر، وهذا ظاهر مع تذكر أنه لا يعلم أن النبي ﷺ صلى الجمعة في غير مسجده ﷺ .
قلت: الاستنتاج صحيح لوأن المتقدمين المذكورين ثابتان، وليس كذلك، أما الأولى: وهي أن الحكم أسلم عام الفتح، فهذا لم أر من ذكره ممن ألف في تراحم الصحابة وغيرهم، وإنما ذكره الصنعاني في " سبل السلام " (٢ / ٦٥) عند الكلام على حديثه المتقدم، فقال: " قال ابن عبد البر: إنه أسلم عام الفتح، وقيل: يوم اليمامة، وأبوه حزن بن أبي وهب المخزومي ".
وقد رجعت إلى كتاب " الاستيعاب " لابن عبد البر، فلم أره ذكر ذلك. ثم عدت إلى الكتب الأخرى مثل " أسد الغابة " لابن الأثير و" تجريده " للذهبي، و" الإصابة " و" تهذيب التهذيب " للعسقلاني، فلم أجدهم زادوا على ما في " الاستيعاب "! فلو كان لذلك أصل عند ابن عبد البر لما خفي عليهم جميعا، ولما أغفلوه، لاسيما، وترجمته عندهم جرداء ليس فيها إلا أنه روى هذا الحديث الواحد! (١) ثم إن في حديثه ما قد يمكن أن يؤخذ منه أن إسلامه قد كان متقدما على عام الفتح فإنه قال: " وفدت إلى رسول الله ﷺ سابع سبعة أو تاسع تسعة، فقلنا: يا رسول الله زرنالك فادع الله لنا بخير، فأمر بنا، أو أمر لنا بشيء من التمر، والشأن إذا ذاك دون، فأقمنا أياما شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله ﷺ .... " الحديث. فقوله: " والشأن إذا ذاك دون " يشعر بأنه قدم عليه ﷺ والزمان زمان فقر وضيق في العيش، وليس هذا الوصف بالذي
ينطبق على زمان فتح مكة كما هو ظاهر، فإنه زمن فتح ونصر وخيرات وبركات، فالذي يبدو لي أنه أسلم في أو ائل قدومه ﷺ المدينة، والله أعلم.
وقول الصنعاني: " وأبوه حزن بن أبي وهب المخزومي خطأ آخر، لا أدري كيف وقع له هذا والذي قبله فإن حزن بن أبي وهب مخزومي وليس كلفيا، وهو سعيد بن المسيب بن حزن. وأما المقدمة الأخرى وهي أن المنبر عمل به ﷺ سنة سبع، فهذا مما لا أعلم عليه دليلا إلا جزم ابن سعد بذلك، ولكن الحافظ ابن حجر لم يسلم به ونظر فيه لأمرين، أصححهما أنه خلاف ما دل عليه حديث ابن عمر: " أن النبي ﷺ لما بدن قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبرا يا رسول الله يجمع أو يحمل عظامك؟ قال: بلى، فاتخذ له منبرا مرقاتين ".
стр. 1360
أخرجه أبو داود (١ / ١٧٠) بسند جيد كما قال الحافظ (٢ / ٣١٨) . وتميم الداري إنما كان إسلامه سنة تسع فدل على أن المنبر إنما اتخذ في هذه السنة لا قبلها، ولكن قال الحافظ: " وفيه نظر أيضا لما ورد في حديث
الإفك في " الصحيحين " عن عائشة قالت: " فثار الحيان الأوس والخزرج حتى كادوا أن يقتلوا. ورسول الله ﷺ على المنبر فخفضهم حتى سكتوا ".
فإن حمل على التجوز في ذكر المنبر، وإلا فهو أصح مما مضى ". ويشير الحافظ بهذا إلى أن قصة الإفك وقعت في غزوة المريسيع سنة أربع أو خمس على قولين، ورجح الحافظ (٧ / ٣٤٥) الثاني، وعليه فقد كان المنبر موجودا في السنة الخامسة، فهو يعارض ما دل عليه حديث تميم فلابد من التوفيق بينهما، وذلك يحمل ذكر المنبر في حديث الإفك على التجوز كما ذكره الحافظ. والله أعلم.
وسواء ثبت هذا الجمع أولم يثبت، فيكفي في الدلالة على عدم صحة ذلك الاستنتاج ثبوت ضعف المقدمة الأولى وهي كون الحكم بن حزن أسلم سنة ثمان، والله أعلم.
٩٦٥ - " إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح، قالوا: فهل لذلك إمارة يعرف بها؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتنحي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت ".
ضعيف.
روي من حديث عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، ومن حديث الحسن البصري، وأبي جعفر المدائني كلاهما مرسلا.
١ - أما حديث ابن مسعود، فله ثلاث طرق: الأولى: عن سعيد بن عبد الملك بن واقد الحراني: حدثنا محمد بن مسلمة عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عنه. أخرجه ابن جرير (١٢ / ١٠٠ / ١٣٨٥٥) . قلت: وهذا سند ضعيف وفيه علتان:
أ - ضعف الحراني هذا، ضعفه الدارقطني وغيره.
ب - الانقطاع بين أبي عبيدة وأبيه عبد الله بن مسعود فإنه لم يسمع منه.
الثانية: عن عدي بن الفضل، عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن
ابن مسعود. أخرجه الحاكم (٤ / ٣١١) ساكتا عنه، وتعقبه الذهبي بقوله: " عدي ساقط ". قلت: قال ابن معين وأبو حاتم: " متروك الحديث ".
стр. 1361
قلت: وشيخه المسعودي كان اختلط، واسم جده عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي. الثالثة: عن محبوب بن الحسن الهاشمي عن يونس عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن مسعود به نحوه. أخرجه ابن جرير (رقم ١٣٨٥٧) .
قلت: وهذا سند ضعيف، محبوب هذا - وهو لقبه واسمه محمد - مختلف فيه، قال ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال النسائي: ضعيف. وذكره ابن حبان في " الثقات "، وروى له البخاري متابعة. وأما الراوي عنه يونس فهو ابن عبيد، ثقة من رجال الشيخين، وهو أكبر سنا من المسعودي فهو من رواية الأكابر عن الأصاغر.
وأما ابن عتبة فهو المسعودي الذي في السند الذي قبله، وقد أشكل هذا على الأستاذ الأديب محمود محمد شاكر في تعليقه على تفسير ابن جرير من جهة أنهم لم يذكروا في الرواة عنه يونس بي عبيد، مع كونه في طبقة شيوخ المسعودي، فلوكان يونس روى عنه لذكر مثل ذلك في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة. ثم رجح أن الصواب " عن يونس عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عتبة ".
وهو عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، وليس هو والد عبد الرحمن كما هو ظاهر من نسبهما، قال الأستاذ مبررا لترجيحه: " وهو الذي يروي عن عمه " عبد الله بن مسعود " وولد في عهد النبي ﷺ ورآه ومات سنة (٧٤) ، فهو الخليق أن يروي عن يونس بن عبيد ".
قلت: هكذا قال، وأنا أرى أن ذلك بعيد عن الصواب لوجوه: أولا: أن الإشكال من أصله غير وارد، لأنه إنما يمكن القول به على فرض صحة السند بذلك، أما وهو ضعيف من أجل محبوب، فلا إشكال لأنه يمكن أن يقال حينئذ: أخطأ محبوب في تسمية شيخ يونس، ولا ضرورة بعد ذلك إلى محاولة الكشف عن خطإه وبيان الصواب فيه بمجرد الظن كما صنع الأستاذ.
ثانيا: إن حضرته في سبيل الخلاص من إشكال، وقع في إشكال آخر وهو تصويبه أنه من رواية يونس بن عبيد عن عبد الله بن عتبة الذي توفي سنة (٧٤) . وقد ذكر هو نفسه أن يونس ابن عبيد مات سنة (١٤٠) والصواب أنه مات قبل ذلك بسنة، وعلى ذلك فتبين وفاتيهما (٦٥) سنة، فكم كان سن يونس حين وفاة ابن عتبة؟ ذلك مما لم يصرحوا به، ولكن يمكن استنتاج ذلك من قول حميد بن الأسود " كان أسن من ابن عون بسنة ". وإذا رجعنا إلى ترجمة ابن عون واسمه عبد الله وجدنا أن مولده كان سنة (٦٦) فإن مولد يونس يكون سنة (٦٥) فإذا طرحنا هذا من
стр. 1362
(٧٤) سنة وفاة ابن عتبة عرفنا أن سن يونس حين وفاة ابن عتبة إنما هو تسع سنين، فهل يمكن لمن كان في مثل هذه السن أن يتلقى العلم عن الشيوخ ويحفظه؟ لسنا نشك أن ذلك ممكن، ولكنه بلا ريب شيء نادر، فادعاء وقوع مثله مما لا تطمئن النفس إليه إلا إن جاء ذلك بالسند الصحيح فيما نحن فيه، وهيهات، فإنه لوثبت أن يونس بن عبيد روى عن ابن عتبة لذكروا ذلك في ترجمته، لأنه يكون إسنادا عاليا، لا يغفل مثله عادة لوصح، وقد ذكروا فيها كثيرا من شيوخه من التابعين، أقدمهم وفاة حصين بن أبي الحر، عاش إلى قرب التسعين وإبراهيم التيمي مات سنة (٩٢) فهما أكبر شيوخه وابن عتبة أكبر منهما بستة عشر عاما وأكثر، فلوكان من شيوخه لذكروه فيهم إن شاء الله تعالى.
ثالثا: قد كشفت الطريق التي قبل هذه أن راوي الحديث إنما هو عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، فهي متفقة من هذه الطريق في تسمية الراوي به، ولكن اختلفتا في الرواية عنه، فالأولى قالت: عنه عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود، فوصلته وهذه قالت عنه عن ابن مسعود، فأعضلته، وأسقطت من السند راويين، ولا شك أن هذه الطريق على ضعفها أقرب إلى الصواب من التي قبلها. وجملة القول أن هذه الطريق ضعيفة أيضا لإعضالها وضعف محبوب راويها.
والحديث قال السيوطي في " الدر المنثور " (٣ / ٤٤) : " أخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم والبيهقي في " الشعب " من طرق عن ابن مسعود مرفوعا ". وقال الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " (١ / ٨٢) : " رواه الحاكم والبيهقي في " الزهد " من حديث ابن مسعود ". ثم سكت عليه! وما كان يحسن به ذلك لما عرفت من شدة ضعف إسناده.
٢ - وأما حديث ابن عباس، فيرويه حفص بن عمر العدني: حدثنا الحسن بن أبان عن عكرمة عنه مرفوعا نحوه. أخرجه ابن أبي حاتم في " تفسيره " (٣ / ١٠٨ / ١) (١) وهذا سند ضعيف وله علتان. الأولى: الحكم بن أبان ضعيف الحفظ، وفي التقريب ": " صدوق له أوهام ". والأخرى: حفص بن عمر العدني، ضعيف جدا، قال ابن معين والنسائي: " ليس بثقة ". وقال العقيلي: " يحدث بالأباطيل ". وقال الدارقطني: " متروك ".
стр. 1363
قلت: فهو آفة الحديث.
وقد فات هذا الإسناد جماعة من الحفاظ المخرجين، فلم يذكروه ولا أشاروا إليه البتة، كالحافظ ابن كثير والسيوطي وغيرهما، فالحمد لله الذي يسر لي طريق الوقوف عليه ومعرفة حاله.
٣ - وأما حديث الحسن البصري، فلم أقف على إسناده، وإنما ذكره السيوطي من تخريج ابن أبي الدنيا في " كتاب ذكر الموت " عنه مرسلا نحوه، وهو لم يتكلم على إسناده كما هي عادته، وذلك من عيوب كتابه الحافل بالأحاديث والآثار.
٤ - وأما حديث أبي جعفر المدائني، فأخرجه ابن جرير (١٣٨٥٢ و١٣٨٥٣) وابن أبي حاتم من طرق عن عمرو بن مرة عن أبي جعفر قال: قال النبي ﷺ : فذكره نحوه. ثم رواه ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن قيس عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن المسور (١) قال: تلا رسول الله ﷺ .... الحديث نحوه. ورواه ابن جرير (١٣٨٥٦) عن خالد بن أبي كريمة عن عبد الله بن المسور به. قلت: وهذا سند مرسل هالك، فإن أبا جعفر هذا هو عبد الله بن المسور كما في ... عمرو بن قيس عن عمرو، ورواية ابن أبي كريمة كلاهما عن عبد الله بن المسور، وقد ذكر الذهبي في كنى " الميزان ": " أبو جعفر الهاشمي المسوري هو عبد الله بن المسور، وهو أبو جعفر المدائني ".
وقد ذكروا في ترجمته من " الأسماء ": " قال أحمد وغيره: أحاديثه موضوعة، وقال ابن المديني: كان يضع الحديث على رسول الله ﷺ ، ولا يضع إلا ما فيه أدب أو زهد، فيقال له في ذلك، فيقول: إن فيه أجرا! وقال النسائي: " كذاب ". وقال إسحاق بن راهويه: " كان معروفا عند أهل العلم بوضع الحديث، وروايته إنما هي عن التابعين، ولم يلق أحدا من الصحابة ".
والحديث قال في " الدر ": " أخرجه سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في " الأسماء والصفات " عن عبد الله بن مسعود ". وعزاه الحافظ ابن كثير في " تفسيره ".... وحده! وهو أول طرق هذا الحديث عنده من ثلاث طرق والطريق الثاني ... عن أبي عبيدة عن (٢) ابن مسعود، والثالثة طريق عبد الرحمن بن عبد الله (٣) بن عتبة عنه، ثم ختمها بقول له: " فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة، يشد بعضها بعضا ".
قلت: وهذا من أوهامه رحمه الله تعالى، فإن طريقه الأولى معضلة مع كذب الذي أعضله!
стр. 1364
والثانية منقطعة، مع ضعف أحد رواته، والثالثة معضلة أيضا مع ضعف أحد رواته فأين الطريق المتصلة؟ ! وقد زدنا عليه طريقين آخرين إحداهما عن الحسن وهو مرسلة أيضا، والأخرى عن ابن عباس، وهي الوحيدة في الاتصال، ولكن فيها متروك كما سبق بيانه.
وجملة القول: أن هذا الحديث ضعيف لا يطمئن القلب لثبوته عن رسول الله ﷺ لشدة الضعف الذي في جميع طرقه، وبعضها أشد ضعفا من بعض، فليس فيها ما ضعفه يسير يمكن أن ينجبر، خلافا لما ذهب إليه ابن كثير، وإن قلده في ذلك جماعة ممن ألفوا في التفسير، كالشوكاني في " فتح القدير " (٢ / ١٥٤) ، وصديق حسن خان في " فتح البيان " (٢ / ٢١٧) ، وجزم الآلوسي في " روح المعاني بنسبته إليه ﷺ ، ومن قبله ابن القيم في " الفوائد " (ص ٢٧ - طبع دار مصر) ، وعزاه للترمذي! فجاء بوهم آخر، والعصمة لله وحده.
٩٦٦ - " من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط، فكأنما جلس على جمرة ".
منكر بهذا اللفظ.
أخرجه الطحاوي في " شرح المعاني " (١ / ٢٩٧) عن ابن وهب وسليمان بن داود (وهو الطيالسي) كلاهما عن محمد بن أبي حميد عن محمد بن كعب عن أبي هريرة مرفوعا.
قلت: وهذا سند ضعيف جدا، فإن ابن أبي حميد هذا قال البخاري: " منكر الحديث ". وقال النسائي: " ليس بثقة "، ولهذا قال الحافظ في " الفتح " (٣ / ١٧٤) بعد أن ذكر الحديث. " إسناده ضعيف ".
وقد رواه عنه أبو داود الطيالسي في مسنده " بلفظ آخر فقال: (١ / ١٦٨ - ترتيبه) : حدثنا محمد بن أبي حميد عن محمد بن كعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لأن يجلس أحدكم على جمرة خير له من أن يجلس على قبر ". قال أبوهريرة: يعني يجلس لغائط أو بول.
قلت: وهذا التفسير للجلوس وإن كان باطلا في نفسه كما سيأتي، فهو بالنظر لكونه منسوبا لأبي هريرة أقرب من رفعه إلى النبي ﷺ كما في رواية الطحاوي وهو أخرجها كما رأيت من طريق ابن وهب عن ابن أبي حميد، ثم من طريق الطيالسي عنه بلفظ ابن وهب مغايرا للفظه في " المسند ".
وهذا أقرب أيضا، لأنه روى الحديث المرفوع عن الجادة كما رواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: " لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر ".
стр. 1365
رواه مسلم (٣ / ٦٢) وأصحاب السنن إلا الترمذي والطحاوي وغيرهم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا، فهذا هو المحفوظ عن أبي هريرة بالسند الصحيح عنه (١) ، فرواية ابن أبي حميد منكرة لمخالفتها لرواية الثقة، أما على رواية الطحاوي فظاهر، وأما على رواية الطيالسي التي فيها التفسير الباطل، فلأنها تضمنت زيادة على رواية الثقة من ضعيف فلا تقبل اتفاقا، وأيضا، فقد ثبت عن أبي هريرة عمله بالحديث على ظاهره، فروى الشافعي في " الأم " (١ / ٢٤٦) وابن أبي شيبة في " المصنف " (٤ / ١٣٧) عن محمد بن أبي يحيى عن أبيه قال: " كنت أتتبع أبا هريرة في الجنائز، فكان يتخطى القبور، قال: " لأن يجلس ... " فذكر الحديث موقوفا، وسنده جيد (٢) فدل هذا على بطلان ما روى ابن أبي حميد عن أبي هريرة من تفسير الجلوس على القبر بالبول والتغوط عليه، لأن أبا هريرة استدل بالحديث على تخطيه للقبور وعدم وطئها، فدل على أنه هو المراد، وهو الذي لا يظهر من الحديث سواه، ومن الغرائب أن يتأوله بعض العلماء الكبار بالجلوس للغائط وأغرب منه أن يحتج الطحاوي لذلك باللغة، فيقول: " وذلك جائز في اللغة، يقال: جلس فلان للغائط، وجلس فلان للبول "!! .
وما أدري والله كيف يصدر مثل هذا الكلام من مثل هذا الإمام، فإن الجلوس الذي ورد النهي عنه في الأحاديث مطلق، فهل في اللغة " جلس فلان " بمعنى تغوط أو بال؟ ! فما معنى قوله إذن: يقال جلس فلان للغائط ... " فمن نفى هذا وما علاقته بالجلوس المطلق؟ ! ولذلك جزم العلماء المحققون كابن حزم والنووي والعسقلاني ببطلان ذلك التأويل، فمن شاء الاطلاع على ذلك فليراجع " المحلى " (٥ / ١٣٦) و" فتح الباري " (٣ / ١٧٤) .
وإن من شؤم الأحاديث الضعيفة أن يستدل بها بعض أهل العلم على تأويل الأحاديث الصحيحة كهذا الحديث، فقد احتج به الطحاوي لذلك التأويل الباطل! واحتج أيضا بحديث آخر فقال: " حدثنا سليمان بن شعيب قال: حدثنا الخصيب قال: حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا عثمان بن حكيم عن أبي أمامة أن زيد بن ثابت قال: هلم يا ابن أخي أخبرك إنما نهى النبي ﷺ عن الجلوس على القبور لحدث: غائط أو بول ".
قلت: وهذا سند رجاله ثقات معرفون غير عمرو بن علي، فلم أعرفه، ولم أجد في هذه الطبقة من اسمه عمرو بن علي، ويغلب على الظن أن واو (عمرو) زيادة من بعض النساخ، وأن الصواب (عمر بن علي) (٣) وهو عمرو بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي وهو ثقة ولكنه كان يدلس تدليسا عجيبا يعرف بتدليس السكوت قال ابن سعد كان يدلس تدليسا شديدا يقول: سمعت وحدثنا، ثم يسكت فيقول: هشام بن عروة والأعمش ".
стр. 1366
قلت: ومثل هذا التدليس حري بحديث صاحبه أن يتوقف عن الاحتجاج به ولوصرح بالتحديث خشية أن يكون سكت بعد قوله حدثنا، ولا يفترض في كل الرواة الآخذين عنه أن يكونوا قد تنبهو التدليسه هذا، وكأنه لهذا الذي أوضحنا، اقتصر الحافظ في " الفتح " (٣ / ١٧٤) على قوله " ورجال إسناده ثقات " ولم يصححه، بينما رأيناه قد صرح بتصحيح إسناد الحديث من طريق أخرى عن عثمان بن حكيم بنحوه وقد علقه البخاري عنه فقال: " وقال عثمان بن حكيم: أخذ بيدي خارجة، فأجلسني على قبر، وأخبرني عن عمه يزيد بن ثابت قال: إنما كره ذلك لمن أحدث عليه ".
فقال الحافظ: " وصله مسدد في " مسنده الكبير " وبين فيه سبب إخبار خارجة لحكيم بذلك ولفظه: حدثنا عيسى بن يونس: حدثنا عثمان بن حكيم: حدثنا عبد الله بن سرجس وأبو سلمة بن عبد الرحمن أنهما سمعا أبا هريرة يقول: لأن أجلس على جمرة فتحرق ما دون لحمي حتى تفضي إلي أحب إلي من أن أجلس على قبر، قال عثمان: فرأيت خارجة بن زيد في المقابر، فذكرت له ذلك فأخذ بيدي ... الحديث. وهذا إسناد صحيح ".
ففي هذا الإسناد الصحيح لم يصرح الراوي برفع ذلك إلى النبي ﷺ بخلاف السند الذي قلبه المعلول، أقول هذا، وأنا على ذكر أن قول الصحابي " نهى عن كذا " في حكم المرفوع، ولكن هذا شيء، وقوله: " إنما نهى عن كذا " شيء آخر، ففي هذا القول شيئان: الأول النهي، وهو في حكم المرفوع، والآخر وهو تعليل النهي فهو موقوف ولا يزم من كون الأول مرفوعا أن يكون الأخر كذلك، لجواز أنه قاله باجتهاد من عنده لا بتوقيف له من النبي ﷺ ، ويؤيد هذا ورود النهي عن الاتكاء على القبر الذي هو دون الجلوس عليه فقال الحافظ: " ويؤيد قول الجمهور ما أخرجه أحمد من حديث عمرو بن حزم الأنصاري مرفوعا " لا تقعدوا على القبور ". وفي رواية له عنه: " رآني رسول الله ﷺ وأنا متكئ على قبر فقال: " لا تؤذ صاحب القبر ". إسناده صحيح، وهو دال على أن المراد بالجلوس القعود على حقيقته ".
قلت: وهو مخرج في " أحكام الجنائز " (٢٠٩ - ٢١٠) .
٩٦٧ - " نهى أن يعتمد الرجل على يده إذا نهض في الصلاة ".
منكر.
أخرجه أبو داود (١ / ١٥٧) حدثنا أحمد بن حنبل، وأحمد بن محمد بن شبويه، ومحمد بن رافع، ومحمد بن عبد الملك الغزال قالوا: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر قال: " نهى رسول الله ﷺ قال أحمد بن حنبل - أن يجلس في الصلاة وهو معتمد على يده - قال ابن شبويه: أن يعتمد الرجل على يده في الصلاة، وقال ابن رافع: نهى أن يصلي الرجل وهو معتمد على يده وذكره في باب الرفع من السجود، وقال ابن عبد الملك: نهى أن يعتمد الرجل على يده إذا نهض في الصلاة ".
стр. 1367
قلت: فقد اختلف في لفظ هذا الحديث على عبد الرزاق كما ترى من أربعة وجوه:
الأول: رواية أحمد بلفظ " نهى أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده ".
الثاني: رواية ابن شبويه بلفظ: نهى أن يعتمد الرجل على يده في الصلاة.
الثالث: رواية ابن رافع: نهى أن يصلي الرجل وهو معتمد على يده.
الرابع: رواية عبد الملك باللفظ المذكور أعلاه. ومن البين الواضح أن الحديث واحد لأن الطريق واحد، وإنما تعددت الطرق من بعد عبد الرزاق، واختلفوا عليه، وإذا كان كذلك، فينبغي النظر في الراجح من هذه الوجوه المختلفة، لأن في بعضها معارضة للبعض الآخر، وهو الوجه الأول والرابع، فإن الأول صريح في أن النهي عن الاعتماد في الصلاة في الجلوس، وذلك يكون في التشهد أو بين السجدتين، والآخر صريح في أن النهي عن الاعتماد إنما هو إذا نهض في الصلاة وذلك من التشهد الأول في المعنى، فلا تعارض بينهما، كما أنه لا تعارض بينهما من جهة وبين الوجهين الآخرين من جهة أخرى، لأنهما مجملان بالنسبة إلى الوجهين الآخرين، يقبلان التفسير بأحدهما فبأيهما يفسران؟ هذا هو موضع البحث والتحقيق. ومما لا شك فيه أن الوجه الأول هو الراجح، وذلك ظاهر من النظر في الراوي له عن عبد الرزاق، وهو الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فإنه من الأئمة المشهور ين بالحفظ والضبط والإتقان، فلا يقوم أمامه أيا كان من الثقات عند المخالفة، لاسيما إذا كان فيه كلام مثل راوي الوجه الآخر محمد بن عبد الملك الغزال هذا، فإنه وإن وثقه النسائي وغيره، فقد قال مسلمة: " ثقة كثير الخطأ ".
قلت: فمثله لا يحتج به إذا خالفه الثقة، فكيف إذا كان المخالف له إماما ثبتا كالإمام أحمد بن حنبل؟ ! فكيف إذا توبع فيه الإمام أحمد، وبقي الغزال فريدا غريبا، فقد أخرج أحمد الحديث في " مسنده " (رقم ٦٣٤٧) هكذا كما رواه عنه أبو داود، وتابعه إسحاق بن إبراهيم الدبري راوي " مصنف عبد الرزاق " عنه، فقد أورد الحديث فيه (٢ / ١٩٧ / ٣٠٥٤) بلفظ أحمد إلا أنه قال: " يديه "، وترجم له بقوله: " باب الرجل يجلس معتمدا على يديه في الصلاة " وكذلك رواه البيهقي في " سننه " (٢ / ١٣٥) من طريق " المسند " ومن طريق أبي داود عن أحمد مقرونا مع شيوخ أبي داود الآخرين في هذا الحديث وساق ألفاظهم كما فعل أبو داود. ثم قال في رواية أحمد
: " وهذا أبين الروايات، ورواية غير ابن عبد الملك لا تخالفه، وإن كان أبين منها، ورواية ابن عبد الملك وهم، والذي يدل على أن رواية أحمد بن حنبل هي المراد بالحديث أن هشام بن يوسف رواه عن معمر كذلك ".
стр. 1368
ثم ساق من طريق الحاكم، وهذا في " المستدرك " (١ / ٢٧٢) عن إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف عن معمر عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر " أن النبي ﷺ نهى رجلا وهو جالس معتمدا على يده اليسرى في الصلاة وقال: إنها صلاة اليهود ". وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين "، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. ويدل على ذلك أيضا رواية هشام بن سعد قال: عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ رأى رجلا ساقطا يده في الصلاة فقال: " لا تجلس هكذا، إنما هذه جلسة الذين يعذبون ". أخرجه أحمد (٥٩٧٢) بسند جيد ورواه أبو داود والبيهقي من طرق أخرى عن هشام به موقوفا، والرفع زيادة من ثقة فهي مقبولة، لاسيما وطريق إسماعيل بن أمية أقوى من هذه ولم يختلف عليه في رفعه.
فتبين مما سبق أن الحديث عن ابن عمر في النهي عن الاعتماد في الجلوس في الصلاة وهذا هو المحفوظ، وأن رواية الغزال إياه في النهي عن الاعتماد إذا نهض شاذ بل منكر، لمخالفته لروايات الثقات على سوء حفظه.
(تنبيه) : قد وقعت بعض الأوهام حول هذا الحديث لبعض العلماء، فرأيت من النصيحة التنبيه عليها:
أولا: قال النووي في " المجموع " (٣ / ٤٤٥) مبينا علة الحديث: " إنه من رواية محمد بن عبد الملك الغزال وهو مجهول "! وقد عرفت أنه ليس بمجهول، بل هو ثقة سيء الحفظ.
ثانيا: نقل صاحب " عون المعبود " (١ / ٣٧٦) عن السيد عبد الله الأمير أنه قال: إن محمد ابن عبد الملك هذا هو محمد بن عبد الملك بن مروان الواسطي قال فيه في " التقريب ": " صدوق ". وأقره عليه، وهو وهم منهما، فإن محمد بن عبد الملك هذا هو الغزال كما صرح بذلك أبو داود في روايته كما تقدم، وقد نبه على هذا الوهم الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى.
ثالثا: احتج بهذا الحديث الحنفية والحنابلة على أن المصلي لا يعتمد على يديه عند النهو ض من السجدة الثانية في الوتر من الصلاة، وأغرب من ذلك أن يتابعهم عليه العلامة ابن القيم في كتابه المفرد في " الصلاة "! وذكر في " زاد المعاد " أنه ﷺ كان لا يعتمد على الأرض بيديه! وليس له في النفي مستند صحيح كما بينته في " التعلقات الجياد " (١ / ٣٨) بل هو معارض لظاهر حديث مالك بن الحويرث أنه كان يقول: ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله ﷺ فصلى في غير وقت الصلاة، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول الركعة استوى قاعدا، ثم قام فاعتمد على الأرض. أخرجه النسائي (١ / ١٧٣) والشافعي في " الأم " (١ / ١٠١) والبيهقي (٢ / ١٢٤ و١٣٥) بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وهو عند البخاري (٢ / ٢٤١) نحوه.
стр. 1369
أقول: فظاهر قوله " فاعتمد على الأرض " أي بيديه عند النهو ض، وقد قال السيد عبد الله الأمير " وعند الشافعي: واعتمد بيديه على الأرض ".
ولكني لم أجد هذه الزيادة " بيديه " عند الشافعي ولا عند غيره، وإن كان معناها هو المتبادر من الاعتماد، وفي " الفتح ": قيل يستفاد من الاعتماد أن يكون باليد، لأنه افتعال من العماد، والمراد به الاتكاء، وهو باليد، وروى عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمدا عى يديه قبل أن يرفعهما ".
قلت: تقدم بيان ضعف إسناده تحت الحديث (٩٢٩) لكني وجدت له شاهدا قويا موقوفا ومرفوعا يرويه حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس قال: رأيت ابن عمر إذا قام من الركعتين اعتمد على الأرض بيديه، فقلت لولده وجلسائه: لعله يفعل هذا من الكبر؟ قالوا لا ولكن هكذا يكون، أخرجه البيهقي (٢ / ١٣٥) .
قلت: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات كلهم. فقوله: " هكذا يكون " صريح في أن ابن عمر كان يفعل ذلك اتباعا لسنة الصلاة، وليس لسن أو ضعف، وقد جاء عنه مرفوعا إلى النبي ﷺ . فأخرجه أبو إسحاق الحربي في " غريب الحديث " (٥ / ٩٨ / ... ) عن الأزرق بن قيس: رأيت ابن عمر يعجن (١) في الصلاة: يعتمد على يديه في الصلاة إذا قام، فقلت له:؟ فقال: رأيت رسول الله ﷺ يفعله.
قلت: وإسناده حسن، وهو هكذا: حدثنا عبيد الله (الأصل: عبد الله وهو خطأ من الناسخ) بن عمر حدثنا يونس بن بكير عن الهيثم بن عطية عن قيس بن الأزرق بن قيس به.
قلت: وابنا قيس ثقتان من رجال الصحيح. والهيثم هو ابن عمران الدمشقي، أورده ابن حبان في " الثقات " (٢ / ٢٩٦) وقال: " يروي عن عطية بن قيس، روى عنه الهيثم بن خارجة ". وأورده ابن حاتم في " الجرح والتعديل " (٤ / ٢ / ٨٢ - ٨٣) وقال: " روى عنه محمد بن وهب بن عطية، وهشام بن عمار، وسليمان بن شرحبيل ". قلت: ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، لكن رواية هؤلاء الثقات الثلاثة عنه ويضم إليهم رابع وهو الهيثم بن خارجة، وخامس وهو يونس بن بكير، مما يجعل النفس تطمئن لحديثه لأنه لوكان في شيء من الضعف لتبين في رواية أحد هؤلاء الثقات عنه، ولعرفه أهل الحديث كابني حبان وأبي حاتم زد على ذلك أنه قد توبع على روايته هذه كما تقدم قريبا من حديث حماد بن سلمة نحوه. والله أعلم.
وأما يونس بن بكير وعبيد الله بن عمر، فثقتان من رجال مسلم، والآخر روى له البخاري أيضا وهو عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري، ووقع في " التهذيب " (ابن عمرو) بزيادة الواو
стр. 1370
وهو خطأ مطبعي، وقد ذكر الخطيب في الرواة عنه من ترجمته (١٠ / ٣٢٠) إبراهيم الحربي هذا. وجملة القول: أن الاعتماد على اليدين عند القيام سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ ، وذلك مما يؤكد ضعف هذا الحديث في النهي عن الاعتماد، وكذا الحديث الآتي بعده.
(تنبيه) : لقد خفي حديث ابن عمر هذا المرفوع على الحفاظ الجامعين المصنفين كابن الصلاح والنووي والعسقلاني وغيرهم، فقد، فقد جاء في " تلخيص الحبير " (١ / ٢٦٠) ما نصه: " حديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان إذا قام في صلاته وضع يده على الأرض كما يضع العاجن، قال ابن الصلاح في كلامه على " الوسيط ": هذا الحديث لا يصح، ولا يعرف، ولا يجوز أن يحتج به، وقال النووي في " شرح المهذب ": هذا حديث ضعيف، أو باطل لا أصل له، وقال في " التنقيح ": ضعيف باطل ".
هذه هي كلماتهم كما نقلها الحافظ العسقلاني عنهم، دون أن يتعقبهم بشيء، اللهم إلا بأثر ابن عمر الذي عزاه في " الفتح " لعبد الرزاق، فإنه عزاه هنا للطبراني في " الأوسط "، فلم يقف على هذا الحديث المرفوع صراحة، مصداقا للقول المشهور: كم ترك الأول للآخر. فالحمد لله على توفيقه، وأسأله المزيد من فضله.
٩٦٨ - " من السنة في الصلاة المكتوبة إذا نهض الرجل في الركعتين الأوليين أن لا يعتمد على الأرض إلا أن يكون شيخا كبيرا لا يستطيع ".
ضعيف.
أخرجه البيهقي في " سننه " (٢ / ١٣٦) والضياء في " المختارة " (١ / ٢٦٠) عن عبد الرحمن بن إسحاق عن زياد بن زياد السوائي عن أبي جحيفة عن علي ﵁ قال: فذكره. قلت: وهذا سند ضعيف، علته عبد الرحمن هذا، قال الذهبي: " ضعفوه ". وقال الحافظ في " التقريب ": " ضعيف ".
قلت: وهو راوي حديث علي في وضع اليدين في الصلاة تحت السرة، رواه بهذا السند الواهي، فإن زياد بن زياد هذا مجهول كما قال الحافظ تبعا لابن أبي حاتم.
(تنبيه) : هذا الحديث. وإن كان في " المختارة " فهو مضروب عليه مع حديث وضع اليدين المشار إليه بخط أفقي، مما يشعر بأن المصنف عدل عنه، وهو اللائق به، فإن إيراد مثل هذا الحديث بهذا الإسناد مما لا يتفق في شيء مع " الأحاديث المختارة ".