قلت: ومثل هذا التدليس حري بحديث صاحبه أن يتوقف عن الاحتجاج به ولوصرح بالتحديث خشية أن يكون سكت بعد قوله حدثنا، ولا يفترض في كل الرواة الآخذين عنه أن يكونوا قد تنبهو التدليسه هذا، وكأنه لهذا الذي أوضحنا، اقتصر الحافظ في " الفتح " (٣ / ١٧٤) على قوله " ورجال إسناده ثقات " ولم يصححه، بينما رأيناه قد صرح بتصحيح إسناد الحديث من طريق أخرى عن عثمان بن حكيم بنحوه وقد علقه البخاري عنه فقال: " وقال عثمان بن حكيم: أخذ بيدي خارجة، فأجلسني على قبر، وأخبرني عن عمه يزيد بن ثابت قال: إنما كره ذلك لمن أحدث عليه ".
فقال الحافظ: " وصله مسدد في " مسنده الكبير " وبين فيه سبب إخبار خارجة لحكيم بذلك ولفظه: حدثنا عيسى بن يونس: حدثنا عثمان بن حكيم: حدثنا عبد الله بن سرجس وأبو سلمة بن عبد الرحمن أنهما سمعا أبا هريرة يقول: لأن أجلس على جمرة فتحرق ما دون لحمي حتى تفضي إلي أحب إلي من أن أجلس على قبر، قال عثمان: فرأيت خارجة بن زيد في المقابر، فذكرت له ذلك فأخذ بيدي ... الحديث. وهذا إسناد صحيح ".
ففي هذا الإسناد الصحيح لم يصرح الراوي برفع ذلك إلى النبي ﷺ بخلاف السند الذي قلبه المعلول، أقول هذا، وأنا على ذكر أن قول الصحابي " نهى عن كذا " في حكم المرفوع، ولكن هذا شيء، وقوله: " إنما نهى عن كذا " شيء آخر، ففي هذا القول شيئان: الأول النهي، وهو في حكم المرفوع، والآخر وهو تعليل النهي فهو موقوف ولا يزم من كون الأول مرفوعا أن يكون الأخر كذلك، لجواز أنه قاله باجتهاد من عنده لا بتوقيف له من النبي ﷺ ، ويؤيد هذا ورود النهي عن الاتكاء على القبر الذي هو دون الجلوس عليه فقال الحافظ: " ويؤيد قول الجمهور ما أخرجه أحمد من حديث عمرو بن حزم الأنصاري مرفوعا " لا تقعدوا على القبور ". وفي رواية له عنه: " رآني رسول الله ﷺ وأنا متكئ على قبر فقال: " لا تؤذ صاحب القبر ". إسناده صحيح، وهو دال على أن المراد بالجلوس القعود على حقيقته ".
قلت: وهو مخرج في " أحكام الجنائز " (٢٠٩ - ٢١٠) .
٩٦٧ - " نهى أن يعتمد الرجل على يده إذا نهض في الصلاة ".
منكر.
أخرجه أبو داود (١ / ١٥٧) حدثنا أحمد بن حنبل، وأحمد بن محمد بن شبويه، ومحمد بن رافع، ومحمد بن عبد الملك الغزال قالوا: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر قال: " نهى رسول الله ﷺ قال أحمد بن حنبل - أن يجلس في الصلاة وهو معتمد على يده - قال ابن شبويه: أن يعتمد الرجل على يده في الصلاة، وقال ابن رافع: نهى أن يصلي الرجل وهو معتمد على يده وذكره في باب الرفع من السجود، وقال ابن عبد الملك: نهى أن يعتمد الرجل على يده إذا نهض في الصلاة ".
стр. 1367
قلت: فقد اختلف في لفظ هذا الحديث على عبد الرزاق كما ترى من أربعة وجوه:
الأول: رواية أحمد بلفظ " نهى أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده ".
الثاني: رواية ابن شبويه بلفظ: نهى أن يعتمد الرجل على يده في الصلاة.
الثالث: رواية ابن رافع: نهى أن يصلي الرجل وهو معتمد على يده.
الرابع: رواية عبد الملك باللفظ المذكور أعلاه. ومن البين الواضح أن الحديث واحد لأن الطريق واحد، وإنما تعددت الطرق من بعد عبد الرزاق، واختلفوا عليه، وإذا كان كذلك، فينبغي النظر في الراجح من هذه الوجوه المختلفة، لأن في بعضها معارضة للبعض الآخر، وهو الوجه الأول والرابع، فإن الأول صريح في أن النهي عن الاعتماد في الصلاة في الجلوس، وذلك يكون في التشهد أو بين السجدتين، والآخر صريح في أن النهي عن الاعتماد إنما هو إذا نهض في الصلاة وذلك من التشهد الأول في المعنى، فلا تعارض بينهما، كما أنه لا تعارض بينهما من جهة وبين الوجهين الآخرين من جهة أخرى، لأنهما مجملان بالنسبة إلى الوجهين الآخرين، يقبلان التفسير بأحدهما فبأيهما يفسران؟ هذا هو موضع البحث والتحقيق. ومما لا شك فيه أن الوجه الأول هو الراجح، وذلك ظاهر من النظر في الراوي له عن عبد الرزاق، وهو الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فإنه من الأئمة المشهور ين بالحفظ والضبط والإتقان، فلا يقوم أمامه أيا كان من الثقات عند المخالفة، لاسيما إذا كان فيه كلام مثل راوي الوجه الآخر محمد بن عبد الملك الغزال هذا، فإنه وإن وثقه النسائي وغيره، فقد قال مسلمة: " ثقة كثير الخطأ ".
قلت: فمثله لا يحتج به إذا خالفه الثقة، فكيف إذا كان المخالف له إماما ثبتا كالإمام أحمد بن حنبل؟ ! فكيف إذا توبع فيه الإمام أحمد، وبقي الغزال فريدا غريبا، فقد أخرج أحمد الحديث في " مسنده " (رقم ٦٣٤٧) هكذا كما رواه عنه أبو داود، وتابعه إسحاق بن إبراهيم الدبري راوي " مصنف عبد الرزاق " عنه، فقد أورد الحديث فيه (٢ / ١٩٧ / ٣٠٥٤) بلفظ أحمد إلا أنه قال: " يديه "، وترجم له بقوله: " باب الرجل يجلس معتمدا على يديه في الصلاة " وكذلك رواه البيهقي في " سننه " (٢ / ١٣٥) من طريق " المسند " ومن طريق أبي داود عن أحمد مقرونا مع شيوخ أبي داود الآخرين في هذا الحديث وساق ألفاظهم كما فعل أبو داود. ثم قال في رواية أحمد
: " وهذا أبين الروايات، ورواية غير ابن عبد الملك لا تخالفه، وإن كان أبين منها، ورواية ابن عبد الملك وهم، والذي يدل على أن رواية أحمد بن حنبل هي المراد بالحديث أن هشام بن يوسف رواه عن معمر كذلك ".
стр. 1368
ثم ساق من طريق الحاكم، وهذا في " المستدرك " (١ / ٢٧٢) عن إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف عن معمر عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر " أن النبي ﷺ نهى رجلا وهو جالس معتمدا على يده اليسرى في الصلاة وقال: إنها صلاة اليهود ". وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين "، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. ويدل على ذلك أيضا رواية هشام بن سعد قال: عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ رأى رجلا ساقطا يده في الصلاة فقال: " لا تجلس هكذا، إنما هذه جلسة الذين يعذبون ". أخرجه أحمد (٥٩٧٢) بسند جيد ورواه أبو داود والبيهقي من طرق أخرى عن هشام به موقوفا، والرفع زيادة من ثقة فهي مقبولة، لاسيما وطريق إسماعيل بن أمية أقوى من هذه ولم يختلف عليه في رفعه.
فتبين مما سبق أن الحديث عن ابن عمر في النهي عن الاعتماد في الجلوس في الصلاة وهذا هو المحفوظ، وأن رواية الغزال إياه في النهي عن الاعتماد إذا نهض شاذ بل منكر، لمخالفته لروايات الثقات على سوء حفظه.
(تنبيه) : قد وقعت بعض الأوهام حول هذا الحديث لبعض العلماء، فرأيت من النصيحة التنبيه عليها:
أولا: قال النووي في " المجموع " (٣ / ٤٤٥) مبينا علة الحديث: " إنه من رواية محمد بن عبد الملك الغزال وهو مجهول "! وقد عرفت أنه ليس بمجهول، بل هو ثقة سيء الحفظ.
ثانيا: نقل صاحب " عون المعبود " (١ / ٣٧٦) عن السيد عبد الله الأمير أنه قال: إن محمد ابن عبد الملك هذا هو محمد بن عبد الملك بن مروان الواسطي قال فيه في " التقريب ": " صدوق ". وأقره عليه، وهو وهم منهما، فإن محمد بن عبد الملك هذا هو الغزال كما صرح بذلك أبو داود في روايته كما تقدم، وقد نبه على هذا الوهم الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى.
ثالثا: احتج بهذا الحديث الحنفية والحنابلة على أن المصلي لا يعتمد على يديه عند النهو ض من السجدة الثانية في الوتر من الصلاة، وأغرب من ذلك أن يتابعهم عليه العلامة ابن القيم في كتابه المفرد في " الصلاة "! وذكر في " زاد المعاد " أنه ﷺ كان لا يعتمد على الأرض بيديه! وليس له في النفي مستند صحيح كما بينته في " التعلقات الجياد " (١ / ٣٨) بل هو معارض لظاهر حديث مالك بن الحويرث أنه كان يقول: ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله ﷺ فصلى في غير وقت الصلاة، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول الركعة استوى قاعدا، ثم قام فاعتمد على الأرض. أخرجه النسائي (١ / ١٧٣) والشافعي في " الأم " (١ / ١٠١) والبيهقي (٢ / ١٢٤ و١٣٥) بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وهو عند البخاري (٢ / ٢٤١) نحوه.
стр. 1369
أقول: فظاهر قوله " فاعتمد على الأرض " أي بيديه عند النهو ض، وقد قال السيد عبد الله الأمير " وعند الشافعي: واعتمد بيديه على الأرض ".
ولكني لم أجد هذه الزيادة " بيديه " عند الشافعي ولا عند غيره، وإن كان معناها هو المتبادر من الاعتماد، وفي " الفتح ": قيل يستفاد من الاعتماد أن يكون باليد، لأنه افتعال من العماد، والمراد به الاتكاء، وهو باليد، وروى عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمدا عى يديه قبل أن يرفعهما ".
قلت: تقدم بيان ضعف إسناده تحت الحديث (٩٢٩) لكني وجدت له شاهدا قويا موقوفا ومرفوعا يرويه حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس قال: رأيت ابن عمر إذا قام من الركعتين اعتمد على الأرض بيديه، فقلت لولده وجلسائه: لعله يفعل هذا من الكبر؟ قالوا لا ولكن هكذا يكون، أخرجه البيهقي (٢ / ١٣٥) .
قلت: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات كلهم. فقوله: " هكذا يكون " صريح في أن ابن عمر كان يفعل ذلك اتباعا لسنة الصلاة، وليس لسن أو ضعف، وقد جاء عنه مرفوعا إلى النبي ﷺ . فأخرجه أبو إسحاق الحربي في " غريب الحديث " (٥ / ٩٨ / ... ) عن الأزرق بن قيس: رأيت ابن عمر يعجن (١) في الصلاة: يعتمد على يديه في الصلاة إذا قام، فقلت له:؟ فقال: رأيت رسول الله ﷺ يفعله.
قلت: وإسناده حسن، وهو هكذا: حدثنا عبيد الله (الأصل: عبد الله وهو خطأ من الناسخ) بن عمر حدثنا يونس بن بكير عن الهيثم بن عطية عن قيس بن الأزرق بن قيس به.
قلت: وابنا قيس ثقتان من رجال الصحيح. والهيثم هو ابن عمران الدمشقي، أورده ابن حبان في " الثقات " (٢ / ٢٩٦) وقال: " يروي عن عطية بن قيس، روى عنه الهيثم بن خارجة ". وأورده ابن حاتم في " الجرح والتعديل " (٤ / ٢ / ٨٢ - ٨٣) وقال: " روى عنه محمد بن وهب بن عطية، وهشام بن عمار، وسليمان بن شرحبيل ". قلت: ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، لكن رواية هؤلاء الثقات الثلاثة عنه ويضم إليهم رابع وهو الهيثم بن خارجة، وخامس وهو يونس بن بكير، مما يجعل النفس تطمئن لحديثه لأنه لوكان في شيء من الضعف لتبين في رواية أحد هؤلاء الثقات عنه، ولعرفه أهل الحديث كابني حبان وأبي حاتم زد على ذلك أنه قد توبع على روايته هذه كما تقدم قريبا من حديث حماد بن سلمة نحوه. والله أعلم.
وأما يونس بن بكير وعبيد الله بن عمر، فثقتان من رجال مسلم، والآخر روى له البخاري أيضا وهو عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري، ووقع في " التهذيب " (ابن عمرو) بزيادة الواو
стр. 1370
وهو خطأ مطبعي، وقد ذكر الخطيب في الرواة عنه من ترجمته (١٠ / ٣٢٠) إبراهيم الحربي هذا. وجملة القول: أن الاعتماد على اليدين عند القيام سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ ، وذلك مما يؤكد ضعف هذا الحديث في النهي عن الاعتماد، وكذا الحديث الآتي بعده.
(تنبيه) : لقد خفي حديث ابن عمر هذا المرفوع على الحفاظ الجامعين المصنفين كابن الصلاح والنووي والعسقلاني وغيرهم، فقد، فقد جاء في " تلخيص الحبير " (١ / ٢٦٠) ما نصه: " حديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان إذا قام في صلاته وضع يده على الأرض كما يضع العاجن، قال ابن الصلاح في كلامه على " الوسيط ": هذا الحديث لا يصح، ولا يعرف، ولا يجوز أن يحتج به، وقال النووي في " شرح المهذب ": هذا حديث ضعيف، أو باطل لا أصل له، وقال في " التنقيح ": ضعيف باطل ".
هذه هي كلماتهم كما نقلها الحافظ العسقلاني عنهم، دون أن يتعقبهم بشيء، اللهم إلا بأثر ابن عمر الذي عزاه في " الفتح " لعبد الرزاق، فإنه عزاه هنا للطبراني في " الأوسط "، فلم يقف على هذا الحديث المرفوع صراحة، مصداقا للقول المشهور: كم ترك الأول للآخر. فالحمد لله على توفيقه، وأسأله المزيد من فضله.
٩٦٨ - " من السنة في الصلاة المكتوبة إذا نهض الرجل في الركعتين الأوليين أن لا يعتمد على الأرض إلا أن يكون شيخا كبيرا لا يستطيع ".
ضعيف.
أخرجه البيهقي في " سننه " (٢ / ١٣٦) والضياء في " المختارة " (١ / ٢٦٠) عن عبد الرحمن بن إسحاق عن زياد بن زياد السوائي عن أبي جحيفة عن علي ﵁ قال: فذكره. قلت: وهذا سند ضعيف، علته عبد الرحمن هذا، قال الذهبي: " ضعفوه ". وقال الحافظ في " التقريب ": " ضعيف ".
قلت: وهو راوي حديث علي في وضع اليدين في الصلاة تحت السرة، رواه بهذا السند الواهي، فإن زياد بن زياد هذا مجهول كما قال الحافظ تبعا لابن أبي حاتم.
(تنبيه) : هذا الحديث. وإن كان في " المختارة " فهو مضروب عليه مع حديث وضع اليدين المشار إليه بخط أفقي، مما يشعر بأن المصنف عدل عنه، وهو اللائق به، فإن إيراد مثل هذا الحديث بهذا الإسناد مما لا يتفق في شيء مع " الأحاديث المختارة ".
стр. 1371
٩٦٩ - " أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار: حجرين للصفحتين وحجرا للمسربة ".
ضعيف.
أخرجه الدارقطني (٢١) والبيهقي (١ / ١١٤) من طريق أبي بن العباس بن
стр. 1372
سهل الساعدي قال: " سئل رسول الله ﷺ عن الاستطابة فقال ... ". وقال الدارقطني: " إسناده حسن ". وأقره البيهقي وتبعهما ابن القيم فقال في " إعلام الموقعين " (٣ / ٤٨٧) : " حديث حسن ".
قلت: وفي ذلك نظر عندي، فإن أبيا هذا وقد تفرد بهذا الحديث مجروح، ولم يوثقه أحد، بل كل من عرف كلامه فيه ضعفه، فقال ابن معين: " ضعيف ". وقال أحمد: " منكر الحديث ". وقال البخاري: " ليس بالقوي ". كذا قال النسائي، وقال العقيلي: " له أحاديث لا يتابع على شيء منها: (حجران للصفحتين وحجر للمسربة) ". وأورده ابن أبي حاتم (١ / ١ / ٢٩٠) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
وأما قول الذهبي في " الميزان ": " قلت: أبي وإن لم يكن بالثبت فهو حسن الحديث ". فهذا مما لا وجه له عندي بعد ثبوت تضعيفه ممن ذكرنا من الأئمة، ولعله استأنس بتخريج البخاري له، ولا مستأنس له فيه، بعد تصريح البخاري نفسه بأنه ليس بالقوي، لاسيما وهو لم يخرج له إلا حديثا واحدا ليس فيه تحريم ولا تحليل، ولا كبير شيء، وإنما هو في ذكر خيل النبي ﷺ ، ولفظه كان للنبي ﷺ فرس يقال له اللحيف ". ومع ذلك فلم يتفرد به بل تابعه أخوه عبد المهيمن بن عباس عند ابن منده كما ذكر الحافظ في " الفتح " (٦ / ٤٤ - ٤٥) ، وكأن الذهبي تراجع عن ذلك حين أورد أبيا هذا في " الضعفاء " وقال: " ضعفه ابن معين وقال أحمد: منكر الحديث "، وقال الحافظ في " التقريب ": " فيه ضعف، ماله في البخاري غير حديث واحد ".
(تنبيه) وقع للصنعاني في " سبل السلام " (١ / ١٧٧) وهم عجيب حول هذا الحديث فقال في شرح حديث سلمان في النهي عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار: " وقد ورد كيفية استعمال الثلاثة في حديث ابن عباس: حجران للصفحتين وحجر للمسربة - وهي بسين مهملة وراء مضمومة أو مفتوحة مجرى الحدث من الدبر ". فتصحف عليه " أبي بن عباس " بـ " ابن عباس "! ثم سقط عنه باقي السند وأنهم من مسند سهيل بن سعد الساعدي! ثم إنه جزم بورود الحديث، وليس بجيد، والظاهر أنه قلد الدارقطني أو غيره فقد رأيت الحديث - بعد كتابة ما تقدم - في " تلخيص الحبير " (ص ٤١) : " قال المصنف - يعني الرافعي - هو حديث ثابت رواه الدارقطني وحسنه والبيهقي والعقيلي في " الضعفاء " من رواية أبي بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله ﷺ ... قال الحازمي: لا يروى إلا من هذا الوجه، وقال العقيلي: لا يتابع على
стр. 1373
شيء من أحاديثه، يعني أبيا، وقد ضعفه ابن معين وأحمد وغيرهما، وأخرج له البخاري حديثا واحدا في غير حكم ". والحديث أورده الهيثمي في " المجمع " (١ / ٢١١) وقال: " رواه الطبراني في " الكبير " وفيه عتيق بن يعقوب الزبيري قال أبو زرعة أنه حفظ " الموطأ " في حياة مالك ". قلت: وهذا قد وثقه الدارقطني وابن حبان، وهو الراوي لهذا الحديث عن أبي بن العباس، فالتعلق عليه في إعلال الحديث دون شيخه أبي لا يخفى ما فيه.
٩٧٠ - " إذا فرغ الرجل من صلاته فقال: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، كان حقا على الله أن يرضيه ".
موضوع.
عزاه في " الجامع الكبير " (١ / ٦٨ / ١) لأبي نصر السجزي في " الإبانة " عن هشام بن عروة عن أبيه عن جده ﵃ وقال: " غريب ".
قلت بل هو موضوع، فقد وقفت على إسناده، أخرجه الحافظ عبد الغني المقدسي في " الثالث والتسعين " (٤٣ / ٢) من طريق السجزي بسنده عن زيد بن الحريش: حدثنا عمرو بن خالد عن أبي عقيل الدورقي عن هشام بن عروة به. قلت: وهذا سند موضوع، آفته عمرو بن خالد وهو أبو خالد القرشي، قال أحمد وابن معين وغيرهما: " كذاب ". وقال إسحاق بن راهويه وأبو زرعة: " كان يضع الحديث ". ونحوه في " المجروحين " (٢ / ٧٤ - ٧٥) لابن حبان. وزيد بن الحريش هو الأهوازي، قال ابن القطان: " مجهول الحال ".
стр. 1374
٩٧١ - " اللهم إن عبدك عليا احتبس نفسه على نبيك، فرد عليه شرقها، (وفي رواية) : اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس، قالت أسماء، فرأيتها غربت، ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت ".
موضوع.
أخرجه الطحاوي في " مشكل الآثار " (٢ / ٩) من طريق أحمد بن صالح: حدثنا ابن أبي فديك: حدثني محمد بن موسى عن عون بن محمد عن أمه أم جعفر عن أسماء بنت عميس: " أن النبي ﷺ صلى الظهر بـ (الصهباء) ، ثم أرسل عليا ﵇ في حاجة، فرجع
стр. 1375
وقد صلى النبي ﷺ العصر، فوضع النبي ﷺ رأسه في حجر علي (فنام) ، فلم يحركه حتى غابت الشمس، فقال النبي ﷺ (فذكره باللفظ الأول وزاد) : قالت أسماء: فطلعت الشمس حتى وقعت على الجبال، وعلى الأرض، ثم قام علي فتوضأ وصلى العصر، ثم غابت، وذلك في (الصهباء) ".
قال الطحاوي: " محمد بن موسى هو المدني المعروف بـ (الفطري) ، وهو محمود في روايته، وعون بن محمد، هو عون بن محمد بن علي بن أبي طالب، وأمه هي أم جعفر ابنة محمد بن جعفر بن أبي طالب ". وأقول: وهذا سند ضعيف مجهول، وكلام الطحاوي عليه لا يفيد صحته، بل لعله يشير إلى تضعيفه، فإنه سكت عن حال عون بن محمد وأمه، بينما وثق الفطري هذا، فلوكان يجد سبيلا إلى توثيقهما لوثقهما كما فعل بالفطري، فسكوته عنهما في مثل هذا المقام مما يشعر أنهما عنده مجهولان، وهذا هو الذي ينتهي إليه الباحث، فإن الأول منهما، أورده ابن أبي حاتم (٣ / ١ / ٣٨٦) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وأما ابن حبان فأورده في " الثقات " (٢ / ٢٢٨) على قاعدته في توثيق المجهولين! وأما أمه أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب، فهي من رواة ابن ماجه، أخرج لها حديثا واحدا في " الجنائز " (رقم ١٦١١) وقد أعله الحافظ البوصيري بأن في إسناده مجهولتين إحداهما أم عون هذه، وقد ذكرها الحافظ في " التهذيب " دون توثيق أو تجريح، وقال في " التقريب ": " مقبولة " يعني عند المتابعة، وإلا فهي لينة الحديث عنده.
قلت: وقد توبعت من فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، وهي ثقة فاضلة، إلا أن الطريق إليها لا يصح، أخرجه الطحاوي (٢ / ٨) والطبراني في " الكبير " من طريق الفضيل بن مرزوق عن إبراهيم بن الحسن عن فاطمة بنت الحسين عن أسماء بنت عميس قالت: " كان رسول الله ﷺ يوحى إليه، ورأسه في حجر علي
، فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال رسول الله ﷺ : صليت يا علي؟ قال: لا، فقال رسول الله ﷺ : ... " فذكر الرواية الثانية، قال الهيثمي في " المجمع " (٨ / ٢٩٧) بعد أن ساق هذه الرواية والتي قبلها، ومنه نقلت الزيادة فيها: " رواه كله الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح غير إبراهيم بن حسن وهو ثقة وثقه ابن حبان، وفاطمة بنت علي بن أبي طالب لم أعرفها ".
قلت: بل هي معروفة، فهي فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب كما تقدم، والظاهر أنها وقعت في معجم الطبراني منسوبة إلى جدها علي بن أبي طالب، ولذلك لم يعرفها الهيثمي، والله أعلم.
стр. 1376
أما قوله في " إبراهيم بن حسن " أنه ثقة، ففيه تساهل لا يخفى على أهل العلم، لأنه لم يوثقه غير ابن حبان كما عرفت، وهو قد أشار إلى أن توثيقه إياه إنما بناه على توثيق ابن حبان، وإذا كان هذا معروف بالتساهل في التوثيق فمن اعتمد عليه وحده فيه فقد تساهل، وقد أورد إبراهيم هذا ابن أبي حاتم (١ / ١ / ٩٢) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وهو في أول المجلد الثاني من " كتاب الثقات " لابن حبان. ثم إن فضيل بن مرزوق وإن كان من رجال مسلم فإنه مختلف فيه، وقد أشار إلى ذلك الحافظ بقوله في " التقريب ": " صدوق يهم "، وقال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية في كلام له طويل على هذا الحديث في " منهاج السنة " (٤ / ١٨٩) : " وهو معروف بالخطأ على الثقات، وإن كان لا يتعمد الكذب، قال فيه ابن حبان: " يخطىء على الثقات، ويروي عن عطية الموضوعات ". وقال فيه أبو حاتم الرازي: " لا يحتج به ". وقال فيه يحيى بن معين مرة: " هو ضعيف " وهذا لا يناقضه قول أحمد بن حنبل فيه: " لا أعلم إلا خيرا "، وقول سفيان: " هو ثقة "، فإنه ليس ممن يتعمد الكذب ولكنه يخطىء، وإذا روى له مسلم ما تابعه عليه غيره، لم يلزم أن يروي ما انفرد به مع أنه لم يعرف سماعه عن إبراهيم ولا سماع إبراهيم من فاطمة، ولا سماع فاطمة من أسماء، ولابد في ثبوت هذا الحديث من أن يعلم أن كلا من هؤلاء عدل ضابط، وأنه سمع من الآخر، وليس هذا معلوما ".
قلت: ثم إن في هذه الطريق ما يخالف الطريق الأولى، ففيها أن النبي ﷺ كان يقظانا يوحى إليه حينما كان واضعا رأسه في حجر علي ﵁، وفي الأولى أنه كان نائما، وهذا تناقض يدل على أن هذه القصة غير محفوظة، كما قال ابن تيمية (٤ / ١٨٤) . والحديث أورده ابن الجوزي في " الموضوعات " وقال (١ / ٣٥٦) " موضوع بلا شك، وقال الجوزقاني: هذا حديث منكر مضطرب ".
ثم أعله بالفضيل هذا فقط، وفاته جهالة إبراهيم، ولم يتعقبه السيوطي في هذا، وإنما تعقبه في تضعيف الفضيل، فقال في " اللآلىء " (١ / ١٧٤ - الطبعة الأولى) : " ثقة صدوق، واحتج به مسلم في " صحيحه " وأخرج له الأربعة ". وهذا ليس بشيء، وقد عرفت الجواب عن ذلك مما سبق، ثم ساق له السيوطي طرقا أخرى كلها معلولة، وأما قول الحافظ في " الفتح " (٦ / ١٥٥) : " وقد أخطأ ابن الجوزي بإيراده له في " الموضوعات "، وكذا ابن تيمية في كتاب " الرد على الروافض " في زعمه وضعه والله أعلم ".
فهو مع عدم تصريحه بصحة إسناده، فقد يوهم من لا علم عنده أنه صحيح عنده! وهو إنما يعني أنه غير موضوع فقط، وذلك لا ينفي أنه ضعيف كما هو ظاهر، وابن تيمية ﵀ لم يحكم على الحديث بالوضع من جهة إسناده، وإنما من جهة متنه، أما الإسناد، فقد اقتصر على تضعيفه، فإنه ساقه من حديث أسماء وعلي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة،
стр. 1377
ثم بين الضعف الذي في أسانيدها، وكلها تدور على رجال لا يعرفون بعدالة ولا ضبط، وفي بعضها من هو متروك منكر الحديث جدا، وأما حكمه على الحديث بالوضع متنا، فقد ذكر في ذلك كلاما متينا جدا، لا يسع من وقف عليه، إلا أن يجزم بوضعه، وأرى أنه لابد من نقله ولوملخصا ليكون القارئ على بينة من الأمر فقال ﵀: " وحديث رد الشمس لعلي، قد ذكره طائفة كالطحاوي والقاضي عياض وغيرهما، وعدوا ذلك من معجزات النبي ﷺ ، لكن المحققون من أهل العلم والمعرفة بالحديث، يعلمون أن هذا الحديث كذب موضوع،
كما ذكره ابن الجوزي في (الموضوعات) ".
ثم ذكر حديث " الصحيحين " في حديث الشمس لنبي من الأنبياء، وهو يوشع بن نون، كما في رواية لأحمد والطحاوي بسند جيد كما بينته في " سلسلة الأحاديث الصحيحة " رقم (٢٠٢) ثم قال: " فإن قيل: فهذه الأمة أفضل من بني إسرائيل، فإذا كانت قد ردت ليوشع فما المانع أن ترد لفضلاء هذه الأمة؟ فيقال: يوشع لم ترد له الشمس، ولكن تأخر غروبها وطول له النهار وهذا قد لا يظهر للناس، فإن طول النهار وقصره لا يدرك، ونحن إنما علمنا وقوفها ليوشع بخبر النبي ﷺ ، وأيضا لا مانع من طول ذلك، ولوشاء الله لفعل ذلك، لكن يوشع كان محتاجا إلى ذلك لأن القتال كان محرما عليه بعد غروب الشمس، لأجل ما حرم الله عليهم من العمل ليلة السبت ويوم السبت وأما أمة محمد فلا حاجة لهم إلى ذلك، ولا منفعة لهم فيه، فإن الذي فاتته العصر إن كان مفرطا لم يسقط ذنبه إلا التوبة، ومع التوبة لا يحتاج إلى رد، وإن لم يكن مفرطا كالنائم والناسي فلا ملام عليه في الصلاة بعد الغروب. وأيضا فبنفس غروب الشمس خرج الوقت المضروب للصلاة، فالمصلي بعد ذلك لا يكون مصليا في الوقت الشرعي ولوعادت الشمس، وقول الله تعالى " فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " يتناول الغروب المعروف، فعلى العبد أن يصلي قبل هذا الغروب وإن طلعت ثم غربت. والأحكام المتعلقة بغروب الشمس حصلت بذلك الغروب، فالصائم يفطر ولوعادت بعد ذلك لم يبطل صومه، مع أن هذه الصورة لا تقع لأحد، ولا وقعت لأحد، فتقديرها تقدير ما لا وجود له.
وأيضا فالنبي ﷺ فاتته صلاة العصر يوم الخندق، فصلاها قضاء هو وكثير من أصحابه، ولم يسأل الله رد الشمس، وفي " الصحيح " أن النبي ﷺ قال لأصحابه، بعد ذلك لما أرسلهم إلى بني قريظة، " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة "، فلما أدركتهم الصلاة في الطريق، قال بعضهم: لم يرد من تفويت الصلاة، فصلوا في الطريق، فقالت طائفة: لا نصلي إلا في بني قريظة، فلم يعنف واحدة من الطائفتين، فهؤلاء الذين كانوا مع النبي ﷺ صلوا العصر بعد غروب الشمس وليس علي بأفضل من النبي ﷺ ، فإذا صلاها هو وأصحابه معه بعد الغروب،
стр. 1378
فعلي وأصحابه أولى بذلك، فإن كانت الصلاة بعد الغروب لا تجزي أو ناقصة تحتاج إلى رد الشمس كان رسول الله ﷺ أولى برد الشمس، وإن كانت كاملة مجزئة فلا حاجة إلى ردها. وأيضا فمثل هذه القضية من الأمور العظام الخارجة عن العادة التي تتوفر الهمم والدواعي على نقلها، فإذا لم ينقلها إلا الواحد والاثنان، علم كذبهم في ذلك. وانشقاق القمر كان بالليل وقت نوم الناس، ومع هذا فقد رواه الصحابة من غير وجه، وأخرجوه في " الصحاح " و" السنن " و" المسانيد " من غير وجه، ونزل به القرآن، فكيف ترد الشمس التي تكون بالنهار، ولا يشتهر ذلك، ولا ينقله أهل العلم نقل مثله؟ ! ولا يعرف قط أن الشمس رجعت بعد غروبها، وإن كان كثير من الفلاسفة والطبيعين وبعض أهل الكلام ينكر انشقاق القمر وما يشبه ذلك، فليس الكلام في هذا المقام، لكن الغرض أن هذا من أعظم خوارق العادات في الفلك، وكثير من الناس ينكر إمكانه، فلووقع لكان ظهوره ونقله أعظم من ظهور ما دونه ونقله، فكيف يقبل وحديثه ليس له إسناد مشهور، فإن هذا يوجب العلم اليقيني بأنه كذب لم يقع. وإن كانت الشمس احتجبت بغيم ثم ارتفع سحابها، فهذا من الأمور المعتادة، ولعلهم ظنوا أنها غربت ثم كشف الغمام عنها، وهذا إن كان قد وقع ففيه أن الله بين له بقاء الوقت حتى يصلي فيه، ومثل هذا يجري لكثير من الناس ".
ثم قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: " ثم تفويت الصلاة بمثل هذا إما أن يكون جائزا، وإما أن لا يكون، فإن كان جائزا لم يكن على علي ﵁ إثم إذا صلى العصر بعد الغروب، وليس علي أفضل من النبي ﷺ ، وقد نام ﷺ ومعه علي وسائر الصحابة عن الفجر حتى طلعت الشمس، ولم ترجع لهم إلى الشرق. وإن كان التفويت محرما فتفويت العصر من الكبائر، وقال النبي ﷺ : " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ". وعلي كان يعلم أنها الوسطى وهي صلاة العصر، وهو قد روى عن النبي ﷺ في " الصحيحين " أنه قال: " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غربت الشمس ملأ الله أجوافهم وبيوتهم نارا ".
وهذا كان في الخندق، وهذه القصة كانت في خيبر كما في بعض الروايات، وخيبر بعد الخندق، فعلي أجل قدرا من أن يفعل مثل هذه الكبيرة ويقره عليها جبريل ورسول الله، ومن فعل هذا كان من مثالبه لا من مناقبه، وقد نزه الله عليا عن ذلك ثم فاتت لم يسقط الإثم عنه بعود الشمس. وأيضا فإذا كانت هذه القصة في خيبر في البرية قدام العسكر، والمسلمون أكثر من ألف وأربعمائة، كان هذا مما يراه العسكر ويشاهدونه، ومثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فيمتنع أن ينفرد بنقله الواحد والاثنان، فلونقله الصحابة لنقله منهم أهل العلم، كما نقلوا أمثاله، لم ينقله المجهولون الذين لا يعرف ضبطهم وعدالتهم، وليس في جميع أسانيد هذا الحديث إسناد واحد يثبت، تعلم عدالة ناقليه وضبطهم، ولا يعلم اتصال إسناده، وقد قال النبي ﷺ عام خيبر: " لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله "، فنقل ذلك غير واحد من
стр. 1379
الصحابة وأحاديثهم في " الصحاح " و" السنن " و" المسانيد "، وهذا الحديث ليس في شيء من كتب الحديث المعتمدة، ولا رواه أهل الحديث ولا أهل " السنن " ولا " المسانيد "، بل اتفقوا على تركه، والإعراض عنه، فكيف في شيء من كتب الحديث المعتمدة.
(قال) : وهذا مما يوجب القطع بأن هذا من الكذب المختلق. (قال) : وقد صنف جماعة من علماء الحديث في فضائل علي كالإمام أحمد وأبي نعيم والترمذي والنسائي وأبي عمر بن عبد البر، وذكروا فيها أحاديث كثيرة ضعيفة، ولم يذكروا هذا! لأن الكذب ظاهر عليه بخلاف غيره ". ثم ختم شيخ الإسلام بحثه القيم بقوله: " وسائر علماء المسلمين يودون أن يكون مثل هذا صحيحا لما فيه من معجزات النبي ﷺ : وفضيلة علي عند الذين يحبونه ويتولونه، ولكنهم لا يستجيزون التصديق بالكذب فردوه ديانة، والله أعلم ".
وقد مال إلى ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الحديث تلميذاه الحافظان الكبيران ابن كثير والذهبي، فقال الأول منهما بعد أن ساق حديث حبس الشمس ليوشع ﵇ (١ / ٣٢٣) من " تاريخه ": " وفيه أن هذا كان من خصائص يوشع ﵇، فيدل على ضعف الحديث الذي رويناه أن الشمس رجعت حتى صلى علي بن أبي طالب صلاة العصر، بعد ما فاتته بسبب نوم النبي ﷺ على ركبته، فسأل رسول الله ﷺ أن يردها عليه حتى يصلي العصر فرجعت، وقد صححه أحمد بن صالح المصري، ولكنه منكر ليس في شيء من " الصحاح " والحسان "، وهو مما تتوفر الدواعي على نقله، وتفردت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها. والله أعلم ".
وقال الذهبي في " تلخيص الموضوعات ": " أسانيد حديث رد الشمس لعلي ساقطة ليست بصحيحة، واعترض بما صح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : " أن الشمس لم تحبس إلا ليوشع بن نون، ليالي سار إلى بيت المقدس ". وقال شيعي: إنما نفى ﵇ وقوفها، وحديثنا فيه الطلوع بعد المغيب فلا تضاد بينهما.
قلت: لوردت لعلي لكان ردها يوم الخندق للنبي ﷺ أولى، فإنه حزن وتألم ودعا على المشركين لذلك. ثم نقول: لوردت لعلي لكان بمجرد دعاء النبي ﷺ ولكن لما غابت خرج وقت العصر ودخل وقت المغرب، وأفطر الصائمون، وصلى المسلمون المغرب، فلوردت الشمس للزم تخبيط الأمة في صومها وصلاتها، ولم يكن في ردها فائدة لعلي، إذ رجوعها لا يعيد العصر أداء.
стр. 1380
ثم هذه الحادثة العظيمة لو وقعت لاشتهرت وتوفرت الهمم والدواعي على نقلها. إذ هي في نقض العادات جارية مجرى طوفان نوح، وانشقاق القمر ". هذا كله كلام الذهبي نقلته من " تنزيه الشريعة " لابن عراق (١ / ٣٧٩) وهو كلام قوي سبق جله في كلام ابن تيمية، وقد حاول المذكور رده من بعض الوجوه فلم يفلح، ولوأردنا أن ننقل كلامه في ذلك مع التعقيب عليه لطال المقال جدا، ولكن نقدم إليك مثالا واحدا من كلامه مما يدل على باقيه، قال: " وقوله: ورجوعها لا يعيد العصر أداء.
جوابه: إن في " تذكرة القرطبي " ما يقتضي أنها وقعت أداء، قال ﵀: فلولم يكن رجوع الشمس نافعا، وأنه لا يتجدد الوقت لما ردها ﵊ ". والجواب على هذا من وجوه: أولا: أن يقال: أثبت العرش ثم انقش.
ثانيا: لوكان الرجوع نافعا ويتجدد الوقت به لكان رسول الله ﷺ أحق وأولى به في غزوة الخندق، لاسيما ومعه علي ﵁ وسائر أصحابه ﷺ كما تقدم عن ابن تيمية رحمه الله تعالى.
ثالثا: هب أن في ذلك نفعا، ولكنه على كل حال هو نفع كمال - وليس ضروريا، بدليل عدم رجوع الشمس له ﷺ في الغزوة المذكورة، فإذا كان كذلك فما قيمة هذا النفع تجاه ذلك الضرر الكبير الذي يصيب المسلمين بسبب تخبيطهم في صلاتهم ووصومهم كما سبق عن الذهبي؟ !
وجملة القول: أن العقل إذا تأمل فيما سبق من كلام هؤلاء الحفاظ على هذا الحديث من جهة متنه، وعلم قبل ذلك أنه ليس له إسناد يحتج به، تيقن أن الحديث كذب موضوع لا أصل له.
٩٧٢ - " أمر ﷺ الشمس أن تتأخر ساعة من النهار، فتأخرت ساعة من النهار ".
ضعيف.
أخرجه أبو الحسن شاذان الفضلي في " جزئه في طرق حديث رد الشمس لعلي ﵁ " من طريق محفوظ بن بحر: حدثنا الوليد بن عبد الواحد: حدثنا معقل بن عبيد الله عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله مرفوعا.
ذكره السيوطي في " اللآلىء " كشاهد لحديث أسماء بنت عميس الذي قبله ثم قال: " وأخرجه الطبراني في " الأوسط " من طريق الوليد بن عبد الواحد به، وقال: لم يرو هـ عن أبي الزبير إلا معقل ولا عنه إلا الوليد ". وسكت عليه السيوطي، وقال الهيثمي في " المجمع " (٨ / ٢٩٧) ، وتبعه الحافظ في " الفتح " (٦ / ١٥٥) .
стр. 1381
رواه الطبراني في " الأوسط "، وإسناده حسن "! وهذا عجيب من هذين الحافظين، إذ كيف يكون الإسناد المذكور حسنا وفيه العلل الآتية: أولا: أبو الزبير مدلس معروف بذلك وقد عنعنه وقد وصفه بذلك الحافظ نفسه في " التقريب "، وفي " طبقات المدلسين "، وقال الذهبي في ترجمته من " الميزان " بعد أن ذكر أنه عند العلماء ممن يدلس: " وفي صحيح مسلم عدة أحاديث مما يوضح فيها أبو الزبير السماع من جابر، ولا هي من طريق الليث عنه، ففي القلب منها شيء ".
فإذا كان هذا حال ما أخرجه مسلم معنعنا، فماذا يقال فيما لم يخرجه هو ولا غيره من سائر الكتب الستة، ولا أصحاب المسانيد كهذا الحديث؟!
ثانيا: الوليد بن عبد الواحد، مجهول لا يعرف ولم يرد له ذكر في شيء من كتب الرجال المعروفة، كـ " التهذيب " و" التقريب " و" الميزان " و" اللسان " و" التعجيل " و" الجرح والتعديل " و" تاريخ بغداد "، وقد تفرد بهذا الحديث كما سبق عن الطبراني فكيف يحسن إسناد حديثه؟! ثالثا: محفوظ بن بحر، قال ابن عدي في " الكامل " (ق ٣٩٩ - ٤٠٠) : " سمعت أبا عروبة يقول: كان يكذب "، ثم قال: " له أحاديث يوصلها وغيره يرسلها، وأحاديث يرفعها وغيره يوقفها على الثقات ".
قلت: وغالب الظن أن رواية الطبراني تدور عليه أيضا، ويؤسفني أن السيوطي لم يسق إسناده بكامله، كما تقدم، فإن كان الأمر كما ظننت فالإسناد موضوع، وإن كان على خلافه فهو ضعيف في أحسن أحواله، لتحقق العلتين الأوليين فيه. ومن ذلك يتبين خطأ الهيثمي والعسقلاني في تحسينهما إياه وكذا سكوت السيوطي عليه، والموفق الله ﵎. (تنبيه) : قد جاءت أحاديث وآثار في رد الشمس لطائفة من الأنبياء، ولا يصح من ذلك شيء إلا ما في الصحيحين وغيرهما أن الشمس حبست ليوشع ﵇، قد بينت ذلك في " سلسلة الأحاديث الصحيحة " رقم (٢٠٢) .
٩٧٣ - " لوبني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي ".
ضعيف جدا.
رواه أبو زيد عمر بن شبة النميري في كتاب " أخبار المدينة " حدثنا محمد بن يحيى عن سعد بن سعيد عن أخيه عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره، كذا في " الرد على الإخنائي " (١٢٦) .
قلت: وهذا سند ضعيف جدا، آفته أخوسعد بن سعيد واسمه عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري وهو متروك متهم بالكذب، وأخوه سعد لين الحديث، وقد أشار إلى تضعيف الحديث ابن النجار في " تاريخ المدينة " المسمى بـ " الدرر الثمينة " (ص ٣٧٠) بقوله: " وروي عن أبي هريرة أنه قال: ... فذكره.
стр. 1382
والظاهر أن أصل الحديث موقوف رفعه هذا المتهم، فقد رواه عمر بن شبة من طريقين مرسلين عن عمر قال: " لومد مسجد النبي ﷺ إلى ذي الحليفة لكان منه ".
هذا لفظه من الطريق الأولى ولفظه من الطريق الأخرى: " لوزدنا فيه حتى بلغ الجبانة كان مسجد رسول الله ﷺ ، وجاءه الله بعامر ".
ثم إن معناه صحيح، يشهد له عمل السلف به حين زاد عمر وعثمان في مسجده ﷺ من جهة القبلة، فكان يقف الإمام في الزيادة، ورواه الصحابة في الصف الأول، فما كانوا يتأخرون إلى المسجد القديم كما يفعل بعض الناس اليوم! قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الكتاب السابق (ص ١٢٥) : " وقد جاءت الآثار بأن
حكم الزيادة في مسجده ﷺ حكم المزيد، تضعف فيه الصلاة بألف صلاة، كما أن المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد، فيجوز الطواف فيه، والطواف لا يكون إلا في المسجد لا خارجا منه، ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر ثم عثمان، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم، فلولا أن حكمه حكم مسجده، لكانت تلك الصلاة في غير مسجده ويأمرون بذلك " ثم قال: " وهذا هو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين وعملهم، فإنهم قالوا: إن صلاة الفرض خلف الإمام أفضل، وهذا الذي قاله هو الذي جاءت به السنة، وكذلك كان الأمر على عهد عمر وعثمان ﵄، فإن كلاهما زاد من قبلي المسجد، فكان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة، وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة والإجماع، وإذا كان كذلك، فيمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده، وإن يكون
الخلفاء والصفوف الأول كانوا يصلون في غير مسجده، وما بلغني عن أحد من السلف خلاف هذا لكن رأيت بعض المتأخرين قد ذكر أن الزيادة ليست من مسجده، وما علمت له في ذلك سلفا من العلماء ". وقد روي الحديث بلفظ آخر وهو:
٩٧٤ - " لوزدنا في مسجدنا، وأشار بيده إلى القبلة ".
ضعيف جدا.
رواه ابن النجار في " تاريخ المدينة " (٣٦٩) من طريق محمد بن الحسن بن زبالة: حدثني محمد بن عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن مصعب بن ثابت عن مسلم بن خباب، أن النبي ﷺ قال يوما وهو في
مصلاه (فذكره) .
فلما توفي ﷺ وولي عمر بن الخطاب ﵁ قال إن رسول الله ﷺ قال: (فذكره) فأجلسوا رجلا في موضع مصلى النبي ﷺ ، ثم رفعوا يد الرجل وخفضوها حتى رأوا ذلك نحوا ما رأو االنبي ﷺ رفع يده ثم مد، ووضعوا طرفه بيد الرجل ثم مدوه فلم يزالوا يقدمونه ويؤخرونه حتى رأو اأن ذلك شبيه بما أشار رسول الله ﷺ من الزيادة، فقدم عمر القبلة، فكان موضع جدار عمر في موضع عيدان المقصورة.
стр. 1383
قلت: وهذا سند واه جدا، ابن زبالة اتهموه بالكذب كما في " التقريب "، وقال ابن حبان (٢ / ٢٧١) : " كان ممن يسرق الحديث، ويروي عن الثقات ما لم يسمع منهم من غير تدليس عنهم ".
٩٧٥ - " حياتي خير لكم، تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم ".
ضعيف.
رواه الحافظ أبو بكر البزار في " مسنده ": حدثنا يوسف بن موسى: حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن سفيان عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله هو ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: " إن
لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام ". قال: وقال رسول الله ﷺ : " حياتي خير لكم ... "، ثم قال البزار: " لم نعرف آخره يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه ".
ذكره الحافظ ابن كثير في " البداية " (٥ / ٢٧٥) ثم قال: " قلت وأما أوله وهو قوله ﵇: " إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام "، فقد رواه النسائي من طرق متعددة عن سفيان الثوري وعن الأعمش كلاهما عن عبد الله بن السائب به ". قلت الحديث عند النسائي في " سننه " (١ / ١٨٩) كما ذكر الحافظ من طرق عديدة عن سفيان عن عبد الله بن السائب، لكن ليس عنده وعن الأعمش، وإنما رواه من طريقه أيضا الطبراني في " المعجم الكبير " (٣ / ٨١ / ٢) .
وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " (٢ / ٢٠٥) وابن عساكر (٩ / ١٨٩ / ٢) . قلت: فاتفاق جماعة من الثقات على رواية الحديث عن سفيان دون آخر الحديث " حياتي.... "، ثم متابعة الأعمش له على ذلك مما يدل عندي على شذوذ هذه الزيادة، لتفرد عبد المجيد بن عبد العزيز بها، لاسيما وهو متكلم فيه من قبل حفظه، مع أنه من رجال مسلم وقد وثقه جماعة وضعفه آخرون وبين....، فقال الخليلي: " ثقة، لكنه أخطأ في أحاديث، وقال النسائي: " ليس بالقوي، يكتب حديثه ". وقال ابن عبد البر: " روى عن مالك أحاديث أخطأ فيها ". وقال ابن حبان في " المجروحين " (٢ / ١٥٢) : " منكر الحديث جدا، يقلب الأخبار، ويروي المناكير عن المشاهير، فاستحق الترك ".
قلت: ولهذا قال فيه الحافظ في " التقريب: " صدوق يخطىء ".
стр. 1384
وإذا عرفت ما تقدم فقول الحافظ الهيثمي في " المجمع " (٦ / ٢٤) : " رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح ". فهو يوهم أنه ليس فيه من هو متكلم فيه! ولعل السيوطي اغتر بهذا حين قال في " الخصائص الكبرى " (٢ / ٢٨١) : " سنده صحيح ".
ولهذا فإني أقول: إن الحافظ العراقي - شيخ الهيثمي - كان أدق في التعبير عن حقيقة إسناد البزار حين قال عنه في " تخريج الإحياء " (٤ / ١٢٨) : " ورجاله رجال الصحيح، إلا أن عبد المجيد بن أبي رواد وإن أخرج له مسلم، ووثقه ابن معين والنسائي، فقد ضعفه بعضهم ". قلت: وأما قوله هو أو ابنه في " طرح التثريب في شرح التقريب " (٣ / ٢٩٧) : " إسناده جيد ". فهو غير جيد عندي، وكان يكون ذلك لولا مخالفة عبد المجيد للثقات على ما سبق بيانه، فهي علة الحديث، وإن كنت لم أجد من نبه عليها، أولفت النظر إليها، إلا أن يكون الحافظ بن كثير في كلمته التي نقلتها عن كتابه " البداية "، والله أعلم.
نعم، قد صح إسناد هذا الحديث عن بكر بن عبد الله المزني مرسلا، وله عنه ثلاث طرق:
الأولى عن غالب القطان عنه. أخرجه إسماعيل القاضي في " فضل الصلاة على النبي ﷺ " (رقم ٢٥ بتحقيقي) وابن سعد في " الطبقات " (٢ / ٢ / ٢) . ورجاله كلهم ثقات رجال الشيخين.
الثانية: عن كثير أبي الفضل عنه. أخرجه إسماعيل أيضا (رقم ٢٦) ، ورجاله ثقات رجال مسلم غير كثير، واسم أبيه يسار وهو معروف كما بينه الحافظ في " اللسان " ردا على قول ابن القطان فيه: " حاله غير معروفة ".
الثالثة: عن جسر بن فرقد عنه. أخرجه الحارث بن أبي أسامة في " مسنده " (٢٣٠ من بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث) ، وجسر ضعيف. قلت:
فلعل هذا الحديث الذي رواه عبد المجيد موصولا عن ابن مسعود أصله هذا المرسل عن بكر، أخطأ فيه عبد المجيد فوصله عن ابن مسعود ملحقا إياه بحديثه الأول عنه. والله أعلم. وقد وقفت عليه من حديث أنس، وله عنه طريقان: الأولى: عن أبي سعيد الحسن بن علي بن زكريا بن صالح العدوي البصري: حدثنا خراش عن أنس مرفوعا مختصرا نحوه وفيه " تعرض علي أعمالكم عشية الاثنين والخميس ". أخرجه ابن عدي (١٢٤ / ٢) وأبو منصور الجرباذقاني في " الثاني من عروس الأجزاء "
стр. 1385
(ق / ١٣٩ / ٢) وعبد القادر بن محمد القرشي الحنفي في " جزء له " (٢ / ٢) وعزاه الحافظ العراقي (٤ / ١٢٨) للحارث بن أبي أسامة في " مسنده " بإسناد ضعيف، أي بهذا الإسناد كما بينه المناوي في " فيض القدير " بعد أن نقل عنه تضعيفه إياه بقوله: أي وذلك لأن فيه خراش بن عبد الله ساقط عدم، وما أتى به غير أبي سعيد العدوي الكذاب، وقال ابن حبان: لا يحل كتب حديثه إلا للاعتبار، ثم ساق له أخبارا هذا منها ".
قلت: فالإسناد موضوع، فلا يفرح به. الثانية: عن يحيى بن خدام: حدثنا محمد بن عبد الملك بن زياد أبو سلمة الأنصاري: حدثنا مالك بن دينار عن أنس به نحوه وفيه: " تعرض علي أعمالكم كل خميس ". أخرجه أبو طاهر المخلص في " الثاني من العاشر من حديثه " (ق ٢١٢ / ٢) : حدثنا يحيى (يعني ابن محمد بن صاعد) : حدثنا يحيى بن خدام به. قلت: وهذا موضوع أيضا آفته الأنصاري هذا قال العقيلي: " منكر الحديث "، وقال ابن حبان: " منكر الحديث جدا، يروي عن الثقات ما ليس من حديثهم، لا يجوز الاحتجاج به ". وقال ابن طاهر: " كذاب وله طامات ". وقال الحاكم أبو عبد الله: " يروي أحاديث موضوعة ".
والراوي عنه يحيى بن خدام روى عنه جماعة من الثقات، وذكره ابن حبان في " الثقات ". وقال الحاكم أبو أحمد في ترجمة الأنصاري المذكور: " روى عن يحيى بن خدام عن مالك بن دينار أحاديث منكرة، فالله تعالى أعلم الحمل فيه على أبي سلمة أو على ابن خدام ". وجملة القول أن الحديث ضعيف بجميع طرقه، وخيرها حديث بكر بن عبد الله المزني وهو مرسل، وهو من أقسام الحديث الضعيف عند المحدثين، ثم حديث ابن مسعود، وهو خطأ، وشرها حديث أنس بطريقيه.
٩٧٦ - " إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل، يعني الجماع بدون إنزال ".
ضعيف مرفوعا.
أخرجه مسلم (١ / ١٨٧) والبيهقي (١ / ١٦٤) من طريق ابن وهب: أخبرني عياض بن عبد الله عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن أم كلثوم عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت:
стр. 1386
" إن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل، هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله ﷺ : " فذكره. قلت وهذا إسناد ضعيف وله علتان: الأولى: عنعنة أبي الزبير فقد كان مدلسا، قال الحافظ في " التقريب ": " صدوق، إلا أنه يدلس ". وقال الذهبي في " الميزان ": " وفي صحيح مسلم عدة أحاديث مما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع عن جابر، ولا هي من طريق الليث عنه، ففي القلب منها شيء ". قلت: ثم ذكر لذلك بعض الأمثلة، وهذا منها عندي. الثانية: ضعف عياض بن عبد الله وهو ابن عبد الرحمن الفهري المدني، وقد اختلفوا فيه فقال البخاري: " منكر الحديث ".
وهذا منه إشارة إلى أنه شديد الضعف كما هو معروف عنه، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان
في " الثقات ". وقال الساجي: " روى عنه ابن وهب أحاديث فيها نظر ". قلت: وهذا من روايته عنه كما ترى، وقال ابن معين: ضعيف الحديث، وقال ابن شاهين في " الثقات ": وقال أبو صالح: ثبت، له بالمدينة شأن كبير في حديثه شيء ". قلت: ولخص هذه النقول الحافظ في " التقريب " بقوله: " فيه لين "، وأشار الذهبي في " الميزان " إلى تضعيف قول من وثقه بقوله في ترجمته: " وثق! وقال أبو حاتم، ليس بالقوي ".
ولذلك أورده في " كتاب الضعفاء " وحكى فيه قول أبي حاتم المذكور، وبالجملة، فالرجل ضعيف لا يحتج به إذا انفرد ولو لم يخالف، فكيف وقد خالفه من مثله في الضعف فرواه موقوفا على عائشة، ألا وهو أشعث بن سوار فقال: عن أبي الزبير به عن عائشة قالت: " فعلناه مرة فاغتسلنا، يعني الذي يجامع ولا ينزل ". أخرجه أحمد (٦ / ٦٨ / ١١٠) وأبو يعلى (٢٢٣ / ٢) .
وأشعث هذا ضعيف كما في " التقريب ". وأخرج له مسلم متابعة، فروايته أرجح عندي من رواية عياض، لأن لها شاهدا من طريق أخرى عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂ " أنها سئلت عن الرجل يجامع ولا ينزل؟ فقالت: فعلت أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا منه جميعا ". أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (٢٣٣ / ١) وابن الجارود في " المنتقى " (رقم ٩٣) وغيره بسند صحيح كما بينته في زوائده على " الصحيحين " برقم (٥٤) الذي أنا في صدد تأليفه، أرجوالله أن يسهل لي إتمامه. قلت: فهذا هو اللائق بهذا الحديث أن يكون موقوفا، وأما رفعه فلا يصح، والله أعلم.
стр. 1387
ثم رأيت الحديث في " المدونة " (١ / ٢٩ - ٣٠) هكذا: ابن وهب عن عياض بن عبد الله القرشي وابن لهيعة عن
أبي الزبير عن جابر. فزال بذلك تفرد عياض به، وانحصرت العلة في عنعنة أبي الزبير مع المخالفة.
٩٧٧ - " إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف ".
ضعيف مرفوعا.
أخرجه الطحاوي في " شرح معاني الآثار (١ / ٢٣١) : حدثنا ابن أبي داود قال: حدثنا المقدمي: قال: حدثني عمر بن علي قال: حدثنا ابن عجلان عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : فذكره
. قلت وهذا إسناد ظاهره الصحة، ولذلك قال الحافظ في " الفتح " (٢ / ٢١٤) إنه حسن، ولكنه معلول، وعلته خفية جدا، فإن الرجال كلهم ثقات، والمقدمي اسمه محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم مولى ثقيف وثقه أبو زرعة وقال أبو حاتم: " صالح الحديث محله الصدق " كما في " الجرح والتعديل " (٣ / ٢ / ٢١٣) . وعمر بن علي هو عم المقدمي، وهو علة الحديث فإنه وإن كان ثقة محتجا به في " الصحيحين " فقد كان يدلس تدليسا سيئا جدا، قال ابن سعد: " كان ثقة، وكان يدلس تدليسا شديدا، يقول سمعت وحدثنا، ثم يسكت، فيقول: هشام بن عروة، والأعمش! "، وقال أحمد: " كان يدلس، سمعته يقول: " حجاج، وسمعته ".
يعني حديثا آخر، قال أحمد: كذا كان يدلس! "، وقال أبو حاتم: " محله الصدق، ولولا تدليسه لحكمنا له إذا جاء بزيادة، غير أنا نخاف أن يكون أخذه عن غير ثقة ".
قلت: وأنا أخشى أن يكون دلس في هذا الحديث عن بعض الضعفاء حيث زاد الرفع، والمعروف أنه موقوف، فقال ابن أبي شيبة (١ / ٩٩ / ٢) : " أخبرنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن عجلان به موقوفا بلفظ: " لا تكبر حتى تأخذ مقامك من الصف "، ثم قال: " أخبرنا يحيى بن سعيد عن محمد بن عجلان به بلفظ: " إذا دخلت والإمام راكع، فلا تركع حتى تأخذ مقامك من الصف ". ومما يضعف هذا الحديث سواء المرفوع منه والموقوف أنه قد صح ما يخالفه مرفوعا عن النبي ﷺ وموقوفا على جماعة من الصحابة ﵃، وقد بينت ذلك في " الأحاديث الصحيحة " تحت (رقم ٢٢٩) بلفظ: " إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل ثم يدب راكعا حتى يدخل في الصف فإن ذلك السنة ".
стр. 1388
فهذا الحديث وإسناده صحيح كما بينته هناك هو العمدة في هذا الباب وقد عمل به كبار الأصحاب كما أثبته هناك.
٩٧٨ - " أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف ".
ضعيف بهذا التمام.
أخرجه الترمذي (١ / ٢٠٢) والبيهقي (٧ / ٢٩٠) من طريق عيسى بن ميمون الأنصاري عن القاسم بن محمد عن عائشة مرفوعا. وقال الترمذي: " حديث غريب حسن، وعيسى بن ميمون الأنصاري يضعف في الحديث ". وقال البيهقي: " عيسى بن ميمون ضعيف ". وكذا قال الحافظ في " التقريب ". وروى ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٣ / ١ / ٢٨٧) وابن حبان (٢ / ١١٦) عن عبد الرحمن بن مهدي قال: " استعديت على عيسى بن ميمون في هذه الأحاديث عن القاسم بن محمد في النكاح وغيره فقال: لا أعود ". وعن ابن معين قال: "
عيسى بن ميمون صاحب القاسم عن عائشة، ليس بشيء ". وعن أبي حاتم قال: " هو متروك الحديث ".
قلت: تابعه ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن القاسم بن محمد به دون قوله: " واجعلوه في المساجد ". أخرجه ابن ماجه (١٨٩٥) والبيهقي وأبو نعيم في " الحلية " (٣ / ٢٦٥) من طريق خالد بن إلياس عن ربيعة، وقال أبو
نعيم: " تفرد به خالد بن إلياس ". وقال البيهقي: وقال في " الزوائد ": " هو ضعيف ". " اتفقوا على ضعفه، بل نسبه ابن حبان والحاكم وأبو سعيد النقاش إلى الوضع ".
(تنبيه) زاد البيهقي في الرواية الأولى: " وليولم أحدكم، ولوبشاة، فإذا خطب أحدكم وقد خضب بالسواد فليعلمها ولا يغرنها ". وقد عزاه بهذه الزيادة الصنعاني (٣ / ١٥٤) للترمذي وهو وهم، فليس عنده ولا عند ابن ماجه مثل هذه الزيادة، وقال المناوي في " فيض القدير ": " جزم البيهقي بصحته (!) قال ابن الجوزي ضعيف جدا، وقال ابن حجر في " الفتح ": سنده ضعيف، وقال الزيلعي في " تخريج أحاديث الهداية ": ضعيف ".
قلت: قوله: " بصحته " أظنه محرفا " بضعفه "، فقد عرفت أن البيهقي ضعفه بعيسى ابن ميمون.
стр. 1389
وأما تحسين الترمذي للحديث فإنما هو باعتبار الفقرة الأولى منه، فإن لها شاهدا من حديث عبد الله بن الزبير مرفوعا، والترمذي إنما أورده في " باب ما جاء في إعلان النكاح ". وأما الجملة التي بعدها فإني لم أجد لها شاهدا فهي لذلك منكرة. وقد خرجت شواهد الفقرة الأولى في " آداب الزفاف " (ص ٩٧) و" إرواء الغليل " (٢٠٥٣) .
٩٧٩ - " من أدى إلى أمتي حديث يقيم به سنة، أو يثلم به بدعة، فله الجنة ".
موضوع.
رواه أبو نعيم في " حلية الأولياء " (١٠ / ٤٤) والخطيب في " شرف أصحاب الحديث " (٢ / ٥٧ / ١) وكذا ابن شاذان في " المشيخة الصغيرة " (رقم ٤٦ من نسختي) وأبو القاسم القشيري في " الأربعين " (ق ١٥٠ - ١٥١) والسلفي في " أربعينه " (١٠ / ٢) وعنه ابن عساكر في " أربعين السلفي " (٩ / ٢) وابن البناء في " الرد على المبتدعة " (٢ / ٢) وعفيف الدين في " فضل العلم " (ق ١٢٤ - ١٢٥) ومحمد بن طولون في " الأربعين " (١٤ / ١) من طريق عبد الرحيم بن حبيب والعلاء بن مسلمة بعضهم عن الأول، وأكثرهم عن الآخر كلاهما عن إسماعيل بن يحيى التيمي عن سفيان الثوري عن ليث عن طاووس عن ابن عباس مرفوعا.
قلت: وهذا إسناد موضوع آفته إسماعيل هذا، قال الذهبي: " حدث عن ابن جريج ومسعر بالأباطيل، قال صالح جزرة: كان يضع الحديث، وقال الأزدي ركن من أركان الكذب لا تحل الرواية عنه، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه بواطيل. وقال أبو علي النيسابوري والدارقطني والحاكم: كذاب ".
قلت: وقد تلقاه عنه كذابان مثله! أحدهما العلاء بن مسلمة، قال ابن حبان (٢ / ١٧٤) : " يروي الموضوعات عن الثقات " وقال ابن طاهر: " كان يضع الحديث ".
والآخر عبد الرحيم بن حبيب، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن حبان (٢ / ١٥٤) : " كان يضع الحديث على الثقات وضعا، لعله وضع أكثر من خمسمائة حديث على رسول الله ﷺ ". وقال أبو نعيم الأصبهاني: " روى عن ابن عيينة وبقية الموضوعات ". والحديث مما سود به السيوطي كتابه " الجامع الصغير "! وعزاه لحلية أبي نعيم فقط! وتعقبه المناوي في " فيض القدير " بقوله: " وفيه عبد الرحيم (الأصل عبد الرحمن وهو خطأ) بن حبيب أورده الذهبي في " الضعفاء " وقال: " متهم بالوضع "، وإسماعيل بن يحيى التيمي قال - أعني الذهبي - كذاب يضع ".
стр. 1390
وقد اغتر بالسيوطي بعض المتأخرين من المغاربة، فأورده في كتابه " لبانة القاري من صحيح البخاري " وذكره في مقدمته محتجا به وجازما بنسبته إلى النبي ﷺ !
٩٨٠ - " إذا أكلتم فاخلعوا نعالكم، فإنه أروح لأقدامكم ".
ضعيف جدا.
رواه الدارمي (٢ / ١٠٨) وأبو سعيد الأشج في " حديثه " (٢١٤ / ١) والحاكم (٤ / ١١٩) وكذا أبو القاسم الصفار في " الأربعين في شعب الإيمان " كما في " المنتقى منه " للضياء المقدسي (٤٨ / ٢) و" المنتخب منه
" لأبي الفتح الجويني (٧٤ / ١) والديلمي في " مسند الفردوس " (١ / ١ / ١٠٢ - مختصره) عن موسى بن محمد عن أبيه عن أنس مرفوعا. وقال الحاكم: " حديث صحيح الإسناد! ورده الذهبي بقوله: " قلت أحسبه موضوعا، وإسناده مظلم، وموسى تركه الدارقطني ". وأقول: هو موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي
أبو محمد المدني، متفق على تضعيفه، وضعفه طائفة تضعيفا شديدا، فقال البخاري: " عنده مناكير ". وقال أبو داود: " لا يكتب حديثه " وقال أبو حاتم: " ضعيف الحديث، منكر الحديث، وأحاديث عقبة بن خالد عنه من جناية موسى، ليس لعقبة فيها جرم ".
قلت: وهذا الحديث من رواية عقبة عنه، فهو من جناية موسى، وفي تعبير أبي حاتم هذا توهين شديد له كما لا يخفى. والحديث أورده الهيثمي في " المجمع " (٥ / ٢٣) وقال: " رواه البزار وأبو يعلى والطبراني في " الأوسط "، ورجال الطبراني ثقات إلا أن عقبة بن خالد السكوني لم أجد له من محمد بن الحارث سماعا ". قلت: محمد بن الحارث والد موسى لكنه نسب إلى جده، فإنه محمد بن إبراهيم بن الحارث كما عرفت من ترجمة ابنه، والحديث من رواية الولد عن أبيه، كذلك أخرجه الحاكم وغيره كما تقدم عن عقبة بن خالد عن موسى بن محمد عن أبيه، فالظاهر أنه سقط من إسناد الطبراني أو من ناسخ كتابه قوله " عن أبيه " فصار الحديث منقطعا بين عقبة ومحمد بن الحارث، والله أعلم. ولفظ رواية أبي يعلى وإسناده خلاف ما سبق كما يتبين مما يأتي: " إذا قرب لأحدكم طعامه وفي رجليه نعلان فلينتزع نعليه، فإنه أروح للقدمين، وهو من السنة ".
قال المناوي: " وفيه معاذ بن سعد، قال الذهبي: مجهول، وداود بن الزبرقان، قال أبو داود: متروك، والبخاري: مقارب ".
стр. 1391
قلت: ثم وقفت على إسناد أبي يعلى في " مسنده " قال (٣ / ١٠٣٦) : حدثنا معاذ بن شعبة: أخبرنا داود بن الزبرقان عن أبي الهيثم عن إبراهيم التيمي عن أنس مرفوعا به، وبهذا الإسناد أخرجه البزار أيضا (ص ١٥٩ - زوائده) قلت: ومعاذ بن شعبة هو أبو سهيل البصري، روى عن عباد بن العوام وعثمان بن مطر، روى عن موسى بن إسحاق الأنصاري، كما في " الجرح والتعديل " (٤ / ١ / ٢٥١) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، ومنه تبين أنه تصحف اسم أبيه (شعبة) إلى (سعد) على المناوي، فنقل عن الذهبي أنه قال: " معاذ بن سعد مجهول ". وهذا إنما هو الذي يروي عن جنادة بن أبي أمية، فهو تابعي مجهول من الطبقة الرابعة عند الحافظ!
٩٨١ - " من كانت له حمولة تأو ي إلى شبع (وري) ، فليصم رمضان حيث أدركه ".
ضعيف.
أخرجه أبو داود (١ / ٣٧٨) وأحمد (٣ / ٤٧٦ و٥ / ٧) والعقيلي في " الضعفاء (ص ٢٥٩) من طرق عن عبد الصمد بن حبيب بن عبد الله الأزدي: حدثني حبيب بن عبد الله قال: سمعت سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي يحدث عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره، وقال العقيلي - والزيادة له -: " لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به ". يعني عبد الصمد هذا، وقد أورده البخاري في " الضعفاء " أيضا وقال (ص ٢٤) : " لين الحديث، ضعفه أحمد ".
وقال المنذري في " مختصر السنن " (٣ / ٢٩٠) : " قال ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، وليس بالمتروك، وقال: يحول من: " كتاب الضعفاء " - ثم ذكر ما نقلناه عن البخاري ثم قال - وقال البخاري أيضا: منكر الحديث، ذاهب الحديث، ولم يعد البخاري هذا الحديث شيئا ".
قلت: وفيه علة أخرى، وهي جهالة ابنه حبيب بن عبد الله، قال الذهبي في " الميزان " والعسقلاني في " التقريب ": " مجهول ". والحديث أورده الحافظ شمس الدين ابن عبد الهادي في رسالته " الأحاديث الضعيفة والموضوعة " (ق ٢١٧ / ٢) في جملة أحاديث من " ما يذكره بعض الفقهاء والأصوليين أو المحدثين محتجا به أو غير محتج به مما ليس له إسناد، أوله إسناد ولا يحتج بمثله النقاد من أهل العلم ". ثم ساق أحاديث كثيرة هذا أحدها.
стр. 1392
٩٨٢ - " لا تكون لأحد بعدك مهرا. قاله للذي زوجه المرأة على سورة من القرآن ".
منكر.
أخرجه سعيد بن منصور من مرسل أبي النعمان الأزدي قال: " زوج رسول الله ﷺ امرأة على سورة من القرآن، وقال: فذكره، قال الحافظ في " الفتح " (٩ / ١٧٤) : " وهذا مع إرساله فيه من لا يعرف ".
قلت: هو أبو النعمان هذا، والظاهر أنه الذي في " الجرح والتعديل " (٤ / ٢ / ٤٤٩) " أبو النعمان روى عن أبي وقاص عن زيد بن أرقم، وروى عن سلمان، وروى عنه على ابن عبد الأعلى، قال أبي مجهول ". والحديث في الصحيحين وغيرهما من حديث سهل بن سعد الساعدي قال: " إني لفي القوم عند رسول الله ﷺ إذ قامت امرأة فقالت: يا رسول الله إنها قد وهبت نفسها لك، فر فيها رأيك، فلم يجبها شيئا، ثم قامت الثالثة، فقالت إنها وهبت نفسها لك فر فيها رأيك فقام رجل فقال: يا رسول الله أنكحنيها، قال: هل عندك من شيء؟ قال: لا، قال: اذهب فاطلب ولوخاتم من حديد، فذهب يطلب، ثم جاء فقال: ما وجدت شيئا ولا خاتما من حديد، قال: هل معك من القرآن شيء؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، قال: اذهب فقد أنكحتكها بما معك من القرآن ". وكذلك رواه مالك والنسائي والترمذي والبيهقي (٧ / ٢٤٢) دون قوله: " لا تكون لأحد بعدك "، ولقد وهم صاحب " الروض المربع " من كتب الحنابلة وهما فاحشا، فعزا الحديث بلفظ سعيد بن منصور المرسل إلى البخاري! فقد تبين أن البخاري ليس عنده هذه الزيادة ولا عند غيره ممن ذكرنا، فدل ذلك على أنها زيادة منكرة لتفرد هذا الطريق الواهي بها دون سائر طرق الحديث وشواهده وهي كثيرة قد أخرجها الحافظ ﵀ في " الفتح " (٩ / ١٦٨) فليراجعها من شاء، وقد روي الحديث عن ابن مسعود بزيادة
أخرى منكرة أيضا وهو:
стр. 1393
٩٨٣ - " قد أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها، وإذا رزقك الله عوضتها ".
منكر.
رواه الدارقطني في " سننه " (٣٩٤) ومن طريقه البيهقي (٧ / ٢٤٣) عن عتبة بن السكن: أخبرنا الأوزاعي: أخبرني محمد بن عبد الله بن أبي طلحة: حدثني زياد بن زياد: حدثني عبد الله بن سخبرة عن ابن مسعود: " أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله
стр. 1394
رأ في رأيك.... " الحديث نحو حديث سهيل الصحيح المذكور قبله، وفيه: " قال: فهل تقرأ من القرآن شيئا
؟ قال: نعم سورة البقرة وسورة المفصل، فقال رسول الله ﷺ :.... " فذكره وقال الدارقطني: " تفرد به عن عتبة وهو متروك الحديث ". وقال البيهقي: " عتبة بن السكن منسوب إلى الوضع، وهذا باطل لا أصل له ". قلت: ومن أحاديث هذا المتهم:
٩٨٤ - " كان يستحب أن يصلي بعد نصف النهار حين ترتفع الشمس أربع ركعات، فقالت عائشة: يا رسول الله أراك تستحب الصلاة في هذه الساعة؟ قال: يفتح فيه أبواب السماء، وينظر الله ﵎ إلى خلقه، وهي صلاة كان يحافظ عليها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈ ".
ضعيف جدا.
رواه الخطيب في " التلخيص " (٨٨ / ١ - ٢) عن عتبة بن السكن الحمصي: حدثنا الأوزاعي: حدثنا صالح بن جبير: حدثني أبو أسماء الرحبي: حدثني ثوبان مرفوعا وقال: " تفرد به عتبة بن السكن عن الأوزاعي ". قلت:
وقد عرفت من الحديث السابق أن ابن السكن هذا متهم بالوضع. والحديث قال الهيثمي في " المجمع " (٢ / ٢١٩) : " رواه البزار، وفيه عتبة بن السكن، قال الدارقطني: متروك، وقد ذكره ابن حبان في " الثقات " وقال: يخطىء ويخالف ". قلت: ولذلك أشار المنذري في " الترغيب " (١ / ٢٠٣) إلى ضعفه.
قلت: وليس عند البزار قوله " حين ترتفع الشمس "، وهو يدفع دلالة الحديث على ما ترجم له المنذري وهو: " الترغيب في الصلاة قبل الظهر وبعدها " فتأمل.
стр. 1395
٩٨٥ - " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له ".
منكر.
رواه ابن أبي حاتم في " تفسيره ": حدثنا محمد بن هارون المخرمي الفلاس: حدثنا عبد الرحمن بن نافع أبو زياد: حدثنا عمر بن أبي عثمان: حدثنا الحسن عن عمران بن حصين قال: " سئل النبي ﷺ عن قول الله
تعالى: " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر "؟ قال: " فذكره. ذكره ابن كثير (٢ / ٤١٤) وابن عروة في " الكواكب الدراري " (٨٣ / ١ - ٢ / ١) . قلت: وهذا سند ضعيف، وفيه علتان:
стр. 1396
الأولى: الانقطاع بين الحسن وهو البصري وعمران بن الحصين، فإنهم اختلفوا في سماعه منه فإن ثبت، فعلته عنعنة الحسن فإنه مدلس معروف بذلك. والأخرى جهالة عمر بن أبي عثمان، أورده ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٣ / ١ / ١٢٣) وقال " سمع طاووسا قوله، روى عنه يحيى بن سعيد ".
٩٨٦ - " إذا خلع أحدكم نعليه في الصلاة، فلا يجعلهما بين يديه فيأتم بهما، ولا من خلفه، فيأتم بهما أخوه المسلم ولكن ليجعلهما بين رجليه ".
ضعيف جدا.
أخرجه الطبراني في " المعجم الصغير " (ص ١٩٥) من طريق أبي سعيد الشقري عن زياد الجصاص عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي ﷺ وقال: " لا يروى عن أبي بكرة إلا بهذا الإسناد ".
قلت: وهو ضعيف جدا، فإن زيادا هذا وهو ابن أبي زياد الجصاص قال الذهبي في " الميزان ": " قال ابن معين وابن المديني: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: واه، وقال النسائي والدارقطني: متروك، وأما ابن حبان فقال في " الثقات ": ربما يهم، قلت بل هو مجمع على ضعفه ".
قلت: والراوي عنه أبو سعيد الشقري واسمه المسيب بن شريك مثله في الضعف أو أشد، فقد قال فيه أحمد: " ترك الناس حديثه ". وضعفه البخاري جدا فقال: " سكتوا عنه ". وقال مسلم وجماعة: " متروك ".
وقال الفلاس: " متروك الحديث، قد أجمع أهل العلم على ترك حديثه ". وقال الساجي: " متروك الحديث، يحدث بمناكير ". والحديث أورده الهيثمي في " المجمع " (٢ / ٥٥) بلفظ: " إذا صلى أحدكم فخلع نعليه، فلا يخلعهما عن يمينه فيأثم، ولا من خلفه فيأتم بهما صاحبه، ولكن ليخلعهما بين ركبتيه ". وقال: " رواه الطبراني في الكبير، وفيه زياد الجصاص ضعفه ابن معين وابن المديني وغيرهما، وذكره ابن حبان في " الثقات " ". كذا قال، وقد عرفت مما سبق أن ابن حبان قد خالف في هذا التوثيق إجماع الأئمة الذين ضعفوه، فلا يعتد بتوثيقه!
стр. 1397
والحديث قد روي من طريق أخرى وهو: " إذا صليت فصل في نعليك، فإن لم تفعل فضعهما تحت قدميك، ولا تضعهما عن يمينك، ولا عن يسارك فتؤذي الملائكة والناس، وإذا وضعتهما بين يديك كأنما بين يديك قبلة ".
٩٨٧ - " إذا صليت فصل في نعليك، فإن لم تفعل فضعهما تحت قدميك، ولا تضعهما عن يمينك، ولا عن يسارك فتؤذي الملائكة والناس، وإذا وضعتهما بين يديك كأنما بين يديك قبلة ".
منكر.
رواه الخطيب في " تاريخ بغداد " (٩ / ٤٤٨ - ٤٤٩) عن أبي خالد إبراهيم بن سالم حدثنا عبد الله بن عمران البصري عن أبي عمران الجوني عن أبي برزة الأسلمي عن ابن عباس مرفوعا. قلت: وهذا سند ضعيف علته إبراهيم هذا، قال الذهبي في " الميزان ": " قال ابن عدي: له مناكير ". ثم ساق له الذهبي حديثين منكرين، ثم قال: " وسئل أبو حاتم عن عبد الله بن عمران؟ فقال: شيخ ". وروي الحديث من طريق ثالث وهو:
стр. 1398
٩٨٨ - " ألزم نعليك قدميك، فإن خلعتهما فاجعلهما بين رجليك، ولا تجعلهما عن يمينك، ولا عن يمين صاحبك، ولا وراءك فتؤذي من خلفك ".
ضعيف جدا.
رواه ابن ماجه (١ / ٤٣٧ - ٤٣٨) عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا. وهذا سند ضعيف جدا، لأن عبد الله هذا متروك كما في " التقريب " لابن حجر، و" الضعفاء " للذهبي ولفظه: " تركوه " وسلفه في ذلك البخاري وقال البوصيري في " الزوائد " (ق ٨٩ / ١) : " هذا إسناده ضعيف، عبد الله بن سعيد متفق على تضعيفه ".
قلت: ومما يؤكد ضعفه أنه قد خالفه في متن هذا الحديث ثقتان فروياه عن أبيه سعيد بن أبي سعيد بلفظ: " إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحدا، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصل فيهما ". وإسناده صحيح، وقد خرجته في " صحيح أبي داود " (رقم ٦٦٢) .
стр. 1399
٩٨٩ - " يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة، وحد يقام في الأرض أزكى فيها من مطر أربعين يوما ".
ضعيف.
رواه سمويه في " الفوائد " (٣٧ / ٢) : حدثنا أحمد بن يونس: أخبرني سعد أبو غيلان الشيباني قال: سمعت عفان بن جبير الطائي عن أبي حريز الأزدي أو حريز عن عكرمة
стр. 1400
عن ابن عباس مرفوعا ورواه الطبراني (٣ / ١٤٠ / ١) من طريق أخرى عن أحمد بن يونس به إلا أنه لم يقل في سنده " أو حريز ". قلت: وهذا سند ضعيف مسلسل بجماعة لا يعرفون من سعد إلى أبي حريز غير أن سعدا لم
يتفرد به، فقد رواه الطبراني في " الأوسط " (١ / ١٨٢ / ١، ١٤٤ / ١) من طريق زريق بن السحت: أخبرنا جعفر بن عون: أخبرنا عفان بن جبير الطائي عن عكرمة به وقال: " لا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد ". قلت: ومداره على عفان بن جبير هذا، وقد أورده ابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ٣٠) ولم يذكر فيه جرحا وتعديلا، ولعل ابن حبان أورده في " الثقات "!
والظاهر أنه قد اختلف عليه فرواه زريق هذا عن جعفر بن عون عنه عن عكرمة به. وخالفه سعد أبو غيلان فرواه عنه عن أبي حريز أو حريز عن عكرمة به، فزاد في السند أبا حريز أو حريز، ويبدو أن حريزا مجهول، فإن ابن أبي حاتم لم يذكر في ترجمته أكثر من قوله: " كوفي، كان أبوه أبا حريز عبد الله بن الحسين قاضي سجستان ".
وله ترجمة طويلة في " اللسان " وأفاد أنه كان من شيوخ الشيعة وأنه كوفي أزدي. وأما أبوه عبد الله بن الحسين فصدوق يخطىء كما في " التقريب ".
وأما سعد أبو غيلان فأورده ابن أبي حاتم أيضا (٢ / ١ / ٩٩) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. وأما زريق الذي في الوجه الثاني فلم أجد له ترجمة. وأما جعفر بن عون فثقة من رجال الشيخين.
وجملة القول أن إسناد الحديث ضعيف لتفرد عفان بن جبير به، كما أشار إلى ذلك الطبراني وهو مجهول، وللاختلاف عليه في إسناده كما عرفت، فقول المنذري في " الترغيب " (٣ / ١٣٥) ثم العراقي في " تخريج الإحياء (١ / ١٥٥) : " رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وإسناد الكبير حسن ". ففيه نظر كبير، لما عرفت من تسلسل إسناد الكبير بالمجهولين. نعم الشطر الثاني من الحديث حسن لأن له شاهدا من حديث أبي هريرة، ولذلك أوردته في " الأحاديث الصحيحة " (رقم ٢٣١) .
٩٩٠ - " من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله ".
ضعيف.
أخرجه أبو داود (٢ / ٢٣٥ - طبع الحلبي) ومن طريقه البيهقي في " سننه " (٦ / ١٢٨) وأبو نعيم في " الحلية " (٩ / ٢٣٦) من طريق عبد الله بن رجاء: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قال سمعت رسول الله ﷺ فذكره وقال أبو نعيم: " غريب من حديث أبي الزبير، تفرد به ابن خثيم بهذا اللفظ، وعبد الله بن رجاء هو المكي، ليس بالعراقي البصري ".
стр. 1401
قلت وهو ثقة من رجال مسلم وأصله من البصرة قال ابن سعد: " كان ثقة كثير الحديث، وكان من أهل البصرة، فانتقل إلى مكة فنزلها إلى أن مات بها ".
وأما العراقي البصري فهو الغداني وليس مكيا وهو مع كونه ممن احتج بهم البخاري في " صحيحه " ففيه كلام كثير، وقد ظن المناوي في " فيض القدير " أنه هو راوي هذا الحديث فأعله به فقال: " وفيه عبد الله بن رجاء، أورده الذهبي في " ذيل الضعفاء " وقال: صدوق، قال الفلاس: كثير الغلط والتصحيف ".
وهذا هو الغداني كما صرح به الذهبي نفسه في ترجمته، وليس هو صاحب هذا الحديث كما صرح بذلك أبو نعيم فيما نقلته عنه آنفا، وكذلك أبو داود حيث قال في روايته: " حدثنا ابن رجاء يعني المكي ". والغداني ليس مكيا كما ذكرنا، فلا أدري كيف خفي هذا على المناوي.
وإنما علة الحديث أبو الزبير واسمه محمد بن مسلم بن تدرس، فإنه وإن كان ثقة ومن رجال مسلم، فهو مدلس وقد عنعنه وقد قال الذهبي في ترجمته من " الميزان ": " وفي صحيح مسلم عدة أحاديث مما لم يوضح فيها ابن الزبير السماع عن جابر ولا من طريق الليث عنه، ففي القلب منها شيء ". قلت: فلا يطمئن القلب لصحة هذا الحديث مع هذه العنعنة، لاسيما وهو ليس في " صحيح مسلم ".
(تنبيه) عزاه السيوطي في " الجامع الصغير " لأبي داود والحاكم، ولم أجده في " مستدركه " في المواضع التي يظن وجوده فيها، فالله أعلم. ثم وجدته فيه بواسطة الفهرس الذي أنا في صدد وضعه له، يسر الله لي إتمامه، أخرجه في " التفسير " (٢ / ٢٨٥ - ٢٨٦) من طريق ابن رجاء المكي به. (فائدة) : المخابرة هي المزارعة، وفي القاموس: " المزارعة المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها، ويكون البذر من مالكها، وقال: والمخابرة أن يزرع على النصف ونحوه ". وقد صح النهي عن المخابرة من طرق أخرى عن جابر ﵁ عند مسلم (٥ / ١٨ و١٩) وغيره، ولكنه محمول على الوجه المؤدي إلى الغرر والجهالة، لا على كرائها مطلقا حتى بالذهب والفضة لثبوت جواز ما لا غرر فيه في أحاديث كثيرة وتفصيل ذلك في المطولات مثل " نيل الأوطار " و" فتح الباري " وغيرهما.
٩٩١ - " من صلى صلاة مكتوبة مع الإمام فليقرأ بفاتحة الكتاب في سكتاته، ومن انتهى إلى أم القرآن فقد أجزأه ".
ضعيف جدا.
رواه الدارقطني في " سننه " (ص ١٢٠) والحاكم (١ / ٢٣٨) والبيهقي في " جزء القراءة " (ص ٥٤) عن فيض بن إسحاق الرقي: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن
стр. 1402
عمير الليثي عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. قلت: وهذا سند ضعيف جدا، ابن عمير هذا متروك كما قال الدارقطني والنسائي، وقال البخاري: " منكر الحديث ". وقال
البيهقي عقب الحديث: " لا يحتج به " وقال الدارقطني: " ضعيف ".
قلت: وهذا الحديث يخالف المعروف من مذهب أبي هريرة ﵁، وذلك أن مفهومه أن القراءة في غير سكتات الإمام - أعني حالة جهره - لا تشرع، والثابت عن أبي هريرة مشروعية القراءة إطلاقا، وهو ما أخرجه مسلم (٢ / ٩) وغيره عن أبي هريرة مرفوعا: " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج (ثلاثا) غير
تمام ". فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك، فهذا كالنص عنه في أنه أمر المؤتم بالقرأة وراء الإمام ولوكان يجهر، لكن قد يقال: أن لا مخالفة، وذلك بحمل المطلق على القراءة في سكتات الإمام، فإنه ثبت عن أبي هريرة أمره بها كما تقدم تحت الحديث (٥٤٦) وذلك من الأدلة على خطأ رفع حديث الترجمة. ثم إن ما ذهب إليه أبوهريرة من القراءة في الجهرية وراء الإمام، له في الصحابة موافقون ومخالفون، فمن الأول ما أخرجه البيهقي (٢ / ١٦٧) وغيره عن يزيد بن شريك أنه سأل عمر عن القراءة خلف الإمام؟ فقال: اقرأ بفاتحة الكتاب. قلت: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قلت: وإن جهرت به؟ قال وإن جهرت، وسنده صحيح. ثم ذكر البيهقي في الموافقين جماعة من الصحابة وفي ذلك نظر من جهة السند والمعنى لا ضرورة بنا إلى استقصاء القول في ذلك بعد أن ذكرنا ثبوته عن أبي هريرة وعمر. وأما المخالفون فيأتي ذكر بعضهم في الحديث الآتي.
٩٩٢ - " إذا كنت مع الإمام فاقرأ بأم القرآن قبله إذا سكت ".
ضعيف.
رواه البيهقي في " جزء القراءة " (ص ٥٤) من طريق المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: فذكره.
ثم رواه من طريق ابن لهيعة أخبرنا عمرو بن شعيب به نحوه. ثم رواه الدارقطني (١٢١) من طريق محمد بن عبد الوهاب: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عمرو بن شعيب به. وخالفه فيض بن إسحاق الرقي فرواه عن ابن عبيد هذا بإسناد آخر نحوه فانظر الحديث المتقدم. ثم قال البيهقي: " ومحمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، وإن كان غير محتج به، وكذا من تقدم ممن رواه عن عمرو بن شعيب، فلقراءة المأموم فاتحة الكتاب في سكتة الإمام شواهد صحيحة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده خبرا عن فعلهم، وعن أبي هريرة وغيره من فتواهم، ونحن نذكرها إن شاء الله تعالى في ذكر أقاويل الصحابة ".
стр. 1403
قلت: ابن عمير هذا متروك شديد الضعف كما مضى قريبا، فلا يستشهد به ونحوه المثنى بن الصباح، فقد ضعفه الجمهور من الأئمة، وقال النسائي وابن الجنيد: " متروك الحديث " وقال النسائي في موضع آخر: " ليس بثقة ". وقال الساجي: " ضعيف الحديث جدا، حدث بمناكير يطول ذكرها، وكان عابدا يهم ".
قلت: وأيضا فإنه كان ممن اختلط في آخر عمره كما قال ابن حبان. وأما ابن لهيعة، فهو معروف بالضعف،، لأنه خلط بعد احتراق كتبه، فيحتمل أن يكون هذا من تخاليطه، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال. وأما الشواهد التي أشار إليها البيهقي فعلى فرض التسليم بصحتها، فهي موقوفة، فلا يصح الاستشهاد بها على صحة المرفوع، لاسيما والآثار في هذا الباب عن الصحابة مختلفة، فقد روى البيهقي في " سننه " (٢ / ١٦٣) بسند صحيح عن أبي الدرداء أنه قال: " لا أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم ". وروى هو (٢ / ١٦٠) وغيره بسند صحيح أيضا عن جابر قال: " من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام ". وعن ابن عمر أنه كان يقول: " من
صلى وراء الإمام كفاه قراءة الإمام ". وسنده صحيح أيضا، وعن ابن مسعود أنه سئل عن القراءة خلف الإمام؟ قال: أنصت، فإن في الصلاة شغلا ويكفيك الإمام. رواه الطحاوي (١ / ١٢٩) والبيهقي (٢ / ١٦٠) وغيرهما بسند صحيح.
قلت: فهذه آثار كثيرة قوية تعارض الآثار المخالفة لها مما أشار إليه البيهقي وذكرنا بعضها آنفا، فإذا استشهد بها لصحة هذا الحديث، فلمخافة أن يستشهد بهذه الآثار على ضعفه، والحق أنه لا يجوز تقوية الحديث ولا تضعيفه بآثار متعارضة فتأمل. والذي نراه أقرب إلى الصواب في هذه المسألة مشروعية القراءة وراء الإمام في السرية دون الجهرية، إلا إن وجد سكتات الإمام، وليس هناك حديث صريح لم يدخله التخصيص يوجب القراءة في الجهرية، وليس هذا موضع تفصيل القول في ذلك فاكتفينا بالإشارة.
٩٩٣ - " من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له ".
باطل.
رواه ابن حبان في " المجروحين " (١ / ١٥١ - ١٥٢) وعنه ابن الجوزي في " العلل المتناهية ": حدثني إبراهيم بن سعيد القشيري عن أحمد بن علي بن سلمان المروزي عن (سعيد بن) عبد الرحمن المخزومي عن سفيان بن عيينة عن ابن طاووس عن أبيه عن زيد بن ثابت عن النبي ﷺ ثم قال ابن حبان في ترجمة المروزي هذا: " هذا الحديث لا أصل له، وأحمد بن علي بن سلمان لا ينبغي أن يشتغل بحديثه ". ونقله الزيلعي في " نصب الراية " (٢ / ١٩) والحافظ في " اللسان " ولم يعلق عليه بشيء وابن سلمان هذا ترجمه الخطيب أيضا (٤ / ٣٠٣) وقال:
стр. 1404
" قرأت بخط الدارقطني - وحدثنيه أحمد بن محمد العتيقي عنه - قال: أحمد بن علي بن سلمان المروزي متروك يضع الحديث ".
قلت: وقد روي موقوفا على زيد بإسناد خير من هذا، أخرجه البيهقي في " سننه " (٢ / ١٦٣) من طريق الحسين بن حفص عن سفيان عن عمر بن محمد عن موسى بن سعد عن ابن زيد بن ثابت عن أبيه زيد بن ثابت قال: فذكره موقوفا. قلت: وهذا سند رجاله ثقات غير ابن زيد بن ثابت، فلم أعرفه، والظاهر أنه سعد والد موسى المذكور في هذا الإسناد فإنه موسى بن سعد بن زيد بن ثابت، فإن كان هو، فهو مجهول لا يعرف في شيء من
كتب الرجال، ولا ذكر في الرواة عن أبيه، وقد روى عن أبيه أخواه خارجة وسلمان كما في " التهذيب " ولم يذكر معهما سعدا هذا. والله أعلم.
وقد أشار البيهقي إلى تضعيف هذا السند فقال: " وهذا إن صح بهذا اللفظ - وفيه نظر - فمحمول على الجهر بالقراءة، والله تعالى أعلم. وقد خالفه عبد الله بن الوليد العدني فرواه عن سفيان عن عمر بن محمد عن موسى بن سعد عن زيد لم يذكر أباه في إسناده. قال البخاري: لا يعرف بهذا الإسناد سماع بعضهم من بعض ولا يصح مثله ".
قلت: والعدني هذا قال الحافظ: صدوق ربما أخطأ، ولم يحتج به مسلم، بخلاف الحسين بن حفص فإنه صدوق احتج به مسلم، فروايته أرجح، وفيها المجهول كما عرفت فلا يصح الحديث لا مرفوعا ولا موقوفا والموقوف أشبه. نعم أخرج البيهقي بسند صحيح عن عطاء بن يسار أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام فقال: لا أقرأ مع الإمام في شيء، وقال: " أخرجه مسلم، وهو محمول على الجهر بالقراءة مع الإمام، والله أعلم ".
قلت: هذا حمل بعيد جدا، وإنما يحمل على مثله التوفيق بين الأثر والمذهب! وإلا فكيف يؤول بمثل هذا التأويل الباطل الذي إنما يقول البعض مثله إذا كان هناك من يرى مشروعية جهر المؤتم بالقراءة وراء الإمام، فهل من قائل بذلك حتى يضطر زيد ﵁ إلى إبطاله؟ ! اللهم لا، ولكنه التعصب للمذهب عفانا الله منه، وإن مما يؤكد
بطلانه أن الإمام الطحاوي رواه (١ / ١٢٩) من الطريق المذكور عن زيد بلفظ: " لا تقرأ خلف الإمام في شيء من الصلوات "! وأما عزوه لمسلم ففيه نظر، فإني لم أجد عنده، والله أعلم.
٩٩٤ - " من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا. قيل: يا رسول الله وهل لها من عينين؟ قال: ألم تسمع إلى قول الله : " إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا "، فأمسك القوم أن يسألوه، فأنكر ذلك من شأنهم، وقال:
стр. 1405
ما لكم لا تسألوني؟ قالوا: يا رسول الله سمعناك تقول من تقول علي ما لم أقل ... ونحن لا نحفظ الحديث كما سمعناه، نقدم حرفا ونؤخر حرفا، ونزيد حرفا وننقص حرفا، قال: ليس ذلك أردت، إنما قلت: من تقول علي مالم أقل يريد عيبي وشين الإسلام، أو شيني وعيب الإسلام ".
موضوع.
أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص ٢٠٠) بسند صحيح عن علي بن مسلم الطوسي قال: حدثنا محمد بن يزيد الواسطي عن أصبغ بن زيد عن خالد بن كثير عن خالد بن دريك عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف وإن كان رجاله كلهم ثقات، فإنه منقطع بين ابن دريك والرجل، فإنه لم يدرك أحدا من الصحابة، ولذلك أورده ابن حبان في أتباع التابعين.
ثم رأيت الحافظ ابن كثير قد ساق إسناده في " تفسيره " (٣ / ٣١٠) من رواية ابن أبي حاتم وابن جرير من طريقين آخرين عن محمد بن يزيد الواسطي بسنده المذكور عن خالد بن دريك (قال:) بإسناد عن رجل من أصحاب النبي ﷺ . فهذا صريح في الانقطاع بين ابن دريك والرجل لقوله " بإسناده " وهذا يقتضي أن يكون بينه وبين الرجل راو واحد على الأقل، وهو مجهول لم يسم، فهو علة الحديث. ثم إن في آخره ما يشعر بأن التقول عليه لا بأس به إذا لم يكن في شين الإسلام وعيب النبي ﷺ ، فكأنه من وضع الكرامية الذين كانوا يرو ن جواز الكذب على النبي ﷺ في الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال، فإذا أنكر ذلك عليهم بقوله ﷺ " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " قالوا: نحن ما كذبنا عليه إنما نكذب له! . وقد روي الحديث من طريق أخرى لا يصح أيضا، رواه أبو نعيم في " المستخرج على صحيح مسلم " (١ / ٩ / ١) عن محمد بن الفضل بن عطية عن الأحوص بن حكيم عن مكحول عن أبي أمامة مرفوعا به مع تقديم وتأخير وقال: " هذا حديث لا أصل له فيما أعلم، والحمل فيه على محمد بن الفضل بن عطية لاتفاق أكثر الناس على إسقاط حديثه ". وقال الهيثمي في " المجمع " (١ / ١٤٨) بعد أن عزاه للطبراني في " الكبير ": " وفيه الأحوص بن حكيم ضعفه النسائي وغيره، ووثقه العجلي ويحيى بن سعيد القطان في رواية، ورواه عن الأحوص محمد بن الفضل بن عطية ضعيف ". قلت: بل هو شر من ذلك كما أشار إليه أبو نعيم في كلمته السابقة، وقال الحافظ في " التقريب ":