قلت وهو ثقة من رجال مسلم وأصله من البصرة قال ابن سعد: " كان ثقة كثير الحديث، وكان من أهل البصرة، فانتقل إلى مكة فنزلها إلى أن مات بها ".
وأما العراقي البصري فهو الغداني وليس مكيا وهو مع كونه ممن احتج بهم البخاري في " صحيحه " ففيه كلام كثير، وقد ظن المناوي في " فيض القدير " أنه هو راوي هذا الحديث فأعله به فقال: " وفيه عبد الله بن رجاء، أورده الذهبي في " ذيل الضعفاء " وقال: صدوق، قال الفلاس: كثير الغلط والتصحيف ".
وهذا هو الغداني كما صرح به الذهبي نفسه في ترجمته، وليس هو صاحب هذا الحديث كما صرح بذلك أبو نعيم فيما نقلته عنه آنفا، وكذلك أبو داود حيث قال في روايته: " حدثنا ابن رجاء يعني المكي ". والغداني ليس مكيا كما ذكرنا، فلا أدري كيف خفي هذا على المناوي.
وإنما علة الحديث أبو الزبير واسمه محمد بن مسلم بن تدرس، فإنه وإن كان ثقة ومن رجال مسلم، فهو مدلس وقد عنعنه وقد قال الذهبي في ترجمته من " الميزان ": " وفي صحيح مسلم عدة أحاديث مما لم يوضح فيها ابن الزبير السماع عن جابر ولا من طريق الليث عنه، ففي القلب منها شيء ". قلت: فلا يطمئن القلب لصحة هذا الحديث مع هذه العنعنة، لاسيما وهو ليس في " صحيح مسلم ".
(تنبيه) عزاه السيوطي في " الجامع الصغير " لأبي داود والحاكم، ولم أجده في " مستدركه " في المواضع التي يظن وجوده فيها، فالله أعلم. ثم وجدته فيه بواسطة الفهرس الذي أنا في صدد وضعه له، يسر الله لي إتمامه، أخرجه في " التفسير " (٢ / ٢٨٥ - ٢٨٦) من طريق ابن رجاء المكي به. (فائدة) : المخابرة هي المزارعة، وفي القاموس: " المزارعة المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها، ويكون البذر من مالكها، وقال: والمخابرة أن يزرع على النصف ونحوه ". وقد صح النهي عن المخابرة من طرق أخرى عن جابر ﵁ عند مسلم (٥ / ١٨ و١٩) وغيره، ولكنه محمول على الوجه المؤدي إلى الغرر والجهالة، لا على كرائها مطلقا حتى بالذهب والفضة لثبوت جواز ما لا غرر فيه في أحاديث كثيرة وتفصيل ذلك في المطولات مثل " نيل الأوطار " و" فتح الباري " وغيرهما.
٩٩١ - " من صلى صلاة مكتوبة مع الإمام فليقرأ بفاتحة الكتاب في سكتاته، ومن انتهى إلى أم القرآن فقد أجزأه ".
ضعيف جدا.
رواه الدارقطني في " سننه " (ص ١٢٠) والحاكم (١ / ٢٣٨) والبيهقي في " جزء القراءة " (ص ٥٤) عن فيض بن إسحاق الرقي: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن
стр. 1402
عمير الليثي عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. قلت: وهذا سند ضعيف جدا، ابن عمير هذا متروك كما قال الدارقطني والنسائي، وقال البخاري: " منكر الحديث ". وقال
البيهقي عقب الحديث: " لا يحتج به " وقال الدارقطني: " ضعيف ".
قلت: وهذا الحديث يخالف المعروف من مذهب أبي هريرة ﵁، وذلك أن مفهومه أن القراءة في غير سكتات الإمام - أعني حالة جهره - لا تشرع، والثابت عن أبي هريرة مشروعية القراءة إطلاقا، وهو ما أخرجه مسلم (٢ / ٩) وغيره عن أبي هريرة مرفوعا: " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج (ثلاثا) غير
تمام ". فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك، فهذا كالنص عنه في أنه أمر المؤتم بالقرأة وراء الإمام ولوكان يجهر، لكن قد يقال: أن لا مخالفة، وذلك بحمل المطلق على القراءة في سكتات الإمام، فإنه ثبت عن أبي هريرة أمره بها كما تقدم تحت الحديث (٥٤٦) وذلك من الأدلة على خطأ رفع حديث الترجمة. ثم إن ما ذهب إليه أبوهريرة من القراءة في الجهرية وراء الإمام، له في الصحابة موافقون ومخالفون، فمن الأول ما أخرجه البيهقي (٢ / ١٦٧) وغيره عن يزيد بن شريك أنه سأل عمر عن القراءة خلف الإمام؟ فقال: اقرأ بفاتحة الكتاب. قلت: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قلت: وإن جهرت به؟ قال وإن جهرت، وسنده صحيح. ثم ذكر البيهقي في الموافقين جماعة من الصحابة وفي ذلك نظر من جهة السند والمعنى لا ضرورة بنا إلى استقصاء القول في ذلك بعد أن ذكرنا ثبوته عن أبي هريرة وعمر. وأما المخالفون فيأتي ذكر بعضهم في الحديث الآتي.
٩٩٢ - " إذا كنت مع الإمام فاقرأ بأم القرآن قبله إذا سكت ".
ضعيف.
رواه البيهقي في " جزء القراءة " (ص ٥٤) من طريق المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: فذكره.
ثم رواه من طريق ابن لهيعة أخبرنا عمرو بن شعيب به نحوه. ثم رواه الدارقطني (١٢١) من طريق محمد بن عبد الوهاب: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عمرو بن شعيب به. وخالفه فيض بن إسحاق الرقي فرواه عن ابن عبيد هذا بإسناد آخر نحوه فانظر الحديث المتقدم. ثم قال البيهقي: " ومحمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، وإن كان غير محتج به، وكذا من تقدم ممن رواه عن عمرو بن شعيب، فلقراءة المأموم فاتحة الكتاب في سكتة الإمام شواهد صحيحة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده خبرا عن فعلهم، وعن أبي هريرة وغيره من فتواهم، ونحن نذكرها إن شاء الله تعالى في ذكر أقاويل الصحابة ".
стр. 1403
قلت: ابن عمير هذا متروك شديد الضعف كما مضى قريبا، فلا يستشهد به ونحوه المثنى بن الصباح، فقد ضعفه الجمهور من الأئمة، وقال النسائي وابن الجنيد: " متروك الحديث " وقال النسائي في موضع آخر: " ليس بثقة ". وقال الساجي: " ضعيف الحديث جدا، حدث بمناكير يطول ذكرها، وكان عابدا يهم ".
قلت: وأيضا فإنه كان ممن اختلط في آخر عمره كما قال ابن حبان. وأما ابن لهيعة، فهو معروف بالضعف،، لأنه خلط بعد احتراق كتبه، فيحتمل أن يكون هذا من تخاليطه، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال. وأما الشواهد التي أشار إليها البيهقي فعلى فرض التسليم بصحتها، فهي موقوفة، فلا يصح الاستشهاد بها على صحة المرفوع، لاسيما والآثار في هذا الباب عن الصحابة مختلفة، فقد روى البيهقي في " سننه " (٢ / ١٦٣) بسند صحيح عن أبي الدرداء أنه قال: " لا أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم ". وروى هو (٢ / ١٦٠) وغيره بسند صحيح أيضا عن جابر قال: " من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام ". وعن ابن عمر أنه كان يقول: " من
صلى وراء الإمام كفاه قراءة الإمام ". وسنده صحيح أيضا، وعن ابن مسعود أنه سئل عن القراءة خلف الإمام؟ قال: أنصت، فإن في الصلاة شغلا ويكفيك الإمام. رواه الطحاوي (١ / ١٢٩) والبيهقي (٢ / ١٦٠) وغيرهما بسند صحيح.
قلت: فهذه آثار كثيرة قوية تعارض الآثار المخالفة لها مما أشار إليه البيهقي وذكرنا بعضها آنفا، فإذا استشهد بها لصحة هذا الحديث، فلمخافة أن يستشهد بهذه الآثار على ضعفه، والحق أنه لا يجوز تقوية الحديث ولا تضعيفه بآثار متعارضة فتأمل. والذي نراه أقرب إلى الصواب في هذه المسألة مشروعية القراءة وراء الإمام في السرية دون الجهرية، إلا إن وجد سكتات الإمام، وليس هناك حديث صريح لم يدخله التخصيص يوجب القراءة في الجهرية، وليس هذا موضع تفصيل القول في ذلك فاكتفينا بالإشارة.
٩٩٣ - " من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له ".
باطل.
رواه ابن حبان في " المجروحين " (١ / ١٥١ - ١٥٢) وعنه ابن الجوزي في " العلل المتناهية ": حدثني إبراهيم بن سعيد القشيري عن أحمد بن علي بن سلمان المروزي عن (سعيد بن) عبد الرحمن المخزومي عن سفيان بن عيينة عن ابن طاووس عن أبيه عن زيد بن ثابت عن النبي ﷺ ثم قال ابن حبان في ترجمة المروزي هذا: " هذا الحديث لا أصل له، وأحمد بن علي بن سلمان لا ينبغي أن يشتغل بحديثه ". ونقله الزيلعي في " نصب الراية " (٢ / ١٩) والحافظ في " اللسان " ولم يعلق عليه بشيء وابن سلمان هذا ترجمه الخطيب أيضا (٤ / ٣٠٣) وقال:
стр. 1404
" قرأت بخط الدارقطني - وحدثنيه أحمد بن محمد العتيقي عنه - قال: أحمد بن علي بن سلمان المروزي متروك يضع الحديث ".
قلت: وقد روي موقوفا على زيد بإسناد خير من هذا، أخرجه البيهقي في " سننه " (٢ / ١٦٣) من طريق الحسين بن حفص عن سفيان عن عمر بن محمد عن موسى بن سعد عن ابن زيد بن ثابت عن أبيه زيد بن ثابت قال: فذكره موقوفا. قلت: وهذا سند رجاله ثقات غير ابن زيد بن ثابت، فلم أعرفه، والظاهر أنه سعد والد موسى المذكور في هذا الإسناد فإنه موسى بن سعد بن زيد بن ثابت، فإن كان هو، فهو مجهول لا يعرف في شيء من
كتب الرجال، ولا ذكر في الرواة عن أبيه، وقد روى عن أبيه أخواه خارجة وسلمان كما في " التهذيب " ولم يذكر معهما سعدا هذا. والله أعلم.
وقد أشار البيهقي إلى تضعيف هذا السند فقال: " وهذا إن صح بهذا اللفظ - وفيه نظر - فمحمول على الجهر بالقراءة، والله تعالى أعلم. وقد خالفه عبد الله بن الوليد العدني فرواه عن سفيان عن عمر بن محمد عن موسى بن سعد عن زيد لم يذكر أباه في إسناده. قال البخاري: لا يعرف بهذا الإسناد سماع بعضهم من بعض ولا يصح مثله ".
قلت: والعدني هذا قال الحافظ: صدوق ربما أخطأ، ولم يحتج به مسلم، بخلاف الحسين بن حفص فإنه صدوق احتج به مسلم، فروايته أرجح، وفيها المجهول كما عرفت فلا يصح الحديث لا مرفوعا ولا موقوفا والموقوف أشبه. نعم أخرج البيهقي بسند صحيح عن عطاء بن يسار أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام فقال: لا أقرأ مع الإمام في شيء، وقال: " أخرجه مسلم، وهو محمول على الجهر بالقراءة مع الإمام، والله أعلم ".
قلت: هذا حمل بعيد جدا، وإنما يحمل على مثله التوفيق بين الأثر والمذهب! وإلا فكيف يؤول بمثل هذا التأويل الباطل الذي إنما يقول البعض مثله إذا كان هناك من يرى مشروعية جهر المؤتم بالقراءة وراء الإمام، فهل من قائل بذلك حتى يضطر زيد ﵁ إلى إبطاله؟ ! اللهم لا، ولكنه التعصب للمذهب عفانا الله منه، وإن مما يؤكد
بطلانه أن الإمام الطحاوي رواه (١ / ١٢٩) من الطريق المذكور عن زيد بلفظ: " لا تقرأ خلف الإمام في شيء من الصلوات "! وأما عزوه لمسلم ففيه نظر، فإني لم أجد عنده، والله أعلم.
٩٩٤ - " من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا. قيل: يا رسول الله وهل لها من عينين؟ قال: ألم تسمع إلى قول الله : " إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا "، فأمسك القوم أن يسألوه، فأنكر ذلك من شأنهم، وقال:
стр. 1405
ما لكم لا تسألوني؟ قالوا: يا رسول الله سمعناك تقول من تقول علي ما لم أقل ... ونحن لا نحفظ الحديث كما سمعناه، نقدم حرفا ونؤخر حرفا، ونزيد حرفا وننقص حرفا، قال: ليس ذلك أردت، إنما قلت: من تقول علي مالم أقل يريد عيبي وشين الإسلام، أو شيني وعيب الإسلام ".
موضوع.
أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص ٢٠٠) بسند صحيح عن علي بن مسلم الطوسي قال: حدثنا محمد بن يزيد الواسطي عن أصبغ بن زيد عن خالد بن كثير عن خالد بن دريك عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف وإن كان رجاله كلهم ثقات، فإنه منقطع بين ابن دريك والرجل، فإنه لم يدرك أحدا من الصحابة، ولذلك أورده ابن حبان في أتباع التابعين.
ثم رأيت الحافظ ابن كثير قد ساق إسناده في " تفسيره " (٣ / ٣١٠) من رواية ابن أبي حاتم وابن جرير من طريقين آخرين عن محمد بن يزيد الواسطي بسنده المذكور عن خالد بن دريك (قال:) بإسناد عن رجل من أصحاب النبي ﷺ . فهذا صريح في الانقطاع بين ابن دريك والرجل لقوله " بإسناده " وهذا يقتضي أن يكون بينه وبين الرجل راو واحد على الأقل، وهو مجهول لم يسم، فهو علة الحديث. ثم إن في آخره ما يشعر بأن التقول عليه لا بأس به إذا لم يكن في شين الإسلام وعيب النبي ﷺ ، فكأنه من وضع الكرامية الذين كانوا يرو ن جواز الكذب على النبي ﷺ في الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال، فإذا أنكر ذلك عليهم بقوله ﷺ " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " قالوا: نحن ما كذبنا عليه إنما نكذب له! . وقد روي الحديث من طريق أخرى لا يصح أيضا، رواه أبو نعيم في " المستخرج على صحيح مسلم " (١ / ٩ / ١) عن محمد بن الفضل بن عطية عن الأحوص بن حكيم عن مكحول عن أبي أمامة مرفوعا به مع تقديم وتأخير وقال: " هذا حديث لا أصل له فيما أعلم، والحمل فيه على محمد بن الفضل بن عطية لاتفاق أكثر الناس على إسقاط حديثه ". وقال الهيثمي في " المجمع " (١ / ١٤٨) بعد أن عزاه للطبراني في " الكبير ": " وفيه الأحوص بن حكيم ضعفه النسائي وغيره، ووثقه العجلي ويحيى بن سعيد القطان في رواية، ورواه عن الأحوص محمد بن الفضل بن عطية ضعيف ". قلت: بل هو شر من ذلك كما أشار إليه أبو نعيم في كلمته السابقة، وقال الحافظ في " التقريب ":
стр. 1406
" كذبوه ". وقال الذهبي في " الضعفاء ": " متروك باتفاق ". والحديث أخرجه ابن منده أيضا في " معرفة
الصحابة " (٢ / ٢٨٢ / ٢) .
٩٩٥ - " خذوا للرأس ماء جديدا ".
ضعيف جدا.
رواه الطبراني (١ / ٢١٤ / ٢) عن دهثم بن قران عن نمران بن جارية عن أبيه مرفوعا. قلت: وهذا سند ضعيف جدا دهثم قال الحافظ ابن حجر: " متروك ". وقال الهيثمي في " المجمع " (١ / ٢٣٤) : " رواه الطبراني في " الكبير " وفيه دهثم بن قران ضعفه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات ".
قلت: وذكره ابن حبان في " الضعفاء " أيضا وقال (١ / ٢٩٠) : " كان ممن يتفرد بالمناكير عن المشاهير، ويروي عن الثقات أشياء لا أصول لها، قال ابن معين: لا يكتب حديث ". قلت: وهذا معناه أنه متروك كما قال الحافظ، وهو قول ابن الجنيد، ومثله قول أحمد: " متروك الحديث ". وقال النسائي: " ليس بثقة ".
ونمران بن جارية مجهول لا يعرف كما قال الذهبي والعسقلاني. ونحو هذا الحديث في المعنى ما أخرجه البيهقي (١ / ٦٥) من طريق الهيثم بن خارجة: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث عن حبان بن واسع الأنصاري أن أباه حدثه أنه سمع عبد الله بن زيد أنه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ، فأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسه، وقال: " وهذا إسناد صحيح، وكذلك روي عن عبد العزيز بن عمران بن مقلاص وحرملة بن يحيى عن ابن وهب، ورواه مسلم بن الحجاج في " الصحيح " عن هارون بن معروف وهارون بن سعيد الأيلي وأبي الطاهر عن ابن وهب بإسناد صحيح أنه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ - فذكر وضوءه، قال - ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، ولم يذكر الأذنين، وهذا أصح من الذي قبله ".
وتعقبه ابن التركماني فقال: " قلت: ذكر صاحب الإمام أنه رأى في رواية ابن المقرىء عن حرملة عن ابن وهب بهذا الإسناد وفيه: ومسح بماء غير فضل يديه لم يذكر الأذنين ".
قلت: فقد اختلف في هذا الحديث على ابن وهب، فالهيثم بن خارجة وابن مقلاص وحرملة بن يحيى - والعهدة في ذلك على البيهقي - رووه عنه باللفظ الأول الذي فيه أخذ الماء الجديد لأذنيه. وخالفهم ابن معروف وابن سعيد الأيلي وأبو الطاهر، فرووه عنه باللفظ الآخر الذي فيه أخذ
стр. 1407
الماء لرأسه لم يذكر الأذنين، وقد صرح البيهقي بأنه أصح كما سبق، ومعنى ذلك أن اللفظ الأول شاذ، وقد صرح بشذوذه الحافظ بن حجر في " بلوغ المرام "، ولا شك في ذلك عندي لأن أبا الطاهر وسائر الثلاثة قد تابعهم ثلاثة آخرون، وهم حجاج بن إبراهيم الأزرق، وابن أخي بن وهب - واسمه أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، أخرجه عنهما أبو عوانة في " صحيحه " (١ / ٢٤٩) ، وسريج بن النعمان عند أحمد (٤ / ٤١) ولا ريب أن اتفاق الستة على الرواية أولى بالترجيح من رواية الثلاثة عند المخالفة، ويؤيد ذلك أن عبد الله بن لهيعة قد رواه عن حبان بن واسع مثل رواية الستة، أخرجه الدارمي (١ / ١٨٠) وأحمد (٤ / ٣٩ - ٤٢) ، وابن لهيعة وإن كان ضعيفا، فإن رواية العبادلة الثلاثة عنه صحيحة، كما نص على ذلك غير واحد من الأئمة، وهذا مما رواه عنه عبد الله بن المبارك عند الإمام أحمد في رواية، وهو أحد العبادلة الثلاثة، فهو شاهد قوي لرواية الجماعة يؤكد شذوذ رواية الثلاثة وعليه فلا يصلح شاهدا لهذا الحديث الشديد الضعف، ولا نعلم في الباب غيره، على أنها لوكانت محفوظة لم تصلح شاهدا له لأنه أمر، وهو بظاهره يفيد الوجوب بخلاف الفعل كما هو ظاهر.
إذا عرفت هذا، فقد اختلف العلماء في مسح الأذنين هل يؤخذ لهما ماء جديد أم يمسحان ببقية ما مسح به الرأس؟ فذهب إلى الأول أحمد والشافعي، قال الصنعاني (١ / ٧٠) : " وحديث البيهقي هذا هو دليل ظاهر "، وقال في مكان آخر (١ / ٦٥) : " والأحاديث قد وردت بهذا وهذا ".
قلت: وفيما قاله نظر، فإنه ليس في الباب ما يمكن الاعتماد عليه إلا حديث البيهقي وقد أشار هو إلى شذوذه، وصرح بذلك الحافظ كما سبق، فلا يحتج به، ويؤيد ذلك أن الأحاديث التي ورد فيها مسح الرأس والأذنين لم
يذكر أحد أنه ﷺ أخذ ماء جديدا، ولوأنه فعل ذلك لنقل ويقويه ظاهر قوله ﷺ : " الأذنان من الرأس ". قال الصنعاني (١ / ٧١) " وهو وإن كان في أسانيده مقال، إلا أن كثرة طرقه يشد بعضها بعضا ". قلت: بل له طريق صحيح وقد سقته وغيره في " الأحاديث الصحيحة " (رقم ٣٦) . وخلاصة القول: أنه لا يوجد في السنة ما يوجب أخذ ماء جديد للأذنين فيمسحهما بماء الرأس، كما يجوز أن يمسح الرأس بماء يديه الباقي عليهما بعد غسلهما، لحديث الربيع بنت معوذ: " أن النبي ﷺ مسح برأسه من
فضل ماء كان في يده ". أخرجه أبو داود وغيره بسند حسن كما بينته في " صحيح أبي داود " (١٢١) وهو مم يؤكد ضعف حديث الترجمة، وبالله تعالى التوفيق.
٩٩٦ - " كان يحب أن يفطر على ثلاث تمرات، أو شيء لم تصبه النار ".
ضعيف جدا.
رواه العقيلي في " الضعفاء " (ص ٢٥١) وأبو يعلى في " مسنده " (١٦٣ / ١) واللفظ له وعنه الضياء في " المختارة " (٤٩ / ١) كلاهما عن أبي ثابت عبد الواحد بن ثابت عن أنس مرفوعا.
стр. 1408
قلت: وهذا سند ضعيف جدا عبد الواحد قال البخاري: " منكر الحديث ". وقال العقيلي: " لا يتابع على هذا
الحديث ". وذكره الهيثمي في " المجمع " (٣ / ١٥٥) وقال: " رواه أبو يعلى وفيه عبد الواحد بن ثابت وهو ضعيف ". قلت: وقد أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما من طريق أخرى عن ثابت عن أنس به أتم منه دون قوله: " أو شيء لم تصبه النار ". فهي زيادة منكرة لتفرد هذا الضعيف بها مخالفا للثقة، وهو ثابت هذاوهو البناني ولفظ حديثه: " كان يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء ". وقال الترمذي: " حديث حسن غريب ". وقد خرجت هذا في " الإرواء " بتفصيل فراجعه برقم (٩٠٤) .
٩٩٧ - " ولدت في زمن الملك العادل ".
باطل لا أصل له.
قال البيهقي في " شعب الإيمان (٢ / ٩٧ / ١) بعد أن ذكر كلاما جيدا للحليمي في " شعبه ": " وتكلم في بطلان ما يرويه بعض الجهال عن نبينا ﷺ : " ولدت في زمن الملك العادل ". يعني أنوشروان. وكان شيخنا أبو عبد الله الحافظ (يعني الحاكم صاحب " المستدرك ") قد تكلم أيضا في بطلان هذا الحديث، ثم رأى بعض الصالحين رسول الله ﷺ في المنام، فحكى له ما قال أبو عبد الله، فصدقه في تكذيب هذا الحديث وإبطاله، وقال: ما قلته قط ".
قلت: والمنامات وإن كان لا يحتج بها، فذلك لا يمنع من الاستئناس بها فيما وافق نقد العلماء وتحقيقهم كما لا يخفى على أهل العلم والنهى.
стр. 1409
٩٩٨ - " بكى شعيب النبي ﷺ من حب الله حتى عمي، فرد الله إليه بصره، وأو حى إليه: يا شعيب ما هذا البكاء؟ ! أشوقا إلى الجنة أم خوفا من النار؟ قال: إلهي وسيدي أنت تعلم ما أبكي شوقا إلى جنتك ولا خوفا من النار، ولكني اعتقدت حبك بقلبي، فإذا أنا نظرت إليك فما أبالي ما الذي صنع بي، فأو حى الله إليه: يا شعيب إن يك ذلك حقا فهنيئا لك لقائي يا شعيب! ولذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي ".
ضعيف جدا.
رواه الخطيب في " تاريخه " (٦ / ٣١٥) : أخبرنا أبو سعد - من حفظه -: حدثنا أبي حدثنا أبو عبد الله محمد بن إسحاق الرملي: حدثنا أبو الوليد هشام بن عمار حدثنا
стр. 1410
إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعيد عن خالد بن معدان عن شداد بن أوس مرفوعا. أورده في ترجمة أبي سعد هذا وسماه إسماعيل بن علي بن الحسن بن البندار الواعظ الأستراباذي وقال: " قدم علينا بغداد حاجا وسمعت منه بها حديث واحدا مسندا منكرا، ولم يكن موثوقا به في الرواية ". ثم ساق هذا الحديث. ورواه ابن عساكر (٢ / ٤٣٢ / ٢) من طريق الخطيب، ثم قال: " رواه الواحدي عن أبي الفتح محمد بن علي الكوفي عن علي بن الحسن بن بندار كما رواه ابنه إسماعيل عنه فقد برئ من عهدته، والخطيب إنما ذكره لأنه حمل فيه على إسماعيل ". ثم ساقه (٨ / ٣٥ / ١) بسنده عن الواحدي به. قلت: فانحصرتالتهمة في علي بن الحسن والد إسماعيل هذا قال الذهبي: " اتهمه محمد بن طاهر ". وقال ابن النجار: " ضعيف ". وقال أبو محمد عبد العزيز بن محمد النخشبي: " روى عن الجارود الذي كان يروي عن يونس بن عبد الأعلى وطبقته، فروى علي هذا عنه عن هشام بن عمار، فكذب عليه ما لم يكن هو يجترئ أن يقوله، لا تحل الرواية عنه إلا على وجه التعجب ".
ومحمد بن إسحاق الرملي لا يعرف إلا في هذا السند، وقد ساق له ابن عساكر في ترجمته (١٥ / ٣٥ / ١) حديثا آخر عن هذا الشيخ ابن عمار، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. ومما ينكر في هذا الحديث قوله: " ما أبكي شوقا إلى جنتك، ولا خوفا من النار "! فإنها فلسفة صوفية، اشتهرت بها رابعة العدوية، إن صح ذلك عنها، فقد ذكروا أنها كانت تقول في مناجاتها: " رب! ما عبدتك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك ". وهذا كلام لا يصدر إلا ممن لم يعرف الله ﵎ حق معرفته، ولا شعر بعظمته وجلاله، ولا بجوده وكرمه، وإلا لتعبده طمعا فيما عنده من نعيم مقيم، ومن ذلك رؤيته ﵎ وخوفا مما أعده للعصاة والكفار من الجحيم والعذاب الأليم، ومن ذلك حرمانهم النظر إليه كما قال: " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون "، ولذلك كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - وهم العارفون بالله حقا - لا يناجونه بمثل هذه الكلمة الخيالية، بل يعبدونه طمعا في جنته - وكيف لا وفيها أعلى ما تسموإليه النفس المؤمنة، وهو النظر إليه سبحانه، ورهبة من ناره، ولم لا وذلك يستلزم حرمانهم من ذلك، ولهذا قال تعالى بعد ذكر نخبة من الأنبياء: " إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين "، ولذلك كان نبينا محمد ﷺ أخشى الناس لله، كما ثبت في غير ما حديث صحيح عنه. هذه كلمة سريعة حول تلك الجملة العدوية، التي افتتن بها كثير من الخاصة فضلا
стр. 1411
عن العامة، وهي في الواقع " كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء "، وكنت قرأت حولها بحثا فياضا ممتعا في " تفسير العلامة ابن باديس " فليراجعه من شاء زيادة بيان.
٩٩٩ - " إن القبلة لا تنقض الوضوء، ولا تفطر الصائم ".
ضعيف.
أخرجه إسحاق بن راهويه في " مسنده " (٤ / ٧٧ / ٢ مصورة الجامعة الإسلامية) قال: أخبرنا بقية بن الوليد: حدثني عبد الملك بن محمد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله ﷺ قبلها وهو صائم وقال: فذكر الحديث وقال: " يا حميراء إن في ديننا لسعة " قال إسحاق: " أخشى أن يكون غلطا ". قلت: وهذا إسناد ضعيف، ورجاله ثقات غير عبد الملك بن محمد، أورده الذهبي في " الميزان " لهذا الحديث مختصرا بلفظ الدارقطني الآتي، وقال: " وعنه بقية بـ (عن) ، قال الدارقطني: ضعيف ". وكذا في " اللسان " لكن لم يقع فيه: بـ (عن) ". والمقصود بهذا الحرف أن بقية روى عنه معنعنا، ويشير بذلك إلى رواية الدارقطني للحديث في " سننه " (ص ٥٠) قال: وذكر ابن أبي داود قال: أخبرنا ابن المصفى: حدثنا بقية عن عبد الملك بن محمد به مختصرا بلفظ: " ليس في القبلة وضوء ".
وقد خفيت على الذهبي رواية إسحاق هذه التي صرح فيها بقية بالتحديث، ولعله لذلك لم يذكر الحافظ في " اللسان " قوله: " بـ (عن) ". والله أعلم.
والحديث أورده الزيلعي في " نصب الراية " (١ / ٧٣) من رواية ابن راهويه كما ذكرته، دون قول إسحاق: " أخشى أن يكون غلطا " وسكت عليه ولم يكشف عن علته وتبعه على ذلك الحافظ في " الدراية " (ص ٢٠) وكان ذلك من دواعي تخريج الحديث هنا وبيان علته وإن كان معنى الحديث صحيحا كما يأتي في الذي بعده، ففي هذا الحديث - ومثله كثير - لأكبر دليل على جهل من يزعم أنه ما من حديث إلا وتكلم عليه المحدثون تصحيحا وتضعيفا! ثم إن قول إسحاق: " أخشى أن يكون غلطا ".
فالذي يظهر لي - والله أعلم - أنه يعني أن الحديث بطرفيه محفوظ من حديث عائشة ﵄ عنه ﷺ فعلا منه، لا قولا، فكان يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ، كما يأتي في الحديث الذي بعده، كما كان يقبلها وهو صائم. (١) فأخطأ الراوي، فجعل ذلك كله من قوله ﷺ . وهو منكر غير معروف. والله أعلم.
стр. 1412
١٠٠٠ - " توضأ وضوءا حسنا، ثم قم فصل، قاله لمن قبل امرأة ".
ضعيف.
أخرجه الترمذي (٤ / ١٢٨ - تحفة) والدارقطني في " سننه " (٤٩) والحاكم (١ / ١٣٥) والبيهقي (١ / ١٢٥) وأحمد (٥ / ٢٤٤) من طرق عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل: " أنه كان قاعدا عند النبي ﷺ فجاءه رجل وقال: يا رسول الله ما تقول في رجل أصاب امرأة لا تحل له، فلم يدع شيئا يصيبه الرجل من امرأته إلا وقد أصابه منها، إلا أنه لم يجامعها؟ فقال: توضأ وضوءا حسنا ثم قم فصل، قال: فأنزل الله تعالى هذه الآية " أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل " الآية، فقال: أهي له خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال: بل للمسلمين عامة ". وقال الترمذي: " هذا حديث ليس إسناده بمتصل، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ بن جبل، ومعاذ مات في خلافة عمر وقتل عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام صغير ابن ست سنين، وقد روى عن عمر ورآه. وروى شعبة هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن النبي ﷺ مرسلا ".
قلت: وبهذا أعله البيهقي أيضا فقال عقبه: " وفيه إرسال، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يدرك معاذ بن جبل ". وأما الدارقطني فقال عقبه: " صحيح ". ووافقه الحاكم، وسكت عنه الذهبي. والصواب أن الحديث منقطع كما جزم به الترمذي والبيهقي، فهو ضعيف الإسناد. وقد جاءت هذه القصة عن جماعة من الصحابة في " الصحيحين " و" السنن " و" المسند " وغيرها من طرق وأسانيد متعددة، وليس في شيء منها أمره ﷺ بالوضوء والصلاة، فدل ذلك على أن الحديث منكر بهذه الزيادة. والله أعلم. وأما قول أبي موسى المديني في " اللطائف " (ق ٦٦ / ٢) بعد أن ساق الحديث من طريق أحمد: " هذا حديث مشهور، له طرق ". فكأنه يعني أصل الحديث، فإنه هو الذي له طرق، وأما بهذه الزيادة فهو غريب، ومنقطع كما عرفت، والله أعلم.
إذا تبين هذا فلا يحسن الاستدلال بالحديث على أن لمس النساء ينقض الوضوء، كما فعل ابن الجوزي في " التحقيق " (١ / ١١٣) وذلك لأمور: أولا: أن الحديث ضعيف لا تنهض به حجة. ثانيا: أنه لوصح سنده، فليس فيه أن الأمر بالوضوء إنما كان من أجل اللمس، بل ليس فيه أن الرجل كان متوضئا قبل الأمر حتى يقال: انتفض باللمس! بل يحتمل أن الأمر إنما كان من أجل المعصية تحقيقا للحديث الآخر الصحيح بلفظ:
стр. 1413
" ما من مسلم يذنب ذنبا فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر له ". أخرجه أصحاب السنن وغيرهم وصححه جمع، كما بينته في " تخريج المختارة " (رقم ٧) .
ثالثا: هب أن الأمر إنما كان من أجل اللمس، فيحتمل أنه من أجل لمس خاص، لأن الحالة التي وصفها، هي مظنة خروج المذي الذي هو ناقض للوضوء، لا من أجل مطلق اللمس، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال. والحق أن لمس المرأة وكذا تقبيلها لا ينقض الوضوء، سواء كان بشهو ة أو بغير شهو ة، وذلك لعدم قيام دليل صحيح على ذلك، بل ثبت أنه ﷺ كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ. أخرجه أبو داود وغيره، وله عشرة طرق، بعضها صحيح كما بينته في " صحيح أبي داود " (رقم ١٧٠ - ١٧٣) وتقبيل المرأة إنما يكون مقرونا بالشهو ة عادة، والله أعلم.
стр. 1414
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة:
حمداً لله، وصلاةً وسلاماً على رسول الله، وعلى آله وصحابته، وَمَنْ سار على سبيلهم إلى يوم الدين.
أما بعد، فهذا هو المجلّد الثالث من "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمّة"، قد يَسّر اللهُ ﵎ طبعه ونشره
بعد توقُّف عنه دام سنين، كُنّا في ذلك غير مختارين، إذ الأمر كلُّه بيد الله ، " وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون ".
وهو- كالمجلَّدين السابقين- يتضمّن خمسمائة حديث غير صحيح، كثير منها متداول على الألسنة، وسائرها مبثوث في بطون الكتب، على
اختلاف اختصاصاتها ومواضيعها، ومناهج مؤلفيها.
وإنّي أحمد الله ﵎ حمداً كثيراً طَيِّباً على نعمة الِإسلام أولًا، وعلى أنْ هداني إلى السنّة ثانياً، ووفّقني- بفضله- إلى نُصرتها وخِدمتها ثالثاً، وذلك بالدعوة إليها والتفقُه فيها؛ بعد تمييز صحيحها من ضعيفها، فإنّ هذا التمييزَ، هو المنهجُ الذي ينبغي أن يُقام عليه الفقهُ الإسلامي، بله العقيدة الِإسلامية، وإلّا اختلط الباطلُ بالحقِّ، والخطأُ بالصوابِ، وتعددتِ الأقوالُ والآراءُ، حتى يحتارَ فيها كثيرٌ من العلماء، ولا يجدون إلى معرفة الراجح منها سبيلاً، فيذرونها مُعَلَّقة: قيل كذا، وقيل كذا! أو أنهم يصيرون
стр. 1415
إلى الترجيح بغير مُرَجِّح إتباعا للمصلحة- زعموا- أو الهوى! فقطعاً لدابرِ ذلك كُلِّه كان لا بُدَّ من التزام هذا المنهج السليم من التمييز بين الصحيح
والضعيف من الحديث؛ ليكون المسلمُ على بصيرة من دينه وقوفاً منه مع أمر ربه: " قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ".
وقد تجاوب مَعَنا في ذلك كثيرٌ جداً من أفاضل العلماء والمؤلِّفين والدعاة والطَّلبَة في مختلف البلاد الإِسلامية، ولا أدلَّ على هذا من الطلبات الكثيرة التي تصلني منهم يوماً بعد يوم، مُلِحِّين بضرورة متابعة نشر ما عندي من السلسلتين وغيرهما، ليزدادوا بها علماً، ويأخذوا بالصحيح وفقهه، وَيَذَروا الضعيف، إلى غيره.
ومقابل هؤلاء الأفاضل بعض الشيوخ؛ المُقَلِّدين وغيرهم من الصوفيِّين والطُّرُقيِّين، الذين لا حياة لهم إلا بالاعتماد على الأحاديث الضعيفة والموضوعة؛ التي يسيطرون بها على قلوب العامة ثم على ما في ... لذلك فهم لا يرضون عن ذلك التمييز، ولازِمه من التمسك بالِإسلام على ضوء
الكتاب والسنّة الصحيحة، ويحاربون الدعاة إليه محاربةً شديدة لا هوادةَ فيها، ويستبيحون في سبيل ذلك من الكذب والبهت والافتراء ما لا يستحلُّه إلا الكُفَّار الذين قال الله فيهم: " إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّه ". لأنهم يعلمون أنّ هذه الدعوة ستقضي على مشيختهم وسخافاتهم وخرافاتهم التي يستغلُّون بها السُّذَّج، وطَيِّبي القلوب من الناس.
ولَدَيَّ على ذلك أمثلةٌ كثيرةٌ، وحسبي الآن في هذه المقدمة مثالان اثنان، لهما صلة وثقى بها:
الأول: أن وزير الأوقاف في بعض الإِمارات العربية- ولعله صوفي، أو حوله بطانة صوفية- أصدر مذكّرة نُشِر مضمونها في أوائل شوال سنة
стр. 1416
(١٤٠٦ هـ) في بعض الجرائد كالبيان وغيرها، يتّهم فيها إخواننا السلفيين في تلك الِإمارة بتهم شتى، منها (التطرف) ! والخطورة على العقيدة الِإسلامية!
وإنكار المذاهب الأربعة!!! وكلّ ذلك كذبٌ وزورٌ، الهدف منه ظاهر لكل ذي بصيرة في الدين، وهو التمهيد وتهيئة الجو لمنعهم من الدعوة إلى الله، وتبصير الناس بدينهم على كتاب الله، وسنة رسول الله – ﷺ ، ومنهج السلف الصالح. ومنهم الأئمة الأربعة ﵃ أجمعين.
ولم تكتف المذكرةُ بهذه التُّهَم، بل أضافت إلى ذلك تهماً أخرى، تتعلق بشخصي أنا، هي أظهر بطلاناً من سابقاتها، فقالت:
"ويتزعمها شخص يُدعى ناصر الدين الألباني ".
فهذا كذب وزور، يشهد به كل من يعرفني شخصياً، فإن انكبابي على التأليف والتحقيق أكثر من نصف قرن من الزمان يحول بيني وبين التزعم
المزعوم، هذا لو كانت نفسي تميلُ إليه، فكيف وهو منافٍ لطبيعتي العلمية؟؟
وأوضح ما في المذكّرة من الافتراء، قولُها عقب الزعم السابق:
"كما جرى طردهُ من الإِمارات قبل أربع سنوات ومنعه من العودة للبلاد"!
قلت: وهذا كذبٌ له قرونٌ كما يُقال في بعض اللغات؛ فإنه لم يكن شيء من ذلك ألبتة - والحمد لله، وليس أدَلَّ على ذلك من أنني عدت إليها
بتاريخ ٣/٢٩/١٩٨٥ بإذن دخول رسمي رقم ٦٠٩٤/أ، ثم خرجت كذلك بتاريخ ٤/٥/١٩٨٥ كما هو مسجل في جواز سفري رقم ٢٨٤٠٢٤ س ر/٧٧.
стр. 1417
ثم إنني أرى أن هذا الخبرَ الكاذبَ الذي صدر من شخص مسؤول هناك، لا يمسّني أنا شخصياً فقط، بل ويمسّ الدولة التي هو وزير فيها، إذ لا
يعقل أن يوافق حُكّامها- وهم مسلمون مثلي- على الطرد المزعوم، لا لسبب يُذكر سوى أنني أقول: "رَبِّي الله "، وأدعو إليه، وهو القائل: " وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ "، في الوقت الذي يُسمح فيه للكفّار بالدخول إلى البلاد على اخْتِلاف أديأنهم وغاياتهم؟!
اللهمّ فإنّي إليك أشكو غربة الِإسلام وأهله، اللهمّ فأَعِزَّ المسلمين، وأَذِلَّ الكافرين والمنافقين.
ثم إنَّ من فريات تلك المذكرة قولها:
"إن هذه الجماعة تنكر المذاهب الأربعة"!
فأقول: هذا كذبٌ وزورٌ، فنحن نُقَدِّرُ الأئمةَ الأربعةَ- وكذا غيرهم- حق قدرهم، ولا نستغني عن الاستفادة من علمهم، والاعتماد علىِ فقههم، دون تعصُّب لواحد منهم على الآخرين، وذلك ممّا بَيّنته بياناً شافياَ منذ أكثر من ثلاثين سنة في مقدمة كتابي: "صفة صلاة النبي – ﷺ من التكبير إلى التسليم كأنك تراها"، فإليها أُحِيلُ من كان يريدُ التأكّد من كذب هذه الفرية.
وإنّ مِن أفرى الفِرى قولَها عطفاً على ما سبق:
"وتُشَكّك بسنة رسول الله – ﷺ عن طريق تكذيب أحاديث (!) الصحاح المعتمدة، والتشكيك بصحة بعض الأحاديث النبوية الأخرى"!
فأقول: "سُبْحَانَكَ هذا بُهْتَان عَظِيمٌ " و "إِفْكٌ مُبِيْنٌ "، واعتداءٌ جسيم على مسلم نذر نفسه ووقته وجهده لخدمة السنة والدفاع عنها والرد على مخالفيها، وتمييز صحيحها من ضعيفها، وقضى في ذلك أكثر من نصف
стр. 1418
قرن من الزمان، لا يَكَلّ ولا يَمَلّ، والحمد لله. وله في ذلك المؤلفات الكثيرة التي يشهد بفائدتها وأهميتها كبارُ العلماءِ والأدباءِ، وينتفع بها الملايينُ من طُلَاّب العلم في كل البلاد الِإسلامية وغيرها، وقد أُعيدَ طبع الكثير منها، وبعضها يُنْبئ عن ذلك صريح اسمها، مثل "دفاع عن الحديث النبوي " و"منزلة السنة في الِإسلام، وأنه لا يُستغنى عنها بالقرآن "، و"الذَّبُّ الأحمد عن مسند الِإمام أحمد" ولم يُطبع بعد، وهو في الرد على من نفى صحة نسبة
" المسند للِإمام احمد، وغيرها كثير مما هو مطبوعٌ معروفٌ، وقد جمع أسماءَ الكثير منها بعضُ المُحِبين في كتبٍ ورسائلَ، وقفتُ وأنا أكتبُ هذه المقدمة على واحدة منها مطبوعة بعنوان:
"سُلَّم الأماني في الوصول إلى فقه الألباني ".
وفي اعتقادي أن تلك المذكرة الجائرة، تُشير بهذه الفرية الباطلة إلى جهودنا المستمرّة في خدمة السنّة المطهّرة التي منها بيانُ الأحاديث الضعيفة والموضوعة، الدائرة على ألسنة كثير من الخطباء والمحاضرين والمدرسين وغيرهم من خاصّة المسلمين وعامّتهم، متوهّمين أنها أحاديثُ صحيحةٌ، وهي عند أهل العلم ضعيفةٌ أو موضوعة، فيتهمهم الجُهّال بأنهم يُكَذّبون بالأحاديث الصحيحة، والله المستعان.
وفي ختام هذا الردّ لا بُد لي من أن أُذَكِّر صاحب تلك المذكرة وبطانته إن كانوا مؤمنين بفول رب العالمين:
" وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ".
وبقوله – ﷺ الثابت عنه- وهم لا يُكَذِّبُونَ بالأحاديث الصحيحة إن شاء الله! -:
стр. 1419
"من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله رَدْغَة الخَبال حتى يخرج مما قال، وليس بخارج ". (الصحيحة ٤٣٨ والإرواء٢٣١٨) ، و (ردغة الخَبال)
جاء تفسيرها في حديث آخر أنها: عصارة أهل النار. نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا والآخرة.
ذلك هو المثال الأول من أمثلة محاربة الدعاة إلى الكتاب والسنة.
وتمييز صحيحها من ضعيفها.
والآن جاء وقت بيان المثال الآخر فأقول:
هناك في المغرب رجل ينتمي إلى العلم، وله رسائل معروفة ويزعم أنه خادم الحديث الشريف، وهو الشيخ عبد الله بن الصدِّيق الغُماري وهو يختلف عن الرجل الأول المشرقي من حيث إِنه معروف بعدائه الشديد منذ القديم لأنصار السنّة، ولِكل من ينتمي إلى عقيدة السلف، مما يدل العاقل أنه لم يستفد من الحديث إلا حمله! ولا أدل على ذلك من كتيب له طُبع في هذه السنة (١٩٨٦) ب (طنجة) بعنوان:
" القول المقنع في الرد على الألباني المبتدع "!
أقول: إن كل من يقرا هذا العنوان من القرَّاء همهما كان اتِّجاهه- يتسائل في نفسه متعجباً: ماذا ارتكب الألبانيُّ من البدع - وهو المعروف بمحاربته إياها في محاضراته وكتبه، ومن مشاريعه المعروفة " قاموس البدع "، وقد نص على الكثير منها في فصول خاصة في آخر بعض كتبه، مثل بدع الجنائز، وبدع الجمعة، وبدع الحج والعمرة، فما هي البدع التي جاء بها الألباني حتى وصمه الغُماري بـ "المبتدع "؟ مع أنه كان " أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا "، لأنه هو المعروف بالابتداع شي الدين، والانتصار للمبتدعة والطُرُقِيِّين، كما يشهد بذلك كل من اطلع على شيء من رسائله، وحسب القارئ دليلًا على ما
стр. 1420
أقول. أنه شيخ الطريقة الشاذلية الدرقاوية الصديقية، وهو يفخر بذلك في بعض كتاباته (١) ، كما يفخر بأنه خادم السنة! وليته كان خادماً لها. بل نقنع منه أن لا يكون من الهادمين لها!
فإذا بدأ القارئ بقراءة كُتيّب الغُماري، فسرعان ما يبدو له أن موضوعه حديثيّ مَحْض يرد فيه على الألباني بعض ما انتقده عليه في تعليقه على رسالة: "بداية السُّول في تفضيل الرسول – ﷺ للإِمام العزّ بن عبد السلام، من بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وغير ذلك، وأنَّه لا علاقةَ له بالبدعة كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانُه. ثم يتابع القارىءُ القراءةَ فيجد أن الشيخ الغُماري كأنه شعر بأنه لم ينل من الألباني بغيته من التشهير به، وبيان جهله الذي يرميه به في رده عليه من الناحية الحديثية، لذلك قفز إلى مناقشة الألباني في بعض المسائل الفقهية، ففيها يجد المسألة التي من أجلها وَصَمَ الغُماريُّ الألبانيَّ ب (المبتدع) ، أَلَا وهي قولُه بعدم شرعية زيادة كلمة (سيدنا) في الصلوات الِإبراهيمية! اتباعاً لتعليمه – ﷺ أمته إياها بقوله:
"قولوا: اللهم صل على محمد ... ".
وهنا يزداد القارىء اللبيب استغراباً، ويتساءل مجدداً: كيف يكون مبتدعاً من التزم تعليم النبي – ﷺ ولم يزد عليه شيئاً، ولا يكون الغُماري هو المبتدع حقاً وهو لا يرى هذا الالتزام؟! بل هو ينكره على الألباني؟!
قلت: بل وعلى السلف جميعاً من صحابة وتابعين، وأئمة مجتهدين، فإنّهم قدوتي في عدم شرعية ذلك، وبخاصة الحافظ ابن حجر الذي أفتى بذلك، وقد نقلت فتواه في تعليقي على "صفة الصلاة"، وختمها بقوله:
стр. 1421
"ولو كانت زيادة (سيدنا) مندوبة ما خفيت عليهم حتى أغفلوها، والخير كله في الإتباع ".
وأشار الغُماري إلى فتوف الحافظ التي ذكرت خلاصتها في تعليقي على "فضل الصلاة على النبي – ﷺ لِإسماعيل القاضي (ص ٢٦) ، وتعقب الغُماري هذه الخلاصةَ بقوله (ص ٢٠- ٢١) :
"وهذا جمودٌ شديدٌ، وتزمُّتٌ ممقوت ... "، إلى آخر هرائه الذي ذكر فيه حكاية عن فلَاّح لا تنطبق إلاّ عليه، ثم قال:
"فنحن حين نذكر السيادة في الصلاة على النبي – ﷺ لم نزدها من أنفسنا (!) ولكن من قوله – ﷺ – " أنا سيد ولد آدم " ... والمبتدع الألباني وقع في البدعة التي ينعاها علينا، وهو لا يشعر، لضعف فهمه وقلّة إدراكه، فهو حين يُصَلّي على النبي – ﷺ في خطبة كتبه يُصَلّي على أصحابه معه، وزيادة الصحابة بدعة، لِما تقدم بيأنه ".
فتأمل أيها الأخ القارىء! إلى غرور هذا الرجل وجهله وإقدامه على الاستدلال بالحديث المذكور على بدعته، فإنَّ لازِمَه أنَّ السلفَ كانوا غافلين عن دلالتهِ، فما أحقَّه بوعيد قوله تعالى في كتابه: " وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ".
وقد زاد عليه أخوه أحمدُ في ذلك، فألّف كتاباً يُغنيك اسمُه عن مضمونه ودَلالةً على انحرافه عن السبيل وهو: "تشنيف الآذان باستحباب السيادة في الصلاة والِإقامة والأذان "! ووافقه الغُماريُّ الصغيرُ على ذلك (ص ٥١) من رسالته التي سمّاها: "إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة"!
على حد قوله – ﷺ – " ... يُسَمّونها بغير اسمها"!
стр. 1422
ذلك قولُهم! وهم يعلمون أن الأذان وما ذُكِرَ معه توقيفيٌّ بوحي السماء، وقد بَلَّغَهُ – ﷺ – أصحابه وعلَّمهم إياه كما أُنْزِلَ، فلا يجوز التقدُّمُ بين يديه – ﷺ – والزيادةُ عليه اتفاقاً، ولا أخال يخالف فيه إلا ضال مُضِلٌّ، حتى ولا صاحب هذا الرد المفظع! فإنه قد صرح فيه بذلك، ولكنه- لجهله البالغ- وضعه في غير موضعه، فقال (ص ٩- ١٠) :
"وننبه هنا على خطأ وقع من جماهير المسلمين، قلد فيه بعضهم بعضاً ولم يتفطن له إلا الشيعة (!) ذلك أن النإس حين يُصَلّون على النبي – ﷺ – يذكرون معه أصحابهُ، مع أن النبي – ﷺ – حين سأله الصحابةُ فقالوا: كيفَ نُصَلّي عليك؟ أجابهم بقوله: "قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد"، وفي رواية: "اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته "، ولم يأت في شيء من طُرُق الحديث ذِكْرُ أصحابه. مع كثرة الطرق وبلوغها حدَّ التواتر، فذكر الصحابة في الصلاة على النبي – ﷺ – زيادة على ما علّمه الشارع واستدراك عليه
وهو لا يجوز".
قلتُ: ليس في هذا الكلام من الحق إلا قولك الأخير: أنه لا تجوز الزيادة على ما علمه الشارع.. إلخ، فهذا حق نقولُ به ونلتزمُه، ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، ولكن ما بالك أنت وأخوك خالفتم ذلك، واستحببتم زيادة كلمة (سيدنا) في الصلاة عليه ﵌ ولم تَرِدْ في شيء من طُرُق الحديث؟! أليس في ذلك استدراكٌ صريحٌ عليه ﵌ يا من يَدَّعي تعظيمه بالتقدُّم بين يديه؟!
أمّا سائر كلامك فباطل لوجوه:
الأول: انك أثنيت على الشيعة بالفِطْنة، ونَزَّهْتَهُمْ عن البِدعة، وهم فيها من الغارقين الهالكين، واتَّهَمْتَ أهلَ السنة بها وبالبلادة والغباوة، وهم-
стр. 1423
والحمد لله- مُبَرَّؤن منها، فحسبُك قولُه – ﷺ – في أمثالك: "إذا قال الرجل: هَلَك الناس فهو أهلكُهم ". رواه مسلم.
الثاني: أنك دلَّسْتَ على القُرّاء، فأوهمتهم أن الحديث بروايتيه هو مختصر كما ذكرته ليس له تتمة، والواقع يُكَذِّبك، فإنّ تتمتَه في "الصحيحين "
وغيرهما:
"كما صلَّيت على إبراهيم. . .، اللهمّ بارك على محمد ... " إلخ الصلوات الِإبراهيمية المعروفة عند كل مُصلٍّ، ومذكورة في "صفة الصلاة".
الثالث: فإنْ قلتَ: فاتني التنبيه على تمام الحديث.
قلنا لك: هَبْ أنّ الأمرَ كذلك- وما أظنّ- فاستدلالُكَ بالحديث حينئذ باطلٌ، لأنّ أهل السنة جميعاً الذين اتَّهَمْتَهم بما سبق لا يذكرون أصحابه – ﷺ في هذه الصلوات الإبراهيمية!
"الرابع: فإنْ قلتَ: إنّما أعني ذكرهم الصحابة في الصلاة على النبي وآله في الخُطب!
قلنا: هذا وإن كنت قد صرحتَ به في آخر رسالتك (ص ٢١) ونقلتُه عنك فيما سبق (ص ١٠) - فإنه لا يساعدك على إرادةِ هذا المعنى استدلالُك بالحديث لكونه خاصّاً بالصلاة لا الخطبة كما بَيَّنْتُ آنفاً، وقولك في آخر تنبيهك المزعوم:
"فذكر الصحابة في الصلاة على النبي – ﷺ زيادة على ما علمه الشارع، واستدراك عليه وهو لا يجوز".
حقاً إن ذلك لا يجوز، ولكن أين تعليمه الصلاة عليه في خطبة الكتاب الذي ذُكر فيه هو- ﷺ وآله دون الأصحاب، حتى يكون ذكرهم زيادة واستدراكاً
стр. 1424
عليه صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين؟!
الخامس: فإنْ قلتَ: إنما استدللتُ بالحديث لقوله – ﷺ : "قولوا: اللهم صل على محمد ... "، فعَمَّ ولم يخص صلاة ولا غيرها.
فأقول: هذا العموم المزعوم أنت أول مخالف له، لأنه يستلزم الصلاة عليه – ﷺ بهذه الصلوات الِإبراهيمية كلما ذكر ﵊، وما رأيتك فعلت ذلك ولو مرة واحدة في خطبة كتاب أو في حديث ذكر فيه النبي – ﷺ ، ولا عَلِمْنَا أحداً من السَّلَف فعل ذلك، والخير كلُّه في الإتباع، والسرُّ في ذلك أنَّ هذا العمومَ المُدَّعى إنما هو خاصٌّ بالتشهُّد في الصلاة كما أفادَتْهُ بعضُ الأحاديث الصحيحة، ونبَّه عليه الِإمامُ البيهقيُّ فيما ذكره الحافظ في "فتح الباري " (١١/١٥٤- ١٥٥- الطبعة السلفية) ، فَلْيراجِعْه مَن شاء، ولذلك كنت اخترتُ الصلاة عليه – ﷺ بهذه الصلوات الِإبراهيمية في كل تشهُّد؛ وسط وأخير، وهو نصّ الِإمام الشافعي كما تراه في "صفة الصلاة" (ص ١٨٥) مشروحاً.
وكيف يمكن أن يكون هذا الاستدلالُ صواباً وفيه ما سبق بيأنهُ من المخالفاتِ والمنكراتِ؟ مع أنه لم يَقُلْ أحدٌ من أهل العلم ببدعيّة ذكر الصحابة معه – ﷺ في الصلاة عليه تبعاً كما تزعم أنت، بل ما زالوا يذكرونهم في كُتُبهم سَلَفاً وخَلَفاً، كالِإمام الشافعي في "رسالته " على ما ذكره الحافظ السَّخَاوي في " القول البديع "، والرافعي والشِّيرازي والنَّووي وابن تيميّة وابن القَيِّم وابن حَجَر، وغيرهم كثير وكثير جداً لا يمكن حَصْرُهم، ما زال كل واحد منهم "يصلي على النبي – ﷺ في خطبة كتبه، يصلي على أصحابه معه " كما أفعل أنا أحياناً. اقتداءً بهم، وبخاصة أن الحافظ ابن كثير نقل في "تفسيره " الِإجماع على جوازه، ومع ذلك كُلِّه رميتني بسبب ذلك بدائك
стр. 1425
وبدَّعتني، أفهؤلاء الأئمّة مبتدعةٌ عندك! ويحَك، أم أنت تزن بميزانين وتكيل بِكَيْلين؟! وماذا تفولُ في أخيك الشيخ أحمد فإنّه أيضاً يفعل مثلي في خُطب بعض كتبه، مثل كتابه "مسالك الدلالة" ورسالته في القبض، أتراه مبتدعاً أيضاً؟ يمكن إن يكون كذلك في غير هذه المسألة، أمّا فيها فلا، وكذلك فعل أخوك الآخر المُسَمّى عبد العزيز في خطبة كتابه "التحذير" وكتابه "تسهيل المَدْرَج إلى المُدْرَج " أمبتدعٌ هو أيضاً؟! بل هو ما حَقَّقْْتَه أنت بذاتك في رسالتك " الأربعين الصدِّيقية" وخاتمة رسالتك الأخرى في " الاستمناء"! فما قولُ القراء في هذا الرجل المُتَقَلِّب كالحِرْباء؟!
وخلاصة الكلام في هذا المقام: أن الغُماري اتفق مع أخيه على استحباب ذكر كلمة (سيدنا) في الصلوات الِإبراهيمية، مع كونها زيادةً على تعليمه – ﷺ واستدراكاً عليه! وهو لا يجوزُ في صريح كلامه!!
وتفرَّد هو خلافاً لأخويه وجماهير العلماء من قبل ومناقضةً لنفسه- على إنكار ذكر الصحابة مع النبي في الصلاة عليه في الخُطبة، وزعم أنه بِدعة، وأنّي لِفعلي ذلك مبتدعٌ عنده! وهو يعلم أن النبيَّ – ﷺ كان يُصَلّي على أصحابه بمناسبات مختلفة، ومن ذلك حديث "كان إذا أتاه قومٌ بصدقتهم قال: " اللهم صلِّ عليهم "، فأتاه أبو أَوْفى بصدقتهِ فقال: "اللهم صَلِّ على آل أبي أوفى". رواه الشيخان وغيرهما، وهو مُخَرَّج في "الإِرواء" (٨٥٣)
وغيره. ولا دليل على أن ذلك من خصوصياته – ﷺ ، بل قد صح عن ابن عمر أنه كان يقول في الجنازة: "اللهم بارك فيه وصل عليه، واغفر له، وأورده حوض رسولك ... ". رواه ابن أبي شيبة في " المصنف " (١٠/٤١٤) ، وسنده صحيح على شرط الشيخين.
وبعد هذا كله، فإني أرجو أن يكون ظهر للقراء جميعاً من هو
стр. 1426
(المبتدع) ؟ وأنه يجوز لي أن أتمثل بالمثل السائر: "رمتني بدائها وانسلّت ".
ثم إني اعتذر إليهم، فقد طال البحث مع هذا الرجل في هذه المسألة وبيان جهله وزغله فيها أكثر مما كنت ظننت، ولكن لعلّ الأمر كما قال تعالى:
" وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ". ولعل من الخير أن يأخذ منه القراءُ مثالاً صالحاً لطريقة معالجة هذا الرجل لبعض المسائل الفقهية، ومبلغ علمه فيها، وصورةً عن أسلوبه في ردّه على من يخالفُه في الرأي، وكثرة نبزه إياه بشتى الألقاب، خلافاً لقول الله تعالى في القرآن: " وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ "، وحَسبك من ذلك عنوان كُتَيِّبه! وأما ما في جوفهِ مما قاء به فشيءٌ ما رأيتُه ولا سمعتُه من فاجر فاسق مثل رميه إياي ب (اللمز، والتجهيل، والسّفه، والوقاحة، والزعارّة، والعَرَامة القبيحة، والضلالة العمياء، والافتراء، والبهت، والكذب) ، وغير ذلك مما لا يُتَصَوَّرُ بذاءةً وفحشاً، مما لا فائدة للقارئ من نقل كلامه في ذلك إلّا الأسى والحزن على حال بعض العلماء في هذا الزمان، ولكن لا بُدَّ من نقل شيء منه حتى لا يظنَّ ظانٌّ ظنَّ السَّوْءِ، قال (ص ١٩) عامله الله بما يستحقُّ:
"وقد أخطأ من زَعَمَهُ وهابيّاً بل هو أعمقُ من الوهابيّين تعصُّباً وأشدُّ منهم تَعَنُّتاً، وأجمدُ على بعض النصوص بغير فهم، وأكثر ظاهرية من ابن
حزم، مع سلاطةٍ في اللسان، وصلابة في العناد لا تخطر بخلد إنسان، وهذا شعارُ أدعياء السنة والسلفيّة في هذا الزمان "!
قال:
"وَبَلَغنا عنه أنه أفتى بمنع إعطاء الزكاة للمجاهدين الأفغانيين نصرهم الله ... "، إلخ هرائه وافترائه. قال:
стр. 1427
"فما بالُ هذا الألبانيِّ المبتدعِ يُفَرّق بين المسلمين وُيضَلّل جمهورهم ... ولم يَبْقَ من المسلمين سنيٌّ إلا هو ومَنْ على شاكلتهِ من الحشوية والمُجَسِّمة الذين ينسبون إلى الله تعالى ما لا يليق بجلاله ".
أعودُ مرة أخرى لأقول: "سُبْحَانَكَ هذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ " و "إِفْكٌ مُبِيْنٌ ".
ولا مجالَ للردِّ عليك في هذه الفريات والأكاذيب سوى أَنْ أخاطبك بقول الله تعالى للمشركين واليهود: " قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ "
ولن تستطيعَ إلى ذلك سبيلاً، إلاّ إنِ استطاع المشركون واليهودُ أَن يأتوا ببرهأنهم!
وإنَّ من عدل الله تعالى وحكمتهِ في الظالم الفاسق من عباده أن يُجري على لسأنه ما يدلّ الناس على كذبه وبهتأنه، مثل قول الغُماري:
"وبَلَغنا ... "، فإنه مخالفٌ لصريح الآية: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... "، فلو أن الغُماريَّ كان مؤمناً حقاً لاستجاب لأمر ربه
ولتبين لهَ أن ما بلغه كذبٌ أيضاً وزورٌ، وهذا أقولُه إذا لم يكن هو مصدرَ هذه الفرية أيضاً، فإنها ليست بأخطر من سابقاتها! عامله الله بما يستحق، فإن الذي أفتيتُ به خلافُ ما ادّعاه (١) ، والله المستعان.
وقد يتساءلُ بعضُ القُرَّاءِ عن السبب الذي حمل هذا الغُماريَّ على ارتكاب كل هذه الرزايا والمخازي؟
فأقول: لا أعلم لذلك سبباً يُذكر، إلّا عداءَه الشديدَ لأنصار السنة والداعين إليها، والمعروفين في بعض البلاد ب (السلفيّين) . فهو يبغضهم بُغضاً شديداً، ويحقد عليهم حقداً بالغاً، فهو عليهم (أحقد من جَمَل) كما
стр. 1428
جاء في المَثَل، ولذلك رماهم بالحشوية وبالتجسيم، كما فعل أسلافهُ من الجهميّة والمُعَطّلة منذ القديم، وخَصّني أنا من بينهم فاتّهمني بمختلف
الأكاذيب، وبالتفريق والتضليل! وما نقلته عنه من التُهم دليلٌ واضحٌ على أنَ هذا إنما هو صمْتُه، فالله حسيبُه.
ولعلَّ القراء يلاحظون معي اتفاق هدفِ الغُماري هذا، مع هدف ذاك الوزير الصوفي في التهويش، وإثارة الناس على السَّلفيين عامة، وعَلَيَّ
خاصة، وفي هذه السنة بالذات، فهل كان ذلك عن اتفاق سابق بينهما في مكان ما، كما قال : " أَتَوَاصَوْا بِهِ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ "،أم الأمر كما قال في آيةٍ أخرى: " تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ "؟!
وفي اعتقادي؛ أن الذي حمله على أنْ خَصَّني بتلك الحملة الشَّعْواء العمياء أنني كنت انتقدتُه لأوّل مناسبةٍ عَرَضتْ لي، وذلك في مُقَدّمتي لرسالة العز بن عبد السلام: "بداية السُّول في تفضيل الرسول – ﷺ "، في بعض ما علّقه هو عليها من قبل، فلما وقف على نقدي هذا، وتبيّن له صوابُه، لم يَسَعْهُ إلا أن يعترفَ ببعضه، ولكنْ بطريقةٍ خبيثةٍ، يُخفي بها على القُرَّاءِ أنه مما استفاده من نقدي! وسكت عن بعض وزاغ عنه، فلم يتعرّض له بذكر! ولا يخفىِ على القراء، أن معنى ذلك أنه معترفٌ أيضاً بصواب نقدي إياه فيه أيضاَ، وأنه حقٌّ، ولكنه مع ذلك فقد كتمه، فَصِفَةُ مَنْ تكونُ هذهِ يا أيّها الغُماري؟، والله يقولُ في كتابه:
وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ". وقال: " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون "؟!
وفي بعضِ آخر زاغ عن الحقّ، وجادل بالباطل، وبطريقةٍ فيها الكثيرُ من اللفّ والدَّوَرانَ.
стр. 1429
ولا بُد لي من بيان ذلك ولو طال بنا الكلام، فإنه هو المقصود من الرد على هذا الرجل في هذه المقدمة، وما قبله كان من قبيل التوطئة له، والله
المستعانُ.
وقبل الشروع في ذلك، لا بأس من التنبيهِ على أن نقدي للغماري لم يكن فيه شيءٌ من التهجُّم عليه، ولا لَمَزْتُهُ بأشياءَ حصلت في تلك الرسالة كما
زعم في مقدمة كتَيِّبهِ الصغير، اللهمّ إلّا إن كان يَعُدُّ الردَّ العلميَّ، وبيانَ أوهامِ مَنْ يُخَلِّط في هذا العلم، تَهَجُّماً وَلَمْزاً. فقد فعلتُ ذلك، وهو شأنُ أهلِ العلم دائماً، كما قال مالكٌ رحمه الله تعالى: "ما منّا من أحدٍ إلا رَدَّ ورُدَّ عليه إلا صاحب هذا القبر- ﷺ – "، فكيف إذا كان المردودُ عليه من أهل الأهواء يَدّعي ما لا علم له به؟ كهذا الرجل المعجب بعلمه الذي سمح لمن طبع رسالته في الكبائر أن يُلَقِّبه ب (الِإمام الحافظ) ! بل قال هو عن نفسه في مقدمتها! أنه تمكن في علم الأصول، وَبَرَّز فيه على الشيوخ؛ بله الأقران!
وقال فيها مُتَعالياً على العلماء:
"وهذا بحثٌ مهمّ، يجهله كثيرٌ من أهل العلم "!
عجيبٌ - والله- أمرُ هذا الرجل، يتبجّح بكل هذا، ثم يرميني به دون ما خجل أو حياء. انظر كتيبه الصغير (ص ١٢) .
ومناقشتي إياه- فيما تقدم- حول استحبابه زيادة كلمة (سيدنا) في الصلوات الِإبراهيمية، واستنكاره الصلاة على الصحابة، قد بَيَّنْتُ للقراء
مَبْلَغَهُ من العلم ومعرفتَه بالفقه، وأنه دَعِيٌّ في هذا التبجُّح ونحوه، والآن أبد! - بإذنه تعالى- ببيان ما وعدتُ به آنفاً، وشرح موقفه تجاه نقدي السابق إياه، وبذلك يظهرُ أيضاً للقراء جميعاً أنَّ علمه في الحديث وأصوله، كعلمه في الفقه وأصوله، ولولا تلك الأكاذيبُ والأباطيلُ التي رماني بها لما استحسنتُ
стр. 1430
أن أَذكَرَ القراء بقول الشاعر في مثله وهو يصدق عليه:
زَوَامِلُ للَأشْعارِ لا عِلْمَ عِنْدهم *** بجَيدها إلا كعلم الَأبَاعرِ
لَعَمْرُكَ مايَدْري البعيرُ إذا غَدَا *** بَأحمالهِ أَوْراح مافي الغَرَائرِ
لفد كان نقدي على الغُماريِّ محصوراً في خمسة مواضيعَ، ألَخِّصُها هنا بما يلي:
الأول: أنه لا يُعْنى ببيان مرتبة الأسانيد والأحاديث من صِحّة أو ضعف إلا نادراً، مع أن ذلك هو المقصودُ من التخريج.
الثاني: أنه يعتمد على تحسين الترمذي، وظنّي به أنه يعلم تساهله فيه ...
الثالث: إهماله تخريج بعض الأحاديث، ولعلّ ذلك كان سهواً منه، بعضها في "الصحيحين ".
الرابع: يعزو بعض الأحاديث لغير المشاهير كأصحاب "الصحاح " و"السنن ".
الخامس: تقويته لحديث ابن مسعود: "الخلق كلهم عيال الله ... "
بقوله: "إسناده جيد"! مع أنَّ فيه متروكاً، وكحديث: "أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب ". فإنه قال: "حديث ضعيف، خلافاً لقول الذهبي: إنه
موضوع ".
فماذا كان جوابُ الغُماري على نقدي هذا؟ لم تُساعده نفسه الأمّارة بالسوء على الِإجابة العلمية الهادئة، فقد افتتح الجواب باتّهامه إياي ببعض تُهمه الكثيرة المُتَقَدّمة، فزعم أنّني تهجّمتُ عليه وَلَمَزْتُه! وهذا كذبٌ واضحٌ لمن تأمّل تأدُبي معه وتَلَمُسي له العذر بقولي: "وظنّي به أنه يعلم ... "،
стр. 1431
وقولي: "ولعلّ ذلك كان سهواً"، فضاع- مع الأسف- الأدبُ معه، وجزاني جزاء سِنِّمار!
وإليك الآن جوابَه عن تلك المواضيع، لتزدادَ معرفةً بعلمهِ في هذا المجال أيضاً، وبخُلُقه كذلك:
١- لقد اعترف بما ذكرتُه ولم يحاولِ الزَّوَغان عنه - كما هي عادتُه - ولكنه سوّغ ذلك بقوله:
"لم أُبَيِّن الأسانيد، لأنّ الرسالةَ في الفضائل النبوّية، ولتلكَ الأحاديث ما يُؤيّدها من القرآن والسنة الصحيحة. على أن ممّا قرره العلماء ... جواز
العمل بالحديث الضعيف، في الفضائل والترغيب ما لم يكن موضوعاً ... ".
وجواباً عليه أقولُ:
أولَاَ: هذا عذرٌ أقبحُ من ذنب كما يُقال، لأنّ كون الأحاديث في الفضائل ... كما زعمتَ، لا يمنعك- لو استطعت - من بيان مراتبها كما لم يَمْنَعْك ذلك من تخريج الكثير منها.
ثانياً: لقد أَثْبَتُّ لك إنّ هذا الذي فعلتَه هو من باب الاشتغال بالوسيلة عن الغاية، وأنّ ذلك ليس من شأَن المتمكن في هذا العلم الشريف.
وضربتُ لك هناك مثلاً بالذي يتوضّأ ثم لا يُصَلّي. فما بالُك أعرضتَ عن الجواب عنه، ولم تَنْبس ببنت شَفة حوله؟! أليس هذا اعترافاً منك أنك لست منهم؟!
ثالثاً: أمّا استرواحُك إلى ما نَسَبْتَه للعلماء من جواز العمل بالضعيف فيٍ الفضائل، فهو من خَلْطك وزَوَغانك الذي عُرِفْتَ به في ردودك، وبيان ذلك من وجهين:
стр. 1432
الأول: أن ذكر الحديث الضعيف دون بيان ضعفه شيء، والعمل به شيء آخر، كما هو ظاهرٌ بداهةً، فإنّ العُلَماءَ ﵏ وإن اختلفوا في جواز العمل بالحديث الضعيف في الفضائل على تفصيلٍ يأتي ذِكْرُهُ أو الِإشارةُ إليه، فإنه لا قائلِ مطلقاً بوجوب العمل به، بخلاف ذكره دون بيان
ضعفه؛ فإنه لا يجوزُ بداهةَ، لأنّ الذي يفعلُ ذلك - كالشيخ الغُماري مثلاً - له حالةٌ من حالتين لا ثالث لهما:
الأولى: إن يعرفَ ضعفه ثم لا يُبَيِّنه. فهذا لا يجوزُ لما فيه من إثم كتمانِ العلم، وإيهام من لا علم عنده- وهم جمهورُ المسلمين خاصّتهم وعامّتهم- صحتَه، وهو مما صرح الإِمام مسلم في مقدمة "صحيحه " بعدم جوازه، وكنت نقلتُ نصَّ كلامه وكلام غيره من الأئمة في مقدمة كتابي
"الأحاديث الضعيفة والموضوعة"، ومقدمة كتابي "صحيح الترغيب والترهيب "، فليرجع إليهما من شاء البَسْط.
والأخرى: أن لا يعرفَ ضعفَه؛ لجهله بهذا العلم، كما هو الغالبُ على أكثر الناس وبخاصة في هذا الزمان، وإمّا لعدم توفر الأسباب التي تُيَسِّر له معرفةَ ضعفهِ، ففي هذه الحالة ينبغي له أن يُشير إلى ذلك بصيغة التمريض: "رُوي عن رسول الله – ﷺ كذا وكذا"، كما ذكر ذلك ابن الصلاح وغيره، وفي رأي أنه لا بُدَّ من التصريح اليوم بواقع الأمر، كأن يقولَ:
"رُوي ... ولا أدري أثابت هو أم لا؟ "، أو يقول: "وهو ضعيف، أو ضعيف الإِسناد"، إذا كان يعلم ذلك. انظر تمام هذا البحث في مقدمة "صحيح
الترغيب " (ص ٢١- ٢٢) .
قلت: فالغُماري إما أنْ يعلمَ ضعف تلك الأحاديث الضعيفة وَسكَتَ عنها فهو آثمٌ. وإما أن لا يعلمَ، فعليه أن يعترف بذلك، ولا يدافع عن جهله
стр. 1433
فيركن إلى قول من قال: يجوز العمل بالضعيف، في فضائل الأعمال! فإنه زَوَغانٌ منه عن البحث كما بَيَّنْتُ آنفاً، على أنه حُجَّة عليه لو كان يعلم، وبيأنه فيما يأتي بإذنه ﵎.
الثاني: أنك حكيت عن الذين أجازوا العَمَلَ بالحديث الضعيف في الفضائل في أثناء تسويغك لعدم بيانك لضعف أحاديثك ما هو حُجَّةٌ عليك لو
كنتَ تدري "، يخرج من فمك، ويجري به قلمُك، فقد ذكرتَ عنهم (ص ٤) أنهم اشترطوا لجواز العمل به شروطاً منها:
١- أن لا يشتدَّ ضعفُ الحديث.
٢.- وأن لا يُعتقد ثبوتُه عن النبي – ﷺ .
وهذا منهم شيءٌ جيد جداً، جزاهم الله خيراً، وإن كان تحقيقُ ذلك عسيراً جداً على العلماء فضلاً عن غيرهم من العامّة ومُدَّعي العلم، بحيث
صارت تلك الشروطُ نظريةً غيرَ واقعيةٍ كما حَقَّقْتُ ذلك في مقدمة "ضعيف الجامع الصغير" (ص ٤٧- ٥١) ، و "صحيح الترغيب " (٣٤- ٣٦) ،
وضربتُ بعض الأمثلةِ وَقَعَتْ لبعضِ العُلَماءِ قَبْلَنا، وأذكرُ الآن أمثلةً أخرى صدرت من الغُماري هذا:
١- "مَنْ جمع بين صلاتين فقد أتى باباً من أبواب الكبائر ".
هكذا أورده في "تنوير البصيرة" (ص ٦٢) وقال:
"ضعيف ".
وإنما هو ضعيفٌ جداً كما قال الحافظُ ابنُ حجر، فيه حَنَش بن قيس وهو متروكٌ، وقد بَيَّنْتُ ذلك في "الضعيفة" (٤٥٨١) .
٢- "ليس منا من خصى أو اختصى، ولكن صُمْ وَوَفِّرْ شَعْرَ جَسدِك ".
стр. 1434
قال الغماري في "الاستمناء" (ص ٣٠) :
"رواه الطبراني بإسناد ضعيف "!
وأقول: بل هو موضوعٌ، فيه المُعَلّى بن هلال الطَّحّان قال الحافظ:
"اتفق النُّقَّاد على تكذيبه "!
ولذلك أوردته في هذا المجلد من "الضعيفة" (١٣١٤) ، وذكرت فيه قول الهيثمي في الطحان هذا:
"متروك ".
ورددت فيه على من حَسّنه غفلةً عن علّتهِ، أو توهُّماً أن له طريقاً أخرى، وإنما هو حديثٌ آخرُ! كما ستراه مُفَصَّلاً بإذنه تعالى.
ثم رأيتُ الغُماري قد أورد الحديث في كتابه الذي سماه "الكنز الثمين " (رقم ٣٢٠٥) ، وقد صرح في مقدمته (ص ٤) :
"أنه ليس فيه أحاديثُ ضعيفةٌ أو واهيةٌ ".
فأقول: قد تبيّن لي أنه غير صادق فيما قال، وهذا هو المثال بين يديك، والسبب تقليدُه للمناوي وغيره، وهو مما اتهمني به في كُتَيِّبهِ الصغير (ص ٤) ، فقد عاد إليه، وهذا من عدل الله وحكمته في عباده كما قيل: "من حفر بئراً لأخيه وقع فيه "! وقد كنتُ تَتَبَّعْتُ أحاديثَ حرف الألف من كتابه المذكور " الكنز"، فوجدتُ فيه نحو مائتي حديث ضعيف أو موضوع من أصل (١٤٠٢) حديثاً، ولو أنّ في الوقت مُتَسَعاً، لوضعتُ عليه كتاباً أُبَيِّنُ فيه تلك الأحاديث وغيرها مما وقع له من الضِّعاف في بقيّةِ أحرف الكتاب، فقد وجدته فيه كالسيوطي في "الجامع الصغير"، الذي قال في مقدمته: أنه صأنه عمّا تفرد به كذّابٌ أو وضّاعٌ، ثم لم يَفِ بذلك، كما تراه مفصلاً في "ضعيف
стр. 1435
الجامع الصغير" ومقدمته، ومن ذلك هذا الحديث، ومن "الجامع " نقله الغُماري دون أي جهد منه أو تحقيق، ولذلك وقع منه هذا التناقض الفاحش الشديد: "ضعيف "، "صحيح "، وليس ذلك من قبيل اختلاف الاجتهاد، كما يقع ذلك لبعض العلماء، لأسباب معروفة، وإنما أتي من قِبَلِ رُكونهِ إلى التقليد، وجنوحه عن البحث والتحقيق، وإلا فكيف يمكن لباحثٍ عارفٍ بهذا العلم أن يُضَعِّف فقط، بله أن يُصَحِّح حديثاً فيه من اتّفَقَ النفاد على تكذيبه؟! وليس له طريقٌ أُخرى!
٣- "ركعتان بعمامة خير من سبعين ركعة بلا عمامة".
ذكره الغُماري في رسالته "إزالة الالتباس " (ص ٢١) في أول أحاديثَ ستّة استدلّ بها القائلون بأنّ ستر الرأس من آداب الصلاة، ولكنّ الغُماري
وهّاها كلها في صدد رَدّهِ عليهم، فإنه لا يرى أن ذلك كما قالوا، إلّا أنه قال في هذا الحديث:
"رواه ابو نعيم والدَّيْلمي، قال الحافظ السَّخَاوي: لا يثبت. وقال المُناوي: حديث غريب. قلت: وهذا الحديث مع ضعفهِ أقوى ما وَرَدَ في
هذا الباب "!
كذا قال! تقليداً منه أيضاً للمُناوي في "فيض القدير" و"التيسير"، وقد فاتهما أن فيه أحمد بن صالح الشُّمومي المكي كان يضع الحديث، ولعلهما توهما أنه أحمد بن صالح المصري الحافظ الثقة. وفي إسناده علّتان أخريان، وقد بيّنت ذلك كُلَّه في المجلد الثاني عشر من هذه السلسلة رقم (٥٦٩٩) .
والغرض مما سبق أمران اثنان:
الأول: أن يكونَ طالبُ العلم على انتباهٍ وحذرٍ من حكم الغُماري أو
стр. 1436
غيره من المُتَساهلين أو المقَلّدين والجاهلين على الحديثِ بالضعفِ المطلق غير مقرونٍ ببيان شدّة الضعفِ، وُيرَتّب عليه جواز العمل به في الفضائل، وهو في الواقع واهٍ شديدُ الضعف، لا يجوز العمل به اتفاقاً.
والآخر: أن الشرط الأول الذي تقدّم ذِكْرُهُ عن الغُماري يستلزم أمرين اثنين:
بيانَ ضعفه، وأنه ليس شديد الضعف.
وبيان ذلك أن الغُماري إذا ذكر حديثاً ما وهو يعلم- فَرَضاً- أنه ضعيفٌ، وسكت عنه، ولكنْ من أين للقُرَّاء أن يعرفوا ضعفه عنده، وقد كتمه
عنهم؟! فهم- والحالةُ هذه- سيعملون به ظانّين أنه ثابتٌ لسكوته عليه، كما هو واقعٌ معروفٌ من عامة الناس، فلهذا يجبُ بيأنهُ، تفريقاً بين الضعيف
والقوي اعتقاداً وعملاً، وهذا ما صرّح به الحافظ ابن حَجَر عقب الشرط الأول، فقال في "تبيين العَجَب بما ورد في فضل رَجَب " (ص ٢١) :
"وينبغي مع ذلك اشتراطُ أن يعتقد العاملُ كونَ ذلك الحديث ضعيفاً، وأن لا يُشهر ذلك، لئلا يعمل المرءُ بحديث ضعيف، فَيُشَرِّعُ ما ليس بشرع،
أو يراه بعض الجهال فيظنّ أنه سنةٌ صحيحةٌ، وقد صرّح بمعنى ذلك الأستاذ أبو محمد بن عبد السلام وغيره، وليحذر المرء من دخوله تحت قوله – ﷺ :
"من حدّث عني بحديث يُرَى أنه كذبٌ فهو أحدُ الكَذَّابين "، فكيف بمن عمل به؟! ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو في الفضائل، إذ الكل شرع ".
قلت: وهذا الشرط مما تعمّد الغُماري طيَّه وكتمانَه أيضاً عن قُرَّائه، لأنه يعلم أنه يُدان به أكثر من الشرطين السابقين، وُيؤكّد ما قلتُ من وجوب بيان ضعف الحديث حتى لا يعمل به كما لو كان ثابتاً.
стр. 1437
وبذلك يتجلّى للقُرّاء أنّ اعتذار الغُماري عن سكوته عن تلك الأحاديث الضعيفة بدعوى أنها في الفضائل، أنه- صما لسبى- عذرٌ أقبح من ذنب، ومُكابرةٌ عن الاعتراف بالحقّ، وهو الكِبْر الذي من كان شي قلبه ذَرَةٌ منه لا يدخل الجنة كما صَحَ عن ﷺ .
فالله أسألُ أن يُطهّر قلوبنا من الشقاق والنفاق، وسوء الأخلاق.
وفي ردِّ الغُماري هنا أمورٌ أُخرى زلّت قَدَماه فيها؛ يطول الكلام حولها جداً، وبخاصة في هذه المقدمة، وهو مَيْلُهُ إلى العمل بالحديث الضعيف في
الأحكام أيضاً! ويزعم أنه كان في زاويته الصدِّيقية يلفت أنظار الطلبة إلى الأحاديث الضعيفة التي عمل بها الأئمة أو الجمهور وهي ضعيفة مع علمهم
بضعفها.
فتأمل أيها القارىء إلى هذا المفتري على الأئمّة، كيف يُضَلِّلُ طلبتَه وقُراءَه بمثل هذا الكلام المُضَلّل، فإنه يعلم أن عملهم بالحديث الضعيف يحتمل أن يكون لمطابقته لما يجوز الاستدلال به عند فِقْدانِهم الحديثَ كالقياس مثلاً، أو نحوه ممّا يقول به بعضُهم، فكيف إذا كان معه عندهم حديثٌ ضعيفٌ؟! وقد ذكر هو نفسُه نحو هذا المعنى في رسالته في "الاستمناء لما (ص٣٥) ، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال، كما لا يخفى على ذوي العلم والكمال. كما تعلم أيضاً أن من المقرر عند علماء أصول الفقه والحديث أنه لا ئعمل به في الأحكام (١) . وقد ذكر هذا هو نفسُه في الصفحة المذكورة، ولكنه عاد لينقض ذلك بقوله (ص ٣٧) : "وقولهم: الحديث لا يُعمل به في الأحكام هو مما خالف فيه العلماءُ قولَهم، ذلك أنهم استدلّوا في كتبهم بكثير من الأحاديث الضعيفة ... "، إلى آخر ما قال، وبئسَ ما قال،
стр. 1438
فإنه يَتَّهم عُلماء الحديث والأصول جميعاً بأنهم يقولون بخلاف ما يفعلون!
وتالله إن رأيتُ مثل هذا الرجل بَهْتاً وافتراءً وقِلَّةَ حياءٍ، فلقد هانت عندي كلُّ افتراءاته عَلَيَّ.- التي سبق أن ذكرتُ بعضها- حين رأيت اتِّهامَه المذكور للعُلماءِ دون أي استثناء، وما ذلك إلا لِيَتَّخِذَ فِعْلَهم- إنْ ثَبَتَ- حُجَّةً له فيما ذهب إليه من الجواز. والحق والحقَّ أقول: هو الذي يفعل بخلاف ما يقول، فكثيراً ما يردُّ الحديث الذي عند خصمه بضعف إسناده كما فعل في حديث "صلاة بعمامة ... " المُتَقدّم، فإنه لم يعمل به مع أنه موافقٌ لقوله في العمل بالحديث الضعيف في الفضائل والأحكام، فهذا من الأدلّة الكثيرة على أنه يكيلُ بكيلين، ويلعبُ على الحبلين.
ومن تلك الأمورِ التي زَلَّ فيها الغُماريُّ المغمورُ قوله:
"والجمهورُ الذين أجازوا العمل بالضعيف في الفضائل ونحوها اقتدوا بصنيع الشارع حيث تجاوزَ في الفضائل ما لم يتجاوزْ في الفرائض
والأحكام. وإليك أمثلةً من ذلك ... ".
ثم ساق سبعةً منها كلُّها تدورُ حول إباحتهِ تعالى على لسان نبيِّه في النوافل ما لم يَبح لهم في الفرائض!
فأقول: هذا من تدليساتهِ ومُغالَطاتهِ الخبيثة، إذ إِنَّ التجاوز الذي في هذه الأمثلة ونحوها لا يعني الاستحبابَ المقصودَ من قول القائلين بجواز العمل بالحديث الضعيف ... لأنهم إنما يَعْنونَ الاستحبابَ، أي أنّ العمل به أفضلُ من تركه، وليس الأمرُ كذلك في الأمثلة التي أوّلها صلاة النافلة؛ من قعود مع القُدرة على القيام، فهذا جائزٌ وليس بمستحبّ، بل المستحبّ أن يُصلي قائماً، وكذلك القول في سائر أمثلته. فسقط كلامه بِرُمَّتهِ.
ثم لو صحَّ كلامُه في الفضائل فما فائدته وهو يقول بما هو أكثر وأدهى
стр. 1439
وأَمَرّ، وهو جوازُ العمل بالحديث الضعيف في الأحكام أيضاً؟!
لعلّه يُقدم لِلْقُراء مَدْرَكاً أيضاً لهذا القول لم يعرفه الأوّلون والآخِرون، كما فعل في الذي قبله مُتَجاهلًا مَدْرَكَ العلماء الذين قالوا بعدم جواز العمل بالضعيف في الفضائل بله الأحكام، وهو أنّ الحديث الضعيف لا يُفيد إلاّ الظن المرجوح، والعمل بالظنّ المرجوح لا يجوزُ بأدلّة معروفة في الكتاب
والسنة، بل ذلك من عمل المشركين الذين قال فيهم ربُّ العالمين: "إِنْ يَتَّبِعُوْنَ اِلَّا الظَّنَّ وما تَهْوَى الَأنْفُسُ "، "إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً"، وهو أكذب الحديث، وقد نهى النبي ﷺ عن العمل به في الحديث الصحيح: "إياكم والظنَ فإنَ الظنَ أكذبُ الحديث ". (انظر مقدمة "صفة صلاة النبي ﷺ " و"صحيح الترغيب "، و "صحيح الجامع "، و"ضعيف الجامع ") ، فإنَ فيها بَسْطاً وافياً للموضوع.
فتجاوز المَغْمور كلَّ هذه الأدلّةِ وأعرض عنها إلى رأيه الفَجّ، وهو يعلم قول أهل العلم جميعاً: "لا اجتهادَ في مورد النصّ "، و"إذا ورد الأثر بَطَلَ النظر"، ولكنْ ما قيمةُ قولهم تجاه من ابتلي باتِّباع الهوى، وقلب الحقائق ولم يَخْشَ الله ﵎!؟ نسألُ الله السلامةَ.
ولقد قَفّ شعري- والله- من قوله: "اقْتَدوا بصنيع الشارع "! فإنَّ التشريع من أفعالهِ تعالى الخاصة به، فليس لأحدٍ أن يصنعَ صُنْعَه، وُيشَرِّعَ للناس ما لم يشرعه " أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه ".؟! فهل يعني المغمورُ بقوله هذا: أنه يجوز لغيره تعالى أن يقتدي به وُيشَرِّع للناس مثلَ تشريعه، أم أنّ الهوى أعمى قلبه فنطق بكلمةِ الكُفْر، وما قَدَرَ الله حقَّ قدرهِ؟!
بقي شيءٌ واحدٌ مضى من كلامه لم نتعرّض له بِرَدٍّ، وهو قوله:
стр. 1440
"ولتلك الأحاديث (يعني الضعيفةَ التي سكت عن بيانِ ضعفها) ما يُؤٍّيدُها من القرآن والسنة"!
هذه مجرّد دعوى، يستطيعها البَطَلَة، ولا يعجزُ عنها أصغر الطَّلَبة، ولو كانوا من المُتَخَرِّجين من الزاوية (!) فلا تستحقّ الردّ ولو بكلمة.
وبهذا ينتهي رَدّي على جوابه عن نقدي الأول إياه، فلننقل إلى القُرّاء جوابَه عن نفدي الثاني له، وهو اعتماده على تحسين الترمذي مع تساهلهِ
فيه. فقد قال:
٢- "لم أَعْتمد على تحسين الترمذي في تلك الرسالة إلا مؤَّةً أو مَرتَيْنِ على الأكثر، ولم يكن تقليداً بل إقرارٌ له لأنه صوابٌ ".
أقول: هذا كسابقهِ مُجَرّد دعوى، فهي مردودةٌ، ولو كان صادقاً لسَارَعَ إلى الدفاع عن نفسه بالدليلِ والحُجَّة، فإنه في موضعِ التُّهمةِ، فلماذا لا يدفعُها عن نفسه إنْ كان قادراَ عليها؟! وذلك بأن يأتي بحديثٍ من الأحاديث التي أشارَ إليها وُيبَيِّن وجه الصواب في تحسينه.
ومن المؤسف أن رسالة "بداية السول " بتعليقه ليست الآن في متناول يدي، لنؤكّد للقُرَّاء أنه غيرُ صادقٍ فيما يَدّعيه، بمثال ننقلُه منها، ولكنْ من الممكن التمثيل بحديث عرض مفاتح كنوز الأرض على النبي ﷺ -واختياره أن يكون نبياً، وفيه أنه قال: "أجوعُ يوماً وأشبعُ يوماً ... " الحديث، فإنه في الرسالة (الفقرة ٢٩- بتحقيقي) ، وهو مما حسّنه الترمذي، وقد بيّنت في تعليقي عليها أنّ إسناد الترمذي وأحمد وغيرهما ضعيفٌ جداً، وذكرت له بعض الشواهد، لكن ليس فيها ذكر الجوع والشبع، وانتهيتُ فيه إلى أن هذه الزيادة منكرة، فإن كان هذا الحديثُ مما عناه الغماري فىِ جوابه المتقدم، وإلا فهو قد اعتمد على الترمذي في تحسينه إياه في كتاب آخرَ له، وهو الذي سماه "الكنز الثمين "