غيره من المُتَساهلين أو المقَلّدين والجاهلين على الحديثِ بالضعفِ المطلق غير مقرونٍ ببيان شدّة الضعفِ، وُيرَتّب عليه جواز العمل به في الفضائل، وهو في الواقع واهٍ شديدُ الضعف، لا يجوز العمل به اتفاقاً.
والآخر: أن الشرط الأول الذي تقدّم ذِكْرُهُ عن الغُماري يستلزم أمرين اثنين:
بيانَ ضعفه، وأنه ليس شديد الضعف.
وبيان ذلك أن الغُماري إذا ذكر حديثاً ما وهو يعلم- فَرَضاً- أنه ضعيفٌ، وسكت عنه، ولكنْ من أين للقُرَّاء أن يعرفوا ضعفه عنده، وقد كتمه
عنهم؟! فهم- والحالةُ هذه- سيعملون به ظانّين أنه ثابتٌ لسكوته عليه، كما هو واقعٌ معروفٌ من عامة الناس، فلهذا يجبُ بيأنهُ، تفريقاً بين الضعيف
والقوي اعتقاداً وعملاً، وهذا ما صرّح به الحافظ ابن حَجَر عقب الشرط الأول، فقال في "تبيين العَجَب بما ورد في فضل رَجَب " (ص ٢١) :
"وينبغي مع ذلك اشتراطُ أن يعتقد العاملُ كونَ ذلك الحديث ضعيفاً، وأن لا يُشهر ذلك، لئلا يعمل المرءُ بحديث ضعيف، فَيُشَرِّعُ ما ليس بشرع،
أو يراه بعض الجهال فيظنّ أنه سنةٌ صحيحةٌ، وقد صرّح بمعنى ذلك الأستاذ أبو محمد بن عبد السلام وغيره، وليحذر المرء من دخوله تحت قوله – ﷺ :
"من حدّث عني بحديث يُرَى أنه كذبٌ فهو أحدُ الكَذَّابين "، فكيف بمن عمل به؟! ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو في الفضائل، إذ الكل شرع ".
قلت: وهذا الشرط مما تعمّد الغُماري طيَّه وكتمانَه أيضاً عن قُرَّائه، لأنه يعلم أنه يُدان به أكثر من الشرطين السابقين، وُيؤكّد ما قلتُ من وجوب بيان ضعف الحديث حتى لا يعمل به كما لو كان ثابتاً.
стр. 1437
وبذلك يتجلّى للقُرّاء أنّ اعتذار الغُماري عن سكوته عن تلك الأحاديث الضعيفة بدعوى أنها في الفضائل، أنه- صما لسبى- عذرٌ أقبح من ذنب، ومُكابرةٌ عن الاعتراف بالحقّ، وهو الكِبْر الذي من كان شي قلبه ذَرَةٌ منه لا يدخل الجنة كما صَحَ عن ﷺ .
فالله أسألُ أن يُطهّر قلوبنا من الشقاق والنفاق، وسوء الأخلاق.
وفي ردِّ الغُماري هنا أمورٌ أُخرى زلّت قَدَماه فيها؛ يطول الكلام حولها جداً، وبخاصة في هذه المقدمة، وهو مَيْلُهُ إلى العمل بالحديث الضعيف في
الأحكام أيضاً! ويزعم أنه كان في زاويته الصدِّيقية يلفت أنظار الطلبة إلى الأحاديث الضعيفة التي عمل بها الأئمة أو الجمهور وهي ضعيفة مع علمهم
بضعفها.
فتأمل أيها القارىء إلى هذا المفتري على الأئمّة، كيف يُضَلِّلُ طلبتَه وقُراءَه بمثل هذا الكلام المُضَلّل، فإنه يعلم أن عملهم بالحديث الضعيف يحتمل أن يكون لمطابقته لما يجوز الاستدلال به عند فِقْدانِهم الحديثَ كالقياس مثلاً، أو نحوه ممّا يقول به بعضُهم، فكيف إذا كان معه عندهم حديثٌ ضعيفٌ؟! وقد ذكر هو نفسُه نحو هذا المعنى في رسالته في "الاستمناء لما (ص٣٥) ، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال، كما لا يخفى على ذوي العلم والكمال. كما تعلم أيضاً أن من المقرر عند علماء أصول الفقه والحديث أنه لا ئعمل به في الأحكام (١) . وقد ذكر هذا هو نفسُه في الصفحة المذكورة، ولكنه عاد لينقض ذلك بقوله (ص ٣٧) : "وقولهم: الحديث لا يُعمل به في الأحكام هو مما خالف فيه العلماءُ قولَهم، ذلك أنهم استدلّوا في كتبهم بكثير من الأحاديث الضعيفة ... "، إلى آخر ما قال، وبئسَ ما قال،
стр. 1438
فإنه يَتَّهم عُلماء الحديث والأصول جميعاً بأنهم يقولون بخلاف ما يفعلون!
وتالله إن رأيتُ مثل هذا الرجل بَهْتاً وافتراءً وقِلَّةَ حياءٍ، فلقد هانت عندي كلُّ افتراءاته عَلَيَّ.- التي سبق أن ذكرتُ بعضها- حين رأيت اتِّهامَه المذكور للعُلماءِ دون أي استثناء، وما ذلك إلا لِيَتَّخِذَ فِعْلَهم- إنْ ثَبَتَ- حُجَّةً له فيما ذهب إليه من الجواز. والحق والحقَّ أقول: هو الذي يفعل بخلاف ما يقول، فكثيراً ما يردُّ الحديث الذي عند خصمه بضعف إسناده كما فعل في حديث "صلاة بعمامة ... " المُتَقدّم، فإنه لم يعمل به مع أنه موافقٌ لقوله في العمل بالحديث الضعيف في الفضائل والأحكام، فهذا من الأدلّة الكثيرة على أنه يكيلُ بكيلين، ويلعبُ على الحبلين.
ومن تلك الأمورِ التي زَلَّ فيها الغُماريُّ المغمورُ قوله:
"والجمهورُ الذين أجازوا العمل بالضعيف في الفضائل ونحوها اقتدوا بصنيع الشارع حيث تجاوزَ في الفضائل ما لم يتجاوزْ في الفرائض
والأحكام. وإليك أمثلةً من ذلك ... ".
ثم ساق سبعةً منها كلُّها تدورُ حول إباحتهِ تعالى على لسان نبيِّه في النوافل ما لم يَبح لهم في الفرائض!
فأقول: هذا من تدليساتهِ ومُغالَطاتهِ الخبيثة، إذ إِنَّ التجاوز الذي في هذه الأمثلة ونحوها لا يعني الاستحبابَ المقصودَ من قول القائلين بجواز العمل بالحديث الضعيف ... لأنهم إنما يَعْنونَ الاستحبابَ، أي أنّ العمل به أفضلُ من تركه، وليس الأمرُ كذلك في الأمثلة التي أوّلها صلاة النافلة؛ من قعود مع القُدرة على القيام، فهذا جائزٌ وليس بمستحبّ، بل المستحبّ أن يُصلي قائماً، وكذلك القول في سائر أمثلته. فسقط كلامه بِرُمَّتهِ.
ثم لو صحَّ كلامُه في الفضائل فما فائدته وهو يقول بما هو أكثر وأدهى
стр. 1439
وأَمَرّ، وهو جوازُ العمل بالحديث الضعيف في الأحكام أيضاً؟!
لعلّه يُقدم لِلْقُراء مَدْرَكاً أيضاً لهذا القول لم يعرفه الأوّلون والآخِرون، كما فعل في الذي قبله مُتَجاهلًا مَدْرَكَ العلماء الذين قالوا بعدم جواز العمل بالضعيف في الفضائل بله الأحكام، وهو أنّ الحديث الضعيف لا يُفيد إلاّ الظن المرجوح، والعمل بالظنّ المرجوح لا يجوزُ بأدلّة معروفة في الكتاب
والسنة، بل ذلك من عمل المشركين الذين قال فيهم ربُّ العالمين: "إِنْ يَتَّبِعُوْنَ اِلَّا الظَّنَّ وما تَهْوَى الَأنْفُسُ "، "إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً"، وهو أكذب الحديث، وقد نهى النبي ﷺ عن العمل به في الحديث الصحيح: "إياكم والظنَ فإنَ الظنَ أكذبُ الحديث ". (انظر مقدمة "صفة صلاة النبي ﷺ " و"صحيح الترغيب "، و "صحيح الجامع "، و"ضعيف الجامع ") ، فإنَ فيها بَسْطاً وافياً للموضوع.
فتجاوز المَغْمور كلَّ هذه الأدلّةِ وأعرض عنها إلى رأيه الفَجّ، وهو يعلم قول أهل العلم جميعاً: "لا اجتهادَ في مورد النصّ "، و"إذا ورد الأثر بَطَلَ النظر"، ولكنْ ما قيمةُ قولهم تجاه من ابتلي باتِّباع الهوى، وقلب الحقائق ولم يَخْشَ الله ﵎!؟ نسألُ الله السلامةَ.
ولقد قَفّ شعري- والله- من قوله: "اقْتَدوا بصنيع الشارع "! فإنَّ التشريع من أفعالهِ تعالى الخاصة به، فليس لأحدٍ أن يصنعَ صُنْعَه، وُيشَرِّعَ للناس ما لم يشرعه " أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه ".؟! فهل يعني المغمورُ بقوله هذا: أنه يجوز لغيره تعالى أن يقتدي به وُيشَرِّع للناس مثلَ تشريعه، أم أنّ الهوى أعمى قلبه فنطق بكلمةِ الكُفْر، وما قَدَرَ الله حقَّ قدرهِ؟!
بقي شيءٌ واحدٌ مضى من كلامه لم نتعرّض له بِرَدٍّ، وهو قوله:
стр. 1440
"ولتلك الأحاديث (يعني الضعيفةَ التي سكت عن بيانِ ضعفها) ما يُؤٍّيدُها من القرآن والسنة"!
هذه مجرّد دعوى، يستطيعها البَطَلَة، ولا يعجزُ عنها أصغر الطَّلَبة، ولو كانوا من المُتَخَرِّجين من الزاوية (!) فلا تستحقّ الردّ ولو بكلمة.
وبهذا ينتهي رَدّي على جوابه عن نقدي الأول إياه، فلننقل إلى القُرّاء جوابَه عن نفدي الثاني له، وهو اعتماده على تحسين الترمذي مع تساهلهِ
فيه. فقد قال:
٢- "لم أَعْتمد على تحسين الترمذي في تلك الرسالة إلا مؤَّةً أو مَرتَيْنِ على الأكثر، ولم يكن تقليداً بل إقرارٌ له لأنه صوابٌ ".
أقول: هذا كسابقهِ مُجَرّد دعوى، فهي مردودةٌ، ولو كان صادقاً لسَارَعَ إلى الدفاع عن نفسه بالدليلِ والحُجَّة، فإنه في موضعِ التُّهمةِ، فلماذا لا يدفعُها عن نفسه إنْ كان قادراَ عليها؟! وذلك بأن يأتي بحديثٍ من الأحاديث التي أشارَ إليها وُيبَيِّن وجه الصواب في تحسينه.
ومن المؤسف أن رسالة "بداية السول " بتعليقه ليست الآن في متناول يدي، لنؤكّد للقُرَّاء أنه غيرُ صادقٍ فيما يَدّعيه، بمثال ننقلُه منها، ولكنْ من الممكن التمثيل بحديث عرض مفاتح كنوز الأرض على النبي ﷺ -واختياره أن يكون نبياً، وفيه أنه قال: "أجوعُ يوماً وأشبعُ يوماً ... " الحديث، فإنه في الرسالة (الفقرة ٢٩- بتحقيقي) ، وهو مما حسّنه الترمذي، وقد بيّنت في تعليقي عليها أنّ إسناد الترمذي وأحمد وغيرهما ضعيفٌ جداً، وذكرت له بعض الشواهد، لكن ليس فيها ذكر الجوع والشبع، وانتهيتُ فيه إلى أن هذه الزيادة منكرة، فإن كان هذا الحديثُ مما عناه الغماري فىِ جوابه المتقدم، وإلا فهو قد اعتمد على الترمذي في تحسينه إياه في كتاب آخرَ له، وهو الذي سماه "الكنز الثمين "
стр. 1441
(رقم ٢١٤٩) ، وقد زعم في مقدّمته أنه ليس فيه أحاديثً ضعيفةٌ، كما تقدّم، فهو دليلٌ واضحٌ على صحّة ما نَسبتُه إليه من اعتمادهِ على تحسين الترمذي المعروف تساهله فيه عند النُّقّاد.
ثم سَوّد الغُماري نصفَ صفحة من رسالته يردّ فيها على قول الذهبي:
"لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي "، بكلام نقله عن الحافظ العراقي استخلص منه أنّ ما اعتبره الذهبي تساهًلاً منه هو في الحقيقة اختلافٌ في الاجتهاد! ثم ختم الغُماري ذلك بقوله:
"نعم قد تَعَقّبته في تحسينه أو تصحيحه في كثير من مؤلَّفاتي وتعليقاتي "!
قلت: تساهًل الترمذي إنكارُه مكابرةٌ لشهرته عند العلماء، وقد تتبعت أحاديث "سننه" حديثاً حديثاً، فكان الضعيفً منها نحو ألف حديث، أي قريباً من خُمس مجموعها، ليس منها ما قوَّيْتًه لمُتابعٍ أو شاهد، ومع ذلك فإنه يَكْفينا منك الآن اعترافُك بتعقُّبك إياه، فإنه يعني أنه كان مخطئاً عندك، وحينئذٍ فلا فرق بين تسميته متساهلاً أو مجتهداً، لأنّ التساهل من مثله لا يكون إلّا عن اجتهاد، وليس عن هوىً أو غرضٍ! وكذلك يُقال في المتشددين منهم، ومن أجل ذلك، فانتقادي إيّاك لا يزال قائماً، وبخاصة أنه كان فيه ما نصُّه:
"فلا ينبغي للعارف بهذا العلم الشريف أن يسكتَ عن تحسينه، بل لا بًدّ له من التصريح بتأييده أو نقده حسب واقع إسناده ... " إلخ.
وأقولُ الآنَ: لماذا سَكَتَّ عن تلك الأحاديث، ولم تًبَيِّن رأيَك فيها ما دام أنك تعقََّبته في غيرها، وأَدَرْتَ الموضوعَ إلى ما لا فائدة فيه من الردّ على
стр. 1442
الذهبي؟! فهلاّ جَعلته على ما جاء في رسالة "رفِع اليدين في الدعاء بعد الصلاة" للشيخِ محمد بن مقبول الأهدل، وقد وضعْتَ لها مُقَدّمةً في ست صفحات مُؤَيّداَ فيها ما ذهب إليه من مشروعية الرفع المذكور، وكتبتَ عليها بعض التعليقات، وليس فيها حديثٌ واحدٌ ثابتٌ - ولا أقول: صحيحٌ - بل فيه مثل ذاك الحديث الواهي: "ما من عبدٍ يبسط كفَّيْهِ في دُبُر كُلِّ صلاة ... "، وسكتَ عنه الغُماري؛ لسبب لا يخفى على القارئ، وفيه رجلٌ اتّهمه الِإمامُ أحمدُ وغيره، كما بيّنته في "الضعيفة" (٥٧٠١) ، فقد جاء في هذه الرسالة (ص ١٣١) ما نصه:
"وقال الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح:
إنّ الترمذي حسَّن أحاديثَ فيها ضُعفاءُ، وفيها من رواية المدلِّسين، ومن كَثُرَ غَلَطُهُ، وغير ذلك، فكيف يُعمل بتحسينه وهو بهذه الصفة؟ ! " (١) .
هذا كلامُه، فلماذا لم تُعَلِّق عليه، وهو أحقّ بالتعليق لو كنت منصفاً لا تكيل بكيلين، ولا تزن بميزانين؟!
٣- وأما نقدي الثالث إياه، وهو: "إهماله تخريج بعض الأحاديث ... وبعضها في (الصحيحين) ... "، فلم يتعرّض له بجواب،. فهو اعترافٌ منه ضِمْنِيّ بأنه حقّ، ولكن أليس كان أشرفَ له أن يُصَرِّح بذلك؟! بلى، لو أنه كان منصفاً، أليس هذا وما قبلَه وما يأتي بعده من الأدلّة القاطعة علىِ أنك أنت المتصف بكل تلك التُّهَم الخبيثةِ التي رميتَني بها، ومنها ما ختمت به كُتَيِّبَك، بقولك:
"أمّا الِإنصافُ وعفّةُ اللسانِ فَيَسْمَعُ عنهما ولا يحسّهما من نفسِه "! فالله حسيبُك، وهو يتولّى الصالحين، وُيدافع عن الذين آمنوا.
стр. 1443
٤- وأمّا نقدي الرابع إياه المصدّر بأنه يعزو الحديث لغير المشاهير ... وذكرت على سبيل المثال حديثين:
الأول: "أنا سيّد ولد آدم ولا فخر"، عزاه هو لابن أبي عاصم في "الأدب "، وسكت عنه، ومع أن كتاب "الأدب " هذا غير مطبوع فقد أحال
عليه، وأعرض عن عزوه للترمذيّ وكتابهِ مع كونه أشْهَرَ، فهو مطبوعٌ وكذلك ابن حِبّان، ولا يجوزُ مثل هذا العزو مع وجود من هو أوْلَى به عند أهل العلم، وبخاصة أن الترمذي حسنه!
الآخر: حديث السدرة عزاه للنسائي وابن أبي حاتم، وهو في "الصحيحين "!
هذا خلاصة نقدي إياه، فليتأمّل القارىء جوابه الآتي عليه يتبين له علمُ الرجلِ وخُلُقُهُ! قال بعد أن اختصر نقدي إياه في الحديث الآخر:
"وأقول: هذا التعقُّب غفلةٌ منه كبيرة، ذلك أن مؤلَف الرسالة قال في الخصلة الأولى: إنه ساد الكُلّ، فقال: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"، فعزوت
الحديث لمن رواه بهذا اللفظ.. ولم أخالف القاعدة في العزو. لكنّ الألباني غفل وذهل ".
هذا آخر كلامه، وما لم أذكره مُشيراً إليه بالنقطتين لا علاقة له مُطْلَقاً بجوابه، مع أنه كما قيل: أسمعُ جَعْجَعَةً ولا أرى طِحْناً، وإلا فما معنى قوله:
فعزوتُ الحديث لمن رواه بهذا اللفظ، فهذا وحده يدل على أن الرجل لا يخشى الله، ولا يستحي من عباد الله، لأنّ قولَه هذا مع كونه لا يخفى على
القراء، لأنه إعادةٌ للنقطةِ التي هي موضع انتقادي عليه، لأنّي سأقول له مرة أخرى: لماذا عزوته لابن أبي عاصم، ولم تعزه لمن هو أولى بالعزو منه
стр. 1444
كالترمذي وابن حبان؟ فهذا هو وجهُ المخالفة يا من تستغفلُ الناس وتتّهمهم بما فيك.
وأما الحديث الثاني فلم يتعرّض له بجواب على الِإطلاق. فهذا مع ما فيه من الاعتراض الضِّمني بأن الرجل حَوّاش قَمّاش لا تحقيقَ عنده، فهو أشرفُ له وأسترُ من جوابه عن الحديث الأول، لما فيه من الزَّوَغانِ والمجادَلةِ بالباطل. والله المستعانُ.
٥- وأمّا نقدي الخامس إياه، فقد اعترف أيضاً بصوابه في الحديث الأول. ولكنْ بصورةٍ لا تُشَرِّفه وتليقُ بطريقته! وذلك من ناحيتين:
الأولى: أنه جرى في أجوبته السابقة أن يبدأ بقوله: "قال الألباني أولاً ... "، "قال الألباني ثانياً ... "، "قال الألباني رابعاً ... " ولم يقل: قال الألباني ثالثاً؛ تَهرُّباً وتكبُّراً أن يعترف بالحق كما سبق. فلما جاء إلى جوابه عن هذا النقد لم يقل أيضاً: قال الألباني خامساً، لكي يُغَطِّي اعترافه الصريحَ بخطئه أنه بسبب نقد الألباني وإرشاده، ففال عَقِبَ جوابهِ السابق المُنتهي بقوله الذي هو أسوأُ منه: "غفل وذهل ":
"وقولي في حديث ابن مسعود: "الخَلْق عيال الله " سندهُ جيّد، سهو لا أدري كيف حصل لي؟ بل أوقعني فيه صنيعُ الحافظ السخاوي "!
فأقول: لو أن غيرك قال: "لا أدري " لم أستجز لنفسي أن أقول له:
إنْ كُنْتَ لَا تَدْري فتلكَ مُصيبةٌ *** أَوْ كُنْتَ تَدْري فَالمُصِيبةُ أعظمُ!
وإنما أقول لك بصراحة: إذا كنتَ صادقاً في قولك هذا، ولم يكن من دسائسك وأهوائك، فإنّك قد أُتيت من مخالفتك لقول أئمة الحديث: "قَمِّش
ثم فَتَش "، فأنتَ قَمَّاش حَوَّاش، تركن في الغالبِ إلى التقليدِ؛ الذي ترمي به غَيْرَك، وأنتَ فيه غريقٌ! ولولا ذاك لَمَا وقع منك هذا الخطأُ الفاحشُ الذي
стр. 1445
يترفّعُ عنه المبتدئُ في هذا العلم الشريف، فإنك لمَّا رأيتَ السخاوي خَرَّجَ الحديث من رواية ابن مسعود وأنس وغيرهما، وسَكَتَ عن إسناد ابن مسعود واعَل غيره، وختم بحثه بقوله: "وبعضُها يُؤَكًد بعضاً"، توهمتَ من ذلك كلَه ما دفعك إلى الوقوع في الخطأ، فلو أنك فَتَشت عن إسناد ابن مسعود لوجدت فيه ذاك المتروك "موسى بن (١) عُمَير أبو هارون القُرَشي ".
تلك هي الناحيةُ الأولى.
وأما الناحيةُ الأخرى: فهي دِفاعُه عن نفسه بالباطل، وحملُه مسؤولية خطئه على الحافظ السخاوي كما سبق، وهذا من جَنَفهِ وظُلمه الذي لا يكادُ ينجو منه حتى الموتى، ولا من تزويره، فان السخاوي لم يُجَوِّد إسناده، كل ما في الأمر أنه سكت عنه، وهذا وإنْ كان منه غير جيد، فهل يفهم منه أحد مهما كان غريقاً في الجهل: أنه جَوَّدَ إسناده كما يزعم الغُماري؟!
هذا وقد خَرًجْتُ الحديث فيما يأتي برقم (٣٥٩٠) وتكلَّمتُ على طُرُقهِ، وأشرت إلى أنه إنما يثبت منه بلفظ: "خير الناس أنفعُهم للناس ".
وأما الحديث الآخر: "أنا سيَد ولد آدم، وعليّ سيّد العرب ". وهو الذي كنتُ انتقدت عليه قولَه فيه: "حديث ضعيف خلافاً لقول الذهبي: إنه
موضوع "، ومخالفتَه إياه، وبينت له هناك أن الحافظ العسقلاني قد أقرَّه على وضعه! لأن مدار الحديث عند الحاكم الذي عزاه الغُماري إليه- على
وضّاعَين معروفَين.
فقد كابر الغُماري أيضاً فيه كما سترى، فأنه قال ما خلاصته:
стр. 1446
"وقول الذهبي: موضوع، غلو غير مقبول لأنه وَرَدَ عن غير الوضّاعين ".
ثم ذكر له طريقين آخرين:
أحدهما: عن أنس مرفوعاً. قال الهيثمي: "فيه- خاقان بن عبد الله ابن الأهتم ضعّفه أبو داود". وذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه.
والآخر: عن عائشة أيضاً مرفوعاً به. رواه الحاكم وقال:
"صحيح الِإسناد، وفيه عمر بن الحسن الراسبي، وأرجو أنه صدوق، ولولا ذلك لحكمتُ بصحته على شرط الشيخين ".
قال الغُماري عقبه من عند نفسه:
"قلت: إسنادُ الحديث نظيفٌ ليس فيه كذابٌ ولا متَهم، والراسبي ذكره ابن أبي حاتم برواية محمد بن موسى الجُرَشي عنه، ولم يجرحه بشيء.
وبمقتضى القاعدة المقررة يكون تعديل الحاكم مقبولًا، لكن الذهبي تعقّب قولَ الحاكم: أرجو أنه صدوقٌ، فقال: أظن أنه هو الذي وضعه. وهو تعنُّت شديدٌ وقولٌ بالظنّ، والظن أكذب الحديث. والعجب من الحافظ كيف وافق الذهبيَّ على هذا الحكم المتعنِّت، وغفل عما تقتضيه القاعدةُ في هذا المقام؟! فالحديثُ بهذين الطريقينِ: طريقِ أنسٍ وطريقِ عائشة، لا يَبعُد أن يكون من قبيل الحَسَنِ لغيره ".
والجواب وبالله التوفيق على وجهين: مجمل ومفصل:
أما المجمل، فلا نُسَلّم حُسْنَه بمجموع الطريقين، لأنَّ في طريق عائشة راوياً واهياً شديد الضعف توهّمه الغُماري ثقةً، أو تجاهله كما سيأتي بيأنه في (المفصل) .
стр. 1447
وأمّا الضعف من حيثُ إسنادهُ فليس البحثُ الآن فيه، والغُماري نَصَبَ الخلاف فيه؛ بَيْنه وبين الحافظ الذهبي والعسقلاني. لغايةٍ في نفسه، وليس كذلك، وإنما هو في متنهِ لقولهما بِبُطْلأنهِ، مع تصريحهما بأنَ فيه من لا يُعرف كما يأتي، وذلك يعني أنه ضعيفُ السند، ولا منافاةَ بينهما كما لا يخفى على العارفِ بهذا العلم، ويأتي بيانُه قريباً إن شاء الله تعالى.
وأما الجواب المفصل فهو من وجوه:
١- تعليلُه لردّ حكم الذهبي على الحديث بالوضع بقوله:
"لأنّه وَرَدَ عن غير الوضّاعَين ".
فهو مرفوضٌ من أصله، وهو بذلك يُوهم القراء أنّ الحديث لا يكون موضوعاً إلا إذا كان فيه وضاعٌ، وهذا خلافُ ما صرّح به العلماءُ في أصول
علم الحديث وفروعه، فكم من حديثٍ حكموا عليه بوضعه أو بُطلأنه، وليس في إسنادهِ وضّاعٌ أو كذّابٌ، وفي هذه السلسلةِ عشراتُ الأمثلةِ على ذلك، وقد جاء في "اختصار علوم الحديث " لابن كثير:
"يُعرف الموضوع بأمور كثيرة.. ومن ذلك ركاكة ألفاظه، وفساد معناه، أو مجازفة فاحشة، أو مخالفته لما ثبت في الكتاب والسنة الصحيحة".-
والغُماري يعرف هذا جيداً، لأنه مما لا يخفى على صِغَار الطلبة، ولكنه يتجاهلُ الحقائقَ لِيَصْدُقَ عليه ما يتّهمُ به غيرَه، المرّة بعد المرّة، انظر مثلاً كتيّبه الآخر: "إتقان الصنعة" (ص ٤٧) ، وكتب " الأحاديث الموضوعة"، كلها قائمة على هذا، فما من كتاب منها إلا وفيه أحاديثُ موضوعةٌ بأسانيدَ ضعيفةٍ، لأنّ الوضع جاء من داخل المتن الدالّ على بطلأنه، وعلى هذا
стр. 1448
حكمت أنا على حديث "نِعْمَ المذكّر السّبحة"، الذي يصرّ الغُماري وبعض تلامذته على أنه ضعيف فقظ، غير ملتفتٍ إلى معناه الدالّ على بطلأنه كما كنتُ بيّنتُه فيما مضى برقم (٨٣) ، وما ذلك إلّا محافظةً منه على وسائل التَّمشْيُخ (!) وجَلْبِ المُريدين السُّذَّج الذين يغترّون بالمظاهر، وَلأمْرٍ ما قال الغُماري هذا في رسالته السابقة (ص ٤٨) :
"وتعليقُ السّبحة في العنق ليس فيه شيءٌ، وهو نظير وضع الكاتب القلم على أذنه "!!
ثم ذكر حديث: "ضَعِ القلمَ على أُذُنك فإنه أذكر للمُملي ".
وقال: "رواه الترمذي بإسناد ضعيف "!
وهو يعلم أن فيه عنبسة بن عبد الرحمن الأموي. قال أبو حاتم:
"كان يضع الحديث ".
وله طرقٌ أخرى تدور أيضاً على وضّاعين وكذّابين كما تراه مفصلاً في المجلد الثاني من هذه السلسلة، رقم (٨٦١- ٨٦٢) .
من أجل ذلك لم يَسَعْ أخاه الشيخ احمد الغُماري إلا أن يورد هذا الحديث في كتابه "المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير" من
رواية الترمذي وغيره (ص ١٨ و ٦٥- ٦٦) وقال:
"وهذا من وضع العجم، وقال ابنُ الجوزي: إنه موضوع ".
فهل خفي هذا على الغُماري الصغير، أم تعمّد مخالفة أخيه الأكبر لمجرد أنه اتّفق مع الألباني في الحكم على الحديث بالوضع، أم هو الدوَرَان وراء المصلحة مهما كانت المخالفة للعلمْ والعلماء، والعياذ بالله تعالى؟!
стр. 1449
ومن الأمثلة على الحديث الموضوع متناً بشهادة مَنْ لا يستطيع الغماريُّ أن يصفه بـ (المبتدع) وهو أخوه السابق الذكر، فقد قال في حديث:
"اجعلوا أئمتكم خياركم ... " (ص ١٠) .
"قلت: إسنادُهُ مُظلم كما قالوا، ومتنُه موضوع ". وانظر هذه السلسلة (١٨٢٢-١٨٢٣) .
وأقربُ مثال لما نحن فيه قولُه في حديث: "تختَموا بالعقيق فإنه ينفي الفقر" (ص ٣٦) :
"قلت: فيه الحسينُ بن إبراهيم البَابي، قال الذهبي: لا يُدْرى من هو، فلعل الحديث مِن وضعه ... ". وانظر الحديث برقم (٢٢٧) .
وهذا البابي كما ترى مجهولٌ، ومع ذلك حكم عليه الغُماري الكبير بالوضع، وقد قال الذهبي في حديث السيادةِ في راويه المجهول مثل هذا القول وأقوى منه كما يأتي، ومع ذلك زاغ عنه الغُماري الصغير. والله المستعان. وبذلك يسقط تعليلُه المذكورُ، ويتبيّن لكل ذي عينين أن الغُماري
هذا لا يُراعي في كلامه على الحديث قواعدَ العُلَماء، وإنما يتكلّم عليه حسبما يُوحي إليه هواه!
٢- قوله في حديث عائشة: إسنادهُ نطيفٌ، ليس فيه كذاب ولا متهم.
فأقول: هذه الدعوى كاذبةٌ، حَمَلَكَ عليها جمودُك على قول الحاكم ومن بعده بأنّ فيه ذاك الراسبي، فاستلزمت منه أنه ليس فيه علة أخرى هي أقوى من الراسبي، فإن الحاكم أخرجه (٣/١٢٤) من طريق محمد بن معاذ عنه؛ وابن معاذ هذا لا استبعد عنك أن تتوهم أنه العنبري الثقة- إن كنت رجعت إلى "المستدرك " فوقعت عيناك عليه! - وإنما هو الشعراني أبو بكر
стр. 1450
النُّهاوَندي كما حققته وبسطت القول عليه فيما سيأتي في المجلد الثاني عشر رقم (٥٦٧٨) وقد قال فيه الذهبي والعسقلاني:
" واه ".
أي شديد الضعف، فهو في حكم المتهم، وبذلك يسقط ما ادعاه الغُماري من النظافة!
٣- قوله: والراسبي ذكره ابن أبي حاتم.. ولم يجرحه بشيء.
فأقول: نعم لم يجرحه، ولم يوثقه أيضاً، فكان ماذا؟ غاية ما يمكن أن يقال فيه: إنه سكت عنه، وهو ما يسكت عن أحد إلا لأنه لم يتبين له حاله، كما ذكر ذلك ابنُ أبي حاتم نفسه في مقدمة كتابه. على أن الراوي عنه محمد بن موسى الجُرَشي مجروح لا يُحْتَجُ به عنده كما يفيده قوله في ترجمته (١/٤/٨٤) :
"شيخ "! (أنطر باب بيان درجات رواة الآثار) منه.
قلت: فما قيمةُ الراسبي إذا لم يعرفه ابنُ أبي حاتم إلّا من رواية الجُرَشىِ الذي لا يحتج به؟! ولذلك قال الذهبيُّ والعسقلانيُّ في الراسبي هذا:
"لا يُعرف، وأتى بخبر باطل، متنُه: علي سيد العرب ".
فأقول: قابِلْ قولَهما هذا بقولهما المتقدم في حديث التختُّم بالعقيق الذي احتجَ به الغُماري الكبير على وضعه، تتبيّن وتتأكّد من بُطلان إنكار الغُماري الصغير عليهما كما يأتي.
٤- قوله: "وبمقتضى القاعدة المُقَرّرة يكون تعديل الحاكم له مقبولًا ... إلخ ".
стр. 1451
فأقول: تأمّل أيها القارئ كيف يُعَمّي الأمر على القراء، فَيُطلق - القاعدة ولا يُبَيِّنها، تدليساً عليهم، وإيهاماً لهم بأنّه متمسِّكٌ بالقاعدة المقررة في علم المصطلح، وينسب الحافظ الذهبي إلى التعنُّت وُيلحق به الحافظ العسقلاني في الغفلة!! ولا يشكّ أحدٌ أنهما أعلم منه وأتقى، وأبعد عن اتِّباع الهوى الذي ابْتُلي به هذا الغُماري المسكين في كثير من كتاباته وبخاصة ما كان منها في انتقاده للآخرين. وبيان ذلك هنا من وجهين:
الأول: أنّ الحاكم لم يجزم بأنّ الراسبيَّ هذا صدوق، وإنما قال:
أرجو؛ وفرقٌ واضحٌ بين الأمرين.
والآخر: هَبْ أنه جزم بأنه صدوق، فما قيمة قوله وهو معروف عند العلماء بأنه من المتساهلين (١) ، ولا سيما إذا لم يَعْتَدّ بقولهِ الحُفَّاظُ الذين جاؤوا من بعده واستدركوا عليه كالذهبي وغيره، وقد ذكر اللكنويُّ ﵀ في "الأجوبة" (١٦١) : أنه إذا تعارض قولُ الحاكم مع الذهبي، رُجِّح قول الذهبي، لأن الأول متساهلٌ والثاني غير متساهل. فالحديث الذي حكم الحاكم بكونه صحيح الِإسناد. وحكم الذهبي بكونه ضعيفَ الإِسناد؛ يُرَجَّحُ فيه قولُ الذهبي على قول الحاكم، وكم من حديثٍ حكم عليه الحاكمُ بالصحة وتعقّبه الذهبي بكونه ضعيفاً أو موضوعا ... إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
وأقول: هذا إذا كان الذهبيُّ وحده مخالِفاً للحاكم، فكيف إذا كان معه الحافظُ ابن حجر كما هو الشأنُ هنا. فسقط بذلك تشبُّثُ الغُماري بالحاكم.
فإن قيل: ما هي القاعدة المُقَرّرَةُ التي اعتمد عليها الغُماري في رده
стр. 1452
على الذهبي والعسقلاني ولم يبينها؟
فأقول: هي قولُ ابن الصلاحِ وغيره أنه يكفي الواحدُ في التعديل على الصحيح. وقد عرفتَ مما سبق أنها ليسَتْ على إطلاقها، وأنّ المقصود بها
من لم يكن معروفًا بالتساهُل في التوثيق والتصحيح كالحاكم وابن حبان ونحوهما، وهذا مما لا يخفى على الغُماري، ولكنه يُجادل بالباطل وينساق
لهواه. نسأل الله السلامة.
٥- قوله: فالحديث بهذينِ الطريقينِ ... لا يبعدُ أن يكون من قبيل الحَسَن لغيره.
فأقول: كلا، وذلك لوجهين:
الأول: أنّ فيه ذلك الواهيَ محمد بن مُعاذ كما سبق بيأنه في الفقرة (٢) ، ومثله لا يفيد في المتابعات والشواهد كما هو مقرّر في علم المصطلح.
والآخر: أنَ البحثَ في مَتْن الحديث كما تقدّم في الجواب المجمل، فلا فائدة من محاولتك لِإخراج سند الحديث من الضعف، ومتنُه باطلٌ بشهادة
الحافظين الذهبي والعسقلاني، وهما المرجعُ في مثل هذا الأمر دونَك، وما أحسنَ ما قيل في مثل هذه المناسبة:
وابنُ اللَّبونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ *** لم يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَنَاعيسِ
فان قيل: فما وجهُ بُطلانِ هذا الحديث متناً؟
فأقول مخالفتُه للسنّة الصحيحة الثابتة من طرق عن ابن عمر ﵁ في "صحيح البخاري " وغيره، وهي مُخَرّجة في "ظلال الجنة" (رقم ١١٩٠-١١٩٨) ، بل قد صح ذلك عن علي نفسه ﵁، فروى البخاري بسنده الصحيح عن محمد بن الحنفية قال:
стр. 1453
قلت لأبي: أيّ الناس خيرٌ بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر؛ قال: قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر.. الحديث. ورواه أبو داود وابن ماجه وأحمد وغيرهم من طرق عنه، وهو مُخَرجٌ في "ظلال الجنة" (١٢٠٠- ١٢٠٨) .
وروي (١١٦٦) بسند حسن عن عمر قال لأبي بكر: لا بل نبايعك، وأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ؛ وقد جاء في "الصحيحين " مرفوعاً أن أبا بكر كان أحبَّ الرجال إلى النبي ﷺ فكيف يُعْقَلُ بعد هذه النصوص القاطعة بأفضلية أبي بكر ﵁ أن يُقال: "وعلي سيّد العرب "، وقد تقدّم أنّ من علامات الحديث الموضوع أن يُخالف السنّة الصحيحة، فهي عمدة الذهبي والعسقلاني في قولهما ببطلان الحديث.
ولقد كنتُ أوردت معنى ما تقدم من السنة في رَدّي على الغُماري في مقدمة "البداية"، وأشرت إلى نِسْبتهِ إلى التشيُّع، بسبب تحمُّسه لهذا الحديث الباطل، وذكرتُ أنه من وضع الشَيعةِ. ثم تأكدتُ من ذلك حين رأيته يرد على الحافظَين وَيَسْتعلي عليهما، وينسبهما إلى الغفلة كما تقدم، ولا يتبرّأ من التشيع الذي رُمي به، بل إنه زاد على ذلك- ضِغْثاً على إبّالة- فسوّد ثلاث صفحاتٍ في الطعن على أهل السنّة وأئمة الحديث كابن تيمية والذهبي، فيرميهما بالنصب، وإنكار فضائل علي ﵁، وُيصرح بأن كثيراً من أهل السنة انخدعوا بالنواصب! فردُّوا أحاديثَ كثيرةً في فضل علي ﵁، ومنها هذا الحديثُ بزعمه فيتأوله بقوله: "فمعنى قوله ﵊: " علي سيد العرب " أنه ذو الشرف والمجد فيهم، لأنّه من أهل البيت ... إلخ ".
فأقول: أَثْبتِ العرشَ ثم انقشْ، فإن التأويل فرعُ التصحيح كما هو معروفٌ عند العلماء، والحديث ضعيف الإسنادِ كما سبق تحقيقهُ، فهو لا
стр. 1454
يستحقّ التأويل.
على أنّ سياق الحديث يبطله، فإن قوله- ﷺ : "أنا سيد ولد آدم " صريح في تفضيله ﷺ -على جميع ولد آدم، وهو الذي فهمه العلماء ومنهم العزّ بن عبد السلام في رسالته "بداية السُّول " كما سيأتي بيأنه تحت الحديث رقم (٥٦٧٨) ، فلو صحّت زيادة "وعلي سيد العرب " دلَّت أيضاً على تفضيله بعده ﷺ -على العرب جميعاً، وهذا باطلٌ بشهادةِ الصحابة كما تقدم، ومنهم على نفسه، ﵃ أجمعين.
ومثلُ هذه الزيادةِ في البُطلان والمخالفة حديث:
"كان أحبّ النساء إلى رسول الله- ﷺ فاطمة، ومن الرجال علي ".
وسيأتي في هذا المجلد إن شاء الله تعالى برقم (١١٢٤) مع تخريجه والكشف عن علّته، وَوَهْم من وَهِمَ فيه، وذكر بعض الأحاديث الصحيحة
الدالّة على بُطلأنه.
وبعد، فإنّ مجال الردّ على الغُماري والكشف عن أوهامه وتدليساته على القراء، وضلالاته وافترِاءاته وإثارته للفتن التي شاركه في بعضها ذاك
الخزرجيُّ- مجالٌ واسعٌ جداَ، وفيما سبق من البيان كفايةٌ لكل منصفٍ راغبٍ في الهداية، وإنّي مع ذلك أرجو لهما أن يتراجعا عمّا رمونا به من البَهت
والافتراء، فإن لم يفعلا فإنّي داعٍ بما ثبت عن رسول الله ﷺ :
" اللهمّ مَتِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثَأْرَنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مُصيبتنا في
ديننا، ولا تجعلِ الدنيا أكبَر هَمنا، ولا مبلغَ علمِنا، ولا تُسَلّط علينا من لا يرحمُنا".
стр. 1455
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله على محمد النبيّ الأميّ وعلى آله وصحبه وسلم.
عمّان ٢٥ محرم سنة ١٤٠٧ هـ
وكتب
محمد ناصر الدين الألباني
أبو عبد الرحمن
стр. 1456
١٠٠١ - " كان يركع قبل الجمعة أربعا، وبعدها أربعا لا يفصل بينهن ".
باطل.
رواه الطبراني في " المعجم الكبير " (٣/١٧٢/١) عن بقية بن الوليد، عن مبشر ابن عبيد عن الحجاج بن أرطاة عن عطية العوفي عن ابن عباس مرفوعا.
ورواه ابن ماجه في سننه (١/٣٤٧) من هذا الوجه دون قوله: " وبعدها أربعا " وقال الزيلعي في " نصب الراية " (٢/٢٠٦) : سنده واه جدا، فمبشر بن عبيد معدود في الوضاعين، وحجاج وعطية ضعيفان. وقال البوصيري في " الزوائد " (ق ٧٢/١) : هذا إسناد مسلسل بالضعفاء، عطية متفق على تضعيفه، وحجاج مدلس، ومبشر بن عبيد كذاب، وبقية بن الوليد يدلس تدليس التسوية، وصلاته ﷺ بين الأذان والإقامة يوم الجمعة متعذر؛ لأنه كان بينهما الخطبة، فلا صلاة حينئذ بينهما، نعم بعد إحداث عثمان للأذان على الزوراء، يمكن أن يصلي سنة الجمعة قبل خروج الإمام للخطبة.
قلت: ولكنه لم يرد إطلاقا أنه كان بين أذان عثمان والخطبة وقت لصلاة أربع ركعات سنة الجمعة المزعومة، ولا ورد أيضا أنهم كانوا يصلونها في عهده ﵁، فبطل الاحتمال المذكور، على أنه لوثبت وجود مثل هذا الوقت، لم يدل ذلك على جواز إحداث عبادة لم تكن في عهده ﷺ ، بخلاف إحداث عثمان للأذان، فإنه كان من باب المصالح المرسلة، كما حققت ذلك كله في رسالتنا الأجوبة النافعة عن أسئلة لجنة مسجد الجامعة، فليراجعها من شاء، فإن فيها تحقيقا لكثير من المسائل المتعلقة بصلاة الجمعة، وكأنه لما سبق ذكره حكم بعض الأئمة على هذا الحديث بالبطلان، فقال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (٢/٣٤١) : سنده واه؛ قال النووي في الخلاصة:
стр. 1457
إنه حديث باطل.
وقال ابن القيم في " زاد المعاد " (١/١٧٠) :
هذا الحديث فيه عدة بلايا، ثم أطال في بيان ذلك بما خلاصته ما نقلناه عن البوصيري من العلل الأربع، ومن العجيب أن يخفى ذلك على الحافظ الهيثمي، فإنه قال في " المجمع " (٢/١٩٥) :
رواه الطبراني في " الكبير "، وفيه الحجاج بن أرطاة وعطية العوفي وكلاهما فيه كلام، ففاته ذكر العلتين الأخريين، لا سيما التي سببها مبشر بن عبيد الكذاب الوضاع، ثم تلطف جدا في تضعيف الحجاج وعطية، فأوهم أن الضعف في إسناد الحديث يسير، وليس بشديد، فكان من نتائج ذلك أن جاء من بعده صاحب " جمع الفوائد " فلخص كلام الهيثمي بقوله فيه (١/٢٦٨) :
للكبير بلين!، فأفصح بذلك عما يدل عليه كلام الهيثمي مما أشرنا إليه من الضعف اليسير، وذلك خطأ منه جر إلى خطأ أوضح بسبب التقليد، وعدم الرجوع في التحقيق إلى الأصول، وإلى أقوال الأئمة الفحول، والله المستعان.
وأما قول المناوي في " فيض القدير " بعد أن نقل عن الحافظين العراقي وابن حجر أنهما قالا في حديث ابن ماجه: سنده ضعيف جدا، وبعد أن بين وجه ذلك بنحو ما سبق، قال متعقبا على السيوطي:
قد أساء التصرف حيث عدل لهذا الطريق المعلول، واقتصر عليه، مع وروده من طريق مقبول، فقد رواه الخلعي في فوائده من حديث علي كرم الله وجهه، قال الحافظ الزين العراقي: إسناده جيد.
فأقول: إنني في شك من ثبوت ذلك عن علي، وإن كان العراقي قد تابعه على
стр. 1458
هذا القول تلميذه البوصيري، وقد وجدت في كلام هذا ما فتح الطريق علي لتحقيق شكي المشار إليه، فقد قال في " الزوائد " (ق ٧٢/١) بعد أن أعل إسناد ابن ماجه على ما نقلته عنه:
رواه أبو الحسن الخلعي في " فوائده " بإسناد جيد، من طريق أبي إسحاق عن عاصم عن علي عن النبي ﷺ ، وهكذا قال أبو زرعة في " شرح التقريب " (٣/٤٢) ، والظاهر أن البوصيري نقله عنه.
قلت: والمعروف من هذه الطريق عن علي بلفظ:
" كان يصلي قبل الظهر أربع ركعات "، هكذا أخرجه أحمد وغيره، فهو المحفوظ والله أعلم.
ولئن صح ما عند الخلعي فهو محمول على ما قبل الأذان وصعود النبي ﷺ على المنبر لفقدان المحل كما تقدم بيانه، والله ولي التوفيق.
وكتاب الخلعي المذكور منه أجزاء مخطوطة في المكتبة الظاهرية، وليس في شيء منها هذا الحديث لننظر في إسناده، ثم وقفت عليه عند غيره، فتأكدت مما ذهبت إليه هنا أنه غير معروف، فانظر الحديث الآتي برقم (٥٢٩٠) إن شاء الله تعالى، وقد روي الحديث عن ابن مسعود أيضا، وسنده ضعيف منكر، كما يأتي بيانه بلفظ: " كان يصلي قبل الجمعة أربعا.... ". رقم (١٠١٦) .
١٠٠٢ - " كان يسبح بالحصى ".
موضوع.
رواه أبو القاسم الجرجاني في " تاريخ جرجان " (٦٨) من طريق صالح بن علي النوفلي: حدثنا عبد الله بن محمد بن ربيعة القدامي: حدثنا ابن المبارك عن
стр. 1459
سفيان الثوري عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا.
قلت: وهذا موضوع، آفته القدامي - نسبة إلى قدامة بن مظعون - وهو متهم، قال الذهبي في " الميزان ": أحد الضعفاء، أتى عن مالك بمصائب. ثم ذكر بعض مصائبه!
وفي " اللسان ": ضعفه ابن عدي والدارقطني.
وقال ابن حبان: يقلب الأخبار، لعله قلب على مالك أكثر من مائة وخمسين حديثا، وروى عن إبراهيم بن سعد نسخة أكثرها مقلوب، وقال الحاكم والنقاش: روى عن مالك أحاديث موضوعة، وقال أبو نعيم: روى المناكير.
قلت: وصالح بن علي النوفلي لم أجد من ترجمه، وهذا الحديث يخالف ما ثبت عن عبد الله بن عمرو، قال:
" رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح بيمينه ".
أخرجه أبو داود (١/٢٣٥) بسند صحيح، وحسنه النووي في " الأذكار " (ص ٢٣) ، وكذا الحافظ ابن حجر في " نتائج الأفكار " (ق ١٨/١) ، وعزاه الأول للنسائي، وهو عنده (١/١٩٨) ضمن حديث، وكذلك أخرجه في عمل اليوم والليلة (٨١٩) ، وثبت عند أبي داود أيضا وغيره، أن النبي ﷺ أمر النساء أن يعقدن بالأنامل وقال: " فإنهن مسؤولات مستنطقات "، وصححه الحاكم والذهبي.
فهذا هو السنة في عد الذكر المشروع عده، إنما هو باليد، وباليمنى فقط، فالعد باليسرى أو باليدين معا، وبالحصى كل ذلك خلاف السنة، ولم يصح في العد بالحصى فضلا عن السبحة شيء، خلافا لما يفهم من " نيل الأوطار " و" السنن والمبتدعات " وغيرهما، وقد بسطت القول في ذلك في رسالتنا " الرد على التعقيب الحثيث "، فليرجع
стр. 1460
إليها من شاء التوسع في ذلك، واسترواح بعض المعاصرين إلى الاستدلال بعموم حديث " الأنامل " وغيره غفلة منه، لأنه عموم لم يجر العمل به، وتجاهل منه لحديث العقدة باليمين، لا يليق بمن كان من أهل العلم، فتنبه ولا تكن من الغافلين.
١٠٠٣ - " بل لنا خاصة. يعني فسخ الحج إلى العمرة ".
ضعيف.
أخرجه أصحاب " السنن " إلا الترمذي والدارمي والدارقطني والبيهقي وأحمد (٣/٤٦٨) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه قال:
قلت: يا رسول الله! فسخ الحج لنا خاصة؟ أم للناس عامة؟ قال: فذكره.
قلت: وهذا سند ضعيف، فإن الحارث هذا لم يوثقه أحد، بل أشار الإمام أحمد إلى أنه ليس بمعروف، وضعف حديثه هذا كما يأتي.
وقال الحافظ في " التقريب ":
مقبول، يعني عند المتابعة، وإلا فلين الحديث، كما نص عليه في المقدمة.
وأما ما نقله الشوكاني في " نيل الأوطار " (٤/٢٨٠) عن الحافظ أنه قال في الحارث هذا: من ثقات التابعين، فإن صح هذا عنه، فهو من أوهامه، لأنه لو كان ثقة عنده لوثقه في " التقريب "، ولذكر من وثقه في أصله " التهذيب "، وكل ذلك لم يكن، بل قال أبو داود في " المسائل " (ص ٣٠٢) :
قلت لأحمد: حديث بلال بن الحارث في فسخ الحج؟ قال: ومن بلال بن الحارث أو الحارث بن بلال؟ ! ومن روى عنه؟ ! ليس يصح حديث في أن الفسخ كان لهم خاصة، وهذا أبو موسى يفتي به في خلافة أبي بكر، وصدر خلافة عمر.
وقال ابن القيم في " زاد المعاد " (١/٢٨٨) :
стр. 1461
وأما حديث بلال بن الحارث، فلا يكتب؛ ولا يعارض بمثله تلك الأساطين الثابتة، قال عبد الله بن أحمد: كان أبي يرى للمهل بالحج أن يفسخ حجه إن طاف بالبيت وبين الصفا والمروة، وقال في المتعة: هو آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، وقال ﷺ : " اجعلوا حجكم عمرة " (١) ، قال عبد الله: فقلت لأبي: فحديث بلال بن الحارث في فسخ الحج؟ يعني قوله: " لنا خاصة " قال: لا أقول به، لا يعرف هذا الرجل (قلت: يعني ابنه الحارث) ، هذا حديث ليس إسناده بالمعروف، ليس حديث بلال بن الحارث عندي بثبت.
قال ابن القيم:
ومما يدل على صحة قول الإمام، وأن هذا الحديث لا يصح، أن النبي ﷺ أخبر عن تلك المتعة التي أمرهم أن يفسخوا حجهم إليها أنها لأبد الأبد، فكيف يثبت عنه بعد هذا أنها لهم خاصة؟ ! هذا من أمحل المحال، وكيف يأمرهم بالفسخ، ويقول: " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " (٢) ، ثم يثبت عنه أن ذلك مختص بالصحابة، دون من بعدهم؟ فنحن نشهد بالله أن حديث بلال بن الحارث هذا لا يصح عن رسول الله ﷺ وهو غلط عليه.
وأما ما رواه مسلم في " صحيحه " وأصحاب " السنن " وغيرهم عن أبي ذر أن المتعة في الحج كانت لهم خاصة، فهذا مع كونه موقوفا، إن أريد به أصل المتعة، فهذا لا يقول به أحد من المسلمين، بل المسلمون متفقون على جوازها إلى يوم القيامة، ولذلك قال الإمام أحمد:
رحم الله أبا ذر هي في كتاب الرحمن: " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ".
وإن أريد به متعة فسخ الحج، احتمل ثلاثة وجوه من التأويل، ذكرها ابن القيم، فليراجعها من شاء، فإن غرضنا هنا التنبيه على ضعف هذا الحديث الذي يحتج به من لا
стр. 1462
يذهب إلى أفضلية متعة الحج ويرى الإفراد أوالقران أفضل، مع أن ذلك خلاف الثابت عنه ﷺ في أحاديث كثيرة استقصاها ابن القيم في " الزاد " فلتطلب من هناك.
وقال ابن حزم في " المحلى " (٧/١٠٨) :
والحارث بن بلال مجهول، ولم يخرج أحد هذا الخبر في صحيح الحديث، وقد صح خلافه بيقين، كما أوردنا من طريق جابر بن عبد الله أن سراقة بن مالك قال لرسول الله إذ أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد؟ فقال رسول الله ﷺ :
" بل لأبد الأبد ". رواه مسلم ".
وبهذه المناسبة أقول: من المشهور الاستدلال في رد دلالة حديث جابر هذا وما في معناه على أفضلية التمتع، بل وجوبه بما ثبت عن عمر وعثمان من النهي عن متعة الحج، بل ثبت عن عمر أنه كان يضرب على ذلك، وروي مثله عن عثمان (١) ، حتى صار ذلك فتنة لكثير من الناس وصادا لهم عن الأخذ بحديث جابر المذكور وغيره، ويدعمون ذلك بقوله ﷺ : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين "، وقوله: " اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر وعمر "، ونحن نجيب عن هذا الاستدلال غيرة على السنة المحمدية من وجوه:
الأول: أن هذين الحديثين لا يراد بهما قطعا اتباع أحد الخلفاء الراشدين في حالة كونه مخالفا لسنته ﷺ باجتهاده، لا قصدا لمخالفتها، حاشاه من ذلك، ومن أمثلة هذا ما صح عن عمر ﵁ أنه كان ينهى من لا يجد الماء أن يتيمم ويصلي (٢) !! وإتمام عثمان الصلاة في منى مع أن السنة الثابتة عنه ﷺ قصرها كما هو ثابت مشهور، فلا يشك عاقل، أنهما لا يتبعان في مثل هذه الأمثلة المخالفة للسنة، فينبغي أن يكون
стр. 1463
الأمر هكذا في نهيهما عن المتعة للقطع بثبوت أمره ﷺ بها.
لا يقال: لعل عندهما علما بالنهي عنها، ولذلك نهيا عنها، لأننا نقول:
قد ثبت من طرق أن نهيهما إنما كان عن رأي واجتهاد حادث، فقد روى مسلم (٤/٤٦) وأحمد (١/٥٠) عن أبي موسى أنه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعد، حتى لقيه بعد، فسأله، فقال عمر: قد علمت أن النبي ﷺ قد فعله وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك، ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم.
ورواه البيهقي أيضا (٥/٢٠) .
وهذا التعليل من عمر ﵁ إشارة منه إلى أن المتعة التي نهى عنها هي التي فيها التحلل بالعمرة إلى الحج كما هو ظاهر، ولكن قد صح عنه تعليل آخر يشمل فيه متعة القران أيضا فقال جابر ﵁:
تمتعنا مع رسول الله ﷺ ، فلما قام عمر قال:
إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد أنزل منازله، فأتمموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله، فافصلوا حجكم من عمرتكم؛ فإنه أتم لحجتكم، وأتم لعمرتكم.
أخرجه مسلم والبيهقي (٥/٢١) .
فثبت مما ذكرنا أن عمر ﵁ تأول آية من القرآن بما خالف به سنته ﷺ فأمر بالإفراد، وهو ﷺ نهى عنه، ونهى عمر عن المتعة، وهو ﷺ أمر بها، ولهذا يجب أن يكون موقفنا من عمر هنا كموقفنا منه في نهيه الجنب الذي لا يجد الماء أن يتيمم ويصلي، ولا فرق.
الثاني: أن عمر ﵁، قد ورد عنه ما يمكن أن يؤخذ منه أنه رجع عن نهيه عن المتعة، فروى أحمد (٥/١٤٣) بند صحيح عن الحسن أن عمر ﵁ أراد أن ينهى عن متعة الحج، فقال له أبي: ليس ذاك لك، قد تمتعنا مع رسول الله ﷺ ، ولم ينهنا عن ذلك، فأضرب عن ذلك عمر.
стр. 1464
قلت: الحسن - وهو البصري - لم يسمع من أبي، ولا من عمر، كما قال الهيثمي (٣/٢٣٦) ، ولولا ذاك لكان سنده إلى عمر صحيحا، لكن قد جاء ما يشهد له، فروى الطحاوي في " شرح المعاني " (١/٣٧٥) بسند صحيح عن ابن عباس قال:
" يقولون: إن عمر ﵁ نهى عن المتعة، قال عمر ﵁: لو اعتمرت في عام مرتين ثم حججت لجعلتها مع حجتي ".
رواه من طريق عبد الرحمن بن زياد قال: حدثنا شعبة عن سلمة بن كهيل قال: سمعت طاووسا يحدث عن ابن عباس.
قلت: وهذا سند جيد رجاله ثقات معروفون، غير عبد الرحمن بن زياد وهو الرصاصي، قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو زرعة: لا بأس به، ولم يتفرد به، فقد أخرجه الطحاوي أيضا من طريق أخرى عن سفيان عن سلمة بإسناده عنه قال: قال عمر:
فذكر مثله، وسنده جيد أيضا، وقد صححه ابن حزم فقال (٧/١٠٧) في صدد الرد على القائلين بمفضولية المتعة، المحتجين على ذلك بنهي عمر عنها:
هذا خالفه الحنفيون والمالكيون والشافعيون؛ لأنهم متفقون على إباحة متعة الحج، وقد صح عن عمر الرجوع إلى القول بها في الحج، روينا من طريق شعبة عن سلمة بن كهيل عن طاووس عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب: لواعتمرت في سنة مرتين ثم حججت لجعلت مع حجتي عمرة، ورويناه أيضا من طريق سفيان عن سلمة بن
كهيل به، ورويناه أيضا من طرق، فقد رجع عمر ﵁ إلى القول بالمتعة اتباعا للسنة، وذلك هو الظن به، ﵁، فكان ذلك من جملة الأدلة الدالة على ضعف حديث الترجمة، والحمد لله رب العالمين.
١٠٠٤ - " إذا دخلت على مريض فمره أن يدعولك، فإن دعاءه كدعاء الملائكة ".
ضعيف جدا.
رواه ابن ماجه (١/٤٤٠) : حدثنا جعفر بن مسافر: حدثني كثير
стр. 1465
بن هشام: حدثنا جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران عن عمر بن الخطاب قال: قال لي النبي ﷺ . فذكره.
قلت: وهذا سند ضعيف جدا، وله علتان:
الأولى: الانقطاع بين ميمون وعمر، وبه أعلوه، فقال البوصيري في " الزوائد " (ق ٩٠/١) :
هذا الإسناد رجاله ثقات (١) ، إلا أنه منقطع، قال العلائي في " المراسيل "، والمزي في " التهذيب ": إن رواية ميمون بن مهران عن عمر مرسلة.
وقال المنذري في " الترغيب " (٤/١٦٤) :
ورواته ثقات مشهورون، إلا أن ميمون بن مهران لم يسمع من عمر، وتبعه الحافظ في " الفتح " فقال (١٠/٩٩) :
أخرجه ابن ماجه بسند حسن لكن فيه انقطاع، وغفلوا جميعا عن العلة الأخرى، وهي: الثانية: وهي أن راويه عن جعفر بن برقان ليس هو كثير بن هشام كما هو ظاهر هذا الإسناد، بل بينهما رجل متهم، بين ذلك الحسن بن عرفة فقال: حدثنا كثير بن هشام الجزري عن عيسى بن إبراهيم الهاشمي عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران به، أخرجه ابن السني في " عمل اليوم والليلة " (ص ١٧٨) .
وعيسى هذا قال فيه البخاري والنسائي:
منكر الحديث، وقال أبو حاتم:
стр. 1466
متروك الحديث، فلعله سقط من رواية جعفر بن مسافر وهما منه، فقد قال فيه الحافظ:
صدوق ربما أخطأ، ثم رجعت إلى " التهذيب " فرأيته قد تنبه لهذه العلة، فقال متعقبا لقول النووي الذي نقلته عنه آنفا:
فمشى على ظاهر السند، وعلته أن الحسن بن عرفة رواه عن كثير، فأدخل بينه وبين جعفر رجلا ضعيفا جدا، وهو عيسى بن إبراهيم الهاشمي. كذلك أخرجه ابن السني والبيهقي من طريق الحسن، فكأن جعفرا كان يدلس تدليس التسوية، إلا أني وجدت في نسختي من ابن ماجه تصريح كثير بتحديث جعفر له، فلعل كثيرا عنعنه فرواه جعفر عنه بالتصريح، لاعتقاده أن الصيغتين سواء من غير المدلس، لكن ما وقفت على كلام أحد وصفه بالتدليس، فإن كان الأمر كما ظننت أولا، وإلا فيسلم جعفر من التسوية ويثبت التدليس في كثير، والله أعلم.
قلت: لكن أحدا لم يصف أيضا بالتدليس كثيرا هذا، فالأقرب أن جعفرا وهم في سنده؛ فأسقط عيسى منه كما سبق مني، فإنه موصوف بالوهم كما عرفت من " تقريب " الحافظ، وسلفه في ذلك ابن حبان، فإنه قال فيه في " الثقات ":
كتب عن ابن عيينة، ربما أخطأ.
١٠٠٥ - " اكشف الباس، رب الناس! عن ثابت بن قيس بن شماس ".
ضعيف.
أخرجه أبو داود (٢ / ٣٣٧ - طبع الحلبي) وابن حبان في " صحيحه " (رقم ١٤١٨ - موارد) عن يوسف بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ أنه دخل على ثابت بن قيس وهو مريض، فقال:
فذكره، ثم أخذ ترابا من بطحان فجعله في قدح، ثم نفث عليه بماء فصبه عليه، ولفظ ابن حبان: فجعله في قدح فيه ماء فصبه عليه "، لم يذكر النفث.
стр. 1467
قلت: وهذا سند ضعيف علته يوسف بن محمد، وقلبه بعض الرواة فقال: محمد بن يوسف، قال أبو داود: والصواب الأول.
قلت: وهو مجهول العين، أورده ابن أبي حاتم (٤/٢٢٨) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وقال الذهبي في " الميزان ": لا يعرف حاله، روى عنه عمرو بن يحيى بن عمارة.
قلت: الصواب عدم ذكر لفظ (حاله) ، فإنه إذا كان لم يروعنه غير عمرو هذا فهو مجهول العين كما قلنا، وليس مجهول الحال كما هو مقرر في علم مصطلح الحديث.
وأما الحافظ فقال في " التقريب ": مقبول، يعني عند المتابعة وإلا فلين الحديث كما نص عليه في المقدمة.
واعلم أننا إنما أوردنا هذا الحديث لما في آخره من جعل البطحان (وهو الحصا الصغار) في القدح إلخ، فإنه غريب منكر، وأما الدعاء " اكشف الباس رب الناس "، فهو ثابت من حديث عائشة ﵂ بلفظ: " كان يعود بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: اللهم رب الناس، أذهب الباس، واشفه أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما ".
أخرجه الشيخان وغيرهما، وله فيهما وفي " المسند " طرق (٦/٤٤، ٤٥، ٥٠، ١٠٨، ١٠٩، ١١٤، ١١٥، ١٢٠، ١٢٤، ١٢٥، ١٢٧، ١٣١، ٢٠٨، ٢٦٠، ٢٧٨، ٢٨٠) .
١٠٠٦ - " نعم العبد صهيب، لولم يخف الله لم يعصه ".
لا أصل له.
قال السخاوي في " الفتاوي الحديثية " (١٢/٢) : قد اشتهر في كلام الأولين وأصحاب المعاني والعربية من حديث عمر بن الخطاب وذكر الشيخ بهاء الدين السبكي أنه لم يظفر به في شيء من الكتب، وكذا قال جمع من أهل اللغة، ثم رأيت بخط شيخنا ﵀ أنه ظفر به في " مشكل الحديث "
стр. 1468
لأبي محمد بن قتيبة، لكن لم يذكر له ابن قتيبة إسنادا، وقال: أراد أن صهيبا إنما لم يعص الله حياء لا مخافة عذابه، انتهى.
وقد وقعت على معنى ذلك من قول عمر (١) ﵁، إلا أنه في حق سالم مولى أبي حذيفة، فروى أبو نعيم في " الحلية " من طريق عبد الله بن الأرقم:
حضرت عمر عند وفاته مع ابن عباس والمسور بن مخرمة، فقال: رسول الله ﷺ يقول: إن سالما شديد الحب لله ، لوكان لا يخاف ما عصاه، وسنده ضعيف.
قلت: بل هو موضوع؛ لأنه في " الحلية " (١/١٧٧) معلق من طريق محمد بن إسحاق عن الجراح بن منهال عن حبيب بن نجيح عن عبد الرحمن بن غنم قال:
قدمت المدينة في زمان عثمان، فأتيت عبد الله بن الأرقم فقال: حضرت عمر ﵁ عند وفاته مع ابن عباس والمسور بن مخرمة، فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ : فذكره، فلقيت ابن عباس فذكرت ذلك له، فقال: صدق، انطلق بنا إلى المسور بن مخرمة حتى يحدثك به، فجئنا المسور، فقلت: إن عبد الله بن الأرقم حدثني بهذا الحديث، قال: حسبك لا تسل عنه بعد عبد الله بن الأرقم.
قلت: فهذا إسناد هالك، مسلسل بالعلل:
الأولى: أنه معلق غير متصل.
الثانية: أن محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعنه.
الثالثة: أن الجراح بن المنهال متهم بالكذب، وكنيته أبو العطوف، قال
البخاري ومسلم: منكر الحديث.
وقال النسائي والدارقطني: متروك.
وقال ابن حبان: كان يكذب في الحديث، ويشرب الخمر.
стр. 1469
الرابعة: جهالة حبيب بن نجيح، قال أبو حاتم (١/٢/١١٠) :
مجهول، ولا يعتبر برواية أبي العطوف عنه، يعني لضعف أبي العطوف.
وكذا قال الذهبي في " الميزان ": مجهول.
وأما ابن حبان فذكره في " الثقات " على قاعدته في توثيق المجهولين!
١٠٠٧ - " أيما امرأة نكحت على صداق أوحباء أوعدة قبل عصمة النكاح، فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح، فهو لمن أعطيه، وأحق ما أكرم عليه الرجل ابنته أوأخته ".
ضعيف.
أخرجه أبو داود (٢١٢٩) والنسائي (٢/٨٨ - ٨٩) وابن ماجه (١٩٥٥) والبيهقي (٧/٢٤٨) وأحمد (٢/١٨٢) عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لأن ابن جريج مدلس وقد عنعنه.
وقد تابعه مدلس آخر وهو الحجاج بن أرطاة فقال: عن عمرو بن شعيب به ولفظه:
ما استحل به فرج المرأة من مهر أوعدة، فهو لها، وما أكرم به أبوها أوأخوها أووليها بعد عقدة النكاح، فهو له، وأحق ما أكرم الرجل به ابنته أوأخته.
أخرجه البيهقي.
تنبيه: استدل بعضهم بهذا الحديث على أنه يجوز لولي المرأة أن يشترط لنفسه شيئا من المال! وهو لوصح كان دليلا ظاهرا على أنه لواشترط ذلك لم يكن المال له بل للمرأة، قال الخطابي:
هذا يتأول على ما يشترطه الولي لنفسه سوى المهر.
стр. 1470
وقد اعتاد كثير من الآباء مثل هذا الشرط، وأنا وإن كنت لا أستحضر الآن ما يدل على تحريمه، ولكني أرى - والعلم عند الله تعالى - أنه لا يخلومن شيء، فقد صح أن النبي ﷺ قال: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، ولا أظن مسلما سليم الفطرة، لا يرى أن مثل هذا الشرط ينافي مكارم الأخلاق، كيف لا، وكثيرا ما يكون سببا للمتاجرة بالمرأة إلى أن يحظى الأب أوالولي بالشرط الأوفر، والحظ الأكبر، وإلا أعضلها! وهذا لا يجوز لنهي القرآن عنه.
١٠٠٨ - " لواجتمعتما في مشورة ما خالفتكما، يعني أبا بكر وعمر ﵄ ".
ضعيف.
رواه أحمد (٤/٢٢٧) عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر وعمر: فذكره.
قلت: وهذا سند ضعيف، شهر ضعيف لسوء حفظه، وأعله الهيثمي في " المجمع " (٩/٥٣) بعلة أخرى فقال:
رواه أحمد ورجاله ثقات، إلا أن ابن غنم لم يسمع من النبي ﷺ .
ولا يخفى ما في قوله: " ورجاله ثقات " من البعد عن الصواب، فإن شهرا لا يصح أن يوصف بكونه ثقة، وفيه الكلام المعروف عن جماعة من الأئمة.
ولا يتقوى الحديث بحديث البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر:
الحمد لله الذي أيدني بكما، ولولا أنكما تختلفان علي ما خالفتكما ".
قال الهيثمي (٩/٥٢) :
رواه الطبراني في الأوسط، وفيه حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك وهو متروك.
قلت: وقد كذبه غير واحد، وذكر له الذهبي حديثين موضوعين عن مالك! ولذلك فلا يصح الاستشهاد به لكن الشطر الأول من حديث حبيب هذا أخرجه الحاكم (٣/٧٤) عن عاصم بن عمر أخي عبيد الله عن سهيل بن أبي صالح عن محمد بن إبراهيم بن
стр. 1471
الحارث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي أروى الدوسي قال:
كنت جالسا عند النبي ﷺ ، فاطلع أبو بكر وعمر ﵄، فقال رسول الله ﷺ :
الحمد لله الذي أيدني بكما، وقال: صحيح الإسناد، ورده الذهبي بقوله:
قلت: عاصم واه.
١٠٠٩ - " الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء ".
منكر.
أخرجه الترمذي (٢/٢٩٤) والطحاوي (٢/٢٦٨) والدارقطني (٥١٩) والطبراني في " الكبير " (٣/١١٥/١) وعنه الضياء في " المختارة " (٦٢/٢٨٩/٢) والبيهقي (٦/١٠٩) من طريق أبي حمزة السكري عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره وقال الترمذي:
هذا حديث غريب، لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث أبي حمزة السكري، وقد روى غير واحد هذا الحديث عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن النبي ﷺ مرسلا، وهذا أصح ".
وقال الدارقطني:
خالفه شعبة وإسرائيل وعمرو بن أبي قيس وأبو بكر بن عياش؛ فرووه عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة مرسلا، وهو الصواب، ووهم أبو حمزة في إسناده.
وكذا قال البيهقي: أن الصواب مرسل.
قلت: واسم أبي حمزة محمد بن ميمون، وهو ثقة فاضل محتج به في " الصحيحين " كما في " التقريب "، لكن فيه كلام يسير، فقال النسائي:
" لا بأس به إلا أنه كان قد فقد بصره في آخر عمره، فمن كتب عنه قبل ذلك
стр. 1472
فحديثه جيد ".
وذكره ابن القطان الفاسي فيمن اختلط كما في " التهذيب "، وقال أبو حاتم:
" لا يحتج به " كما في " الميزان ".
قلت: فمثله يحتج به إن شاء الله تعالى إذا لم يخالف، وأما مع المخالفة فلا، فإذ قد خالف في هذا الحديث فزاد في السند ابن عباس ووصله خلافا للثقات الآخرين الذين أرسلوه، دل ذلك على وهمه كما جزم به الدارقطني، وأشار إليه الترمذي، وأن الصواب في الحديث أنه مرسل، فهو على ذلك ضعيف لا يحتج به.
وقد روي عن أبي حمزة على وجه آخر، رواه البيهقي من طريق عبدان عنه عن محمد بن عبيد الله عن عطاء عن ابن عباس مرفوعا. وقال:
" ومحمد هذا هو العرزمي، متروك الحديث. وقد روي بإسناد آخر ضعيف عن ابن عباس موصولا ".
ثم ساقه باللفظ الآتي عقب هذا، وقد أخرجه ابن عدي في " الكامل " (ق ٢٨١/٢) عن أبي حمزة عن العرزمي به، وقال:
" لا أعلم رواه عن محمد بن عبيد الله غير أبي حمزة. وقوله: " والشفعة في كل شيء " منكر. ومحمد بن عبيد الله العرزمي عامة رواياته غير محفوظة ".
قلت: ومما يؤيد نكارة هذا الحديث عن ابن عباس أن الطحاوي روى (٢/٢٦٩) من طريق معن بن عيسى عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس قال:
" لا شفعة في الحيوان ".
احتج به الطحاوي على أن قوله في حديث الباب: " الشفعة في كل شيء "، ليس على عمومه يشمل الحيوان وغيره. قال:
" وإنما معناه الشفعة في الدور والعقار والأرضين، والدليل على ذلك ما قد روي عن ابن عباس ﵄، حدثنا أحمد بن داود قال: حدثنا يعقوب قال:
حدثنا معن بن عيسى ... ".
стр. 1473
قلت: وإسناد هذا الموقوف جيد، رجاله كلهم ثقات معروفون، غير أحمد بن داود هذا وهو ابن موسى الدوسي أبو عبد الله وثقه ابن يونس كما في " كشف الأستار " عن " المغاني ".
والحديث قال الحافظ في " الفتح " (٤/٣٤٥) :
" رواه البيهقي، ورجاله ثقات، إلا أنه أعل بالإرسال، وأخرج له الطحاوي شاهدا من حديث جابر بإسناد لا بأس برواته ".
ونقله هكذا الشوكاني في " نيل الأوطار " (٥/٢٨٣) ولكنه - كما هي عادته - لم يعزه إلى الحافظ! وكذلك صنع صديق خان في " الروضة الندية " (٢/١٢٧) إلا أنه وقع عنده بلفظ " بإسناد لا بأس به ". بدل " لا بأس برواته " وشتان ما بين العبارتين، فإن الأولى نص في تقوية الإسناد، بخلاف الأخرى، فإنها نص في تقوية رواته، ولا تلازم بين الأمرين، كما لا يخفى على الخبير بعلم مصطلح الحديث، وذلك لأن للحديث، أوالإسناد الصحيح شروطا أربعة: عدالة الرواة وضبطهم، واتصاله، وسلامته من شذوذ أوعلة، فإذا قال المحدث في سند ما:
" رجاله لا بأس بهم " أوثقات " أو" رجال الصحيح "، ونحو ذلك، فهو نص في تحقق الشرط الأول فيه، وأما الشروط الأخرى فمسكوت عنها، وإنما يفعل ذلك بعض المحدثين في الغالب لعدم علمه بتوفر هذه الشروط الأخرى فيه، أو لعلمه بتخلف أحدها، مثل السلامة من الانقطاع أوالتدليس أونحوذلك من العلل المانعة من إطلاق القول بصحته (١) ، وهذا هو حال إسناد هذا الشاهد، فإن فيه علة لا تسمح بتصحيحه مع كون رجاله ثقاتا، فإنه عند الطحاوي (٢/٣٦٩) من طريق يوسف بن عدي قال: حدثنا ابن إدريس عن ابن جريج عن عطاء عن جابر قال:
" قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شيء ".
فأول علة تبدو للناظر لأول وهلة في هذا السند هو عنعنة ابن جريج، فإنه كان يدلس بشهادة غير واحد من الأئمة المتقدمين والمتأخرين، بل قال الدارقطني: " تجنب تدليس ابن جريج فإنه قبيح التدليس، لا يدلس
стр. 1474
إلا فيما سمعه من مجروح، مثل إبراهيم بن أبي يحيى وموسى بن عبيدة وغيرهما " ووصفه بالتدليس الذهبي والعسقلاني وغيرهما.
على أنه يمكن للباحث في طرق هذا الحديث أن يكشف عن علة أخرى في هذا السند، وذلك أن جماعة من الثقات الأثبات رووه عن عبد الله بن إدريس عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر به، بلفظ:
" قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شرك لم يقسم، ربعة أوحائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باع فلم يؤذنه فهو أحق به ".
أخرجه مسلم (٥/٥٧) والنسائي (٢/٢٣٤) والدارمي (٢/٢٧٣ - ٢٧٤) والطحاوي (٢/٢٦٥) وابن الجارود (رقم ٦٤٢) والدارقطني (٥٢٠) والبيهقي (٦/١٠١) كلهم عن الجماعة به.
وقد صرح ابن جريج بالسماع من أبي الزبير، وهذا من جابر في رواية الطحاوي، وهو رواية لمسلم. فهذا هو المحفوظ عن ابن إدريس عن ابن جريج، إنما هو عن أبي الزبير ليس عن عطاء.
وقد تابعه إسماعيل بن إبراهيم - وهو ابن علية - عن ابن جريج به.
أخرجه النسائي (٢/٢٢٩) وصرح عنده ابن جريج بالتحديث وأحمد (٣/٣١٦) وعنه أبو داود (٢/٢٥٦) والبيهقي.
ومن الملاحظ في هذا اللفظ أن طرفه الأول موافق تماما لرواية يوسف بن عدي عن ابن جريج المتقدمة؛ إلا في حرف واحد وهو قوله: " في كل شرك "، فإن لفظه في الرواية المشار إليها " في كل شيء "، فأخشى أن يكون تصحف على بعض رواتها.
ويؤيده تمام الحديث في الرواية المحفوظة " لم يقسم ... " فإنه يدل على أن الحديث ليس فيه هذا العموم الذي أفادته تلك الرواية، بل يدل على أنه خاص بغير المنقول من دار أوبستان أوأرض، قال الحافظ في " الفتح " (٤/٣٤٥) :
" وقد تضمن هذا الحديث ثبوت الشفعة في المشاع، وصدره يشعر بثبوتها في المنقولات، وسياقه يشعر باختصاصها بالعقار، وبما فيه العقار ".
стр. 1475
فثبت مما تقدم أن هذا الشاهد عن جابر لا يصلح شاهدا لحديث ابن عباس لثبوت خطأ الراوي في قوله: " شيء " بدل: " شرك "، فهو شاذ، ومقابله هو المحفوظ.
على أنه يمكن أن يقال: لوسلمنا جدلا بأن هذا اللفظ محفوظ، فإن مما لا شك فيه أنه مختصر من الرواية المحفوظة كما تقدم، فلابد أن يضم إليه تمام الحديث الذي رواه الثقات، وعند ذلك يتبين أن عموم هذا اللفظ ليس بمراد، وأن اختصار الحديث من الراوي اختصار مخل بالمعنى.
ويؤيد ذلك أن الحديث ورد من طريق أخرى عن جابر بهذا التمام، فقال أحمد: (٣/٢٩٦) :
حدثنا عبد الرزاق: أنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال:
إنما جعل رسول الله ﷺ الشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة.
ومن طريق أحمد أخرجه أبو داود (٢/٢٥٦) وعنه البيهقي (٦/١٠٢ - ١٠٣) ثم أخرجه هذا من طريق أخرى عن عبد الرزاق به، إلا أنه قال: " كل ما لم يقسم ".
وهكذا وقع عند أبي داود من طريق أحمد، ويرجح هذا أن البخاري أخرجه من طريق عبد الواحد بن زياد عن معمر به، لكن وقع في مكان آخر عند البخاري من هذا الوجه (٤/٣٢٣) بلفظ: " كل مال " مثل رواية أحمد، إلا أن كلام الحافظ في شرحه يشعر بأن اللفظ إنما هو باللفظ الذي قبله " كل ما لم يقسم " فالظاهر أن خلافه خطأ على عبد الواحد من بعض الرواة أوالنساخ، نعم أخرجه البخاري من طريق أخرى عن عبد الرزاق بلفظ أحمد، " كل مال " ورجح الحافظ هذا اللفظ بأن إسحاق بن راهويه قد رواه عن عبد الرزاق بلفظ " قضى بالشفعة في الأموال ما لم تقسم "، والله أعلم.
فلوأن بعض الرواة اقتصر من هذا الحديث على قوله: " قضى بالشفعة في الأموال " لأوهم العموم الذي أوهمته رواية الطحاوي الشاذة، فالحمد لله الذي حفظ لنا أحاديث نبينا