← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 12762

سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (11 273 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الحارث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي أروى الدوسي قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ ، فاطلع أبو بكر وعمر ﵄، فقال رسول الله ﷺ : الحمد لله الذي أيدني بكما، وقال: صحيح الإسناد، ورده الذهبي بقوله: قلت: عاصم واه. ١٠٠٩ - " الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء ". منكر. أخرجه الترمذي (٢/٢٩٤) والطحاوي (٢/٢٦٨) والدارقطني (٥١٩) والطبراني في " الكبير " (٣/١١٥/١) وعنه الضياء في " المختارة " (٦٢/٢٨٩/٢) والبيهقي (٦/١٠٩) من طريق أبي حمزة السكري عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث أبي حمزة السكري، وقد روى غير واحد هذا الحديث عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن النبي ﷺ مرسلا، وهذا أصح ". وقال الدارقطني: خالفه شعبة وإسرائيل وعمرو بن أبي قيس وأبو بكر بن عياش؛ فرووه عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة مرسلا، وهو الصواب، ووهم أبو حمزة في إسناده. وكذا قال البيهقي: أن الصواب مرسل. قلت: واسم أبي حمزة محمد بن ميمون، وهو ثقة فاضل محتج به في " الصحيحين " كما في " التقريب "، لكن فيه كلام يسير، فقال النسائي: " لا بأس به إلا أنه كان قد فقد بصره في آخر عمره، فمن كتب عنه قبل ذلك

стр. 1472

فحديثه جيد ". وذكره ابن القطان الفاسي فيمن اختلط كما في " التهذيب "، وقال أبو حاتم: " لا يحتج به " كما في " الميزان ". قلت: فمثله يحتج به إن شاء الله تعالى إذا لم يخالف، وأما مع المخالفة فلا، فإذ قد خالف في هذا الحديث فزاد في السند ابن عباس ووصله خلافا للثقات الآخرين الذين أرسلوه، دل ذلك على وهمه كما جزم به الدارقطني، وأشار إليه الترمذي، وأن الصواب في الحديث أنه مرسل، فهو على ذلك ضعيف لا يحتج به. وقد روي عن أبي حمزة على وجه آخر، رواه البيهقي من طريق عبدان عنه عن محمد بن عبيد الله عن عطاء عن ابن عباس مرفوعا. وقال: " ومحمد هذا هو العرزمي، متروك الحديث. وقد روي بإسناد آخر ضعيف عن ابن عباس موصولا ". ثم ساقه باللفظ الآتي عقب هذا، وقد أخرجه ابن عدي في " الكامل " (ق ٢٨١/٢) عن أبي حمزة عن العرزمي به، وقال: " لا أعلم رواه عن محمد بن عبيد الله غير أبي حمزة. وقوله: " والشفعة في كل شيء " منكر. ومحمد بن عبيد الله العرزمي عامة رواياته غير محفوظة ". قلت: ومما يؤيد نكارة هذا الحديث عن ابن عباس أن الطحاوي روى (٢/٢٦٩) من طريق معن بن عيسى عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس قال: " لا شفعة في الحيوان ". احتج به الطحاوي على أن قوله في حديث الباب: " الشفعة في كل شيء "، ليس على عمومه يشمل الحيوان وغيره. قال: " وإنما معناه الشفعة في الدور والعقار والأرضين، والدليل على ذلك ما قد روي عن ابن عباس ﵄، حدثنا أحمد بن داود قال: حدثنا يعقوب قال: حدثنا معن بن عيسى ... ".

стр. 1473

قلت: وإسناد هذا الموقوف جيد، رجاله كلهم ثقات معروفون، غير أحمد بن داود هذا وهو ابن موسى الدوسي أبو عبد الله وثقه ابن يونس كما في " كشف الأستار " عن " المغاني ". والحديث قال الحافظ في " الفتح " (٤/٣٤٥) : " رواه البيهقي، ورجاله ثقات، إلا أنه أعل بالإرسال، وأخرج له الطحاوي شاهدا من حديث جابر بإسناد لا بأس برواته ". ونقله هكذا الشوكاني في " نيل الأوطار " (٥/٢٨٣) ولكنه - كما هي عادته - لم يعزه إلى الحافظ! وكذلك صنع صديق خان في " الروضة الندية " (٢/١٢٧) إلا أنه وقع عنده بلفظ " بإسناد لا بأس به ". بدل " لا بأس برواته " وشتان ما بين العبارتين، فإن الأولى نص في تقوية الإسناد، بخلاف الأخرى، فإنها نص في تقوية رواته، ولا تلازم بين الأمرين، كما لا يخفى على الخبير بعلم مصطلح الحديث، وذلك لأن للحديث، أوالإسناد الصحيح شروطا أربعة: عدالة الرواة وضبطهم، واتصاله، وسلامته من شذوذ أوعلة، فإذا قال المحدث في سند ما: " رجاله لا بأس بهم " أوثقات " أو" رجال الصحيح "، ونحو ذلك، فهو نص في تحقق الشرط الأول فيه، وأما الشروط الأخرى فمسكوت عنها، وإنما يفعل ذلك بعض المحدثين في الغالب لعدم علمه بتوفر هذه الشروط الأخرى فيه، أو لعلمه بتخلف أحدها، مثل السلامة من الانقطاع أوالتدليس أونحوذلك من العلل المانعة من إطلاق القول بصحته (١) ، وهذا هو حال إسناد هذا الشاهد، فإن فيه علة لا تسمح بتصحيحه مع كون رجاله ثقاتا، فإنه عند الطحاوي (٢/٣٦٩) من طريق يوسف بن عدي قال: حدثنا ابن إدريس عن ابن جريج عن عطاء عن جابر قال: " قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شيء ". فأول علة تبدو للناظر لأول وهلة في هذا السند هو عنعنة ابن جريج، فإنه كان يدلس بشهادة غير واحد من الأئمة المتقدمين والمتأخرين، بل قال الدارقطني: " تجنب تدليس ابن جريج فإنه قبيح التدليس، لا يدلس

стр. 1474

إلا فيما سمعه من مجروح، مثل إبراهيم بن أبي يحيى وموسى بن عبيدة وغيرهما " ووصفه بالتدليس الذهبي والعسقلاني وغيرهما. على أنه يمكن للباحث في طرق هذا الحديث أن يكشف عن علة أخرى في هذا السند، وذلك أن جماعة من الثقات الأثبات رووه عن عبد الله بن إدريس عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر به، بلفظ: " قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شرك لم يقسم، ربعة أوحائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باع فلم يؤذنه فهو أحق به ". أخرجه مسلم (٥/٥٧) والنسائي (٢/٢٣٤) والدارمي (٢/٢٧٣ - ٢٧٤) والطحاوي (٢/٢٦٥) وابن الجارود (رقم ٦٤٢) والدارقطني (٥٢٠) والبيهقي (٦/١٠١) كلهم عن الجماعة به. وقد صرح ابن جريج بالسماع من أبي الزبير، وهذا من جابر في رواية الطحاوي، وهو رواية لمسلم. فهذا هو المحفوظ عن ابن إدريس عن ابن جريج، إنما هو عن أبي الزبير ليس عن عطاء. وقد تابعه إسماعيل بن إبراهيم - وهو ابن علية - عن ابن جريج به. أخرجه النسائي (٢/٢٢٩) وصرح عنده ابن جريج بالتحديث وأحمد (٣/٣١٦) وعنه أبو داود (٢/٢٥٦) والبيهقي. ومن الملاحظ في هذا اللفظ أن طرفه الأول موافق تماما لرواية يوسف بن عدي عن ابن جريج المتقدمة؛ إلا في حرف واحد وهو قوله: " في كل شرك "، فإن لفظه في الرواية المشار إليها " في كل شيء "، فأخشى أن يكون تصحف على بعض رواتها. ويؤيده تمام الحديث في الرواية المحفوظة " لم يقسم ... " فإنه يدل على أن الحديث ليس فيه هذا العموم الذي أفادته تلك الرواية، بل يدل على أنه خاص بغير المنقول من دار أوبستان أوأرض، قال الحافظ في " الفتح " (٤/٣٤٥) : " وقد تضمن هذا الحديث ثبوت الشفعة في المشاع، وصدره يشعر بثبوتها في المنقولات، وسياقه يشعر باختصاصها بالعقار، وبما فيه العقار ".

стр. 1475

فثبت مما تقدم أن هذا الشاهد عن جابر لا يصلح شاهدا لحديث ابن عباس لثبوت خطأ الراوي في قوله: " شيء " بدل: " شرك "، فهو شاذ، ومقابله هو المحفوظ. على أنه يمكن أن يقال: لوسلمنا جدلا بأن هذا اللفظ محفوظ، فإن مما لا شك فيه أنه مختصر من الرواية المحفوظة كما تقدم، فلابد أن يضم إليه تمام الحديث الذي رواه الثقات، وعند ذلك يتبين أن عموم هذا اللفظ ليس بمراد، وأن اختصار الحديث من الراوي اختصار مخل بالمعنى. ويؤيد ذلك أن الحديث ورد من طريق أخرى عن جابر بهذا التمام، فقال أحمد: (٣/٢٩٦) : حدثنا عبد الرزاق: أنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال: إنما جعل رسول الله ﷺ الشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. ومن طريق أحمد أخرجه أبو داود (٢/٢٥٦) وعنه البيهقي (٦/١٠٢ - ١٠٣) ثم أخرجه هذا من طريق أخرى عن عبد الرزاق به، إلا أنه قال: " كل ما لم يقسم ". وهكذا وقع عند أبي داود من طريق أحمد، ويرجح هذا أن البخاري أخرجه من طريق عبد الواحد بن زياد عن معمر به، لكن وقع في مكان آخر عند البخاري من هذا الوجه (٤/٣٢٣) بلفظ: " كل مال " مثل رواية أحمد، إلا أن كلام الحافظ في شرحه يشعر بأن اللفظ إنما هو باللفظ الذي قبله " كل ما لم يقسم " فالظاهر أن خلافه خطأ على عبد الواحد من بعض الرواة أوالنساخ، نعم أخرجه البخاري من طريق أخرى عن عبد الرزاق بلفظ أحمد، " كل مال " ورجح الحافظ هذا اللفظ بأن إسحاق بن راهويه قد رواه عن عبد الرزاق بلفظ " قضى بالشفعة في الأموال ما لم تقسم "، والله أعلم. فلوأن بعض الرواة اقتصر من هذا الحديث على قوله: " قضى بالشفعة في الأموال " لأوهم العموم الذي أوهمته رواية الطحاوي الشاذة، فالحمد لله الذي حفظ لنا أحاديث نبينا

стр. 1476

كاملة غير منقوصة، وجعلها بيانا للقرآن وألزمنا العمل بها كما ألزمنا العمل به. تنبيه: عرفت مما سبق ضعف حديث ابن عباس وشاهده من حديث جابر، فلا تغتر بما يدل عليه كلام الصنعاني في " سبل السلام " من الميل إلى تصحيحه، بعد أن عرفت الحق فيه، لا سيما وهو قد اغتر بقول الحافظ في حديث جابر في " البلوغ ": " ورجاله ثقات "، فإنه مثل قوله في " الفتح " كما تقدم: " لا بأس برواته "، وقد سبق تفصيل الكلام في المراد بمثل هذا القول، وأنه لا يستلزم الصحة، فلا يفيد إعادة الكلام فيه، وإنما الغرض الآن أن الصنعاني قد خلط عجيبا في كلامه على حديث ابن عباس هذا، فإنه قال عقب حديث جابر عند الطحاوي: ومثله عن ابن عباس عند الترمذي مرفوعا: الشفعة في كل شيء، وإن قيل: إن رفعه خطأ، فقد ثبت إرساله عن ابن عباس، وهو شاهد لرفعه، على أن مرسل الصحابي إذا صحت عنه الرواية حجة، هكذا قال! وقد علمت أن الخلاف ليس في رفعه ووقفه، وإنما في إرساله ووصله، فكأنه أطلق على الوصل الرفع، فلئن كان ذلك، فما معنى قوله: ثبت إرساله عن ابن عباس، على أن مرسل الصحابي حجة.. لا شك أن هذا كلام مضطرب لا يتحصل منه على شيء! وأما اللفظ الآخر الذي سبقت الإشارة إليه فهو: ١٠١٠ - " الشفعة في العبيد، وفي كل شيء ". ضعيف جدا. رواه أبو بكر الشافعي في " الفوائد " (٣/١٨/٢) وعنه ابن عساكر (١٣/١٨٥/٢) وابن عدي في " الكامل " (ق ٢٤٣/٢) والبيهقي (٦/١١٠) من طرق، عن عمر بن هارون البلخي عن شعبة عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا، وقال ابن عدي: وهذا الحديث يعرف بعفان البلخي عن عمر ابن هارون، ووثب عليه ابن حميد، رواه عن عمر بن هارون، وكان وثابا.

стр. 1477

كذا قال، وهو عند البيهقي من طريقين آخرين عن ابن هارون، وعند الشافعي من طريق ثالثة عنه فلم ينفرد به عفان البلخي، فالصواب ما يقوله البيهقي: تفرد به عمر بن هارون البلخي عن شعبة وهو ضعيف لا يحتج به. قلت: بل هو متروك شديد الضعف، قال الذهبي في " الضعفاء ": تركوه. وقال الحافظ في " التقريب ": متروك وكان حافظا. ١٠١١ - " من كذب علي متعمدا، ليضل به الناس، فليتبوأ مقعده من النار ". منكر بهذه الزيادة. وقد رويت من حديث عبد الله بن مسعود والبراء بن عازب وعمرو بن حريث وعمرو ابن عبسة. ١ - أما حديث ابن مسعود، فمداره على طلحة بن مصرف، يرويه عنه الحسن بن عمارة والأعمش. أما حديث ابن عمارة، فأخرجه الطبراني في جزء " طرق حديث من كذب علي متعمدا " (ق ٣٥/١) بسنده عنه عن طلحة بن مصرف عن أبي عمار عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله ابن مسعود مرفوعا. وهذا سند رجاله ثقات غير الحسن بن عمارة فهو متروك متهم بالكذب. أما حديث الأعمش، فقد رواه جماعة، واختلفوا عليه في سنده ومتنه على وجوه: الأول: سفيان الثوري، فقال: عن الأعمش عن طلحة به، مثل رواية الحسن بن عمارة متنا وسندا، إلا أنه قال: عن عمرو بن شرحبيل عن رجل من أصحاب النبي ﷺ .

стр. 1478

أخرجه الطحاوي في " مشكل الآثار " (١/١٧٤) : حدثنا أحمد ابن شعيب حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو أحمد حدثنا سفيان به. قلت: وهذا سند رجاله كلهم ثقات، فظاهره الصحة، لكن فيه هذا الاختلاف الذي نحن في صدد بيانه، وما سيأتي ذكره. الثاني: يونس بن بكير، فقال: عن الأعمش عن طلحة به مثل رواية الحسن سندا ومتنا، إلا أنه أسقط منه (أبي عمار) ، أخرجه الطحاوي والطبراني (٣٥/١) ، ورجاله ثقات أيضا، وفيه ما سبق، وليس عند الطبراني الزيادة، ورواه البزار كالطحاوي، قال الهيثمي (١/١٤٤) : ورجاله رجال الصحيح. الثالث: أبو معاوية، فقال: عن الأعمش به، مثل رواية الحسن إسنادا، إلا أنه جعله من مسند علي لا من مسند ابن مسعود، وخالف في المتن فلم يذكر فيه الزيادة أخرجه الطبراني في جزئه (٣٢/٢) من طريق يحيى بن طلحة اليربوعي قال: أخبرنا أبو معاوية به، لكن اليربوعي هذا لين الحديث كما في " التقريب ". وقد خالفه محمد بن العلاء فقال: حدثنا الأعمش به مثله إلا أنه لم يذكر ابن مسعود فأرسله، رواه الطحاوي. ومما سبق يتبين أن أصح روايات هؤلاء الثلاثة رواية سفيان الثوري، لأنه أوثقهم وأضبطهم وأحفظهم، وعليه يمكن أن يقال: إن إسناد الحديث من هذا الوجه صحيح ولا يضره الاختلاف المذكور لأنه مرجوح. قلت: وكان ينبغي أن يقال هذا، لولا أن هناك شيئين يقفان في سبيل ذلك:

стр. 1479

الأول: أن الأعمش موصوف بالتدليس، وقد عنعنه في جميع الروايات عنه، فذلك يمنع من تصحيح هذا الحديث، وإن كان العلماء المتأخرون قد مشوا أحاديثه المعنعنة إلا إذا بدا لهم ما يمنع من ذلك، وهذا الحديث من هذا القبيل، فإن فيه ما يأتي، وهو: الثاني: أن الحديث قد صح عن ابن مسعود من طرق ليس في شيء منها تلك الزيادة، فأخرجه الترمذي (٢/١١٠) والطحاوي (١/١٦٧) والطيالسي (٣٦٢) وأحمد (١/٤٠٢، ٤٠٥، ٤٥٤) والطبراني (٣٤/١) كلهم عن زر، والطيالسي (٣٤٢) وأحمد (١/٣٨٩، ٤٠١، ٤٣٦) والطبراني (٣٤/٢) عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن مسعود، والطبراني أيضا عن أبي وائل ومسروق، كلهم عن ابن مسعود مرفوعا به دون الزيادة. قلت: فهذا كله يدل على أن هذه الزيادة غير محفوظة عن ابن مسعود ﵁، بل هي شاذة أومنكرة، وقد قال الطحاوي عقب رواية يونس بن بكير المتقدمة: وهذا حديث منكر، وليس أحد يرفعه بهذا اللفظ غير يونس بن بكير، وطلحة بن مصرف ليس في سنه ما يدرك عمرو بن شرحبيل، لقدم وفاته. كذا قال، وقد عرفت أن سفيان الثوري قد رفعه بهذا اللفظ، وجود إسناده، فذكر بين طلحة بن مصرف وعمرو بن شرحبيل أبا عمار واسمه عريب - بفتح المهملة - ابن حميد الدهني، وهو ثقة، فالسند متصل مرفوع، وإنما علته الحقيقية العنعنة والمخالفة كما سبق بيانه، وقد أعله غير الطحاوي بنحوإعلاله، فقال الحافظ في " الفتح " (١/١٧٨) بعد أن ذكر الحديث من رواية البزار، وذكر أن الزيادة لا تثبت: اختلف في وصله وإرساله، ورجح الدارقطني والحاكم إرساله، وأخرجه الدارمي من حديث يعلى بن مرة بسند ضعيف. قلت: لم أقف على أحد أرسله غير أبي معاوية من رواية محمد بن العلاء عنه عند الطحاوي كما تقدم، وأبو معاوية - واسمه محمد بن خازم - وإن كان أحفظ الناس لحديث الأعمش كما قال الحافظ في " التقريب " فقد خالفه سفيان الثوري وهو الثقة الحافظ الإمام، وتابعه يونس بن بكير، وهو من رجال مسلم لكنه يخطيء، فروايتهما أرجح من رواية أبي

стр. 1480

معاوية، لأنهما أكثر عددا، لا سيما ومعهما زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، والله أعلم. وجملة القول: أن هذه الزيادة لا تثبت في حديث ابن مسعود، والعلة: العنعنة والمخالفة في نقدي، والإرسال في رأي الطحاوي والدارقطني والحاكم، وقال عبد الحق في " الأحكام " (١٥٣) : لا تصح. وقد روي الحديث عن طلحة بن مصرف بإسناد آخر وهو: ٢ - وأما حديث البراء بن عازب، فيرويه محمد بن عبيد الله العرزمي عن طلحة بن مصرف عن عبد الرحمن بن عوسجة عنه، أخرجه الطبراني في جزئه (٣٩/٢) . قلت: وعلته العرزمي هذا فإنه ضعيف جدا، وهذا معنى قول الحافظ فيه: متروك. ٣ - وأما حديث عمرو بن حريث، فيرويه عمر بن صبح عن خالد بن ميمون عن عبد الكريم بن أبي المخارق عن عامر بن عبد الواحد عنه، أخرجه الطبراني في جزئه أيضا (٤٢/٢) . قلت: وفيه علتان: الأولى: عمر بن صبح هذا، قال الحافظ: متروك، كذبه ابن راهويه. الثانية: عبد الكريم بن أبي المخارق ضعيف، وبه أعله الهيثمي فقال في " مجمع الزوائد " (١/١٤٦) : رواه الطبراني في " الكبير "، وفيه عبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف. قلت: ربط العلة به وحده ليس من الإنصاف في شيء، وفي الطريق إليه ذاك الكذاب عمر بن صبح، إلا أن يقال: إنه ليس في طريق الطبراني في " الكبير "، لكني أستبعد هذا لأنه لوكان كذلك لذكر في جزئه الخاص بهذا الحديث وطرقه هذه الطريق السالمة من ذاك الكذاب، أوعلى الأقل لجمع بينهما، كما رأيناه فعل في أحاديث أخرى، كحديث ابن مسعود على ما تقدم نقله عنه.

стр. 1481

٤ - وأما حديث عمرو بن عبسة، فأورده الهيثمي وقال: رواه الطبراني في " الكبير "، وإسناده حسن. قلت: لكن الزيادة فيه لم تتفق عليها نسخ " المجمع "، بل تفردت بها النسخة الهندية، كما في هامش الكتاب، ويترجح عندي عدم ثبوتها، لأن الطبراني قد أخرج الحديث في جزئه (٤٣/١) وليس فيه أيضا هذه الزيادة. ثم إن قوله: وإسناده حسن نظرا، فإن فيه محمد بن أبي النوار، أورده ابن أبي حاتم (٤/١/١١١) وذكر أنه روى عنه ثلاثة من الثقات، ولم يحك فيه جرحا ولا تعديلا، وهذا من شيوخه بريد بن أبي مريم، ثم ذكر ابن أبي حاتم عقبه ترجمة أخرى، فقال: محمد بن أبي النوار سمع حبان السلمي - صاحب الدفينة، سمع ابن عمر - سمعت أبي يقول: لا أعرفه. فقد فرق بينهما أبو حاتم، وفي " اللسان ": قال النباتي: جمعهما البخاري وهو أشبه، والله أعلم. (تنبيه) : سبق فيما نقلته عن الحافظ ابن حجر (ص ٢٠) أن الحديث رواه الدارمي عن يعلى بن مرة، وقد رجعت إلى " سنن الدارمي "، فوجدت الحديث فيه (١/٧٦) كما ذكر الحافظ، لكن ليس فيه تلك الزيادة! فلا أدري أذلك من اختلاف نسخ " السنن "، أم أن الحافظ وهم، وقد يؤيد الثاني أن الطبراني أخرجه (٤٤/٢) عن يعلى كما أخرجه الدارمي بدون الزيادة، ومن الممكن أن يقال: إنه لا وهم فيه، وإنما تساهل في إطلاق العزوإليه، والله أعلم. ثم إن الحديث لوصح بهذه الزيادة فليست اللام فيه للعلة، بل للصيرورة كما فسر قوله تعالى: " فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس "، والمعنى أن مآل أمره إلى الإضلال، أوهو من تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر فلا مفهوم له كقوله تعالى: " ولا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة "؛ " ولا تقتلوا أولادكم من إملاق "، فإن قتل

стр. 1482

الأولاد ومضاعفة الربا والإضلال في هذه الآيات إنما هو لتأكيد الأمر فيها، لا لاختصاص الحكم كما قال الحافظ ﵀ وغيره. (فائدة) : لقد اشتهر عند العلماء أن هذا الحديث متواتر بدون الزيادة طبعا، وقد اعتنى جماعة من الحفاظ بجمع طرقه، قال الحافظ: فأول من وقفت على كلامه في ذلك علي بن المديني، وتبعه يعقوب بن شيبة فقال: روي هذا الحديث من عشرين وجها عن الصحابة من الحجازيين وغيرهم، ثم إبراهيم الحربي وأبو بكر البزار، فقال كل منهما: إنه أورده من حديث أربعين من الصحابة، وجمع طرقه في ذلك العصر أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد؛ فزاد قليلا، وقال أبو بكر الصيرفي شارح " رسالة الشافعي ": رواه ستون نفسا من الصحابة، وجمع طرقه الطبراني فزاد قليلا. قلت: وقد وقفت والحمد لله على كتاب الطبراني في ذلك كما سبقت الإشارة إليه، وقد رأيت أن أسوق أسماء رواتها من الصحابة ﵃، مع الإشارة إلى عدد الطرق عن كل واحد منهم بجانب الاسم، وهناك آخرون منهم ساق الطبراني أحاديثهم لدلالتها على التحذير من الكذب على النبي ﷺ ولكنها أحاديث أخرى، ولذلك لم أسق أسماءهم فليعلم ذلك. ١ - أبو أمامة الباهلي ٣ ٢ - أبو بكر الصديق ٢ ٣ - أبو ذر الغفاري ١ ٤ - أبو سعيد الخدري ٥ ٥ - أبو عبيدة بن الجراح ١ ٦ - أبو قتادة الأنصاري ٣ ٧ - أبو قرصافة: جندرة بن خيشنة ١ ٨ - أبو موسى الأشعري ١ ٩ - أبو موسى الغافقي ١ ١٠ - أبو هريرة ١١ ١١ - أسامة بن زيد بن حارثة ١ ١٢ - أنس بن مالك ١٥ ١٣ - البراء بن عازب ١ ١٤ - بريدة بن الحصيب ١ ١٥ - جابر بن حابس العبدي ١ ١٦ - جابر بن عبد الله ٣ ١٧ - خالد بن عرفطة ١ ١٨ - رافع بن خديج ١

стр. 1483

١٩ - الزبير بن العوام ١ 20 - زيد بن أرقم 1 21 - السائب بن يزيد 1 ٢٢ - سعد بن المدحاس ١ ٢٣ - سعيد بن زيد بن عمرو ١ 24 - سلمان الفارسي 1 25 - سلمة بن الأكوع 1 ٢٦ - صهيب بن سنان ١ ٢٧ - طارق بن أشيم ١ 28 - طلحة بن عبيد الله 1 29 - عائشة بنت أبي بكر 2 ٣٠ - عبد الله بن الحارث ١ ٣١ - عبد الله بن الزبير ١ 32 - عبد الله بن زغب 1 33 - عبد الله بن عباس 1 ٣٤ - عبد الله بن عمر ٣ ٣٥ - عبد الله بن عمرو بن العاص ٥ 36 - عبد الله بن مسعود 5 37 - عتبة بن غزوان 1 ٣٨ - عثمان بن عفان ٣ ٣٩ - العرس بن عميرة الكندي ١ 40 - عقبة بن عامر 2 41 - علي بن أبي طالب 7 ٤٢ - عمار بن ياسر ١ ٤٣ - عمر بن الخطاب ٣ 44 - عمران بن الحصين 1 45 - عمرو بن حريث 1 ٤٦ - عمرو بن عبسة ١ ٤٧ - عمرو بن مرة الجهني ١ 48 - قيس بن سعد بن عبادة 1 49 - كعب بن قسطة 1 ٥٠ - معاذ بن جبل ١ ٥١ - معاوية بن أبي سفيان ٢ 52 - المغيرة بن شعبة 2 53 - نبيط بن شريط 1 ٥٤ - يعلى بن مرة ١ وقد لاحظت أن جميع هؤلاء الصحابة الذين رووا هذا الحديث " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار "، قد ثبت في حديثهم لفظة " متعمدا " حاشا أفرادا منهم وهو أصحاب الأرقام (٦، ٧، ١١، ٢٢، ٢٥، ٢٨، ٣١) وهي ثابتة في " الصحيحين " وغيرهما في حديث طائفة ممن رواها عند الطبراني، فهي إذن متواترة فيه نحوتواتره، فهي ثابتة عنه ﷺ يقينا خلافا لمن زعم بجهله البالغ أنها من وضع بعض المحدثين! كما كنت ذكرت في مقدمة هذه السلسلة (١/١١)

стр. 1484

وإن مما يحسن ذكره بهذه المناسبة أن البيهقي نقل عن الحاكم ووافقه، أن الحديث جاء من رواية العشرة المبشرين بالجنة، قال: وليس في الدنيا حديث أجمع العشرة على روايته غيره. قال الحافظ: فقد تعقبه غير واحد، لكن الطرق عنهم موجودة فيما جمعه ابن الجوزي (يعني في مقدمة كتاب " الموضوعات ") ومن بعده، والثابت منها ما قدمت ذكره فمن الصحاح: علي والزبير، ومن الحسان: طلحة وسعد وسعيد وأبو عبيدة، ومن الضعيف المتماسك طريق عثمان وبقيتها ضعيف ساقط. قلت: قد عرفت من الكشف السابق أن لحديث عثمان ﵁ ثلاث طرق ثم إن أحدها صحيح، والآخر حسن، وقد أخرجهما الطحاوي أيضا (١/١٦٥ - ١٦٦) ، فحديثه من الصحيح أيضا. ١٠١٢ - " تحية البيت الطواف ". لا أعلم له أصلا. وإن اشتهر على الألسنة، وأورده صاحب " الهداية " من الحنفية بلفظ: " من أتى البيت فليحيه بالطواف ". وقد أشار الحافظ الزيلعي في تخريجه إلى أنه لا أصل له، بقوله (٢/٥١) : غريب جدا، وأفصح عن ذلك الحافظ ابن حجر فقال في " الدراية " (ص ١٩٢) : لم أجده. قلت: ولا أعلم في السنة القولية أوالعملية ما يشهد لمعناه، بل إن عموم الأدلة الواردة في الصلاة قبل الجلوس في المسجد تشمل المسجد الحرام أيضا، والقول بأن تحيته الطواف مخالف للعموم المشار إليه، فلا يقبل إلا بعد ثبوته وهيهات، لا سيما وقد ثبت بالتجربة أنه لا يمكن للداخل إلى المسجد الحرام الطواف كلما دخل المسجد في أيام المواسم، فالحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، " وما جعل عليكم في الدين من حرج ".

стр. 1485

وإن مما ينبغي التنبه له أن هذا الحكم إنما هو بالنسبة لغير المحرم، وإلا فالسنة في حقه أن يبدأ بالطواف ثم بالركعتين بعده، انظر بدع الحج والعمرة في رسالتي " مناسك الحج والعمرة "، رقم البدعة (٣٧) . ١٠١٣ - " إذا رميتم وذبحتم وحلقتم حل لكم كل شيء إلا النساء ". منكر. رواه الطبري في " تفسيره " (ج٤ رقم ٣٩٦٠) ، والدارقطني في " سننه " (٢٧٩) عن عبد الرحيم بن سليمان عن حجاج عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة قالت: " سألت عائشة أم المؤمنين ﵂: متى يحل المحرم؟ فقالت: قال رسول الله ﷺ .... " فذكره، ثم قال: قال (يعني الحجاج) : وذكر الزهري عن عمرة عن عائشة عن النبي ﷺ مثله. قلت: وهذا إسناد كما قال الحافظ في " بلوغ المرام "، فيه ضعف، وعلته الحجاج وهو ابن أرطاة وهو مدلس وقد عنعنه، وبالإضافة إلى ذلك فقد اختلفوا عليه في متنه، فقال عبد الرحيم عنه هكذا، وخالفه يزيد - وهو ابن هارون - فقال: أخبرنا الحجاج عن أبي بكر بن محمد به دون قوله: " وذبحتم ". أخرجه الطحاوي (١/٤١٩) وأحمد (٦/١٤٣) والبيهقي (٥/١٣٦) وأبو بكر الشافعي في " الفوائد " (٦/٦٤/٢) . وخالفهما عبد الواحد بن زياد فقال: حدثنا الحجاج عن الزهري به، دون قوله: " وذبحتم وحلقتم ". أخرجه أبو داود (١/٣١٠ - التازية) والطحاوي، وقال أبو داود: هذا حديث ضعيف، الحجاج لم ير الزهري. قلت: وهؤلاء الذين رووا الحديث عنه كلهم ثقات، فالحمل في هذا الاختلاف في متنه ليس عليهم، بل على الحجاج نفسه، وقد أشار إلى هذا البيهقي فقال عقبه:

стр. 1486

وهذا من تخليطات الحجاج بن أرطاة، وإنما الحديث عن عمرة عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ كما رواه سائر الناس عن عائشة. قلت: وكأنه يشير إلى حديثها: طيبت رسول الله ﷺ لإحرامه حين أحرم، ولحله حين أحل، قبل أن يفيض. أخرجه الشيخان وغيرهما من طرق كثيرة عنها، وقد تجمع عندي منها ثلاثة عشر طريقا خرجتها في كتابي " الحج الكبير "، لكن ليس منها طريق عمرة هذه، والله أعلم. وفي حديث عائشة هذا ما يشهد لبعض حديث الحجاج في رواية عنها بلفظ: ".... وحين رمى جمرة العقبة يوم النحر قبل أن يطوف بالبيت. وهذا القدر منه له شاهد من حديث ابن عباس أوردته في " الأحاديث الصحيحة " (رقم ـ ٢٣٩) ، فيتلخص من ذلك أن للحديث أصلا ثابتا، لكن دون ذكر الذبح والحلق فيه، فهو بهذه الزيادة منكر، والله أعلم. ١٠١٤ - " ليتقه الصائم، يعني الكحل ". منكر. أخرجه أبو داود (١/٣٧٣) والبيهقي (٤/٢٦٢) عن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هو ذة عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم، وقال: فذكره، واللفظ لأبي داود، ولفظ البيهقي: " لا تكتحل بالنهار وأنت صائم، اكتحل ليلا، الإثمد يجلوالبصر، وينبت الشعر "، وأشار البيهقي لتضعيفه بقوله: وقد روي في النهي عنه نهارا وهو صائم حديث أخرجه البخاري في التاريخ وقال أبو داود عقبه: قال لي يحيى بن معين: هو حديث منكر. وذكر مثله في " المسائل " (ص ٢٩٨) عن الإمام أحمد أيضا. قلت: وله علتان: الأولى: ضعف عبد الرحمن بن النعمان، وبه أعله المنذري، فقال في " مختصر السنن " (٣/٢٦٠) : قال يحيى بن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم الرازي: صدوق.

стр. 1487

قال الذهبي بعد أن ذكر هذين القولين المتعارضين فيه: وقد روى عن سعد بن إسحاق العجري فقلب اسمه أولا فقال: إسحاق بن سعد بن كعب، ثم غلط في الحديث فقال: عن أبيه عن جده، فضعفه راجح. قلت: ولذلك أورده في " الضعفاء " أيضا، ولكنه قال: مختلف فيه، فلا يترك، يعني أنه ليس شديد الضعف، وقد أشار إلى هذا الحافظ في " التقريب " فقال: صدوق، ربما غلط، وقد فاتت المنذري علة أخرى وهي: الثانية: جهالة أبيه النعمان بن معبد، وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة " الصيام " فقال (ص ٤٩ بتحقيقنا) عقب ما سبق عن المنذري: لكن من الذي يعرف أباه وعدالته وحفظه؟ !، ولهذا قال الذهبي فيه: غير معروف، وقال الحافظ: مجهول. قلت: ومن ذلك تعلم ما في قول المجد ابن تيمية في " المنتقي ": وفي إسناده مقال قريب، ثم أعله بعبد الرحمن فقط كما فعل المنذري تماما! وقد ثبت عن أنس ﵁ أنه كان يكتحل وهو صائم. أخرجه أبو داود بسند حسن. وقال الحافظ في " التلخيص " (١٨٩) : لا بأس به. وفي معناه أحاديث مرفوعة لا يصح منها شيء كما قال الترمذي وغيره، ولكنها موافقة للبراءة الأصلية، فلا ينقل عنها إلا بناقل صحيح، وهذا مما لا وجود له، وقد اختلف العلماء في الكحل للصائم، وكذا الحقنة ونحوها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المصدر السابق (ص ٤٧) : فمنهم من لم يفطر بشيء من ذلك، فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلوكانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام ويفسد

стр. 1488

الصوم بها، لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه، فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي ﷺ في ذلك حديثا صحيحا مسندا ولا مرسلا، علم أنه لم يذكر شيئا من ذلك، والحديث المروي في الكحل ضعيف، رواه أبو داود، ولم يروه غيره ولا هو في مسند أحمد ولا سائر الكتب. ثم ساق هذا الحديث، ثم قال: والذين قالوا: إن هذه الأمور تفطر، لم يكن معهم حجة عن النبي ﷺ وإنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس، وأقوى ما احتجوا به قوله ﷺ : " وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما، قالوا: فدل ذلك على أن ما وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله، وعلى القياس: كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة وغيرها سواء كان ذلك في موضع الطعام والغذاء أوغيره من حشو جوفه، والذين استثنوا الكحل قالوا: العين ليست كالقبل والدبر، ولكن هي تشرب الكحل كما يشرب الجسم الدهن والماء، ثم قال: وإذا كان عمدتهم هذه الأقيسة ونحوها لم يجز إفساد الصوم بمثل هذه الأقيسة لوجوه: أحدها: أن القياس وإن كان حجة إذا اعتبرت شروط صحته، فقد قلنا في " الأصول ": إن الأحكام الشرعية بينتها النصوص أيضا، وإن دل القياس الصحيح على مثل ما دل عليه النص دلالة خفية، فإذا علمنا أن الرسول لم يحرم الشيء ولم يوجبه، علمنا أنه ليس بحرام ولا واجب، وأن القياس المثبت لوجوبه وتحريمه فاسد. ونحن نعلم أنه ليس في الكتاب والسنة ما يدل على الإفطار بهذه الأشياء فعلمنا أنها ليست مفطرة. الثاني: أن الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لابد أن يبينها الرسول ﷺ بيانا عاما، ولابد أن تنقلها الأمة، فإذا انتفى هذا، علم أن هذا ليس من دينه، وهذا كما يعلم أنه لم يفرض صيام شهر غير رمضان، ولا حج بيت غير البيت الحرام، ولا صلاة مكتوبة غير الخمس، ولم يوجب الغسل في مباشرة المرأة بلا إنزال، ولا أوجب الوضوء من الفزع العظيم، وإن كان في مظنته خروج الخارج، ولا سن الركعتين بعد الطواف بين

стр. 1489

الصفا والمروة، كما سن الركعتين بعد الطواف بالبيت. وبهذه الطرق يعلم أيضا أنه لم يوجب الوضوء من لمس النساء، ولا من النجاسات الخارجة من غير السبيلين، فإنه لم ينقل أحد عنه ﷺ بإسناد يثبت مثله أنه أمر بذلك، مع العلم بأن الناس كانوا ولا يزالون يحتجمون ويتقيؤون؟ ويجرحون في الجهاد وغير ذلك، وقد قطع عرق بعض أصحابه ليخرج منه الدم وهو الفصاد، ولم ينقل عنه مسلم أنه أمر أصحابه بالتوضؤ من ذلك " (قال) : " فإذا كانت الأحكام التي تعم بها البلوى، لابد أن يبينها الرسول ﷺ بيانا عاما، ولابد أن تنقل الأمة ذلك، فمعلوم أن الكحل ونحوه مما تعم به البلوى، كما تعم بالدهن والاغتسال والبخور والطيب. فلوكان هذا مما يفطر لبينه النبي ﷺ كما بين الإفطار بغيره. فلما لم يبين ذلك، علم أنه من جنس الطيب والبخور والدهن. والبخور قد يتصاعد إلى الأنف ويدخل في الدماغ، وينعقد أجساما، والدهن يشربه البدن ويدخل إلى داخله، ويتقوى به الإنسان، وكذلك يتقوى بالطيب قوة جيدة، فلما لم ينه الصائم عن ذلك، دل على جواز تطيبه وتبخره وادهانه، وكذلك اكتحاله. الوجه الثالث: إثبات التفطير بالقياس يحتاج إلى أن يكون القياس صحيحا وذلك إما قياس على بابه الجامع، وإما بإلغاء الفارق، وإما أن يدل دليل على العلة في الأصل معد لها إلى الفرع، وإما أن يعلم أن لا فارق بينهما من الأوصاف المعتبرة في الشرع، وهذا القياس هنا منتف. وذلك أنه ليس في الأدلة ما يقتضي أن المفطر الذي جعله الله ورسوله مفطرا هو ما كان واصلا إلى دماغ أو بدن أو ما كان داخلا من منفذ أوواصلا إلى الجوف، ونحوذلك من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحكم عند الله ورسوله. الوجه الرابع: إن القياس إنما يصح إذا لم يدل كلام الشارع على علة الحكم إذا سبرنا أوصاف الأصل، فلم يكن فيها ما يصلح للعلة إلا الوصف المعين، (قال) : فإذا كان في الأصل وصفان مناسبان لم يجز أن يقول بالحكم بهذا دون هذا، ومعلوم أن النص والإجماع أثبتا الفطر بالأكل والشرب والجماع والحيض، والنبي ﷺ قد نهى

стр. 1490

المتوضئ عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان صائما، وقياسهم على الاستنشاق أقوى حججهم كما تقدم، وهو قياس ضعيف لأن من نشق الماء بمنخريه ينزل الماء إلى حلقه، وإلى جوفه، فحصل له بذلك ما يحصل للشارب بفم، ويغذي بدنه من ذلك الماء، ويزول العطش، ويطبخ الطعام في معدته كما يحصل بشرب الماء فلولم يرد النص بذلك، لعلم بالعقل أن هذا من جنس الشرب، فإنهما لا يفترقان إلا في دخول الماء من الفم، وذلك غير معتبر، بل دخول الماء إلى الفم وحده لا يفطر، فليس هو مفطرا ولا جزءا من المفطر لعدم تأثيره، بل هو طريق إلى الفطر وليس كذلك الكحل والحقنة، فإن الكحل لا يغذي ألبتة، ولا يدخل أحدا كحلا إلى جوفه لا من أنفه ولا من فمه، وكذلك الحقنة لا تغذي، بل تستفرغ ما في البدن، كما لوشم شيئا من المسهلات، أوفزع فزعا أوجب استطلاق جوفه، وهي لا تصل إلى المعدة. فإذا كانت هذه المعاني وغيرها موجودة في الأصل الثابت بالنص والإجماع، فدعواهم أن الشارع علق الحكم بما ذكروه من الأوصاف، معارض بهذه الأوصاف، والمعارضة تبطل كل نوع من الأقيسة، إن لم يتبين أن الوصف الذي ادعوه هو العلة دون هذا. الوجه الخامس: أنه ثبت بالنص والإجماع منع الصائم من الأكل والشرب والجماع، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " (١) . ولا ريب أن الدم يتولد من الطعام والشراب. وإذا أكل وشرب اتسعت مجاري الشياطين، وإذا ضاقت انبعثت القلوب إلى فعل الخيرات، وإلى ترك المنكرات، فهذه المناسبة ظاهرة في منع الصائم من الأكل والشرب، والحكم ثابت على وقفه، وكلام الشارع قد دل على اعتبار هذا الوصف وتأثيره، وهذا منتف في الحقنة والكحل وغير

стр. 1491

ذلك. فإن قيل: بل الكحل قد ينزل إلى الجوف ويستحيل دما؟ قيل: هذا كما قد يقال في البخار الذي يصعد من الأنف إلى الدماغ فيستحيل دما، وكالدهن الذي يشربه الجسم. والممنوع منه إنما هو ما يصل إلى المعدة فيستحيل دما ويتوزع على البدن. الوجه السادس: ونجعل هذا وجها سادسا (الأصل خامسا) فنقيس الكحل والحقنة ونحوذلك على البخور والدهن ونحوذلك، لجامع ما يشتركان فيه، مع أن ذلك ليس مما يتغذى به البدن ويستحيل في المعدة دما. وهذا الوصف هو الذي أوجب أن لا تكون هذه الأمور مفطرة. وهذا موجود في محل النزاع ". هذا كله من كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مع شيء من الاختصار، آثرت نقله على ما فيه من بسط وتطويل، لما فيه من الفوائد والتحقيقات التي لا توجد عند غيره، فجزاه الله خيرا. ومنه يتبين أن الصواب أن الكحل لا يفطر الصائم، فهو بالنسبة إليه كالسواك يجوز أن يتعاطاه في أي وقت شاء، خلافا لما دل عليه هذا الحديث الضعيف الذي كان سببا مباشرا لصرف كثير من الناس عن الأخذ بالصواب الذي دل عليه التحقيق العلمي، ولذلك عنيت ببيان حال إسناده، ومخالفته للفقه الصحيح، والله الموفق. ومما سبق يمكننا أن نأخذ حكم ما كثر السؤال عنه في هذا العصر، وطال النزاع فيه. ألا وهو حكم الحقنة (الإبرة) في العضل أوالعرق، فالذي نرجحه أنه لا يفطر شيء من ذلك، إلا ما كان المقصود منه تغذية المريض، فهذه وحدها هي التي تفطر والله أعلم. ١٠١٥ - " من سنة الحج أن يصلي الإمام الظهر والعصر، والمغرب والعشاء الآخرة والصبح بمنى، ثم يغدوا إلى عرفة فيقيل حيث قضي له، حتى إذا زالت الشمس خطب الناس، ثم صلى الظهر والعصر جميعا، ثم وقف بعرفات حتى تغرب الشمس فإذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء والطيب حتى يزور ".

стр. 1492

ضعيف. أخرجه الحاكم (١/٤٦١) ، وعنه البيهقي (٥/١٢٢) عن إبراهيم بن عبد الله: أنبأ يزيد بن هارون: أنبأ يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن الزبير قال: من سنة الحج.. إلخ، وقال الحاكم: حديث على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. قلت: وفيه نظر، فإن يزيد بن هارون وإن كان على شرطهما فليس هو من شيوخهما، وإنما يرويان عنه بواسطة أحمد وإسحاق ونحوهما، وإبراهيم بن عبد الله الراوي للحديث عن يزيد فضلا عن كونه ليس من شيوخهما، فهو غير معروف، بل لم أجد له ترجمة تذكر، فقد أورده الخطيب في " تاريخ بغداد " (٥/١٢٠) فقال: إبراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي، قدم بغداد سنة ٢٤٤ وحدث بها عن يزيد ابن هارون وسرور بن المغيرة روى عنه عبد الله بن محمد بن ناجية ويحيى بن ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، فهو مجهول الحال، فلا يحتج بحديثه، على أنه قد خولف في بعض متنه، فروى الطحاوي (١/٤٢١) من طريق عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث قال: حدثني ابن الهاد عن يحيى بن سعيد به مختصرا بلفظ: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: إذا رمى الجمرة الكبرى، فقد حل له ما حرم عليه إلا النساء حتى يطوف بالبيت فلم يذكر الطيب، فهذا هو الأصح، لأنه الموافق لما ثبت عن عائشة ﵂ أنها طيبت النبي ﷺ حين رمى جمرة العقبة كما تقدم في آخر الحديث (١٠١٣) . أقول: هذا أصح، وإن كان عبد الله بن صالح فيه ضعف من قبل حفظه، فإن من البدهي أن ما وافق السنة الصحيحة من الروايات عند الاختلاف، أولى مما خالفها منها. تنبيه: إنما أوردت هذا في الأحاديث الضعيفة " مع أن ظاهره الوقف فليس من الأحاديث؛ لما تقرر في مصطلح الحديث أن قول الصحابي: " من السنة كذا " في حكم المرفوع، وعبد الله بن الزبير صحابي معروف، وقد خفي هذا على الشوكاني في نيل

стр. 1493

الأوطار، فإنه أورد هذا الحديث فيما استدل به المانعون من الطيب بعد الرمي، ثم أجاب عنه (٥/٦١) بما ملخصه: إنه أثر موقوف لا يصلح للمعارضة، وعلى فرض كونه مرفوعا فهو أيضا لا يعتد به بجانب الأحاديث المثبتة لحل الطيب. قلت: والجواب الصحيح عنه أنه وإن كان ظاهره الرفع فهو لا يصلح للمعارضة المذكورة لوجهين: الأول: أنه ضعيف السند كما سبق بيانه. الثاني: أنه لوصح سنده فهو عند التعارض مرجوح من حيث الدلالة، لأنه وإن كان ظاهرا في الرفع فليس نصا فيه بخلاف حديث عائشة المشار إليه فإنه صريح في ذلك. والله أعلم. ١٠١٦ - " كان يصلي قبل الجمعة أربعا، وبعدها أربعا ". منكر. رواه الطبراني في " معجمه الأوسط " (رقم - ٤١١٦ - مصورتي) : حدثنا علي بن سعيد الرازي: حدثنا سليمان بن عمرو بن خالد الرقي: حدثنا عتاب بن بشير عن خصيف عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود مرفوعا، وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن خصيف إلا عتاب بن بشير. قلت: سكت عليه الزيلعي في " نصب الراية " (٢/٢٠٦) ، وقال الحافظ في " الدراية " (ص ١٣٣) : وفي سنده ضعف. قلت: وفيه خمس علل: الأولى: الانقطاع بين ابن مسعود وابنه أبي عبيدة؛ فإنه لم يسمع منه، كما صرح بذلك أبو عبيدة نفسه على ما هو مذكور في ترجمته، وقد حاول بعض من ألف في مصطلح الحديث من حنفية هذا العصر أن يثبت سماعه منه دون جدوى!

стр. 1494

الثانية: ضعف خصيف، وهو ابن عبد الرحمن الجزري الحراني، قال الحافظ في " التقريب ": صدوق سيء الحفظ، خلط بآخره. الثالثة: عتاب بن بشير، مختلف فيه، قال ابن معين: ثقة، وقال مرة: ضعيف، وقال النسائي: ليس بذاك في الحديث، وقال أحمد: أرجوأن لا يكون به بأس، روى بآخرة أحاديث منكرة، وما أرى إلا أنها من قبل خصيف. قلت: وهذا الحديث من روايته عنه، فهو من مناكيره، ويؤيد ذلك أنه ورد موقوفا على ابن مسعود، من طريقين عنه، فقال عبد الرزاق في " مصنفه " (٥٥٢٤) : عن معمر عن قتادة: إن ابن مسعود كان يصلي قبل الجمعة أربع ركعات، وبعدها أربعا. قلت: وهذا سند صحيح لولا أن قتادة لم يسمع من ابن مسعود كما قال الهيثمي (٢/١٩٥) ، ثم قال عبد الرزاق (٥٥٢٥) : عن الثوري عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كان عبد الله يأمرنا أن نصلي قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا. قلت: وهذا سند صحيح لا علة فيه، وعطاء بن السائب وإن كان اختلط؛ فالثوري قد روى عنه قبل الاختلاط. الرابعة: سليمان بن عمرو لم أجد من وثقه، ولكن كتب عنه أبو حاتم كما قال ابنه في " الجرح والتعديل " (٢/١/١٣٢) . فثبت مما تقدم أن رفع هذا الحديث منكر، وأن الصواب فيه الوقف. والله أعلم. الخامسة: وهي العلة الحقيقية، وهي خطأ عتاب بن بشير في رفعه، فإنه مع الضعف الذي في حفظه قد خالفه محمد بن فضيل فقال: عن خصيف به موقوفا على ابن مسعود.

стр. 1495

أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٢/١٣١ و١٣٣) . وابن فضيل ثقة من رجال الشيخين، ومع ضعف الحديث فلا دليل فيه على مشروعية ما يسمونه بسنة الجمعة القبلية كما سبق بيانه في الحديث (١٠٠١) ، فراجعه فإنه بمعنى هذا. تنبيه: وقع إسناد الحديث في " نصب الراية " (٢/٢٠٦) هكذا: حدثنا علي بن إسماعيل الرازي: أنبأ سليمان بن عمر بن خالد الرقي. والصواب ما تقدم نقلا عن " المعجم الأوسط ". وقد روي الحديث عن أبي هريرة أيضا، وهو: " كان يصلي قبل الجمعة ركعتين، وبعدها ركعتين ". ١٠١٧ - " كان يصلي قبل الجمعة ركعتين، وبعدها ركعتين ". ضعيف جدا. أخرجه الخطيب (٦/٣٦٥) من طريق الطبراني عن البزار: حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي: حدثنا الحسن بن قتيبة: حدثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه كان يصلي.... وقال الطبراني: لم يروه عن سفيان إلا الحسن بن قتيبة. قلت: قال الذهبي ردا لقول ابن عدي: أرجوأنه لا بأس به ": " بل هو هالك، قال الدارقطني: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف، وقال الأزدي: واهي الحديث، وقال العقيلي: كثير الوهم ". والحديث ذكره الحافظ في " الفتح " (٢/٣٤١) بهذا اللفظ إلا أنه قال: " وبعدها أربعا " وقال: " رواه البزار، وفي إسناده ضعف ". ولم يورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " أصلا، ولا في " كشف الأستار عن زوائد البزار " للهيثمي، ولا في " زوائد البزار على مسند أحمد " للحافظ العسقلاني، والله أعلم. وفي الحديث علة أخرى وهي جهالة إسحاق بن سليمان، فقد أورده الخطيب لهذا

стр. 1496

الحديث، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. ١٠١٨ - " تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم، فإنه من كانت الدنيا أكبر همه، أفشى الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله له أموره، وجعل غناه قلبه، وما أقبل عبد بقلبه، إلى الله تعالى إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد عليه بالود والرحمة، وكان الله إليه بكل خير أسرع ". موضوع. رواه ابن الأعرابي في " معجمه " (١٧٧ - ١٧٨) وعنه القضاعي في " مسند الشهاب " (٥٨/٢) والطبراني في " المعجم الأوسط " (رقم - ٥١٥٧ - مصورتي) والبيهقي في " الزهد " (٩٨/٢) والسمعاني في " الفوائد المنتقاة " (٢/٢) وكذا أبو نعيم في " الحلية " (١/٢٢٧) عن جنيد بن العلاء بن أبي وهرة عن محمد بن سعيد عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء مرفوعا، وقال أبو نعيم تبعا للطبراني: تفرد به جنيد بن العلاء عن محمد بن سعيد. قلت: جنيد هذا مختلف فيه، فقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن حبان: ينبغي مجانبة حديثه، كان يدلس، ثم تناقض فذكره في " الثقات " أيضا! وقال البزار: " ليس به بأس ". قلت: فآفة الحديث من شيخه محمد بن سعيد وهو ابن حسان المصلوب، وهو كذاب، صلب في الزندقة كما قال الذهبي في " الضعفاء "، وفي ترجمته ساق الذهبي له هذا الحديث، وقال الهيثمي في " المجمع " (١٠/٢٤٨) : رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه محمد بن سعيد بن حسان المصلوب وهو كذاب. وعزاه المنذري في " الترغيب " (٤/٨٢) للطبراني في " معجميه "، والبيهقي في " الزهد "، وأشار إلى تضعيفه.

стр. 1497

١٠١٩ - " من كشف خمار امرأة ونظر إليها فقد وجب الصداق، دخل بها أولم يدخل بها ". ضعيف. أخرجه الدارقطني في " سننه " (٤١٩) من طريق ابن لهيعة: أخبرنا أبو الأسود عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. قلت: وهذا سند ضعيف، لإرساله، ولضعف ابن لهيعة، ومن طريقه علقه البيهقي (٧/٢٥٦) وقال: وهذا منقطع، وبعض رواته غير محتج به. يعني ابن لهيعة، لكن قد أخرجه هو من طريق عبد الله بن صالح: حدثني الليث: حدثني عبيد الله بن أبي جعفر عن صفوان بن سليم عن عبد الله بن يزيد عن محمد بن ثوبان بلفظ: من كشف امرأة فنظر إلى عورتها فقد وجب الصداق. وهذا سند رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن صالح فمن رجال البخاري وحده، وفيه ضعف، لكنه قد توبع، فقال ابن التركماني في " الجوهر النقي ": أخرجه أبو داود في " مراسيله " عن قتيبة عن الليث بالسند المذكور، وهو على شرط الصحيح، ليس فيه إلا الإرسال ". وقال الحافظ في " التلخيص " (ص ٣١١) : رواه أبو داود في " المراسيل " من طريق ابن ثوبان ورجاله ثقات. قلت: فهو ضعيف لإرساله، وقد صح موقوفا، فأخرجه الدارقطني وعنه البيهقي من طريق عبد الله بن نمير: حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: " إذا أجيف الباب، وأرخيت الستور، فقد وجب المهر. ورجاله كلهم ثقات معروفون رجال مسلم غير علي بن عبد الله بن مبشر شيخ الدارقطني فلم أجد له ترجمة، ولكنه أخرجه وهو والبيهقي من طريق أخرى عن عمر وقرن معه البيهقي عليا ﵄، فهو عن عمر ثابت، وله عند الدارقطني طريق أخرى عن علي وحده، فهو بها قوي أيضاً

стр. 1498

ثم أخرجه الدارقطني من طريق ابن أبي زائدة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر مثله. قلت: وسنده صحيح. وهو في " الموطأ " (٢/٦٥) بإسنادين منقطعين عن عمر وزيد بن ثابت. وجملة القول أن الحديث ضعيف مرفوعا، صحيح موقوفا، ولا يقال: فالموقوف شاهد للمرفوع لأنه لا يقال بمجرد الرأي، لأمرين: الأول: أنه مخالف لقوله تعالى: " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم.. " فهي بإطلاقها تشمل التي خلا بها، وما أحسن ما قال شريح: " لم أسمع الله تعالى ذكر في كتابه بابا ولا سترا، إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصداق " (١) . الثاني: أنه قد صح خلافه موقوفا، فروى الشافعي (٢/٣٢٥) : أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن ليث بن أبي سليم عن طاووس عن ابن عباس ﵄ أنه قال في الرجل يتزوج المرأة فيخلوبها ولا يمسها ثم يطلقها: ليس لها إلا نصف الصداق لأن الله يقول: " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ". ومن طريق الشافعي رواه البيهقي (٧/٢٥٤) . قلت: وهذا سند ضعيف، لكن قد جاء من طريق أخرى عن طاووس، أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن منصور: حدثنا هشيم: أنبأ الليث عن طاووس عن ابن عباس أنه كان يقول في رجل أدخلت عليه امرأته ثم طلقها فزعم أنه لم يمسها، قال: عليه نصف الصداق. قلت: وهذا سند صحيح فبه يتقوى السند الذي قبله، والآتي بعده عن علي بن أبي طلحة، بخلاف ما نقله ابن كثير (١/٢٨٨ - ٢٨٩) عن البيهقي أنه قال في الطريق الأولى: وليث وإن كان غير محتج به، فقد رويناه من حديث ابن أبي طلحة عن ابن

стр. 1499

عباس، فهو مقوله: وهذا معناه أنه يرى أن الليث في رواية هشيم عنه هو ابن أبي سليم أيضا، لكن الحافظ المزي لم يذكر في ترجمة ابن أبي سليم أنه روى عنه هشيم، وإنما عن الليث عن سعد، والله أعلم. ثم أخرج البيهقي عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن.. " الآية فهو الرجل يتزوج المرأة وقد سمى لها صداقا، ثم يطلقها من قبل أن يمسها، والمس الجماع، لها نصف الصداق، وليس لها أكثر من ذلك. قلت: وهذا ضعيف منقطع، ثم روى عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود قال: لها نصف الصداق، وإن جلس بين رجليها، وقال: وفيه انقطاع بين الشعبي وابن مسعود، فإذا كانت المسألة مما اختلف فيه الصحابة، فالواجب حينئذ الرجوع إلى النص، والآية مؤيدة لما ذهب إليه ابن عباس على خلاف هذا الحديث، وهو مذهب الشافعي في " الأم " (٥/٢١٥) ، وهو الحق إن شاء الله تعالى. ١٠٢٠ - " أيما امرأة خرجت من غير أمر زوجها كانت في سخط الله حتى ترجع إلى بيتها أو يرضى عنها ". موضوع. أخرجه الخطيب في " تاريخ بغداد " (٦/٢٠٠ - ٢٠١) من طريق أبي نعيم الحافظ بسنده عن إبراهيم بن هدبة: حدثنا أنس مرفوعا. ذكره في ترجمة إبراهيم هذا وقال: حدث عن أنس بالأباطيل، ثم ساق له أحاديث هذا أحدها، ثم روى عن ابن معين أنه قال فيه: كذاب خبيث، وعن علي بن ثابت أنه قال: هو أكذب من حماري هذا، وقال الذهبي: حدث ببغداد وغيرها بالبواطيل، قال أبو حاتم وغيره: كذاب.

стр. 1500

وفي " اللسان ": وقال ابن حبان: دجال من الدجاجلة، وقال العقيلي والخليلي: يرمى بالكذب. قلت: ومع هذا كله فقد سود السيوطي " جامعه الصغير " بهذا الحديث من رواية الخطيب، وتعقبه المناوي في " فيض القدير " بقوله وأجاد: وقضية كلام المصنف أن الخطيب خرجه وأقره، وهو تلبيس فاحش فإنه تعقبه بقوله: قال أحمد بن حنبل: إبراهيم بن هدبة لا شيء، في أحاديثه مناكير ثم ذكر قول ابن معين المتقدم فيه وغيره ثم قال: وقال الذهبي في " الضعفاء ": هو كذاب، فكان ينبغي للمصنف حذفه من الكتاب، وليته إذ ذكره بين حاله!. قلت: وهذا حق، ولكن المناوي عفا الله عنه كأنه ينتقد السيوطي حبا للنقد، وليس لفائدة القراء والنصح وإلا كيف يجوز لنفسه أن يسكت عن الحديث مطلقا فلا يصفه ولو بالضعف في كتابه الآخر " التيسير بشرح الجامع الصغير " وهو قد ألفه بعد " الفيض " كما ذكر ذلك في المقدمة! أليس في صنيعه هذا كتمان للعلم يؤاخذ عليه أكثر من مؤاخذته هو للسيوطي؟ وكنت أود أن أقول: لعل ذلك وقع منه سهوا، ولكن حال بيني وبين ذلك أنني رأيت له من مثله أشياء كثيرة، سيأتي التنبيه على بعضها إن شاء الله. تنبيه: هدبة هنا بالباء الموحدة كما في " المؤتلف والمختلف " للشيخ عبد الغني بن سعيد الأزدي الحافظ، وهكذا وقع في " تاريخ بغداد " و" الميزان " و" اللسان " بالباء الموحدة، ووقع في " فيض القدير " " هدية " بالمثناة التحتية، وهو تصحيف. ١٠٢١ - " من زارني بعد موتي، فكأنما زارني في حياتي ". باطل. رواه الدارقطني في " سننه " (ص ٢٧٩ - ٢٨٠) عن هارون أبي قزعة عن رجل من آل حاطب قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. وهكذا رواه المحاملي والساجي كما في " اللسان ". قلت: وهذا سند ضعيف، وله علتان: الأولى: الرجل الذي لم يسم، فهو مجهول.

стр. 1501

والثانية: ضعف هارون أبي قزعة، ضعفه يعقوب بن شيبة، وذكره العقيلي والساجي وابن الجارود في " الضعفاء "، وقال البخاري: لا يتابع عليه. ثم ساق له هذا الحديث، لكنه لم يذكر فيه حاطبا، فهو مرسل، وقد أشار إلى ذلك الأزدي بقوله: هارون أبو قزعة يروي عن رجل من آل حاطب المراسيل. قلت: فهذه علة ثالثة، وهي الاختلاف والاضطراب على هارون في إسناده (١) ، فبعضهم يوصله، وبعضهم يرسله، وقد اضطرب في متنه أيضا، وبين ذلك كله الحافظ بن عبد الهادي في " الصارم المنكي " (ص ١٠٠) ، فليرجع إليه من شاء التفصيل، وبالجملة فالحديث واهي الإسناد، وقد روي بإسناد آخر مثله في الضعف أوأشد من حديث ابن عمر، وسبق الكلام عليه مفصلا برقم (٤٧) ، واختلف حافظان جليلان في أيهما أجود إسنادا، على عجرهما وبجرهما! فقال شيخ الإسلام: أجودهما حديث ابن عمر، وقال الذهبي: أجودهما حديث حاطب هذا، وعزاه لابن عساكر كما في " المقاصد " (٤١٣) ، وإذا قابلت إسناد أحدهما بالآخر، وتأملت ما فيهما من العلل، تبين لك أن الصواب قول الذهبي، لأن هذا الحديث ليس فيه متهم بالكذب بخلاف حديث ابن عمر؛ فإن فيه من اتهم بالكذب ووضع الحديث، كما بينته هناك، وإذا عرفت هذا، فقول السخاوي في " المقاصد " بعد حديث ابن عمر المشار إليه، ونقله عن ابن خزيمة والبيهقي أنهما ضعفاه:

стр. 1502

وكذا قال الذهبي: طرقه كلها لينة، لكن يتقوى بعضها ببعض، لأن ما في رواتها متهم بالكذب. قلت: فهذا التعليل باطل، لما ذكرنا من وجود المتهم في طريق ابن عمر، وعليه فالتقوية المشار إليها باطلة أيضا، فتنبه. وأما متن الحديث فهو كذب ظاهر، كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ونقلنا كلامه في ذلك عند حديث ابن عمر المشار إليه، فلا نعيده. ومما سبق تعلم أن ما جاء في بعض كتب التربية الدينية التي تدرس في سورية تحت عنوان: زيارة قبر النبي ﷺ : أن هذا الحديث رواه الدارقطني وابن السكن والطبراني وغيرهم بروايات مختلفة تبلغ درجة القبول، لم يصدر عن بحث علمي في إسناده، ولا نظر دقيق في متنه، الذي جعل من زار قبره ﷺ ، بمنزلة من زاره في حياته، ونال شرف صحبته، التي من فضائلها ما تحدث عنه ﷺ بقوله: " لا تسبوا أصحابي فوالذي نفس محمد بيده، لوأنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه "!. فمن كان بينه وبين هؤلاء الصحابة ﵃ هذا البون الشاسع في الفضل والتفاوت، كيف يعقل أن يجعله ﷺ مثل واحد منهم، بمجرد زيارة قبره ﷺ ، وهي لا تعدوأن تكون من المستحبات؟ ! ١٠٢٢ - " يا عمر! ههنا تسكب العبرات ". ضعيف جدا. أخرجه ابن ماجه (٢/٢٢١ ـ ٢٢٢) والحاكم (١/٤٥٤) عن محمد بن عون عن نافع عن ابن عمر قال: " استقبل رسول الله ﷺ الحجر، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلا، ثم التفت،

стр. 1503

فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي، فقال: فذكره، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. قلت: وذلك من أوهامهما، فإن محمد بن عون هذا وهو الخراساني متفق على تضعيفه، بل هو ضعيف جدا، وقد أورده الذهبي نفسه في " الضعفاء " وقال: قال النسائي: متروك، وفي " الميزان " وزاد: وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء. ثم ساق له الذهبي هذا الحديث مشيرا إلى أنه مما أنكر عليه، والظاهر أنه الحديث الذي عناه أبو حاتم بقوله: ضعيف الحديث، منكر الحديث، روى عن نافع حديثا ليس له أصل. ذكره ابن أبي حاتم (٤/١/٤٧) ، وساق له في " التهذيب " هذا الحديث ثم قال: وكأنه الحديث الذي أشار إليه أبو حاتم. وقال الحافظ في " التقريب ": متروك. ١٠٢٣ - " البحر هو جهنم ". ضعيف. أخرجه أحمد (٤/٢٢٣) والبخاري في " التاريخ الكبير " (١/١/٧١ و٤/٢/٤١٤) والحاكم (٤/٥٩٦) والبيهقي (٤/٣٣٤) وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " (٢/١) من طريق أبي عاصم قال: حدثنا عبد الله بن أمية قال: حدثني محمد بن حيي قال: حدثني صفوان بن يعلى عن أبيه مرفوعا به. وزادوا: " فقالوا ليعلى؟ فقال: ألا ترون أن الله يقول: " نارا أحاط بهم سرادقها "، قال: لا والذي نفس يعلى بيده لا أدخلها (وفي رواية: لا أدخله) أبد حتى أعرض على الله ، ولا يصيبني منها (وفي الأخرى: منه) قطرة حتى ألقى الله ". وقال الحاكم:

стр. 1504

" صحيح الإسناد، ومعناه أن البحر صعب كأنه جهنم ". ووافقه الذهبي. وليس كذلك، فإن محمد بن حيي هذا أورده البخاري وابن أبي حاتم (٣/٢/٢٣٩) برواية ابن أمية هذا فقط عنه، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، فهو مجهول العين، ونقل المناوي عن الذهبي أنه قال في " المهذب ": " لا أعرفه ". قلت: فكان حقه أن يورده في " الميزان " ولم يفعل، ولم يستدركه عليه ابن حجر في " اللسان "، وإنما أورده في " التعجيل " كما أورده ابن أبي حاتم وقال: " وذكره ابن حبان في (الثقات) ". قلت: وابن حبان متساهل في التوثيق كما هو معروف. ١٠٢٤ - " إن العبد إذا قام في الصلاة فإنه بين عيني الرحمن، فإذا التفت قال له الرب: يا ابن آدم إلى من تلتفت؟ ! إلى من [هو] خير لك مني؟ ! ابن آدم أقبل على صلاتك فأنا خير لك ممن تلتفت إليه ". ضعيف جدا. رواه العقيلي في " الضعفاء " (ص ٢٤) والبزار في " مسنده " (٥٥٣ - كشف الأستار) عن إبراهيم بن يزيد الخوزي عن عطاء قال سمعت أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره، والسياق للعقيلي، ولفظ البزار: " بين يدي الرحمن ". وروى العقيلي عن ابن معين أنه قال: إبراهيم هذا ليس بشيء، وعن البخاري أنه قال: سكتوا عنه، وقال أحمد والنسائي: متروك الحديث، وقال ابن معين: ليس بثقة. ومن هذه الطريق رواه الواحدي في " الوسيط " (٣/٨٦/١) ، والحديث أورده في " المجمع " (٢/٨٠) و" الترغيب " (١/١٩١) من رواية البزار، وضعفاه، وأورده ابن القيم في " الصواعق المرسلة " (٢/٣٩) بلفظ العقيلي،

стр. 1505

ساكتا عليه، وليس بجيد، ولذلك أوردته لأبين حقيقة حاله. ورواه البزار (٥٥٢) من حديث جابر نحوه من رواية الفضل بن عيسى الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر، والفضل هذا منكر الحديث كما قال الحافظ في " التقريب ". ١٠٢٥ - " بل ائتمروا بالمعروف، وتناهو اعن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله ". ضعيف. أخرجه أبو داود (٢/٤٣٧) والترمذي (٤/٩٩ - تحفة) وابن ماجه (٢/٤٨٧) وابن جرير في " تفسيره " (١٠/١٤٥ و١٤٦) والطحاوي في " المشكل " (٢/٦٤ - ٦٥) وابن حبان في " صحيحه " (١٨٥٠) وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (١٨/٧/٢) من طرق عن عتبة بن أبي حكيم قال: حدثني عمرو بن جارية اللخمي قال: حدثني أبو أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية: " عليكم أنفسكم "؟ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: فذكره. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. كذا قال، وفيه عندي نظر، فإن عمرو بن جارية وأبا أمية لم يوثقهما أحد من الأئمة المتقدمين، غير ابن حبان، وهو متساهل في التوثيق كما هو معروف عند أهل العلم، ولذلك لم يوثقهما الحافظ في " التقريب "، وإنما قال في كل منهما: " مقبول " يعني عند المتابعة، وإلا فلين الحديث كما نص عليه في " المقدمة " من " التقريب ". ثم إن عتبة بن أبي حكيم فيه خلاف من قبل حفظه، وقال الحافظ فيه: صدوق يخطىء كثيرا، فلا تطمئن النفس لتحسين إسناد هذا الحديث، لا سيما

стр. 1506

والمعروف في تفسير الآية يخالفه في الظاهر، وهو ما أخرجه أصحاب السنن وأحمد وابن حبان في " صحيحه " (١٨٣٧) وغيرهم بسند صحيح عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قام فحمد الله، ثم قال: يا أيها الناس! إنكم تقرأون هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم "، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك أن يعمهم بعقابه ". وقد خرجته في " الصحيحة " (١٥٦٤) . لكن لجملة " أيام الصبر " شواهد خرجتها في " الصحيحة " أيضا، فانظر تحت الحديثين (٤٩٤ و٩٥٧) . تنبيه: مع كل هذه العلل في هذا الحديث فقد صححه الشيخ الغماري في " كنزه " وكأنه قلد في ذلك الترمذي دون أي بحث أوتحقيق، أوأنه هواه الذي ينبئك عنه تعليقه عليه الذي يستغله المتهاونون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ والمخالف للآية السابقة، والله المستعان. ١٠٢٦ - " يا صاحب الحبل ألقه ". ضعيف. ذكره ابن حزم في " المحلى " فقال (٧/٢٥٩) : روينا من طريق وكيع عن ابن أبي ذئب عن صالح بن أبي حسان: " أن رسول الله ﷺ رأى محرما محتزما بحبل فقال.. " فذكره، وقال: مرسل لا حجة فيه. قلت: وهو كما قال، ورجاله ثقات، غير صالح بن أبي حسان فهو مختلف فيه، فقال البخاري: ثقة، وقال النسائي: مجهول، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وفي " التقريب ": صدوق من الخامسة. قلت: ومع ضعف هذا الحديث، فقد روي ما يخالفه، وهو بلفظ: رخص ﵇ في الهميان للمحرم، ذكره ابن حزم (٧/٢٥٩) فقال:

стр. 1507

روينا من طريق عبد الرزاق عن الأسلمي عمن سمع صالحا مولى التوأمة أنه سمع ابن عباس يقول، فذكره مضعفا له. قلت: وهو ظاهر الضعف، فإن صالحا هذا ضعيف، والراوي عنه مجهول لم يسم. والأسلمي أظنه الواقدي وهو محمد بن عمر بن واقد الأسلمي وهو متروك. قلت: والصواب فيه الوقف، فقد أخرج الدارقطني (٢٦١) والبيهقي (٥/٦٩) من طريق شريك عن أبي إسحاق عن عطاء وسعيد بن جبير عن ابن عباس قال: " رخص للمحرم في الخاتم والهميان ". وشريك سيىء الحفظ، لكنه لم يتفرد به، فقد ذكره ابن حزم من طريق وكيع عن سفيان عن حميد الأعرج عن عطاء عن ابن عباس قال في الهميان للمحرم: لا بأس به. قلت: وهذا إسناد جيد موقوف، وقد علقه البخاري (٣/٣٠٩) عن عطاء، ووصله الدارقطني من طريق سفيان عن أبي إسحاق عن عطاء مثله. قلت: وهذا سند صحيح، ولهذا قال الحافظ في " الفتح ": وهو أصح من الأول، يعني من رواية شريك عن أبي إسحاق عن عطاء عن ابن عباس، وهو كما قال، لما عرفت من حال شريك فمخالفته لسفيان لا تقبل، لكن خفيت على الحافظ طريق حميد الأعرج عن عطاء عن ابن عباس التي ذكرنا، فالصواب أنه صحيح عن كل من ابن عباس، وعطاء، وهذا إنما تلقاه عنه، وقد ورد نحوه عن عائشة أيضا أنها سئلت عن الهميان للمحرم؟ فقالت: وما بأس؟ ليستوثق من نفقته. أخرجه البيهقي بسند صحيح عنها، ورواه سعيد بن منصور بلفظ: إنها كانت ترخص في الهميان يشده المحرم على حقويه، وفي المنطقة أيضا. نقله ابن حزم عنه، وسنده صحيح على شرط الشيخين.

стр. 1508

وخلاصة القول: أن حديث ابن عباس هذا المخالف لحديث الترجمة ضعيف مرفوعا، صحيح موقوفا، وفيه دليل على جواز شد الهميان والمنطقة للمحرم، قال الحافظ: قال ابن عبد البر: أجاز ذلك فقهاء الأمصار، وأجازوا عقده إذا لم يمكن إدخال بعضه في بعض، ولم ينقل عن أحد كراهته إلا عن ابن عمر، وعنه جوازه. وقد ذهب إلى جواز ذلك كله ابن حزم قال (٧/٢٥٩) : لأنه لم ينه عن شيء مما ذكرنا قرآن ولا سنة، " وما كان ربك نسيا ". ١٠٢٧ - " حريم البئر البدي خمسة وعشرون ذراعا، وحريم البئر العادية خمسون ذراعا ". ضعيف. أخرجه الدارقطني (ص ٥١٨) من طريق الحسن بن أبي جعفر، عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ومن طريق محمد ابن يوسف بن موسى المقريء بسنده إلى إبراهيم بن أبي عبلة عن الزهري به، وقال: الصحيح من الحديث أنه مرسل عن ابن المسيب، ومن أسنده فقد وهم. قلت: وفي الطريق الأولى الحسن بن أبي جعفر، وهو ضعيف كما قال الزيلعي (٤/٢٩٣) ، وفي الطريق الأخرى محمد بن يوسف المقريء، قال الحافظ في " التلخيص " (٢٥٦) : وهو متهم بالوضع، وأطلق عليه ذلك الدارقطني وغيره. قلت: ولذلك جزم البيهقي بضعف الحديث، فقال بعد أن علقه من هذين الطريقين موصولا: وهو ضعيف.

стр. 1509

وقد روي من طريق ثالثة عن الزهري به، أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/٣٠٩) والحاكم في " المستدرك " (٤/٩٧) من طريق عمر بن قيس المكي عن الزهري. قلت: وسكت عليه الحاكم ثم الذهبي فأساءا، لأن عمر هذا متروك كما في " التقريب " وقال في " التلخيص ": فيه ضعف. قلت: وفي هذا التعبير تساهل لا يخفى، وقال الزيلعي بعد أن ذكره من طريق الحاكم: وسكت عنه، قال عبد الحق في " أحكامه ": والمراسيل أشبه ". قلت: ولا يشك في هذا من شم رائحة الحديث، فإن الطرق كلها واهية عن الزهري به موصولا، مع مخالفتها لروايات الثقات الذين أرسلوه عن الزهري، منهم إسماعيل بن أمية عن الزهري عن سعيد بن المسيب مرفوعا به. أخرجه الحاكم وكذا أبو داود في " مراسيله ". وأخرجه البيهقي من طريق يونس عن الزهري به إلا أنه أوقفه على ابن المسيب، كما في النسخة المطبوعة من " البيهقي "، وأما الحافظ في " التلخيص "، فقد نقل عنه أنه رواه من هذه الطريق عن ابن المسيب مرسلا. تنبيه: عزى الصنعاني في " سبل السلام " (٣/٧٨) هذا الحديث لأحمد عن أبي هريرة، وهو وهم منه، فإن الحديث عنده (٢/٤٩٤) عنه بلفظ آخر وهو: " حريم البئر أربعون ذراعا من حواليها كلها لأعطان الإبل والغنم ". وهو بهذا اللفظ حسن عندي كما بينته في السلسلة الأخرى (رقم: ٢٥١) . ١٠٢٨ - " من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن أكل مما تخلل فليلفظ، وما لاك بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل

стр. 1510

فليستدبره فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج ". ضعيف. أخرجه أبو داود (١/٦ ـ ٧) والدارمي (١/١٦٩ ـ ١٧٠) وابن ماجه (١/١٤٠ - ١٤١) والطحاوي (١/٧٢) وابن حبان (١٣٢) مختصرا والبيهقي (١/٩٤ و١٠٤) وأحمد (٢/٣٧١) من طريق الحصين الحبراني عن أبي سعيد - زاد بعضهم: الخير عن أبي هريرة عن النبي ﷺ به، وقال أبو داود: أبو سعيد الخير هو من أصحاب النبي ﷺ . قلت: هو كما قال على ما هو الراجح في التحقيق كما بينته في " ضعيف سنن أبي داود " (رقم ٩) ، لكن الراوي عنه الحصين الحبراني مجهول كما قال الحافظ في " التلخيص " (ص ٣٧) وكذا في " التقريب " له، وفي " الخلاصة " للخزرجي. وقال الذهبي: لا يعرف، وأما توثيق ابن حبان إياه، فمما لا يعول عليه لما عرف من قاعدته في توثيق المجهولين، كما فصلت القول عليه في " الرد على التعقيب الحثيث " ولهذا لم يعرج الأئمة المذكورون على توثيقه، ولم يعتمدوا عليه في هذا ولا في عشرات بل مئات من مثله وثقهم هو وحده، وحكموا عليهم بالجهالة، ولذلك وجدنا البيهقي أشار إلى تضعيف هذا الحديث بقوله عقبه: وهذا إن صح، فإنما أراد والله أعلم وترا يكون بعد ثلاث. وإنما حمله على هذا التأويل أحاديث كثيرة تدل على وجوب الاستنجاء بثلاثة أحجار، والنهي عن الاستنجاء بأقل من ذلك كحديث سلمان ﵁ قال: " ... ونهانا ﷺ أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار ". رواه مسلم وغيره. فلو صح قوله في هذا الحديث: " ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج "، وجب تأويله بما ذكره البيهقي، ولكني أقول: لا حاجة بنا إلى مثل هذا التأويل بعدما تبين لنا ضعفه وتفرد ذاك المجهول به. وإذا عرفت هذا، فلا تغتر بقول النووي في " المجموع " (٢/٥٥) : هذا حديث حسن! ولا بقول الحافظ نفسه في " الفتح " (١/٢٠٦) :
следующие страницы →