Полный текст (11 273 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
٥٤ - " إذا كان في آخر الزمان، واختلفت الأهواء، فعليكم بدين أهل البادية والنساء ".
موضوع.
قال ابن طاهر: وابن البيلماني (يعني الذي في سنده) له عن أبيه عن ابن عمر نسخة كان يتهم بوضعها.
стр. 142
قال الحافظ العراقي: وهذا اللفظ من هذا الوجه رواه ابن حبان في " الضعفاء " في ترجمة ابن البيلماني.
قلت: من طريق ابن حبان أورده ابن الجوزي في " الموضوعات " (١ / ٢٧١) ومنه تبين أن فيه علة أخرى، لأن راويه عن ابن عبد الرحمن البيلماني محمد بن الحارث الحارثي وهو ضعيف، وفي ترجمته أورد الحديث ابن عدي (٢٩٧ / ٢) وقال:
وعامة ما يرويه غير محفوظ، ثم قال ابن الجوزي: لا يصح، محمد بن الحارث ليس بشيء، وشيخه كذلك حدث عن أبيه بنسخة موضوعة، وإنما يعرف هذا من قول عمر بن عبد العزيز.
وأقره السيوطي في " اللآليء المصنوعة " (١ / ١٣١) وزاد عليه فقال: قلت:
محمد بن الحارث من رجال ابن ماجه، وقال في " الميزان ": هذا الحديث من عجائبه.
قلت: الحمل فيه على ابن البيلماني أولى من الحمل فيه على ابن الحارث، فإن هذا قد وثقه بعضهم، بخلاف ابن البيلماني فإنه متفق على توهينه، وقد أشار إلى ما ذهبت إليه بعض الأئمة، فقال الآجرى: سألت أبا داود عن ابن الحارث فقال:
بلغني عن بندار قال: ما في قلبي منه شيء، البلية من ابن البيلماني، وقال البزار: مشهور ليس به بأس، وإنما تأتي هذه الأحاديث من ابن البيلماني.
стр. 143
فثبت أن آفة الحديث من ابن البيلماني وبه أعله الحافظ ابن طاهر كما تقدم، وكذا السخاوي في " المقاصد "، وقال الشيخ علي القاري: حديث موضوع.
ثم أليس من العجائب أن يورد السيوطي هذا الحديث في " الجامع الصغير " مع تعهده في مقدمته أن يصونه مما تفرد به كذاب أو وضاع مع أن الحديث فيه ذاك الكذاب ابن البيلماني، ومع إقراره ابن الجوزي على حكمه عليه بالوضع؟ ! وقد أقرهما على ذلك ابن عراق أيضا في " تنزيه الشريعة " (١٣٦ / ١) فإنه أورده في " الفصل الأول " الذي يورد فيه ما حكم ابن الجوزي بوضعه ولم يخالف فيه كما نص عليه في المقدمة.
٥٥ - " سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن ".
منكر جدا.
وقد روي من حديث أبي هريرة وابن عمر وأنس وابن عباس.
١ - أما حديث أبي هريرة فقد روي من ثلاث طرق عن أبي سعيد المقبري عنه.
الأولى: عن محمد بن يعقوب الفرجي قال: نبأنا محمد بن عبد الملك بن قريب الأصمعي قال: نبأنا أبي عن أبي معشر عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة.
أخرجه أبو سعد الماليني في " الأربعين في شيوخ الصوفية " (٥ / ١) وأبو نعيم في " الحلية " (١٠ / ٢٩٠) والخطيب في " تاريخ بغداد " (١ / ٤١٧) ، ومن طريقه ابن الجوزي في " الواهيات " (١١٧٨) وقال: لم أسمع لمحمد بن الأصمعي ذكرا إلا في هذا الحديث، قال الذهبي في ترجمته:
стр. 144
وهو حديث منكر جدا، ثم ساقه بهذا السند ثم قال: هذا غير صحيح، وأقره الحافظ في " اللسان ".
قلت: ولهذا الإسناد ثلاث علل:
أ - ابن الأصمعي هذا وهو مجهول كما يشير إليه كلام الخطيب السابق.
ب - الراوي عنه محمد بن يعقوب الفرجي، لم أجد له ترجمة إلا أن الماليني أورده في " شيوخ الصوفية " ولم يذكر فيه تعديلا ولا جرحا، وكذلك فعل الخطيب في " تاريخ بغداد " (٣ / ٣٨٨) إلا أنه قال: وكان يحفظ الحديث، ولعله هو الآفة.
ج - أبو معشر واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي ضعيف اتفاقا، وضعفه يحيى بن سعيد جدا، وكذا البخاري حيث قال: منكر الحديث.
الطريق الثانية: قال عبد الله بن سالم: حدثنا عمار بن مطر الرهاوي - وكان حافظا للحديث - حدثنا ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة، أخرجه ابن عدي في " الكامل " (٥ / ٧٢ ـ بيروت) ، وعنه ابن الجوزي في " الواهيات " (٢ / ٢١٩) وقال: لا يصح، وذكره الذهبي في ترجمة عمار هذا، وقال: هالك، وثقه بعضهم ومنهم من وصفه بالحفظ، ثم ساقه ثم ذكر أحاديث منكرة، ثم ختم ترجمته بقوله:
قال أبو حاتم الرازي: كان يكذب، وقال ابن عدي: أحاديثه بواطيل. وقال
стр. 145
الدارقطني: ضعيف.
قلت: فهذه متابعة قوية لأبي معشر من ابن أبي ذئب، ولكنه لا يعتد بها، فإنه وإن كان ثقة ففي الطريق إليه ذلك الهالك، لكنه روي من طريق غيره وهو:
الطريق الثالثة: أخرجه ابن عدي في " الكامل " (٥ / ٧٢) ، ومن طريقه ابن الجوزي عن أبي شهاب عبد القدوس بن عبد القاهر بن أبي ذئب أبي شهاب سمعه من صدقة ابن أبي الليث الحصني - وكان من الثقات - عن ابن أبي ذئب، ذكره ابن حجر في " اللسان " في ترجمة عبد القدوس هذا بعد أن قال فيه الذهبي: له أكاذيب وضعها،
ثم ذكر منها حديثا، ثم ذكر الحافظ منها حديثا آخر هو هذا ثم قال: وهذا إنما يعرف برواية عمار بن مطر عن ابن أبي ذئب، وكان الناس ينكرونه على عمار، وقد عرفت حال عمار آنفا.
وخير هذه الطرق الأولى، ومع ذلك فهي واهية لكثرة عللها، وقد قال الحافظ في " تخريج الكشاف " (١٣٠ رقم ١٨١) : وإسناده ضعيف.
٢ ـ وأما حديث ابن عمر، فأخرجه عباس الدوري في " تاريخ ابن معين " (ق ٤١ /٢) ، وابن عدي (٥ / ١٣ و٧ / ٧٧) ، والخطيب في " الجامع " (٥ / ٩١ / ٢) نسخة الإسكندرية والواحدي في " الوسيط " (٣ / ١٩٤ / ١) والثعلبي في " التفسير " (٣ / ٧٨ / ٢) ، وابن الجوزي في " الواهيات " (١١٧٧) عن الوليد ابن سلمة - قاضي الأردن - حدثنا عمر بن صهبان عن نافع عنه، وقال ابن عدي:
وعمر هذا عامة أحاديثه لا يتابعه الثقات عليه ويغلب على حديثه المناكير.
стр. 146
قلت: وهو ضعيف جدا، قال البخاري: منكر الحديث، وقال الدارقطني: متروك الحديث.
قلت: لكن الراوي عنه الوليد بن سلمة شر منه فقد قال فيه أبو مسهر ودحيم وغيرهما: كذاب، وقال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات.
وقد ساق ابن عدي له أحاديث، ومنها هذا الحديث أورده في ترجمته أيضا وقال وكذا في " المنتخب منه " (ق ٣٥٠ / ١) وغيره: عامتها غير محفوظة.
٣ ـ وأما حديث أنس، فأخرجه ابن بشران في " الأمالي " (٢٣ / ٦٩ / ٢) ، والخطيب في " الجامع " (٢ / ٢٢ / ١) من طريق محمد بن يونس حدثنا يوسف بن كامل حدثنا عبد السلام بن سليمان الأزدي عن أبان عنه مرفوعا بلفظ: " ... بهاء الوجه ".
وهذا إسناد باطل ليس فيهم من هو معروف بالثقة باستثناء أنس طبعا.
أما أبان فهو ابن أبي عياش الزاهد البصري، وقال أحمد: متروك الحديث، وقال شعبة: لأن يزني الرجل خير من أن يروي عن أبان.
стр. 147
قلت: ولا يجوز أن يقال مثل هذا إلا فيمن هو كذاب معروف بذلك وقد كان شعبة يحلف على ذلك، ولعله كان لا يتعمد الكذب، فقد قال فيه ابن حبان: كان أبان من العباد يسهر الليل بالقيام ويطوي النهار بالصيام، سمع من أنس أحاديث وجالس الحسن فكان يسمع كلامه ويحفظ، فإذا حدث ربما جعل كلام الحسن عن أنس مرفوعا وهو لا يعلم! ولعله روى عن أنس عن النبي ﷺ أكثر من ألف حديث وخمس مئة حديث ما لكبير شيء منها أصل يرجع له! .
وأما عبد السلام بن سليمان الأزدي، فالظاهر أنه أبوهمام العبدي، فإنه من طبقته سمع داود بن أبي هند روى عنه حرمي بن عمارة وأبو سلمة ويحيى بن يحيى كما قال أبو حاتم على ما في " الجرح والتعديل " (٣ / ١ / ٤٦) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا فهو مجهول الحال، وأما ابن حبان فأورده في " الثقات " (٢ /١٨٢) على قاعدته وأورد قبله راويا آخر فقال: عبد السلام بن سليمان يروي عن يزيد بن سمرة، عداده في أهل الشام، روى عنه الأوزاعي.
والظاهر أنه ليس هو راوي هذا الحديث فإن إسناده ليس شاميا، فإنما هو الذي قبله.
وأما يوسف بن كامل، فالظاهر أنه العطار، روى عن سويد بن أبي حاتم ونافع بن عمر الجمحي، روى عنه عمرو بن علي الصيرفي كما في " الجرح والتعديل " (٤ /٢ / ٢٢٨) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، ولعله في " ثقات ابن حبان " فليراجع في أتباع أتباع التابعين منه، فإن نسختنا منه ينقص منها هذا المجلد وما دونه.
وأما محمد بن يونس فهو الكديمي قال ابن عدي: " قد اتهم بالوضع ".
وقال ابن حبان:
стр. 148
لعله وضع أكثر من ألف حديث، وكذبه أبو داود وموسى بن هارون والقاسم بن المطرز، وقال الدارقطني: يتهم بوضع الحديث، وما أحسن فيه القول إلا من لم يخبر حاله.
٤ ـ وأما حديث ابن عباس فعزاه السيوطي في " الجامع " لابن النجار، ولم أقف على إسناده، وغالب الظن أنه واه كغيره، وقد بيض له المناوي.
فتبين من هذا التحقيق أن هذه الطرق كلها واهية جدا فلا تصلح لتقوية الطريق الأولى منها، وهي على ضعفها أحسنها حالا، فلا تغتر بقول الحافظ السخاوي في " المقاصد " (٢٤٠) : وشواهده كثيرة، فإنها لا تصلح للشهادة كما ذكرنا.
والظاهر أن أصل الحديث موقوف رفعه أولئك الضعفاء عمدا أوسهو ا، فقد رأيت في " المنتقى من المجالسة " للدينوري (٥٢ / ٢) بسند صحيح عن مغيرة قال: قال إبراهيم: ليس من المروءة كثرة الالتفات في الطريق، ويقال: " سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن ".
وذكره الشيخ على القاري في " شرح الشمائل " (١ / ٥٢) من قول الزهري.
ويكفي في رد هذا الحديث أنه مخالف لهدي النبي ﷺ في مشيه، فقد كان ﷺ سريع المشي كما ثبت ذلك عنه في غير ما حديث، وروى ابن سعد في " الطبقات "
стр. 149
عن الشفاء بنت عبد الله أم سليمان قالت: كان عمر إذا مشى أسرع.
ولعل هذا الحديث من افتراء بعض المتزهدين الذين يرون أن الكمال أن يمشي المسلم متباطئا متماوتا كأن به مرضا! وهذه الصفة ليست مرادة قطعا بقوله تعالى:
﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هو نا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ ، قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها: هو نا: أي بسكينة ووقار من غير جبرية ولا استكبار، كقوله تعالى: ﴿ولا تمش في الأرض مرحا﴾ ، فأما
هؤلاء فإنهم يمشون بغير استكبار ولا مرح ولا أشر ولا بطر.
وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعا ورياء، فقد كان سيد ولد آدم ﵊ إذا مشى كأنما ينحط من صبب وكأنما تطوى الأرض له، وقد كره بعض السلف المشي بتضعف، حتى روى عن عمر أنه رأى شابا يمشي رويدا، فقال: ما بالك أأنت مريض؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، فعلاه بالدرة وأمره أن يمشي
بقوة، وإنما المراد بالهو ن هنا: السكينة والوقار.
وقد روى الإمام أحمد (رقم ٣٠٣٤) من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ كان إذا مشى مشى مجتمعا ليس فيه كسل، ورواه البزار (٢٣٩١ - زوائده) وسنده صحيح، وله شاهد عن سيار أبي الحكم مرسلا، رواه ابن سعد (١ / ٣٧٩) .
стр. 150
٥٦ - " لولا النساء لعبد الله حقا حقا ".
موضوع.
وله طريقان:
الأول: عن محمد بن عمران الهمذاني، أنبأنا عيسى بن زياد الدورقي - صاحب ابن عيينة - قال: حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب مرفوعا، أخرجه ابن عدي (ق ٣١٢ / ١) وقال: هذا حديث منكر، ولا أعرفه إلا من هذا الوجه، وعبد الرحيم بن زيد العمي أحاديثه كلها لا يتابعه الثقات عليه.
قلت: وقال البخاري: تركوه، وقال أبو حاتم: يترك حديثه، منكر الحديث، كان يفسد أباه يحدث عنه بالطامات، وقال ابن معين: كذاب خبيث.
قلت: وأبوه زيد ضعيف كما تقدم (٥١) .
والحديث أورده ابن الجوزي في " الموضوعات " (٢ / ٢٥٥) من طريق ابن عدي ثم قال: لا أصل له، عبد الرحيم وأبوه متروكان، ومحمد بن عمران منكر الحديث.
قلت: الظاهر أن ابن الجوزي توهم أن محمد بن عمران هذا هو الأخنسي الذي قال فيه البخاري في " تاريخه الكبير " (١ / ١ / ٢٠٢) :
стр. 151
كان ببغداد، يتكلمون فيه، منكر الحديث عن أبي بكر بن عياش، وليس صاحب هذا الحديث هو الأخنسي، بل هو الهمذاني كما صرح ابن عدي في روايته، وهو ثقة وله ترجمة جيدة في " تاريخ بغداد " (٣ / ١٣٣ - ١٣٤) ، فعلة الحديث ممن فوقه.
وأما السيوطي فخفي عليه هذا، فإنه إنما تعقب ابن الجوزي بقوله في " اللآليء " (١ / ١٥٩) : قلت: له شاهد! ومع ذلك فهذا تعقب لا طائل تحته، لأن الشاهد المشار إليه ليس خيرا من المشهو د له!
هو الطريق الآخر: عن بشر بن الحسين عن الزبير بن عدي عن أنس مرفوعا بلفظ:
" لولا النساء دخل الرجال الجنة ".
رواه أبو الفضل عيسى بن موسى الهاشمي في " نسخة الزبير بن عدي " (١ / ٥٥ / ٢) وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " (٢ / ٣٠) والثقفي في " الثقفيات ".
قلت: وبشر هذا متروك يكذب كما تقدم (٢٨) ، ومن طريقه رواه الديلمي في " مسند الفردوس " بلفظ: " لولا النساء لعبد الله حق عبادته " كما في " فيض القدير ".
وقد اقتصر السيوطي في ترجمة بشر هذا على قوله عقب الحديث: متروك، فتعقبه ابن عراق في " تنزيه الشريعة " (٢ / ٢٠٤) : بل كذاب وضاع فلا يصلح حديثه شاهدا.
стр. 152
ومما سبق تعلم أن السيوطي لم يحسن صنعا بإيراده هذه الأحاديث الثلاثة في " الجامع الصغير " خلافا لشرطه الذي ذكرته أكثر من مرة.
٥٧ - " اختلاف أمتي رحمة ".
لا أصل له.
ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا، حتى قال السيوطي في " الجامع الصغير ": ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا! .
وهذا بعيد عندي، إذ يلزم منه أنه ضاع على الأمة بعض أحاديثه ﷺ ، وهذا مما لا يليق بمسلم اعتقاده.
ونقل المناوي عن السبكي أنه قال: وليس بمعروف عند المحدثين، ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع.
وأقره الشيخ زكريا الأنصاري في تعليقه على " تفسير البيضاوي " (ق ٩٢ / ٢) .
ثم إن معنى هذا الحديث مستنكر عند المحققين من العلماء، فقال العلامة ابن حزم في " الإحكام في أصول الأحكام " (٥ / ٦٤) بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث:
وهذا من أفسد قول يكون، لأنه لوكان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطا، وهذا ما لا يقوله مسلم، لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أوسخط.
وقال في مكان آخر: باطل مكذوب، كما سيأتي في كلامه المذكور عند الحديث (٦١) .
وإن من آثار هذا الحديث السيئة أن كثيرا من المسلمين يقرون بسببه
стр. 153
الاختلاف الشديد الواقع بين المذاهب الأربعة، ولا يحاولون أبدا الرجوع بها إلى الكتاب والسنة الصحيحة، كما أمرهم بذلك أئمتهم ﵃، بل إن أولئك ليرون مذاهب هؤلاء الأئمة ﵃ إنما هي كشرائع متعددة! يقولون هذا مع علمهم بما بينها من اختلاف وتعارض لا يمكن التوفيق بينها إلا برد بعضها المخالف
للدليل، وقبول البعض الآخر الموافق له، وهذا ما لا يفعلون! وبذلك فقد نسبوا إلى الشريعة التناقض! وهو وحده دليل على أنه ليس من الله لو كانوا يتأملون قوله تعالى في حق القرآن: ﴿ولوكان من عند غير الله لوجدوا
فيه اختلافا كثيرا﴾ فالآية صريحة في أن الاختلاف ليس من الله، فكيف يصح إذن جعله شريعة متبعة، ورحمة منزلة؟ .
وبسبب هذا الحديث ونحوه ظل أكثر المسلمين بعد الأئمة الأربعة إلى اليوم مختلفين في كثير من المسائل الاعتقادية والعملية، ولو أنهم كانوا يرون أن الخلاف شر كما قال ابن مسعود وغيره ﵃ ودلت على ذمه الآيات
القرآنية والأحاديث النبوية الكثيرة، لسعوا إلى الاتفاق، ولأمكنهم ذلك في أكثر هذه المسائل بما نصب الله تعالى عليها من الأدلة التي يعرف بها الصواب من الخطأ، والحق من الباطل، ثم عذر بعضهم بعضا فيما قد يختلفون فيه، ولكن لماذا هذا السعي وهم يرون أن الاختلاف رحمة، وأن المذاهب على اختلافها كشرائع متعددة! وإن شئت أن ترى أثر هذا الاختلاف والإصرار عليه، فانظر إلى كثير من المساجد، تجد فيها أربعة محاريب يصلى فيها أربعة من الأئمة!
ولكل منهم جماعة ينتظرون الصلاة مع إمامهم كأنهم أصحاب أديان مختلفة! وكيف لا وعالمهم يقول: إن مذاهبهم كشرائع متعددة! يفعلون ذلك وهم يعلمون قوله ﷺ :
стр. 154
" إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " رواه مسلم وغيره، ولكنهم يستجيزون مخالفة هذا الحديث وغيره محافظة منهم على المذهب كأن المذهب معظم عندهم ومحفوظ أكثر من أحاديثه ﵊! وجملة
القول أن الاختلاف مذموم في الشريعة، فالواجب محاولة التخلص منه ما أمكن، لأنه من أسباب ضعف الأمة كما قال تعالى: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ ، أما الرضا به وتسميته رحمة فخلاف الآيات الكريمة المصرحة بذمه، ولا مستند له إلا هذا الحديث الذي لا أصل له عن رسول الله ﷺ .
وهنا قد يرد سؤال وهو: إن الصحابة قد اختلفوا وهم أفاضل الناس، أفيلحقهم الذم المذكور؟ .
وقد أجاب عنه ابن حزم رحمه الله تعالى فقال (٥ / ٦٧ - ٦٨) : كلا ما يلحق أولئك شيء من هذا، لأن كل امرئ منهم تحرى سبيل الله، ووجهته الحق، فالمخطئ منهم مأجور أجرا واحدا لنيته الجميلة في إرادة الخير، وقد رفع عنهم الإثم في خطئهم لأنهم لم يتعمدوه ولا قصدوه ولا استهانوا بطلبهم، والمصيب منهم مأجور أجرين، وهكذا كل مسلم إلى يوم القيامة فيما خفي عليه من الدين ولم يبلغه، وإنما الذم المذكور والوعيد المنصوص، لمن ترك التعلق بحبل الله تعالى وهو القرآن، وكلام النبي ﷺ بعد بلوغ النص إليه وقيام الحجة به عليه، وتعلق بفلان وفلان، مقلدا عامدا للاختلاف، داعيا إلى عصبية وحمية الجاهلية، قاصدا للفرقة، متحريا في دعواه برد القرآن
والسنة إليها، فإن وافقها النص أخذ به، وإن خالفها تعلق بجاهليته، وترك القرآن وكلام النبي ﷺ ، فهؤلاء هم
стр. 155
المختلفون المذمومون.
وطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقة الدين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة في قول كل عالم، مقلدين له غير طالبين ما أو جبه النص عن الله وعن رسوله ﷺ .
ويشير في آخر كلامه إلى " التلفيق " المعروف عند الفقهاء، وهو أخذ قول العالم بدون دليل، وإنما اتباعا للهو ى أو الرخص، وقد اختلفوا في جوازه، والحق تحريمه لوجوه لا مجال الآن لبيانها، وتجويزه مستوحى من هذا الحديث
وعليه استند من قال: " من قلد عالما لقي الله سالما "! وكل هذا من آثار الأحاديث الضعيفة، فكن في حذر منها إن كنت ترجوالنجاة ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ .
٥٨ - " أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم ".
موضوع.
رواه ابن عبد البر في " جامع العلم " (٢ / ٩١) وابن حزم في " الإحكام " (٦ / ٨٢) من طريق سلام بن سليم قال: حدثنا الحارث بن غصين عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا به، وقال ابن عبد البر: هذا إسناد لا تقوم به حجة لأن الحارث بن غصين مجهول.
وقال ابن حزم: هذه رواية ساقطة، أبو سفيان ضعيف، والحارث بن غصين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة وهذا منها بلا شك.
стр. 156
قلت: الحمل في هذا الحديث على سلام بن سليم - ويقال: ابن سليمان وهو الطويل - أولى فإنه مجمع على ضعفه، بل قال ابن خراش: كذاب، وقال ابن حبان:
روى أحاديث موضوعة.
وأما أبو سفيان فليس ضعيفا كما قال ابن حزم، بل هو صدوق كما قال الحافظ في " التقريب "، وأخرج له مسلم في " صحيحه ".
والحارث بن غصين مجهول كما قال ابن حزم، وكذا قال ابن عبد البر وإن ذكره ابن حبان في " الثقات "، ولهذا قال أحمد: لا يصح هذا الحديث كما في " المنتخب " لابن قدامة (١٠ / ١٩٩ / ٢) .
وأما قول الشعراني في " الميزان " (١ / ٢٨) : وهذا الحديث وإن كان فيه مقال عند المحدثين، فهو صحيح عند أهل الكشف، فباطل وهراء لا يتلفت إليه!
ذلك لأن تصحيح الأحاديث من طريق الكشف بدعة صوفية مقيتة، والاعتماد عليها يؤدي إلى تصحيح أحاديث باطلة لا أصل لها، كهذا الحديث لأن الكشف أحسن أحواله - إن صح - أن يكون كالرأي، وهو يخطيء ويصيب، وهذا إن لم يداخله الهوى، نسأل الله السلامة منه، ومن كل ما لا يرضيه.
وروي الحديث عن أبي هريرة بلفظ: " مثل أصحابي " وسيأتي برقم (٤٣٨)
وروي نحوه عن ابن عباس وعمر بن الخطاب وابنه عبد الله.
أما حديث ابن العباس فهو:
стр. 157
٥٩ - " مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به، لا عذر لأحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله، فسنة مني ماضية، فإن لم يكن سنة مني ماضية، فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيها أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة ".
موضوع.
أخرجه الخطيب في " الكفاية في علم الرواية " (ص ٤٨) ومن قبله أبو العباس الأصم في الثاني من حديثه رقم ١٤٢ من نسختي، وعنه البيهقي في " المدخل " رقم (١٥٢) ، والديلمي (٤ / ٧٥) ، وابن عساكر (٧ / ٣١٥ / ٢) من طريق سليمان ابن أبي كريمة عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جدا: سليمان بن أبي كريمة قال ابن أبي حاتم (٢ / ١ /١٣٨) عن أبيه: ضعيف الحديث.
وجويبر هو ابن سعيد الأزدي، متروك، كما قال الدارقطني والنسائي وغيرهما، وضعفه ابن المديني جدا.
والضحاك هو ابن مزاحم الهلالي لم يلق ابن عباس، وقال البيهقي عقبه: هذا حديث متنه مشهور، وأسانيده ضعيفة، لم يثبت في هذا إسناد.
والحديث أورد منه الجملة الأخيرة الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " (١ /٢٥) وأورده السيوطي بتمامه في أول رسالته " جزيل المواهب في اختلاف المذاهب " من رواية البيهقي في " المدخل " ثم قال العراقي: وإسناده ضعيف.
والتحقيق أنه ضعيف جدا لما ذكرنا من حال جويبر، وكذلك قال السخاوي
стр. 158
في " المقاصد " ولكنه موضوع من حيث معناه لما تقدم ويأتي.
فإذا عرفت هذا فمن الغريب قول السيوطي في الرسالة المشار إليها: في هذا الحديث فوائد، منها إخباره ﷺ باختلاف المذاهب بعده في الفروع، وذلك من معجزاته، لأنه من الإخبار بالمغيبات، ورضاه بذلك وتقريره عليه حيث جعله رحمة، والتخيير للمكلف في الأخذ بأيها شاء ... فيقال له: أثبت العشر ثم انقش، وما ذكره من التخيير باطل لا يمكن لمسلم أن يلتزم القول والعمل به على إطلاقه لأنه يؤدي إلى التحلل من التكاليف الشرعية كما لا يخفى.
وانظر الكلام على الحديث الآتي (٦٣) .
ومما سبق، تعلم أن تصحيح الشيخ مهدي حسن الشاهجهانبوري لهذا الحديث في كتابه " السيف المجلى على المحلى " (ص ٣) وقوله: إنه حديث مشهور ليس بصحيح بل هو مخالف لأقوال أهل العلم بهذا الفن كما رأيت، وله مثله كثير فانظر الحديث (٨٧) .
وأما حديث عمر بن الخطاب فهو:
٦٠ - " سألت ربي فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي، فأوحى الله إلي يا محمد إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء، بعضها أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى ".
موضوع.
رواه ابن بطة في " الإبانة " (٤ / ١١ / ٢) والخطيب أيضا ونظام الملك في " الأمالي " (١٣ / ٢) ، والديلمي في " مسنده " (٢ / ١٩٠) ، والضياء في
стр. 159
" المنتقى عن مسموعاته بمرو" (١١٦ / ٢) وكذا ابن عساكر (٦ / ٣٠٣ / ١) من طريق نعيم بن حماد حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب مرفوعا.
وهذا سند موضوع، نعيم بن حماد ضعيف، قال الحافظ: يخطئ كثيرا، وعبد الرحيم بن زيد العمي كذاب كما تقدم (٥٣) فهو آفته وأبوه خير منه.
والحديث أورده السيوطي في " الجامع الصغير " برواية السجزي في " الإبانة " وابن عساكر عن عمر، وقال شارحه المناوي: قال ابن الجوزي في " العلل ": هذا لا يصح نعيم مجروح، وعبد الرحيم قال ابن معين: كذاب، وفي " الميزان ":
هذا الحديث باطل، ثم قال المناوي: ظاهر صنيع المصنف أن ابن عساكر أخرجه ساكتا عليه والأمر بخلافه فإنه تعقبه بقوله: قال ابن سعد: زيد العمي أبو الحواري كان ضعيفا في الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه ومن يروي عنه ضعفاء، ورواه عن عمر أيضا البيهقي، قال الذهبي: وإسناده واه.
قلت: وروى ابن عبد البر عن البزار أنه قال في هذا الحديث: وهذا الكلام لا يصح عن النبي ﷺ ، رواه عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، وربما رواه عبد الرحيم عن أبيه عن ابن عمر، كذا في الموضعين: ابن عمر، والظاهر أن لفظة (ابن) مقحمة من الناسخ في الموضع الأول وإنما أتى ضعف هذا الحديث من قبل عبد الرحيم بن زيد، لأن أهل العلم قد سكتوا عن الرواية لحديثه، والكلام أيضا منكر عن النبي ﷺ ، وقد روي عن النبي ﷺ بإسناد صحيح:
стр. 160
" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ "، وهذا الكلام يعارض حديث عبد الرحيم لوثبت، فكيف ولم يثبت؟!
والنبي ﷺ لا يبيح الاختلاف بعده من أصحابه.
ثم روى عن المزني ﵀ أنه قال: إن صح هذا الخبر فمعناه: فيما نقلوا عنه وشهدوا به عليه، فكلهم ثقة مؤتمن على ما جاء به، لا يجوز عندي غير هذا، وأما ما قالوا فيه برأيهم فلوكان عند أنفسهم كذلك ما خطأ بعضهم بعضا، ولا أنكر بعضهم على بعض، ولا رجع منهم أحد إلى قول صاحبه فتدبر.
قلت: الظاهر من ألفاظ الحديث خلاف المعنى الذي حمله عليه المزني ﵀، بل المراد ما قالوه برأيهم، وعليه يكون معنى الحديث دليلا آخر على أن الحديث موضوع ليس من كلامه ﷺ ، إذ كيف يسوغ لنا أن نتصور أن النبي ﷺ يجيز لنا أن نقتدي بكل رجل من الصحابة مع أن فيهم العالم والمتوسط في العلم ومن هو دون ذلك! وكان فيهم مثلا من يرى أن البرد لا يفطر الصائم بأكله! كما سيأتي ذكره بعد حديث.
وأما حديث ابن عمر فهو:
٦١ - " إنما أصحابي مثل النجوم فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم ".
موضوع.
ذكره ابن عبد البر معلقا (٢ / ٩٠) وعنه ابن حزم من طريق أبي شهاب الحناط عن حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر مرفوعا به.
стр. 161
وقد وصله عبد بن حميد في " المنتخب من المسند " (٨٦ / ١) : أخبرني أحمد بن يونس حدثنا أبو شهاب به، ورواه ابن بطة في " الإبانة " (٤ / ١١ / ٢) من طريق آخر عن أبي شهاب به، ثم قال ابن عبد البر: وهذا إسناد لا يصح، ولا يرويه عن نافع من يحتج به.
قلت: وحمزة هذا هو ابن أبي حمزة، قال الدارقطني: متروك، وقال ابن عدي:
عامة مروياته موضوعة، وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالموضوعات حتى كأنه المتعمد لها، ولا تحل الرواية عنه، وقد ساق له الذهبي في " الميزان "
أحاديث من موضوعاته هذا منها.
قال ابن حزم (٦ / ٨٣) : فقد ظهر أن هذه الرواية لا تثبت أصلا، بل لا شك أنها مكذوبة، لأن الله تعالى يقول في صفة نبيه ﷺ : ﴿وما ينطق عن الهو ى، إن هو إلا وحي يوحى﴾ ، فإذا كان كلامه ﵊ في الشريعة حقا كله وواجبا فهو من الله تعالى بلا شك، وما كان من الله تعالى فلا يختلف فيه لقوله تعالى: ﴿ولوكان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾
стр. 162
وقد نهى تعالى عن التفرق والاختلاف بقوله: ﴿ولا تنازعوا﴾ ،فمن المحال أن يأمر رسوله ﷺ باتباع كل قائل من الصحابة ﵃ وفيهم من يحلل الشيء، وغيره يحرمه، ولوكان ذلك لكان بيع الخمر حلالا اقتداء بسمرة بن جندب، ولكان أكل البرد للصائم حلالا اقتداء بأبي طلحة، وحراما اقتداء بغيره منهم، ولكان ترك الغسل من الإكسال واجبا بعلي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأبي بن كعب وحراما اقتداء بعائشة وابن عمر وكل هذا مروى عندنا بالأسانيد الصحيحة.
ثم أطال في بيان بعض الآراء التي صدرت من الصحابة وأخطأوا فيها السنة، وذلك في حياته ﷺ وبعد مماته، ثم قال (٦ / ٨٦) : فكيف يجوز تقليد قوم يخطئون ويصيبون؟ ! .
وقال قبل ذلك (٥ / ٦٤) تحت باب ذم الاختلاف: وإنما الفرض علينا اتباع ما جاء به القرآن عن الله تعالى الذي شرع لنا دين الإسلام، وما صح عن رسول الله ﷺ الذي أمره الله تعالى ببيان الدين ... فصح أن الاختلاف لا يجب أن يراعى أصلا، وقد غلط قوم فقالوا: الاختلاف رحمة، واحتجوا بما روي عن النبي ﷺ : " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "، قال: وهذا الحديث باطل مكذوب من توليد أهل الفسق لوجوه ضرورية.
أحدها: أنه لم يصح من طريق النقل.
والثاني: أنه ﷺ لم يجز أن يأمر بما نهى عنه، وهو ﵇ قد أخبر أن أبا بكر قد أخطأ في تفسير فسره، وكذب عمر في تأويل تأوله في الهجرة، وخطأ أبا السنابل في فتيا أفتى بها في العدة، فمن المحال الممتنع
الذي لا يجوز البتة أن يكون
стр. 163
عليه السلام يأمر باتباع ما قد أخبر أنه خطأ.
فيكون حينئذ أمر بالخطأ تعالى الله عن ذلك، وحاشا له ﷺ من هذه الصفة، وهو ﵊ قد أخبر أنهم يخطئون، فلا يجوز أن يأمرنا باتباع من يخطيء، إلا أن يكون ﵇ أراد نقلهم لما رووا عنه فهذا صحيح لأنهم ﵃ كلهم ثقات، فمن أيهم نقل، فقد اهتدى الناقل.
والثالث: أن النبي ﷺ لا يقول الباطل، بل قوله الحق، وتشبيه المشبه للمصيبين بالنجوم تشبيه فاسد وكذب ظاهر، لأنه من أراد جهة مطلع الجدي، فأم جهة مطلع السرطان لم يهتد، بل قد ضل ضلالا بعيدا وأخطأ خطأ فاحشا، وليس كل النجوم يهتدى بها في كل طريق، فبطل التشبيه المذكور ووضح كذب ذلك الحديث وسقوطه وضوحا ضروريا.
ونقل خلاصته ابن الملقن في " الخلاصة " (١٧٥ / ٢) وأقره، وبه ختم كلامه على الحديث فقال: وقال ابن حزم: خبر مكذوب موضوع باطل لم يصح قط.
وروي هذا الحديث بلفظ آخر:
٦٢ - " أهل بيتي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم ".
موضوع.
وهو في نسخة أحمد بن نبيط الكذاب، وقد وقفت عليها، وهي من رواية أبي نعيم الأصبهاني قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن القاسم بن الريان المصري المعروف باللكي - بالبصرة في نهر دبيس قراءة عليه في صفر سنة سبع وخمسين وثلاث مئة فأقر به قال - أنبأنا أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط أبو جعفر الأشجعي بمصر - سنة اثنتين وسبعين ومئتين قال - حدثني أبي
стр. 164
إسحاق بن إبراهيم ابن نبيط، قال: حدثني أبي إبراهيم بن نبيط عن جده نبيط بن شريط مرفوعا.
قلت: فذكر أحاديث كثيرة هذا منها (ق ١٥٨ / ٢) ، وقد قال الذهبي في هذه النسخة: فيها بلايا! وأحمد بن إسحاق لا يحل الاحتجاج به فإنه كذاب.
وأقره الحافظ في " اللسان ".
قلت: والراوي عنه أحمد بن القاسم اللكي ضعيف.
والحديث أورده ابن عراق في " تنزيه الشريعة " (٢ / ٤١٩) تبعا لأصله " ذيل الأحاديث الموضوعة " للسيوطي (ص ٢٠١) وكذا الشوكاني في " الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة " (ص ١٤٤) نقلا عن " المختصر " لكن وقع فيه نسخة نبيط الكذاب فكأنه سقط من النسخة لفظة (ابن) وهو أحمد بن إسحاق نسب إلى جده،
وإلا فإن نبيطا صحابي.
٦٣ - " إن البرد ليس بطعام ولا بشراب ".
منكر.
أخرجه الطحاوي في " مشكل الآثار " (٢ / ٣٤٧) وأبو يعلى في " مسنده " (ق ١٩١ / ٢) والسلفي في " الطيوريات " (٧ / ١ - ٢) وابن عساكر (٦ / ٣١٣ / ٢) من طريق علي بن زيد بن جدعان عن أنس قال: مطرت السماء بردا فقال لنا أبو طلحة: ناولوني من هذا البرد، فجعل يأكل وهو صائم وذلك في رمضان! فقلت: أتأكل البرد وأنت صائم؟ فقال: إنما هو برد نزل من السماء نطهر به بطوننا وإنه ليس بطعام ولا بشراب! فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك فقال: " خذها عن عمك ".
قلت: وهذا سند ضعيف، وعلي بن زيد بن جدعان ضعيف كما قال الحافظ
стр. 165
في " التقريب "، وقال شعبة بن الحجاج: حدثنا علي بن زيد وكان رفاعا يعني أنه كان يخطيء فيرفع الحديث الموقوف وهذا هو علة هذا الحديث، فإن الثقات رووه عن أنس موقوفا على أبي طلحة خلافا لعلى بن زيد الذي رفعه إلى النبي ﷺ فأخطأ، فرفعه منكر، فقد أخرجه أحمد (٣ / ٢٧٩) وابن عساكر (٦ / ٣١٣ /٢) من طريق شعبة عن قتادة وحميد عن أنس قال: مطرنا بردا وأبو طلحة صائم فجعل يأكل منه، قيل له: أتأكل وأنت صائم؟ ! فقال: إنما هذا بركة! وسنده صحيح على شرط الشيخين، وصححه ابن حزم في " الإحكام " (٦ / ٨٣) وأخرجه الطحاوي من طريق خالد بن قيس عن قتادة، ومن طريق حماد بن سلمة عن ثابت، كلاهما عن أنس به نحوه، ورواه البزار موقوفا وزاد: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فكرهه، وقال: إنه يقطع الظمأ، قال البزار: لا نعلم هذا الفعل إلا عن أبي طلحة، فثبت أن الحديث موقوف ليس فيه ذكر النبي ﷺ ، وإنما أخطأ في رفعه ابن جدعان كما جزم بذلك الطحاوي.
والحديث أورده الهيثمي في " المجمع " (٣ / ١٧١ - ١٧٢) مرفوعا ثم قال:
رواه أبو يعلى وفيه علي بن زيد وفيه كلام، وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح.
стр. 166
وأورده السيوطي في " ذيل الأحاديث الموضوعة " (ص ١١٦) من رواية الديلمي بإسناد يقول فيه كل من رواته: أصم الله هاتين إن لم أكن سمعته من فلان ولكن ابن عراق في " تنزيه الشريعة " (١ / ١٥٩) رد عليه حكمه عليه بالوضع ونقل عن الحافظ ابن حجر أنه قال في " المطالب العالية ": إسناده ضعيف، ثم ختم ابن عراق كلامه بقوله: ولعل السيوطي إنما عنى أنه موضوع بهذه الزيادة من التسلسل لا مطلقا، والله أعلم.
قلت: وهذا الحديث الموقوف من الأدلة على بطلان الحديث المتقدم: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "، إذ لوصح هذا لكان الذي يأكل البرد في رمضان لا يفطر اقتداء بأبي طلحة ﵁، وهذا مما لا يقوله مسلم اليوم فيما أعتقد.
٦٤ - " نعم أو نعمت الأضحية الجذع من الضأن ".
ضعيف.
أخرجه الترمذي (٢ / ٣٥٥) والبيهقي (٩ / ٢٧١) وأحمد (٢ / ٤٤٤ - ٤٤٥) من طريق عثمان بن واقد عن كدام بن عبد الرحمن عن أبي كباش قال: جلبت غنما جذعانا إلى المدينة فكسدت علي، فلقيت أبا هريرة فسألته؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكر الحديث، قال: فانتهبه الناس، وقال الترمذي: حديث غريب يعني ضعيف، ولذا قال الحافظ في " الفتح " (١٠ / ١٢) :
وفي سنده ضعف.
стр. 167
وبين علته ابن حزم فقال في " المحلى " (٧ / ٣٦٥) : عثمان بن واقد مجهول، وكدام بن عبد الرحمن لا ندري من هو، عن أبي كباش الذي جلب الكباش الجذعة إلى المدينة فبارت عليه، هكذا نص حديثه، وهنا جاء ما جاء
أبو كباش، وما أدراك ما أبو كباش، ما شاء الله كان! كأنه يتهم أبا كباش بهذا الحديث، وهو مجهول مثل الراوي عنه كدام، وقد صرح بذلك الحافظ في " التقريب "، وأما عثمان بن واقد فليس بمجهول فقد وثقه ابن معين وغيره،
وقال أبو داود: ضعيف، وللحديث علة أخرى وهي الوقف فقال البيهقي عقبه:
وبلغني عن أبي عيسى الترمذي قال: قال البخاري: رواه غير عثمان بن واقد عن أبي هريرة موقوفا، وله طريق آخر بلفظ: جاء جبريل إلى النبي ﷺ يوم الأضحى فقال: كيف رأيت نسكنا هذا؟ قال: لقد باهى به أهل السماء، واعلم يا محمد أن الجذع من الضأن خير من الثنية من الإبل والبقر ولو علم الله ذبحا أفضل منه لفدى به إبراهيم ﵇، وفيه إسحاق بن إبراهيم الحنيني، قال البيهقي: تفرد به وفي حديثه ضعف.
قلت: وهو متفق على ضعفه، وقد أورده العقيلي في " الضعفاء " وساق له حديثا وقال: لا أصل له، ثم ساق له هذا الحديث، ثم قال:
стр. 168
يروي عن زياد بن ميمون وكان يكذب عن أنس، ومن أو هى التعقب ما تعقب به ابن التركماني قول البيهقي المتقدم فقال: قلت: ذكر الحاكم في المستدرك هذا الحديث من طريق إسحاق المذكور ثم قال: صحيح الإسناد!
قلت: وكل خبير بهذا العلم الشريف يعلم أن الحاكم متساهل في التوثيق والتصحيح ولذلك لا يلتفت إليه، ولا سيما إذا خالف، ولهذا لم يقره الذهبي في " تلخيصه " على تصحيحه بل قال (٤ / ٢٢٣) : قلت: إسحاق هالك، وهشام ليس بمعتمد، قال ابن عدي: مع ضعفه يكتبه حديثه.
وليس يخفى هذا على مثل ابن التركماني لولا الهوى! فإن هذا الحديث يدل على جواز الجذع في الأضحية وهو مذهب الحنفية وابن التركماني منهم ولما كانت الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة لا يحتج بها أراد أن يقوي بعضها بالاعتماد على تصحيح الحاكم! ولو أن تصحيحه كان على خلاف ما يشتهيه مذهبه لبادر إلى رده متذرعا بما ذكرناه من التساهل! وهذا عيب كبير من مثل هذا العالم النحرير، وعندنا على ما نقول أمثلة أخرى كثيرة لا فائدة كبيرة من ذكرها.
ومن الأحاديث المشار إليها:
٦٥ - " يجوز الجذع من الضأن أضحية ".
ضعيف.
أخرجه ابن ماجه (٢ / ٢٧٥) والبيهقي وأحمد (٦ / ٣٣٨) من طريق محمد بن أبي يحيى مولى الأسلميين عن أمه عن أم بلال بنت هلال عن أبيها مرفوعا، وهذا سند ضعيف من أجل أم محمد بن أبي يحيى فإنها مجهولة كما قال ابن
стр. 169
حزم (٧ / ٣٦٥) وقال: وأم بلال مجهولة، ولا ندري لها صحبة أم لا، قال السندي قال الدميري: أصاب ابن حزم في الأول، وأخطأ في الثاني، فقد ذكر أم بلال في الصحابة ابن منده وأبو نعيم وابن عبد البر، ثم قال الذهبي في
" الميزان ": إنها لا تعرف ووثقها العجلي.
قلت: الحق ما قاله ابن حزم فيها، فإنها لا تعرف إلا في هذا الحديث، ومع أنه ليس فيه التصريح بصحبتها ففي الإسناد إليها جهالة كما علمت فأنى ثبوت الصحبة لها؟ ! ثم من الغرائب أن يسكت الزيلعي في " نصب الراية " (٤ / ٢١٧ - ٢١٨) على هذا الحديث مع ثبوت ضعفه! وفي الباب أحاديث أخرى أوردها ابن حزم في " المحلى " (٧ / ٣٦٤ - ٣٦٥) وضعفها كلها، وقد أصاب إلا في تضعيفه لحديث عقبة بن عامر قال: ضحينا مع رسول الله ﷺ بجذع من الضأن.
أخرجه النسائي (٢ / ٢٠٤) والبيهقي (٩ / ٢٧٠) من طريق بكير بن الأشج عن معاذ بن عبد الله بن خبيب عنه، وهذا إسناد جيد رجاله ثقات، وإعلال بن حزم له بقوله: ابن خبيب هذا مجهول، غير مقبول، فإن معاذا هذا وثقه ابن معين وأبو داود وابن حبان وقال الدارقطني: ليس بذاك ولهذا قال الحافظ في " الفتح " بعد أن عزاه للنسائي:
стр. 170
سنده قوي، لكن رواه أحمد (٤ / ١٥٢) من طريق أسامة بن زيد عن معاذ به بلفظ: سألت رسول الله ﷺ عن الجذع؟ فقال: " ضح به، لا بأس به "، وإسناده حسن وهو يخالف الأول في أنه مطلق،
وذاك خاص في الضأن، وعلى الأول فيمكن أن يراد به الجذع من المعز وتكون خصوصية لعقبة، لحديثه الآخر قال: قسم النبي ﷺ بين أصحابه ضحايا فصارت لعقبة جذعة فقلت: يا رسول الله صارت لي جذعة، وفي رواية عتود وهو الجذع من المعز قال: " ضح بها "، أخرجه البخاري (١٠ / ٣ - ٤ و٩ - ١٠) والبيهقي (٩ / ٢٧٠) وزاد: " ولا أرخصه لأحد فيها بعد "، ويمكن أن يحمل المطلق على الضأن أيضا بدليل حديث أسامة وعليه يحتمل أن يكون ذلك خصوصية له أيضا، أو كان ذلك لعذر مثل تعذر المسنة من الغنم وغلاء سعرها وهذا هو الأقرب لحديث عاصم بن كليب عن أبيه قال: كنا نؤمر علينا في المغازي أصحاب محمد ﷺ ، وكنا بفارس، فغلت علينا يوم النحر المسان، فكنا نأخذ المسنة بالجذعين والثلاثة، فقام فينا رجل من مزينة فقال: كنا مع رسول الله ﷺ فأصبنا مثل هذا اليوم فكنا نأخذ المسنة بالجذعين والثلاثة فقال رسول الله ﷺ : " إن الجذع يوفي مما يوفي الثني "، أخرجه النسائي والحاكم (٤ / ٢٢٦) وأحمد (٢٦٨) وقال الحاكم: حديث صحيح، وهو كما قال.
стр. 171
وقال ابن حزم (٧ / ٢٦٧) : إنه في غاية الصحة، ورواه أبو داود (٢ / ٣) وابن ماجه (٢ / ٢٧٥) والبيهقي (٩ / ٢٧٠) مختصرا، وفي روايتهم تسمية الصحابي بمجاشع بن مسعود السلمي وهو رواية للحاكم، فهذا الحديث يدل بظاهره على أن الجذعة من الضأن إنما تجوز عند غلاء سعر المسان وتعسرها، ويؤيده حديث أبي الزبير عن جابر مرفوعا: " لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن "، أخرجه مسلم (٦ / ٧٢) وأبو داود (٢ / ٣) (٣ / ٣١٢، ٣٢٧) وقال الحافظ في " الفتح ": إنه حديث صحيح.
وخلاصة القول أن حديث الباب لا يصح، وكذا ما في معناه، وحديث جابر وعاصم ابن كليب على خلافها، فالواجب العمل بهما، وتأويلهما من أجل أحاديث الباب لا يسوغ لصحتهما وضعف معارضهما، والله أعلم.
(فائدة) : المسنة هي الثنية من كل شيء من الإبل والبقر والغنم، وهي من الغنم والبقر ما دخل في السنة الثالثة، ومن الإبل ما دخل في السادسة والجذع من الضأن ما له سنة تامة على الأشهر عند أهل اللغة وجمهو ر أهل العلم كما قال الشوكاني وغيره.
استدراك: ذلك ما كنت كتبته سابقا منذ نحوخمس سنوات، وكان محور اعتمادي في ذلك على حديث جابر المذكور من رواية مسلم عن أبي الزبير عنه
стр. 172
مرفوعا: " لا تذبحوا إلا مسنة ... "، وتصحيح الحافظ ابن حجر إياه، ثم بدا لي أني كنت واهما في ذلك، تبعا للحافظ، وأن هذا الحديث الذي صححه هو وأخرجه مسلم كان الأحرى به أن يحشر في زمرة الأحاديث الضعيفة، لا أن تتأول به الأحاديث الصحيحة ذلك لأن أبا الزبير هذا مدلس، وقد عنعنه، ومن المقرر في " علم المصطلح " أن المدلس لا يحتج بحديثه إذا لم يصرح بالتحديث، وهذا هو الذي صنعه أبو الزبير هنا، فعنعن، ولم يصرح، ولذلك انتقد المحققون من أهل العلم أحاديث يرويها أبو الزبير بهذا الإسناد أخرجها مسلم، اللهم إلا ما كان من رواية الليث بن سعد عنه، فإنه لم يروعنه إلا ما صرح فيه بالتحديث، فقال الحافظ الذهبي في ترجمة أبي الزبير - واسمه محمد بن مسلم بن تدرس بعد أن ذكر فيه طعن بعض الأئمة بما لا يقدح في عدالته: وأما أبو محمد بن حزم، فإنه يرد من حديثه ما يقول فيه عن جابر ونحوه لأنه عندهم ممن يدلس، فإذا قال: سمعت، وأخبرنا احتج به،
ويحتج به ابن حزم إذا قال: عن مما رواه عنه الليث بن سعد خاصة، وذلك لأن سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا الليث قال: جئت أبا الزبير، فدفع إلى كتابين، فانقلبت بهما، ثم قلت في نفسي: لو أننى عاودته فسألته أسمع هذا من جابر؟ فسألته، فقال: منه ما سمعت، ومنه ما حدثت به، فقلت: أعلم لي على ما سمعت منه، فأعلم لي على هذا الذي عندي، ثم قال الذهبي: وفي " صحيح مسلم " عدة أحاديث مما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع من جابر، ولا هي من طريق الليث عنه، ففي القلب منها شيء، وقال الحافظ في ترجمته من " التقريب ": صدوق إلا أنه يدلس.
стр. 173
وأورده في المرتبة الثالثة من كتابه " طبقات المدلسين (ص ١٥) وقال: مشهور بالتدليس، ووهم الحاكم في " كتاب علوم الحديث " فقال في سنده:
وفيه رجال غير معروفين بالتدليس! وقد وصفه النسائي وغيره بالتدليس، وقال في مقدمة الكتاب في صدد شرح مراتبه: الثالثة من أكثر من التدليس، فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقا، ومنهم من قبلهم، كأبي الزبير المكي.
قلت: والصواب من ذلك المذهب الأول وهو قبول ما صرحوا فيه بالسماع وعليه الجمهور خلافا لابن حزم فإنه يرد حديثهم مطلقا ولوصرحوا بالتحديث كما نص عليه في أول كتابه " الإحكام في أصول الأحكام " على ما أذكر، فإن يدي لا تطوله الآن وأرى أنه قد تناقض في أبي الزبير منهم خاصة، فقد علمت مما نقلته لك عن الذهبي آنفا أن ابن حزم يحتج به إذا قال: سمعت، وهذا ما صرح به في هذا الحديث ذاته فقال في " المحلى " في صدد الرد على المخالفين له (٧ / ٣٦٣ - ٣٦٤) : هذا حجة على الحاضرين من المخالفين، لأنهم يجيزون الجذع من الضأن، مع وجود المسنات، فقد خالفوه، وهم يصححونه، وأما نحن فلا نصححه، لأن أبا الزبير مدلس ما لم يقل في الخبر أنه سمعه من جابر، هو أقر بذلك على نفسه، روينا ذلك عنه من طريق الليث بن سعد.
انظر " الإحكام " (١ / ١٣٩ - ١٤٠) ، ومقدمتي لـ" مختصر مسلم " (المكتبة الإسلامية) .
وجملة القول: أن كل حديث يرويه أبو الزبير عن جابر أو غيره بصيغة عن ونحوها وليس من رواية الليث بن سعد عنه، فينبغي التوقف عن الاحتجاج به، حتى يتبين سماعه، أو ما يشهد له، ويعتضد به.
هذه حقيقة يجب أن يعرفها كل محب للحق، فطالما غفل عنها عامة الناس،
стр. 174
وقد كنت واحدا منهم، حتى تفضل الله علي فعرفني بها، فله الحمد والشكر، وكان من الواجب علي أن أنبه على ذلك، فقد فعلت، والله الموفق لا رب سواه.
وإذا تبين هذا، فقد كنت ذكرت قبل حديث جابر هذا حديثين ثابتين في التضحية بالجذع من الضأن، أحدهما حديث عقبة بن عامر، والآخر حديث مجاشع بن مسعود السلمي وفيه: " أن الجذع يوفي مما يوفي الثني "، وكنت تأولتهما بما يخالف ظاهرهما توفيقا بينهما وبين حديث جابر، فإذ قد تبين ضعفه، وأنه غير صالح للاحتجاج به، ولتأويل ما صح من أجله، فقد رجعت عن ذلك، إلى دلالة الحديثين الظاهرة في جواز التضحية بالجذع من الضأن خاصة، وحديث مجاشع وإن كان بعمومه يشمل الجذع من المعز، فقد جاء ما يدل على أنه غير مراد وهو حديث البراء قال:
ضحى خالي أبو بردة قبل الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : " تلك شاة لحم "، فقال: يا رسول الله إن عندي جذعة من المعز، فقال: " ضح بها، ولا تصلح لغيرك " وفي رواية: " اذبحها، ولن تجزئ عن أحد بعدك " وفي أخرى:
" ولا تجزيء جذعة عن أحد بعدك "، أخرجه مسلم (٦ / ٧٤ - ٧٦) والبخاري نحوه ويبدو جليا من مجموع الروايات أن المراد بالجذعة في اللفظ الأخير الجذعة من المعز، فهو في ذلك كحديث عقبة المتقدم من رواية البخاري، وأما فهم ابن حزم من هذا اللفظ جذعة العموم فيشمل عنده الجذعة من الضأن فمن ظاهريته وجموده على اللفظ دون النظر إلى ما تدل عليه الروايات بمجموعها، والسياق والسباق، وهما من المقيدات، كما نص على ذلك ابن دقيق العيد وغيره من
стр. 175
المحققين.ذلك هو الجواب الصحيح عن حديث جابر ﵁، وأما قول الحافظ في " التلخيص " (ص ٣٨٥) .
تنبيه: ظاهر الحديث يقتضي أن الجذع من الضأن لا يجزئ إلا إذا عجز عن المسنة، والإجماع على خلافه، فيجب تأويله، بأن يحمل على الأفضل وتقديره: المستحب أن لا تذبحوا إلا مسنة.
قلت: هذا الحمل بعيد جدا، ولوسلم فهو تأويل، والتأويل فرع التصحيح، والحديث ليس بصحيح كما عرفت فلا مسوغ لتأويله.
وقد تأوله بعض الحنابلة بتأويل آخر لعله أقرب من تأويل الحافظ، ففسر المسنة بما إذا كانت من المعز! ويرد هذا ما في رواية لأبي يعلى في " مسنده " (ق ١٢٥ / ٢) بلفظ: " إذا عز عليك المسان من الضأن، أجزأ الجذع من الضأن "
وهو وإن كان ضعيف السند كما بينته في " إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل " (رقم ١١٣١) ، فمعناه هو الذي يتبادر من اللفظ الأول.
ولعل الذي حمل الحافظ وغيره على ارتكاب مثل هذا التأويل البعيد هو الاعتقاد بأن الإجماع على خلاف ظاهر الحديث، وقد قاله الحافظ كما رأيت.
فينبغي أن يعلم أن بعض العلماء كثيرا ما يتساهلون في دعوى الإجماع في أمور الخلاف فيها معروف، وعذرهم في ذلك أنهم لم يعلموا بالخلاف، فينبغي التثبت في هذه الدعوى في مثل هذه المسألة التي لا يستطيع العالم أن يقطع بنفي الخلاف فيها كما أرشدنا الإمام أحمد ﵀ بقوله:
стр. 176
من ادعى الإجماع فهو كاذب، وما يدريه لعلهم اختلفوا، أو كما قال رواه ابنه عبد الله بن أحمد في " مسائله ".
فمما يبطل الإجماع المزعوم في هذه المسألة ما روى مالك في " الموطأ " (٢ /٤٨٢ / ٢) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يتقي من الضحايا والبدن التي لم تسن ورواه عبد الرزاق عن مالك عن نافع بن ابن عمر قال: " لا تجزيء إلا الثنية فصاعدا "، ذكره ابن حزم (٧ / ٣٦١) وذكر بمعناه آثارا أخرى فليراجعها من شاء
الزيادة.
وختاما أقول: نستطيع أن نستخلص مما سبق من التحقيق: أن حديث هلال هذا:
" نعمت الأضحية الجذع من الضأن " وكذا الذي قبله، وإن كان ضعيف المبنى، فهو صحيح المعنى، يشهد له حديث عقبة ومجاشع، ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، لما أوردتهما في هذه " السلسلة " ولأوردت بديلهما حديث جابر هذا، ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ولله في خلقه شؤون.
٦٦ - " من عرف نفسه فقد عرف ربه ".
لا أصل له.
قال في " المقاصد " للحافظ السخاوي (ص ١٩٨) : قال أبو المظفر بن السمعاني:
لا يعرف مرفوعا وإنما يحكي عن يحيى بن معاذ الرازي من قوله وكذا قال النووي:
إنه ليس بثابت.
ونقل السيوطي في " ذيل الموضوعات " (ص ٢٠٣) كلام النووي هذا وأقره، وقال في " القول الأشبه " (٢ / ٣٥١) من " الحاوي للفتاوى ": هذا الحديث ليس بصحيح.
ونقل الشيخ القاري في " موضوعاته " (ص ٨٣) عن ابن تيمية أنه قال:
стр. 177
موضوع.
وقال العلامة الفيروز أبادي - صاحب القاموس - في " الرد على المعترضين على الشيخ ابن عربي " (ق ٣٧ / ٢) : ليس من الأحاديث النبوية، على أن أكثر الناس يجعلونه حديثا عن النبي ﷺ ، ولا يصح أصلا، وإنما يروي في الإسرائيليات: " يا إنسان اعرف نفسك تعرف ربك ".
قلت: هذا حكم أهل الاختصاص على هذا الحديث، ومع ذلك فقد ألف بعض الفقهاء المتأخرين من الحنفية رسالة في شرح هذا الحديث! وهي محفوظة في مكتبة الأوقاف الإسلامية في حلب، وكذلك شرح أحدهم حديث: " كنت كنزا مخفيا ... " في رسالة
خاصة أيضا موجودة في المكتبة المذكورة برقم (١٣٥) مع أنه حديث لا أصل له أيضا
كما سيأتي (٦٠٢٣) ، وذلك مما يدل على أن هؤلاء الفقهاء لم يحاولوا - مع
الأسف الشديد - الاستفادة من جهو د المحدثين في خدمة السنة وتنقيتها مما أدخل
فيها، ولذلك كثرت الأحاديث الضعيفة والموضوعة في كتبهم، والله المستعان.
٦٧ - " من قرأ في الفجر بـ ﴿ألم نشرح﴾ و ﴿ألم تر كيف﴾ لم يرمد ".
لا أصل له.
قال السخاوي (ص ٢٠٠) : لا أصل له، سواء أريد بالفجر هنا سنة الصبح أو الصبح لمخالفته سنة القراءة فيهما.
стр. 178
يشير إلى أن السنة في سنة الفجر ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ ، وفي فرض الفجر قراءة ستين آية فأكثر على ما هو مفصل في كتابي " صفة صلاة النبي ﷺ ".
٦٨ - " قراءة سورة ﴿إنا أنزلناه﴾ عقب الوضوء ".
لا أصل له.
كما قال السخاوي، قال: ورأيته في المقدمة المنسوبة للإمام أبي الليث من الحنفية، فالظاهر إدخاله فيها من غيره وهو مفوت سنة.
قلت: يعني سنة القول بعد الوضوء: " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين " وهو في مسلم والترمذي، أو يقول: " سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك " رواه الحاكم وغيره بسند صحيح.
قلت: وقوله: لا أصل له يوهم أنه لا إسناد له، وليس كذلك كما سيأتي (١٤٤٩) .
стр. 179
٦٩ - " مسح الرقبة أمان من الغل ".
موضوع.
قال النووي في " المجموع شرح المهذب: (١ / ٤٦٥) : هذا موضوع ليس من كلام النبي ﷺ .
стр. 180
ونقله السيوطي في ذيل " الأحاديث الموضوعة " (ص ٢٠٣) عن النووي وأقره.
وقال الحافظ ابن حجر في " تلخيص الحبير " (١ / ٤٣٣) ما مختصره: أورده أبو محمد الجويني، وقال: لم يرتض أئمة الحديث إسناده، وأورده الغزالي في " الوسيط " وتعقبه ابن الصلاح فقال: هذا الحديث غير معروف عن النبي ﷺ ، وهو من قول بعض السلف، قال الحافظ: يحتمل أن يريد به ما رواه أبو عبيد في كتاب " الطهور " عن عبد الرحمن بن مهدي عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن عن موسى بن طلحة قال: " من مسح قفاه مع رأسه وقي الغل يوم القيامة.
قلت: فيحتمل أن يقال: هذا وإن كان موقوفا فله حكم الرفع، لأن هذا لا يقال من قبل الرأي، فهو على هذا مرسل.
قلت: لكن المسعودي كان قد اختلط فلا حجة في حديثه لوكان مرفوعا، فكيف وهو موقوف؟ ثم قال الحافظ (١ / ٤٣٤ - ٤٥٣) : قال أبو نعيم في " تاريخ أصبهان ":
حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا عبد الرحمن بن داود، حدثنا عثمان بن ﴿خرزاذ﴾ حدثنا عمر بن محمد بن الحسن، حدثنا محمد بن عمرو الأنصاري عن أنس بن سيرين عن عمر أنه كان إذا توضأ مسح عنقه ويقول: قال رسول الله ﷺ : " من توضأ ومسح عنقه لم يغل بالأغلال يوم القيامة "، وفي " البحر " للروياني: قرأت جزءا رواه أبو الحسين بن فارس بإسناده عن فليح بن سليمان عن نافع
следующие страницы →