Полный текст (11 273 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
من ادعى الإجماع فهو كاذب، وما يدريه لعلهم اختلفوا، أو كما قال رواه ابنه عبد الله بن أحمد في " مسائله ".
فمما يبطل الإجماع المزعوم في هذه المسألة ما روى مالك في " الموطأ " (٢ /٤٨٢ / ٢) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يتقي من الضحايا والبدن التي لم تسن ورواه عبد الرزاق عن مالك عن نافع بن ابن عمر قال: " لا تجزيء إلا الثنية فصاعدا "، ذكره ابن حزم (٧ / ٣٦١) وذكر بمعناه آثارا أخرى فليراجعها من شاء
الزيادة.
وختاما أقول: نستطيع أن نستخلص مما سبق من التحقيق: أن حديث هلال هذا:
" نعمت الأضحية الجذع من الضأن " وكذا الذي قبله، وإن كان ضعيف المبنى، فهو صحيح المعنى، يشهد له حديث عقبة ومجاشع، ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، لما أوردتهما في هذه " السلسلة " ولأوردت بديلهما حديث جابر هذا، ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ولله في خلقه شؤون.
٦٦ - " من عرف نفسه فقد عرف ربه ".
لا أصل له.
قال في " المقاصد " للحافظ السخاوي (ص ١٩٨) : قال أبو المظفر بن السمعاني:
لا يعرف مرفوعا وإنما يحكي عن يحيى بن معاذ الرازي من قوله وكذا قال النووي:
إنه ليس بثابت.
ونقل السيوطي في " ذيل الموضوعات " (ص ٢٠٣) كلام النووي هذا وأقره، وقال في " القول الأشبه " (٢ / ٣٥١) من " الحاوي للفتاوى ": هذا الحديث ليس بصحيح.
ونقل الشيخ القاري في " موضوعاته " (ص ٨٣) عن ابن تيمية أنه قال:
стр. 177
موضوع.
وقال العلامة الفيروز أبادي - صاحب القاموس - في " الرد على المعترضين على الشيخ ابن عربي " (ق ٣٧ / ٢) : ليس من الأحاديث النبوية، على أن أكثر الناس يجعلونه حديثا عن النبي ﷺ ، ولا يصح أصلا، وإنما يروي في الإسرائيليات: " يا إنسان اعرف نفسك تعرف ربك ".
قلت: هذا حكم أهل الاختصاص على هذا الحديث، ومع ذلك فقد ألف بعض الفقهاء المتأخرين من الحنفية رسالة في شرح هذا الحديث! وهي محفوظة في مكتبة الأوقاف الإسلامية في حلب، وكذلك شرح أحدهم حديث: " كنت كنزا مخفيا ... " في رسالة
خاصة أيضا موجودة في المكتبة المذكورة برقم (١٣٥) مع أنه حديث لا أصل له أيضا
كما سيأتي (٦٠٢٣) ، وذلك مما يدل على أن هؤلاء الفقهاء لم يحاولوا - مع
الأسف الشديد - الاستفادة من جهو د المحدثين في خدمة السنة وتنقيتها مما أدخل
فيها، ولذلك كثرت الأحاديث الضعيفة والموضوعة في كتبهم، والله المستعان.
٦٧ - " من قرأ في الفجر بـ ﴿ألم نشرح﴾ و ﴿ألم تر كيف﴾ لم يرمد ".
لا أصل له.
قال السخاوي (ص ٢٠٠) : لا أصل له، سواء أريد بالفجر هنا سنة الصبح أو الصبح لمخالفته سنة القراءة فيهما.
стр. 178
يشير إلى أن السنة في سنة الفجر ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ ، وفي فرض الفجر قراءة ستين آية فأكثر على ما هو مفصل في كتابي " صفة صلاة النبي ﷺ ".
٦٨ - " قراءة سورة ﴿إنا أنزلناه﴾ عقب الوضوء ".
لا أصل له.
كما قال السخاوي، قال: ورأيته في المقدمة المنسوبة للإمام أبي الليث من الحنفية، فالظاهر إدخاله فيها من غيره وهو مفوت سنة.
قلت: يعني سنة القول بعد الوضوء: " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين " وهو في مسلم والترمذي، أو يقول: " سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك " رواه الحاكم وغيره بسند صحيح.
قلت: وقوله: لا أصل له يوهم أنه لا إسناد له، وليس كذلك كما سيأتي (١٤٤٩) .
стр. 179
٦٩ - " مسح الرقبة أمان من الغل ".
موضوع.
قال النووي في " المجموع شرح المهذب: (١ / ٤٦٥) : هذا موضوع ليس من كلام النبي ﷺ .
стр. 180
ونقله السيوطي في ذيل " الأحاديث الموضوعة " (ص ٢٠٣) عن النووي وأقره.
وقال الحافظ ابن حجر في " تلخيص الحبير " (١ / ٤٣٣) ما مختصره: أورده أبو محمد الجويني، وقال: لم يرتض أئمة الحديث إسناده، وأورده الغزالي في " الوسيط " وتعقبه ابن الصلاح فقال: هذا الحديث غير معروف عن النبي ﷺ ، وهو من قول بعض السلف، قال الحافظ: يحتمل أن يريد به ما رواه أبو عبيد في كتاب " الطهور " عن عبد الرحمن بن مهدي عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن عن موسى بن طلحة قال: " من مسح قفاه مع رأسه وقي الغل يوم القيامة.
قلت: فيحتمل أن يقال: هذا وإن كان موقوفا فله حكم الرفع، لأن هذا لا يقال من قبل الرأي، فهو على هذا مرسل.
قلت: لكن المسعودي كان قد اختلط فلا حجة في حديثه لوكان مرفوعا، فكيف وهو موقوف؟ ثم قال الحافظ (١ / ٤٣٤ - ٤٥٣) : قال أبو نعيم في " تاريخ أصبهان ":
حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا عبد الرحمن بن داود، حدثنا عثمان بن ﴿خرزاذ﴾ حدثنا عمر بن محمد بن الحسن، حدثنا محمد بن عمرو الأنصاري عن أنس بن سيرين عن عمر أنه كان إذا توضأ مسح عنقه ويقول: قال رسول الله ﷺ : " من توضأ ومسح عنقه لم يغل بالأغلال يوم القيامة "، وفي " البحر " للروياني: قرأت جزءا رواه أبو الحسين بن فارس بإسناده عن فليح بن سليمان عن نافع
стр. 181
عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " من توضأ ومسح بيديه على عنقه وقي الغل يوم القيامة "، وقال: هذا إن شاء الله حديث صحيح، قلت (هو الحافظ) : بين ابن فارس وفليح مفازة فينظر فيها.
قلت: وحديث ابن عمر في " تاريخ أصبهان " (٢ / ١١٥) ، وعزاه الشيخ علي القاري في " الموضوعات " (ص ٧٣) لـ" مسند الفردوس " بسند ضعيف.
قلت: وعلته محمد بن عمرو الأنصارى هذا، وهو أبو سهل البصري، متفق على تضعيفه، وكان يحيى بن سعيد يضعفه جدا ويقول: روى عن الحسن أو ابد! .
وشيخ أبي نعيم ضعيف أيضا، وهو محمد بن أحمد بن علي بن المحرم، قال الذهبي في " الميزان ": هو من كبار شيوخ أبي نعيم الحافظ، روى عنه الدارقطني وضعفه وقال البرقاني: لا بأس به، وقال ابن أبي الفوارس: لم يكن عندهم بذاك وهو ضعيف.
ثم رأيت ابن عراق قال في " تنزيه الشريعة " (٢ / ٧٥) بعد أن ذكر الحديث من رواية أبي نعيم في " التاريخ ": وفيه أبو بكر المفيد شيخ أبي نعيم، قال الحافظ العراقي: وهو آفته.
وسيأتي الكلام على الحديث مع زيادة تحقيق برقم (٧٤٤) أو نحوه إن شاء الله تعالى.
قلت: فمثل هذا الحديث يعد منكرا، ولا سيما أنه مخالف لجميع الأحاديث الواردة في صفة وضوئه ﷺ ، إذ ليس في شيء منها ذكر لمسح الرقبة، اللهم إلا في
стр. 182
حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القذال وهو أول القفا.
وفي رواية: ومسح رأسه من مقدمه إلى مؤخره حتى أخرج يديه من تحت أذنيه.
أخرجه أبو داود وغيره، وذكر عن ابن عيينة أنه كان ينكره، وحق له ذلك فإن له ثلاث علل، كل واحدة منها كافية لتضعيفه، فكيف بها وقد اجتمعت، وهي الضعف، والجهالة، والاختلاف في صحبة والد مصرف، ولهذا ضعفه النووي وابن تيمية والعسقلاني وغيرهم، وقد بينت ذلك في " ضعيف سنن أبي داود " (رقم ١٥) .
٧٠ - " من أطعم أخاه خبزا حتى يشبعه، وسقاه ماء حتى يرويه، بعده الله عن النار سبع خنادق، بعد ما بين خندقين مسيرة خمس مئة سنة ".
موضوع.
أخرجه الدولابي في " الكنى " (١ / ١١٧) ويعقوب الفسوي في " التاريخ " (٢ /٥٢٧) وابن عبد الحكم في " فتوح مصر " (ص ٢٥٤) والحاكم (٤ / ١٢٩) وكذا الطبراني في " الأوسط " (١ / ٩٥ / ١ ـ من زوائد المعجمين) وابن عساكر (٦ /١١٥ / ٢) من طريق إدريس بن يحيى الخولاني، حدثني رجاء بن أبي عطاء عن واهب بن عبد الله الكعبي عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا، وقال الحاكم:
صحيح الإسناد ووافقه الذهبي! وهذا من أغلاطهما الفاحشة، فإن رجاءا هذا، لم يوثقه أحد، بل هو متهم، فاسمع ما قال فيه الحاكم نفسه! فيما ذكره الذهبي نفسه في " الميزان " قال: صويلح! ، قال الحاكم: مصري صاحب موضوعات (!) ، وقال ابن حبان:
стр. 183
يروي الموضوعات، ثم ساق له الحديث الذي وقع لنا مسلسلا بالمصريين.
قلت: يعني هذا وذكره ابن الجوزي في " الموضوعات " (٢ / ١٧٢) وأقره السيوطي في " اللآليء " (٢ / ٨٧) وعزاه في " الجامع الكبير " والزيادة لـ (ن) أي:
النسائي وهو وهم أو تحريف، ثم ساق الذهبي إسناده إلى رجاء به ثم قال: هذا حديث غريب منكر تفرد به إدريس أحد الزهاد.
قلت: إدريس هذا صدوق كما قال ابن أبي حاتم (١ / ١ / ٢٦٥) فالتهمة منحصرة في رجاء هذا، وزاد الحافظ في " لسان الميزان ": وهذا الحديث أورده ابن حبان وقال: إنه موضوع، وأخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، فما أدري ما وجه الجمع بين كلاميه! (يعني تصحيحه للحديث وقوله في راويه: صاحب موضوعات) كما لا أدري كيف الجمع بين قول الذهبي " صويلح " وسكوته على تصحيح الحاكم في " تلخيص المستدرك " مع حكايته عن الحافظين (يعني الحاكم وابن حبان) أنهما شهدا عليه برواية الموضوعات! .
قلت: والحديث عزاه الهيثمي في " المجمع " (٢ / ١٣٠) للطبراني في " الكبير " و" الأوسط " قال: وفيه رجاء بن أبي عطاء، وهو ضعيف، كذا قال، ورجاء أشد ضعفا مما ذكر كما تقدم، ومع هذا، فالهيثمي أقرب إلى الصواب من المنذري، فإنه أورد الحديث في " الترغيب " (٢ / ٤٨ ـ رقم ١٤) ثم قال: رواه الطبراني في " الكبير " وأبو الشيخ ابن حيان في " الثواب " والحاكم، والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
стр. 184
فأقر الحاكم على تصحيحه، فأو هم أنه صحيح، وليس كذلك، وهذا هو الحامل لي على نشر هذا الحديث وتحقيق القول في وضعه كي لا يغتر أحد بزلة هؤلاء الأفاضل فيقع في الكذب على رسول الله ﷺ ، صاننا الله من ذلك بمنه وفضله.
٧١ - " التكبير جزم ".
لا أصل له.
كما قال الحافظ ابن حجر والسخاوي، وكذا السيوطي، وله رسالة خاصة في الحديث في كتابه " الحاوي للفتاوي " (٢ / ٧١) وقد بين فيها أنه من قول إبراهيم النخعي، وأن معنى قوله جزم لا يمد ثم ذكر قول من فسره بأنه لا يعرب بل يسكن آخره.
ثم رده من وجوه ثلاثة أوردها فليراجعها من شاء.
ثم إن الحديث مع كونه لا أصل له مرفوعا، وإنما هو من قول إبراهيم، فإنما يريد به التكبير في الصلاة كما يستفاد من كلام السيوطي في الرسالة المشار إليها فلا علاقة له بالأذان كما توهم بعضهم، فإن هناك طائفة من المنتمين للسنة في مصر وغيرها تؤذن كل تكبيرة على حدة: الله أكبر، الله أكبر، عملا بهذا الحديث زعموا! والتأذين على هذه الصفة مما لا أعلم له أصلا في السنة، بل ظاهر الحديث الصحيح خلافه، فقد روى مسلم في " صحيحه " (٢ / ٤) من حديث عمر ابن الخطاب مرفوعا: " إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم:
الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله ألا الله، الحديث ... " ففيه إشارة ظاهرة إلى أن المؤذن يجمع بين كل تكبيرتين، وأن السامع يجيبه كذلك، وفي " شرح صحيح مسلم " للنووي ما يؤيد هذا فليراجعه من شاء.
ومما يؤيد ذلك ما ورد في بعض الأحاديث أن الأذان كان شفعا شفعا.
стр. 185
٧٢ - " أدبني ربي فأحسن تأديبي ".
ضعيف.
قال ابن تيمية في " مجموعة الرسائل الكبرى " (٢ / ٣٣٦) : معناه صحيح، ولكن لا يعرف له إسناد ثابت، وأيده السخاوي والسيوطي فراجع " كشف الخفاء " (١ /٧٠) .
стр. 186
٧٣ - " مسح العينين بباطن أنملتي السبابتين عند قول المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله ... إلخ وأن من فعل ذلك حلت له شفاعته ﷺ ".
لا يصح.
رواه الديلمي في " مسند الفردوس " عن أبي بكر ﵁ مرفوعا.
قال ابن طاهر في " التذكرة ": لا يصح، كذا في " الأحاديث الموضوعة " للشوكاني
(ص ٩) وكذلك قال السخاوي في " المقاصد ".
стр. 187
٧٤ - " عظموا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم ".
لا أصل له بهذا اللفظ.
قال ابن الصلاح: هذا حديث غير معروف ولا ثابت، نقله الشيخ إسماعيل العجلوني في " الكشف " ومن قبله ابن الملقن في " الخلاصة " (١٦٤ / ٢) وزاد: قلت:
وأسنده صاحب الفردوس بلفظ " استفرهو ا " بدل " عظموا " أي:
стр. 188
ضحوا بالثمينة القوية السمينة.
قلت: وسنده ضعيف جدا، وسوف يأتي تحقيق الكلام عليه بإذن الله تعالى (٢٦٨٧) .
٧٥ - " عجلوا بالصلاة قبل الفوت، وعجلوا بالتوبة قبل الموت ".
موضوع.
ومعناه صحيح، أورده الصغاني في " الأحاديث الموضوعة " (ص ٤ - ٥) .
стр. 189
٧٦ - " الناس كلهم موتى الا العالمون، والعالمون كلهم هلكى الا العاملون والعاملون كلهم غرقى الا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم ".
موضوع.
أورده الصغاني (ص ٥) وقال: وهذا الحديث مفترى ملحون، والصواب في الإعراب: " العالمين والعاملين والمخلصين) ".
قلت: وهو شبيه بكلام الصوفية، ومثله قول سهل بن عبد الله التستري: الناس كلهم سكارى إلا العلماء، والعلماء كلهم حيارى إلا من عمل بعلمه، رواه الخطيب في " اقتضاء العلم العمل " (رقم ٢٢ - بتحقيقي) ثم روى من طريق أخرى عنه قال:
" الدنيا جهل وموات، إلا العلم، والعلم كله حجة إلا العمل به، والعمل كله هباء إلا الإخلاص، والإخلاص على خطر عظيم حتى يختم به ".
قلت: وهذا أقرب إلى هذا الحديث، فلعله هو أصله، رفعه بعض جهلة الصوفية.
стр. 190
٧٧ - " لا مهدي إلا عيسى ".
منكر.
أخرجه ابن ماجه (٢ / ٤٩٥) والحاكم (٤ / ٤٤١) وابن الجوزي في " الواهيات " (١٤٤٧) وابن عبد البر في " جامع العلم " (١ / ١٥٥) وأبو عمرو الداني في " السنن الواردة في الفتن " (٣ / ٣ / ٢، ٤ / ٩ / ١، ٥ / ٢٢ / ٢) والسلفي في " الطيوريات " (٦٢ / ١) والخطيب (٤ / ٢٢١) من طريق محمد بن خالد الجندي
عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس مرفوعا بلفظ:
" لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدبارا، ولا الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا مهدي إلا عيسى بن مريم ".
قلت: وهذا إسناد ضعيف فيه علل ثلاث:
الأولى: عنعنة الحسن البصري، فإنه قد كان يدلس.
الثانية: جهالة محمد بن خالد الجندي، فإنه مجهول كما قال الحافظ في " التقريب " تبعا لغيره كما يأتي.
الثالثة: الاختلاف في سنده.
قال البيهقي: قال أبو عبد الله الحافظ: محمد بن خالد مجهول واختلفوا عليه في إسناده، فرواه صامت بن معاذ قال: حدثنا يحيى بن السكن، حدثنا محمد بن خالد ... فذكره، قال صامت: عدلت إلى الجند مسيرة يومين من صنعاء، فدخلت على محدث لهم، فوجدت هذا الحديث عنده عن محمد بن خالد عن أبان بن أبي عياش عن الحسن مرسلا، قال البيهقي: فرجع الحديث إلى رواية محمد بن خالد الجندي وهو مجهول عن أبان أبي عياش، وهو متروك عن الحسن عن النبي ﷺ ، وهو منقطع، والأحاديث في التنصيص على خروج المهدي أصح البتة إسنادا، نقله في " التهذيب ".
стр. 191
وقال الذهبي في " الميزان ": إنه خبر منكر، ثم ساق الرواية الأخيرة عن ابن أبي عياش عن الحسن مرسلا ثم قال: فانكشف ووهى.
وقال الصغاني: موضوع كما في " الأحاديث الموضوعة " للشوكاني (ص ١٩٥) ونقل السيوطي في " العرف الوردي في أخبار المهدي " (٢ / ٢٧٤ من الحاوي) عن القرطبي أنه قال في " التذكرة ": إسناد ضعيف، والأحاديث عن النبي ﷺ في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة أصح من هذا الحديث فالحكم بها دونه.
وقد أشار الحافظ في " الفتح " (٦ / ٣٨٥) إلى رد هذا الحديث لمخالفته لأحاديث المهدي.
وهذا الحديث تستغله الطائفة القاديانية في الدعوة لنبيهم المزعوم: ميرزا غلام أحمد القادياني الذي ادعى النبوة، ثم ادعى أنه هو عيسى بن مريم المبشر بنزوله في آخر الزمان، وأنه لا مهدي إلا عيسى بناء على هذا الحديث المنكر، وقد راجت دعواه على كثيرين من ذوي الأحلام الضعيفة، شأن كل دعوة باطلة لا تعدم من يتباناها ويدعوإليها، وقد ألفت كتب كثيرة في الرد على هؤلاء الضلال، ومن أحسنها رسالة الأستاذ الفاضل المجاهد أبي الأعلى المودودى ﵀ في الرد عليها، وكتابه الآخر الذي صدر أخيرا بعنوان " البيانات " فقد بين فيهما حقيقة القاديانيين، وأنهم مرقوا من دين المسلمين بأدلة لا تقبل الشك، فليرجع إليهما من شاء.
(تنبيه) قوله في هذا الحديث:
стр. 192
" ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس " هذه الجملة منه صحيحة ثابتة عنه ﷺ من حديث عبد الله بن مسعود! خرجه مسلم وأحمد.
٧٨ - " سؤر المؤمن شفاء ".
لا أصل له.
قال الشيخ أحمد الغزي العامري في " الجد الحثيث " (رقم ١٦٨ من نسختي) : ليس بحديث، وأقره الشيخ العجلوني في " كشف الخفاء " (١ / ٤٥٨) .
قلت: وأما قول الشيخ على القاري في " موضوعاته " (ص ٤٥) : هو صحيح من جهة المعنى لرواية الدارقطني في " الأفراد " من حديث ابن عباس مرفوعا: " من التواضع أن يشرب الرجل من سؤر أخيه " أي المؤمن، فيقال له كما تعلمنا منه في مثل هذه المناسبة: ثبت العرش ثم انقش! "، فإن هذا الحديث غير صحيح أيضا، وبيانه فيما بعد، على أنه لوصح لما كان شاهدا له! كيف وليس فيه أن سؤر المؤمن شفاء لا تصريحا ولا تلويحا، فتأمل.
стр. 193
٧٩ - " من التواضع أن يشرب الرجل من سؤر أخيه، ومن شرب من سؤر أخيه ابتغاء وجه الله تعالى رفعت له سبعون درجة، ومحيت عنه سبعون خطيئة، وكتب له سبعون درجة ".
موضوع.
أورده ابن الجوزي في " الموضوعات " (٣ / ٤٠) برواية الدارقطني من طريق نوح بن أبي مريم عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس مرفوعا به، وقال ابن الجوزي:
стр. 194
تفرد به نوح وهو متروك، وتعقبه السيوطي في " اللآليء المصنوعة " (٢ / ٢٥٩ طبع المكتبة الحسينية) بقوله: قلت: له متابع، قال الإسماعيلي في " معجمه " (ق ١٢٣ / ٢ - مصورة الجامعة الإسلامية) : أخبرني علي بن محمد بن حاتم أبو الحسن القومسي: حدثنا جعفر بن محمد الحداد القومسي، حدثنا إبراهيم بن أحمد البلخي، حدثنا الحسن بن رشيد المروزي عن ابن جريج، وعنه يعني المروزي هذا ثلاثة أنفس، فيه لين، الأصل: فيهم وهو خطأ.
قلت: بل الحسن هذا منكر الحديث، فقد قال ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١ / ٢ / ١٤) بعد أن نقل عن أبيه أنه مجهول: يدل حديثه على الإنكار، وذلك أنه روى عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: " من صبر في حر مكة ساعة باعد الله منه جهنم سبعين خريفا، ومن مشى في طريق مكة ساعة، كل قدم يضعها ترفع له درجة، والأخرى حسنة ".
وفي " اللسان ": وقال العقيلي فيه: في حديثه وهم، ويحدث بمناكير، ثم ساق حديث ابن عباس الذي استنكره ابن أبي حاتم وقال: هذا حديث باطل لا أصل له.
والحديث رواه السهمي الجرجاني في " تاريخ جرجان " (٢٦٢) من طريق شيخه أبي بكر الإسماعيلى قال: حدثنا علي بن محمد بن حاتم بن دينار أبو الحسن القومسي وكان صدوقا، إلخ ... وقال: قال شيخنا أبو بكر الإسماعيلى: إبراهيم ابن أحمد والحسن بن رشيد مجهولان.
стр. 195
ومما أوردنا يتبين أن هذه المتابعة لا تسمن ولا تغني من جوع لشدة ضعفها، وجهالة الراوي عنها، فلا قيمة لتعقب
السيوطي على ابن الجوزي، ولعله يشير لهذا صنيع الشوكاني في " الأحاديث الموضوعة " (ص ٦٨) حيث ساق الحديث ثم اكتفى في تخريجه على قوله: رواه الدارقطني وفي إسناده متروك، فلم يتعرض للمتابعة المزعومة بذكر!
قلت: ونوح هذا كان من أهل العلم، وكان يسمى: الجامع، لجمعه فقه أبي حنيفة ولكنه متهم في الرواية، قال أبو علي النيسابوري: كان كذابا، وقال أبو سعيد النقاش: روى الموضوعات، وقال الحاكم: هو مقدم في علومه إلا أنه ذاهب الحديث بمرة، وقد أفحش أئمة الحديث القول فيه ببراهين ظاهرة، وقال أيضا: لقد كان جامعا، رزق كل شيء إلا الصدق! نعوذ بالله تعالى من الخذلان، وكذا قال ابن حبان، وقد أورد الحافظ برهان الدين الحلبي في رسالة " الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث " كما في " الفوائد البهية في تراجم الحنفية " (ص ٢٢١) .
ثم إن للحديث علة أخرى لم أر من تنبه لها وهي عنعنة ابن جريج، فإنه على جلالة قدره كان مدلسا.
стр. 196
قال الإمام أحمد: بعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذها، يعني قوله: أخبرت وحدثت عن فلان، كذا في " الميزان "، وقال الدارقطني: تجنب تدليس ابن جريج
فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح، مثل إبراهيم بن أبي يحيى وموسى بن عبيدة وغيرهما، كذا في " التهذيب "، فإن سلم الحديث من ابن أبي مريم والحسن بن رشيد، فلن يسلم من تدليس ابن جريج.
٨٠ - " المهدي من ولد العباس عمي ".
موضوع.
أخرجه الدارقطني في " الأفراد " (ج ٢ رقم ٢٦ من أصلى المنقول عن مخطوطة الظاهرية) وعنه الديلمي (٤ / ٨٤) وابن الجوزي في " الواهيات " (١٤٣١) من طريق محمد بن الوليد القرشي، حدثنا أسباط بن محمد وصلة بن سليمان الواسطي عن سليمان التيمي عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عثمان بن عفان مرفوعا، وقال الدارقطني: غريب، تفرد به محمد بن الوليد مولى بني هاشم بهذا الإسناد.
قلت: وهو متهم بالكذب، قال ابن عدي: كان يضع الحديث، وقال أبو عروبة:
стр. 197
كذاب، وبهذا أعله المناوي في " الفيض " نقلا عن ابن الجوزي، وبه تبين خطأ السيوطي في إيراده لهذا الحديث في " الجامع الصغير ".
قلت: ومما يدل على كذب هذا الحديث أنه مخالف لقوله ﷺ :
" المهدي من عترتي من ولد فاطمة "، أخرجه أبو داود (٢ / ٢٠٧ - ٢٠٨) وابن ماجه (٢ / ٥١٩) والحاكم (٤ / ٥٥٧) وأبو عمرو الداني في " السنن الواردة في الفتن " (٩٩ - ١٠٠) وكذا العقيلي (١٣٩ و٣٠٠) من طريق زياد بن بيان عن علي بن نفيل عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة مرفوعا، وهذا سند جيد رجاله كلهم
ثقات، وله شواهد كثيرة، فهو دليل واضح على رد هذا الحديث، ومثله:
٨١ - " يا عباس إن الله فتح هذا الأمر بي، وسيختمه بغلام من ولدك يملؤها عدلا كما ملئت جورا، وهو الذى يصلي بعيسى ".
موضوع.
أخرجه الخطيب في " تاريخ بغداد " (٤ / ١١٧) ، ومن طريقه ابن الجوزي في " الواهيات " (١٤٣٧) في ترجمة أحمد بن الحجاج بن الصلت قال: حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا خلف بن خليفة عن مغيرة عن إبراهيم عن علقمة عن عمار بن ياسر مرفوعا.
قلت: وهذا سند رجاله كلهم ثقات معروفون من رجال مسلم غير أحمد بن الحجاج هذا ولم يذكر فيه الخطيب جرحا ولا تعديلا، وقد اتهمه الذهبي بهذا الحديث فقال:
стр. 198
رواه بإسناد الصحاح مرفوعا، فهو آفته! والعجيب أن الخطيب ذكره في " تاريخه " ولم يضعفه وكأنه سكت عنه لانتهاك حاله، ووافقه الحافظ في " لسان الميزان " والحديث أورده السيوطي في " اللآليء المصنوعة " (١ / ٤٣١ - ٤٣٤) وسكت عليه! ومن هنا يتبين لك الفرق بين الذهبي والسيوطي، فإن الأول حافظ نقاد، والآخر جماع نقال، وهذا هو السر في كثرة خطئه وتناقضه في كتبه، والحديث أورده ابن الجوزي في " الموضوعات " (٢ / ٣٧) من حديث ابن عباس نحوه وقال:
موضوع، المتهم به الغلابي محمد بن زكريا، وأقره السيوطي في " اللآليء " (١ / ٤٣٥) ، ورواه الخطيب في " التاريخ " (٣ / ٣٢٣ - ٣٢٤) ، وعنه ابن الجوزي في " العلل المتناهية " (٢ / ٣٧٥ / ١٤٣٨) من طريق أخرى، ثم قال ابن الجوزي (٢ / ٣٧٨) : لا بأس بإسناده كذا قال وهو منه عجيب فإن فيه علتين:
إحداهما: عبد الصمد بن علي وهو الهاشمي ضعفه العقيلي (٣ / ٨٤ / ١٠٥٣) وساق له حديث استنكره الذهبي وسيأتي برقم (٢٨٩٨) .
والأخرى: محمد بن نوح بن سعيد المؤذن، أورده الذهبي وقال: خبره كذب يعني هذا وأبوه مجهول.
تنبيه: اختلط هذا الإسناد على بعض الطلبة فظن أنه من رواية الغلابي، وليس هو فيه!
стр. 199
وأما صلاة المهدي بعيسى ﵇، فصحيح ثابت في أحاديث كثيرة، ومثل هذا الحديث:
٨٢ - " ألا أبشرك يا أبا الفضل؟ إن الله افتتح بي هذا الأمر، وبذريتك يختمه ".
موضوع.
أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (١ / ١٣٥) من طريق لاهز بن جعفر التيمي، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، أخبرني علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا، وقال: تفرد به لاهز بن جعفر وهو حديث عزيز.
قلت: وهو متهم، قال فيه ابن عدي: بغدادي مجهول يحدث عن الثقات بالمناكير، ثم ساق له حديثا في فضل علي ثم قال ابن عدي: وهذا باطل، قال الذهبي: إي والله هذا من أكبر الموضوعات، وعلي، فلعن الله من لا يحبه، والحديث أورده في " كنز العمال " (رقم ٣٨٦٩٣) برواية أبي نعيم في " الحلية " عن أبي هريرة بغير هذا اللفظ، ولم أعثر عليه الآن في " الحلية "، فالله أعلم.
تنبيه: إذا علمت حال هذا الحديث والذي قبله، فلا يليق نصب الخلاف بينهما وبين الحديث الصحيح المتقدم قريبا: " المهدي من ولد فاطمة " لصحته وشدة ضعف مخالفه، وعليه: لا مسوغ لمحاولة التوفيق بينهما كما فعل بعض المتقدمين والأستاذ المودودي ﵀ في " البيانات " (ص ١١٥، ١٦٥) ، والله تعالى هو الموفق لا إله سواه.
стр. 200
٨٣ - " نعم المذكر السبحة، وإن أفضل ما يسجد عليه الأرض، وما أنبتته الأرض ".
موضوع.
أخرجه الديلمي في " مسند الفردوس " (٤ / ٩٨ ـ مختصره) قال: أنا عبدوس بن عبد الله أنا أبو عبد الله الحسين بن فنجويه الثقفي، حدثنا علي بن محمد بن نصرويه، حدثنا محمد بن هارون بن عيسى بن منصور الهاشمي حدثني محمد بن علي بن حمزة العلوي حدثني عبد الصمد بن موسى حدثتني زينب بنت سليمان بن علي حدثتني أم الحسن بنت جعفر بن الحسن عن أبيها عن جدها عن علي مرفوعا، ذكره السيوطي في رسالته: " المنحة في السبحة " (٢ / ١٤١ ـ من الحاوي) ونقله عنه الشوكاني في " نيل الأو طار " (٢ / ١٦٦ - ١٦٧) وسكتا عليه!
قلت: وهذا إسناد ظلمات بعضها فوق بعض، جل رواته مجهولون، بل بعضهم متهم، أم الحسن بنت جعفر بن الحسن، لم أجد من ترجمها، وزينب بنت سليمان بن علي ترجمها الخطيب " في تاريخه " (١٤ / ٣٣٤) وقال: كانت من فضائل النساء.
وعبد الصمد بن موسى، هو الهاشمي ترجمه الخطيب (١٤ / ٤١) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، ولكن نقل الذهبي في " الميزان " عن الخطيب أنه قال فيه: قد ضعفوه فلعل ذلك في بعض كتبه الأخرى، ثم استدركت فقلت: بل ذلك في حديث آخر سيأتي برقم (٢٨٩٨) .
стр. 201
ثم قال الذهبي: يروي مناكير عن جده محمد بن إبراهيم الإمام.
قلت: فلعله هو آفة هذا الحديث، ومحمد بن علي بن حمزة العلوي ترجمه الخطيب أيضا (٣ / ٦٣) وقال: قال ابن أبي حاتم: سمعت منه وهو صدوق، مات سنة ٢٨٦ ومحمد بن هارون هو محمد بن هارون بن العباس بن أبي جعفر المنصور، كذلك أورده الخطيب (٣ / ٣٥٦) وقال: كان من أهل الستر والفضل والخطابة، وولي إمامة
مسجد المدينة ببغداد خمسين سنة، وكانت وفاته سنة ٣٠٨.
وأبو عبد الله بن الحسين بن فنجويه الثقفي ثقة مترجم في " سير أعلام النبلاء " (١٧ / ٣٨٣) و" شذرات الذهب " (٣ / ٢٠٠) .
ومثله عبدوس بن عبد الله له ترجمة في " سير أعلام النبلاء " (١٩ / ٩٧) و" لسان الميزان " (٤ / ٩٥) .
ومما سبق يتبين لك أن الإسناد ضعيف لا تقوم به حجة، ثم إن الحديث من حيث معناه باطل عندي لأمور:
الأول: أن السبحة بدعة لم تكن في عهد النبي ﷺ إنما حدثت بعده ﷺ ، فكيف يعقل أن يحض ﵊ أصحابه على أمر لا يعرفونه؟ ! والدليل على ما ذكرت ما روى ابن وضاح القرطبي في " البدع والنهي عنها " (ص ١٢) عن
стр. 202
الصلت بن بهرام قال: مر ابن مسعود بامرأة معها تسبيح تسبح به فقطعه وألقاه، ثم مر برجل يسبح بحصا، فضربه برجله، ثم قال: لقد سبقتم! ركبتم بدعة ظلما! ولقد غلبتم أصحاب محمد ﷺ علما! وسنده
إلى الصلت صحيح، وهو ثقة من أتباع التابعين، فالسند منقطع.
ثم روى عن أبان بن أبي عياش قال: سألت الحسن عن النظام (خيط ينظم فيه لؤلؤ وخرز ونحوهما) من الخرز والنوى ونحوذلك يسبح به؟ فقال: لم يفعل ذلك أحد من نساء النبي ﷺ ولا المهاجرات، ولكن سنده ضعيف جدا.
الثاني: أنه مخالف لهديه ﷺ ، قال عبد الله بن عمرو: رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح بيمينه، رواه أبو داود (١ / ٢٣٥) والترمذي (٤ / ٢٥٥) وحسنه، وابن حبان (٢٣٣٤ - موارد) والحاكم (١ /٥٤٧) والبيهقي (٢ / ٣٥٢) وإسناده صحيح كما قال الذهبي، ثم خرجته في " صحيح أبي داود " (١٣٤٦) .
ثم هو مخالف لأمره ﷺ حيث قال لبعض النسوة: " عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، ولا تغفلن فتنسين التوحيد " وفي رواية: " الرحمة واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات ومستنطقات "، وهو حديث حسن أخرجه أبو داود وغيره، وصححه الحاكم والذهبي، وحسنه النووي والعسقلاني، وله شاهد عن عائشة موقوف انظر " صحيح أبي داود " (١٣٤٥) .
стр. 203
ولذلك ضعف الحديث جماعة كما ذكره الشيخ محمد خليل القاوقجى في " شوارق الأنوار الجليلة " (ق ١١٣ / ١) .
ثم تبين لي فيما بعد أن السند أشد ضعفا مما ذكرنا، وأن آفته محمد بن هارون بن عيسى بن منصور الهاشمي، فإنه كان يضع الحديث كما يأتي، وقولي أولا هو محمد ابن هارون بن العباس.. إلخ وهم، سببه أنني ذهلت عن الترجمة التي بعد ابن العباس هذا في " تاريخ الخطيب " فقد قال: محمد بن هارون بن عيسى بن إبراهيم بن عيسى بن أبي جعفر المنصور، يكنى: أبا إسحاق، ويعرف بـ " ابن برية " ... وفي حديثه مناكير كثيرة، وقال الدارقطني: لا شيء، وقال ابن عساكر في " تاريخ دمشق ": يضع الحديث، ثم ساق له حديثا، ثم قال: هذا من موضوعاته، وكذلك اتهمه الخطيب، فقال عقب الحديث المشار إليه (٧ / ٤٠٣) : والهاشمي يعرف بابن برية، ذاهب الحديث، يتهم بالوضع، وإنما جزمت بأن هذا هو راوي الحديث، لأن السند فيه أنه محمد بن هارون بن عيسى، وليس فيه أنه محمد بن هارون بن العباس، فهما شخصان: اتفقا في اسمهما واسم أبيهما، واختلفا في اسم جدهما، فالأول اسم جده عيسى، والآخر اسم جده العباس وهذا مستور، والأول متهم كما عرفت، فانحصرت شبهة وضع الحديث فيه، وبرئت ذمة عبد الصمد ابن موسى منه على ضعفه وروايته المناكير، والفضل في تنبهي لهذه الحقيقة يعود إلى مقال لي قديم في الكلام على هذا الحديث، فالحمد لله على توفيقه.
стр. 204
هذا معنى ما كنت أوردته في ردي على " التعقب الحثيث " للشيخ الحبشي (ص ١٤ - ١٥) ، فإن قيل: قد جاء في بعض الأحاديث التسبيح بالحصى وأنه ﷺ أقره، فلا فرق حينئذ بينه وبين التسبيح بالسبحة كما قال الشوكاني؟ قلت: هذا قد يسلم لو أن الأحاديث في ذلك صحيحة، وليس كذلك، فغاية ما روي في ذلك حديثان أوردهما السيوطي في رسالته المشار إليها، فلابد من ذكرهما، وبيان علتهما:
الأول: عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله ﷺ على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به، فقال: أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل؟ فقال: " سبحان الله عدد ما خلق في السماء.. "، الحديث رواه أبو داود (١ / ٢٣٥) والترمذي (٤ / ٢٧٧ - ٢٧٨) وابن حبان (٢٣٣٠ - زوائده) والدورقي في " مسند سعد " (١٣٠ / ١) والمخلص في " الفوائد " (٩ / ١٧ / ٢) والحاكم (١ / ٥٤٧ - ٥٤٨) من طريق عمرو بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال حدثه عن خزيمة عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عن أبيها، وقال الترمذي:
стр. 205
حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي فأخطأ، لأن خزيمة هذا مجهول، قال الذهبي نفسه في " الميزان ": خزيمة، لا يعرف، تفرد عنه سعيد بن أبي هلال وكذا قال الحافظ في " التقريب ": إنه لا يعرف، وسعيد بن أبي هلال مع ثقته حكى الساجي عن أحمد أنه اختلط، وكذلك وصفه بالاختلاط يحيى كما في " الفصل "
لابن حزم (٢ / ٩٥) ، ولعله مما يؤيد ذلك روايته لهذا الحديث، فإن بعض الرواة الثقات عنه لم يذكروا في إسناده خزيمة فصار الإسناد منقطعا ولذلك لم يذكر الحافظ المزي عائشة بنت سعد في شيوخ ابن أبي هلال فلا يخلوهذا الإسناد من علة الجهالة أو الانقطاع فأنى للحديث الصحة أو الحسن؟ ! .
وجهل ذلك أو تجاهله بعض من ألف في سنية السبحة! من أهل الأهواء من المعاصرين مقلدا في ذلك شيخه عبد الله الغماري الذي تجاهل هذه الحقائق، فأورد هذا الحديث في " كنزه " (١٠٣) ليتوصل منه إلى تجويز السبحة لمريديه! ثم إلى تجويز تعليقها على العنق كما يفعل بعض مشايخ الطرق، انظر الرد عليه في مقدمة المجلد الثالث من هذه السلسلة (ص ٣٧) ترى العجب العجاب.
الآخر: عن صفية قالت:
стр. 206
دخل علي رسول الله ﷺ وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بهن، فقال: " يا بنت حيي، ما هذا؟ "، قلت: أسبح بهن، قال: " قد سبحت منذ قمت على رأسك أكثر من هذا "، قلت: علمني يا رسول الله،
قال: " قولي: سبحان الله عدد ما خلق الله من شيء.. "، أخرجه الترمذي (٤ /٢٧٤) وأبو بكر الشافعي في " الفوائد " (٧٣ / ٢٥٥ / ١) ، والحاكم (١ /٥٤٧) من طريق هاشم بن سعيد عن كنانة مولى صفية عنها، وضعفه الترمذي بقوله:
هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث هاشم بن سعيد الكوفي، وليس إسناده بمعروف، وفي الباب عن ابن عباس، وأما الحاكم فقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي وهذا منه عجب، فإن هاشم بن سعيد هذا أورده هو في " الميزان " وقال: قال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن عدي: مقدار ما يرويه لا يتابع عليه، ولهذا قال الحافظ في " التقريب ": ضعيف، وكنانة هذا مجهول الحال لم يوثقه غير ابن حبان.
ثم استدركت فقلت: لكن قد روى عن كنانة جمع منهم زهير وحديج ابنا معاوية، ومحمد بن طلحة بن مصرف، وسعدان بن بشير الجهني، وكل هؤلاء الأربعة ثقات، يضم إليهم يزيد بن مغلس الباهلي، وثقه جماعة وضعفه آخرون فسبيل من
стр. 207
روى عنه هؤلاء أن يحشر في زمرة من قيل فيه: صدوق، كما حققته أخيرا في بحث مستفيض فريد في " تمام المنة " (ص ٢٠٤ - ٢٠٦) ، فلا تغتر ببعض الجهلة كالسقاف وغيره، وعليه فعلة الحديث هاشم فقط.
ومما يدل على ضعف هذين الحديثين أن القصة وردت عن ابن عباس بدون ذكر الحصى ولفظه قال: عن جويرية أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم، قال النبي ﷺ : " لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لووزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته "، أخرجه مسلم (٨ / ٨٣ - ٨٤) والترمذي (٤ / ٢٧٤) وصححه والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (١٦١ - ١٦٥) وابن ماجه (١ / ٢٣) وأحمد (٦ / ٣٢٥ و٤٢٩ - ٤٣٠) ، فدل هذا الحديث الصحيح على أمرين:
الأول: أن صاحبة القصة هي جويرية، لا صفية كما في الحديث الثاني؟ .
الآخر: أن ذكر الحصى في القصة منكر، ويؤيد هذا إنكار عبد الله بن مسعود ﵁ على الذين رآهم يعدون بالحصى، وقد جاء ذلك عنه من طرق سبق أحدها ولوكان ذلك مما أقره ﷺ لما خفي على ابن مسعود إن شاء الله وقد تلقى هذا الإنكار منه بعض من تخرج من مدرسته ألا وهو إبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه
стр. 208
الكوفي، فكان ينهى ابنته أن تعين النساء على فتل خيوط التسبيح التي يسبح بها! رواه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٢ / ٨٩ / ٢) بسند جيد.
قد يقول قائل: إن العد بالأصابع كما ورد في السنة لا يمكن أن يضبط به العدد إذا كان كثيرا، فالجواب: إنما جاء هذا الإشكال من بدعة أخرى وهي ذكر الله في عدد محصور كثير لم يأت به الشارع الحكيم، فتطلبت هذه البدعة بدعة أخرى وهي السبحة! فإن أكثر ما جاء من العدد في السنة الصحيحة، فيما ثبت لدي إنما هو مئة، وهذا يمكن ضبطه بالأصابع بسهو لة لمن كان ذلك عادته.
وأما حديث: من قال في يوم مئتي مرة: " إله إلا الله وحده لا شريك له ... " الحديث، فالمراد: مئة إذا أصبح، ومئة إذا أمسى كما جاء مصرحا به في بعض الروايات الثابتة، وبيان ذلك في " الصحيحة " (٢٧٦٢) .
وأما ما رواه ابن أبي شيبة (٢ / ٣٩١) عن وقاء عن سعيد بن جبير قال: رأى عمر بن الخطاب رجلا يسبح بتسابيح معه، فقال عمر: إنما يجزيه من ذلك أن يقول:
سبحان الله.... إلخ، فهو منكر لوجوه، منها الانقطاع بينه وبين سعيد، وضعف وقاء، وهو ابن إياس، وهو لين الحديث.
ولولم يكن في السبحة إلا سيئة واحدة وهي أنها قضت على سنة العد بالأصابع أو كادت، مع اتفاقهم على أنها أفضل، لكفى! فإني قلما أرى شيخا يعقد التسبيح بالأنامل! ثم إن الناس قد تفننوا في الابتداع بهذه البدعه، فترى بعض المنتمين لإحدى
стр. 209
الطرق يطوق عنقه بالسبحة! وبعضهم يعد بها وهو يحدثك أو يستمع لحديثك!
وآخر ما وقعت عيني عليه من ذلك منذ أيام أننى رأيت رجلا على دراجة عادية يسير بها في بعض الطرق المزدحمة بالناس وفي إحدى يديه سبحة! ! يتظاهرون للناس بأنهم لا يغفلون عن ذكر الله طرفة عين! وكثيرا ما تكون هذه البدعة سببا لإضاعة ما هو واجب، فقد اتفق لي مرارا - وكذا لغيري - أنني سلمت على أحدهم فرد علي السلام بالتلويح بها! دون أن يتلفظ بالسلام! ومفاسد هذه البدعة لا تحصى، فما أحسن ما قال الشاعر:
وكل خير في اتباع من سلف * * * وكل شر في ابتداع من خلف
ثم وقفت على حديث ثالث عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: " كان يسبح بالحصا "، ولكن إسناده واه جدا، فيه من روى عن مالك أحاديث موضوعة، وسيأتي بيان ذلك برقم (١٠٠٢) من هذه السلسلة إن شاء الله تعالى.
٨٤ - " كلكم أفضل منه ".
ضعيف.
لم أجده في شيء من كتب السنة، وإنما أخرجه ابن قتيبة في " عيون الأخبار " (١/ ٢٦) بسند ضعيف فقال: حدثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمر عن أبي إسحاق عن خالد الحذاء
стр. 210
عن أبي قلابة عن مسلم بن يسار أن رفقة من الأشعريين كانوا في سفر، فلما قدموا قالوا: يا رسول الله! ليس أحد بعد رسول الله أفضل من فلان، يصوم النهار، فإذا نزلنا قام يصلي حتى يرتحل! قال: " من كان يمهن له أو يعمل له؟ "، قالوا: نحن، قال: " كلكم أفضل منه؟ "، وهذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات، لكنه مرسل، فإن مسلم بن يسار هذا وهو البصري الأموي تابعي، ثم أنهم ذكروا في ترجمته أن أكثر روايته عن أبي الأشعث الصنعاني وأبي قلابة، وهذا الحديث من رواية أبي قلابة عنه، وقد كانت وفاتهما بعد المائة ببضع سنين ولكن أبا قلابة مدلس، قال الذهبي في ترجمته من " الميزان ": إمام شهير من علماء التابعين، ثقة في نفسه، إلا أنه مدلس عمن لحقهم وعمن لم يلحقهم، وكان له صحف يحدث منها ويدلس، ولهذا أورده الحافظ برهان الدين العجمي الحلبي في رسالته " التبيين لأسماء المدلسين " (ص ٢١) ، وكذا الحافظ ابن حجر في " طبقات المدلسين " (ص ٥) وقال: وصفه بذلك الذهبي والعلائي، فلو أن الحديث سلم من الإرسال لما سلم من عنعنة أبي قلابة، فالحديث ضعيف على كل حال.
ثم رأيت الحديث في " مصنف عبد الرزاق " (٢٠٤٤٢) عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال: ... فذكره نحوه، ولم يذكر فيه مسلم بن يسار، وهذا مرسل أيضا.
ويغني عنه حديث أنس قال: كنا مع النبي ﷺ في السفر فمنا الصائم، ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلا في
стр. 211
يوم حار، أكثرنا ظلا صاحب الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصوام، فقام المفطرون،
فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله ﷺ : " ذهب المفطرون اليوم بالأجر "، رواه البخاري (٦ / ٦٤) ومسلم (٣ / ١٤٤) ، واللفظ له والنسائي في " الكبرى " (ق ٢٠ / ١) .
٨٥ - " يقتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلا لم يقتله قوم، ثم ذكر شيئا لا أحفظه فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولوحبوا على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي - وفي رواية - إذا رأيتم الرايات السود خرجت من قبل خراسان فأتوها ولو حبوا.. إلخ ".
منكر.
أخرجه ابن ماجه (٥١٨ - ٥١٩) والحاكم (٤ / ٤٦٣ - ٤٦٤) من طريقين عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان مرفوعا بالرواية الأولى، وأخرجه أحمد (٥ / ٢٧٧) عن علي بن زيد، والحاكم أيضا (٤ / ٥٠٢) من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن خالد الحذاء عن أبي قلابة به، لكن علي بن زيد وهو ابن جدعان لم يذكر أبا أسماء في إسناده، وهو من أوهامه، ومن طريقه أخرجه ابن الجوزي في كتاب " الأحاديث الواهية " (١٤٤٥) مختصرا وابن حجر في " القول المسدد في الذب عن المسند " (ص ٤٥) وقال: وعلي بن زيد فيه ضعف.
стр. 212
وبه أعله المناوي في " فيض القدير " فقال: نقل في " الميزان " عن أحمد وغيره تضعيفه، ثم قال الذهبي: أراه حديثا منكرا، وأورده ابن الجوزي في " الموضوعات " قال ابن حجر: ولم يصب إذ ليس فيهم متهم بالكذب، انتهى.
قلت: وفي هذا الكلام أخطاء يجب التنبيه عليها:
١ - إعلاله الحديث بابن جدعان يوهم أنه تفرد به، وليس كذلك، فقد تابعه خالد الحذاء عند الحاكم وابن ماجه كما تقدم وهو ثقة من رجال الصحيحين.
٢ - أنه يوهم أن ابن الجوزي أورده من طريق ابن جدعان، وليس كذلك، فإنما أورده في " الموضوعات " (٢ / ٣٩) من طريق عمرو بن قيس عن الحسن عن أبي عبيدة عن عبد الله يعني ابن مسعود مرفوعا نحوالرواية الثانية عن ثوبان، ثم قال ابن الجوزي: لا أصل له، عمرو لا شيء، ولم يسمع من الحسن، ولا سمع الحسن من أبي عبيدة، قلت: ولا أبو عبيدة سمع من أبيه ابن مسعود، وتعقبه السيوطي في " اللآليء " (١ / ٤٣٧) بحديث ابن ثوبان هذا، وقد قال في " الزوائد " (ق ٢٤٩ / ٢) : إسناده صحيح ورجاله ثقات، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي! مع أنه يقول في " الميزان ": أراه منكرا كما تقدم.
стр. 213
وهذا هو الصواب، وقد ذهل من صححه عن علته، وهي عنعنة أبي قلابة، فإنه من المدلسين كما تقدم نقله عن الذهبي وغيره في الحديث السابق ولعله لذلك ضعف الحديث ابن علية من طريق خالد كما حكاه عنه أحمد في " العلل " (١ / ٣٥٦) وأقره، لكن الحديث صحيح المعنى، دون قوله: فإن فيها خليفة الله المهدي فقد أخرجه ابن
ماجه (٢ / ٥١٧ ـ ٥١٨) من طريق علقمة عن ابن مسعود مرفوعا نحورواية ثوبان الثانية، وإسناده حسن بما قبله، فإن فيه يزيد بن أبي زياد وهو مختلف فيه فيصلح للاستشهاد به، وليس فيه أيضا ذكر خليفة الله ولا خراسان، وهذه الزيادة خليفة الله ليس لها طريق ثابت، ولا ما يصلح أن يكون شاهدا لها، فهي منكرة كما يفيده كلام الذهبي السابق، ومن نكارتها أنه لا يجوز في الشرع أن يقال: فلان خليفة الله، لما فيه من إيهام ما لا يليق بالله تعالى من النقص والعجز، وقد بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقال في " الفتاوى " (٢ / ٤٦١) : وقد ظن بعض القائلين الغالطين كابن عربي، أن الخليفة هو الخليفة عن الله، مثل نائب الله، والله تعالى لا يجوز له خليفة،
ولهذا قالوا لأبي بكر: يا خليفة الله! فقال: لست بخليفة الله، ولكن خليفة رسول الله ﷺ ، حسبي ذلك بل هو سبحانه يكون خليفة لغيره، قال النبي ﷺ : " اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في
стр. 214
سفرنا، واخلفنا في أهلنا "، وذلك لأن الله حي شهيد مهيمن قيوم رقيب حفيظ غني عن العالمين، ليس له شريك ولا ظهير، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، والخليفة إنما يكون عند عدم المستخلف بموت أو غيبة، ويكون لحاجة
المستخلف، وسمي خليفة، لأنه خلف عن الغزووهو قائم خلفه، وكل هذه المعاني منتفية في حق الله تعالى، وهو منزه عنها، فإنه حي قيوم شهيد لا يموت ولا يغيب ... ولا يجوز أن يكون أحد خلفا منه ولا يقوم مقامه، إنه لا سمي له ولا كفء، فمن جعل له خليفة فهو مشرك به.
٨٦ - " الطاعون وخز إخوانكم من الجن ".
لا أصل له بهذا اللفظ.
وإن أورده ابن الأثير في مادة وخز من " النهاية " تبعا لغريبي الهروي، وإنما هو مركب من حديثين صحيحين كما يأتي بيانه وقال الحافظ في " الفتح " (١٠ / ١٤٧) : لم أره بهذا اللفظ بعد التتبع الطويل البالغ في شيء من طرق
الحديث المسندة، لا في الكتب المشهورة، ولا الأجزاء المنثورة، وقد عزاه بعضهم لـ " مسند أحمد " و" الطبراني " و" كتاب الطواعين " لابن أبي الدنيا، ولا وجود لذلك في واحد منها.
قلت: والحديث في مسند أحمد (٤ / ٣٩٥، ٤١٣، ٤١٧) وكذا الطبراني في " المعجم الصغير " (ص ٧١) والحاكم أيضا (١ / ٥٠) من طرق عن أبي موسى الأشعري مرفوعا بلفظ: " الطاعون وخز أعدائكم من الجن ".
стр. 215
وقال الحاكم:
صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
قلت: هو صحيح، أما على شرط مسلم، فلا، فإن فيه عند الحاكم وكذا أحمد في بعض طرقه أبا بلج واسمه يحيى بن سليم وهو ثقة، إلا أنه ليس من رجال مسلم، وله عند أحمد طريق أخرى بسند صحيح أيضا، وصححه الحافظ، فهذا هو المحفوظ في الحديث: وخز أعدائكم، وأما لفظ إخوانكم فإنما هو في حديث آخر، وهو قوله
ﷺ : " فلا تستنجوا بهما يعني العظم والبقر فإنهما طعام إخوانكم من الجن "، رواه مسلم وغيره انظر " نيل الأو طار " فكأنه اختلط على بعضهم هذا بالأول.
قال السيوطي في " الحاوي ": وأما تسميتهم إخوانا في حديث العظم، فباعتبار الإيمان، فإن الأخوة في الدين لا تستلزم الاتحاد في الجنس، وقد أطال الكلام على طرق الحديث وبيان أنه لا أصل لهذه اللفظة " إخوانكم " في شيء من طرقه الحافظ ابن حجر في كتابه القيم " بذل الماعون في فضل الطاعون " (ق ٢٦ / ١ - ٢٨ / ٢) .
٨٧ - " إذا صعد الخطيب المنبر، فلا صلاة ولا كلام ".
باطل.
قد اشتهر بهذا اللفظ على الألسنة وعلق على المنابر ولا أصل له! وإنما رواه الطبراني في " الكبير " عن ابن عمرو مرفوعا بلفظ: " إذا دخل أحدكم المسجد والإمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام، حتى
следующие страницы →