والمعروف في تفسير الآية يخالفه في الظاهر، وهو ما أخرجه أصحاب السنن وأحمد وابن حبان في " صحيحه " (١٨٣٧) وغيرهم بسند صحيح عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قام فحمد الله، ثم قال: يا أيها الناس! إنكم تقرأون هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم "، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك أن يعمهم بعقابه ".
وقد خرجته في " الصحيحة " (١٥٦٤) .
لكن لجملة " أيام الصبر " شواهد خرجتها في " الصحيحة " أيضا، فانظر تحت الحديثين (٤٩٤ و٩٥٧) .
تنبيه: مع كل هذه العلل في هذا الحديث فقد صححه الشيخ الغماري في " كنزه " وكأنه قلد في ذلك الترمذي دون أي بحث أوتحقيق، أوأنه هواه الذي ينبئك عنه تعليقه عليه الذي يستغله المتهاونون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ والمخالف للآية السابقة، والله المستعان.
١٠٢٦ - " يا صاحب الحبل ألقه ".
ضعيف.
ذكره ابن حزم في " المحلى " فقال (٧/٢٥٩) : روينا من طريق وكيع عن ابن أبي ذئب عن صالح بن أبي حسان: " أن رسول الله ﷺ رأى محرما محتزما بحبل فقال.. " فذكره، وقال: مرسل لا حجة فيه.
قلت: وهو كما قال، ورجاله ثقات، غير صالح بن أبي حسان فهو مختلف فيه، فقال البخاري: ثقة، وقال النسائي: مجهول، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث.
وفي " التقريب ": صدوق من الخامسة.
قلت: ومع ضعف هذا الحديث، فقد روي ما يخالفه، وهو بلفظ:
رخص ﵇ في الهميان للمحرم، ذكره ابن حزم (٧/٢٥٩) فقال:
стр. 1507
روينا من طريق عبد الرزاق عن الأسلمي عمن سمع صالحا مولى التوأمة أنه سمع ابن عباس يقول، فذكره مضعفا له.
قلت: وهو ظاهر الضعف، فإن صالحا هذا ضعيف، والراوي عنه مجهول لم يسم.
والأسلمي أظنه الواقدي وهو محمد بن عمر بن واقد الأسلمي وهو متروك.
قلت: والصواب فيه الوقف، فقد أخرج الدارقطني (٢٦١) والبيهقي (٥/٦٩) من طريق شريك عن أبي إسحاق عن عطاء وسعيد بن جبير عن ابن عباس قال:
" رخص للمحرم في الخاتم والهميان ".
وشريك سيىء الحفظ، لكنه لم يتفرد به، فقد ذكره ابن حزم من طريق وكيع عن سفيان عن حميد الأعرج عن عطاء عن ابن عباس قال في الهميان للمحرم: لا بأس به.
قلت: وهذا إسناد جيد موقوف، وقد علقه البخاري (٣/٣٠٩) عن عطاء، ووصله الدارقطني من طريق سفيان عن أبي إسحاق عن عطاء مثله.
قلت: وهذا سند صحيح، ولهذا قال الحافظ في " الفتح ":
وهو أصح من الأول، يعني من رواية شريك عن أبي إسحاق عن عطاء عن ابن عباس، وهو كما قال، لما عرفت من حال شريك فمخالفته لسفيان لا تقبل، لكن خفيت على الحافظ طريق حميد الأعرج عن عطاء عن ابن عباس التي ذكرنا، فالصواب أنه صحيح عن كل من ابن عباس، وعطاء، وهذا إنما تلقاه عنه، وقد ورد نحوه عن عائشة أيضا أنها سئلت عن الهميان للمحرم؟ فقالت: وما بأس؟ ليستوثق من نفقته.
أخرجه البيهقي بسند صحيح عنها، ورواه سعيد بن منصور بلفظ: إنها كانت ترخص في الهميان يشده المحرم على حقويه، وفي المنطقة أيضا.
نقله ابن حزم عنه، وسنده صحيح على شرط الشيخين.
стр. 1508
وخلاصة القول: أن حديث ابن عباس هذا المخالف لحديث الترجمة ضعيف مرفوعا، صحيح موقوفا، وفيه دليل على جواز شد الهميان والمنطقة للمحرم، قال الحافظ:
قال ابن عبد البر: أجاز ذلك فقهاء الأمصار، وأجازوا عقده إذا لم يمكن إدخال بعضه في بعض، ولم ينقل عن أحد كراهته إلا عن ابن عمر، وعنه جوازه.
وقد ذهب إلى جواز ذلك كله ابن حزم قال (٧/٢٥٩) :
لأنه لم ينه عن شيء مما ذكرنا قرآن ولا سنة، " وما كان ربك نسيا ".
١٠٢٧ - " حريم البئر البدي خمسة وعشرون ذراعا، وحريم البئر العادية خمسون ذراعا ".
ضعيف.
أخرجه الدارقطني (ص ٥١٨) من طريق الحسن بن أبي جعفر، عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ومن طريق محمد ابن يوسف بن موسى المقريء بسنده إلى إبراهيم بن أبي عبلة عن الزهري به، وقال: الصحيح من الحديث أنه مرسل عن ابن المسيب، ومن أسنده فقد وهم.
قلت: وفي الطريق الأولى الحسن بن أبي جعفر، وهو ضعيف كما قال الزيلعي (٤/٢٩٣) ، وفي الطريق الأخرى محمد بن يوسف المقريء، قال الحافظ في " التلخيص " (٢٥٦) :
وهو متهم بالوضع، وأطلق عليه ذلك الدارقطني وغيره.
قلت: ولذلك جزم البيهقي بضعف الحديث، فقال بعد أن علقه من هذين الطريقين موصولا: وهو ضعيف.
стр. 1509
وقد روي من طريق ثالثة عن الزهري به، أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/٣٠٩) والحاكم في " المستدرك " (٤/٩٧) من طريق عمر بن قيس المكي عن الزهري.
قلت: وسكت عليه الحاكم ثم الذهبي فأساءا، لأن عمر هذا متروك كما في " التقريب " وقال في " التلخيص ": فيه ضعف.
قلت: وفي هذا التعبير تساهل لا يخفى، وقال الزيلعي بعد أن ذكره من طريق الحاكم:
وسكت عنه، قال عبد الحق في " أحكامه ": والمراسيل أشبه ".
قلت: ولا يشك في هذا من شم رائحة الحديث، فإن الطرق كلها واهية عن الزهري به موصولا، مع مخالفتها لروايات الثقات الذين أرسلوه عن الزهري، منهم إسماعيل بن أمية عن الزهري عن سعيد بن المسيب مرفوعا به.
أخرجه الحاكم وكذا أبو داود في " مراسيله ".
وأخرجه البيهقي من طريق يونس عن الزهري به إلا أنه أوقفه على ابن المسيب، كما في النسخة المطبوعة من " البيهقي "، وأما الحافظ في " التلخيص "، فقد نقل عنه أنه رواه من هذه الطريق عن ابن المسيب مرسلا.
تنبيه: عزى الصنعاني في " سبل السلام " (٣/٧٨) هذا الحديث لأحمد عن أبي هريرة، وهو وهم منه، فإن الحديث عنده (٢/٤٩٤) عنه بلفظ آخر وهو:
" حريم البئر أربعون ذراعا من حواليها كلها لأعطان الإبل والغنم ".
وهو بهذا اللفظ حسن عندي كما بينته في السلسلة الأخرى (رقم: ٢٥١) .
١٠٢٨ - " من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن أكل مما تخلل فليلفظ، وما لاك بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل
стр. 1510
فليستدبره فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج ".
ضعيف.
أخرجه أبو داود (١/٦ ـ ٧) والدارمي (١/١٦٩ ـ ١٧٠) وابن ماجه (١/١٤٠ - ١٤١) والطحاوي (١/٧٢) وابن حبان (١٣٢) مختصرا والبيهقي (١/٩٤ و١٠٤) وأحمد (٢/٣٧١) من طريق الحصين الحبراني عن أبي سعيد - زاد بعضهم: الخير عن أبي هريرة عن النبي ﷺ به، وقال أبو داود:
أبو سعيد الخير هو من أصحاب النبي ﷺ .
قلت: هو كما قال على ما هو الراجح في التحقيق كما بينته في " ضعيف سنن أبي داود " (رقم ٩) ، لكن الراوي عنه الحصين الحبراني مجهول كما قال الحافظ في " التلخيص " (ص ٣٧) وكذا في " التقريب " له، وفي " الخلاصة " للخزرجي.
وقال الذهبي: لا يعرف، وأما توثيق ابن حبان إياه، فمما لا يعول عليه لما عرف من قاعدته في توثيق المجهولين، كما فصلت القول عليه في " الرد على التعقيب الحثيث " ولهذا لم يعرج الأئمة المذكورون على توثيقه، ولم يعتمدوا عليه في هذا ولا في عشرات بل مئات من مثله وثقهم هو وحده، وحكموا عليهم بالجهالة، ولذلك وجدنا البيهقي أشار إلى تضعيف هذا الحديث بقوله عقبه:
وهذا إن صح، فإنما أراد والله أعلم وترا يكون بعد ثلاث.
وإنما حمله على هذا التأويل أحاديث كثيرة تدل على وجوب الاستنجاء بثلاثة أحجار، والنهي عن الاستنجاء بأقل من ذلك كحديث سلمان ﵁ قال: " ... ونهانا ﷺ أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار ". رواه مسلم وغيره.
فلو صح قوله في هذا الحديث: " ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج "، وجب تأويله بما ذكره البيهقي، ولكني أقول: لا حاجة بنا إلى مثل هذا التأويل بعدما تبين لنا ضعفه وتفرد ذاك المجهول به.
وإذا عرفت هذا، فلا تغتر بقول النووي في " المجموع " (٢/٥٥) :
هذا حديث حسن! ولا بقول الحافظ نفسه في " الفتح " (١/٢٠٦) :
стр. 1511
إسناده حسن، ولا بما نقله الصنعاني في " سبل السلام " عن " البدر المنير أنه قال: حديث صحيح، صححه جماعة، منهم ابن حبان والحاكم والنووي.
لا تغتر بأقوال هؤلاء الأفاضل هنا جميعا، فإنهم ما أمعنوا النظر في سند الحديث، بل لعل جمهورهم اغتروا بسكوت أبي داود عنه، وإلا فقل لي بربك كيف يتفق تحسينه مع تلك الجهالة التي صرح بها من سبق ذكره من النقاد: الذهبي والعسقلاني والخزرجي؟ بل كيف يتمشى تصريح ابن حجر بذلك مع تصريحه بحسن إسناده لولا الوهم، أوالمتابعة للغير بدون النظر في الإسناد؟ ! ومن ذلك قول مؤلف (١) " معارف السنن شرح سنن الترمذي " (١/١١٥) :
وهو حديث صحيح رجاله ثقات كما قال البدر العيني.
فإن هذا التصحيح، إنما هو قائم على أن رجاله ثقات، وقد تقدم أن أحدهم وهو حصين الحبراني لم يوثقه غير ابن حبان، وأنه لا يعتد بتوثيقه عند تفرده به، لا سيما مع عدم التفات أولئك النقاد إليه وتصريحهم بتساهل من وثقه.
فمن الغرائب والابتعاد عن الإنصاف العلمي التشبث بهذا الحديث الضعيف المخير بين الإيتار وعدمه لرد ما دل عليه حديث سلمان وغيره مما سبق الإشارة إليه من عدم إجزاء أقل من ثلاثة أحجار، مع إمكان التوفيق بينهما بحمل هذا لو صح على إيتار بعد الثلاثة كما تقدم، وأما قول ابن التركماني ردا لهذا الحمل: لو صح ذلك لزم منه أن يكون الوتر بعد الثلاث مستحبا أمره ﵇ به على مقتضى هذا الدليل، وعندهم لو حصل النقاء بعد الثلاث فالزيادة عليها ليست مستحبة، بل هي بدعة.
فجوابنا عليه: نعم هي بدعة عند حصول النقاء بالثلاثة أحجار، فنحمل هذا الحديث على الإيتار عند عدم حصول النقاء بذلك، بمعنى أنه إذا حصل النقاء بالحجر الرابع فالإيثار بعده على الخيار مع استحبابه، بخلاف ما إذا حصل النقاء بالحجرين فيجب الثالث لحديث سلمان وما في معناه. وبالله التوفيق.
стр. 1512
١٠٢٩ - " أما إنما لا تزيدك إلا وهنا، انبذها عنك، فإنك لومت وهي عليك ما أفلحت أبدا ".
ضعيف.
أخرجه الإمام أحمد (٥/٤٤٥) : حدثنا خلف بن الوليد: حدثنا المبارك عن الحسن قال: أخبرني عمران بن حصين أن النبي ﷺ أبصر على عضد رجل حلقة أراه قال: من صفر - فقال: ويحك ما هذه؟ قال: من الواهنة قال: فذكره.
قلت: وهذا سند ضعيف وله علتان:
الأولى: عنعنة المبارك وهو ابن فضالة فقد كان مدلسا، وصفه بذلك جماعة من الأئمة المتقدمين، قال يحيى بن سعيد:
لم أقبل منه شيئا، إلا شيئا يقول فيه: حدثنا.
وقال ابن مهدي: كنا نتبع من حديث مبارك ما قال فيه: حدثنا الحسن.
ومع ذلك فقد قال فيه الدارقطني:
لين، كثير الخطأ، يعتبر به، وذكر نحوه ابن حبان والساجي.
الثانية: الانقطاع بين الحسن وعمران بن حصين، فإنه لم يسمع منه كما جزم بذلك ابن المديني وأبو حاتم وابن معين، قال الأولان:
لم يسمع منه، وليس يصح ذلك من وجه يثبت.
وقد أشار بذلك إلى مثل رواية المبارك هذه، فإن صرح فيها كما ترى بأن الحسن قال: أخبرني عمران بن حصين، وفي " المسند " (٥/٤٤٠) حديثان آخران من هذا الوجه مع التصريح المذكور، وقد أشار الإمام أحمد أيضا إلى تضعيف ذلك فقال: قال بعضهم عن الحسن: حدثني عمران بن حصين إنكارا على من قال ذلك، بل إنه صرح بذلك في رواية أبي طالب عنه قال:
كان مبارك بن فضالة يرفع حديثا كثيرا، ويقول في غير حديث عن الحسن: قال:
حدثنا عمران بن حصين، وأصحاب الحسن لا يقولون ذلك، قال في " التهذيب ":
стр. 1513
يعني أنه يصرح بسماع الحسن منه، وأصحاب الحسن يذكرونه عنه بالعنعنة.
قلت: قد تتبعت أصحاب الحسن وما رووه عنه عن عمران في " مسند الإمام أحمد " الجزء الرابع، فوجدتهم جميعا قد ذكروا العنعنة، وهم:
١ - أبو الأشهب (ص ٢٤٦) وهو جعفر بن حبان و (٤٣٦) .
٢ - قتادة (٤٢٧ و٤٢٨ و٤٣٥ و٤٣٦ و٤٣٧ و٤٤٢ و٤٤٥ و٤٤٦) .
٣ - أبو قزعة (٤٢٩) .
٤ - يونس (٤٣٠ و٤٣١ و٤٤٤ و٤٤٥) .
٥ - منصور (٤٣٠) .
٦ - علي بن زيد بن جدعان (٤٣٠ و٤٣٢ و٤٤٤ و٤٤٥) .
٧ - حميد (٤٣٨ و٤٣٩ و٤٤٠ و٤٤٣ و٤٤٥) .
٨ - خالد الحذاء (٤٣٩) .
٩ - هشام (٤٤١) .
١٠ - خيثمة (٤٣٩ و٤٤٥) .
١١ - محمد بن الزبير (٤٣٩ و٤٤٣) .
١٢ - سماك (٤٤٥ و٤٤٦) .
كل هؤلاء - وهم ثقات جميعا باستثناء رقم (٦ و١١) - رووا عن الحسن عن عمران أحاديث بالعنعنة لم يصرحوا فيها بسماع الحسن من عمران، بل في رواية لقتادة أن الحسن حدثهم عن هياج بن عمران البرجمي عن عمران بن حصين بحديث: " كان يحث في خطبته على الصدقة، وينهى عن المثلة "، فأدخل بينهما هياجا، وهو مجهول كما
قال ابن المديني وصدقه الذهبي.
نعم وقع في رواية زائدة عن هشام تصريحه بسماع الحسن من عمران، فقال زائدة: عن هشام قال: زعم الحسن أن عمران بن حصين حدثه قال:.. فذكر حديث تعريسه ﷺ في سفره ونومه عن صلاة الفجر.
стр. 1514
وهذه الرواية صريحة في سماعه من عمران، ولم أجد أحدا تعرض لذكرها في هذا الصدد، ولكني أعتقد أنها رواية شاذة، فإن زائدة - وهو ابن قدامة -، وإن كان ثقة فقد خالفه جماعة منهم يزيد بن هارون وروح بن عبادة فروياه عن هشام عن الحسن عن عمران به، فعنعناه على الجادة.
أخرجه أحمد (٤/٤٤١) ، وهكذا أخرجه (٥/٤٣١) من طريق يونس عن الحسن عن عمران به، ووقع التصريح المذكور في رواية شريك بن عبد الله عن منصور عن خيثمة عن الحسن قال: كنت أمشي مع عمران بن حصين ... رواه أحمد (٤/٤٣٦) ، وهذه رواية منكرة لأن شريكا سييء الحفظ معروف بذلك، وقد خولف، فرواه الأعمش عن خيثمة عن الحسن عن عمران به معنعنا، أخرجه أحمد (٤/٤٣٩ و٤٤٥) .
وخلاصة القول أنه لم يثبت برواية صحيحة سماع الحسن من عمران، وقول المبارك في هذا الحديث عن الحسن: قال: أخبرني عمران، مما لا يثبت ذلك لما عرفت من الضعف والتدليس الذي وصف به المبارك هذا.
وإن مما يؤكد ذلك أن وكيعا قد روى هذا الحديث عن المبارك عن الحسن عن عمران به معنعنا مختصرا.
أخرجه ابن ماجه (٢/٣٦١) .
وكذا رواه أبو الوليد الطيالسي: حدثنا مبارك به.
أخرجه ابن حبان في " صحيحه " (١٤١٠) والطبراني في " المعجم الكبير " (١٨/١٧٢/٣٩١) ، وكذلك رواه أبو عامر صالح بن رستم عن الحسن عن عمران به.
أخرجه ابن حبان (١٤١١) والحاكم (٤/٢١٦) وقال: " صحيح الإسناد "، ووافقه الذهبي!
قلت: وفي ذلك ما لا يخفى من البعد عن التحقيق العلمي الذي ذكرناه آنفا، وأيضا فإن أبا عامر هذا كثير الخطأ كما في " التقريب " فأتى لحديثه الصحة؟ ! ومثله قول البوصيري في " الزوائد ":
стр. 1515
إسناده حسن لأن مبارك هذا هو ابن فضالة.
ذكره السندي، ونحوه قول الهيثمي في " المجمع " (٥/١٠٣) :
رواه أحمد والطبراني وقال: إن مت وهي عليك وكلت إليها، قال: وفي رواية موقوفة: " انبذها عنك، فإنك لومت وأنت ترى أنها تنفعك لمت على غير الفطرة "، وفيه مبارك بن فضالة، وهو ثقة، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات!
قلت: لوكان ثقة اتفاقا وبدون ضعف لم يفرح بحديثه ما دام مدلسا، وقد عنعنه كما عرفت مما سبق، فكن رجلا يعرف الرجال بالحق، لا الحق بالرجال.
ومن ذلك قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في " كتاب التوحيد ": رواه أحمد بسند لا بأس به!
فقد عرفت ما فيه من البأس الذي بيناه في شرح علتي الحديث، ويمكن أن نستنبط من تخريج الهيثمي السابق للحديث علة ثالثة وهي الوقف، وهو الأشبه عندي، وإن كان في إسنادها عند الطبراني (رقم ٤١٤) محمد بن خالد بن عبد الله: حدثنا هشيم عن منصور عن الحسن، موقوفا. فقد قال الحافظ في ابن خالد هذا: ضعيف، والله أعلم.
١٠٣٠ - " إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل ".
مدرج الشطر الآخر.
وإنما يصح مرفوعا شطره الأول، وأما الشطر الآخر: " فمن استطاع.. " فهو من قول أبي هريرة أدرجه بعض الرواة في المرفوع، وإليك البيان:
أخرجه البخاري (١/١٩٠) والبيهقي (١/٥٧) وأحمد (٢/٤٠٠) عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر أنه قال:
رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد، وعليه سراويل من تحت قميصه، فنزع سراويله، ثم توضأ، وغسل وجهه ويديه، ورفع في عضديه الوضوء، ورجليه، فرفع في ساقيه، ثم قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره والسياق لأحمد، وليس عند البخاري ذكر السراويل والقميص ولا غسل الوجه والرجلين.
стр. 1516
ثم أخرجه مسلم (١/١٤٩) والبيهقي أيضا من طريق عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال به.
أنه رأى أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، الحديث مثله، وابن أبي هلال مختلط عند الإمام أحمد، لكنه توبع، فقد أخرجه مسلم وكذا أبو عوانة في " صحيحه " (١/٢٤٣) والبيهقي (١/٧٧) من طريق سليمان بن بلال: حدثني عمارة بن غزية الأنصاري عن نعيم بن عبد الله المجمر قال:
" رأيت أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع (١) في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، وقال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله، وقد تابعه ابن لهيعة عن عمارة بن غزية به نحوه، وفيه: وكان إذا غسل ذراعيه كاد أن يبلغ نصف العضد، ورجليه إلى نصف الساق، فقال له في ذلك، فقال: إني أريد أن أطيل غرتي، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء، ولا يأتي أحد من الأمم كذلك.
أخرجه الطحاوي (١/٢٤) ورجاله ثقات، غير أن ابن لهيعة سييء الحفظ، ولكن لا بأس به في المتابعات والشواهد.
ثم أخرجه أحمد (٢/٣٣٤ و٥٢٣) من طريق فليح بن سليمان عن نعيم بن عبد الله به بلفظ:
стр. 1517
أنه رقى إلى أبي هريرة على ظهر المسجد، فوجده يتوضأ، فرفع في عضديه، ثم أقبل علي فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره بلفظ:
" إن أمتي يوم القيامة هم الغر المحجلون ... " إلا أنه زاد: فقال نعيم: لا أدري قوله: " من استطاع أن يطيل غرته فليفعل " من قول رسول الله ﷺ أومن قول أبي هريرة!
قلت: وفليح بن سليمان وإن احتج به الشيخان ففيه ضعف من قبل حفظه، فإن كان قد حفظه، فقد دلنا على أن هذه الجملة في آخر الحديث: " من استطاع ... " قد شكنعيم في كونها من قوله ﷺ ، وقد قال الحافظ في " الفتح " (١/١٩٠) :
ولم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة وهم عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه، والله أعلم.
قلت: وقد فات الحافظ رواية ليث عن كعب عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ ، فذكره بهذه الجملة.
أخرجه أحمد (٢/٣٦٢) ، لكن ليث وهو ابن أبي سليم ضعيف لاختلاطه، وقد حكم غير واحد من الحفاظ على هذه الجملة أنها مدرجة في الحديث من كلام أبي هريرة، فقال الحافظ المنذري في " الترغيب " (١/٩٢) :
وقد قيل: إن قوله: من استطاع إلى آخره، إنما هو مدرج من كلام أبي هريرة موقوف عليه، ذكره غير واحد من الحفاظ، والله أعلم.
قلت: وممن ذهب إلى أنها مدرجة من العلماء المحققين شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فقال هذا في " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح " (١/٣١٦) : فهذه الزيادة مدرجة في الحديث من كلام أبي هريرة لا من كلام النبي ﷺ ، بين ذلك غير واحد من الحفاظ، وكان شيخنا يقول: هذه اللفظة لا يمكن أن تكون من كلام رسول الله ﷺ ، فإن الغرة لا تكون في اليد، لا تكون إلا في الوجه، وإطالته غير ممكنة، إذ تدخل في الرأس فلا تسمى تلك غرة.
قلت: وكلام الحافظ المتقدم يشعر بأنه يرى كونها مدرجة، وممن صرح بذلك
стр. 1518
تلميذه إبراهيم الناجي في نقده لكتاب " الترغيب "، المسمى بـ " العجالة المتيسرة " (ص ٣٠) ، وهو الظاهر مما ذكره الحافظ من الطرق، ومن المعنى الذي سبق في كلام ابن تيمية.
ومن الطرق المشار إليها ما روى يحيى بن أيوب البجلي عن أبي زرعة قال:
دخلت على أبي هريرة وهو يتوضأ إلى منكبيه، وإلى ركبتيه، فقلت له: ألا تكتفي بما فرض الله عليك من هذا؟ قال: بلى، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: مبلغ الحلية مبلغ الوضوء، فأحببت أن يزيدني في حليتي.
أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (١/٤٠) وعلقه أبو عوانة في " صحيحه " (١/٢٤٣) ، وإسناده جيد، وله طريق أخرى عند مسلم وغيره عن أبي حازم قال:
كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يده حتى يبلغ إبطه، فقلت له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ! أنتم ههنا؟ لو علمت أنكم ههنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي ﷺ يقول: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء.
قلت: فليس هذه الطريق تلك الجملة " فمن استطاع ... " ولوكانت في حديث النبي ﷺ لأوردها أبو هريرة محتجا بها على أبي زرعة وأبي حازم اللذين أظهرا له ارتيابهما من مد يده إلى إبطه، ولما كان به حاجة إلى أن يلجأ إلى الاستنباط الذي قد يخطيء وقد يصيب، ثم هو لوكان صوابا لم يكن في الإقناع في قوة النص كما هو ظاهر، فإن قيل: فقد احتج أبو هريرة ﵁ بالنص في بعض الطرق المتقدمة وذلك قوله عقب الوضوء: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليهوسلم يتوضأ.
والجواب: أن هذه الطريق ليس فيها ذكر الإبط، وغاية ما فيها أنه أشرع في العضد والساق، وهذا من إسباغ الوضوء المشروع، وليس زيادة على وضوئه ﷺ ، بخلاف الغسل إلى الإبط والمنكب، فإن من المقطوع به أنه زيادة على وضوئه ﷺ لعدم ورود ذلك عنه في حديث مرفوع، بل روي من طرق عن غير واحد من الصحابة ما يشهد
стр. 1519
لما في هذه الطريق، أحسنها إسنادا حديث عثمان ﵁ قال: هلموا أتوضأ لكم وضوء رسول الله ﷺ فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين حتى مس أطراف العضد. الحديث، رواه الدارقطني (٣١) بسند قال الصنعاني في " السب " (١/٦٠) : حسن، وهو كما قال لولا عنعنة محمد بن إسحاق، فإنه مدلس.
على أن قوله في تلك الطريق: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ أخشى أن تكون شاذة لأنه تفرد بها عمارة بن غزية دون من اتبعه على أصل الحديث عن نعيم المجمر، ودون كل من تابع نعيما عليه عن أبي هريرة، والله أعلم.
ومن التحقيق السابق يتبين للقراء أن قول الحافظ في " الفتح " (١/١٩٠ - ١٩١) عقب إعلاله لتلك الزيادة بالإدراج، وبعد أن ذكر رواية عمرو بن الحارث المتقدمة ورواية عمارة بن غزية أيضا:
واختلف العلماء في القدر المستحب من التطويل في التحجيل، فقيل: إلى المنكب والركبة، وقد ثبت عن أبي هريرة رواية ورأيا، وعن ابن عمر من فعله أخرجه ابن أبي شيبة وأبو عبيد بإسناد حسن.
فأقول: قد تبين من تحقيقنا السابق أن ذلك لم يثبت عن أبي هريرة رواية، وإنما رأيا، والذي ثبت عنه رواية، فإنما هو الإشراع في العضد والساق، كما سبق بيانه، فتنبه ولا تقلد الحافظ في قوله هذا كما فعل الصنعاني (١/٦٠) ، بعد أن جاءك البيان.
ثم إن قوله في أثر ابن عمر المذكور: ... " بإسناد حسن فيه نظر عندي وذلك أن إسناده عند ابن أبي شيبة في " المصنف " (١/٣٩) هكذا: حدثنا وكيع عن العمري عن نافع عن ابن عمر أنه كان ربما بلغ بالوضوء إبطه في الصيف.
قلت: فهذا إسناد ضعيف من أجل العمري وهذا هو المكبر واسمه عبد الله بن عمر ابن حفص بن عاصم، قال الحافظ نفسه في " التقريب ": ضعيف، ولذلك لم يحسنه في " التلخيص "، بل سكت عليه ثم قال عقبه (ص ٣٢) :
رواه أبو عبيد بإسناد أصح من هذا فقال: حدثنا عبد الله بن صالح: حدثنا الليث عن
стр. 1520
محمد بن عجلان عن نافع، وأعجب من هذا أن أبا هريرة يرفعه إلى النبي ﷺ في رواية مسلم.
قلت: عبد الله بن صالح هو كاتب الليث المصري، وهو ضعيف أيضا، أورده الذهبي في " الضعفاء " فقال:
قال أحمد: كان متماسكا ثم فسد، وأما ابن معين فكان حسن الرأي فيه، وقال أبو حاتم: أرى أن الأحاديث التي أنكرت عليه مما افتعل خالد بن نجيح، وكان يصحبه، ولم يكن أبو صالح ممن يكذب، كان رجلا صالحا، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الحافظ في " التقريب ":
صدوق كثير الخطأ، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة.
قلت: فمثله لا يحتج بحديثه لاحتمال أن يكون مما أدخله عليه وافتعله خالد بن نجيح، وكان كذابا، ففي ثبوت الإطالة المذكورة عن ابن عمر من فعله، وقفة عندي، والله أعلم.
وممن روى هذا الحديث بدون هذه الزيادة المدرجة عبد الله بن بسر المازني ﵁ مرفوعا بلفظ:
" أمتي يوم القيامة غر من السجود محجلون من الوضوء ".
أخرجه الترمذي (١/١١٨) وصححه وأحمد (٤/١٨٩) ولفظه أتم، وسنده صحيح، ورجاله ثقات.
١٠٣١ - " يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيرا في الطهور، فما طهوركم هذا؟ قالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، فقال رسول الله ﷺ : فهل مع ذلك غيره؟ قالوا: لا، غير أن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجى بالماء، فقال رسول الله ﷺ : هو ذاك فعليكموه ".
ضعيف بهذا اللفظ.
أخرجه ابن الجارود في " المنتقي " (رقم ٤٠) والدارقطني
стр. 1521
(٢٣) والبيهقي (١/١٠٥) من طرق عن محمد بن شعيب بن شابور: حدثني عتبة بن أبي حكيم الهمداني عن طلحة بن نافع أنه حدثه قال: حدثني أبو أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك الأنصاري أن هذه الآية لما نزلت " فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين "، فقال رسول الله ﷺ : فذكره، وقال الدارقطني:
عتبة بن أبي حكيم ليس بالقوي.
قلت: هو ممن اختلفوا فيه، فوثقه بعض الأئمة، وضعفه آخرون، ولذلك قال الذهبي فيه:
هو متوسط حسن الحديث.
وكلام الحافظ فيه يشعر أنه ضعيف عنده فقال في " التقريب ":
صدوق يخطىء كثيرا.
وأما النووي والزيلعي فقد مشياه، وقويا حديثه فقال الأول في " المجموع " (٢/٩٩) : إسناد صحيح إلا أن فيه عتبة بن أبي حكيم، وقد اختلفوا في توثيقه، فوثقه الجمهور، ولم يبين من ضعفه سبب ضعفه، والجرح لا يقبل إلا مفسرا، فيظهر الاحتجاج بهذه الرواية.
قلت: وفي هذا الكلام نظر من وجهين:
الأول: قوله: وثقه الجمهور، فإن هذا يوهم أن الذين ضعفوه قلة، وليس كذلك، فقد تتبعت أسماءهم فوجدتهم ثمانية من الأئمة، وهم:
١ - أحمد بن حنبل، كان يوهنه قليلا.
٢ - يحيى بن معين، قال مرة: ضعيف الحديث، وقال أخرى: والله الذي لا إله إلا هو لمنكر الحديث.
٣ - محمد بن عوف الطائي: ضعيف.
٤ - الجوزجاني: غير محمود في الحديث، يروي عن أبي سفيان حديثا يجمع فيه جماعة من الصحابة، لم نجد منها عند الأعمش ولا غيره مجموعة.
стр. 1522
٥ - النسائي: ضعيف، وقال مرة: ليس بالقوي.
٦ - ابن حبان: يعتبر حديثه من غير رواية بقية عنه.
٧ - الدارقطني: ليس بالقوي، كما تقدم.
٨ - البيهقي: غير قوي، كما يأتي.
وتتبعت أيضا أسما الموثقين فوجدتهم ثمانية أيضا وهم:
١ - مروان بن محمد الطاطري: ثقة.
٢ - ابن معين: ثقة.
٣ - أبو حاتم الرازي: صالح.
٤ - دحيم: لا أعلمه إلا مستقيم الحديث.
٥ - أبو زرعة الدمشقي، ذكره في " الثقات ".
٦ - ابن عدي: أرجوأنه لا بأس به.
٧ - الطبراني: كان من ثقات المسلمين.
٨ - ابن حبان، ذكره في " الثقات ".
هذا كل ما وقفت عليه من الأئمة الذين تكلموا في عتبة هذا توثيقا وتجريحا، ومن الظاهر أن عدد الموثقين مثل عدد المضعفين سواء، وبذلك يتبين خطأ القول بأنه وثقه الجمهور، ولوقيل: ضعفه الجمهور لكان أقرب إلى الصواب، وإليك البيان: لقد رأينا اسم ابن معين وابن حبان قد ذكرا في كل من القائمتين، الموثقين والمضعفين، وما ذلك إلا لاختلاف اجتهاد الناقد في الراوي، فقد يوثقه، ثم يتبين له جرح يستلزم جرحه به فيجرحه، وهذا الموقف هو الواجب بالنسبة لكل ناقد عارف ناصح، وحينئذ فهل يقدم قول الإمام الموثق أم قوله الجارح؟ لا شك أن الثاني هو المقدم بالنسبة إليه، لأنه بالضرورة هو لا يجرح إلا وقد تبين له أن في الراوي ما يستحق الجرح به، فهو بالنسبة إليه جرح مفسر فهو إذن مقدم على التوثيق، وعليه يعتبر توثيقه قولا مجروحا مرجوعا عنه، فيسقط إذن من القائمة الأولى اسم ابن معين وابن حبان كموثقين وينزل عددهم من الثمانية إلى الستة!
стр. 1523
ثم إننا إذا نظرنا مرة أخرى في القائمة المذكورة لوجدنا فيهم أبا حاتم الرازي وقوله: صالح، وهذا وإن كان توثيقا في اعتبار المحدثين، ولكنه ليس كذلك بالنظر إلى اصطلاح أبي حاتم نفسه، فقد ذكر ابنه في مقدمة الجزء الأول من " الجرح والتعديل " (ص ٢٧) ما نصه:
ووجدت الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى، فإذا قيل للواحد: إنه ثقة، أومتقن، أوثبت، فهو ممن يحتج بحديثه، وإذا قيل: إنه صدوق، أومحله الصدق، أولا بأس به، فهو ممن يكتب حديثه، وينظر فيه، وهي المنزلة
الثانية وإذا قيل: شيخ فهو بالمنزلة الثالثة، يكتب حديثه وينظر فيه، إلا أنه دون الثانية، وإذا قيل: صالح الحديث، فإنه يكتب حديثه للاعتبار، وإذا أجابوا في الرجل بلين الحديث، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه اعتبارا.
فهذا نص منه على أن كلمة صالح الحديث مثل قولهم: لين الحديث يكتب حديثه للاعتبار والشواهد، ومعنى ذلك أنه لا يحتج به، فهذه العبارة من ألفاظ التجريح لا التعديل عند أبي حاتم، خلافا لما يدل عليه كلام السيوطي في " التدريب " (٢٣٣ - ٢٣٤) ، وعلى هذا فيرفع اسم أبي حاتم أيضا من قائمة الموثقين إلى قائمة المضعفين، ويصير عددهم خمسة، وعدد أولئك تسعة، وإذا ضممنا إليهم قول البيهقي: إنه غير قوي كما يأتي، صاروا عشرة.
ثم إن قول ابن عدي: أرجوأنه لا بأس به ليس نصا في التوثيق، ولئن سلم فهو أدنى درجة في مراتب التعديل، أوأول مرتبة من مراتب التجريح، مثل قوله: ما أعلم به بأسا كما في " التدريب " (ص ٢٣٤) .
ومما سبق يتبين بوضوح أن الجمهور على تضعيف عتبة بن أبي حكيم، وأن ضعفه مفسر مبين، فضعفه هو الذي ينبغي اعتماده في ترجمته، وقد لخص ذلك كله الحافظ ابن حجر في كلمته المتقدمة: صدوق يخطىء كثيرا، فهذا جرح مفسر، فمن أين جاء به الحافظ لولا بعض الكلمات التي سبق بيانها من بعض الأئمة؟
ومن ذلك كله تعلم أن إسناد الحديث ضعيف، وأن قول الزيلعي فيه (١/٢١٩) :
стр. 1524
وسنده حسن غير حسن، لأنه بناه على أقوال بعض من سبق ذكرهم في الموثقين فقال:
وعتبة بن أبي حكيم فيه مقال، فقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن عدي:
أرجوأنه لا بأس به، وضعفه النسائي، وعن ابن معين فيه روايتان:
ولذلك أيضا ضعف الحديث ابن التركماني، فإن البيهقي على الرغم من أنه لم يصرح بتقويته، وإنما سكت عليه، لم يرض ذلك منه ابن التركماني، فتعقبه بقوله:
قلت: في سنده عتبة بن أبي حكيم ضعفه ابن معين والنسائي، وقال إبراهيم بن يعقوب السعدي: غير محمود الحديث، وقال البيهقي في باب الركعتين بعد الوتر: غير قوي.
وقال البوصيري في " الزوائد " (٢٨/١) :
هذا إسناد ضعيف، عتبة بن أبي حكيم ضعيف، وطلحة لم يدرك أبا أيوب.
قلت: ومما يدل على ضعف عتبة أنه اضطرب في رواية متن هذا الحديث وضبطه، فرواه محمد بن شعيب عنه باللفظ المتقدم:
غير أن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء.
ورواه صدقة بن خالد عنه بلفظ:
قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة ونستنجي بالماء.
أخرجه ابن ماجه (١/١٤٦ - ١٤٧) والحاكم (٢/٣٣٤ - ٣٣٥) والضياء المقدسي في " الأحاديث المختارة " (٢/١٤٠) وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي!
كذا قالا، وقد عرفت مما سبق أن الصواب أنه ضعيف الإسناد، والغرض الآن أن نبين أن عتبة كان يضطرب في ضبط هذا الحديث، فتارة يرويه باللفظ الأول، وتارة باللفظ الآخر، وليس هذا الاضطراب من الراويين عنه محمد بن شعيب وصدقة بن خالد فإنهما ثقتان اتفاقا، فتعين أنه من عتبة نفسه.
واللفظ الآخر هو الراجح عندنا، بل هو في نفسه صحيح ثابت، لأمرين:
стр. 1525
الأول: أنه روي كذلك من طريق أخرى عن أبي أيوب وحده.
والآخر: أن له شواهد كثيرة من حديث أبي هريرة وابن عباس وعويمر بن ساعدة.
وقد خرجتها في " صحيح أبي داود " (رقم ٣٤) ثم في " الإرواء " (٤٥) .
وأما الطريق فأخرجه الحاكم (١/١٨٨) من رواية واصل بن السائب الرقاشي عن عطاء ابن أبي رباح وابن سورة عن عمه أبي أيوب قال: قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين " فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب المتطهرين "؟ قال: كانوا يستنجون بالماء.
ذكره الحاكم شاهدا لحديث ابن عباس المشار إليه، والرقاشي ضعيف كما في " التقريب " فيعتبر به، ولا يحتج بما يتفرد به.
فإن قيل: فما الفرق بين اللفظين حتى احتيج إلى ترجيح أحدهما على الآخر؟
فالجواب: هو أن اللفظ المرجوح فإن فيه القيد المذكور وهو بظاهره يدل على أنهم كانوا يستنجون بالماء بعد استنجائهم بالحجارة، ذلك لأنه من غير الجائز أن يمدحوا ويثني الله عليهم لوفرض أنهم كانوا يقومون قبل الاستنجاء بها، هذا بعيد جدا، فإذن الحديث بهذا اللفظ دليل على استحباب الجمع بين الماء والحجارة في الاستنجاء فهو حينئذ يمكن اعتباره شاهدا لحديث ابن عباس الذي أخرجه البزار بلفظ: فقالوا: " إنا نتبع الحجراة بالماء ".
وهو ضعيف الإسناد كما صرح به الحافظ في " التلخيص " و" البلوغ " وبينه الزيلعي في " نصب الراية " (١/٢١٨) ، بل هو منكر عندي لمخالفته لجميع طرق الحديث بذكر الحجارة فيه، بل بالغ النووي فقال في " الخلاصة " كما نقله الزيلعي: وأما ما اشتهر في كتب التفسير والفقه من جمعهم بين الأحجار والماء فباطل لا يعرف، وذكر معنى هذا في " المجموع " أيضا، ولكنه استنبط معناه من لفظ الحديث هذا، فقال بعد أن ذكره بلفظيه مع حديث أبي هريرة وعويمر بن ساعدة:
стр. 1526
فهذا الذي ذكرته من طرق الحديث هو المعروف في كتب الحديث أنهم كانوا يستنجون بالماء، وليس فيها ذكر الجمع بين الماء والأحجار، وأما قول المصنف:
قالوا: نتبع الحجارة الماء، فكذا يقوله أصحابنا وغيرهم في كتب الفقه والتفسير فليس له أصل في كتب الحديث، وكذا قال الشيخ أبو حامد في التعليق: إن أصحابنا رووه، قال: ولا أعرفه، فإذا عرف أنه ليس له أصل من جهة الرواية، فيمكن تصحيحه من جهة الاستنباط، لأن الاستنجاء بالحجر كان معلوما عندهم يفعله جميعهم، وأما الاستنجاء بالماء فهو الذي انفردوا به، فلهذا ذكر ولم يذكر الحجر لأنه مشترك بينهم وبين غيرهم، ولكونه معلوما فإن المقصود بيان فضلهم الذي أثنى الله عليهم بسببه، ويؤيد هذا قولهم: إذا خرج أحدنا من الغائط أحب أن يستنجي بالماء، فهذا يدل على أن استنجاءهم بالماء كان بعد خروجهم من الخلاء، والعادة جارية بأنه لا يخرج من الخلاء إلا بعد التمسح بماء أوحجر. وهكذا المستحب أن يستنجي بالحجر في موضع قضاء الحاجة، ويؤخر الماء إلى أن ينتقل إلى موضع آخر، والله أعلم ".
وجوابنا عن هذا الاستنباط أنه غير مسلم، وبيانه من وجهين:
الأول: أن أي حكم شرعي يستنبط من نص شرعي، فلابد لهاذ أن يكون ثابت الإسناد، وقد بينت فيما سبق أن هذا النص ضعيف الإسناد منكر المتن، فلا يصح حينئذ الاستنباط منه.
الآخر: هب أن النص المشار إليه ثابت الإسناد، فالاستنباط المذكور لا نسلم بصحته، لأن الحجارة لم تذكر فيه ولوإشارة، وأخذ ذلك من مجرد ثناء الله تعالى عليهم بضميمة أن الاستنجاء بها كان معروفا لديهم غير لازم، لأن الثناء المشار إليه يتحقق ويصدق عليهم بأي شيء فاضل تفرد به الأنصار دون غيرهم، وإذا كان من المسلم حينئذ فضلا أنهم كانوا يفعلون ذلك الذي لا يفعله بل ولا يعرفه غيرهم إلا أهل الكتاب، ومنهم تلقاه الأنصار كما في بعض الروايات الثابتة.
فإن قيل: ما ذكرته الآن ينافي ما تقدم من قولك: إن الحديث يدل بظاهره على
стр. 1527
الجمع المذكور.
فأقول: نعم، ولكن هذا الظاهر ليس هناك ما يلزمنا الجمود عنده، لأنه لم يجر العمل به من النبي ﷺ ولا من أحد من الصحابة، ألا ترى إلى قول النووي في آخر كلامه السابق:
وهكذا المستحب أن يستنجى بالحجر في موضع قضاء الحاجة، ويؤخر الماء إلى أن ينتقل إلى موضع آخر.
فهل يستطيع أحد أن يدعي أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يفعلون ذلك؟ ! وحينئذ فلابد من تأويل النص المذكور بما لا يتنافى مع ما هو المعروف من الاستنجاء بالماء في مكان قضاء الحاجة، وذلك بأن نفسر قولهم - إن صح -: " إذا خرج من الغائط أي أراد الخروج، ومثل هذا التفسير معروف في كثير من الأحاديث، مثل حديث أنس قال: " كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث "، وقد اتفقوا على أن المعنى: كان إذا أراد دخول الخلاء، ومثله قول الله ﵎: " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله "، أي أردت قراءة القرآن، ونحوذلك كثير.
وخلاصة القول: أن الحديث بهذا اللفظ ضعيف الإسناد منكر المتن، وقد ترتب عليه استنباط حكم نقطع بأنه لم يكن عليه رسول الله ﷺ ولا أصحابه، ألا وهو الاستنجاء بالحجارة أولا، ثم بالماء في مكان آخر، بل الراجح عندي أنه لا يشرع الجمع بينهما ولوفي المكان الأول، لأنه لم ينقل أيضا عنه ﷺ ، ولما فيه من التكلف، فبأيهما استنجى حصلت السنة، فإن تيسر الأمران معا بلا كلفة فلا مانع من ذلك لما فيه من تنزيه اليد عن الرائحة الكريهة. والله أعلم.
تنبيه: إن الذي دفعني إلى تحرير القول في هذا الحديث هو أنني رأيت بعض من ألف في شرح الترمذي من حنفية الهند (١) نقل كلام النووي في الاستنباط المذكور وذكر أنه صحح إسناد الحديث، وأقر كل ذلك فأحببت أن أبين حقيقة الأمر، عسى أن ينتفع به من قد يقف عليه، ثم رأيته ذكر كلاما آخر عقب الحديث فيه أشياء تستحق التنبيه عليه، فرأيت من
стр. 1528
الواجب بيان ذلك أيضا، قال (١/١٣٣) :
ثم إن أحاديث الجمع قد أخرجها الهيثمي في " زوائده " بأسانيد فيها كلام للمحدثين، وبوب عليها (باب الجمع بين الماء والحجارة) ، وأخرج فيه حديث ابن ساعدة وابن عباس وابن سلام وغيرهم، وفيها الجمع، وليس فيها رواية لم
يتكلم فيها، ومع هذا ليس فيها حديث صريح غير حديث ابن عباس، وأجود ما يحكى في الباب أثر علي بن أبي طالب: إن من كان قبلكم كانوا يبعرون بعرا وأنتم تثلطون ثلطا، فأتبعوا الحجارة الماء، أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه " وعبد الرزاق في " مصنفه " والبيهقي في " سننه " بطرق عديدة، وهو أثر جيد كما يقول الإمام الزيلعي في " نصب الراية " وكذا أخرجه البيهقي رواية عن عائشة من طريق قتادة في الباب.
قلت: وفي هذا الكلام تدليسات عجيبة وبعض أوهام فاحشة:
أولا: يسمى الأحاديث المشار إليها وقد تقدمت بـ " أحاديث الجمع " مع أنها ليست كذلك إلا على استنباط النووي الواهي، فهو يقلده في ذلك ويبالغ حتى سماها بهذه التسمية المغلوطة، ولا يقتصر على هذا، بل يؤكد ذلك بقوله: وفيها الجمع، ثم لكي لا يمكن المخالف من نقده يعود فيقول: ومع هذا ليس فيها حديث صريح غير حديث ابن عباس يعني صريحا في الجمع.
ثانيا: ثم يزعم أن تلك الأحاديث التي فيها الجمع! ليس فيها حديث صريح في الجمع!
بوب الهيثمي عليها " باب الجمع بين الماء والحجارة "، وهذا خلاف الواقع فإنه إنما بوب عليها بقوله: " باب الاستنجاء بالماء " انظر الجزء الأول ص ٢١٢ من " مجمع الزوائد "، وإنما بوب الهيثمي بما ذكر الحنفي لحديث ابن عباس وحده الذي تفرد بروايته البزار وسبق أن ضعفناه نقلا عن الحافظ، وقال الهيثمي نفسه عقبه:
رواه البزار وفيه محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري ضعفه البخاري والنسائي وغيرهما، وهو الذي أشار بجلد مالك.
ثالثا: قوله: (بطرق عديدة) . فيه تدليس خبيث، فإنه لا يروى إلا من طريق واحدة، هي طريق عبد الملك بن عمير عن علي، وإنما له طرق عديدة عن عبد الملك
стр. 1529
هذا، وشتان بين الأمرين، فإنه على قوله لاشك في ثبوت هذا الأثر عن علي وجودته، لطرقه المزعومة، وأما على ما هو الواقع من طريقه الوحيدة، فالثبوت محتمل وإن كان الراجح عندنا خلافه، وبيانه فيما يأتي:
رابعا: قوله: وهو أثر جيد، أقول: بل هو غير جيد، وإن كان صرح بذلك الزيلعي، فإنه معلول بالانقطاع بين علي وعبد الملك، وبالاختلاط وذلك أن عبد الملك هذا، وإن كان من رجال الشيخين، فقد تكلم فيه من قبل حفظه، وذكروا له رؤية لعلي ﵁، ولم يذكروا له سماعا، ثم هو على ذلك مدلس، وصفه به ابن حبان، ولذا أورده الذهبي في " الضعفاء " فقال:
قال أحمد: مضطرب الحديث، وقال ابن معين: مختلط وقال أبو حاتم: ليس بحافظ ووثقه جماعة، وقال الحافظ في " التقريب ":
ثقة فقيه، تغير حفظه، وربما دلس.
قلت: فإن كان قد حفظه، فلم يسمعه من علي، فإنه ذكره بصيغة تشعر بذلك، فإنه قال في جميع الطرق عنه: قال: قال علي..، ومن المعلوم أن المدلس إذا لم يصرح بالتحديث فلا يحتج بحديثه، فمن أين تأتي الجودة إذن لهذا الأثر؟
خامسا: قوله عقب أثر علي المذكور: وكذا أخرجه البيهقي رواية عن عائشة من طريق قتادة في الباب.
قلت: وهذا تدليس آخر فإن حديث قتادة في الباب عند البيهقي (١/١٠٦) عن معاذة عن عائشة أنها قالت:
" مرن أزواجكن أن يغسلوا عنهم أثر الغائط والبول، فإني أستحييهم، وكان رسول الله ﷺ يفعله ".
ثم رواه من طريق أخرى نحوه بلفظ: " فأمرتهن أن يستنجين بالماء " وهو مخرج في " الإرواء " (٤٢) .
стр. 1530
فأنت ترى أنه ليس فيه ذكر للحجارة إطلاقا، فكيف جاز له أن يجعله مثل أثر علي في الجمع بين الماء والحجارة؟ لا يقال: لعله اغتر بإيراد البيهقي له في " باب الجمع في الاستنجاء بين المسح بالأحجار والغسل بالماء "، لأننا نقول: إن ذلك خطأ أوتساهل من البيهقي لا يجوز لمن يدعي التحقيق انتصارا لمذهبه أن يقلد من أخطأ مثل هذا الخطأ البين، لا سيما إذا كان مخالفا له في المذاهب، وخاصة إذا نبه على ذلك من كان موافقا له في المذهب، ألا وهو الشيخ ابن التركماني، فإنه تعقب البيهقي لإيراده في هذا الباب حديث عتبة المتقدم وحديث عائشة هذا، فقال في كل منهما: ليس في الحديث ذكر المسح بالأحجار فهو غير مطابق للباب.
فلا أدري كيف استجاز المومى إليه تجاهل هذه الحقيقة؟
وكم في كتابه من أمور كثيرة لوتتبعها الباحث لملأت مجلدا ضخما بل مجلدات، ولكن ذلك يحتاج إلى وقت وفراغ، وهيهات ذلك هيهات، ولكن لعلنا ننبه على شيء من ذلك كلما سنحت لنا الفرصة، فإنه قد قيل منذ القديم: " ما لا يدرك كله، لا يترك جله أوكله ".
١٠٣٢ - " من طلب الدنيا حلالا استعفافا عن المسألة وسعيا على أهله، وتعطفا على جاره، بعثه الله يوم القيامة، ووجهه مثل القمر ليلة البدر، ومن طلبها حلالا متكاثرا بها مفاخرا لقي الله وهو عليه غضبان ".
ضعيف.
رواه أبو نعيم في " الحلية " (٢/١١٠ و٨/٢١٥) من طريق الحجاج بن فرافصة عن مكحول عن أبي هريرة مرفوعا، وقال:
غريب من حديث مكحول، لا أعلم له راويا عنه إلا الحجاج.
قلت: وهو ضعيف لسوء حفظه، أورده الذهبي في " الضعفاء " وقال:
قال أبو زرعة: ليس بالقوي.
وقال الحافظ في " التقريب:
صدوق عابد، يهم.
стр. 1531
قلت: وفيه علة أخرى وهي الانقطاع بين مكحول وأبي هريرة، فإنه لم يسمع منه كما قال البزار.
١٠٣٣ - " كان سليمان نبي الله ﵇ إذا قام في مصلاه رأى شجرة ثابتة بين يديه، فيقول: ما اسمك؟ فتقول: كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا وكذا، فإن كانت لدواء كتب، وإن كان لغرس غرست، فبينما هو يصلي يوما إذ رأى شجرة ثابتة بين يديه، فقال؟ ما اسمك؟ قالت: الخرنوب، قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، قال سليمان ﵇: اللهم عم على الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا تعلم الغيب، قال: فتحتها عصا فتوكأ [حولا ميتا والجن تعمل] ، قال: فأكلها الأرضة فسقط، فخر، فوجوده ميتا حولا، فتبينت الإنس أن الجن لوكانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين، وكان ابن عباس يقرؤها هكذا، فشكرت الجن الأرضة، فكانت تأتيها بالماء حيث كانت.
ضعيف مرفوعا.
أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (١٢٢٨١) والحاكم (٤/١٩٧ ـ ١٩٨ و٤٠٢) والضياء المقدسي في " المختارة " (٦١/٢٤٩/١) وابن جرير وابن أبي حاتم كما في " ابن كثير " (٣/٥٢٩) وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (٧/٣٠٠/١) من طريق إبراهيم بن طهمان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ ، وقال الحاكم:
صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
قلت: وفيه نظر من وجهين:
الأول: أن عطاء بن السائب كان اختلط، وليس ابن طهمان ممن روى عنه قبل الاختلاط، وقد خالفه جرير فقال: عن عطاء بن السائب به موقوفا على ابن عباس.
أخرجه الحاكم (٢/٤٢٣) وصححه أيضا ووافقه الذهبي.
стр. 1532
الثاني: أن عطاء قد خولف في رفعه، فقد رواه سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير به موقوفا على ابن عباس أيضا.
أخرجه الحاكم (٤/١٩٨) وابن عساكر من طريق الأحوص بن جواب الضبي: حدثنا عبد الجبار بن عباس الهمداني عن سلمة بن كهيل به.
قلت: وهذا سند صحيح لا علة فيه، وهو يشهد أن أصل الحديث موقوف كما رواه جرير عن عطاء، وهو الصواب، وهو الذي رجحه الحافظ ابن كثير مع أنه لم يقف على رواية جرير هذه الموقوفة، ولا على رواية سلمة بن كهيل المؤيدة لها، فكيف به لووقف عليهما؟ فقال ﵀:
وفي رفعه غرابة ونكارة، والأقرب أن يكون موقوفا، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني (١) له غرابات، وفي بعض حديثه نكارة، ثم ذكره موقوفا من وجه آخر عن ابن عباس، وعن ابن مسعود أيضا ثم قال:
هذا الأثر والله أعلم إنما هو مما تلقي من علماء أهل الكتاب، وهي وقف، لا يصدق منه إلا ما وافق الحق، ولا يكذب منها إلا ما خالف الحق، والباقي لا يصدق ولا يكذب.
قلت: ومن النوع الذي خالف الحق الحديث الآتي:
١٠٣٤ - " وقع في نفس موسى: هل ينام الله تعالى ذكره؟ فأرسل الله إليه ملكا، فأرقه ثلاثا، ثم أعطاه قارورتين، في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما، قال: فجعل ينام، وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى، ثم نام نومة فاصطفقت يداه، وانكسرت القارورتان، قال: ضرب الله مثلا أن الله لوكان ينام لم تستمسك السموات والأرض ".
منكر.
أخرجه ابن جرير في " تفسيره " (رقم ٥٧٨٠ ج٥) : حدثنا إسحاق بن أبي
стр. 1533
إسرائيل قال: حدثنا هشام بن يوسف عن أمية بن شبل عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يحكي عن موسى ﷺ على المنبر قال: فذكره.
وأخرجه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (١٧/١٩٠/٢) عن إسحاق به، ثم قال:
تابعه يحيى بن معين عن هشام، ورواه معمر عن الحكم فجعله من قول عكرمة.
قلت: ثم ساقه هو وابن جرير (٥٧٧٩) من طريق عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر قال: أخبرني الحكم بن أبان عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: " لا تأخذه سنة ولا نوم " أن موسى سأل الملائكة: هل ينام الله؟ فأوحى الله إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثا.. الحديث مثله.
قلت: وآفة هذا الحديث عندي الحكم بن أبان هذا، وهو العدني فإنه وإن كان وثقه جماعة كابن معين وغيره، فقد قال ابن المبارك: ارم به، وذكره ابن حبان في " الثقات " وقال:
ربما أخطأ، وقال الحافظ في " التقريب ":
صدوق عابد وله أوهام.
قلت: فالظاهر من مجموع كلام الأئمة فيه ما أشار إليه الحافظ: أنه كان ثقة في نفسه، ولكنه كان يخطىء أحيانا بسبب شيء في حفظه، ولعله أتي من كثرة عبادته وغلوه فيها، كما هو المعهود في أمثاله من الصالحين! فقد روى ابن أبي حاتم (١/٢/١١٣) بسند صحيح عن ابن عيينة قال: قدم علينا يوسف بن يعقوب قاض كان لأهل اليمن وكان يذكر منه صلاح (١) فسألته عن الحكم بن أبان فقال: ذاك سيد أهل اليمن، كان يصلي من الليل، فإذا غلبته عيناه نزل إلى البحر، فقام في الماء يسبح مع دواب البحر!
стр. 1534
قلت: فمثل هذه العبادة والغلوفيها حري بصاحبها أن لا يظل محتفظا بذاكرته التي متعه الله بها والاستفادة منها بضبط الحديث وحفظه!
وإن اضطرابه في هذا الحديث لمن أقوى الأدلة على عدم ضبطه لحديثه، فهو تارة يرويه عن عكرمة عن أبي هريرة مرفوعا، وتارة عن عكرمة من قوله لا يتعداه، وهذا هو اللائق بمثل هذا الحديث أن يكون موقوفا على عكرمة وهو تلقاه من بعض أهل الكتاب، فهو من الإسرائيليات التي لا يجب علينا التصديق بها، بل هو مما يجب الجهر بتكذيبه وبيان بطلانه، كيف لا؛ وفيه أن موسى كليم الله يجهل تنزه الله ﵎ عن السهو والنوم فيتساءل في نفسه: هل ينام الله؟ ؟ !
وهل هذا إلا كما لوقال قائل: هل يأكل الله ﵎؟ هل كذا، هل كذا، وغير ذلك مما لا يخفى بطلانه على أقل مسلم! ولهذا صرح بضعف هذا الحديث غير واحد من العلماء، فقال القرطبي في " تفسيره " (١/٢٧٣) :
ولا يصح هذا الحديث، ضعفه غير واحد، منهم البيهقي.
وقال الذهبي في ترجمة أمية بن شبل:
يماني، له حديث منكر، رواه عن الحكم بن أبان بن عكرمة عن أبي هريرة مرفوعا قال: وقع ... الحديث، رواه عنه هشام بن يوسف وخالفه معمر عن الحكم عن عكرمة قوله، وهو أقرب، ولا يسوغ أن يكون هذا وقع في نفس موسى ﵇، وإنما روي أن بني إسرائيل سألوا موسى ﵇ عن ذلك.
وأقره الحافظ في " اللسان ".
وقال الحافظ ابن كثير بعد أن ساق رواية معمر الموقوفة على عكرمة (١/٣٠٨) :
وهو من أخبار بني إسرائيل، وهو مما يعلم أن موسى لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله ، وأنه منزه عنه، وأغرب من هذا كله الحديث الذي رواه ابن جرير: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قلت: فساقه مرفوعا كما تقدم، ثم قال:
وهذا حديث غريب جدا، والأظهر أنه إسرائيلي لا مرفوع، والله أعلم ".
стр. 1535
ثم ذكر من رواية ابن أبي حاتم بسنده عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: " أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله، فناداه الله : يا موسى سألوك هل ينام ربك، فخذ زجاجتين في يديك فقم الليل، ففعل موسى فلما ذهب من الليل ثلث نعس، فوقع لركبتيه، ثم انتعش فضبطهما حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت الزجاجتان فانكسرتا، فقال: يا موسى لوكنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكت كما هلكت الزجاجتان في يديك، فأنزل الله على نبيه ﷺ آية الكرسي.
قلت: وهذا هو الأشبه بهذه القصة أن تكون من سؤال بني إسرائيل لموسى، لا من سؤال موسى لربه ﵎، ومثل هذا ليس غريبا من قوم قالوا لموسى:
" أرنا الله جهرة "! على أن في سنده جعفر بن أبي المغيرة، وثقه أحمد وابن حبان، لكن قال ابن منده:
ليس بالقوي في سعيد بن جبير، والله أعلم.
١٠٣٥ - " تفترق أمتى على بضع وسبعين فرقة، كلها في الجنة، إلا فرقة واحدة وهي الزنادقة ".
موضوع بهذا اللفظ.
أخرجه العقيلي في " الضعفاء " (٤/٢٠١ - بيروت) ومن طريقه ابن الجوزي في " الموضوعات " (١/٢٦٧) من طريق معاذ بن ياسين الزيات: حدثنا الأبرد بن الأشرس عن يحيى بن سعيد عن أنس مرفوعا.
ثم رواه هو والديلمي (٢/١/٤١) من طريق نعيم بن حماد: حدثنا يحيى بن اليمان عن ياسين الزيات عن سعد بن سعيد الأنصاري عن أنس به.
ورواه ابن الجوزي عن الدارقطني من طريق عثمان بن عفان القرشي: حدثنا أبو إسماعيل الأبلي حفص بن عمر عن مسعر عن سعد بن سعيد به.
стр. 1536
ثم قال ابن الجوزي:
قال العلماء: وضعه الأبرد، وسرقه ياسين الزيات، فقلب إسناده وخلط، وسرقه عثمان بن عفان وهو متروك، وحفص كذاب، والحديث المعروف: " واحدة في الجنة، وهي الجماعة ".
ونقله السيوطي في " اللآليء " (١/١٢٨) وأقره، وكذا أقره ابن عراق في " تنزيه الشريعة " (١/٣١٠) والشوكاني في " الفوائد المجموعة " (٥٠٢) وغيرهم وأقول: في الطريق الأولى معاذ بن ياسين، قال العقيلي:
مجهول، وحديثه غير محفوظ.
قلت: يعني هذا الحديث ثم قال:
هذا حديث لا يرجع منه إلى صحة، وليس له أصل من حديث يحيى بن سعيد ولا من حديث سعد.
قلت: وشيخه الأبرد بن الأشرس شر منه، قال الذهبي:
قال ابن خزيمة: كذاب وضاع، قلت: حديثه: تفترق أمتي.... فذكره، وزاد الحافظ في " اللسان ":
وهذا من الاختصار المجحف المفسد للمعنى، وذلك أن المشهور في الحديث: كلها في النار، فقال هذا!
قلت: وفي الطريق الثانية ثلاثة من الضعفاء على نسق واحد، نعيم ويحيى وياسين، وذا شرهم، فقد قال البخاري فيه: منكر الحديث.
وقال النسائي وابن الجنيد: متروك.
وقال ابن حبان:
стр. 1537
يروي الموضوعات.
قلت: فهو المتهم بهذا، ولعله سرقه من الأبرد كما سبق في كلام ابن الجوزي، فقد ذكر الحافظ في ترجمته من " اللسان " أن له طريقا أخرى عنه، رواه الحسن بن عرفة عنه عن يحيى بن سعيد، فقد اضطرب فيه، قال الحافظ:
فقال تارة عن يحيى بن سعيد، وتارة عن سعد بن سعيد، وهذا اضطراب شديد سندا ومتنا، والمحفوظ في المتن: " تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: وما تلك الفرقة؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي " وهذا من أمثلة مقلوب المتن ".
قلت: وهذا المتن المحفوظ قد ورد عن جماعة من الصحابة منهم أنس بن مالك ﵁، وقد وجدت له عنه وحده سبع طرق، خرجتها في " سلسلة الأحاديث الصحيحة " بلفظ: " افترقت اليهود ... "، وخرجته هناك من حديث أبي هريرة ومعاوية وأنس وعوف بن مالك ﵃ برقم (٢٠٣ و٢٠٤ و١٤٩٢) ، وذلك مما يؤكد بطلان الحديث بهذا اللفظ الذي تفرد به أولئك الضعفاء، وخاصة ياسين الزيات هذا، فقد خالفه من هو خير منه: عبد الله بن سفيان، فرواه عن يحيى بن سعيد عن أنس باللفظ المحفوظ كما بينته هناك.
وفي الطريق الثالثة: عثمان بن عفان القرشي وهو السجستاني قال ابن خزيمة:
أشهد أنه كان يضع الحديث على رسول الله ﷺ .
ومثله شيخه حفص بن عمر الأبلي، قال العقيلي في " الضعفاء " (١/٢٧٥) :
يروي عن شعبة ومسعر ومالك بن مغول والأئمة؛ البواطيل.
وقال أبو حاتم: كان شيخا كذابا.
стр. 1538
١٠٣٦ - " القرآن ذلول ذووجوه، فاحملوه على أحسن وجوهه ".
ضعيف جدا.
رواه الدارقطني (ص ٤٨٥) عن زكريا بن عطية: أخبرنا سعيد بن خالد: حدثني محمد ابن عثمان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس مرفوعا.
قلت: وهذا سند ضعيف جدا، وفيه علل ثلاث:
الأولى: جهالة محمد بن عثمان قال ابن أبي حاتم (٤/١/٢٤) :
سمعت أبي يقول: هو مجهول.
الثانية: سعيد بن خالد لم أعرفه.
الثالثة: زكريا بن عطية قال ابن أبي حاتم (١/٢/٥٩٩) :
سألت أبي عنه فقال: منكر الحديث.
وقال العقيلي:
هو مجهول.
стр. 1539
١٠٣٧ - " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه، وليغسله ثلاث مرات ".
منكر بلفظ (ثلاث) .
أخرجه ابن عدي في " الكامل ": حدثنا أحمد بن الحسن الكرخي - من كتابه - حدثنا الحسين الكرابيسي: حدثنا إسحاق الأزرق: حدثنا عبد الملك عن عطاء عن أبي هريرة (١) قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره، ثم أخرجه عن عمر بن شبة: حدثنا إسحاق الأزرق به موقوفا، وقال:
لم يرفعه غير الكرابيسي، والكرابيسي لم أجد حديثا منكرا غير هذا، وإنما حمل عليه أحمد بن حنبل من جهة اللفظ بالقرآن، فأما في الحديث فلم أر به بأسا.
стр. 1540
ذكره ابن التركماني في " الجوهر النقي " (١/٢٤١ - ٢٤٢) ثم تلميذه الزيلعي في " نصب الراية " (١/١٣١) وزاد هذا:
ورواه ابن الجوزي في " العلل المتناهية " (١/٣٣٣) من طريق ابن عدي ثم قال:
هذا حديث لا يصح، لم يرفعه غير الكرابيسي، وهو ممن لا يحتج بحديثه، انتهى.
وقال البيهقي في " كتاب المعرفة ": حديث عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات، تفرد به عبد الملك من بين أصحاب عطاء، ثم عطاء من بين أصحاب أبي هريرة، والحفاظ الثقات من أصحاب عطاء وأصحاب أبي هريرة يروونه " سبع مرات "، وعبد الملك لا يقبل منه ما يخالف فيه الثقات، ولمخالفته أهل الحفظ والثقة في بعض رواياته تركه شعبة بن الحجاج، ولم يحتج به البخاري في " صحيحه " وقد اختلف عليه في هذا الحديث، فمنهم من يرويه عنه مرفوعا، ومنهم من يرويه عنه من قول أبي هريرة، ومنهم من يرويه عنه من فعله، قال: وقد اعتمد الطحاوي الرواية الموقوفة في نسخ حديث السبع، وأن أبا هريرة لا يخالف النبي ﷺ فيما يرويه عنه! وكيف يجوز ترك رواية الحفاظ الأثبات من أوجه كثيرة لا يكون مثلها غلطا، برواية واحد قد عرف بمخالفته الحفاظ في بعض حديثه؟.
قلت: الحق أن عبد الملك ثقة مأمون كما قال الترمذي، وقد احتج به مسلم، ولا نعلم لمن ضعفه حجة يمكن الاعتماد عليها، وقد وثقه جماعات من الأئمة الكبار فراجع كلماتهم فيه في " التهذيب "، ومن أحسنهم وأعدلهم قولا فيه أبو حاتم وابن حبان، فقد ذكره في " كتاب الثقات " وقال:
ربما أخطأ، وكان من خيار أهل الكوفة وحفاظهم، والغالب على من يحفظ ويحدث أن يهم، وليس من الإنصاف ترك حديث شيخ ثبت، صحت عنه السنة بأوهام يهم فيها، والأولى فيه قبول ما يروي بتثبت، وترك ما صح أنه وهم فيه، ما لم يفحش، فمن غلب خطؤه على صوابه استحق الترك.
قلت: وقد تبين للعلماء أنه أخطأ في هذا الحديث في ثلاثة مواضع:
الأول: رفعه إلى النبي ﷺ ، والوقف فيه أرجح.
стр. 1541
الثاني: روايته بلفظ " ثلاث "، وإنما هو بلفظ " سبع ".
الثالث: لم يذكر فيه الترتيب، وهو ثابت، إلا أن الخطأ الأول يترجح عندي أنه من بعض الرواة عنه وإليك البيان:
أما الأول: فقد رواه الكرابيسي عن إسحاق الأزرق عن عبد الملك بسنده مرفوعا كما تقدم، وقال ابن عدي:
لم يرفعه غير الكرابيسي.
قلت: والكرابيسي هذا وإن كنا نقطع أنه وهم في رفع هذا الحديث عن إسحاق الأزرق كما يشير إلى ذلك كلام ابن عدي المذكور فإنا لم نجد فيها ذكروه فيه من أقوال الأئمة ما يمكن جرحه به، إلا قول ابن الجوزي هنا: لا يحتج بحديثه، فإن كان يعني جملة حديثه كما هو ظاهر عبارته، فهو جرح غير مقبول من مثله، لأنه مما لم يسبق إليه من أحد من الأئمة المتقدمين، ولأنه جرح مبهم غير مفسر، وما كان كذلك فلا يعتد به، كما هو مقرر في " المصطلح "، وإن كان يعني بذلك حديثه هذا، فهو كما قال، فإذن الرجل في نفسه ثقة، والأصل في مثله أن يحتج بحديثه، إلا ما ثبت وهمه فيه فيرد، ومن الثابت أنه وهم في هذا الحديث، فقد رواه عمر بن شبة عن إسحاق الأزرق موقوفا كما سبق، وعمر بن شبة ثقة مثل الكرابيسي أوخير منه، فقد صرح جماعة من الأئمة بتوثيقه كالدارقطني والخطيب وغيرهما ولم يتكلم فيه أحد بسوء، وتترجح روايته على رواية الكرابيسي بمتابعة سعدان بن نصر إياه، واسمه سعيد والغالب عليه سعدان، قال أبو حاتم:
صدوق، ووثقه الدارقطني، وأخرج متابعته هذه في " السنن " (ص ٢٤) .
وإن مما يؤيد أن رفعه وهم، وأنه ليس من عبد الملك أنه رواه عبد السلام بن حرب عند الطحاوي (١/١٣) وأسباط بن محمد عند الدارقطني كلاهما عن عبد الملك عن عطاء عن أبي هريرة موقوفا، وقال الدارقطني:
هذا موقوف، ولم يروه هكذا غير عبد الملك عن عطاء، وعبد السلام بن حرب وأسباط بن محمد ثقتان حجتان، فإذا انضم إليهما إسحاق
стр. 1542
الأزرق وهو ثقة أيضا، من رواية عمر بن شبة وسعدان عنه تبين بوضوح أن المحفوظ في هذه الطريق الوقف، وأن رفعه من الكرابيسي عن الأزرق وهم منه عليه، فلا تغتر بعد هذا البيان بقول أحد المتأخرين في كتابه " معارف السنن " (١/٣٢٥) :
وبالجملة هذا المرفوع صحيح أوحسن، فإن ذلك منه جري على ظاهر حال رجال إسناده وهو كونهم ثقاتا، دون اكتراث منه إلى ضرورة توفر بقية شروط الحديث الصحيح فيه التي منها أن لا يشذ ولا يعل! وما يحمله على ذلك إلا الانتصار للمذهب، ولو على حساب الحديث الصحيح! نسأل الله السلامة، ثم وقفت على عجيبة أخرى من التعصب، فإن المؤلف المشار إليه بعد تلك الكلمة أحال فيما سماه بـ " البحث الشافي " إلى مصادر لبعض الحنفية المتعصبة، منها " البحر الرائق " لابن نجيم المصري، فلما رجعت إليه فإذا به يخالف المؤلف المشار إليه فيما ذهب إليه من التصحيح، فإنه سلم بضعف هذا الحديث المرفوع، ولكن قواه بالحديث الموقوف!!
وتفصيل هذه العجيبة أنه قال ما معناه:
روي عن أبي هريرة فعلا وقولا، مرفوعا وموقوفا من طريقين: الأولى طريق الدارقطني الموقوفة، والأخرى المرفوعة هذه.
ووجهها أن ما سماه بالطريقين مدارهما على عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة، فهي طريق واحدة، وإنما بعض الرواة وهم على عبد الملك فرفعه كما سبق تحقيقه، فالطريق إذا واحدة وبناء على هذا التقسيم الخيالي قال ابن نجيم:
ومن المعلوم أن الحكم بالضعف والصحة إنما هو في الظاهر، أما في نفس الأمر فيجوز صحة ما حكم بضعفه ظاهرا، وثبوت كون مذهب أبي هريرة ذلك؛ قرينة تفيد أن هذا مما أجاده الراوي المضعف، وحينئذ يعارض حديث السبع يعني المتفق على صحته! ويقدم عليه!
قلت: ولا يخفى بطلان هذا الكلام على ذي إنصاف وعلم، وأما المتعصب الهالك في تعصبه فلا تفيده الأدلة ولوأتيته بك آية! وبيان ما ذكرت من البطلان من وجوه: يأتي
стр. 1543
ذكرها فيما بعد لأني أريد أن أتابع الكلام على الخطأين الآخرين فأقول:
وأما الموضع الثاني، وهو أن عبد الملك رواه عن عطاء عن أبي هريرة موقوفا بلفظ " ثلاث "، فقد خالفه حماد بن زيد عن أيوب عن محمد وهو ابن سيرين عن أبي هريرة قال في الكلب يلغ في الإناء؛ قال: يهراق ويغسل سبع مرات.
أخرجه الدارقطني (ص ٢٤) وقال:
صحيح موقوف.
وعلقه البيهقي (١/٢٤٢) عن حماد، ثم قال: وفي ذلك دلالة على خطأ رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة في الثلاث، وعبد الملك لا يقبل منه ما يخالف فيه الثقات.
وقال الحافظ في " الفتح " (١/٢٢٢) .
ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد، ومن حيث النظر، أما النظر فظاهر، وأما الإسناد، فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه، وهذا من أصح الأسانيد، وأما المخالفة فمن رواية عبد الملك ... وهو دون الأول في القوة بكثير.
قلت: ولعله مما يؤيد أرجحية رواية حماد بن زيد عن أيوب أنه قد رواه هشام بن حسان عن محمد بن سيرين مثله.
أخرجه الطحاوي في " مشكل الآثار " (٣/٢٦٨) وسنده صحيح، ولا يخالفه أنه أخرجه أيضا من طريق معتمر بن سليمان قال: سمعت أيوب يحدث عن محمد عن أبي هريرة مرفوعا به.
لأن الراوي قد يرفع الحديث تارة ويوقفه أخرى فهو صحيح مرفوعا وموقوفا.
وأما الموضع الثالث: فقد ثبت في حديث هشام بن حسان المتقدم ذكر التراب بلفظ:
стр. 1544
" طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب ".
وهذا أولى من حديث عبد الملك عن عطاء لوجوه:
الأول: أن إسناده أصح من إسناد عبد الملك كما سبق في كلام الحافظ.
الثاني: أنه قد جاء مرفوعا من طريق هشام به.
أخرجه مسلم وأبو عوانة في " صحيحيهما " وغيرهما كما بينته في " صحيح أبي داود " (رقم ٦٤) .
وجاء ذكر التراب مع التسبيع من طريقين آخرين عن أبي هريرة.
أخرجهما الدارقطني وقال في أحدهما: هذا صحيح، وهو كما قال.
وله طريق رابعة عند البزار ذكرتها في المصدر السابق.
الثالث: أن له شاهدا من حديث عبد الله بن مغفل مرفوعا بلفظ:
" إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة في التراب ".
وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو عوانة في " صحيحيهما " وابن الجارود في " المنتقى " (رقم ٥٣) وغيرهم، وقال ابن منده:
إسناد مجمع على صحته، انظر " صحيح أبي داود " (رقم ٦٧) .
وأما التسبيع وحده فله طرق كثيرة جدا عن أبي هريرة تكاد تكون متواترة، فقد أخرج مسلم وأبو عوانة أربعا منها، وسبق أربع أخرى في التتريب فهي ثمان، فإذا انضم إليها حديث عبد الله بن عمر عند ابن ماجه (١/١٤٩) بسند صحيح، وحديث عبد الله بن مغفل المذكور آنفا، فالمجموع عشر طرق عن ثلاثة من الأصحاب، فهل يبقى بعد هذا البيان أدنى شك لدى أي منصف في كون حديث أبي هريرة في التثليث شاذا، بل منكرا كما وصفه ابن عدي، بل باطلا كما هو ظاهر؟ !
وخلاصة القول: إن الذي روي عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا من التثليث مع ترك
стр. 1545
ذكر التتريب لا يصح من قبل إسناده، بل هو باطل لمخالفته ما ثبت عنه يقينا مرفوعا من التسبيع والتتريب، مع ثبوت ذلك عنه موقوفا، فهو الذي يجب الاعتماد عليه في هذه المسألة لا سيما وقد شهد له حديث عبد الله بن مغفل وحديث عبد الله بن عمر، وإن من عجائب الحنفية أيضا أنهم استجازوا معارضة كل هذه الطرق عن أبي هريرة، والشواهد المذكورة بطريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة وهي وحيدة استجازوا ذلك إحسانا منهم للظن به ﵁، وهو غير ثابت عنه!، وغفلوا عن أن ذلك يستلزم إساءة الظن به بالنظر إلى
الروايات الثابتة عنه بالتسبيع، وبمن وافقه من الصحابة ﵃ أجمعين!!
١٠٣٨ - " لكم (يعني الجن) كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم ".
أخرجه مسلم (٢/٣٦) وابن خزيمة في " صحيحه " (رقم ٨٢) والبيهقي (١/١٠٨ - ١٠٩) من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن داود عن عامر قال:
سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أواغتيل، قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل (حراء) ، قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم.
وسألوه الزاد، فقال: فذكره، فقال رسول الله ﷺ : فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم من الجن ".
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، ولكنه معلول بعلتين: