الثاني: روايته بلفظ " ثلاث "، وإنما هو بلفظ " سبع ".
الثالث: لم يذكر فيه الترتيب، وهو ثابت، إلا أن الخطأ الأول يترجح عندي أنه من بعض الرواة عنه وإليك البيان:
أما الأول: فقد رواه الكرابيسي عن إسحاق الأزرق عن عبد الملك بسنده مرفوعا كما تقدم، وقال ابن عدي:
لم يرفعه غير الكرابيسي.
قلت: والكرابيسي هذا وإن كنا نقطع أنه وهم في رفع هذا الحديث عن إسحاق الأزرق كما يشير إلى ذلك كلام ابن عدي المذكور فإنا لم نجد فيها ذكروه فيه من أقوال الأئمة ما يمكن جرحه به، إلا قول ابن الجوزي هنا: لا يحتج بحديثه، فإن كان يعني جملة حديثه كما هو ظاهر عبارته، فهو جرح غير مقبول من مثله، لأنه مما لم يسبق إليه من أحد من الأئمة المتقدمين، ولأنه جرح مبهم غير مفسر، وما كان كذلك فلا يعتد به، كما هو مقرر في " المصطلح "، وإن كان يعني بذلك حديثه هذا، فهو كما قال، فإذن الرجل في نفسه ثقة، والأصل في مثله أن يحتج بحديثه، إلا ما ثبت وهمه فيه فيرد، ومن الثابت أنه وهم في هذا الحديث، فقد رواه عمر بن شبة عن إسحاق الأزرق موقوفا كما سبق، وعمر بن شبة ثقة مثل الكرابيسي أوخير منه، فقد صرح جماعة من الأئمة بتوثيقه كالدارقطني والخطيب وغيرهما ولم يتكلم فيه أحد بسوء، وتترجح روايته على رواية الكرابيسي بمتابعة سعدان بن نصر إياه، واسمه سعيد والغالب عليه سعدان، قال أبو حاتم:
صدوق، ووثقه الدارقطني، وأخرج متابعته هذه في " السنن " (ص ٢٤) .
وإن مما يؤيد أن رفعه وهم، وأنه ليس من عبد الملك أنه رواه عبد السلام بن حرب عند الطحاوي (١/١٣) وأسباط بن محمد عند الدارقطني كلاهما عن عبد الملك عن عطاء عن أبي هريرة موقوفا، وقال الدارقطني:
هذا موقوف، ولم يروه هكذا غير عبد الملك عن عطاء، وعبد السلام بن حرب وأسباط بن محمد ثقتان حجتان، فإذا انضم إليهما إسحاق
стр. 1542
الأزرق وهو ثقة أيضا، من رواية عمر بن شبة وسعدان عنه تبين بوضوح أن المحفوظ في هذه الطريق الوقف، وأن رفعه من الكرابيسي عن الأزرق وهم منه عليه، فلا تغتر بعد هذا البيان بقول أحد المتأخرين في كتابه " معارف السنن " (١/٣٢٥) :
وبالجملة هذا المرفوع صحيح أوحسن، فإن ذلك منه جري على ظاهر حال رجال إسناده وهو كونهم ثقاتا، دون اكتراث منه إلى ضرورة توفر بقية شروط الحديث الصحيح فيه التي منها أن لا يشذ ولا يعل! وما يحمله على ذلك إلا الانتصار للمذهب، ولو على حساب الحديث الصحيح! نسأل الله السلامة، ثم وقفت على عجيبة أخرى من التعصب، فإن المؤلف المشار إليه بعد تلك الكلمة أحال فيما سماه بـ " البحث الشافي " إلى مصادر لبعض الحنفية المتعصبة، منها " البحر الرائق " لابن نجيم المصري، فلما رجعت إليه فإذا به يخالف المؤلف المشار إليه فيما ذهب إليه من التصحيح، فإنه سلم بضعف هذا الحديث المرفوع، ولكن قواه بالحديث الموقوف!!
وتفصيل هذه العجيبة أنه قال ما معناه:
روي عن أبي هريرة فعلا وقولا، مرفوعا وموقوفا من طريقين: الأولى طريق الدارقطني الموقوفة، والأخرى المرفوعة هذه.
ووجهها أن ما سماه بالطريقين مدارهما على عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة، فهي طريق واحدة، وإنما بعض الرواة وهم على عبد الملك فرفعه كما سبق تحقيقه، فالطريق إذا واحدة وبناء على هذا التقسيم الخيالي قال ابن نجيم:
ومن المعلوم أن الحكم بالضعف والصحة إنما هو في الظاهر، أما في نفس الأمر فيجوز صحة ما حكم بضعفه ظاهرا، وثبوت كون مذهب أبي هريرة ذلك؛ قرينة تفيد أن هذا مما أجاده الراوي المضعف، وحينئذ يعارض حديث السبع يعني المتفق على صحته! ويقدم عليه!
قلت: ولا يخفى بطلان هذا الكلام على ذي إنصاف وعلم، وأما المتعصب الهالك في تعصبه فلا تفيده الأدلة ولوأتيته بك آية! وبيان ما ذكرت من البطلان من وجوه: يأتي
стр. 1543
ذكرها فيما بعد لأني أريد أن أتابع الكلام على الخطأين الآخرين فأقول:
وأما الموضع الثاني، وهو أن عبد الملك رواه عن عطاء عن أبي هريرة موقوفا بلفظ " ثلاث "، فقد خالفه حماد بن زيد عن أيوب عن محمد وهو ابن سيرين عن أبي هريرة قال في الكلب يلغ في الإناء؛ قال: يهراق ويغسل سبع مرات.
أخرجه الدارقطني (ص ٢٤) وقال:
صحيح موقوف.
وعلقه البيهقي (١/٢٤٢) عن حماد، ثم قال: وفي ذلك دلالة على خطأ رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة في الثلاث، وعبد الملك لا يقبل منه ما يخالف فيه الثقات.
وقال الحافظ في " الفتح " (١/٢٢٢) .
ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد، ومن حيث النظر، أما النظر فظاهر، وأما الإسناد، فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه، وهذا من أصح الأسانيد، وأما المخالفة فمن رواية عبد الملك ... وهو دون الأول في القوة بكثير.
قلت: ولعله مما يؤيد أرجحية رواية حماد بن زيد عن أيوب أنه قد رواه هشام بن حسان عن محمد بن سيرين مثله.
أخرجه الطحاوي في " مشكل الآثار " (٣/٢٦٨) وسنده صحيح، ولا يخالفه أنه أخرجه أيضا من طريق معتمر بن سليمان قال: سمعت أيوب يحدث عن محمد عن أبي هريرة مرفوعا به.
لأن الراوي قد يرفع الحديث تارة ويوقفه أخرى فهو صحيح مرفوعا وموقوفا.
وأما الموضع الثالث: فقد ثبت في حديث هشام بن حسان المتقدم ذكر التراب بلفظ:
стр. 1544
" طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب ".
وهذا أولى من حديث عبد الملك عن عطاء لوجوه:
الأول: أن إسناده أصح من إسناد عبد الملك كما سبق في كلام الحافظ.
الثاني: أنه قد جاء مرفوعا من طريق هشام به.
أخرجه مسلم وأبو عوانة في " صحيحيهما " وغيرهما كما بينته في " صحيح أبي داود " (رقم ٦٤) .
وجاء ذكر التراب مع التسبيع من طريقين آخرين عن أبي هريرة.
أخرجهما الدارقطني وقال في أحدهما: هذا صحيح، وهو كما قال.
وله طريق رابعة عند البزار ذكرتها في المصدر السابق.
الثالث: أن له شاهدا من حديث عبد الله بن مغفل مرفوعا بلفظ:
" إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة في التراب ".
وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو عوانة في " صحيحيهما " وابن الجارود في " المنتقى " (رقم ٥٣) وغيرهم، وقال ابن منده:
إسناد مجمع على صحته، انظر " صحيح أبي داود " (رقم ٦٧) .
وأما التسبيع وحده فله طرق كثيرة جدا عن أبي هريرة تكاد تكون متواترة، فقد أخرج مسلم وأبو عوانة أربعا منها، وسبق أربع أخرى في التتريب فهي ثمان، فإذا انضم إليها حديث عبد الله بن عمر عند ابن ماجه (١/١٤٩) بسند صحيح، وحديث عبد الله بن مغفل المذكور آنفا، فالمجموع عشر طرق عن ثلاثة من الأصحاب، فهل يبقى بعد هذا البيان أدنى شك لدى أي منصف في كون حديث أبي هريرة في التثليث شاذا، بل منكرا كما وصفه ابن عدي، بل باطلا كما هو ظاهر؟ !
وخلاصة القول: إن الذي روي عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا من التثليث مع ترك
стр. 1545
ذكر التتريب لا يصح من قبل إسناده، بل هو باطل لمخالفته ما ثبت عنه يقينا مرفوعا من التسبيع والتتريب، مع ثبوت ذلك عنه موقوفا، فهو الذي يجب الاعتماد عليه في هذه المسألة لا سيما وقد شهد له حديث عبد الله بن مغفل وحديث عبد الله بن عمر، وإن من عجائب الحنفية أيضا أنهم استجازوا معارضة كل هذه الطرق عن أبي هريرة، والشواهد المذكورة بطريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة وهي وحيدة استجازوا ذلك إحسانا منهم للظن به ﵁، وهو غير ثابت عنه!، وغفلوا عن أن ذلك يستلزم إساءة الظن به بالنظر إلى
الروايات الثابتة عنه بالتسبيع، وبمن وافقه من الصحابة ﵃ أجمعين!!
١٠٣٨ - " لكم (يعني الجن) كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم ".
أخرجه مسلم (٢/٣٦) وابن خزيمة في " صحيحه " (رقم ٨٢) والبيهقي (١/١٠٨ - ١٠٩) من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن داود عن عامر قال:
سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أواغتيل، قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل (حراء) ، قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم.
وسألوه الزاد، فقال: فذكره، فقال رسول الله ﷺ : فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم من الجن ".
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، ولكنه معلول بعلتين:
стр. 1546
الأولى: إن قوله: " وسألوه الزاد ... " إلخ مدرج في الحديث ليس من مسند ابن مسعود بل هو عن الشعبي قال: وسألوه الزاد إلخ، فهو مرسل، كما بينه البيهقي بقوله عقبه:
رواه مسلم في " الصحيح " هكذا، ورواه عن علي بن حجر عن إسماعيل بن إبراهيم عن داود بن أبي هند بهذا الإسناد إلى قوله: وآثار نيرانهم، قال الشعبي:
وسألوه الزاد، وكانوا من جن الجزيرة، إلى آخر الحديث من قول الشعبي مفصلا من حديث عبد الله.
قلت: هكذا هو في " الصحيح " عقب رواية عبد الأعلى المتقدمة، وهكذا رواه الترمذي في " سننه " (٤/١٨٣) قال: حدثنا علي بن حجر به، إلا أنه قال:
" كل عظم لم يذكر اسم الله عليه " كما يأتي بيانه في " العلة الأخرى " وكذلك رواه البيهقي بسندين له عن علي بن حجر به، إلا أنه لم يسق لفظه، وإنما أحال فيه على لفظ عبد الأعلى فكأنه عنده بلفظه: " كل عظم ذكر ... ". ثم قال:
ورواه محمد بن أبي عدي عن داود إلى قوله: " وآثار نيرانهم "، ثم قال: قال داود: ولا أدري في حديث علقمة أوفي حديث عامر أنهم سألوا رسول الله ﷺ تلك الليلة الزاد فذكره.
ثم ساق البيهقي إسناده إلى محمد بن أبي عدي به، ثم قال:
ورواه جماعة عن داود مدرجا في الحديث من غير شك.
ورواية إسماعيل بن علية قد أخرجها الإمام أحمد أيضا مقرونا مع رواية غيره من الثقات فقال: (٤١٤٩) : حدثنا إسماعيل: أخبرنا داود وابن أبي زائدة - المعنى - قالا: حدثنا داود به مثل رواية إسماعيل عند مسلم.
وتابعهما يزيد بن زريع قال: حدثنا داود بن أبي هند به.
أخرجه أبو عوانة في " صحيحه " (١/٢١٩) ، وأخرجه الطيالسي أيضا في
стр. 1547
" مسنده " (١/٤٧) لكنه أدرجه في الحديث ولم يفصله عنه! وقد قرن بروايته وهيب بن خالد ثم أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن إدريس عن داود به إلى قوله: " وآثار نيرانهم "، ولم يذكر ما بعده إطلاقا.
وجملة القول: إن أصحاب داود بن أبي هند اختلفوا عليه في هذه الزيادة على وجوه: الأول: أنها من مسند ابن مسعود، كذلك رواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى ووهيب ابن خالد، وكذا يزيد بن زريع وعبد الوهاب بن عطاء في إحدى الروايتين عنهما.
الثاني: أنها من مرسل الشعبي، وليس من مسند ابن مسعود، جزم بذلك عن داود إسماعيل بن علية وابن أبي زائدة، ويزيد بن زريع في الرواية الأخرى عنه.
ويمكن أن يلحق بهؤلاء عبد الله بن إدريس فإنه لم يذكرها أصلا كما سبق، ولو كانت عنده من مسند ابن مسعود لذكرها إن شاء الله تعالى.
الثالث: أن داود شك في كونها من مسند ابن مسعود، أومن مرسل الشعبي، كذلك رواه عنه محمد بن أبي عدي وعبد الوهاب بن عطاء في الرواية الأخرى عنه.
ولا يخفى على الخبير بهذا العلم الشريف أن هذا الاختلاف إنما يدل على أن المختلف عليه وهو داود بن أبي هند لم يضبط هذا الحديث ولم يحفظه جيدا، ولذلك اضطرب فيه على الوجوه الثلاثة التي بينتها، ولا يمكن أن يكون ذلك من الرواة عنه لأنهم جميعا ثقات، فكل روى ما سمع منه، وإذا كان كذلك فالاضطراب دليل على ضعف الحديث كما هو مقرر في علم مصطلح الحديث لأنه يشعر بأن راويه لم يحفظه.
стр. 1548
هذا ما تحرر لدي أخيرا، وأما الدارقطني فقد أعله بالإرسال فقال كما في " شرح مسلم " للنووي:
انتهى حديث ابن مسعود عند قوله: " فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم "، وما بعده من قول الشعبي، كذا رواه أصحاب داود الراوي عن الشعبي: ابن علية وابن زريع، وابن أبي زائدة وابن إدريس وغيرهم. هكذا قال الدارقطني وغيره،
ومعنى قوله: إنه من كلام الشعبي أنه ليس مرويا عن ابن مسعود بهذا الحديث، وإلا فالشعبي لا يقول هذا الكلام إلا بتوقيف عن النبي ﷺ . والله أعلم.
قلت: قول الشعبي: " وسألوه الزاد ... " صريح في رفعه إلى النبي ﷺ فلا داعي لقول النووي: " فالشعبي لا يقول ... " إلخ. فإن مثل هذا إنما يقال فيما ظاهره الوقف كما لا يخفى.
العلة الأخرى: الاضطراب في متنه أيضا على داود، فعبد الأعلى يقول عنه:
كل عظم ذكر اسم الله عليه " وتابعه على ذلك إسماعيل بن علية وابن أبي زائدة عند أحمد وعبد الوهاب بن عطاء عند الطحاوي.
وخالف هؤلاء وهيب بن خالد ويزيد بن زريع عند الطيالسي وعند أبي عوانة عن يزيد وحده فقالا: " كل عظم لم يذكر اسم الله عليه ".
واختلفوا على إسماعيل بن علية فرواه أحمد عنه كما سبق، وتابعه علي بن حجر عن إسماعيل عند مسلم، وخالفه الترمذي فقال: حدثنا علي بن حجر به باللفظ الثاني: " لم يذكر.. ".
وهذا الاختلاف على داود في ضبط متن الحديث مما يؤكد ضعفه، وأن داود لم يكن قد حفظه.
ثم رجعت إلى ترجمته من " التهذيب " فوجدت بعض الأئمة قد صرحوا بهذا الذي ذكرته فيه، فقال ابن حبان:
стр. 1549
كان من خيار أهل البصرة، من المتقنين في الروايات، إلا أنه كان يهم إذا حدث من حفظه.
وقال أحمد:
" كان كثير الاضطراب والخلاف ".
قلت: واضطراب داود في هذا الحديث من أقوى الأدلة على هذا الذي قاله فيه الإمام أحمد، فرحمه الله، وجزاه خيرا، ما كان أعلمه بأحوال الرجال!
وخلاصة الكلام في هذا الحديث أنه ضعيف للاضطراب في سنده ومتنه، ولم أجد له شاهدا نقويه به، بل هو مخالف بظاهره لحديث أبي هريرة: " أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال:
من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة فقال: ابغني أحجارا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة " فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي، حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت معه، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين - ونعم الجن - فسألوني الزاد، فدعوت الله أن لا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعما، وفي لفظ: طعاما ".
أخرجه البخاري (٧/١٣٦) والطحاوي (١/٧٤) والبيهقي (١/١٠٧ - ١٠٨) .
قلت: ووجه المخالفة أن ظاهره أن العظم والروثة زاد وطعام للجن أنفسهم، وليس شيء من ذلك لدوابهم، والتوفيق بينه وبين حديث ابن مسعود بحمل الطعام فيه على طعام الدواب كما فعل الحافظ في " الفتح " وتبعه الصنعاني في " سبل السلام " (١/١٢٣) ، لا بأس به لوثبت حديث ابن مسعود بإسناد آخر بلفظ يغاير بظاهره اللفظ السابق، وهو:
أولئك جن نصيبين سألوني المتاع - والمتاع الزاد - فمتعتهم بكل عظم حائل،
стр. 1550
أو بعرة أو روثة، فقلت: يا رسول الله، وما يغني ذلك عنهم؟ قال: إنهم لن يجدوا عظما، إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت، فلا يستنقين أحد منكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة.
أخرجه ابن جرير في " تفسيره " (٢٦/٣٢ ـ طبع البابي الحلبي) عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي أنه قال لابن مسعود: حدثت أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن، قال: أجل، قال: فكيف كان؟
فذكر الحديث كله، وذكر أن النبي ﷺ خط عليه خطا وقال: لا تبرح منها، فذكر أن مثل العجاجة السوداء غشيت رسول الله ﷺ ، فذعر ثلاث مرات، حتى إذا كان قريبا من الصبح، أتاني رسول الله ﷺ فقال: أنمت؟ قلت: لا والله، ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول: اجلسوا، قال: لوخرجت لم آمن أن يختطفك بعضهم، ثم قال: هل رأيت شيئا؟ قال: نعم رأيت رجالا سودا مستشعري ثياب بيض، قال: فذكره.
قلت: وهذا سند ضعيف، رجاله كلهم ثقات معروفون، غير عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي، أورده ابن أبي حاتم (٢/٢/١١٧) وقال:
روى عن جابر بن عبد الله، روى عنه قتادة وأبو بشر جعفر بن إياس.
ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، ومثله يورده ابن حبان في " الثقات "، ولست بطائله الآن حتى أتأكد من أنه أورده أولا. وقد ذكر الحافظ في ترجمة أبيه من " التهذيب " أنه كان من كبار رجال معاوية، وكان أميرا له على البصرة.
ثم رأيته في " الثقات " (٧/٥١) ، ذكره فيمن روى عن التابعين، فقال: يروي عن كعب، وعنه قتادة، وحقه أن يورده في التابعين لتصريحه في هذا الحديث أنه لقي ابن مسعود وسمع منه، وفيه أنه رواه عنه يحيى بن أبي كثير، فقد روى عنه ثلاثة من الثقات، فمثله يحسن بعضهم حديثه، ولا أقل من أن يستشهد به، فلعله لذلك لما ذكره ابن كثير في " تفسيره " (٤/١٦٥) من طريق ابن جرير سكت عليه.
стр. 1551
وذكره الزيلعي في " نصب الراية " (١/١٤٤ - ١٤٥) من رواية أبي نعيم في " دلائل النبوة " عن الطبراني بسنده إلى معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عمرو بن غيلان الثقفي قال:
أتيت عبد الله بن مسعود فقلت له: حدثت أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن ... الحديث، وعزاه الصنعاني في " السبل " وتبعه الشوكاني في " النيل " (١/٨٥) لأبي عبد الله الحاكم في " دلائل النبوة " فإن عنى " دلائل النبوة " من " المستدرك " فليس فيه، والله أعلم.
ورواه الدارقطني في " سننه " (ص ٢٩) من وجه آخر عن معاوية بن سلام به مختصرا إلا أنه قال: فلان بن غيلان وقال:
مجهول، قيل: اسمه عمرو، وقيل: عبد الله بن عمرو بن غيلان.
وبه أعله الزيلعي، فقال عقب رواية الطبراني:
وفي سنده رجل لم يسم، ولا يخفى أن هذا القول غير مستقيم بالنسبة لرواية الطبراني، فلوعزاه للدارقطني ثم ذكره عقبه لأصاب.
وللحديث طريق أخرى، يرويه أبو فزارة عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث المخزومي عن عبد الله بن مسعود به، نحوه وفيه:
قد زودتهم الرجعة، وما وجدوا من روث وجدوه شعيرا، وما وجدوه عظم وجدوه كاسيا، أخرجه أحمد (رقم ٣٤٨١) ، وأبو زيد هذا قال الذهبي:
لا يعرف، قال البخاري في " الضعفاء ": لا يصح حديثه - يعني هذا - وقال أبو أحمد الحاكم: رجل مجهول، قلت: ما له سوى حديث واحد.
قلت: يعني هذا، وهو مخرج في " ضعيف أبي داود " (رقم ١٠) زيادة على ما هنا
стр. 1552
وقد جاء مختصرا من طريق عبد الله بن الديلمي عن ابن مسعود قال:
قدم وفد من الجن على رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد! انه أمتك أن يستنجوا بعظم أوروثة أوحممة، فإن الله جعل لنا فيها رزقا، قال: فنهى النبي ﷺ .
أخرجه أبو داود وغيره بسند صحيح، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " رقم (٢٩) ومن طريق موسى بن علي بن رباح قال: سمعت أبي يقول: عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ أتاه ليلة الجن ومعه عظم حائل، وبعرة، وفحمة، فقال:
" لا تستنجين بشيء من هذا إذا خرجت إلى الخلاء ".
أخرجه أحمد (١/٤٥٧) والدارقطني (١/٥٦/٧) والبيهقي (١/١٠٩ - ١١٠) وأعلاه بعدم ثبوت سماع علي من ابن مسعود، ورده عليه ابن التركماني في " الجوهر النقي " فراجعه.
ورواه عبد الله بن صالح: حدثني موسى بن علي به أتم منه.
أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٩١٥٨ - بترقيمي) وقال:
لم يروعلي بن رباح عن ابن مسعود حديثا غير هذا.
قلت: وهو ثقة كابنه، فإن كان سمعه من ابن مسعود فهو صحيح من الوجه الأول.
وأما عبد الله بن صالح، ففيه ضعف، وبه أعله الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/٢١٠) .
وبالجملة فالحديث مشهور عن ابن مسعود كما قال الحافظ في " التلخيص " (١/١٠٩) ، فهو صحيح عنه قطعا، لكن في بعض طرقه ما ليس في البعض الآخر، وقد تبين من مجموع ما أخرجنا منها أن رواية مسلم المتقدمة عن داود بن أبي هند صحيحة بتمامها إلا قوله في حديث الترجمة: " علف لدوابكم " وجملة: " اسم الله " على وجهيها، لخلوها عن شاهد، واضطراب داود في ذلك وصلا وإرسالا. ومن أجل ذلك خرجته هنا، والله أعلم.
стр. 1553
١٠٣٩ - " التوبة تجب ما قبلها ".
لا أعرف له أصلا.
خلافا لما يشعره صنيع الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: " فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا "، قال (٣/١٢٩) : وذلك لأن التوبة تجب ما قبلها، وفي الحديث الآخر: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له ".
فقوله: الحديث الآخر يعطي أن الذي قبله حديث، فهو في تعبيره الحديث الأول، ولذلك تورط بكلامه هذا الشيخ الرفاعي فأورده في فهرس " الحديث الشريف "! من " مختصره " (٢/٦١٩) ، وليس هذا فقط بل ووضع بجانبه قوله: صح!! وكذلك فعل في الحديث الآخر، وهذا الخطب فيه سهل، فإنه معروف في بعض كتب السنة، وقد حسنته في " صحيح الجامع الصغير " (٣٠٠٥) بخلاف هذا فإني لا أعرف له أصلا البتة، ومع ذلك فقد صححه المذكور، هداه الله.
وفي ظني أن الحديث التبس أمره على ابن كثير ومختصره بالحديث الصحيح: " إن الإسلام يجب ما كان قبله، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها " زاد في رواية:
" وإن الحج يهدم ما كان قبله "، وهو مخرج في " الإرواء " (١٢٨٠) .
стр. 1554
١٠٤٠ - " كان الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا قام المصلي يصلي، لم يعد بصر أحدهم موضع قدميه، فلما توفي رسول الله ﷺ ، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع جبينه، فتوفي أبو بكر، وكان عمر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي، لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة، وكان عثمان ابن عفان، فكانت الفتنة، فتلفت الناس يمينا وشمالا ".
منكر.
أخرجه ابن ماجه (١/٥٠١ - ٥٠٢) والطبراني في " الأوسط " (رقم - ٩٢٥٨ - مصورتي) عن محمد بن إبراهيم بن المطلب بن السائب بن أبي وداعة السهمي: حدثني موسى بن عبد الله بن أبي أمية المخزومي: حدثني مصعب بن عبد الله عن أم سلمة بنت أبي أمية زوج النبي ﷺ أنها قالت: فذكره، وقال الطبراني:
стр. 1555
لا يروى عن أم سلمة إلا بهذا الإسناد.
قلت: وهو ضعيف، وله علتان:
الأولى: موسى بن عبد الله بن أبي أمية، أشار الذهبي إلى جهالته بقوله:
تفرد عنه محمد بن إبراهيم بن المطلب.
وصرح بذلك الحافظ في " التقريب " فقال: مجهول.
وهذا معنى قول المنذري في " الترغيب " (١/١٩٢) :
رواه ابن ماجه بإسناد حسن، إلا أن موسى بن عبد الله لم يخرج له من الستة غير ابن ماجه، ولا يحضرني فيه جرح ولا تعديل.
ونقله عنه البوصيري: محمد بن إبراهيم هذا، فيه جهالة، فإنه لم يرو عنه سوى اثنين، ولم يوثقه أحد غير ابن حبان، ولذلك لم يوثقه الحافظ، بل قال فيه:
مقبول، يعني عند المتابعة، وإلا فلين الحديث، كما نص عليه في المقدمة، وقد تفرد بهذا الحديث ولا يعرف إلا من طريقه، فهو غير مقبول.
فتبين مما سبق أن الحديث منكر إسنادا، وهو منكر أيضا متنا عندي، وبيان هذا من وجهين:
الأول: أنه يدل على أن السنة أن ينظر القائم في صلاته موضع قدميه، وهذا خلاف المعروف الثابت عنه ﷺ أنه كان إذا صلى طأطأ رأسه، ورمى ببصره نحوالأرض، وفي حديث آخر أنه ﷺ لما دخل الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها (١) .
стр. 1556
والآخر: أنه دل على أن الصحابة بعد وفاته ﷺ قد خالفوا سنته ﷺ إلى شيء آخر، وهذا مستبعد جدا عن الصحابة إن لم يكن مستحيلا عادة، والله أعلم.
تنبيه: إيراد الحافظ المنذري هذا الحديث في " الترغيب والترهيب " مما لا يتناسب مع موضوع كتابه، لأنه ليس فيه شيء من معنى " الترغيب والترهيب " وقد نص هو في المقدمة على أنه لم يذكر فيه ما كان من أفعال النبي ﷺ المجردة عن زيادة نوع من موضوع كتابه إلا نادرا، في ضمن باب أونحوه.
فهذا من النادر، اللهم إلا أن يكون أورده من أجل ما في آخره من تلفت الناس يمينا وشمالا بعد الفتنة، وحينئذ فليس له علاقة بالترهيب المرفوع، فتأمل.
١٠٤١ - " من قال حين يصبح أويمسي: اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك، وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت، وأن محمدا عبدك ورسولك أعتق الله ربعه من النار، فمن قالها مرتين أعتق الله نصفه، ومن قالها ثلاثا أعتق الله ثلاثة أرباعه، فإن قالها أربعا أعتقه الله من النار ".
ضعيف.
أخرجه أبو داود (٢/٦١٢) عن عبد الرحمن بن عبد المجيد عن هشام بن الغاز بن ربيعة عن مكحول الدمشقي عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: فذكره.
قلت: وهذا سند ضعيف، وله علتان:
الأولى: عبد الرحمن بن عبد المجيد لا يعرف كما في " الميزان " وقال الحافظ في " التقريب ": مجهول.
الأخرى: أنهم اختلفوا في سماع مكحول من أنس، فأثبته أبو مسهر، ونفاه البخاري، فإن ثبت سماعه منه فالعلة عنعنة مكحول فقد قال ابن حبان:
стр. 1557
ربما دلس.
وللحديث طريق أخرى عن أنس، فقال البخاري في " الأدب المفرد " (رقم ١٢٠١) :
حدثنا إسحاق قال: حدثنا بقية عن مسلم بن زياد مولى ميمونة زوج النبي ﷺ قال: سمعت أنس بن مالك قال: فذكره.
وكذلك رواه ابن السني في " عمل اليوم والليلة " (رقم ٦٨) عن النسائي، وهذا في " العمل " أيضا رقم (٩) : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم به، إلا أنه وقع فيه: بقية بن الوليد: حدثني مسلم بن زياد.
فصرح بقية بالتحديث، وما أراه محفوظا، ولعله خطأ من بعض النساخ، فإن الطريق مدارها كما ترى على إسحاق بن إبراهيم، وهو ابن راهويه، فالبخاري قال في روايته: (عن) ، وهو الصواب، فقد أخرجه أبو داود (٢/٦١٥) والترمذي (٤/٢٥٨) (١) من طريقين آخرين صحيحين عن بقية عن مسلم بن زياد به نحوه وزاد بعد قوله: " لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ".
وهي عند النسائي أيضا، وقالا بدل قوله: " أعتق الله ربعه ... " " إلا غفر الله له ما أصاب في يومه ذلك، وإن قالها حين يمسي غفر الله له ما أصاب في تلك الليلة من ذنب ".
فلهذه الطريق علتان أيضا:
إحداهما: عنعنة بقية، فإنه كان معروفا بالتدليس.
والأخرى: جهالة مسلم بن زياد هذا، قال ابن القطان: حاله مجهول.
стр. 1558
وقال الحافظ في " التقريب ": مقبول، يعني عند المتابعة، وإلا فلين الحديث كما تقدم مرارا.
ولا يقال: ينبغي أن يكون هنا مقبولا لمتابعة مكحول إياه، لأننا نقول: يمنع من ذلك أمور:
الأول: أن مكحولا قد رمي بالتدليس ورواه بالعنعنة كما سبق، فيحتمل أن يكون بينه وبين أنس مسلم بن زياد هذا أوغيره فيرجع الطريقان حينئذ إلى كونهما من طريق واحدة، لا يعرف تابعيها عينا أوحالا، فمن جود إسناده أوحسنه لعله لم يتنبه لهذا.
الثاني: أن الطريق إلى مسلم بن زياد لا تصح لعنعنة بقية كما عرفت.
الثالث: أنهم اختلفوا عليه في لفظ الحديث، فإسحاق رواه عنه مثل رواية مكحول، والطريقان الآخران روياه عنه بلفظ: " إلا غفر الله له ... " كما تقدم، فهذا اضطراب يدل على أن الحديث غير محفوظ، وكأنه من أجل ذلك كله، لم يصححه الترمذي، بل ضعفه بقوله: حديث غريب.
وأما ما نقله المنذري في " الترغيب " (١/٢٢٧) عن الترمذي أنه قال:
حديث حسن، فهو وهم أو نسخة، ومثله وأغرب منه نقل ابن تيمية في " الكلم الطيب " (ص ١١) عنه:
حديث حسن صحيح!.
стр. 1559
١٠٤٢ - " كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك ".
ضعيف.
أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (رقم ٢٧١) والترمذي (٤/٢٤٥) وابن السني في " عمل اليوم والليلة " (رقم ٢٩٨) وكذا النسائي (٩٢٧ و٩٢٨) والحاكم (٤/٢٨٦) والبيهقي (٣/٣٦٢) وأحمد (٢/١٠٠ - ١٠١) كلهم عن طريق أبي مطر عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه مرفوعا، وقال الترمذي:
حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وأما الحاكم فقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي!
ونقل ابن علان شارح " الأذكار " (٤/٢٨٤) عن ابن الجزري أنه قال في " تصحيح المصابيح ": ورواه النسائي في " عمل اليوم والليلة " والحاكم وإسناده جيد، وله طرق، وعن الحافظ أنه قال - يعني في " تخريج الأذكار " - متعقبا على النووي تضعيفه للحديث:
أخرجه أحمد وأخرجه الحاكم من طرق متعددة (بينها الحافظ ثم قال:) فالعجب من الشيخ يطلق الضعف على هذا وهو متماسك، ويسكت عن حديث ابن مسعود أي السابق فيما يقول إذا انقض الكوكب وقد تفرد به من اتهم بالكذب (١) .
قلت: لا شك أن سكوت النووي ﵀ عن الحديث المشار إليه، مما لا يحسن من مثله، غير أن إطلاقه التضعيف على هذا الحديث فهو مما لا غبار عليه، ذلك لأن مداره عندهم جميعا على أبي مطر هذا، وهو كما قال الذهبي نفسه في " الميزان ": لا يدرى من هو، ومثله قول الحافظ في التقريب: مجهول.
стр. 1560
فأنى لحديث مثله الصحة أوالجودة أوالتماسك؟ !
وأما الطرق المتعددة التي عزاها الحافظ للحاكم، فلا أدري أين أخرجها من كتابه " المستدرك "، فإنه لم يذكر في المكان الذي سبقت الإشارة إليه إلا طريق أبي مطر الوحيدة هذه، ومن المؤسف أن الشارح ابن علان اكتفى بقوله: بينها الحافظ ولم يبين ذلك لنطلع عليه، فإني في شك كبير أن يكون للحديث طرق متعددة خاصة في " مستدرك الحاكم "، فإني قد بحثت عنه في عدة مواضع مظنونة منه، فلم أعثر عليه إلا في الموضع الذي سبقت الإشارة إليه، وهو في " كتاب الأدب " منه، والله أعلم.
ثم رجعت إلى فهرسي الذي وضعته لـ " المستدرك " أخيرا فلم يدلني إلا على الموضع المشار إليه، والله أعلم.
تنبيه: لقد اغتر المناوي في " الفيض " بكلام ابن حجر الذي نقله ابن علان، ولذلك قال في " التيسير ": وبعض أسانيده صحيح، وبعضها ضعيف، وقلده في ذلك الشيخ الغماري في " الكنز الثمين " فأورده فيه برقم (٢٦٧١) ، وقد زعم في مقدمته: أنه جرد فيه الأحاديث الثابتة في " الجامع الصغير "!
١٠٤٣ - " قولي لها تتكلم، فإنه لا حج لمن لم يتكلم ".
ضعيف.
أخرجه ابن حزم في " المحلى " (٧/١٩٦) من طريق عبد السلام بن عبد الله بن جابر الأحمسي عن أبيه عن زينب بنت جابر الأحمسية: أن رسول الله ﷺ قال لها في امرأة حجت معها مصمتة: فذكره.
قلت: وهذا سند ضعيف، وعلته عبد الله بن جابر الأحمسي وابنه عبد السلام.
قال ابن القطان: لا يعرف هو ولا ابنه، وليس له إلا حديث واحد، ولا روى عنه إلا ابنه، نقله في " الميزان ".
стр. 1561
١٠٤٤ - " كان يرفع يديه عند التكبير في كل صلاة وعلى الجنائز ".
ضعيف جدا.
رواه الطبراني في " الأوسط " (رقم ـ ٨٥٨٤ مصورتي) عن عباد بن صهيب: حدثنا عبد الله بن محرر عن نافع عن ابن عمر مرفوعا، وقال:
لم يروهذه اللفظة: وعلى الجنائز إلا ابن محرر، تفرد بها عباد.
قلت: وهذا سند ضعيف جدا، آفته عباد بن صهيب وعبد الله بن محرر متروكان، وأما قول الهيثمي في " المجمع " (٣/٣٢) :
رواه الطبراني في " الأوسط " وفيه عبد الله بن محرر وهو مجهول.
قلت: فهذا سهو منه ﵀، فإن ابن محرر هذا معروف، ولكن بالضعف الشديد، قال فيه البخاري: منكر الحديث.
وقال الدارقطني وجماعته:
متروك الحديث، انظر " تهذيب التهذيب ".
ثم إن اقتصاره عليه في إعلال الحديث يوهم أنه ليس فيه علة أخرى، وليس كذلك، فإن عباد بن صهيب متروك أيضا كما سبق، وله ترجمة في " لسان الميزان ".
ومن ذلك تعلم أن قول الحافظ في " التلخيص " (ص ١٧١) بعد أن ذكر قول الطبراني المتقدم: لم يروهذه اللفظة إلا ابن محرر تفرد بها عبادة:
وهما ضعيفان، وقوله في " الفتح " (٣/١٤٨) :
إسناده ضعيف.
قلت: في ذلك كله تسامح كبير، فإن حقه أن يقول: ضعيفان جدا، وضعيف جدا، ومما يشهد لذلك قوله في " التقريب ":
عبد الله بن محرر متروك.
стр. 1562
ثم رد الحافظ على الطبراني نفيه المذكور بأن الدارقطني رواه من طريق أخرى بلفظ آخر وهو:
١٠٤٥ - " كان إذا صلى على الجنازة رقع يديه في كل تكبيرة، وإذا انصرف سلم ".
شاذ.
قال الزيلعي في " نصب الراية " (٢/٢٨٥) : أخرجه الدارقطني في " علله " عن عمر بن شبة (١) : حدثنا يزيد بن هارون: أنبأ يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر، وخالفه جماعة، فرووه عن يزيد بن هارون موقوفا، وهو الصواب.
وأقره الزيلعي ثم الحافظ في " التلخيص " (ص ١٧١) ، وهو الحق إن شاء الله تعالى، فإن رواية الجماعة الذين أشار إليهم الدارقطني، والمفروض أنهم جميعا ثقات، وإلا لما رجح روايتهم فهؤلاء مجتمعين أحفظ وأضبط دون ما ريب من ابن شبة وحده، لا سيما وقد ذكروا له حديثا أخطأ فيه كما هو مبين في " التهذيب "، وكأن هذا مما حمل الحافظ في " التقريب " على أن يقتصر في ترجمته على قوله فيه: صدوق، فأورده في المرتبة الرابعة وهي الأخيرة عنده من مراتب التعديل، أي أنه حسن الحديث، لأن المرتبة الثالثة من وصفه بقوله: ثقة، أو متقن، أو ثبت، أوعدل، وهذه خاصة بمن كان صحيح الحديث، أما المرتبة الخامسة، فهي لمن قصر عن درجة الرابعة قليلا، وإليه الإشارة بـ صدوق سيىء الحفظ، أو صدوق يهم، أوله أوهام، أويخطىء، أو تغير بآخره، وهذه لمن كان ضعيف الحديث
أوقريبا منه.
ومما يؤيد رواية الجماعة عن يزيد بن هارون، أنه تابعه جماعة من الثقات بعضهم متابعة تامة، وبعضهم متابعة قاصرة، وهاك بيانها:
стр. 1563
١ - قال البخاري في " رفع اليدين " (ص ٣٣ - طبعة الإمام) : قال أحمد بن يونس: حدثنا زهير: حدثنا يحيى بن سعيد به.
وهذا سند صحيح غاية على شرط الشيخين، وزهير هو ابن معاوية بن خديج قال في " التقريب ": ثقة ثبت، وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس ينسب إلى جده، وهو كما قال الحافظ: ثقة حافظ، وهو من شيوخ البخاري فهو إسناد موصول، وإن كان في صورة المعلق كما هو مقرر في " مصطلح الحديث ".
٢ - قال ابن أبي شيبة في " المصنف " (٤/١١٢) : حدثنا ابن فضيل عن يحيى به.
وهذا سند صحيح أيضا على شرطهما، ومتابعة تامة أيضا قوية من ابن فضيل واسمه محمد وثقه ابن معين وجماعة.
٣ - قال عبد الله بن إدريس: سمعت عبيد الله (١) عن نافع به، أخرجه ابن أبي شيبة والبخاري في " رفع اليدين " والبيهقي في " السنن الكبرى " (٤/٤٤) من طرق عن إدريس به.
قلت: وهذا سند صحيح أيضا على شرطهما، رجاله كلهم ثقات أثبات، وعبيد الله هو ابن عمر المصغر، وهو ثقة، وأما أخوه عبد الله بن عمر المكبر فهو ضعيف لسوء حفظه.
٤ - قال البخاري: حدثنا محمد بن عرعرة: حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت نافعا به نحوه.
قلت: وهذا سند صحيح أيضا، رجاله كلهم ثقات على شرط البخاري في " صحيحه ".
فهذه أربع طرق صحيحة، كلها متفقة على رواية الحديث عن نافع عن ابن عمر
стр. 1564
موقوفا عليه، فإذا ضمت إلى رواية الجماعة عن يزيد بن هارون كان ذلك دليلا قاطعا إن شاء الله تعالى على التصويب روايتهم الموقوفة، وتخطئة رواية ابن شبة المرفوعة وهذا بين ظاهر، والله الموفق لا رب سواه.
فائدة: قال ابن حزم رحمه الله تعالى (٥/١٢٨) :
وأما رفع الأيدي، فإنه لم يأت عن النبي ﷺ أنه رفع في شيء من تكبير الجنازة إلا في أول تكبيرة فقط (١) ، فلا يجوز فعل ذلك، لأنه عمل في الصلاة لم يأت به نص، وإنما جاء عنه ﵇ أنه كبر ورفع يديه في كل خفض ورفع، وليس فيها رفع ولا خفض، والعجب من قول أبي حنيفة برفع الأيدي في كل تكبيرة في صلاة الجنازة، ولم يأت قط عن النبي ﷺ ، ومنعه رفع الأيدي في كل خفض ورفع في سائر الصلوات، وقد صح عن النبي ﷺ ، وقد نقل تعجب ابن حزم هذا من أبي حنيفة بعض مقلديه في تعليقه على " نصب الراية " واعترض عليه بقوله:
قلت: هذه النسبة منه أعجب.
وأقول: لا عجب، فإن قول أبي حنيفة هذا ثابت عنه، منقول في كثير من كتب أتباعه، مثل حاشية ابن عابدين وغيره، وعليه عمل أئمة بلخ من الحنفيين، وإن كان عمل الأحناف اليوم على خلافه، وعليه جرت كتب المتون، وهذا هو الذي غر المشار إليه على الاعتراض على ابن حزم والرد عليه، وهو به أولى.
١٠٤٦ - " مسح رأسه، وأمسك مسبحتيه لأذنيه ".
لا أصل له.
وإن أورده الشيخ الشيرازي في " المهذب "، في بعض نسخه، فإنه لم يورده في نسخ أخرى منه متعمدة، وذلك أنه أمر بالضرب عليه، لما تبين له أنه لا أصل له، فقال النووي في شرحه عليه (١/٤١١) :
هو موجود في نسخ المهذب المشهورة، وليس موجودا في بعض النسخ
стр. 1565
المعتمدة وهو حديث ضعيف، أو باطل لا يعرف، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: وهنا نكتة خفيت على أهل العناية بـ " المهذب " وهي أن مصنفه رجع عن الاستدلال بهذا الحديث، وأسقطه من " المهذب "، فلم يفد ذلك بعد انتشار الكتاب، قال: وجدت بخط بعض تلامذته في هذه المسألة من تعليقه في الخلاف في الحاشية عند استدلاله بهذا الحديث: قال الشيخ: ليس له أصل في السنن، فيجب أن تضربوا عليه في " المهذب " فإني صنفته من عشر سنين وما عرفته، قال أبو عمرو بن الصلاح: وبلغني أن هذا الحديث مضروب عليه في أصل المصنف الذي هو بخطه، ويغني عن هذا، حديث عبد الله ابن زيد أنه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ، فأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسه، حديث حسن رواه البيهقي، وقال: إسناده صحيح.
قلت: هو كما قال البيهقي: إسناده صحيح، لكنه شاذ، وقد أشار إلى ذلك البيهقي نفسه، فإنه لما أخرجه (١/٦٥) من طريق الهيثم بن خارجة: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث عن حبان بن واسع الأنصاري: أن أباه حدثه أنه سمع عبد الله بن زيد يذكر أنه رأى رسول الله ﷺ فذكره وقال: وهذا إسناد صحيح أتبعه بقوله:
وكذلك روي عن عبد العزيز بن عمران بن مقلاص وحرملة بن يحيى عن ابن وهب ورواه مسلم بن الحجاج في " الصحيح " عن هارون بن معروف وهارون بن سعيد الأيلي وأبي الطاهر عن ابن وهب بإسناد صحيح أنه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ، فذكر وضوءه قال: ومسح رأسه بماء غير فضل يديه، ولم يذكر الأذنين ثم
قال: وهذا أصح من الذي قبله.
فأشار بهذا إلى شذوذ الرواية الأولى كما ذكرنا آنفا، وقد صرح الحافظ بمعنى ذلك بقوله في " بلوغ المرام "، فإنه ذكر الرواية الأولى من رواية البيهقي. ثم ذكر لفظ مسلم ثم أعقبه بقوله:
وهو المحفوظ.
стр. 1566
ولا ينافيه ما سبق في كلام البيهقي أن الهيثم بن خارجة لم يتفرد به، بل تابعه ابن مقلاص وحرملة بن يحيى، ذلك لأن الرواية عنهما لم تصح، كما يشير إليه كلام البيهقي وهو قوله: روي ولعل ذلك من أجل أنه من رواية محمد بن أحمد ابن أبي عبيد الله عنهما، أخرجه الحاكم في " المستدرك " (١/١٥١) وقال:
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إذا سلم من ابن أبي عبيد الله هذا، فقد احتجا جميعا بجميع رواته، ووافقه الذهبي، ولم يتعرض لابن أبي عبيد الله هذا وأظنه الذي في " الميزان ":
محمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد الجبار العامري، عن الربيع وابن عبد الحكم وبحر بن نصر، وعنه الضراب وابن منده وابن جميع، قال ابن يونس: كان يكذب، وحدث بنسخة موضوعة، توفي سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة.
فإن كان هو فما في " المستدرك ": " ابن أبي عبيد الله " محرف من " ابن عبد الله ".
بيد أنه لم يتفرد به عن حرملة، فقد خرجه الحاكم أيضا من طريق أخرى قوية في الظاهر، فقال: حدثناه أبو الوليد الفقيه غير مرة: حدثنا الحسن بن سفيان: حدثنا حرملة بن يحيى: حدثنا ابن وهب به، لكن قال الحافظ في " التلخيص " (ص ٣٣) :
رواه الحاكم بإسناد ظاهر الصحة.
ثم ذكر رواية الهيثم بن خارجة المتقدمة وتصحيح البيهقي لإسنادها ثم تعقبه بقوله:
لكن ذكر الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في " الإمام " أنه رأى في رواية ابن المقري عن ابن قتيبة عن حرملة بهذا الإسناد، ولفظه: " ومسح رأسه بماء غير فضل يديه "، ولم يذكر الأذنين.
قلت: وكذا هو في " صحيح ابن حبان " عن ابن سلم عن حرملة، وكذا رواه الترمذي عن علي بن خشرم عن ابن وهب.
قلت: وفاته أنه عند مسلم أيضا (١/١٤٦) من طريق جماعة آخرين عن ابن وهب كما تقدم في كلام البيهقي، ولم يفته ذلك في " بلوغ المرام " كما تقدم، واغتر بصنيعه في
стр. 1567
" التلخيص " الصنعاني فقال في " سبل السلام " (١/٧٠) :
ولم يذكر في " التلخيص " أنه أخرجه مسلم، ولا رأيناه في مسلم!
وأخرجه أبو داود أيضا من طريق أبي الطاهر، وأبو عوانة في " صحيحه " (١/٢٤٩) وأحمد (٤/٤١) من طريقين آخرين عن ابن وهب به.
وتابعه حجاج بن إبراهيم الأزرق عن عمرو بن الحارث عند أبي عوانة.
وتابعه ابن لهيعة عن حبان بن واسع عند أحمد (٤/٣٩ و٤٠ ـ ٤٢) .
وابن لهيعة صحيح الحديث إذا كان من رواية أحد العبادلة عنه، وهذا منها، فإن عبد الله بن المبارك ممن رووه عنه.
وجملة القول أن حديث عبد الله بن زيد هذا قد رواه ثلاثة من الثقات عن عمرو بن الحارث:
أ - حرملة.
ب - ابن وهب.
ج - حجاج الأزرق.
وثلاثتهم قالوا في روايتهم عنه: " ومسح رأسه بماء غير فضل يديه "، إلا في بعض الروايات عن الأول فقال: " فأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسه ".
فهذا الاختلاف إما أن يكون من الرواة أنفسهم أومن حرملة ذاته، وأيهما كان، فالرواية التي وافق فيها الثقات أولى بالترجيح والقبول من التي خالفهم فيها، لا سيما وقد تأيدت برواية ابن لهيعة المذكورة، فهذا كأنه يؤيد ما ذهب إليه
الحافظ أن حديث " أخذ ماء جديدا للأذنين " غير محفوظ، ويرد قول النووي أنه حديث حسن، وقد كنت وقعت في خطأ أفحش منه؛ فقلت في " سلسلة الأحاديث الصحيحة " (الطبعة الأولى) عند الكلام على الحديث (٣٦) : وهو حديث صحيح كما بينته في " صحيح سنن أبي داود " (رقم ١١١) .
والذي بينت صحته هناك إنما هو لفظ مسلم: " ومسح رأسه بماء غير فضل يده ".
لذلك فإني أهتبل هذه الفرصة وأعلن أنه خطأ مني رجعت عنه فمن كان وقف عليه فليصححه، وأستغفر الله من كل خطأ وذنب.
стр. 1568
ويعود الفضل لتنبهي لهذا الخطأ إلى أحد طلابنا المجتهدين الأذكياء في السنة الثالثة من الجامعة الإسلامية، فإنه كتب إلي بتاريخ (١٦/٥/٨٤ هـ) يستفسر عن التوفيق بين تصحيحي للحديث المذكور، وتضعيفي إياه في درس الحديث في السنة الأولى من الجامعة. فكتبت إليه أبين هذا الخطأ، وأؤكد له ضعفه وأشكره على اهتمامه بالتحقيق العلمي، وجزاه الله خيرا، وقد كنت نوهت بذلك في التعليق على " سلسلة الأحاديث الصحيحة " ١/٥٦ - طبع المكتب الإسلامي ".
١٠٤٧ - " كان لا ينزل منزلا إلا ودعه بركعتين ".
ضعيف.
أخرجه ابن خزيمة (١٢٦٠) وعنه الحاكم (١/٣١٥ ـ ٣١٦ و٢/١٠١) وزاهر الشحامي في " السباعيات " (ج ٧/١٨/٢) عن عبد السلام بن هاشم: حدثنا عثمان بن سعد الكاتب، وكانت له مروءة وعقل عن أنس بن مالك قال: فذكره مرفوعا.
وقال الحاكم:
حديث صحيح، وعثمان بن سعد الكاتب ممن يجمع حديثه في البصريين.
وتعقبه الذهبي في الموضع الأول بقوله:
قلت: ذكر أبو حفص الفلاس عبد السلام هذا فقال: لا أقطع على أحد بالكذب إلا عليه، وقال في الموضع الآخر:
قلت: لا، فإن عبد السلام كذبه الفلاس، وعثمان لين.
قلت: وعثمان هذا متفق على تضعيفه، وقال الحافظ ابن حجر في " التقريب ":
ضعيف، فلا أدري بعد هذا وجه ما نقله المناوي عنه فقال:
وقال ابن حجر: حسن غريب، وقول الحاكم: صحيح، غلطوه فيه.
قلت: وكذلك تحسينه إياه ينبغي أن يكون خطأ، ما دام أنه غريب، وفيه ذلك الراوي الضعيف، وأما إعلال الذهبي إياه بعبد السلام أيضا، فهو باعتبار هذه الطريق، وقد وجدت له متابعا عند الحاكم (١/٤٤٦) من طريق أبي قلابة
عبد الملك بن محمد: حدثنا ابن عاصم: حدثنا عثمان بن سعد به، وقال الحافظ عقبه: صحيح على شرط البخاري، ورده الذهبي بقوله:
стр. 1569
كذا قال، وعثمان ضعيف ما احتج به البخاري.
ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " (٥/٢٥٣) إلا أنه جعل يحيى ابن كثير " بدل " أبو عاصم " وكلاهما ثقة، وابن كثير هو العنبري البصري، ولعل هذا الاختلاف من أبي قلابة، فإنه كان تغير حفظه، والله أعلم.
والحديث أخرجه أبو يعلى أيضا والبزار والطبراني في " الأوسط " من طريق ابن سعد.
ويشبه هذا الحديث حديث آخر أشد ضعفا منه وهو:
١٠٤٨ - " كان إذا نزل منزلا في سفر، أودخل بيته لم يجلس حتى يركع ركعتين ".
ضعيف جدا.
رواه الطبراني في " المعجم الكبير " (١٨/٣٠٠/٧٧٠) عن محمد بن عمر الواقدي: حدثنا حارثة بن أبي عمران بسنده عن فضالة بن عبيد به.
قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٢/٢٨٣) :
وفيه الواقدي، وقد وثقه مصعب الزبيري وغيره، وضعفه جماعة كثيرون من الأئمة.
والحديث رمز له السيوطي بالضعف في بعض نسخ " الجامع الصغير "، وقال المناوي: سكت المصنف عليه فلم يرمز إليه، فأوهم أنه لا بأس بسنده، وليس كذلك، فقد قال الحافظ ابن حجر في " أماليه ": سنده واه هكذا قال، وقال شيخه الزين العراقي في شرح الترمذي: (فيه الواقدي) .
قلت: وهو متروك كما تقدم مرارا.
ثم إن شيخه حارثة مجهول كما قال أبو حاتم والذهبي.
стр. 1570
١٠٤٩ - " كان إذا استلم الحجر قال: اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، واتباعا سنة نبيك ".
موقوف ضعيف.
أخرجه الطبراني في " المعجم الأوسط " (رقم - ٤٨٨ -
стр. 1571
مصورتي) عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي أنه كان: فذكره.
قلت: وهذا سند واه، من أجل الحارث وهو الأعور وهو ضعيف.
ثم أخرجه (رقم - ٥٦١٧ و٥٩٧١) من طريق عون بن سلام: حدثنا محمد بن مهاجر عن نافع قال:
كان ابن عمر إذا استلم الحجر قال: فذكره. وزاد في آخره:
ثم يصلي على النبي ﷺ .
قلت: وهذا سند ضعيف أيضا، وعلته محمد بن مهاجر وهو القرشي الكوفي، قال الذهبي: لا يعرف.
وقال ابن حجر: لين.
ووهم الهيثمي في " المجمع " فقال (٣/٢٤٠) :
رواه الطبراني في " الأوسط "، ورجاله رجال (الصحيح) .
ووجه الوهم أن محمد بن مهاجر هذا ليس من رجال الصحيح، ولم يخرج له من الستة سوى النسائي في " عمل اليوم والليلة "، ثم هو ضعيف كما عرفت. والظاهر أن الهيثمي توهم أنه محمد بن مهاجر بن أبي مسلم الشامي، فإنه من رجال مسلم، وهو ثقة ومن طبقة هذا، ولكنه ليس به، وليس من شيوخه نافع، ولا من الرواة عنه عون بن سلام، بخلاف الأول، كما يتبين للباحث في ترجمة الرجلين في " تهذيب التهذيب ".
١٠٥٠ - " الأضحية لصاحبها بكل شعرة حسنة ".
موضوع.
ذكره الترمذي في " سننه " معلقا بدون إسناد، ومشيرا إلى تضعيفه بقوله (١/٢٨٢) :
ويروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: فذكره.
قلت: وأصله ما أخرجه ابن ماجه (٣١٢٧) وابن عدي في " الكامل " (٣١٦/٢ - ٣١٧/١) والحاكم (٢/٣٨٩) والبيهقي في " سننه " (٩/٢٦١) من طريق عائذ الله عن
стр. 1572
أبي داود عن زيد بن أرقم قال:
" قال أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم، قالوا: فما لنا فيها يا رسول الله؟ قال: بكل شعرة حسنة، قال: فالصوف يا رسول الله؟ قال: بكل شعرة من الصوف حسنة ".
أورده ابن عدي في ترجمة عائذ الله هذا وقال:
لا يصح حديثه، وروى هذا عن البخاري أيضا، ثم ساق هذا الحديث.
وأما الحاكم فقال عفى الله عنا وعنه:
صحيح الإسناد! ورده الذهبي بقوله:
قلت: عائذ الله قال أبو حاتم: منكر الحديث.
قلت: وهذا يوهم أنه سالم ممن فوقه، وليس كذلك فإن أبا داود هذا مطعون فيه أيضا، بل هو أولى بتعصيب الجناية به من الراوي عنه، لأنه متهم بالكذب، بل إن الذهبي نفسه قال عنه في ترجمة عائذ الله: يضع.
وقال ابن حبان في " الضعفاء " (٣/٥٥) :
يروي عن الثقات الموضوعات توهما، لا يجوز الاحتجاج به، هو الذي روى عن زيد ابن أرقم.. فذكر هذا الحديث.
وقال الحافظ المنذري في " الترغيب " (٢/١٠١ - ١٠٢) معقبا على الحاكم:
بل واهية، عائذ الله هو المجاشعي، وأبو داود هو نفيع بن الحارث الأعمى وكلاهما ساقط.
وقال البوصيري في " الزوائد ":
في إسناده أبو داود واسمه نفيع بن الحارث وهو متروك، واتهم بوضع الحديث.
١٠٥١ - " من حمل سلعته فقد برىء من الكبر ".
موضوع.
رواه أبو نعيم في " أخبار أصبهان " (١/١٦٥) والقضاعي (٣٢/٢) عن
стр. 1573
مسلم بن عيسى الصفار قال: أخبرنا أبي قال: أخبرنا سفيان عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعا.
قلت: وهذا سند ضعيف جدا، مسلم هذا قال الدارقطني: متروك. واتهمه الذهبي في " تلخيص المستدرك " بوضع الحديث.
وله شاهد لا يفرح به، أخرجه ابن عدي في الكامل (ق ٢٤٠/٢) من طريق عمر بن موسى عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعا.
أورده في ترجمة عمر بن موسى بن وجيه الوجيهي، وروى عن يحيى أنه قال:
شامي وليس بثقة.
وعن البخاري: منكر الحديث، ثم ساق له أحاديث كثيرة ثم قال:
وله غير ما ذكرت من الحديث كثير، وكل ما أمليت لا يتابعه الثقات عليه، وما لم أذكره كذلك، وهو بين الأمر في الضعفاء، وهو في عداد من يضع الحديث متنا وسندا.
والحديث أورده السيوطي في " الجامع الصغير " من رواية البيهقي في " الشعب " عن أبي أمامة، وتعقبه المناوي بقوله:
قضية صنيع المصنف أن مخرجه البيهقي وأقره، والأمر بخلافه، بل تعقبه بقوله: في إسناده ضعف، وذلك لأن فيه سويد بن سعيد، وهو ضعيف عن بقية وهو مدلس عن عمرو بن موسى الدمشقي، قال في " الميزان ": لا يعتمد عليه ولا يعرف ولعله الوجيهي.
قلت: وفي هذا التعقب نظر من وجوه:
أولا: تعصيب الجناية بسويد بن سعيد أيضا لا وجه له، لأنه قد تابعه يحيى بن عثمان عند ابن عدي، وهو الحمصي، صدوق عابد.
ثانيا: قوله: " عمرو " بالواولا وجود له في الرواة، فلعل الواو زيادة من قلم بعض النساخ أو الطابع.
ثالثا: ليس في " الميزان " عمر أوعمرو بن موسى الدمشقي موصوفا بقوله: لا
стр. 1574
يعتمد عليه.. إلخ، وإنما فيه: عمر بن موسى الأنصاري الكوفي، قال الدارقطني: متروك الحديث، قلت: كأنه الوجيهي، وقد قال في ترجمة الوجيهي ووهم من عده كوفيا لأنه يروي أيضا عن الحكم بن عتيبة وقتادة.
رابعا: عمر بن موسى الدمشقي هو الوجيهي قطعا، ففي ترجمته ذكر ابن عدي هذا الحديث، ووصفه يحيى بأنه شامي وفي " الميزان " أنه دمشقي.
خامسا: قول البيهقي: " في إسناده ضعف " فيه تساهل كبير، فإن مثل هذا إنما يقال في إسناد حديث فيه راوغير متهم، أما وهذا فيه ذلك الوجيهي الوضاع فلا ينبغي تليين القول فيه، كما لا يخفى على المحققين من أهل المعرفة بهذا العلم الشريف.
ثم إن الطريق الأولى لهذا الحديث مما فات السيوطي فلم يخرجه، ولا استدركه عليه المناوي في شرحه، مصداقا لقول القائل: كم ترك الأول للآخر، وردا على بعض المغرورين القائلين: إن علم الحديث قد نضج بل واحترق، هداهم الله سواء السبيل، ثم لعل ذلك الصفار المتهم بالوضع سرق هذا الحديث من الوجيهي وركب عليه إسنادا غير إسناده! قاتل الله الوضاعين وقبح فعلهم.
١٠٥٢ - " لما نزل عليه الوحي بحراء مكث أياما لا يرى جبريل، فحزن حزنا شديدا حتى كان يغدوإلى (ثبير) مرة، وإلى (حراء) مرة، يريد أن يلقي بنفسه منه، فبينا هو كذلك عامدا لبعض تلك الجبال، إذ سمع صوتا من السماء فوقف صعقا للصوت، ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض متربعا عليه يقول: يا محمد
أنت رسول الله حقا، وأنا جبريل، قال: فانصرف رسول الله ﷺ وقد أقر الله عينه، وربط جأشه ".
ضعيف.
رواه ابن سعد في " الطبقات " (١/١/١٣٠ ـ ١٣١) : أخبرنا محمد بن عمر؛ قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن أبي موسى عن داود بن الحصين عن أبي غطفان بن طريف عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما نزل الوحي.. إلخ.
стр. 1575
قلت: وهذا سند واه جدا، محمد بن عمر هو الواقدي وهو متهم بالكذب على علمه بالمغازي والسير (١) ، وشيخه إبراهيم بن محمد بن أبي موسى لم أعرفه، ولكني أظن أن جده أبي موسى محرف من أبي يحيى، فإن كان كذلك فهو معروف ولكن بالكذب، وهو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي أبو إسحاق المدني، كذبه جماعة.
ويرجح أنه هو؛ كونه من هذه الطبقة وكون الواقدي الراوي عنه أسلميا مدنيا أيضا، وقد قال النسائي في آخر كتابه " الضعفاء والمتروكون " (ص ٥٧) :
" والكذابون المعروفون بوضع الحديث على رسول الله ﷺ أربعة:
١ - ابن أبي يحيى بالمدينة.
٢ - والواقدي ببغداد.
٣ - ومقاتل بن سليمان بخراسان.
٤ - ومحمد بن سعيد بالشام، يعرف بالمصلوب.
فهذا الإسناد من أسقط إسناد في الدنيا، ولكن قد جاء الحديث من طريق أخرى من حديث عائشة في صحيح البخاري وغيره، بيد أن له علة خفية، فلابد من بيانها فأخرجه ابن حبان في " صحيحه " (رقم ٢٢ - ترتيب الفارسي) من طريق ابن أبي السري:
حدثنا عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري: أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة قالت: أول ما بدىء برسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة يراها في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب له الخلاء، فكان يأتي حراء فيتحنث فيه ... حتى فَجَأَهُ الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه فقال: اقرأ، قال رسول الله ﷺ : فقلت: ما أنا بقارىء ... الحديث إلى قوله: قال (يعني ورقة) : نعم لم يأت أحد قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة، وزاد:
стр. 1576
حتى حزن رسول الله ﷺ حزنا غدا منه مرارا لكي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فلما أوفى بذروة جبل كي يلقي نفسه منها تبدى له جبريل، فقال له جبريل، فقال له: يا محمد! إنك رسول الله حقا، فيسكن
لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع، فإذا طال عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل، فيقول له مثل ذلك.
وابن أبي السري هو محمد بن المتوكل وهو ضعيف حتى اتهمه بعضهم، وقد خولف في إسناده فقال الإمام أحمد في " مسنده " (٦/٢٣٢ - ٢٣٣) : حدثنا عبد الرزاق به.
إلا أنه قال:
حتى حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا خزنا غدا منه.. إلخ، فزاد هنا في قصة التردي قوله:
" فيما بلغنا ".
وهكذا أخرجه البخاري في أول " التعبير " من " صحيحه " (١٢/٣١١ - ٣١٧) منطريق عبد الله بن محمد وهو أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الرزاق به بهذه الزيادة، وأخرجه مسلم (١/٩٧ - ٩٨) من طريق محمد بن رافع: حدثنا عبد الرزاق به، إلا أنه لم يسق لفظه، وإنما أحال فيه على لفظ قبله من رواية يونس عن ابن شهاب، وليس فيه عنده قصة التردي مطلقا، وهذه الرواية عند البخاري أيضا في " التفسير " (٨/٥٤٩ ـ ٥٥٤) ليس فيها القصة، فعزوالحافظ ابن كثير في تفسيره الحديث بهذه الزيادة للشيخين فيه نظر بين، نعم قد جاءت القصة في الرواية
المذكورة عند أبي عوانة في " مستخرجه " (١/١١٠ - ١١١) : حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: أنبأنا ابن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد به، وفيه قوله:
" فيما بلغنا "، فهذه الرواية مثل رواية أحمد وابن أبي شيبة عن عبد الرزاق تؤكد أن إسقاط ابن أبي السري من الحديث قوله: " فيما بلغنا " خطأ منه ترتب عليه أن اندرجت القصة في رواية الزهري عن عائشة، فصارت بذلك موصولة، وهي في حقيقة الأمر معضلة، لأنها من بلاغات الزهري، فلا تصح شاهدا لحديث الترجمة المذكورة أعلاه، قال الحافظ ابن حجر بعد أن بين أن هذه الزيادة خاصة برواية معمر، وفاته أنها في رواية يونس بن يزيد أيضا عند أبي عوانة، قال:
стр. 1577
ثم إن القائل: " فيما بلغنا " هو الزهري، ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله ﷺ في هذه القصة، وهو من بلاغات الزهري، وليس موصولا، وقال الكرماني: هذا هو الظاهر ويحتمل أن يكون بلغه بالإسناد المذكور، ووقع عند ابن مردويه في " التفسير " من طريق محمد بن كثير عن معمر بإسقاط قوله: " فيما بلغنا "، ولفظه " فترة حزن النبي ﷺ منها حزنا غدا منه " إلخ، فصار كله مدرجا على رواية الزهري وعن عروة عن عائشة، والأول هو المعتمد.
وأشار إلى كلام الحافظ هذا الشيخ القسطلاني في شرحه على البخاري في " التفسير " واعتمده، ومحمد بن كثير هذا هو الصنعاني المصيصي قال الحافظ في " التقريب ": صدوق كثير الغلط.
وأورده الذهبي في " الضعفاء " وقال: ضعفه أحمد.
قلت: فمثله لا يحتج به، إذا لم يخالف، فكيف مع المخالفة، فكيف ومن خالفهم ثقتان عبد الرزاق ويونس بن يزيد، ومعهما زيادة؟ !
وخلاصة القول أن هذا الحديث ضعيف لا يصح لا عن ابن عباس ولا عن عائشة، ولذلك نبهت في تعليقي على كتابي " مختصر صحيح البخاري " (١/٥) على أن بلاغ الزهري هذا ليس على شرط البخاري كي لا يغتر أحد من القراء بصحته لكونه في " الصحيح ". والله الموفق.
١٠٥٣ - " السجود على سبعة أعضاء: اليدين، والقدمين، والركبتين والجبهة، ورفع الأيدي إذا رأيت البيت، وعلى الصفا والمروة، وبعرفة، وبجمع، وعند رمي الجمار، وإذا أقيمت الصلاة ".
منكر بذكر رفع الأيدي.
أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٣/١٥٥/١) : حدثنا أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي: حدثنا عمرو بن يزيد أبو بريد الجرمي:
стр. 1578
أخبرنا سيف بن عبيد الله: أخبرنا ورقاء عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: فذكره.
وعن الطبراني رواه الضياء في " المختارة " (٦١/٢٤٩/٢) .
قلت: وهذا سند ضعيف، وعلته عطاء بن السائب وكان اختلط، فلا يحتج بحديثه إلا ما رواه الثقات عنه قبل اختلاطه وهم: سفيان الثوري، وشعبة، وزهير بن معاوية، وزائدة بن قدامة، وحماد بن زيد، وأيوب السختياني، ووهيب، كما يستفاد من مجموع كلام الأئمة فيه على ما لخصه ابن حجر في " التهذيب " وفاته وهيب فلم يذكره في جملة هؤلاء الثقات! وعلى كل حال فليس منهم ورقاء وهو ابن عمر راوي هذا الحديث عنه، فيتوقف عن الاحتجاج بحديثه كما هو مقرر في " المصطلح " ويعامل معاملة الحديث الضعيف حتى يثبت، وهيهات، فقد جاء الحديث من طريق طاووس عن ابن عباس مرفوعا بالشطر الأول منه، رواه الشيخان وغيرهما، وهو مخرج في " الإرواء " (٣١٠) .
فالشطر الثاني منكر عندي لتفرد عطاء به، وقد أعله الهيثمي في " المجمع " فقال (٣/٢٣٨) :
وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط.
وتعقبه المعلق على " نصب الراية " فقال (١/٣٩٠) :
قلت: ورقاء من أقران شعبة، وسماع شعبة عن عطاء بن السائب قديم صحيح على أنه قال ابن حبان: اختلط بآخره، ولم يفحش حتى يستحق أن يعدل به عن مسلك العدول.
قلت: وهذا التعقب لا غناء فيه، لأنه لا يلزم من كون ورقاء من أقران شعبة أن يكون سمع من عطاء قديما كما سمع منه شعبة، ألا ترى أن في جملة من روى عن عطاء إسماعيل بن أبي خالد وهو من طبقة عطاء نفسه، بل أورده الحافظ ابن حجر في الطبقة الرابعة من التابعين، بينما ذكر ابن السائب في الطبقة الخامسة، فهو إذن من أقران عطاء وليس من أقران شعبة، ومع ذلك لم يذكروه فيمن روى عن عطاء قبل الاختلاط،
стр. 1579
ومثله سليمان التيمي، فهذا يبين أن السماع من المختلط قبل اختلاطه ليس لازما لكل من كان علاي الطبقة، كما أن العكس؛ وهو عدم السماع؛ ليس لازما لمن كان نازل الطبقة، وإنما الأمر يعود إلى معرفة واقع الراوي هل سمع منه قديما أم لا، خلافا لما توهمه المعلق المشار إليه.
ومما يؤيد ذلك أن بعض الرواة يسمع من المختلط قبل الاختلاط وبعده ومن هؤلاء حماد بن سلمة، فإنه سمع من عطاء في الحالتين كما استظهره الحافظ في " التهذيب "، ولذلك فلا يجوز الاحتجاج أيضا بحديثه عنه خلافا لبعض العلماء المحدثين المعاصرين، والله يغفر لنا وله.
وأما ما نقله ذلك المعلق عن ابن حبان، فهو رأي لابن حبان خاصة دون سائر الأئمة الذين حرصوا أشد الحرص على معرفة الرواة الذين سمعوا منه قبل الاختلاط، والذين سمعوا منه بعده، ليميزوا صحيح حديثه من سقيمه، وإلا كان ذلك حرصا لا طائل تحته، إذا كان حديثه كله صحيحا، أضف إلى ذلك أن في " المصطلح " نوعا خاصا من علوم الحديث وهو " معرفة من اختلط في آخر عمره " وقد ذكروا منهم جماعة أحدهم عطاء وقالوا فيهم:
فمن سمع من هؤلاء قبل اختلاطهم قبلت روايتهم، ومن سمع بعد ذلك أوشك في ذلك لم تقبل (١) .
والحديث رواه الطبراني أيضا في " الأوسط " (١٦٧٨، ١٦٧٩) وكذا في " حديثه عن النسائي " (ق ٣١٤/٢) بسنده هذا، ولكنه فصل بين الشطر الأول منه والآخر، جعلهما حديثين ثم قال:
لم يروهذين الحديثين عن عطاء بن السائب إلا ورقاء، ولا ورقاء إلا سيف تفرد به أبو بريد.
وعمرو بن يزيد أبو بريد: صدوق، ومثله سيف بن عبيد الله إلا إنه ربما خالف، كما في " التقريب ".
стр. 1580
وقد خالفه ابن فضيل فقال: عن عطاء به موقوفا على ابن عباس وهذا أصح.
أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (١/٧٧/٢) .
والحديث بظاهره يدل على أن الأيدي لا ترفع في غير هذه المواطن، وهذه الدلالة غير معتبرة عند الحنفية لأنها بطريق المفهوم، لكن قد روي الحديث بلفظ آخر يدل بمنطوقه على ما دل عليه هذا بمفهومه، فوجب علينا بيان حاله، فأقول:
لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: حين تفتتح الصلاة، وحين يدخل المسجد الحرام فينظر إلى البيت، وحين يقوم على المروة، وحين يقف مع الناس عشية عرفة، وبجمع، والمقامين حين يرمي الجمرة.
١٠٥٤ - " لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: حين تفتتح الصلاة، وحين يدخل المسجد الحرام فينظر إلى البيت، وحين يقوم على المروة، وحين يقف مع الناس عشية عرفة، وبجمع، والمقامين حين يرمي الجمرة ".
باطل بهذا اللفظ.
رواه الطبراني في " المعجم الكبير " (٣/١٤٦/٢) : حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة: نا محمد بن عمران بن أبي ليلى: حدثني أبي: نا ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس مرفوعا.
قلت: وهذا سند ضعيف من أجل ابن أبي ليلى وهو محمد بن عبد الرحمن، فإنه سيىء الحفظ، ورواه البزار في " مسنده " (رقم ٥١٩ - كشف الأستار) من طريقه بلفظ:
" ترفع الأيدي.. "، دون " لا " النافية وقال:
رواه جماعة فوقفوه، وابن أبي ليلى ليس بالحافظ، إنما قال: " ترفع الأيدي "، ولم يقل: لا ترفع إلا في هذه المواضع.
وأقره عبد الحق الإشبيلي في " الأحكام " (ق ١٠٢/١) وقال:
رواه غير واحد موقوفا، وابن أبي ليلى لم يكن حافظا.
وقال الحافظ في ترجمته من " التقريب ":
صدوق سيىء الحفظ جدا.
وكذا قال الذهبي في " الضعفاء "، إلا أنه لم يقل: " جدا "، وذلك لا يخرج حديثه من رتبة الضعف المطلق، وإنما من رتبة الضعف الشديد كما هو ظاهر، وأما قول الهيثمي في " المجمع " (٣/٢٣٨) :