٣٨٨٦ - (عليك بحسن الخلق؛ فإن أحسن الناس خلقاً أحسنهم ديناً) .
موضوع
أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٣٧٦) عن عبد الغفار أبي مريم قال: حدثني الحكم، عن ميمون، عن معاذ قال:
بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فلم يزل يوصيني حتى [كان] آخر ما أوصاني قال: ... فذكره.
стр. 5182
قلت: وهذا موضوع؛ آفته عبد الغفار - وهو ابن القاسم أبو مريم الأنصاري -؛ قال الذهبي:
"رافضي ليس بثقة، قال علي بن المديني: كان يضع الحديث".
ومن طريقه: أخرجه الطبراني أيضاً؛ كما في "مجمع الزوائد" (٨/ ٢٥) ، وقال الهيثمي:
"وهو وضاع".
٣٨٨٧ - (رحم الله عيناً بكت من خشية الله، ورحم الله عيناً سهرت في سبيل الله) .
ضعيف
أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٧/ ١٤٢-١٤٣) عن محمد بن عبد الله الجهبذي: حدثنا شعيب بن حرب: حدثنا سفيان الثوري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعاً. وقال:
"غريب من حديث الثوري، لم نكتبه إلا من حديث الجهبذي".
قلت: وهو ضعيف؛ كما قال الدارقطني.
(تنبيه) : الجهبذي بكسر الجيم وسكون الهاء بعدها باء موحدة مكسورة ثم ذال معجمة، نسبة إلى "الجهبذ"، حرفة معروفة في نقد الذهب، وقد وقع في "اللسان": "الجهدي"، وهو خطأ مطبعي، وقد أشار فيه إلى أن المترجم في "الميزان"، ولم أره فيه. والله أعلم.
стр. 5183
٣٨٨٨ - (رحم الله قوماً يحسبهم الناس مرضى، وما هم بمرضى) .
ضعيف
أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٩٢) : أخبرنا المبارك بن فضالة،
стр. 5184
عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ فإنه مع كونه مرسلاً؛ لأن الحسن هو البصري؛ فإن الراوي عنه المبارك بن فضالة؛ كان يدلس ويسوي؛ كما في "التقريب".
وقد رواه ابن نصر في "قيام الليل" (ص ١١-١٢) عن الحسن بأتم منه موقوفاً عليه، ولعله الصواب.
٣٨٨٩ - (الرفق يمن، والخرق شؤم، وإذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق، إن الرفق لم يكن في شيء إلا زانه، والخرق لم يكن في شيء قط إلا شانه، وإن الحياء من الإيمان، وإن الإيمان في الجنة، ولو كان الحياء رجلاً لكان صالحاً، وإن الفحش من الفجور، وإن الفجور في النار، ولو كان الفحش رجلاً يمشي في الناس لكان رجلاً سوءاً، وإن الله لم يخلقني فحاشاً) .
ضعيف أو أشد
أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ١/ ١٥٧) ، وابن عدي (٣٥٨/ ٢) ، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢/ ٤٥٩/ ١) و "الأسماء" (ص ١٥٥) من طريق أبي غرارة محمد بن عبد الرحمن التيمي قال: أخبرني أبي، عن القاسم، عن عائشة مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف أو أشد؛ فإن عبد الرحمن التيمي - وهو ابن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي مليكة -؛ ضعيف.
وولده أبو غرارة؛ قال الحافظ:
"بكسر المعجمة وتخفيف الراء - الجدعاني، وقيل: إن أبا غرارة غير الجدعاني، فأبو غرارة لين الحديث، والجدعاني متروك".
стр. 5185
والحديث أورده ابن عدي فيما أنكر على غرارة، وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (٢/ ١٥٣) عن أبيه:
"هذا حديث منكر بهذا الاسناد".
قلت: وقد خفيت هذه العلة القادحة على المناوي، فأخذ يعل الحديث بتجهيل من ليس يجهل؛ بل هو من الثقات الحفاظ، فقال - تعليقاً على قول السيوطي في "الجامع": "رواه البيهقي في "الشعب" عن عائشة" -:
"وفيه موسى بن هارون؛ قال الذهبي في "الضعفاء": مجهول".
قلت: هذا خراساني روى عن عبد الرحمن بن أبي الزناد؛ كما في "الميزان"، وليس هو الذي في إسناد البيهقي؛ فقد أخرجه من طريق أبي طاهر المحمد أبادي: حدثنا أبو عمران موسى بن هارون بن عبد الله - ببغداد -: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عباس بن عثمان الشافعي: حدثنا أبو غرارة ...
فهذا كما ترى دون الخراساني في الطبقة، ثم هو مكنى بأبي عمران، وهو البزار المعروف والده بالحمال، وهو مترجم في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٥٠-٥١) ترجمة حسنة، وفي "التهذيب" أيضاً، وحسبك فيه قول الحافظ في "التقريب":
"ثقة حافظ كبير، بغدادي".
على أنه لم يتفرد به؛ فقد أخرجه ابن عدي من غير طريقه! وأخرج الخرائطي جملة منه من طريق أخرى عن الشافعي، وقد مضى إسناده.
ولفقرة الحياء طريق آخر عن عائشة مرفوعاً، وهو ضعيف أيضاً، وهو مخرج في "الروض النضير" (٨٣٢) .
стр. 5186
وروي بلفظ:
"إن الحياء والحلم لو كانا أيما رجلين، وإن الفحش والبذاء لو كانا رجلين كانا شر رجلين".
أخرجه ابن الأعرابي في "معجمه" (٢٣٤/ ٢) من طريق حبان بن حبان، عن حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة مرفوعاً.
وهذا إسناد ضعيف؛ حارثة قال الحافظ:
"ضعيف".
وحبان بن حبان؛ لم أعرفه.
ورواه صبح بن دينار البلدي: حدثنا المعافى بن عمران: حدثنا إسرائيل وسفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عنها مرفوعاً بلفظ:
"لو كان الصبر رجلاً؛ لكان رجلاً كريماً".
أخرجه ابن شاهين في "الترغيب" (ق ٢٩٧/ ٢) ، وابن شاذان الأزجي في "الفوائد المنتقاة" (٢/ ١٠٥/ ٢) ، والأصبهاني في "الترغيب" (٢٠١/ ١) ، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٢٩٠) وقال:
"غريب من حديث الثوري، تفرد به المعافى عنه".
قلت: هو ثقة من رجال البخاري، وكذا من فوقه، وإنما العلة في الراوي عنه: صبح بن دينار البلدي؛ فإنه غير معروف، وقد أورده العقيلي في "الضعفاء" (ص ١٩٢) من أجل حديث خالف فيه الثقات؛ مما يدل على أنه لم يحفظ.
стр. 5187
وفقرة الحياء والفحش؛ رويت من طرق أخرى عن عائشة ﵂ سيأتي تخريجها برقم (٥٩٤٣) ، وفقرة الفحش خاصة مخرجة في "الصحيحة" (٥٣٧) .
والطرف الأول من الحديث: "الرفق يمن، والخرق شؤم"؛ له طريق آخر عنها، يرويه الحسن بن الحكم بن طهمان: حدثني عبد الرحمن بن أبي مليكة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة مرفوعاً.
والحسن هذا؛ قال الذهبي في "الميزان":
"تكلم فيه ولم يترك".
وله شاهد واه جداً، يرويه محمد بن الحسن - وهو الشيباني صاحب أبي حنيفة -، عن المعلى بن عرفان، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً به.
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١/ ٢٤٥/ ١/ ٤٢٤٣) ، وقال:
"لم يروه عن المعلى إلا محمد".
قلت: قال الذهبي:
"ضعفه النسائي من قبل حفظه".
قلت: والآفة من شيخه المعلى بن عرفان؛ فإنه متروك، وبه أعله الهيثمي في "المجمع" (٨/ ١٩) .
٣٨٩٠ - (زني شعر الحسين، وتصدقي بوزنه فضة، وأعطي القابلة رجل العقيقة) .
ضعيف
أخرجه الحاكم (٣/ ١٧٩) من طريق حسين بن زيد العلوي، عن
стр. 5188
جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي:
أن رسول الله ﷺ أمر فاطمة ﵂، فقال: ... فذكره. وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد". ورده الذهبي بقوله:
"قلت: لا".
قلت: والعلة من حسين بن زيد فإنه مختلف فيه، قيل لأبي حاتم: ما تقول فيه؟ فحرك يه وقبلها. يعني: تعرف وتنكر. وقال ابن عدي:
"أرجو أنه لا بأس به، إلا أني وجدت في حديثه بعض النكرة". وقال ابن المديني:
"فيه ضعف". وقال ابن معين:
"لقيته ولم أسمع منه، وليس بشيء". ووثقه الدارقطني.
٣٨٩١ - (قال الله : إن أوليائي من عبادي، وأحبائي من خلقي؛ الذين يذكرون بذكري، وأذكر بذكرهم) .
ضعيف
أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ٦) عن رشدين بن سعد، عن عبد الله بن الوليد التجيبي، عن أبي منصور مولى الأنصار، أنه سمع عمرو بن الجموح مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف مظلم؛ أبو منصور - وفي نسخة: منصور -؛ لم أعرفه.
وعبد الله بن الوليد، ورشدين بن سعد؛ ضعيفان.
стр. 5189
٣٨٩٢ - (السخاء شجرة في الجنة، وأغصانها في الأرض، فمن تعلق بغصن منها جره إلى الجنة، والبخل شجرة في النار، وأغصانها في الأرض، فمن تعلق بغصن منها جره إلى النار) .
ضعيف
روي من حديث جابر، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري.
١- أما حديث جابر؛ فيرويه عاصم بن عبد الله: حدثنا عبد العزيز بن خالد، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً به.
أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٩٢) ، والخطيب في "التاريخ" (٤/ ١٣٦) عن أحمد بن الخطاب بن مهران أبي جعفر التستري: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب الخوارزمي: حدثنا عاصم بن عبد الله به، وقال أبو نعيم:
"تفرد به عبد العزيز، وعنه عاصم".
قلت: عبد العزيز؛ روى عنه جمع، وقال أبو حاتم:
"شيخ".
وعاصم بن عبد الله؛ ضعيف.
والخوارزمي؛ قال أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ٥٢) :
"في حديثه نكارة".
والتستري مستور، وفي ترجمته أورد الخطيب هذا الحديث، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
والحديث؛ قال المناوي:
"قال ابن الجوزي: موضوع؛ عاصم ضعيف، وشيخه كذاب".
стр. 5190
كذا قال! وأقره! وشيخ عاصم عبد العزيز بن خالد؛ لم يكذبه - بل لم يطعن فيه - أحد، فالظاهر أنه اختلط عليه بغيره من المتروكين؛ كابن عمران الأتي.
٢- وأما حديث أبي هريرة؛ فيرويه عبد العزيز بن عمران، عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن الأعرج عنه.
أخرجه الخطيب (١/ ٢٥٣) .
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ آفته عبد العزيز بن عمران - وهو المعروف بابن أبي ثابت -؛ متروك.
وشيخه إبراهيم؛ ضعيف.
وغفل عن هذا ابن الجوزي، ثم المناوي، فقال هذا الأخير:
"قال مخرجه البيهقي: وهو ضعيف. وقال ابن الجوزي: لا يصح؛ داود ضعيف"!
كذا قال! وداود من رجال الشيخين، وقال الحافظ:
"ثقة؛ إلا في عكرمة".
قلت: فالعلة ممن دونه كما ذكرنا.
٣- وأما حديث أبي سعيد؛ فيرويه محمد بن مسلمة الواسطي: حدثنا يزيد بن هارون، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي سعيد الخدري.
أخرجه الخطيب أيضاً (٣/ ٣٠٦) ، وساق بعده للواسطي هذا حديثاً آخر، وقال عقبه:
стр. 5191
"هذا الحديث باطل موضوع، ورجال إسناده كلهم ثقات سوى محمد بن مسلمة، والذي قبله أيضاً منكر (يعني حديث الترجمة) ، ورجاله كلهم ثقات، رأيت هبةالله بن الحسن الطبري يضعف محمد بن مسلمة، وسمعت الحسن بن محمد الخلال يقول: محمد بن مسلمة ضعيف جداً".
وقال في مطلع ترجمته:
"في حديثه مناكير بأسانيد واضحة".
وللحديث طرق أخرى، وكلها ضعيفة؛ كما قال الحافظ العراقي وغيره، وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات"، فما أبعد.
٣٨٩٣ - (عليك يا ابن مظعون بالصيام؛ فإنه مجفرة له) .
ضعيف
أخرجه الديلمي (٢/ ٢٨٧) من طريق الطبراني، عن إسماعيل بن أبي أويس: حدثنا عبد الملك بن قدامة الجمحي، عن أبيه، عن عائشة بنت قدامة بن مظعون، عن أبيها، عن أبيه عثمان بن مظعون أنه قال:
يا رسول الله! إني رجل يشق علي هذه العزوبة في المغازي، فائذن لي في الخصاء فأختصي، فقال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ إسماعيل، وعبد الملك؛ ضعيفان.
стр. 5192
٣٨٩٤ - (عليكم بالحجامة في جوزة القمحدوة؛ فإنه دواء من اثنين وسبعين داء وخمسة أدواء؛ من الجنون والجذام والبرص ووجع الأضراس) .
ضعيف
أخرجه الطبراني في "الكبير"، وابن السني، وأبو نعيم في "الطب"،
стр. 5193
عن عبد الحميد بن صيفي بن صهيب، عن أبيه، عن جده مرفوعاً؛ كما في "الجامع الكبير" للسيوطي (١٠/ ١٤/ ٢٨١٣٣) .
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ عبد الحميد هو ابن زياد بن صيفي بن صهيب؛ أورده الذهبي في "الميزان" هكذا؛ وقال:
"قال البخاري: لا يعرف سماع بعضهم من بعض".
وقال ابن أبي حاتم (٣/ ١/ ١٣) عن أبيه:
"هو شيخ". وأما ابن حبان؛ فذكره في "الثقات"! وقال الحافظ في "التقريب":
"لين الحديث". وأما شيخه الهيثمي؛ فوثقه؛ كما يدل عليه قوله في تخريج الحديث (٥/ ٩٤) :
"رواه الطبراني، ورجاله ثقات"!
وكأنه اعتمد على توثيق ابن حبان المذكور.
٣٨٩٥ - (عليكم بالسراري؛ فإنهن مباركات الأرحام) .
ضعيف
رواه الطبراني في "الأوسط" (١/ ١٦٣/ ٢) عن عمرو بن الحصين: أخبرنا محمد بن عبد الله بن علاثة: أخبرنا عثمان بن عطاء الخراساني، عن عطاء، عن مالك بن يخامر، عن أبي الدرداء مرفوعاً. وقال:
"لا يروى عن أبي الدرداء إلا بهذا الإسناد، تفرد به عمرو".
قلت: وهو متهم بالوضع، وقال الهيثمي (٤/ ٢٥٨) ؛ ثم العسقلاني: "متروك".
وابن علاثة؛ فيه ضعف.
стр. 5194
وعثمان بن عطاء الخراساني؛ ضعيف.
وأبوه عطاء؛ ضعيف أيضاً؛ لسوء حفظه وتدليسه.
والحديث رواه أبو داود أيضاً في "مراسيله" (٢٠٥) ، والعدني، عن رجل من بني هاشم مرسلاً؛ كما في "الجامع الصغير".
وفي إسناد "المراسيل" عنعنة بقية، والزبير بن سعيد؛ ضعيف.
ثم وجدت له شاهداً من حديث أنس بن مالك مرفوعاً بلفظ:
"عليكم بأمهات الأولاد؛ فإنهن مباركات الأرحام".
أخرجه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ٣٢٤) ؛ فقال: حدث إبراهيم بن نائلة: حدثنا مسور مؤذن مسجد الجامع بالمدينة: حدثنا غالب بن فرقد: حدثنا كثير بن سليم عنه.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ كثير بن سليم - وهو المدائني -؛ قال البخاري:
"منكر الحديث". وقال ابن حبان:
"يروي عن أنس ما ليس من حديثه، ويضع عليه".
وغالب بن فرقد؛ ترجمه أبو نعيم في "الأخبار" (٢/ ١٤٩) ، وساق له بعض الأحاديث، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
ومسور - وهو ابن يزيد أبو حامد -؛ أورده أبو نعيم، وفي ترجمته ذكر هذا الحديث ولم يزد؛ فهو مجهول.
стр. 5195
٣٨٩٦ - (لتكن عليكم السكينة. (وفي رواية:) عليكم بالقصد في المشي بجنائزكم) .
ضعيف
أخرجه الطيالسي في "مسنده" (٥٢١) : حدثنا شعبة، عن ليث، عن أبي بردة، عن أبي موسى:
أن النبي ﷺ مر عليه بجنازة يسرعون بها المشي، فقال رسول الله ﷺ : ... فذكره بالرواية الأولى.
وهكذا أخرجه ابن ماجه (١٤٧٩) ، وأحمد (٤/ ٤٠٣ و ٤١٢) من طرق أخرى، عن شعبة به.
ثم أخرجه الطيالسي (٥٢٢) : حدثنا زائدة، عن ليث به، بالرواية الأخرى، ومن طريق الطيالسي أخرجه البيهقي في "السنن" (٤/ ٢٢) ، وأشار إلى تضعيفه بقوله:
"إن ثبت".
قلت: وعلته ليث - وهو ابن أبي سليم -؛ فإنه ضعيف.
والحديث أورده السيوطي في "الجامع الصغير"؛ جامعاً بين الروايتين في سياق واحد بلفظ:
"عليكم بالسكينة، عليكم بالقصد ... ".
وعزاه للطبراني في "الكبير"، والبيهقي، فلا أدري إذا كان السيوطي هو الذي جمع بين الروايتين، أو هكذا هو عند الطبراني، ولم أره في "مجمع الزوائد" للهيثمي، ولعله لم يورده عمداً؛ لأنه عند ابن ماجه بالرواية الأولى، ثم إن
стр. 5196
السيوطي ذكر هذه الرواية في محلها من حرف اللام، واقتصر في عزوها على أحمد؛ وهو قصور.
ثم إن الحديث مخالف بظاهره للأحاديث الآمرة بالإسراع بالجنازة؛ كقوله ﷺ : "أسرعوا بالجنازة ... "، وهي مذكورة في كتابي "أحكام الجنائز وبدعها" (٧١-٧٢) .
٣٨٩٧ - (إن لله يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول، ثم يأمر منادياً ينادي يقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له، هل من سائل يعطى) .
منكر بهذا السياق
أخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (رقم٤٨٢) من طريق عمر بن حفص بن غياث: أخبرنا أبي: أخبرنا الأعمش: أخبرنا أبو إسحاق: أخبرنا أبو مسلم الأغر قال: سمعت أبا هريرة وأبا سعيد يقولان: قال: ... فذكره مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ظاهرة الصحة؛ فإن رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، لكن في عمر بم حفص بن غياث شيء من الضعف؛ كما ينبئك به الحافظ ابن حجر في "التقريب"؛ فقال في عمر:
"ثقة؛ ربما وهم". وقال في حفص:
"ثقة فقيه؛ تغير حفظه قليلاً في الآخر".
وساق له في "التهذيب" عدة أحاديث خطأه فيها، أحدها من روايته عن الأعمش.
وأنا أقطع بأن هذا الحديث مما أخطأ في لفظه؛ لمخالفة الثقات إياه فيه؛ فقد رواه جماعة، عن أبي مسلم الأغر بإسناده بلفظ:
стр. 5197
"إن الله يمهل، حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول؛ نزل إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتى ينفجر الفجر".
فليس فيه: "أن الله يأمر منادياً ينادي يقول"، بل فيه أن الله هو القائل: "هل من.."، وفيه نزول الرب إلى السماء الدنيا، وهذا ما لم يذكره حفص بن غياث، فدل على أنه لم يحفظه، فالظاهر أنه لم يحدث به من كتابه، وإنما من حفظه فوهم.
وها أنا أذكر من وقفت عليه من الثقات الذين خالفوه؛ فرووه بذكر نزول الرب إلى السماء، وأنه هو سبحانه القائل، كما ذكرنا:
١- شعبة بن الحجاج. فقال الطيالسي في "مسنده" (٢٢٣٢ و ٢٣٨٥) : حدثنا شعبة قال: أخبرنا أبو إسحاق قال: سمعت الأغر به.
ومن طريق الطيالسي: أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (٢/ ٢٨٨) ، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٤٥٠) . وأخرجه مسلم (٢/ ١٧٦) ، وابن خزيمة في "التوحيد" (٨٣) ، وأحمد (٣/ ٣٤) من طريق أخرى، عن شعبة به.
٢- منصور - وهو ابن المعتمر الكوفي -، عن أبي إسحاق به.
أخرجه مسلم، وأبو عوانة، وابن خزيمة (٨٤) .
٣- فضيل - وهو ابن غزوان الكوفي -، عنه.
أخرجه أبو عوانة.
٤- أبو عوانة - وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري -، عنه به.
أخرجه أحمد (٢/ ٣٨٣ و ٣/ ٤٣) .
стр. 5198
٥- معمر - وهو ابن راشد البصري -، عنه.
أخرجه أحمد أيضاً (٣/ ٩٤) من طريق عبد الرزاق - وهو في "مصنفه" (١١/ ٢٩٣-٢٩٤) -.
٦- إسرائيل، وهو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي.
أخرجه ابن خزيمة.
قلت: فهذه ستة طرق، وكلهم ثقات أثبات رووه باللفظ المخالف للفظ حفص ابن غياث، فثبت وهمه فيه.
وكان يمكن أن يقال: لعل الوهم من أبي إسحاق - وهو السبيعي -؛ فإنه كان اختلط، على تدليس فيه، لولا أنه قد صرح بالتحديث في رواية شعبة الأولى عنه، ثم هو روى عنه قبل الاختلاط، فانتفى الاحتمال المذكور، ولزم الخطأ حفص بن غياث.
وإن مما يؤكد وهمه؛ أنه قد تابعه محاضر - وهو ابن المورع -، وهو ثقة من رجال مسلم قال: حدثنا الأعمش به نحوه؛ إلا أنه لم يذكر في إسناده أبا سعيد الخدري.
أخرجه أبو عوانة عقب سوقه حديث شعبة، ولم يسق لفظه، وإنما قال: "بنحوه"، وأخرجه ابن خزيمة، فساق لفظه.
ومما يؤكد خطأ اللفظ المذكور ونكارته؛ أن الحديث قد جاء من طرق أخرى كثيرة عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً باللفظ المحفوظ نحوه. وقد خرجت سبعة منها في "إرواء الغليل" (٤٥٠) ، اثنتان منها "الصحيحين"، وأخريان في "صحيح مسلم"، وسائرها في "مسند أحمد" وغيره.
стр. 5199
وللحديث باللفظ الصحيح شواهد كثيرة خرجت بعضها هناك؛ من حديث جبير بن مطعم، ورفاعة بن عرابة الجهني، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، ولذلك جزم ابن عبد البر في "التمهيد" (٧/ ١٢٩) بتواتره.
ونحو هذا الحديث في النكارة؛ ما أخرجه أحمد (٤/ ٢٢) من طريق علي بن زيد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص مرفوعاً بلفظ:
"ينادي مناد كل ليلة: هل من داع فيستجاب له، هل من سائل فيعطى، هل من مستغفر فيغفر له؟ حتى ينفجر الفجر".
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ الحسن هو البصري، وهو مدلس وقد عنعنه.
وعلي بن زيد - وهو ابن جدعان -؛ ضعيف.
ولفظه هذا أقل نكارة من الأول؛ لأنه ليس فيه ذكر آمر ومأمور، بل قوله: "ينادي ... "؛ لا ينافي أن يكون هو الله ﵎ كما في الروايات الصحيحة، بل هذا هو الذي ثبت عن ابن جدعان نفسه في رواية عنه، أخرجها ابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٨٩) من طريق حماد بن سلمة عنه. ومن هذا الوجه أخرجه أحمد، فالظاهر أن ابن جدعان - لسوء حفظه - كان الحديث عنده غير مضبوط لفظه، فكان يرويه تارة باللفظ المحفوظ، وتارة باللفظ المنكر.
ثم رأيت للحديث طريقاً آخر، خرجته في "الصحيحة" (١٠٧٣) .
واعلم أن الذي حملني على تخريج هذا الحديث في هذا الكتاب أمران اثنان:
الأول: أني رأيت الحافظ ابن حجر - عفا الله عنا وعنه - قد ساقه من الطريقين: طريق النسائي عن الأغر ... ، وطريق أحمد عن عثمان بن أبي
стр. 5200
العاص؛ مقوياً به تأويل بعض النفات لنزول الرب تأويلاً منكراً، ينافي سياق كل الطرق الثابتة عن النبي ﷺ ، فقال في "الفتح" (٣/ ٢٥) :
"وقد حكى أبو بكر بن فورك: أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول، أي ينزل ملكاً، ويقويه ما رواه النسائي من طريق الأغر ... وفي حديث عثمان بن أبي العاص: "ينادي مناد: هل ... " الحديث. قال القرطبي: وبهذا يرتفع الإشكال. ولا يعكر عليه ما في رواية رفاعة الجهني: ينزل الله إلى السماء الدنيا: فيقول: "لا يسأل عن عبادي غيري"؛ لأنه ليس في ذلك ما يدفع التأويل المذكور"!
كذا قال الحافظ عفا الله عنه! فلقد سلك في كلامه هذا على الحديث مسلك أهل الأهواء والبدع من حيث الرواية والدراية. أما الرواية؛ فإنه سكت عن إسناد الحديثين؛ مع أنه يعلم مخالفتهما للروايات الثابتة عن النبي ﷺ في نزول الرب تعالى إلى السماء الدنيا، وقوله هو نفسه: "هل من ... "، لما رأى أن فيهما تقوية لتأويل المبتدعة للحديث.
وأما الدراية؛ فلا يخفى ضعف بل بطلان التأويل المذكور إذا ما قورن بالروايات الصحيحة للحديث، التي منها رواية رفاعة التي أشار إليها ابن حجر، ولفظها:
"إذا مضى شطر الليل - أو قال: ثلثاه -؛ ينزل الله إلى سماء الدنيا، ثم يقول: لا أسال عن عبادي غيري: من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يدهوني فأجيبه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، حتى ينفجر الفجر".
فكيف لا يعكر على ذلك التأويل الذي ذكره قوله في هذا الحديث: "ثم يقول: لا أسأل عن عبادي غيري"! لأن ضمير قوله: "ثم يقول" بعود على تأيلهم، إلى الملك الذي زعموا أنه المفعول المحذوف؛ لضبطهم لفظ "ينزل" على
стр. 5201
البناء للمجهول؟! بل كيف لا ينافي هذا التأويل تمام الحديث في جميع طرقه وألفاظه التي ذكرت أن الله سبحانه هو الذي يقول: "من ذا الذي يسألني فأعطيه ... إلخ". فهل الملك هو الذي يعطي ويستجيب الدعاء ويغفر الذنوب؟! سبحانك هذا بهتان عظيم! ولقد أبطل التأويل المذكور شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من وجوه في كتابه "حديث النزول" (ص ٣٧-٤٢طبع المكتب الإسلامي) ، منها ماأشرت إليه من أن الملك ليس له أن يقول ما ذكرناه من الحديث. وقال شيخ الإسلام عقبه:
"وهذا أيضاً مما يبطل حجة بعض الناس (كأنه يشير إلى ابن فورك) ؛ فإنه احتج بما رواه النسائي في بعض طرق الحديث: "أنه يأمر منادياً فينادي"؛ فإن هذا إن كان ثابتاً عن النبي ﷺ ؛ فإن الرب يقول ذلك، ويأمر منادياً بذلك، لا أن المنادي يقول: "من يدعوني فأستجيب له؟ "، ومن روى عن النبي ﷺ أن المنادي يقول ذلك؛ فقد علمنا أنه يكذب على رسول الله ﷺ ؛ فإنه - مع أنه خلاف اللفظ المستفيض المتواتر الذي نقلته الأمة خلفاً عن سلف - فاسد في المعقول، يعلم أنه من كذب بعض المبتدعين، كما روى بعضهم: "ينزل" بالضم، وكما قرأ بعضهم: (وكلم الله موسى تكليماً) (١) ، ونحو ذلك من تحريفهم اللفظ والمعنى".
قلت: فقد أشار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إلى شكه في ثبوت رواية النسائي هذه، فهذا الشك من الشيخ، وسكوت الحافظ عليها، مما حملني على تحقيق القول فيها؛ لأن السكوت لا يجوز، والشك يشعر بأن الشيخ لم يكن على بينة من حالها، وإلا؛ لبادر إلى إنكارها. ولم يكن به من حاجة إلى الجمع بينها وبين اللفظ المحفوظ المستفيض.
стр. 5202
والأمر الآخر: أن الكوثري المشهور بعدائه الشديد للسنة وأهلها؛ قد ذكر في تعليقه على "الأسماء والصفات" (ص ٤٥٠) أن الحافظ عبد الحق قد صحح الحديث بهذا اللفظ. فأحببت أن أتثبت من أمرين:
أولهما: هل هذا العزو لعبد الحق صحيح؟ فإن الكوثري لا يوثق بكثير مما ينقله؛ لأنه يدلس.
وثانيهما: إذا كان العزو صحيحاً، فهل هو مصيب فيه أم لا؟
فأقول: أما الأمر الثاني؛ فقد سبق بيانه بما لا تراه في غير هذا الموضع، وعرفت أن الحديث بهذا اللفظ منكر لا يصح.
وأما الأمر الأول؛ فقد تبين لي أن العزو لا يصح أيضاً، إلا بشيء من الغفلة أو التدليس، وإليك البيان:
اعلم أن الحديث أورده الحافظ عبد الحق في "أحكامه" (١) ، ومنه عرفت إسناده كما سبق، فتمكنت بذلك من دراسته والكشف عن علته، ومن المعروف عند المشتغلين بالحديث - ومنهم الكوثري - أن الحديث الذي يورده عبد الحق في كتابه المذكور ساكتاً عليه فهو صحيح عنده؛ كما نص عليه، استجاز الكوثري أن يعزو إليه تصحيحه إياه، فغفل - وهذا ليس بعيداً عنه -، أو دلس - وهذا ما عهدناه منه غير مرة -، وسواء كان هذا أو ذاك؛ فإن القاعدة المذكورة ليست على إطلاقها عند
стр. 5203
الحافظ الإشبيلي؛ فقد قال بعد ما نقلته عنه:
"والحديث السقيم أكثر من أن أتعرض له، أو أشتغل به، وبعض هذه الأحاديث المعتلة ورد من طريق واحدة، فذكرته منها، وربما بينته".
قلت: فأفاد بهذا النص، أنه قد يذكر الحديث المعلول؛ ولا يبين علته إلا نادراً وفي حالة واحدة، وهي حين يكون من طريق واحدة وإسناد واحد فيذكره، ولا يبين علته، وقد يبين. فإذن؛ سوقه الحديث بإسناده عند مخرجه إشارة منه إلى أنه معلول، وهذا هو بعينه ما صنعه الحافظ الإشبيلي ﵀؛ فإنه ساق الحديث بإسناده عند النسائي كما تقدم، فكان ذلك دليلاً واضحاً عند العارفين باصطلاحه أنه معلول عنده، وذلك ينافي الصحة، لا سيما وقد أتبعه بسوقه لرواية مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً باللفظ المحفوظ. فلو لم يذكر الحافظ هذا الاصطلاح في المقدمة؛ لكان سوقه حديث النسائي بإسناده وحديث مسلم بدون إسناده؛ أوضح إشارة للعاقل اللبيب أن الإسناد علة، فتنبه لها (١) . فكيف وهو قد لفت النظر إلى هذا تصريحاً في المقدمة؟!!
فتجاهل هذا كله الكوثري، وعزا إلى الحافظ تصحيحه للحديث، وليس كذلك، بل هو عنده معلول، كما بينت، وكشفنا لك عن العلة فيما سبق من هذا التخريج. والله تعالى هو الموفق لا رب سواه.
ثم اعلم أن نزول الرب إلى السماء الدنيا كل ليلة، هو صفة
стр. 5204
من صفات أفعاله ؛ كاستوائه على عرشه، ومجيئه يوم القيامة، الثابتين في نصوص القرآن الكريم، يجب الإيمان والإذعان له على ما يليق بذاته تعالى؛ دون تعطيل أو تشبيه؛ إذ الصفة يقال فيها ما يقال في ذاته تعالى؛ فكما أننا نؤمن بذاته دون أن نكيفها، فكذلك نؤمن بصفاته كلها - ومنها النزول وغيره - دون أن نكفيها، فمن نفى نزوله تعالى حقيقة على ما يليق به بطريق التأويل؛ لزمه أن ينفي وجود ذات الله تعالى بنفس الطريق، وإلا؛ فهو متناقض؛ كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية في عديد من كتبه مثل "شرح حديث النزول"، و "التدمرية"، و "الحموية" ونحوها.
ويعجبني بهذه المناسبة ما ذكره البيهقي في "الأسماء" (ص ٤٥٣) بعد أن روى عن عبد الله بن المبارك أنه سئل: كيف ينزل؟ قال: ينزل كما يشاء. قال: قال أبو سليمان ﵀ (يعني الخطابي) :
"وإنما ينكر هذا وما أشبهه من الحديث من يقيس الأمور في ذلك بما شاهده من النزول؛ الذي هو نزلة من أعلى إلى أسفل، وانتقال من فوق إلى تحت، وهذا صفة الأجسام والأشباح، فأما نزول من لا يستولي عليه صفات الأجسام؛ فإن هذه المعاني غير متوهمة فيه، وإنما هو خبر عن قدرته ورأفته بعباده، وعطفه عليهم، واستجابته دعاءهم، ومغفرته لهم، يفعل ما يشاء، لا يتوجه على صفاته كيفية؛ ولا على أفعاله كمية. سبحانه (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) . قال: وهذا من العلم الذي أمرنا أن نؤمن بظاهره، وأن لا نكشف عن باطنه، وهو من جملة المتشابه. ذكره الله في كتابه فقال: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) الآية؛ فالمحكم منه يقع به العلم الحقيقي والعمل، والمتشابه يقع به الإيمان والعلم الظاهر، ويوكل باطنه إلى
стр. 5205
الله ، وهو معنى قوله: (وما يعلم تأويله إلا الله) ، وإنما حظ الراسخين أن يقولوا: (آمنا به كل من عند ربنا) . وكذلك ما جاء من هذا الباب في القرآن؛ كقوله : (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر) ، وقوله: (زجاء ربك والملك صفاً صفاً) ، والقول في جميع ذلك عند علماء السلف هو ما قلناه".
إذا عرفت هذا؛ فعليك بطريقة السلف؛ فإنها أعلم وأحكم وأسلم، ودع طريقة التأويل التي عليها الخلف الذين زعموا: "أن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم"؛ فإنه باطل من القول، وفيه ما لا يخفى من نسبة الجهل إلى السلف، والعلم إلى الخلف!! وسبحان الله كيف يصدر مثل هذا القول ممن يؤمن بفضائل السلف التي لا تخفى على أحد، وراجع بيان بطلان هذا القول في كتب ابن تيمية، أو في مقدمتي لـ "مختصر العلو للعلي العظيم" للحافظ الذهبي؛ باختصاري وتقدمتي التي أنا على وشك الانتهاء منها بفضله تعالى وكرمه.
ثم طبع والحمد لله سنة (١٤٠١) في المكتب الإسلامي ببيروت.
(تنبيه) : علق الدكتور فاروق حمادة على الحديث في "عمل اليوم والليلة" (ص ٣٤٠) ، فقال:
"وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" ١١/ ٤٤٤".
وهذا التخريج؛ تعليقه على هذا الحديث المنكر، وهو خطأ محض - وأرجو أن لا يكون مقصوداً وتدليساً من هذا الدكتور - وذلك؛ لأن الحديث المشار إليه في "المصنف" من طريق ابن شهاب الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن والأغر أبو عبد الله صاحبا أبي هريرة: أن أبا هريرة أخبرهما، عن رسول الله ﷺ -
стр. 5206
قال: ... فذكر الحديث باللفظ المحفوظ في "الصحيحين" وغيرهما، كما سبقت الإشارة إليه، وهو المخرج في "الإرواء" بالرقم المذكور آنفاً من الطريق الأولى عن أبي هريرة عن ابن شهاب به؛ إلا أنه لم يذكر في سنده أبا سعيد الخدري (ج ٢/ ١٩٥-١٩٦) . فهذا لفظ وطريق غير لفظ وطريق حديث الترجمة، فهل خفي ذلك على الدكتور، أم تجاهله لغاية في نفسه! أرجو أن يكون الأمر الأول، ولكن كيف يمكن هذا وهو قد علق أيضاً على اللفظ المحفوظ عن الزهري وقد أخرجه النسائي أيضاً برقم (٤٨٠) ؛ فقال الدكتور:
"هذه الرواية موافقة لمسلم والبخاري وعبد الرزاق في "المصنف" ١٠/ ٤٤٤".
فكيف يصح عزو اللفظ المنكر واللفظ المحفوظ مع اختلاف إسناديهما إلى "مصنف عبد الرزاق"؛ وهو إنما رواه بالسند الصحيح باللفظ المحفوظ، وهل يمكن أن تخفى هذا على الدكتور؟! .
وأريد هنا - أيضاً - أن أكشف عن تدجيل أحد المعلقين على كتاب ابن الجوزي "دفع شبه التشبيه"؛ وهو الذي لقبه أحدهم بحق بـ "السخاف"؛ فإنه تجاهل الطرق المتواترة في "الصحيحين" وغيرهما؛ المتفقة على أن الله هو الذي ينزل، وهو الذي يقول: "من يدعوني.. من يستغفرني.. من يسألني"؛ فعطل هذه الدلالة القاطعة الصريحة بقوله (ص ١٩٢) : إن المراد بالحديث أن الله ينزل ملكاً! تقليداً منه لابن حجر في "الفتح" (٣/ ٣٠) ، وقوى ذلك برواية النسائي المنكرة هذه، ولو أن هذا المتجاهل اكتفى في التقليد على ما في "الفتح"؛ لهان الأمر بعض الشيء، ولكنه أخذ يرد علي بالباطل تضعيفي لرواية النسائي هذه؛ بتحريفه لكلامي أولاً، وبالافتراء علي ثانياً؛ فاسمع إليه كيف يقول:
стр. 5207
"وقد زعم أن حفص بن غياث تغير حفظه قليلاً". فأقول غاضاً النظر عن مناقشته في قوله: "زعم"!
أولاً: قوله: "رواية حفص عن الأعمش كانت في كتاب.." إلخ. تدليس خبيث على القراء، وكذب على الحافظ المزي والحافظ العسقلاني؛ فإن الذي في "تهذيبيهما": "أنه كان عند عمر بن حفص كتاب أبيه عن الأعمش"! فهذا شيء، وكون حديثه هذا المنكر كان في كتابه شيء آخر، كما لا يخفى على القراء.
ثانياً: قوله: "فلا يضرها اختلاط حفص بأخرة على تسليم وقوعه"!
فأقول: يلاحظ أنه بتغيير لفظة "الاختلاط" مكان قولي: "تغير"، يدل على شيئين أحلاهما مر:
الأول: أنه لا يفرق بين اللفظين، وأن حكم من تغير من الثقات حكم من اختلط منهم عنده، وهذا هو اللائق بجهله وتعلقه بهذا العلم!! والواقع أن التغير ليس جرحاً مسقطاً لحديث من وصف به، بخلاف من وصف بالاختلاط، والأول يقبل حديث من وصف به؛ إلا عند الترجيح كما هنا، وأما من وصف بالاختلاط؛ فحديثه ضعيف؛ إلا إذا عرف أنه حدث به قبل الاختلاط.
والآخر: أنه تعمد التغيير المذكور تضليلاً وتمهيداً للاعتذار عن قوله: "على تسليم وقوعه"!
стр. 5208
فإذا تنبه لتلاعبه بالألفاظ وقيل له: كيف تنكر تغيره وفي "التهذيبين" نقول صريحة عن الأئمة بوصفه بذلك؟ أجاب: بأنني عنيت الاختلاط وهذا غير مسلم به!
وإذا قيل له: البحث في التغير - وهذا مما يمكن إنكاره -؛ قال: قد أجبت عنه بأن الحديث في كتاب حفص!! وقد يبدو أن هذا الكلام فيه تكلف ظاهر في تأويل تغييره المذكور، فأقول: هو كذلك، ولكنه لا بد من هذا عند افتراض أنه تعمد التغيير، وإلا؛ فالاحتمال أنه أتي من قبل جهله هو الوجه.
رابعاً: لو فرض أن حفص بن غياث لم يرم بالتغير وكان كسائر الثقات الذين لم يرموا بجرح مطلقاً؛ فحينئذ يرد حديثه هذا بالشذوذ؛ لمخالفته لأولئك الثقات الستة الذين رووه بنسبة النزول إلى الله صراحة، وقوله : "من يدعوني.. من يستغفرني.." إلخ.
راجع: "تفسير القرطبي" (٤/ ٣٩) ، و "أقاويل الثقات" (ص ٢٠٥) .
٣٨٩٨ - (إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار. يعني: أطفال المشركين) .
موضوع
أخرجه أحمد (٦/ ٢٠٨) عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل، عن بهية، عن عائشة:
أنها ذكرت لرسول الله ﷺ أطفال المشركين، فقال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ بهية - بالتصغير - لا تعرف.
ويحيى بن المتوكل؛ متفق على تضعيفه، بل قال عمرو بن علي الفلاس:
"فيه ضعف شديد". وقال ابن حبان:
стр. 5209
"ينفرد بأشياء ليس لها أصول، لا يرتاب الممعن في الصناعة أنها معمولة".
قلت: فقول الحافظ فيه في "التقريب": "ضعيف" فيه قصور، بل هو أسوأ من ذلك، والصواب قوله في "الفتح" (٣/ ١٩٥-بولاق" بعد أن ساق الحديث:
"وهو حديث ضعيف جداً؛ لأن في إسناده أبا عقيل مولى بهية؛ وهو متروك".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة" (٢/ ٢٣٣-٢٣٤- دار العروبة) بعد أن ذكر الحديث بنحوه:
"وهذا الحديث كذب موضوع عند أهل الحديث، ومن هو دون أحمد من أئمة الحديث يعرف هذا فضلاً عن مثل أحمد".
قلت: وإنما جزم شيخ الإسلام بوضعه - وإن كان السند لا يقتضي ذلك -؛ لمنافاة متنه للمقطوع به في الإسلام من الأدلة الكثيرة القاضية بعدم التكليف إلا بعد البلوغ، وقيام الحجة؛ كما في قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) [الإسراء: ١٥] ، وقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ ... " الحديث (١) .
(تنبيه) : ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الحديث من مسند خديجة ﵂، ولم أقف عليه عنها، وإنما رواه عبد الرزاق من طريق أبي معاذ، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: سألت خديجة النبي ﷺ عن أولاد المشركين؟ فقال: "هم مع آبائهم ... " الحديث، وليس فيه التصريح بأنهم في النار. قال الحافظ (٣/ ١٩٦) :
"وأبو معاذ هو سليمان بن أرقم، وهو ضعيف".
стр. 5210
ثم إن حديث الترجمة ذكره الحافظ من رواية أحمد بلفظ أتم مما تقدم عنه، فإنه قال:
"وروى أحمد من حديث عائشة: سألت رسول الله ﷺ عن ولدان المسلمين؟ قال: "في الجنة". وعن أولاد المشركين؟ قال: "في النار". فقلت: "يا رسول الله! لم يدركوا الأعمال؟! قال: ربك أعلم بما كانوا عاملين، لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار".
ولم أره في "مسند أحمد" بهذا التمام، وظني أنه في "الكامل" لابن عدي، فليراجع في ترجمة ابن المتوكل هذا، فإن نسخة الظاهرية منه فيها خرم.
٣٨٩٩ - (إن الجنة عرضت علي، فلم أر مثل ما فيها، وإنها مرت بي خصلة من عنب، فأعجبتني، فأهويت إليها لآخذها، فسبقتني، ولو أخذتها لغرستها بين ظهرانيكم حتى تأكلوا من فاكهة الجنة، واعلموا أن الكمأة دواء العين، وأن العجوة من فاكهة الجنة، وأن هذه الحبة السوداء التي تكون في الملح؛ اعلموا أنها دواء من كل داء إلا الموت) .
ضعيف الإسناد
أخرجه أحمد (٥/ ٣٥١) : حدثنا محمد بن عبيد: حدثنا صالح - يعني: ابن حيان - عن ابن بريدة، عن أبيه: أنه كان مع رسول الله ﷺ في اثنين وأربعين من أصحابه، والنبي ﷺ يصلي في المقام وهم خلفه جلوس ينتظرونه، فلما صلى أهوى فيما بينه وبين الكعبة كأنه يريد أن يأخذ شيئاً، ثم انصرف إلى أصحابه، فثاروا، وأشار إليهم أن اجلسوا، فجلسوا، فقال: "رأيتموني حين فرغت من صلاتي أهويت فيما بيني وبين الكعبة كأني أريد أن آخذ شيئاً؟ "، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: ... فذكره.
стр. 5211
وهذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات رجال الستة غير صالح بن حيان وهو القرشي الكوفي؛ وهو ضعيف؛ كما في "التقريب".
وقد رواه عنه مختصراً زهير بن معاوية، فانقلب عليه اسمه، فقال: عن واصل ابن حيان البجلي: حدثني عبد الله بن بريدة به. فانظر (الكمأة دواء العين) تحت الحديث (٨٦٣) من "الصحيحة".
وقد أورده الهيثمي في "المجمع" بهذا التمام، ثم قال (٥/ ٨٧) :
"رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح؛ إلا أن الإمام أحمد قال: سمع زهير من واصل بن حيان وصالح بن حيان، فجعلهما واصلاً (١) .
قلت: واصل ثقة، وصالح بن حيان ضعيف، وهذا الحديث من رواية واصل في الظاهر، والله أعلم. وقد رواه باختصار من رواية صالح أيضاً".
قلت: هذه الرواية المختصرة ليست من رواية صالح عند أحمد، بل هي رواية زهير المعلة عن واصل بن حيان، واستظهاره أن الحديث من رواية واصل الثقة خلاف الظاهر عندي؛ فإن الذي قال "عن واصل" إنما هو زهير بن معاوية، وقد حكموا بخطئه؛ كما بينت ذلك في المكان المشار إليه من "الصحيحة".
٣٩٠٠ - (إن الحجامة أفضل ما تداوى به الناس) .
ضعيف
أخرجه الحاكم (٤/ ٢٠٩) عن زيد بن أبي أنيسة، عن محمد بن قيس: حدثنا أبو الحكم البجلي - وهو عبد الرحمن بن أبي نعم - قال: دخلت على أبي هريرة ﵁ وهو يحتجم، فقال لي: يا أبا الحكم! احتجم، فقلت: ما احتجمت قط، قال: أخبرني أبو القاسم ﷺ : أن جبريل ﵇ أخبره ... به.
стр. 5212
وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، كذا قالا!
وقد أورد الهيثمي الحديث في "المجمع" (٥/ ٩١) وقال:
"رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه محمد بن قيس النخعي؛ ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه ولم يوثقه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وقال ابن حبان في "الثقات":
"يخطىء ويخالف".
قلت: فهو - على هذا - ضعيف.
٣٩٠١ - (أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: من داوم على قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة؛ أعطيته أجر المتقين وأعمال الصديقين) .
منكر جداً
رواه الثعلبي في "تفسيره" من حديث أنس بن مالك ﵁؛ كما في "شرح البخاري" للعيني (٣/ ٢٠٤) .
قلت: وسكت عليه! ولوائح الوضع ظاهرة عليه في نقدي.
ثم رأيت الحديث قد أورده ابن كثير في "التفسير" (١/ ٣٠٧) ، فقال: قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقرىء بسنده، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ نحوه. وقال ابن كثير:
"وهذا حديث منكر جداً".
قلت: وآفته محمد بن الحسن هذا - وهو أبو بكر النقاش المفسر -، وهو كذاب كما في "الميزان" و "اللسان"، يرويه بإسناد له، عن زياد بن إبراهيم: أخبرنا أبو
стр. 5213
حمزة السكري، عن المثنى، عن قتادة، عن الحسن عنه.
وزياد هذا؛ لم أعرفه.
ثم رأيت الحديث قد أخرجه الديلمي في "مسند الفردوس" (١/ ١٦٥/ ٢) من طريق أخرى، عن زياد النميري: حدثنا أبو حمزة به.
وزياد النميري من طبقة التابعين مع ضعف فيه؛ فما أظنه إلا محرفاً.
لكن المثنى بن الصباح ضعيف مختلط، فإن سلم ممن دونه فهو الآفة.
وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ٤١) في ترجمة خالد بن الحسين أبي الجنيد الضرير البغدادي قال: حدثنا حماد الربعي، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً به، وله عنده تتمة.
وروى ابن عدي، عن يحيى بن معين قال:
"أبو الجنيد الضرير؛ ليس بثقة".
ثم ساق له أحاديث هذا أحدها، ثم قال:
"وله غيرها، وعامتها عن الضعفاء، أو قوم لا يعرفون، فالبلاء منه أو من غيره".
وحماد الربعي؛ من أولئك المجاهيل الذين أشار إليهم ابن عدي. وقال الذهبي في "الميزان" و "الضعفاء":
"لا يعرف".
وفي الباب حديث آخر جيد خرجته في "الصحيحة" (٩٧٢) .
стр. 5214
٣٩٠٢ - (يا أيها الناس! ما بالكم أسرعتم في حظائر يهود! ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها، وحرام عليكم حمر الأهلية والإنسية، وخيلها وبغالها، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير) .
ضعيف
أخرجه أبو داود (٢/ ١٤٤) ، وأحمد (٤/ ٩٠) واللفظ له من طريق محمد بن حرب الخولاني: حدثني أبو سلمة سليمان بن سليم، عن صالح بن يحيى ابن المقدام، عن ابن المقدام، عن جده المقدام بن معدي كرب قال: غزوت مع خالد بن الوليد الصائفة، فقرم أصحابي إلى اللحم، فقالوا: أتأذن أن نذبح رمكة له؟ قال: فحبلوها، فقلت: مكانكم حتى آتي خالد بن الوليد فأسأله عن ذلك، فأتيته فأخبرته خبر أصحابي، فقال:
غزوت مع رسول الله ﷺ غزوة خيبر؛ فأسرع الناس في حظائر يهود، فقال: يا خالد! ناد في الناس: إن الصلاة جامعة، لا يدخل الجنة إلا مسلم"، ففعلت فقام في الناس، فقال: ... فذكره.\
وهذا سند ضعيف؛ من أجل يحيى بن المقدام. قال البخاري:
"فيه نظر"، وقال ابن حبان في "الثقات":
"يخطىء"، وفي "التقريب":
"لين".
والحديث أخرجه الطبراني في "معجمه" أيضاً، عن أبي سلمة به. وأخرجه أيضاً، عن سعيد بن غزوان، عن صالح به؛ كما في "نصب الراية" (٤/ ١٩٦) .
ورواه الدارقطني في "سننه" (٥٤٦) عن ثور بن يزيد، عن صالح بن يحيى به
стр. 5215
نحوه. وروى عن موسى بن هارون أنه قال:
"لا يعرف صالح بن يحيى ولا أبوه إلا بجده، وهذا حديث ضعيف". وقال الواقدي:
"لا يصح هذا؛ لأن خالداً أسلم بعد فتح خيبر".
قلت: ولهذه القصة شاهد في الجملة فانظر: "أيحسب أحدكم متكئاً"، وراجع أيضاً: "منعني ربي".
٣٩٠٣ - (قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فإني قرأت على جبريل: أعوذ بالله السميع العليم، فقال لي: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم قال لي جبريل: هكذا أخذت عن ميكائيل، وأخذها ميكائيل عن اللوح المحفوظ) .
ضعيف
أخرجه ابن الجوزي في "مسلسلاته" (ق ١٤/ ٢) ، وعنه الجزري في "النشر في القراءات العشر" (١/ ٢٤٤-٢٤٥) من طريق أبي عصمة محمد بن أحمد السجزي قال: قرأت على أبي محمد عبد الله بن عجلان بن عبد الله الزنجاني: أعوذ بالله السميع العليم، فقال لي: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فإني قرأت على أبي عثمان سعيد بن عبد الرحمن الأهوازي: أعوذ بالله السميع العليم، فقال لي: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فإني قرأت على محمد بن عبد الله بن بسطام: أعوذ بالله السميع العليم، فقال لي: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فإني قرأت على يعقوب بن إسحاق الحضرمي (قلت: فذكر إسناده مسلسلاً بقراءة: أعوذ بالله السميع العليم، والأمر بقراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) : قرأت على سلام أبي المنذر: قرأت على عاصم بن أبي
стр. 5216
النجود: قرأت على زر بن حبيش: قرأت على عبد الله بن مسعود، فقال لي: قرأت على رسول الله ﷺ : أعوذ بالله السميع العليم، فقال لي: ... فذكره.
وأخرجه الشيخ محمد بن عبد الباقي الأيوبي في "المناهل المسلسلة" (ص ٧٦-٧٨) ، والشيخ عبد الحفيظ الفاسي في "الآيات البينات في شرح وتخريج الأحاديث المتسلسلات" (ص ٩٥-٩٦) من طريق أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الثعلبي: قرأت على أبي الفضل محمد بن جعفر الخزاعي: قرأت على أبي الحسين عبد الرحمن بن محمد بالبصرة: قرأت على أبي محمد عبد الله بن عجلان الزنجاني به. وعلقه الجزري فقال (١/ ٢٤٣) :
"وقد روى أبو الفضل الخزاعي، عن المطوعي، عن الفضل بن الحباب، عن روح بن المؤمن ... "، وقال الجزري عقبه:
"حديث غريب جيد الإسناد من هذا الوجه".
قلت: هذا مسلم لو سلم ممن دون الفضل بن الحباب، وليس كذلك؛ فإن المطوعي متكلم فيه، واسمه الحسن بن سعيد بن جعفر أبو العباس، قال الذهبي في "الميزان":
"حدث عنه أبو نعيم الحافظ، وقال: في حديثه وفي روايته لين. وقال أبو بكر بن مردويه: ضعيف".
وساق له الحافظ في "اللسان" حديثاً، وبين أنه أخطأ في إسناده مرتين، فراجعه، وذكر أنه كان رأساً في القراءات، وقد ترجمه الجزري في "غاية النهاية في طبقات القراء"، وقال (١/ ٢١٣) :
"إمام عارف، ثقة في القراءة".
стр. 5217
فأشار إلى أنه ليس ثقة في الرواية، وهو ما صرح به أبو نعيم وابن مردويه كما تقدم، فلا تنافي بين قول الجزري وقوليهما، خلافاً لما ظنه الأيوبي في "مناهله".
على أنه قد فاته أن الراوي عنه ضعيف أيضاً، وهو أبو الفضل الخزاعي، واسمه محمد بن جعفر بن عبد الكريم بن بديل؛ أورده الذهبي أيضاً، فقال:
"ألف كتاباً في قراءة أبي حنيفة، فوضع الدارقطني خطه بأن هذا موضوع لا أصل له. وقال غيره: لم يكن ثقة".
وقال الخطيب في "تاريخه" (٢/ ١٥٨) :
"كان أبو الفضل الخزاعي شديد العناية بعلم القراءات، ورأيت له مصنفاً يشتمل على أسانيد القراءات المذكورة، فيه عدة من الأجزاء، فأعظمت ذلك واستنكرته، حتى ذكر لي بعض من يعتني بعلوم القراءات أنه كان يخلط تخليطاً قبيحاً، ولم يكن على ما يرويه مأموناً. وحكى لي القاضي أبو العلاء الواسطي عنه أنه وضع كتاباً في الحروف، ونسبه إلى أبي حنيفة. قال أبو العلاء: فأخذت خط الدارقطني وجماعة من أهل العلم كانوا في ذلك الوقت؛ بأن ذلك الكتاب موضوع لا أصل له، فكبر عليه ذلك وخرج من بغداد إلى الجبل. ثم بلغني بعد أن حاله اشتهرت عند أهل الجبل، وسقطت هناك منزلته".
ولم يعبأ بهذا كله العلامة الجزري، فوثق الخزاعي، وليس له ذلك، بعدما علمت من حاله وتخليطه واستنكار الخطيب عليه، ونسبة أبي العلاء الواسطي وغيره إياه إلى الوضع على أبي حنيفة، وأما قول الجزري:
"قلت: لم تكن عهدة الكتاب عليه، بل على الحسن بن زياد كما تقدم (يعني في ترجمته الحسن هذا، وهو اللؤلؤي: ج١ص٢١٣) ، وإلا؛ فالخزاعي إمام جليل من أئمة القراء الموثوق بهم. والله أعلم".
стр. 5218
وأقول: هذا تكلف ظاهر في الدفاع عن الرجل؛ لأن الحمل في الكتاب على اللؤلؤي؛ كان يفيد في تبرئة الخزاعي من عهدته لو أنه كان في كلام الواسطي بيان أنه من روايته عنه، أما والأمر ليس كذلك؛ فلا فائدة من الحمل فيه على اللؤلؤي، بل هذا يحمل عهدة كتابه، والخزاعي يحمل عهدة كتابه الذي وضعه هو على أبي حنيفة، ولو الأمر كما أراده الجزري؛ لكان الخزاعي نفسه تبرأ من عهدة الكتاب وألصقها باللؤلؤي الذي زعم الجزري أنه رواه عنه، ولم يكن به حاجة أن يفر من بغداد إلى الجبل.
ومما يدلك على ضعف هذا الرجل واستكثاره من الأسانيد؛ أنه رواه مرة عن المطوعي بإسناده المتقدم، ومرة أخرى قال: قرأت على أبي الحسين عبد الرحمن ابن محمد بسنده المتقدم أيضاً؛ من رواية أبي إسحاق الثعلبي عنه. ومن أبو الحسين هذا؟ الله أعلم به.
فإن قيل: قد تابعه أبو عصمة محمد بن أحمد السجزي؛ كما في رواية ابن الجوزي المذكورة في أول هذا التخريج.
فأقول: لا قيمة لمثل هذا المتابعة؛ لأن أبا عصمة هذا مجهول لم نجد له ترجمة في شيء من المصادر التي تحت أيدينا.
ومثله: أبو عثمان سعيد بن عبد الرحمن الأهوازي، ومحمد بن عبد الله ابن بسطام؛ لم أعرفهما.
وأما أبو محمد عبد الله بن عجلان بن عبد الله الزنجاني؛ فقد أورده الجزري في "طبقاته" (١/ ٤٣٣) من رواية الحسين بن محمد بن حبش فقط عنه، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، فهو مجهول أيضاً.
стр. 5219
وجملة القول؛ أن الحديث ضعيف؛ لأن مدار الطريق الأولى على مجهولين، والطريقين الأخريين على أبي الفضل الخزاعي وهو متهم، كما تقدم، فلا يصلح شاهداً للطريق الأولى، فلا يغتر أحد بقول الفاسي وغيره؛ أن طرقه تقوت بتعددها؛ لأن شرط التقوية بكثرة الطرق مفقود هنا لوجهين:
الأول: أنه لا طرق هنا، وإنما هما طريقان فقط؛ كما تبين من هذا التخريج.
والآخر: أن من شروط التقوية؛ أن لا يشتد الضعف، وهذا منفي هنا لما عرفت من حال الخزاعي. والله تعالى هو الموفق لا رب سواه.
(تنبيه) : سلام أبو المنذر الذي في إسناد هذا الحديث؛ هو ابن سليمان المزني أبو المنذر القارىء النحوي؛ وهو حسن الحديث، وقع في رواية الجزري في موضعين منه "سلام بن المنذر"، وهو خطأ مطبعي؛ فقد ترجمه في محله منه (١/ ٣٠٩) على الصواب، لكن وقع فيه وصفه بـ (الطويل) ، وهذا خطأ منه، بدليل أنه قال فيه: "ثقة جليل، ومقرىء كبير". والطويل ليس كذلك؛ بل هو متروك، ثم إن الصواب في اسم والد الطويل أنه (سلم) كما جزم به الحافظ في "التهذيب".
وذكر في ترجمة الأول عن ابن حبان أنه قال:
"وليس هذا بسلام الطويل؛ ذاك ضعيف، وهذا صدوق".
ولهذا؛ رأيت التنبيه على ذلك. والله ﵎ الموفق.
٣٩٠٤ - (كان إذا انصرف من صلاته مسح جبهته بيده اليمنى وقال: باسم الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، اللهم! أذهب عني الهم والحزن) .
ضعيف
أخرجه أسلم الواسطي في "تاريخه" (ص ١٦١) عن محمد بن يزيد،
стр. 5220
عن عنبسة بن عبد الواسطي، عن عمرو بن قيس قال: ... فذكره مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف مرسل، وعمرو بن قيس جمع من التابعين فمن دونهم، ولم أعرف هذا من بينهم.
وعنبسة بن عبد الواسطي؛ لم أجده.
والحديث أسنده ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (١١٠) من طريق سلام المدائني، عن زيد العمي، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك مرفوعاً به.
وهذا إسناد هالك؛ سلام بالتشديد - وهو ابن سلم الطويل المدائني -؛ متروك متهم بالكذب والوضع.
٣٩٠٥ - (عليكم بالصدق؛ فإنه باب من أبواب الجنة، وإياكم والكذب؛ فإنه باب من أبواب النار) .
موضوع
أخرجه الخطيب في "التاريخ" (١١/ ٨٢) من طريق عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة: حدثنا حبيب بن مزيد الشني قال: حدثني ربيعة بن مرداس قال: سمعت عمرو بن يزيد يقول: سمعت أبا بكر يقول: ... فذكره مرفوعاً.
قلت: وهذا موضوع؛ آفته ابن جبلة هذا؛ قال أبو حاتم:
"كان يكذب"، وضرب على حديثه. وقال الدارقطني:
"متروك يضع الحديث".
ومن بينه وبين أبي بكر؛ لم أعرفهم.
وقد ثبت الحديث من طرق عن أبي بكر الصديق ليس فيها ذكر الأبواب، وإنما بلفظ: "في الجنة"، و: "في النار"، وهي مخرجة في "الروض النضير" رقم (٩١٧) .