الأولى: أن ما نقله من كتاب ابن أبي حاتم وهم محض؛ لأن ذلك إنما قاله ابن أبي حاتم في ترجمة صدقة بن عيسى (٢/ ١/ ٤٢٨) ، وهي عنده عقب ترجمة صدقة أبي توبة مباشرة، فلعل هذا هو سبب الوهم؛ انتقل بصره حين النقل من ترجمته إلى ترجمة الذي يليه، وأستبعد أن يكون تعمد ذلك تقوية للحديث بتقويته للراوي المجهول تعصباً منه لمذهبه! فصدقة بن عيسى هو غير صدقة أبي توبة عند ابن أبي حاتم، وكذلك غاير بينهما البخاري في "التاريخ" (٢/ ٢/ ٢٩٣-٢٩٤) ، ولم يذكرا فيهما جرحاً ولا تعديلاً.
والأخرى: أن توثيق ابن حبان لأبي توبة - مع تساهله المعروف في التوثيق - معارض بقول الذهبي في "كنى الميزان" - وتبعه العسقلاني -:
"اسمه صدقة الرهاوي، لا يعرف، تفرد عنه معاوية بن صالح".
وصدقة بن عيسى المتقدم، قد أعاد ابن أبي حاتم ذكره في حرف العين فقال: "عيسى بن صدقة، ويقال: صدقة بن عيسى أبو محرز، والصحيح الأول. قال أبو الوليد: ضعيف. وقال أبو زرعة: شيخ. وكذا قال أبو حاتم وزاد: يكتب حديثه".
وقال الدارقطني: "متروك". وقال ابن حبان: "منكر الحديث".
قلت: فمن المحتمل أن يكون عيسى هذا هو صدقة بن عيسى، الذي انقلب اسمه على بعض الرواة، ويكون هو نفسه صدقة أبو توبة، فإن ثبت هذا فهو ضعيف متروك، وإلا فهو مجهول.
وبالجملة؛ فكل هذه الطرق إلى عمرو بن شعيب واهية، وبعضها أوهى من بعض. ولذلك قال البيهقي في "المعرفة":
стр. 5497
"وعطاء الخراساني معروف بكثرة الغلط ... ونحن إنما نحتج بروايات عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده إذا كان الراوي عنه ثقة، وانضم إليه ما يؤكده، ولم نجد لهذا الحديث طريقاً صحيحاً إلى عمرو".
ذكره الزيلعي (٣/ ٢٤٨-٢٤٩) وأقره، وقال الحافظ ابن حجر في "الدارية" (٢/ ٧٦) :
"ودون عمرو من لا يعتمد عليه".
وأما قول ابن التركماني:
"وعطاء؛ وثقه ابن معين وأبو حاتم وغيرهما، واحتج به مسلم في "صحيحه". وابنه عثمان؛ ذكره ابن أبي حاتم في كتابه وقال: سألت أبي عنه فقال: يكتب حديثه. ثم ذكر عن أبيه قال: سألت دحيماً عنه فقال: لا بأس به. فقلت: إن أصحابنا يضعفونه؟ قال: وأي شيء حدث عثمان من الحديث؟! واستحسن حديثه. (قال ابن التركماني:)
فعلى هذا؛ أقل الأحوال أن تكون روايته هذه متابعة لرواية صدقة، فتبين أن سند هذا الحديث جيد، فلا نسلم قول البيهقي: لم تصح أسانيده إلى عمرو".
فأقول له: سلمت أو لم تسلم، فلا قيمة لكلامك؛ لأنك لا تتجرد للحق، وإنما لتقوية المذهب، ولو بما هو أو هى من بيت العنكبوت؛ فإنك عمدت في تقوية الرجلين - عثمان بن عطاء وأبيه - إلى أحسن ما قيل من التعديل، وأعرضت عن كل ما قيل فيهما من التجريح، وليس هذا سبيل الباحثين الذين يقيم العلماء لكلامهم وزناً، وذلك لأنه بهذا الأسلوب المنحرف يستطيع أهل الأهواء أن يصححوا أو يضعفوا ما شاؤوا من الأحاديث بالإعراض عن قواعد هذا العلم الشريف ومنها قاعدة: الجرح مقدم على التعديل؛ بشرطها المعروف عند العلماء.
стр. 5498
فقد أعرض الرجل عن كل ما قيل في عثمان من الجرح؛ كقول الحاكم - مع تساهله -: "يروي عن أبيه أحاديث موضوعة". وقول الساجي: "ضعيف جداً". وغير ذلك مما تراه في "التهذيب" وغيره.
وكذلك فعل في أبيه عطاء؛ فلم يعرج على ماقيل فيه من الجرح المفسر؛ كقول شعبة فيه: "حدثنا عطاء الخراساني وكان نسياً". وقول ابن حبان: "كان رديء الحفظ يخطىء ولا يعلم"، ولذلك قال الحافظ فيه كما تقدم:
"صدوق يهم كثيراً، ويرسل ويدلس".
فإن سلم منه فلن يسلم من ابنه؛ لشدة ضعفه. والله أعلم.
٥- أما الموقوف؛ فله عنه طريقان:
الأولى: يرويها عمر بن هارون، عن ابن جريج والأوزاعي، عن عمرو بن شعيب به موقوفاً.
أخرجه الدارقطني، وعنه البيهقي.
والأخرى: عن يحيى بن أبي أنيسة، عنه به.
أخرجه البيهقي وقال:
"وفي ثبوت هذا موقوفاً أيضاً نظر، فراوي الأول عمر بن هارون؛ وليس بالقوي، وراوي الثاني يحيى بن أبي أنيسة؛ وهو متروك".
قلت: ومثله عمر بن هارون؛ ففي "التقريب":
"متروك، وكان حافظاً".
وبالجملة؛ فالحديث لا يثبت من جميع هذه الطرق عن عمرو بن شعيب، لا مرفوعاً ولا موقوفاً.
стр. 5499
وقد روي عن ابن عباس مرفوعاً، ولا يصح أيضاً. لأنه من رواية يحيى بن صالح الأيلي، عن إسماعيل بن أمية، عن عطاء، عنه.
أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٧/ ٢٧٠٠) ، وعنه البيهقي (٧/ ٣٩٧) وقال:
"وهذا الحديث بهذا الإسناد باطل، يحيى بن صالح الأيلي؛ أحاديثه غير محفوظة. والله تعالى أعلم".
٤١٢٨ - (المقيم على الزنا كعابد وثن) .
ضعيف جداً
رواه ابن نظيف في "الفوائد" (١٠٠/ ١) عن كثير بن يزيد ابن أبي صابر: أخبرنا جنادة بن مروان، عن الحارث بن النعمان ابن أخت سعيد بن جبير، عن أنس بن مالك مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ الحارث هذا؛ قال البخاري:
"منكر الحديث". وقال العقيلي:
"أحاديثه مناكير".
وجنادة بن مروان؛ قال أبو حاتم:
"ليس بقوي في الحديث".
وله طريق آخر، رواه ابن عساكر (٧/ ١٦١/ ٢) عن إبراهيم بن الهيثم البلدي: أخبرنا علي بن عياش الحمصي، عن سعيد بن عمارة، عن الحارث بن النعمان قال: سمعت أنس بن مالك مرفوعاً.
قلت: وسعيد بن عمارة؛ قال الأزدي:
"متروك". وقال ابن حزم:
стр. 5500
"مجهول". وقال الحافظ:
"ضعيف".
٤١٢٩ - (من قرأ بعد صلاة الجمعة (قل هو الله أحد) و (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) سبع مرات؛ أجاره الله بها من السوء إلى الجمعة الأخرى) .
ضعيف
رواه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٣٦٩) ، وابن شاهين في "الترغيب" (٣١٤/ ٢) ، وأبو محمد المخلدي في "الفوائد" (٣/ ٢٣٥/ ١) ، وأبو محمد الخلال في "فضائل سورة الإخلاص" (١٩٤-١٩٥) عن الخليل بن مرة، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، عن عائشة مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ من أجل الخليل بن مرة؛ فإنه ضعيف؛ كما جزم به في "التقريب".
وأخرجه سعيد بن منصور في "سننه" عن مكحول مرسلاً؛ وزاد في أوله:
"فاتحة الكتاب". وقال في آخره:
"كفر الله عنه ما بين الجمعتين".
وهو مع إرساله؛ فيه فرج بن فضالة؛ وهو ضعيف.
وأخرجه بهذه الزيادة: أبو الأسعد القيشري في "الأربعين" من طريق أبي عبد الرحمن السلمي، عن محمد بن أحمد الرازي، عن الحسين بن داود البلخي، عن يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس مرفوعاً. وقال في آخره:
"غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر".
стр. 5501
وهذا موضوع؛ آفته البلخي هذا؛ قال الخطيب في "التاريخ" (٨/ ٤٤) :
"لم يكن ثقة؛ فإنه نسخة عن يزيد بن هارون عن حميد عن أنس؛ أكثرها موضوع".
ثم ساق له حديثاً آخر، من طريق أخرى عن ابن مسعود مرفوعاً. وقال:
"تفرد بروايته الحسين، وهو موضوع، ورجاله كلهم ثقات؛ سوى الحسين بن داود".
وأبو عبد الرحمن السلمي؛ صوفي متهم بوضع الأحاديث للصوفية.
٤١٣٠ - (من قذف ذمياً حد له يوم القيامة بسياط من نار) .
موضوع
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/ ٥٧/ ١٣٥) ، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢١٧٧) عن مصعب بن سعيد: حدثنا محمد بن محصن، عن الأوزاعي، عن مكحول، عن واثلة مرفوعاً به. فقلت لمكحول: ما أشد ما يقال؟ قال: يقال له: يا ابن الكافر!
قلت: وهذا موضوع؛ آفته محمد بن محصن؛ وهو كذاب وضاع، وفي ترجمته ذكره ابن عدي مع أحاديث أخرى، قال في آخرها:
"وله أحاديث غير ما ذكرت؛ كلها مناكير موضوعة".
ومن طريق ابن عدي؛ أورده ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ١٣٠) وقال:
"قال ابن حبان: محمد بن محصن يضع الحديث على الثقات، لا يحل ذكره إلا على وجه القدح فيه".
وبه أعله الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٢٨٠) ؛ إلا أنه قال:
"وهو متروك".
стр. 5502
وفاته هو وغيره؛ إعلاله بالراوي عنه مصعب بن سعيد، ووقع في "المعجم" وغيره: "ابن سعد" وهو خطأ مطبعي فيما يظهر. والله أعلم، وهو أبو خيثمة المصيصي؛ قال ابن عدي (٦/ ٢٣٦٢) :
"يحدث عن الثقات بالمناكير ويصحف عليهم".
ثم ساق له جملة من الأحاديث؛ وقال الذهبي عقبها:
"قلت: ومع ذلك كله سود السيوطي بهذا الحديث "جامعه الصغير"، مع أنه أقر ابن الجوزي على وضعه بسكوته عليه وعدم تعقبه إياه بشيء في "اللآلي" (٢/ ٢٠٠) ، خلافاً لعادته.
وأما ما في "فيض القدير": أن السيوطي تعقب ابن الجوزي في "مختصر الموضوعات" ساكتاً عليه؛ فأظن أن في العبارة تحريفاً؛ لأن التعقب والسكوت لا يجتمعان، فلعل الأصل: "وأقره المؤلف ... ".
وأما قوله في "التيسير" عقب الحديث:
"حم ق د ت، عن أبي هريرة".
فهو خطأ مطبعي يقيناً.
٤١٣١ - (ليس أحد منكم بأكسب من أحد، وكتب الله المصيبة والأجل، وقسم المعيشة والعمل، والناس يجرون فيه على منتهى، والرزق مقسوم وهو آت ابن آدم على أي سيرة سارها، ليس تقوى تقي بزائده ولا فجور فاجر بناقصه، بينه وبين الله ستر وهو طالبه) .
ضعيف جداً
رواه الحافظ ابن المظفر في "الفوائد المنتقاة" (٢/ ٢١٨/ ١) ،
стр. 5503
وأبو محمد الجوهري في "أربعة مجالس" (١١٥/ ٢) عن القاسم بن هاشم السمسار قال: حدثنا الخطاب بن عثمان قال: حدثنا يوسف بن السفر، عن الأوزاعي، عن عبد ة بن أبي لبابة، عن شقيق، عن ابن مسعود مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات؛ غير يوسف هذا؛ وهو كذاب كما تقدم مراراً.
والسمسار هذا؛ صدوق؛ له ترجمة في "تاريخ بغداد" (١٢/ ٤٢٩-٤٣٠) .
وله متابع عند أبي نعيم في "الحلية" (٦/ ١١٦) وقال:
"غريب من حديث الأوزاعي وعبد ة، لم نكتبه إلا من حديث الخطاب".
وله متابع آخر؛ فقال ابن أبي الدنيا في "القناعة" (١١٧/ ١) : حدثني محمد بن المغيرة الشهرزوري قال: حدثنا الخطاب بن عثمان به.
والشهرزوري هذا؛ قال ابن عدي في "الكامل" (ورقة ٣٧٥/ ١) :
"يسرق الحديث، وهو عندي ممن يضع الحديث".
قلت: ولعله سرقه من السمسار أو متابعه الأول، وعلى كل حال فإنما آفة الحديث يوسف بن السفر كما تقدم.
(تنبيه) : ليس عند ابن أبي الدنيا وأبي نعيم: "والرزق مقسوم ... " إلخ وكذلك أورده السيوطي في "الجامع" من طريق أبي نعيم وحده! فأساء، ولم يتعقبه المناوي بشيء فقصر!
وروى أبو نعيم أيضاً (٧/ ٢٠٨) عن علي بن حميد: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله مرفوعاً:
"ليس أحد بأكسب من أحد، ولا عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه حيث
стр. 5504
يشاء، ويعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب".
وقال:
"تفرد به علي بن حميد".
قلت: قال الذهبي:
"قال أبو زرعة: لا أعرفه، وذكره العقيلي، وروى له حديثاً منكراً".
ثم ساق له هذا الحديث، وقال:
"غريب جداً".
وللحديث طريق أخرى عن ابن مسعود عند الإسماعيلي في "المعجم" (٨٤/ ١) ، وفيه سعيد بن محمد الوراق؛ وهو ضعيف، وليس فيه أيضاً: "والرزق مقسوم ... ".
٤١٣٢ - (أين ذهبتم؟ ! إنما هي: (يا أيها الذين آمنوا [عليكم أنفسكم] لا يضركم من ضل) من الكفار (إذا اهتديتم)) .
منكر
أخرجه أحمد (٤/ ٢٠١-٢٠٢) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/ ٣١٧/ ٧٩٩) من طريقين، عن مالك بن مغول: حدثنا علي بن مدرك، عن أبي عامر الأشعري:
كان رجل قتل منهم بأوطاس، فقال له النبي ﷺ :
"ياأبا عامر! ألا غيرت؟! ".
فتلا هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) ، فغضب رسول الله ﷺ وقال: فذكره.
стр. 5505
والسياق لأحمد، وسقط منه ما بين المعكوفتين، واستدركته من "المجمع" (٧/ ١٩) ، وقد سقط منه عزوه لأحمد مع أنه ساقه بلفظه، ثم قال عقبه:
"رواه الطبراني، ولفظه عن أبي عامر: أنه كان فيهم شيء، فاحتبس عن النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "ما حسبك؟ " قال: قرأت هذه الآية ... " الحديث نحوه. فمن الظاهر أنه سقط من الطابع عزوه لأحمد، فصواب التخريج:
"رواه أحمد وهذا لفظه، ورواه الطبراني ... " إلخ. ثم قال الهيثمي:
"ورجالهما ثقات، إلا أني لم أجد لعلي بن مدرك سماعاً من أحد من الصحابة".
فتعقبه صاحبنا حمدي السلفي بقوله:
"قلت: بل ذكره ابن حبان في "ثقات التابعين" [٥/ ١٦٥] وقال:
سمع أبا مسعود صاحب رسول الله ﷺ ". وأبو مسعود مات في خلافة علي، وأبو عامر مات في خلافة عبد الملك؛ فإذا كان سمع من أبي مسعود، فمن الممكن جداً أن يسمع من أبي عامر".
وأقول: هذا الاستنتاج إنما يصح لو كان الذي أقامه عليه صحيحاً؛ وهما أمران:
الأول: سماع علي بن مدرك من أبي مسعود، وهو البدري.
والآخر: وفاة أبي عامر في خلافة عبد الملك.
وكلا الأمرين غير صحيح.
أما الأول: فلأن ابن حبان نفسه قد ذكر في ترجمة علي بن مدرك أنه مات سنة (١٢٠) ، وعلي ﵁ مات سنة (٤٠) فيكون بين وفاة أبي مسعود وعلي بن مدرك ثمانون سنة أو أكثر، فمثله لا يمكن أن يسمع منه عادة؛ إلا لو كان
стр. 5506
عمره سنة وفاة علي فوق العاشرة على الأقل فيكون معمراً، وهذا ما لم ينقل، فالسماع المذكور غير ثابت.
وأما الآخر: فلأن وفاة أبي عامر في خلافة عبد الملك ليس عليها دليل ينفع في مثل ما نحن فيه، بل أشار أبو أحمد الحاكم إلى عدم صحة ذلك بقوله:
"يقال: مات في خلافة عبد الملك".
فثبت أن الإسناد منقطع، وأنه لذلك لم يذكر في "التهذيب" أنه سمع من أحد من الصحابة مع حكايته قول ابن حبان المتقدم. والله أعلم.
ثم إن متن الحديث يخالف الأحاديث المتعلقة بتفسير الآية - كحديث أبي بكر الصديق المعروف في "السنن"، والمخرج في "الصحيحة" (١٥٦٤) -؛ فإنها تدل على أن الآية عامة، فراجعها.
٤١٣٣ - (لا تسبوا ماعزاً. يعني: بعد أن رجم) .
ضعيف
أخرجه البزار (٣/ ٢٧٦/ ٢٧٤٣) من طريق الوليد بن أبي ثور، عن سماك بن حرب، عن عبد الله بن جبير قال: حدثني أبو الفيل قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. وقال:
"لا نعلم روى أبو الفيل إلا هذا، ولا له إلا هذا الإسناد، ولا رواه عن سماك إلا الوليد، وعبد الله بن جبير رأى النبي ﷺ ، وروى عنه غير حديث، ولم يحدث عنه إلا سماك".
قلت: وهذا يعني في اصطلاحهم أنه مجهول، وهذا ما صرح به ابن أبي حاتم عن أبيه، وتبعه الذهبي في "الميزان"، والعسقلاني في "التقريب"، فَذِكْرُهُ في
стр. 5507
الصحابة وهم ظاهر، وقد ذكره الحافظ في (القسم الثالث) من "الإصابة" وقال "
"ذكره أبو علي بن السكن ثم قال: ليست له صحبة".
وأورده ابن حبان - على قاعدته المعروفة في المجهولين - في ثقات التابعين (٥/ ٢١) وقال:
"يروي عن أبي الفيل، ولا أدري من أبو الفيل؟ غير أن عبد الله رأى رجلاً من أصحاب النبي ﷺ ، روى عنه أهل الكوفة".
قلت: سماك بن حرب كوفي، فإن كان ابن حبان يعني غيره أيضاً فليس بمجهول، وهذا مما أستبعده.
ثم إن ما في "كشف الأستار" يخالف ما في "الثقات"، فلعله سقط من "الكشف" أو من أصله: "مسند البزار": "رجلاً من أصحاب".
والوليد بن أبي ثور؛ ضعيف؛ كما في "التقريب"، وهو الوليد بن عبد الله بن أبي ثور.
وبالجملة؛ فعلة الحديث الجهالة والضعف.
ثم رأيت الحديث في "كنى الدولابي" (١/ ٤٨) من طريق الوليد أيضاً.
٤١٣٤ - (من رابط ليلة حارساً من وراء المسلمين؛ كان له أجر من خلفه ممن صام وصلى) .
موضوع
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (ص ٢٢٦ - مجمع البحرين) ، وابن حبان في "الضعفاء" (١/ ٢٢٣) ، وأبو الفرج المقرىء في "الأربعين في فضل الجهاد" (رقم٦) ، وابن الجوزي في "العلل" (٢/ ٩١-٩٢) من طريق الحارث بن عمير، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال:
стр. 5508
سئل رسول الله ﷺ عن أجر الرباط؟ ... فذكره.
قلت: أورده ابن حبان في ترجمة الحارث هذا؛ وقال:
"كان ممن يروي عن الأثبات الأشياء الموضوعات".
ونقل ابن الجوزي عن ابن خزيمة أنه قال فيه:
"كذاب". وقال الحاكم:
"روى عن حميد الطويل وجعفر بن محمد أحاديث موضوعة".
قلت: ومع ذلك، فقد وثقه جمع من المتقدمين؛ كابن معين وغيره، وما تقدم جرح مفسر، فكأنهم لم يقفوا عليه، ومن أجل ذلك قالوا في "علم المصطلح": إن الجرح المفسر مقدم على التعديل، ولهذا قال الذهبي بعد أن نقل توثيق ابن معين إياه:
"وما أراه إلا بين الضعف؛ فإن ابن حبان قال في "الضعفاء": ... " فذكر ما تقدم عنه، وقال الحافظ في "التقريب":
"وثقه الجمهور، وفي أحاديثه مناكير، ضعفه بسببها الأزدي وابن حبان وغيرهما، فلعله تغير حفظه في الآخر".
وساق له ابن حبان حديثين آخرين، أحدهما الآتي بعده.
ومما سبق يظهر تساهل المنذري حين قال في "الترغيب" (٢/ ١٥١) :
"رواه الطبراني في "الأوسط" بإسناد جيد"!
ونحوه قول الهيثمي في "المجمع" (٥/ ٢٨٩) :
" ... ورجاله ثقات"!
стр. 5509
٤١٣٥ - (إذا اجتمع القوم في سفر؛ فليجمعوا نفقاتهم عند أحدهم؛ فإنه أطيب لنفوسهم، وأحسن لأخلاقهم) .
ضعيف
رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (ص ٢٦٦ - طبع القسطنطينية، وهي بدون أسانيد) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعاً.
وهكذا أورده السيوطي في "الجامع الكبير" وفي "الزوائد على الجامع الصغير"، فالله أعلم بحال إسناده إلى عمرو، ولكن قد نص السيوطي في مقدمة "الجامع الكبير": أن كل ما عزي للعقيلي في "الضعفاء"، وابن عدي في "الكامل"، والخطيب في "تاريخه"، ولابن عساكر أيضاً، أو الحاكم في "التاريخ"، والحكيم الترمذي في "النوادر"، والديلمي في "مسند الفردوس"؛ فهو ضعيف. فيستغنى بالعزو إليها أو إلى بعضها عن بيان ضعفه.
وقد رواه بعض الهلكى بإسناد آخر، فقال سعدان بن يزيد البزار: أخبرنا عبد الله ابن ضرار بن عمرو، عن أبيه، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك مرفوعاً بلفظ:
"إن من أحمد الأشياء إذا كان القوم سفراً ... " الحديث.
أخرجه الخرائطي في "مكارم الأخلاق" (٢/ ٧٩٨/ ٨٨٦ و ٩٢٣) .
وهذا إسناد واه جداً؛ آفته ضرار هذا؛ فإنه متروك الحديث؛ كما قال الذهبي في "المغني".
وابنه عبد الله؛ ضعيف، وكذلك شيخه يزيد الرقاشي.
стр. 5510
٤١٣٦ - (من يمن المرأة أن يكون بكرها جارية) .
موضوع
أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٣٠٢) من طريق شيخه محمد بن محمد بن الأشعث: حدثني موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر ابن محمد: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده جعفر، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي مرفوعاً.
قلت: موضوع، المتهم به هذا الشيخ؛ فقد ساق له ابن عدي نحو خمسة وعشرين حديثاً من أصل قرابة ألف حديث بهذا الإسناد العلوي، وقال:
"وعامتها من المناكير، وكان متهماً". وقال الدارقطني:
"آية من آيات الله! وضع ذاك الكتاب. يعني العلويات".
وقد مضى له حديث آخر موضوع في المجلد الرابع رقم (١٩٣٢) . وقال الذهبي في "الميزان":
"وساق له ابن عدي جملة موضوعات".
стр. 5511
٤١٣٧ - (أسقطت عائشة من رسول الله ﷺ سقطاً، فسماه عبد الله، فكناها أم عبد الله) .
باطل
أخرجه الخطيب في "الموضح" (١/ ٣٢١) من طريق داود بن المحبر: حدثنا محمد بن عروة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
أسقطت من رسول الله ﷺ ... الحديث، وقال: فكناني ... قال محمد: فليس فينا امرأة اسمها عائشة إلا كنيت بأم عبد الله.
قلت: وهذا باطل، موضوع إسناداً ومتناً.
أما الإسناد؛ فلأن داود بن المحبر متهم؛ قال الذهبي في "المغني":
стр. 5512
"واه، قال ابن حبان: كان يضع الحديث، وأجمعوا على تركه".
وقد نسبه الدارقطني إلى سرقة الحديث.
وأما المتن؛ فلأنه مخالف لما صح عن عائشة من طريق أخرى، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت:
يا رسول الله! كل صواحبي لها كنية غيري، قال: "فاكتني بابنك عبد الله ابن الزبير" فكانت تدعى بأم عبد الله حتى ماتت [ولم تلد قط] .
رواه أحمد وغيره، وهو مخرج في "الصحيحة" (١٣٢) ، ولذا قال ابن القيم في "تحفة المودود":
"حديث لا يصح؛ لمخالفته لهذا الحديث الصحيح".
ونحوه قول الحافظ في "الإصابة":
"لم يثبت".
٤١٣٨ - (إذا ركعت؛ فإن شئت قلت هكذا: وضعت يديك على ركبتيك، وإن شئت قلت هكذا، يعني: طبقت) .
منكر موقوف
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٢٤٥) قال: حدثنا وكيع قال: أخبرنا فطر (الأصل: قطن) ، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة (الأصل: حمزة) ، عن علي قال: فذكره موقوفاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، ورجاله موثقون، وفي عاصم بن ضمرة وفطر - وهو ابن خليفة - كلام لا ينزل به حديثهما عن مرتبة الحسن؛ لكن أبو إسحاق - وهو السبيعي واسمه عمرو بن عبد الله - مدلس وقد عنعنه كما ترى، مع أنه كان اختلط بأخرة كما هو معروف عند العلماء، وصرح بذلك الحافظ في "التقريب".
стр. 5513
فالعجب منه كيف قال في "الفتح" (٢/ ٢٧٤) بعد أن عزاه لابن أبي شيبة في "المصنف":
"وإسناده حسن"!
وقلده ذاك السقاف الإمعة في كتاب أخرجه حديثاً، أسماه - معارضة لكتابي "صفة الصلاة" -: "صحيح صفة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم كأنك تنظر إليها"!! وهو في الحقيقة حري باسم: "صفة صلاة الشافعية ... "؛ لأن تقيلده فيه لهم جلي جداً عند العارفين بمذهبهم، ومن ذلك ما دل عليه هذا الحديث الواهي من عدم وجوب وضع الكفين على الركب، فإنه مذهب الشافعية كما في "المجموع" (٣/ ٤١٠) مع أنه ثابت في بعض طرق حديث المسيء صلاته كما في "صفة الصلاة"، وهو مخرج في "الإرواء" (١/ ٣٢١-٣٢٢) ، و "صحيح أبي داود" (٧٤٧) ، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والذهبي، وابن الجارود (١٩٤) . وقد ذكر النووي نفسه في الموضع المشار إليه أن الحديث جاء لبيان أقل الواجبات، ومع ذلك لم يأخذوا بهذا الأمر منه، وتعصب لهم هذا المقلد الدعي وتجاهل هذا الأمر، فلم يذكره فيما ذكر من ألفاظ الحديث في أول كتابه (١) ، وتمسك بهذا الحديث الواهي ضرباً به لهذا الحديث الصحيح في الصدر، مقلداً لمن حسنه غافلاً عن علته الظاهرة سنداً؛ أو متغافلاً لو كان عالماً بها، وعن علته القائمة في متنه لو كان فقيهاً، ألا وهي إباحته للتطبيق مع تصريحه عقبه بسطر أنه منسوخ، فهو في الحقيقة يلعب على الحبلين - كما يقال -؛ فإنه ساق هذا الأثر ليضرب أمر النبي ﷺ بالوضع على الركب، ثم ضرب
стр. 5514
عجزه لمخالفته لأمر النبي بالوضع على الركب في حديث سعد الصحيح، وتأوله (ص ١٤٨) بأنه ليس للوجوب، واستدل على ذلك بأمور يطول الكلام عليها منها هذا الأثر، ولما كان يعلم - إن شاء الله - أن حديث المسيء صلاته يبطل هذا التأويل تجاهله! ولو كان صادقاً في تأليفه "صحيحه" لأخذ به واستراح من هذا الأثر الواهي.
وقد روى عبد الرزاق في "مصنفه" (٢/ ١٥٢-١٥٣) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق نفسه، عن علقمة والأسود: أنهما صليا وراء عمر ووضع يديه على ركبتيه قالا: وطبقنا، قال عمر: ما هذا؟ فأخبرناه بفعل عبد الله - يعني ابن مسعود - قال:
"ذاك شيء كان يفعل ثم ترك".
فهذا من صحيح حديث أبي إسحاق أولى من أثره الواهي عن علي.
وقد روى ابن أبي شيبة (١/ ٢٤٥) بسند ضعيف عن علي قال:
"إذا ركعت فضع كفيك على ركبتيك ... ".
ومن ذلك أيضاً لما ذكر حديث مسلم عن أبي سعيد ﵁ في قراءة النبي ﷺ في الظهر، وذكر منه ما كان يقرأ في الركعتين الأوليين، لم يذكر تمامه، ونصه:
"وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية".
أي في كل ركعة كما قال الشوكاني وغيره، وترجم له البيهقي في "سننه" بقوله (٢/ ٦٣) : "باب من استحب قراءة السورة بعد الفاتحة في الأخريين".
وإنما أسقط السقاف هذه الجملة من الحديث تقليداً منه لما عليه الشافعية؛ على
стр. 5515
الأصح من القولين عندهم كما في "المجموع" (٣/ ٣٨٦-٣٨٧) ؛ مع أن الإمام الشافعي نص في "الأم" على الاستحباب (٣/ ٣٨٧) ، وذكر له البيهقي بعض الآثار عن أبي بكر ﵁ وغيره، مما يدل على أن هذه القراءة سنة معروفة عند السلف ﵃، ومع ذلك أسقط السقاف هذا الحديث من "صحيحه" المزعوم!
وكذلك فعل بحديث أبي هريرة في سجود النبي ﷺ في الصلاة سجدة التلاوة إذا قرأ سورة (إذا السماء انشقت) ، مع أنه ثابت في "الصحيحين" كما قال النووي في "المجموع" (٤/ ٦٢-٦٣) ، ومع ذلك مر عليه النووي في "شرح مسلم"، فلم يتكلم حوله بما فيه من شرعية سجود التلاوة في الصلاة في هذه السورة! بخلاف الحافظ ﵀ كما يأتي، وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (١٩/ ١٢٢) :
"هذا حديث صحيح، لا يختلف في صحة إسناده، وفيه السجود في (إذا السماء انشقت) في الفريضة، وهو مختلف فيه، وهذا الحديث حجة لمن قال به، وحجة على من خالفه".
ونقل الحافظ (٢/ ٥٥٦) عنه أنه قال:
"وأي عمل يدعى مع مخالفة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين بعده؟ ".
يشير بذلك إلى الرد على مالك ﵀؟ وعلى من وافقه من الشافعية، ومنهم ذاك "الرويبضة" المحروم من اتباع سنة النبي ﷺ على خلاف عنوان كتابه؛ الذي لم يورد فيه حديث أبي هريرة هذا فيما يسن أن يقرأ في صلاة العشاء (ص ١٣٧) ، بل إنه أبطله بجهالة بالغة، فقال في الصفحة التي بعدها:
"اعلم أنه لا يجوز للمصلي أن يقصد قراءة آيات فيها آية سجدة ليسجد في
стр. 5516
الصلاة سجود التلاوة،لأنه بذلك يكون قد تعمد زيادة ركن في الصلاة؛ وهو السجود، وهذا يبطلها"!
ثم استثنى من ذلك قراءة سورة السجدة صباح الجمعة، ثم عقب على ذلك بأنه لا يجوز أن يقرأ سورة أخرى فيها آية سجود كسورة (اقرأ باسم ربك) ، ومن فعل ذلك بطلت صلاته!
٤١٣٩ - (لقد رأيتني مع النبي ﷺ وحضرت الصلاة: صلاة العصر، وقد أتينا موضعاً يقال له: نخلة - أحسبه قال -: نريد أن نصلي، فقال لنا أبو طالب - ونظر إلينا -: يا ابن أخي! ماتصنعون؟ فقلنا: نصلي، فدعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: إن الذي تدعو إليه لحسن، ولكن والله يا ابن أخي! لا تعلوني استي أبداً. فضحكت من قوله) .
ضعيف جداً
أخرجه الطيالسي (١٨٨) ، وأحمد (١/ ٩٩) ، والبزار في مسنده "البحر الزخار" (٢/ ٣١٩/ ٧٥١) والسياق له من طريق يحيى بن سلمة ابن كهيل عن أبيه قال: سمعت حبة العرني يقول:
رأيت علي بن أبي طالب يخطب، فضحك ضحكاً، فعجبنا من ضحكه، فلما نزل قلنا: يا أمير المؤمنين! لقد ضحكت ضحكاً على المنبر، فمم ضحكت؟ قال:
ذكرت أبا طالب، لقد رأيتني ... الحديث. وقال البزار:
"لا نعلمه يروى إلا عن علي، ولا رواه عن حبة إلا سلمة بن كهيل، وقد روى شعبة عن سلمة بن كهيل عن حبة عن علي قال:
стр. 5517
أول صلاة صلينا مع رسول الله ﷺ العصر. فرواه شعبة مختصراً".
قلت: يحيى هذا؛ قال الحافظ:
"متروك، وكان شيعياً".
وتناقض فيه ابن حبان؛ كما بينته في "تيسير الانتفاع"، ولا تغتر بقول الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ١٠٢) بعد أن ساقه بنحو ما تقدم بزيادة لأحمد:
"تعجباً لقول أبيه، ثم قال: اللهم! لا أعترف [أن] عبداً [لك] من هذه الأمة عبدك قبلي غير نبيك. (ثلاث مرات) ، لقد صليت قبل أن يصلي الناس سبعاً".
قال الهيثمي:
"رواه أحمد، وأبو يعلى باختصار، والبزار، والطبراني في "الأوسط"، وإسناده حسن".
قلت: لا يغرنك هذا التحسين؛ فإنه يعني رواية الطبراني، وهو من تسامحه أو تساهله في التعبير؛ فإن الحديث في "أوسط الطبراني" (٢/ ٤٤٤/ ١٧٦٧ - ط) عن عمرو بن هاشم الجنبي، عن الأجلح، عن سلمة بن كهيل، عن حبة، عن علي قال:
اللهم! إنك تعلم أنه لم يعبد ك أحد من هذه الأمة بعد نبيها ﷺ قبلي، ولقد عبد تك قبل أن يعبدك أحد من هذه الأمة بست سنين". وقال:
"لم يروه عن الأجلح إلا عمرو".
قلت: وهو ضعيف؛ قال الحافظ:
"لين الحديث، أفرط فيه ابن حبان".
стр. 5518
قلت: لكنه لم يتفرد به؛ فقال أبو يعلى في "المسند" (١/ ٣٤٨/ ٤٤٧) : حدثنا أبو هاشم الرفاعي: حدثنا محمد بن فضيل: حدثنا الأجلح به؛ إلا أنه قال:
"خمس سنين، أو سبع سنين".
وتابعه شعيب بن صفوان، عن الأجلح بلفظ:
"سبع سنين" بدون شك.
أخرجه الحاكم (٣/ ١١٢) ساكتاً عنه.
وشعيب بن صفوان؛ قال الحافظ:
"مقبول" ورمز له أنه من رجال مسلم، فالحديث محفوظ عن الأجلح، وهو صدوق شيعي عند الحافظ، وقال الذهبي في "المغني":
"شيعي لا بأس بحديثه، ولينه بعضهم، وقال الجوزجاني: الأجلح تغير".
قلت: فهو علة هذا المتن، أو حبة بن جوين؛ فإنه كان غالياً في التشيع مع كونه صدوقاً له أغلاط كما قال الحافظ. وقال الذهبي في "المغني" أيضاً:
"من الغلاة، حدث أن علياً كان معه بـ (صفين) ثلاثون (في "الميزان": ثمانون) بدرياً، قال السعدي: غير ثقة".
وقد أبطل الذهبي الحديث من حيث متنه متعقباً سكوت الحاكم عليه، فقال:
"قلت: وهذا باطل؛ لأن النبي ﷺ من أول ما أوحي إليه - آمن به حديجة، وأبو بكر، وبلال، وزيد؛ مع علي؛ قبله بساعات، أو بعده بساعات، وعبد وا الله مع نبيه، فأين السبع سنين؟! ولعل السمع أخطأ، فيكون أمير المؤمنين قال "عبد ت الله ولي سبع سنين" ولم يضبط الراوي ما سمع. ثم حبة شيعي جبل!
стр. 5519
قد قال ما يعلم بطلانه؛ من أن علياً شهد معه صفين ثمانون بدرياً! وذكره أبو إسحاق الجوزجاني فقال: هو غير ثقة. وقال الدارقطني وغيره: ضعيف. وشعيب والأجلح متكلم فيهما".
قلت: شعيب بريء منه؛ لأنه متابع من اثنين كما تقدم، ويغلب على الظن أن التهمة أو الخطأ ينصب على الأجلح؛ لأنه قد خالفه شعبة، فرواه عن سلمة به مختصراً جداً بلفظ:
أنا أول رجل صلى مع رسول الله ﷺ .
أخرجه أحمد (١/ ١٤١) : حدثنا يزيد: أنبأنا شعبة به.
وقال الهيثمي (٩/ ١٠٣) :
"رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير حبة العرني، وقد وثق". ومن طريق يزيد - وهو ابن هارون - رواه ابن سعد (٣/ ٢١) .
قلت: فقول الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على "المسند" (٢/ ٢٨٢) :
"إسناده صحيح".
ليس كما ينبغي، لا سيما وقد خولف يزيد - وهو ابن هارون -، فقال البزار (٧٥٢) : حدثنا محمد بن المثنى قال: أخبرنا وهب بن جرير قال: أخبرنا شعبة بلفظ:
أول صلاة صلينا مع رسول الله ﷺ العصر.
لكن خالفه موافقاً ليزيد جمع من الثقات، فقال ابن سعد: أخبرنا يزيد بن هارون وسليمان أبو داود الطيالسي، قالا: أخبرنا شعبة به. وقال ابن أبي شيبة (١٢/ ٦٥/ ١٢١٣٤) : حدثنا شبابة قال: حدثنا شعبة به. فاللفظ الأول هو المحفوظ عن شعبة.
стр. 5520
وله فيه إسناد آخر أصح، فقال الطيالسي (٩٣/ ٦٧٨) :
حدثنا شعبة قال: أخبرني عمرو بن مرة قال: سمعت أبا حمزة، عن زيد بن أرقم قال:
"أول من صلى مع رسول الله ﷺ علي".
وأخرجه الترمذي (٣٧٣٥) ، والحاكم (٣/ ١٣٦) ، وأحمد (٤/ ٣٦٨،٣٧٠) ، وابن سعد أيضاً، والطبراني في "الأوائل" (٧٩/ ٥٣) ولفظه كالترمذي وغيره:
"أول من أسلم..". وزاد:
"قال عمرو بن مرة: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فأنكره، وقال: أول من أسلم أبو بكر الصديق". وقال:
"حديث حسن صحيح". وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد، وإنما الخلاف في هذا الحرف أن أبا بكر كان أول الرجال البالغين إسلاماً، وعلي بن أبي طالب تقدم إسلامه على البلوغ".
وأقره الذهبي.
قلت: وهذا في الرجال، وإلا؛ فخديجة ﵂ أسبقهم إسلاماً كما في حديث ابن عباس الطويل في "المسند" (١/ ٣٣٠-٣٣١) ، ومن طريقه الحاكم (٣/ ١٣٧-١٣٩) ، وهو في فضل علي ﵁. وفيه:
"وكان أول من أسلم من الناس بعد خديجة".
وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي.
стр. 5521
وقد انقلب حديث عمرو بن مرة هذا على بعض الرواة؛ فأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٣/ ٢٢/ ٢٠٣١) من طريق غالب بن عبد الله بن غالب السعدي، عن سفيان بن عيينة عن مسعر، عن عمرو بن مرة به إلا أنه قال:
"أول من صلى مع النبي ﷺ أبو بكر".
وقال الطبراني:
"لم يروه عن سفيان غير هذا الشيخ غالب، وخالف شعبة؛ لأن شعبة رواه عن عمرو ... بلفظ: أول من صلى مع النبي ﷺ [علي] ".
وأقول: الشيخ غالب هذا؛ مجهول كما قال ابن حزم، ولم يعرفه الهيثمي (٩/ ٤٣) .
ثم إن حديث الترجمة مما أورده ذاك السقاف في كتابه الذي أسماه بـ "صحيح الصلاة"؛ على ما أخبر به النبي ﷺ فيما صح عنه في بعض الأحاديث: "يسمونها بغير اسمها"! كما يدل على ذلك مجموعة من الأحاديث الصحيحة التي ضعفها أو أعرض عنها اتباعاً لهواه أو انتصاراً لمذهبه، وأحاديث أخرى احتج بها للغاية نفسها وهي ضعيفة، منها حديث الترجمة هذا، مقلداً تخريج الهيثمي المتقدم؛ لجهله بأن تحسينه المذكور فيه لا يعني الحديث نفسه، وإنما مختصره الذي في "أوسط الطبراني" كما تقدم بيانه، فكن منه على حذر. ومنها أحاديث أخرى كثيرة سيأتي بيان بعضها. فانظر الحديث (٥٨١٦) و (٦٣٧٩) .
٤١٤٠ - (إذا مات أحدكم فلا تحسبوه، وأسرعوا به إلى قبره، وليقرأ عند رأسه بفاتحة الكتاب، وعند رجليه بخاتمة البقرة في قبره) .
ضعيف جداً
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/ ٤٤٤/ ١٣٦١٣) ،
стр. 5522
والبيهقي في "الشعب" (٧/ ١٦/ ٩٢٩٤) من طريق يحيى بن عبد الله البابلتي: أخبرنا أيوب بن نهيك الحلبي - مولى آل سعد بن أبي وقاص - قال: سمعت عطاء بن أبي رباح: سمعت عبد الله بن عمر: سمعت النبي ﷺ يقول: فذكره. وقال البيهقي:
"لم يكتب إلا بهذا الإسناد فيما أعلم، وقد روينا القراءة المذكورة فيه عن ابن عمر موقوفاً عليه".
قلت: وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٤٤) :
"رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه يحيى بن عبد الله البابلتي، وهو ضعيف".
وأقول: لقد شغل بإعلاله بهذا الضعيف عن إعلاله بمن هو أشد ضعفاً منه، وهو شيخه أيوب بن نهيك؛ قال الذهبي في "المغني":
"تركوه".
وقد أشار إلى هذا الحافظ حين ساق له حديثاً آخر غير هذا في "اللسان" سيأتي برقم (٥٠٨٧) ، وذكره من مناكيره عقب عليه بقوله:
"ويحيى ضعيف، لكنه لا يحتمل هذا".
وهذا من دقة نقده رحمه الله تعالى.
وأما الأثر الذي أشار إليه البيهقي ﵀؛ فهو مع كونه موقوفاً ففيه عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج؛ وهو مجهول؛ كما حققته في "أحكام الجنائز" (ص ١٩٢) ، وقول الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٤٤) :
"رواه الطبراني في "الكبير"، ورجاله موثقون".
стр. 5523
فهو مما لا ينافيه، بل هو يشير إلى جهالته؛ لأن "موثقون" غير "ثقات" عند من يفهم الهيثمي واصطلاحه، وهو يعني أن بعض رواته توثيقه لين، وهو يقول هذا في الغالب فيما تفرد بتوثيقه ابن حبان، ولا يكون روى عنه إلا راو واحد، وهذا هو الواقع في عبد الرحمن هذا كما هو مبين هناك، وقد جهل هذه الحقيقة بعض أهل الأهواء؛ فقال الشيخ عبد الله الغماري في رسالته: "إتقان الصنعة" (ص ١١٠) معقباً على قول الهيثمي "موثقون" ومعتمداً عليه:
"قلت: فإسناده حسن"!
وجعله من أدلة القائلين بوصول القراءة إلى الميت، ولا يخفى فساده! ثم أتبعه بحديث الترجمة ساكتاً عنه، متجاهلاً تضعيف الهيثمي لراويه البابلتي، وهو على علم به؛ لأنه منه نقل أثر ابن اللجلاج المذكور آنفاً. ثم ادعى اختلاف آخر الحديث عند الطبراني عنه عند البيهقي، وهو خلاف الواقع.
وقد ستر عليه ظله المقلد له: السقاف؛ فإنه لم يذكر الحديث بتمامه حتى لا يخالف شيخه! انظر ما أسماه بـ "صحيح صفة النبي ﷺ " (ص ٢٤٣) .
هذا أولاً.
وثانياً: إنه قال:
"قلت: وهو حديث حسن، وحسنه شيخنا ... قلت: بل هو حديث صحيح، احتج به ابن معين كما في "تهذيب الكمال" للمزي (٢٢/ ٥٣٧-٥٣٨) والإمام أحمد وعلي بن موسى الحداد؛ كما روى ذلك الخلال. وفي معناه حديث آخر ضعيف الإسناد إلا أنه حسن بهذا الشاهد ... ". ثم ذكر حديث الترجمة إلى قوله: "فاتحة الكتاب" دون تتمته؛ حتى لا يظهر بمظهر المخالف لشيخه كما ذكرت آنفاً!
стр. 5524
وأقول: في هذا الكلام غير قليل من الأضاليل والأكاذيب، وهاك البيان:
الأول: ما عزاه لـ "التهذيب"؛ فإنه ليس فيه ما زعمه من الاحتجاج؛ فإن نصه فيه:
"وقال عباس الدوري: سألت يحيى بن معين عن القراءة عند القبر؟ فقال: حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج ... "
قلت: فذكر الأثر. فليتأمل القارىء كيف حرف جواب ابن معين للسائل إلى الاحتجاج بما روى له بالإسناد لينظر فيه؟!
الثاني: ما عزاه لأحمد؛ منكر لسببين:
أحدهما: أن شيخ الخلال فيه الحسن بن أحمد الوراق؛ لا يعرف.
والآخر: أنه مخالف لما رواه أبو داود قال:
"سمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا".
وهو مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك، وقال هذا:
"ما علمت أحداً يفعل ذلك".
فكيف مع هذا كله يكون هذا العزو لأحمد، بل وأثر ابن عمر نفسه صحيحاً؟!
الثالث: ما عزاه لعلي بن موسى الحداد، يقال فيه ما قلنا في الذي قبله؛ لأن الراوي عنه هو الوراق المذكور آنفاً، بل وزيادة؛ وذلك؛ لأن الحداد هذا غير معروف في الرواة فضلاً عن العلماء، فكيف جاز لذاك السقاف أن يقرنه مع الإمامين ابن معين وأحمد، ولا يعرف إلا في رواية الخلال هذه؛ لولا الهوى والإضلال!
стр. 5525
الرابع: قوله: "حديث حسن" يناقض قوله: "بل هو حديث صحيح"؛ لأن الأول - وهو قول شيخه الغماري كما تقدم - إنما يعني في اصطلاح العلماء أنه حسن لغيره، وهو حديث الترجمة، ولذلك ذكره عقبه، ولولا ذاك لقال: حسن الإسناد، كما لا يخفى على النقاد. وإذا كان الأمر كذلك، فاحتجاج ابن معين به وغيره لو صح عنهم - ولم يصح كما تقدم - لا يكون دليلاً على أنه صحيح؛ لأن الحسن يحتج به أيضاً عند العلماء.
فماذا يقول القراء الكرام فيمن يتكلف ما سبق في سبيل تقوية حديث واه جداً، مع مخالفته لما عليه جماهير العلماء من القول بكراهة قراءة القرآن عند القبور كما هو مشروح في الكتاب السابق: "أحكام الجنائز"؟! فليرجع إليه من شاء الزيادة.
٤١٤١ - (كان يصلي في السفر ركعتين، قالت عائشة: كان في حرب، وكان يخاف، هل تخافون أنتم؟!) .
باطل
أخرجه ابن جرير الطبري في "التفسير" (٥/ ١٥٥) قال: حدثني أبو عاصم عمران بن محمد الأنصاري، قال: حدثنا عبد الكبير بن عبد المجيد، قال: حدثني عمر بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال: سمعت أبي يقول: سمعت عائشة تقول في السفر:
أتموا صلاتكم. فقالوا: إن رسول الله ﷺ [كان] يصلي في السفر ركعتين، فقالت: إن رسول الله ﷺ كان ... الحديث.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، ومتن منكر؛ بل باطل؛ عمران هذا؛ لم يوثقه غير ابن حبان، ولا وجدته عند غيره (٨/ ٤٩٩) . وقال:
стр. 5526
"يروي عن مالك بن سعير بن الخمس، حدثنا عنه محمد بن أحمد بن علي الحواري بـ (الوصل) ".
وعمر بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق؛ لم أجد له ذكراً في شيء من كتب الرجال التي عندي، ولا ذكره ابن حجر في الرواة عن أبيه من "التهذيب" (٦/ ١١) ، وإنما ذكر ابنيه عبد الرحمن ومحمداً، الأمر الذي يدل على أنه غير معروف، مع أنه يحتمل أن "عمر" محرف "محمد"؛ لقرب الشبه بينهما. والله أعلم.
وأما بطلان متنه؛ فهو ظاهر جداً لمن عرف سيرة النبي ﷺ واستمراره في قصر الصلاة في كل أسفاره، حتى في حجة الوداع؛ كما قال وهب بن حارثة ﵁:
"صلى بنا النبي ﷺ آمن ما كان بمنى ركعتين".
رواه البخاري (١٠٨٣) ، وغيره.
ولا أدل على ذلك من حديث يعلى بن أمية قال:
قلت: لعمر بن الخطاب: (ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) فقد أمن الناس؟ فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال:
"صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته".
رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (١٠٨٣) .
بل قد صح عن عائشة نفسها ما يؤكد بطلانه؛ فقد روى البيهقي في "سننه" (٣/ ١٤٣) عن جماعة من الثقات قالوا: حدثنا وهب بن جرير: حدثنا شعبة، عن هشام
стр. 5527
ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أنها كانت تصلي في السفر أربعاً. فقلت لها: لو صليت ركعتين؟ فقالت: يا ابن أختي! إنه لا يشق علي.
وهذا إسناد صحيح كما قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٥٧١) ، وأشار في أعلى الصحيفة المذكورة إلى بطلان حديث الترجمة، وهو واضح جداً لما ذكرته آنفاً، بخلاف هذا؛ فإنه يتعلق برأي لها، والعبرة بروايتها وليس برأيها.
وقد صح عنها أنه ﷺ كان يصلي في السفر ركعتين في غير ما حديث، كما صح عنها قولها: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر"، ومعناه في "الصحيحين"، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (١٠٨٢) .
وقد أنكر هذه الحقائق كلها ذاك السقاف المقلد الغماري فيما أسماه بـ "صحيح صلاة النبي ﷺ ... " وكان الأحرى به أن يسميه بـ "صحيح صلاة الشافعي" بل "الشافعية" لكثرة اعتماده عليهم، ولو فعل لما صدق، ولبيان ذلك مجال آخر، والغرض هنا أنه صرح (ص ٢٧٥) أن قصر الصلاة في السفر رخصة جائزة، لا واجبة ولا مستحبة! واستدل بهذا الحديث الباطل؛ بل قال: "سنده حسن"! وهذا مما لا يقوله إلا جاهل لم يشم رائحة هذا العلم، أو مقلد مكابر متجاهل، كما أنه استدل بآية القصر المذكورة في حديث عمر، فلم يعرج عليه ولا دندن حوله، ولم يقبل صدقة الله المذكورة فيه، وأخشى ما أخشاه أن يكون ضعيفاً عنده لمخالفته لقوله المذكور، كما ضعف شيخه الغماري حديث "الصحيحين" عن عائشة الذي أشرت إليه آنفاً لتصريحه بفرضية القصر، وقد أشرت إلى ذلك في "تمام المنة" (٣١٩) ، ورددت عليه مفصلاً في المجلد السادس من "الصحيحة" (٢٨١٤) ، وهو
стр. 5528
تحت الطبع، وسيكون بين يدي القراء قريباً إن شاء الله تعالى (١) .
٤١٤٢ - (إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنهم لو أرسلوا إلى الناس لأفسدوا عليهم معايشهم، ولن يموت منهم أحد إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً، وإن من ورائهم ثلاث أمم: تاويل، وتاريس، ومنسك) .
منكر
أخرجه الطيالسي في "مسنده" (٢٢٨٢) ، ومن طريقه الطبراني كما في "نهاية ابن كثير" (١/ ١٨٥) : حدثنا المغيرة بن مسلم - وكان صدوقاً مسلماً - قال: حدثنا أبو إسحاق، عن وهب بن جابر، عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً.
قلت: المغيرة هذا؛ هو القسملي، وهو صدوق كما قال الطيالسي، وقد تابعه زياد بن خيثمة؛ وهو ثقة، أخرجه من طريقه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٢/ ٢٤٤/ ١/ ٨٧٦٢) ، وقال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٦) :
"رواه الطبراني في "الكبير" و "الأوسط"، ورجاله ثقات"!
كذا قال، وفيه علتان:
الأولى: جهالة وهب بن جابر، ولم يوثقه غير ابن حبان (٥/ ٤٨٩) ، ولم يذكر له راوياً غير أبي إسحاق هذا؛ وهو السبيعي، ولذا قال الذهبي فيه:
"قال ابن المديني: "مجهول". قلت: لا يكاد يعرف، تفرد عنه أبو إسحاق".
قلت: ولذلك أشار في "الكاشف" إلى تليين توثيق ابن حبان إياه - وهو عمدة الهيثمي! - بقوله:
"وثق".
стр. 5529
والعلة الأخرى: اختلاط أبي إسحاق، وقد اختلف عليه في إسناده، فراوه الثقتان المذكوران كما تقدم. وخالفهما زيد بن أبي أنيسة فقال: عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن ابن مسعود مرفوعاً به.
أخرجه ابن حبان (١٩٠٧ - موارد) .
قلت: وزيد بن أبي أنيسة ثقة من رجال الشيخين، وقد خالف في موضعين: أحدهما: جعله من مسند ابن مسعود، وهو عندهما من مسند ابن عمرو، والآخر: سمى تابعيه عمرو بن ميمون - وهو ثقة - وعندهما: وهب بن جابر المجهول.
ويغلب على الظن أن هذا الاضطراب إنما هو من تخاليط أبي إسحاق، حدث به في اختلاطه.
ثم تكشفت لي علة ثالثة؛ وهي الوقف والاختصار في المتن، فقال شعبة: عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر، عن عبد الله بن عمرو قال:
"إن من بعد يأجوج ومأجوج لثلاث أمم لا يعلم عدتهم إلا الله: تاويل، وتاريس، ومنسك".
أخرجه أبو عمرو الداني في "الفتن" (ق ١٤١/ ١) من طريقين عن محمد ابن يحيى، عن أبيه، عن عاصم بن حكيم، عن شعبة به.
ولعل هذه الرواية أصح مما تقدم؛ لما هو معروف أن شعبة روى عن أبي إسحاق قبل اختلاطه، لكن في الطريق إليه محمد بن يحيى، عن أبيه، ولم أعرفهما الآن. والله أعلم.
وبالجملة؛ فمدار الحديث على أبي إسحاق، والأكثر على أن شيخه فيه وهب ابن جابر؛ وهو مجهول، فهو علة هذا الحديث. وقد سكت عنها الحافظ في
стр. 5530
"تخريج الكشاف" (٤/ ١٠٤/ ٣٢٩) ! وقد عزاه أيضاً لـ "المستدرك" عن عبد الله ابن عمرو رفعه: "إن يأجوج ومأجوج ... " إلخ، وهو فيه (٤/ ٤٩٠ و ٥٠٠-٥٠١) مختصراً ومطولاً، وابن جرير (١٧/ ٧٠) من طريق شعبة وغيره عن أبي إسحاق، وقال الحاكم:
"صحيح على شرط الشيخين". ووافقه الذهبي، وقد ذهل عن جهالة وهب ابن جابر التي نقلتها عنه آنفاً، مع أنه ليس من رجال الشيخين.
وذكر له الحافظ شاهداً من رواية النسائي عن عمرو بن أوس، عن أبيه رفعه:
"إن يأجوج ومأجوج يجامعون ما شاؤوا، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً".
وسكت عنه أيضاً! وكنت أود له أن يبدأ بذكر إسناد الحديث من حيث يمكن للباحث أن يكشف عن علته؛ إذ هو سكت عنها، لا سيما والحديث ليس في "سنن النسائي الصغرى" المتداولة بين الناس، وإنما هو في "السنن الكبرى" له (٦/ ٤٠٨) ومن طريق ابن عمرو بن أوس، عن أبيه، عن جده.
فابن عمرو هو العلة؛ إذ إنه لا يعرف، فقد أورده الحافظ في "باب من نسب إلى أبيه ... " وقال:
"يقال: اسمه عبد الرحمن. تقدم في ابن أوس".
وهناك لما رجعت إليه لم أجده. وكذلك لم يذكره في أصله في "التهذيب"، وإنما أورده فيه في الباب المشار إليه (١٢/ ٣٠٥) مختصراً:
"ابن عمرو بن أوس: هو عبد الرحمن".
هكذا لم يحل به إلى الأسماء، وإنما إلى أول الباب المذكور، لكنه قال:
стр. 5531
"ابن أبي أوس الثقفي، يقال: اسمه عبد الرحمن، ويقال: هو ابن عمرو بن أوس".
وهو خلاصة ما في "تهذيب المزي" (٣٤/ ٤٢٥) ، ولم يذكروا فيه جرحاً ولا تعديلاً، فهو مجهول، فهو علة هذا الإسناد. وقد عزاه الحافظ أيضاً في "الفتح" (١٣/ ١٠٩) لابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق ابن عمرو هذا بزيادة في متنه وسكت عنه أيضاً! وقد أشار الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (٣/ ١٠٤) إلى هذا الحديث ونحوه بقوله:
"وروى ابن أبي حاتم عن أبيه في ذلك أحاديث غريبة لا تصح أسانيدها".
ولهذا؛ قال في "النهاية" (١/ ١٨٤) :
"يأجوج ومأجوج ناس من الناس، يشبهون الناس كأبناء جنسهم من الأتراك المخرومة عيونهم، الزلف أنوفهم، الصهب شعورهم، على أشكالهم وألوانهم، ومن زعم أن منهم الطويل الذي كالنخلة السحوق أو أطول، ومنهم القصير الذي هو كالشيء الحقير، ومنهم من له أذنان يتغطى بإحداهما، ويتوطى بالأخرى؛ فقد تكلف ما لا علم له به، وقال ما لا دليل عليه، وقد ورد في حديث: "إن أحدهم لا يموت حتى يرى من نسله ألف إنسان"، فالله أعلم بصحته".
وما أشار إليه ﵀ من الاختلاف في الطول والقصر وغيره؛ قد جاء فيه حديث، لكن إسناده مما لا يفرح به، بل هو موضوع، كما يأتي بيانه في الذي يليه.
ثم وجدت لحديث الترجمة شاهداً آخر؛ فقال ابن جرير (١٧/ ٦٩) : حدثني عصام بن رواد بن الجراح قال: حدثني أبي قال: حدثنا سفيان بن سعيد الثوري قال: حدثنا
стр. 5532
منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ يخشى أن يكون من تخاليط رواد أبي عصام، فقد قال الحافظ فيه:
"صدوق اختلط بأخرة؛ فترك، وفي حديثه عن الثوري ضعف شديد".
قلت: وهذا من حديثه عنه كما ترى.
وابنه عصام؛ لينه الحاكم أبو أحمد، لكن قال أبو حاتم:
"صدوق".
وذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٢٢١) ، فالعلة أبوه.
ثم رأيت له طريقاً أخرى عن حذيفة؛ عند الداني (ق ١٣٩/ ١) . وفيه من لم أعرفه.
ثم وقفت على تخريج الحديث من المعلقين على "موارد الظمآن" (٦/ ١٧٢-١٧٣) ، فإذا فيه عجائب وغرائب؛ لأنهما لم يعربا عن رأيهما فيه صحة وضعفاً، فمن عادتهما تصدير الحديث بمرتبته وهنا صدراه بقولهما: "رجاله ثقات". ثم استمرا في الكلام فنقلا عن الحافظ أنه صححه وأقراه، فبهذا الاعتبار يمكن أن يقال عنهما: إنهما صححاه، لكنهما قبل ذلك أعلاه باختلاط أبي إسحاق!
وأغرب من ذلك كله أنهما قالا:
"ويشهد له حديث عبد الله بن عمر عند الطيالسي ... ".
وقد عرفت مما تقدم أنه من رواية أبي إسحاق المختلط، فجعلاه شاهداً لنفسه!
стр. 5533
٤١٤٣ - (يأجوج أمة، ومأجوج أمة، كل أمة أربع مئة ألف، لا يموت الرجل حتى ينظر إلى ألف ذكر بين يديه من صلبه، كل قد حمل السلاح. قلت: يا رسول الله! صفهم لنا. قال:
هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز. قلت: وما الأرز؟ قال: شجر بالشام، طول الشجرة عشرون ومئة ذراع في السماء، فقال رسول الله ﷺ : هؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل ولا حديد.
وصنف منهم يفترش بأذنه، ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا وحش ولا جمل ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام، وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق، وبحيرة طبرية) .
موضوع
أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ١٦٩) ، ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ٢٠٦) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (١/ ٢٢٧/ ١/ ٤٠١٢) ، والواحدي في "التفسير" (ق ١٩٣/ ١) ، والحافظ عبد الغني المقدسي في الثالث والتسعين من "جزئه" (٤٣/ ٢) من طريق يحيى بن سعيد العطار قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن حذيفة بن اليمان قال: سألت رسول الله ﷺ عن يأجوج ومأجوج؟ قال: فذكره. وقال الطبراني:
"لم يروه عن الأعمش إلا محمد بن إسحاق، ولا عنه إلا يحيى بن سعيد العطار".
قلت: وهو ضعيف؛ كما قال الهيثمي (٨/ ٦) ، والحافظ في "التقريب".
стр. 5534
واتهمه بعضهم، ولذلك قال في "الفتح" (١٣/ ١٠٦) :
"وهو ضعيف جداً".
لكن شيخه أسوأ منه، وهو محمد بن إسحاق - وهو العكاشي -، وفي ترجمته ساقه ابن عدي في أحاديث أخرى له قال عقبها:
"كلها مناكير موضوعة".
ووافقه ابن الجوزي، وقال:
"ومحمد بن إسحاق هو العكاشي؛ قال ابن معين: كذاب. وقال الدارقطني: يضع الحديث".
وقال الحافظ في "الفتح" عقب قوله المذكور آنفاً:
"ومحمد بن إسحاق؛ قال ابن عدي: ليس هو صاحب المغازي، بل هو العكاشي. قال: والحديث موضوع. وقال ابن أبي حاتم: منكر. قلت: لكن لبعضه شاهد صحيح، أخرجه ابن حبان من حديث ابن مسعود رفعه ... ".
قلت: فذكر الحديث الذي قبل هذا، وقد عرفت أنه لا يصح، وأن فيه ثلاث علل، فتذكر.
وأما تعقب السيوطي في "اللآلي" (١/ ١٧٤) حكم ابن الجوزي بقوله:
"قلت: أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه".
فهو مما لا يساوي شيئاً؛ فإنه يشير إلى أن ابن أبي حاتم التزم أن لا يورد في "تفسيره" موضوعاً، وهذا ليس على إطلاقه؛ فقد جاء فيه بعض الموضوعات كما نبهت على ذلك في غير ما موضع. أقول هذا تذكيراً وتنبيهاً، وإلا؛ فقد عرفت مما
стр. 5535
نقلته آنفاً عن الحافظ عن ابن أبي حاتم أنه استنكر الحديث، وكيف لا؛ وهو القائل في ترجمته من "الجرح" (٣/ ٢/ ١٩٥) :
"سمعت أبي يقول: هو كذاب، ورأى في كتابي ما كتب إلي هاشم بن القاسم الحراني [من] أحاديثه، فقال: هذه الأحاديث كذب موضوعة".
ومنه تعلم أنه لا طائل تحت قول ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/ ٢٣٧) :
"ورأيت بخط الشيخ تقي الدين القلقشندي على حاشية "الموضوعات" لابن الجوزي ما نصه: لم ينفرد به العكاشي إلا من حديث حذيفة، وقد رواه ابن حبان في "صحيحه" من حديث ابن مسعود رفعه..".
قلت: لا طائل تحته؛ لأنه تلخيص لكلام الحافظ والسيوطي، وقد عرفت الجواب عليه.
٤١٤٤ - (جزاك الله - يا عائشة - خيراً، ما سررت مني كسروري منك) .
كذب موضوع
أخرجه البيهقي في "سننه" (٧/ ٤٢٢-٤٢٣) ، والخطيب في "التاريخ" (١٣/ ٢٥٢-٢٥٣) ، ومن طريقه الحافظ المزي في "التهذيب" (٢٨/ ٣١٩-٣٢٠) من طريق محمد بن إسماعيل البخاري، قال: [حدثنا عمرو ابن محمد قال:] (١) حدثنا أبو عبيد ة معمر بن المثنى التيمي: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
كنت قاعدة أغزل، والنبي ﷺ يخصف نعله، فجعل جبينه يعرق، وجعل عرقه يتولد نوراً، فبهت، فنظر إلي رسول الله ﷺ ، فقال: