طريقه فأدخل بين النعمان بن نعيم، ومعاذ، عبد الرحمن بن غنم، وهو عند السلفي بإثبات ابن غنم وإسقاط ابن نعيم، والله أعلم.
ثم قال ابن الجوزي: مداره على الخصيب وقد كذبه شعبة، والقطان، وابن معين، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات ".
وأقره السيوطي في " اللآلئ المصنوعة " (١ / ١٩٧) ، ثم تناقض فأورده في " الجامع الصغير " لكن من رواية البيهقي في " الشعب " عن معاذ، ولا يخفى أن هذه المغايرة في التخريج لا فائدة منها ما دام أن الحديث يدور على هذا الكذاب الخصيب! فقد قال المناوي في " شرح الجامع ":
وقضية صنيع المصنف أن البيهقي خرجه وسلمه، والأمر بخلافه، بل عقبه ببيان علته فقال: هذا الحديث إنما يروي بإسناد ضعيف، والحسن بن دينار ضعيف بمرة، وكذا خصيب هذا لفظه بحروفه، فحذف المصنف له من كلامه غير صواب.
قلت: ولعل السيوطي اغتر بإيراد البيهقي له في " الشعب " بناء على ما نقله هو غير مرة عنه، أنه لا يورد في " الشعب " ما كان موضوعا، فاعلم أن هذا ليس صحيحا على إطلاقه، أو هو رأى البيهقي وحده في كتابه، وإلا فكم فيه من موضوعات سبق بعضها ويأتي الكثير منها، وفي حفظي أن السيوطي قد وافق على وضع بعضها، فهذا كله يدلنا على أن السيوطي يغلب عليه التقليد في كثير من الأحيان، وهذا هو السبب في وقوع الأحاديث الموضوعة في كتابه " الجامع الصغير " الذي نص في مقدمته أنه صانه عما تفرد به كذاب أو وضاع!
هذا وللحديث طريق آخر من حديث أبي أمامة، رواه ابن عدي (٢٤٠ / ٢) عن فهر بن بشر، حدثنا عمر بن موسى عن القاسم عنه مرفوعا به، وقال:
стр. 632
عمر بن موسى الوجيهي في عداد من يضع الحديث متنا وإسنادا.
قلت: وفهر بن بشر لا يعرف كما قال ابن القطان، وأقره الحافظ في " اللسان ".
وله طريق ثالث بنحو هذا اللفظ أورده ابن الجوزي في " الموضوعات " أيضا، وهو:
٣٨٢ - " لا حسد ولا ملق إلا فى طلب العلم ".
موضوع.
رواه ابن عدي (٣٦٥ / ١) والخطيب (١٣ / ٢٧٥) وفي العاشر من " الجامع " (٢٠ / ٢ من المنتقى منه) من طريق عمرو بن الحصين الكلابي، عن ابن علاثة، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعا.
وقال ابن عدي: هذا منكر لا أعلم يرويه عن الأوزاعي غير ابن علاثة.
وأورده ابن الجوزي في " الموضوعات " (١ / ٢١٩) من رواية ابن عدي ثم قال:
ابن علاثة محمد بن عبد الله بن علاثة لا يحتج به، قال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات.
وتعقبه السيوطي في " اللآليء " (١٩٧ / ١٩٨) بما خلاصته أن ابن علاثة وثقه ابن معين وغيره، وأن آفة الحديث من عمرو بن الحصين فإنه كذاب كما قال الخطيب قلت: وهذا تعقب شكلي لا يعود على هذا الحديث بالتقوية ما دام أنه لم ينج من هذا الكذاب، لكن السيوطي ذكر له شاهدا لم يتكلم على إسناده وفيه من لا يعرف، وهو:
стр. 633
٣٨٣ - " من غض صوته عند العلماء كان يوم القيامة مع الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى من أصحابي، ولا خير فى التملق والتواضع إلا ما كان فى الله، أوفى طلب العلم ".
موضوع.
أخرجه الديلمي في " مسند الفردوس " من طريق ابن السني، حدثنا الحسين بن عبد الله القطان، عن عامر بن سيار، عن ابن الصباح، عن عبد العزيز بن سعيد عن أبيه مرفوعا. نقلته من " اللآليء " (١ / ١٩٨) وسكت عنه.
قلت: وهذا إسناد ظلمات بعضها فوق بعض لم أعرف منه أحد من بعد القطان غير عامر بن سيار، قال ابن أبي حاتم (٣ / ١ / ٣٢٢) عن أبيه: مجهول وأما ابن حبان فذكره على قاعدته في " الثقات " (٨ / ٥٠٢) كما ذكر فيه (٥ / ١٢٥) عبد العزيز بن سعيد شيخه في هذا الحديث وهذا من أو ضح الأدلة على فساد قاعدته في
التوثيق.
ثم بدا لي أن ابن الصباح هو المثنى اليماني، فإن يكن هو كما يغلب على الظن فهو ضعيف اختلط بآخره، كما في " التقريب " وانظر الحديثين اللذين قبله.
ثم تبين أن قوله في " اللآليء ": ابن الصباح خطأ ولعله مطبعي والصواب أبو الصباح كما يؤخذ من مراجع كثيرة أهمها " كامل ابن عدي " فقد ساق في ترجمة أبي الصباح (٥ / ١٩٦٦) من طريق الحسين القطان المذكور وهو شيخ ابن عدي عن عامر بن سيار حدثنا أبو الصباح يعني عبد الغفور بن عبد العزيز أبو الصباح الواسطي عن عبد العزيز بن سعيد به حديثا آخر وقال عقبه: وبهذا الإسناد اثنان وعشرون حديثا حدثناه بها الحسين هذا، ثم ختم ترجمته بقوله:
стр. 634
وعبد الغفور هذا الضعف على حديثه بين، وهو منكر الحديث.
قلت: فهو آفة حديث الترجمة، وبخاصة أن البخاري قال في " التاريخ الكبير " (٣ / ٢ / ١٢٧) : تركوه، منكر الحديث.
وفي معناه قوله في " التاريخ الصغير " (ص ١٩٤) : سكتوا عنه.
٣٨٤ - " لا يترك الله أحد يوم الجمعة إلا غفر له ".
موضوع.
أخرجه أبو القاسم الشهرزوري في " الأمالي " (١٨٠ / ١) والخطيب (٥ / ١٨٠) من طريق أحمد بن نصر بن حماد بن عجلان، حدثنا شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة مرفوعا، ذكره الخطيب في ترجمة أحمد هذا ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وقال الذهبي في ترجمته من " الميزان ":
أتى بخبر منكر جدا، ثم ساق له هذا كأنه يتهمه به، ووافقه الحافظ في " اللسان " وفي ذلك عندي نظر، لأن أباه نصر بن حماد، قال ابن معين: كذاب فالحمل عليه فيه أولى. ومع هذا وذاك فالحديث في " الجامع " وللحديث طريق أخرى عن أنس نحوه وهو موضوع أيضا كما سبق بيانه برقم (٢٩٧) .
стр. 635
٣٨٥ - " لا يحرم الحرام الحلال ".
ضعيف.
أخرجه ابن ماجه (١ / ٢٢٦) والدارقطني (١٤٢) والبيهقي (٧ / ١٦٨) والخطيب (٧ / ١٨٢) من طريق عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا.
قلت: وهذا سند ضعيف من أجل عبد الله بن عمر، وهو العمري المكبر وهو ضعيف.
وقد روى هذا الحديث بسند آخر مع زيادة في متنه يأتي بعد حديث.
стр. 636
٣٨٦ - " يقول الله تعالى للدنيا: يا دنيا مري على أوليائي، ولا تحلولي لهم فتفتنيهم ".
موضوع.
أخرجه أبو عبد الرحمن السلمي في " طبقات الصوفية " (ص ٨ - ٩) وعنه الديلمي (٤ / ٢١٨) قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرازي، قال: أخبرنا الحسين بن داود البلخي. قال: أخبرنا فضيل بن عياض قال: أخبرنا منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود مرفوعا.
قلت: وهذا إسناد موضوع، أبو جعفر الرازي هذا قال الذهبي: لا أعرفه لكن أتى بخبر باطل هو آفته، قلت: ثم ساق خبرا موقوفا على علي، والحسين بن داود البلخي قال الخطيب في ترجمته من " التاريخ " (٨ / ٤٤) :
لم يكن ثقة فإنه روى نسخه عن يزيد بن هارون عن حميد عن أنس أكثرها موضوع. ثم ساق له حديثا آخر بهذا السند ثم قال:
стр. 637
تفرد بروايته الحسين عن الفضيل وهو موضوع ورجاله كلهم ثقات سوى الحسين بن داود، ومن طريقه روى هذا الحديث القضاعي في " مسند الشهاب " (١١٧ / ٢) .
٣٨٧ - " ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام ".
لا أصل له.
قاله الحافظ العراقي في " تخريج المنهاج " ونقله المناوي في " فيض القدير " وأقره، وقد استدل بهذا الحديث على تحريم نكاح الرجل ابنته من الزنى، وهو قول الحنفية وهو وإن كان الراجح من حيث النظر، لكن لا يجوز الاستدلال عليه بمثل هذا الحديث الباطل، وقد قابلهم المخالفون بحديث آخر وهو:
стр. 638
٣٨٨ - " لا يحرم الحرام، إنما يحرم ما كان بنكاح حلال ".
باطل.
أخرجه الطبراني في " الأوسط " (١ / ١٧٣ / ٢ من زوائد المعجمين) وابن عدي في " الكامل " (٢٨٧ / ٢) وابن حبان في " الضعفاء " (٢ / ٩٩) والدارقطني (ص ٤٠٢) والبيهقي (٧ / ٢٦٩) من طريق المغيرة بن إسماعيل بن أيوب بن سلمة عن عثمان بن عبد الرحمن الزهري عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت:
" سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يتبع المرأة حراما، أينكح ابنتها، أو يتبع الابنة حراما، أينكح أمها؟ قالت: قال رسول الله ﷺ ... " فذكره، قال البيهقي: تفرد به عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي هذا وهو ضعيف، قاله يحيى بن معين وغيره من أئمة الحديث.
قلت: بل هو كذاب، قال ابن حبان:
стр. 639
كان يروي عن الثقات الموضوعات، وكذبه ابن معين في رواية عنه، وقال عبد الحق في " الأحكام " (ق ١٣٨ / ٢) والهيثمي في " المجمع " (٤ / ٢٦٩) :
وهو متروك، وكذا قال الحافظ في " التقريب " وزاد: وكذبه ابن معين.
قلت: والراوي عنه المغيرة بن إسماعيل مجهول كما قال الذهبي.
والحديث ذكره ابن أبي حاتم في " العلل " (١ / ٤١٨) من طريق المغيرة بن إسماعيل عن عمر بن محمد الزهري عن ابن شهاب به ثم قال:
قال أبي: هذا حديث باطل، والمغيرة بن إسماعيل وعمر هذا، هما مجهولان.
قلت: كذا وقع في " العلل ": عمر بن محمد الزهري بدل عثمان بن عبد الرحمن الزهري فلا أدري أهكذا وقع في روايته، أم تحرف على الناسخ والطابع، وقد استدل بالحديث الشافعية وغيرهم على أنه يجوز للرجل أن يتزوج ابنته من الزنى وقد علمت أنه ضعيف فلا حجة فيه، والمسألة اختلف فيها السلف، وليس فيها نص مع أحد الفريقين، وإن كان النظر والاعتبار يقتضي تحريم ذلك عليه، وهو مذهب أحمد وغيره ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية فانظر " الاختيارات " له (١٢٣ - ١٢٤) ، وتعليقنا على الصفحة (٣٦ - ٣٩) من كتابنا " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد ".
стр. 640
٣٨٩ - " لوأذن الله لأهل الجنة فى التجارة لاتجروا بالبز والعطر ".
ضعيف.
أخرجه العقيلي في " الضعفاء " (٢٢٩) والطبراني في " الصغير " (ص ١٤٥) وفي " الأوسط " (١ / ١٣٥ / ١) وأبو نعيم في " الحلية " (١٠ / ٣٦٥) وأبو عبد الرحمن السلمي في " طبقات الصوفية " (ص ٤١٠) وأبو عثمان البجيرمي في " الفوائد " (٢ / ٣ / ١) ومكي المؤذن في " حديثه " (٢٣٠ / ٢) وابن عساكر (١٤ / ٣٣٧ / ١) من طريق عبد الرحمن ابن أيوب السكوني الحمصي: حدثنا عطاف بن خالد عن نافع عن ابن عمر مرفوعا، وقال الطبراني: تفرد به ابن أيوب. قلت: قال الذهبي في " الميزان " وأقره الحافظ في " اللسان ":
لا يجوز أن يحتج بهذا، وقال العقيلي عقب الحديث:
لا يتابع عليه، ثم قال:
ليس بمحفوظ عن نافع، وإنما يروي بإسناد مجهول، ثم ساقه من طريق أخرى مرفوعا نحوه وهو:
стр. 641
٣٩٠ - " لوتبايع أهل الجنة ولن يتبايعوا ما تبايعوا إلا بالبز ".
ضعيف جدا.
أخرجه العقيلي (٢٢٩) وكذا أبو يعلى (١ / ١٠٤ / ١١١) من طريق إسماعيل بننوح عن رجل عن
أبي بكر الصديق رفعه، قال العقيلي:
وإسناده مجهول، وهو أولى، يعني من حديث السكوني الذي قبله وليس
стр. 642
له إسناد يصح.
قلت: وإسماعيل بن نوح متروك كما قال الأزدي وتبعه الهيثمي في " المجمع " (١٠ / ٤١٦) .
٣٩١ - " هذه يد لا تمسها النار ".
ضعيف.
أخرجه الخطيب (٧ / ٤٣٢) من طريق محمد بن تميم الفريابي بسنده عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك فاستقبله سعد بن معاذ الأنصاري، فصافحه النبي ﷺ ثم قال له: " ما هذا الذي أكفت (!) (١) يداك؟
" فقال: يا رسول الله أضرب بالمر والمسحاة في نفقة عيالي، قال: فقبل النبي ﷺ يده وقال ... " فذكره.
قال الخطيب: هذا الحديث باطل لأن سعد بن معاذ لم يكن حيا في وقت غزوة تبوك، وكان موته بعد غزوة بني قريظة من السهم الذي رمي به، ومحمد بن تميم الفريابي كذاب يضع الحديث.
قلت: جرى الخطيب على أن سعدا هذا هو ابن معاذ سيد الأوس الصحابي المشهور، وخالفه الحافظ ابن حجر فجزم في " الإصابة " بأنه آخر، ثم ذكر أن الحديث رواه الخطيب في " المتفق " بإسناد واه، وأبو موسى في " الذيل " بإسناد مجهول عن الحسن به.
стр. 643
والحديث أورده ابن الجوزي في " الموضوعات " (٢ / ٢٥١) معتمدا على قول الخطيب السابق، وتعقبه السيوطي في " اللآليء " (٢ / ١٥٤) بكلام الحافظ ابن حجر، وقد ذكرت خلاصته آنفا، والله أعلم.
قال الشيخ عبد الحي الكتاني في " التراتيب الإدارية " (٢ / ٤٢ ـ ٤٣) بعد ما نقل كلام الحافظ:
قلت: في هذه القصة عجيبة، وهي تقبيل النبي ﷺ يد صحابي لأجل ضربه الأرض بالفاس.
قلت: لكن يقال: أثبت العرش ثم انقش، فإن القصة غير ثابتة كما علمت.
٣٩٢ - " إن فى الجنة بابا يقال: له الضحى، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين كانويديمون على صلاة الضحى؟ هذا بابكم فادخلوه برحمة الله ".
ضعيف جدا.
رواه الطبراني في " الأوسط " (١ / ٥٩ / ١ ـ من " زوائد المعجمين ") وأبو حفص الصيرفي في " حديثه " (٢٦٣ / ١) وكذا ابن لال في " حديثه " (١١٦ / ١) ونصر المقدسي في " المجلس ١٢١ من الأمالي " (٢ / ٢) عن سليمان بن داود اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة مرفوعا، وقال الطبراني: لم يروه عن يحيى إلا سليمان.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جدا، وعلته اليمامي هذا فإنه متروك ومن طريقه رواه الحاكم في جزء له في صلاة الضحى كما في " زاد المعاد " (١ / ١٢٩ - ١٣٤) .
وله علة أخرى وهي عنعنة ابن أبي كثير فإنه كان يدلس.
والحديث ضعفه المنذري في " الترغيب " (١ / ٢٣٧) .
стр. 644
٣٩٣ - " إن فى الجنة بابا يقال له: الضحى، فمن صلى صلاة الضحى حنت إليه صلاة الضحى كما يحن الفصيل إلى أمه حتى إنها لتستقبله حتى تدخله الجنة ".
موضوع.
أخرجه الخطيب (١٤ / ٣٠٦ - ٣٠٧) من طريق يحيى بن شبيب اليماني، حدثنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك مرفوعا، ذكره في ترجمة ابن شبيب وقال: روى أحاديث باطلة، ثم ذكر له ثلاثة أحاديث هذا أحدها، ومنها:
стр. 645
٣٩٤ - " إن فى الجنة بابا يقال له: الضحى لا يدخل منه إلا من حافظ على صلاة الضحى ".
موضوع.
رواه الخطيب بإسناد الحديث الذي قبله، وأخرجهما ابن عساكر مدموجا بينهما في حديث واحد عن أنس كما في " الفتاوى " للسيوطي (١ / ٥٨) وسكت عليه!
وفي فضل صلاة الضحى أحاديث صحيحة تغني عن مثل هذه الأحاديث الباطلة.
стр. 646
٣٩٥ - " إن لله ملائكة موكلين بأبواب الجوامع يوم الجمعة يستغفرون لأصحاب العمائم البيض ".
موضوع.
أخرجه الخطيب بإسناد الحديثين السابقين، وقد عرفت أنه من وضع يحيى بن شبيب اليماني.
стр. 647
ومن طريق الخطيب ذكره ابن الجوزي في " الموضوعات " (٢ / ١٠٦) وقال: يحيى حدث عن حميد وغيره أحاديث باطلة.
وأيده السيوطي في " اللآليء " (٢ / ٢٧) فقال:
قلت: قال في " الميزان ": هذا مما وضعه على حميد، وأقره ابن عراق (٢٣٦ / ٢) .
قلت: لكن وجدت له طريقا أخرى رواها أبو علي القشيري الحراني في " تاريخ الرقة " (ق ٣٨ / ٢) عن أبي يوسف محمد بن أحمد الصيدلاني، حدثنا العباس بن كثير أبو مخلد الرقي، حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن ميمون بن مهران، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه مرفوعا، ذكره في ترجمة العباس هذا ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وأبو يوسف الصيدلاني لم أجد من ترجمه، فهو أو شيخه آفة هذه الطريق، فإن من فوقهما ثقات، ولا يصح في العمائم شيء غير أنه ﷺ لبسها، وتقدم بعض أحاديثها برقم (١٢٧ - ١٢٩) .
٣٩٦ - " فضل حملة القرآن على الذى لم يحمله كفضل الخالق على المخلوق ".
كذب.
أخرجه الديلمي (٢ / ١٧٨ / ١ - ٢) من طريق محمد بن تميم الفريابي حدثنا حفص بن عمر حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس رفعه، وذكره السيوطي في " الذيل " (ص ٣٢) وقال:
قال الحافظ ابن حجر في " زهر الفردوس ": هذا كذب.
قلت: آفته محمد بن
стр. 648
تميم.
قلت: ثم غفل السيوطي عن هذا فأورده في " الجامع الصغير "!
ومحمد بن تميم هذا قال الخطيب كما تقدم قريبا رقم (٣٩١) : كذاب يضع الحديث. وقال الحاكم: هو كذاب خبيث، وقال أبو نعيم: كذاب وضاع.
٣٩٧ - " إذا طلع النجم رفعت العاهة عن أهل كل بلد ".
ضعيف.
أخرجه الإمام محمد بن الحسن في " كتاب الآثار " (ص ١٥٩) : أخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة مرفوعا، ومن طريق أبي حنيفة أخرجه الثقفي في " الفوائد " (٣ / ١٢ / ١) وكذا الطبراني في " المعجم الصغير " (ص ٢٠) وفي " الأوسط " (١ / ١٤٠ / ٢) وعنه أبو نعيم في " أخبار أصبهان
" (١ / ١٢١) وقال: والنجم: هو الثريا.
وهذا إسناد رجاله ثقات إلا أن أبا حنيفة ﵀ على جلالته في الفقه قد ضعفه من جهة حفظه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن عدي، وغيرهم من أئمة الحديث، ولذلك لم يزد الحافظ ابن حجر في " التقريب " على قوله في ترجمته: فقيه مشهور! .
стр. 649
نعم قد تابعه عسل بن سفيان عن عطاء لكنه ضعيف أيضا وخالفه في لفظه فقال: إذا طلع النجم ذا صباح، رفعت العاهة، أخرجه أحمد (٢ / ٣٤١ و٣٨٨) والطحاوي في " المشكل " (٣ / ٩٢) والطبراني في " الأوسط " أيضا، والعقيلي في " الضعفاء " (٣٤٧) وقال: عسل بن سفيان في حديثه وهم، قال البخاري: فيه نظر.
ولا يخفى وجه الاختلاف بين اللفظين، فالأول أطلق الطلوع وقيد الرفع بـ عن كل بلد، وهذا عكسه فإنه قيد الطلوع بـ ذا صباح، وأطلق الرفع فلم يقيده بالقيد المذكور، وهذا الاختلاف مع ضعف المختلفين يمنع من تقوية الحديث كما لا يخفى على الماهر بهذا العلم الشريف.
٣٩٨ - " لا تسبوا قريشا، فإن عالمها يملأ طباق الأرض علما، اللهم إنك أذقت أولها عذابا أو وبالا، فأذق آخرها نوالا ".
ضعيف جدا.
أخرجه الطيالسي في " مسنده " (٢ / ١٩٩ من " منحة المعبود ") : حدثنا جعفر بن سليمان عن النضر بن حميد الكندي أو العبدي عن الجارود عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود مرفوعا، ومن طريق الطيالسي أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (٦ / ٢٩٥، ٩ / ٦٥) وعنه الخطيب في " تاريخه " (٢ / ٦٠ - ٦١) وابن عساكر (١٤ / ٤٠٩ / ٢)
стр. 650
والحافظ العراقي في " محجة القرب إلى محبة العرب " (١٨٤) .
قلت: وهذا سند ضعيف جدا، النضر بن حميد، قال ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٤ / ٤٧٧ / ١) : سألت أبي عنه عنه؟ فقال: متروك الحديث ولم يحدثني بحديثه، وقال البخاري: منكر الحديث، والجارود لم أعرفه، وفي " كشف الخفاء " (٢ / ٥٣) تبعا لأصله " المقاصد " (٢٨١ / ٦٧٥) إنه مجهول، وأما قوله: والراوي عنه مختلف فيه، فوهم لأنه متروك بلا خلاف، فالحديث بهذا الإسناد ضعيف جدا.
ثم وجدت الحديث في جزء من " الفوائد المنتقاة " لأبي القاسم السمرقندي (١١١ /١) رواه من طريق أخرى عن جعفر بن سليمان قال: أنبأ النضر بن حميد الكندي أبو الجارود عن أبي الأحوص..... به.
فهذا يؤديه ما صوبناه في اسم والد النضر أنه (حميد) ، ويرجح ما في " اللسان " من أن (أبو الجارود) كنية النضر هذا، ليس هو شيخه في الحديث. والله أعلم.
ثم رأيته في " مسند الهيثم بن كليب " (٨٠ / ٢) من طريق فهد بن عوف: أخبرنا جعفر بن سليمان: حدثني النضر بن حميد الكندي: حدثني الجارود عن أبي الأحوص به.
فهذا يوافق رواية الطيالسي.
لكن فهد هذا لا يحتج به، قال ابن المديني:
" كذاب ".
وتركه مسلم والفلاس.
стр. 651
ولكنه عند العقيلي (٤٣٥) من طريق خالد بن أبي زيد القرني - وهو صدوق، وهو المزرفي: حدثنا جعفر بن سليمان عن النضر قال: حدثني أبو الجارود به.
قلت: فهذا علة أخرى في الحديث، وهي الاضطراب في سنده، واسم راويه، وتصويب بعضهم أنه أبو الجارود زياد بن المنذر، لمجرد أن المزي ذكر النضر بن حميد في الرواة عنه لا يكفي، لأنه قائم على بعض هذه الروايات المتقدمة المختلفة، فإن ثبت أنه هو، ازداد الحديث وهنا على وهن، لأنه متهم بالكذب والوضع.
وروي الشطر الأول من الحديث عن عطاء مرسلا بلفظ:
" أكرموا قريشا، فإن....... ". وسيأتي إن شاء الله تعالى.
لكن قوله: اللهم إنك أذقت ... ، حسن، فقد أخرجه الترمذي (٤ / ٣٧١) وأحمد (رقم ٢١٧٠) والعقيلي (١٩٥) ومحمد بن عاصم الثقفي في " حديثه " (٢ / ٢) والضياء في " المختارة " (٢٢٩ / ١) وكذا المخلص في " الفوائد المنتقاة " (٨ / ٦ / ١) من طريق الأعمش عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعا به، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قلت: ورجاله عند أحمد ثقات رجال الشيخين، وفي طارق كلام لا يضر.
بل هو صحيح فقد وجدت له شاهدا آخر من حديث ابن عمر أخرجه القضاعي (١٢٠ / ٢) من طريق أبي سعيد بن الأعرابي قال: أنبأنا محمد بن غالب قال أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال أخبرنا شعبة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير عنه مرفوعا به.
قلت: هذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات معروفون غير محمد بن غالب وهو تمتام حافظ مكثر وثقه الدارقطني.
стр. 652
٣٩٩ - " اللهم اهد قريشا فإن علم العالم منهم يسع طباق الأرض، اللهم أذقت أولها نكالا، فأذق آخرها نوالا ".
ضعيف جدا.
أخرجه ابن عدي في " الكامل " (٨ / ٢) وأبو نعيم (٩ / ٦٥) من طريق إسماعيل ابن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعا، والخطيب (٢ / ٦٠ - ٦١) وعنه العراقي في " محجة القرب " من طريق ابن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله عن وهب بن كيسان، عن أبي هريرة مرفوعا.
وهذان إسنادان ضعيفان جدا: إسماعيل بن مسلم وعبد العزيز بن عبيد الله الحمصي متروكان، والحديث عزاه في " الكشف " (٢ / ٥٣) للترمذي وأحمد عن ابن عباس، وهو وهم، فإنما أخرجا عنه الشطر الثاني منه كما سبق في الحديث الذي قبله.
стр. 653
٤٠٠ - " لمبارزة علي بن أبى طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة ".
كذب.
أخرجه الحاكم في " المستدرك " (٣ / ٣٢) من طريق أحمد بن عيسى الخشاب بـ " تنيس " حدثنا عمرو بن أبي سلمة: حدثنا سفيان الثوري عن بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده مرفوعا سكت عنه الحاكم وقال الذهبي في " تلخيصه ":
قبح الله رافضيا افتراه.
قلت: وعلته الخشاب هذا فإنه كذاب كما قال ابن طاهر وغيره ولعله سرقه من كذاب مثله، فقد أخرجه الخطيب (١٣ / ١٩) من طريق إسحاق بن بشر القرشي عن بهز به.
стр. 654
وإسحاق هذا هو الكاهلي الكوفي وهو كذاب أيضا وقد سبقت له أحاديث موضوعة، فانظر مثلا الحديث (٣٠٩ و٣١١ و٣٢٩ و٣٥١) من هذا الجزء.
قلت: وقصة مبارزة علي ﵁ لعمرو بن ود وقتله إياه مشهورة في كتب السيرة وإن كنت لا أعرف لها طريقا مسندا صحيحا وإنما هي من المراسيل والمعاضيل فانظر إن شئت " سيرة ابن هشام " (٣ /٢٤٠ - ٢٣٤) و" دلائل النبوة " للبيهقي (٣ / ٤٣٥ - ٤٣٩) و" سيرة ابن كثير " (٣ / ٢٠٣ - ٢٠٥) .
٤٠١ - " إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي، فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كانت نورا بين عينيه يوم القيامة ".
ضعيف.
أخرجه الطبراني (١ / ١٨٤ / ٢) والدارقطني (ص ٢٤٩) وعنه البيهقي (٤ / ٢٧٤) من طريق كيسان أبي عمر القصار عن يزيد بن بلال عن علي موقوفا.
ثم أخرجوه من هذا الطريق عن عمرو بن عبد الرحمن عن خباب عن النبي ﷺ مثله، وضعفه الدارقطني وتبعه البيهقي فقالا:
كيسان أبو عمر ليس بالقوي، ومن بينه وبين علي غير معروف.
وأقرهما ابن الملقن في " خلاصة البدر المنير " (ق ٦٩ / ٢) .
وفي " المجمع " (٣ / ١٦٤ - ١٦٥) :
رواه الطبراني في الكبير، ورفعه عن خباب ولم يرفعه عن علي وفيه كيسان أبو عمر وثقه ابن حبان وضعفه غيره.
стр. 655
ونقل المناوي في " الفيض " عن العراقي أنه قال في " شرح الترمذي ":
حديث ضعيف جدا، وعن " تخريج الهداية ": فيه كيسان القعاب، كذا ضعيف جدا، وقال ابن حجر: فيه كيسان ضعيف عندهم، وأما قول العزيزي في " شرح الجامع الصغير " (١ / ١٢٩) ، وهو حديث ضعيف منجبر، فهو وهم منه إذ لا جابر له، ولم يدع ذلك غيره بل وقد روى ما يعارضه وهو:
٤٠٢ - " كان يستاك آخر النهار وهو صائم ".
باطل.
أخرجه ابن حبان في " كتاب الضعفاء " عن أحمد بن عبد الله بن ميسرة الحراني عن شجاع بن الوليد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعا.
وأعله ابن حبان بابن ميسرة وقال: لا يحتج به، ورفعه باطل، والصحيح عن ابن عمر من فعله وأقره الزيلعي في " نصب الراية " (٢ / ٤٦٠) ، ويغني عن هذا الحديث في مشروعية السواك للصائم في أي وقت شاء أول النهار أو آخره عموم قوله ﷺ : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ".
متفق عليه، وهو مخرج في " الإرواء " (رقم ٧٠) وما أحسن ما روى الطبراني (٢٠ / ٧٠ / ١٣٣) وفي " مسند
стр. 656
الشاميين " (٢٢٥٠) بإسناد يحتمل التحسين عن عبد الرحمن بن غنم قال:
سألت معاذ بن جبل أأتسوك وأنا صائم؟ قال: نعم، قلت: أي النهار أتسوك؟ قال: أي النهار شئت غدوة أو عشية، قلت: إن الناس يكرهو نه عشية ويقولون إن رسول الله ﷺ قال: " لخلوف الصائم أطيب عند الله من ريح المسك؟ " فقال: سبحان الله لقد أمرهم بالسواك وهو يعلم أنه لا بد أن يكون بفي الصائم خلوف وإن استاك، وما كان بالذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمدا، ما في ذلك من الخير شيء، بل فيه شر، إلا من ابتلي ببلاء لا يجد منه بدا.
قلت: والغبار في سبيل الله أيضا كذلك إنما يؤجر من اضطر إليه ولا يجد عنه محيصا؟ قال: نعم، فأما من ألقى نفسه في البلاء عمدا فما له في ذلك من أجر.
وقال الحافظ في " التلخيص " (ص ١٩٣) : إسناده جيد، ثم قال الزيلعي:
ويدخل فيه أيضا من تكلف الدوران، وكثرة المشي إلى المساجد بالنسبة إلى قوله ﷺ : " وكثرة الخطا إلى المساجد " ومن يصنع في طلوع الشيب في شعره بالنسبه إلى قوله ﷺ : " من شاب شيبة في الإسلام " إنما يؤجر عليهما من بُلِيَ بهما.
٤٠٣ - " نزل آدم الهند واستوحش، فنزل جبريل فنادى بالأذان الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، مرتين، أشهد أن محمدا رسول الله مرتين، قال آدم: من محمد؟ قال: آخر ولدك من الأنبياء ﷺ ".
ضعيف.
رواه ابن عساكر (٢ / ٣٢٣ / ٢) عن محمد بن عبد الله بن سليمان أخبرنا علي بن بهرام الكوفي أخبرنا عبد الملك بن أبي كريمة عن عمرو بن قيس عن عطاء
стр. 657
عن أبي هريرة مرفوعا.
قلت: وهذا إسناد ضعيف علي بن بهرام لم أعرفه وقد ذكره الحافظ في الرواة عن أبي كريمة هذا وسماه علي بن يزيد بن بهرام، ثم وجدته في تاريخ بغداد وجعل يزيد جده فقال (١١ / ٣٥٣) :
علي بن بهرام بن يزيد أبو حجية المزني العطار، من أهل إفريقية انتقل إلى العراق فسكنه إلى حين وفاته، وحدث ببغداد عن عبد الملك بن أبي كريمة الأنصاري روى عنه أحمد بن يحيى الأو دي وموسى بن إسحاق الأنصاري وعليك الرازي والحسن ابن الطيب الشجاعي، ثم ساق له حديثين ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
ومحمد بن عبد الله بن سليمان هما اثنان أحدهما كوفي قال ابن منده: مجهول والآخر خراساني اتهمه الذهبي بحديث موضوع، والظاهر هنا أنه الأول، وهذا الحديث مع ضعفه أقوى من الحديث المتقدم بلفظ:
" لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله:
يا آدم وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه بعد؟ ... " الحديث رقم (٢٥) وهو صريح في أن آدم ﵇ كان يعرف النبي ﷺ وهو في الجنة قبل هبوطه إلى الأرض، وهذا صريح في أن آدم ﵇ لم يعرف محمدا ﷺ حتى بعد نزوله إلى الأرض، ولذلك سأل جبريل: ومن محمد؟ فهذا من أدلة بطلان ذلك الحديث كما سبق بيانه عند تحقيق الكلام على وضعه فتذكر أو راجع إن شئت، وأنا لا أجيز لنفسي الاحتجاج بمثل هذا الحديث كما هو ظاهر ولكن التحقيق العلمي يسمح برد الحديث الواهي بالحديث الضعيف ما دام ضعفه أقل منه كما لا يخفى على من مارس هذا العلم الشريف.
стр. 658
٤٠٤ - " نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة ".
ضعيف.
أخرجه البخاري في " التاريخ الكبير " (٧ / ٤٢٥) وأبو داود (١ / ٣٨٢) وابن ماجه (١ / ٥٢٨) والطحاوي في " مشكل الآثار " (٤ / ١١٢) والعقيلي في " الضعفاء " (١٠٦) والحربي في " غريب الحديث " (٥ / ٣٨ / ٢) والحاكم (١ / ٤٣٤) والبيهقي (٤ / ٢٨٤) من طريق حوشب بن عقيل عن مهدي الهجري عن عكرمة عن أبي هريرة مرفوعا، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي. قلت: وهذا من أوهامهما الفاحشة فإن حوشب بن عقيل وشيخه مهدي الهجري لم يخرج لهما البخاري، بل إن الهجري مجهول كما قال ابن حزم في " المحلى " (٧ /١٨) وأقره الذهبي في " الميزان " وذكر عن أبي حاتم نحوه، وفي " التهذيب " عن ابن معين مثله، فأنى للحديث الصحة وفيه هذا الرجل المجهول؟ ولذلك ضعف هذا الحديث ابن حزم فقال: لا يحتج بمثله وكذلك ضعفه ابن القيم في " الزاد " (١ / ١٦ و٢٣٧) .
وتوثيق ابن حبان (٧ / ٥٠١) إياه مما لا يعتد به كما نبهت عليه مرارا، وكذا تصحيح ابن خزيمة لحديثه لا يعتد به لأنه متساهل فيه، ولذلك لم يعتمد الحافظ على توثيقهما إياه فقال في ترجمة الهجري هذا مقبول يعني عند المتابعة، وإلا فهو لين الحديث، وبما أنه تفرد بهذا الحديث فهو عنده لين.
стр. 659
فإن قيل قد روى الطبراني عن عائشة مثل هذا الحديث فهل يتقوى به؟
قلت: لا لأن في إسناده إبراهيم بن محمد الأسلمي وهو ضعيف جدا، فمثله لا يتقوى به فقال الطبراني في " الأوسط " (١ / ١٠٥ / ١ من زوائده) : حدثنا إبراهيم هو ابن (بياض في الأصل) حدثنا محمد بن عبد الرحيم بن شروس حدثنا إبراهيم بن محمد الأسلمي عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن عائشة مرفوعا به وقال: لم يروه عن صفوان إلا إبراهيم.
قلت: وهو متروك كما قال الحافظ في " التقريب " وابن شروس لم أعرفه، ثم رأيته في " الجرح والتعديل " (٨ / ٨) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا فهو مجهول.
وأما ما في " المجمع " (٣ / ١٨٩) : رواه الطبراني في " الأوسط " وفيه محمد بن أبي يحيى وفيه كلام كثير وقد وثق قلت: فالظاهر أنه سقط من قلم الناسخ اسم إبراهيم بن فإنه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، وقد كذبه مالك والقطان وابن معين وضعفه الجمهور فمثله لا يستشهد به ولا كرامة.
وإبراهيم شيخ الطبراني الذي ترك الهيثمي بعده بياضا هو ابن محمد بن سبرة الصنعاني ففي ترجمته أورده الطبراني في " أوسطه " (١ / ١٢٨ / ١ - ١٣٠ / ١ - ٢ رقم ٢٥١٣) ، أورده ابن ناصر الدين وغيره ولم يذكروا فيه شيئا.
نقول: هذا بيانا لحقيقة هذا الحديث ولكي لا يغتر به جاهل فيحرم به صيام يوم عرفة على الحاج تمسكا بظاهر النهى، وإلا فالأحب إلينا أن يفطر الحاج هذا اليوم لأنه أقوى له على أداء النسك، ولأنه هو الثابت عنه ﷺ من فعله في حجة
стр. 660
الوداع، انظر رسالتنا " حجة النبي ﷺ "، وإليه يشير كلام أحمد ﵀ فقد قال ابنه عبد الله في مسائله (ص ١٦٦ - مخطوط) : سألت أبي عن الرجل يصوم تطوعا في السفر فهل يأثم لقول رسول الله ﷺ : " ليس من البر الصوم في السفر "؟ فقال: إن صام في سفر صوم فريضة أجزأه ولا يعجبني أن يصوم تطوعا ولا فريضة في سفر: ثم رأيت الحديث رواه الدولابي (١ / ١٣٣) عن ابن عمر موقوفا عليه وسنده حسن.
وروى ابن سعد (٧ / ١٢٥) وأبو مسلم الكجي في " جزء الأنصاري " (٦ / ١) عن عمر نحوه، وفي سنده ضعيف.
٤٠٥ - " من صلى الصبح ثم قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ مائة مرة قبل أن يتكلم، فكلما قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ غفر له ذنب سنة ".
موضوع.
أخرجه الطبراني (٢٢ / ٩٦ / ٢٣٢) وكذا الحاكم (٣ / ٥٧٠) وابن عساكر (١٩ / ١٩٦ / ٢) من طريق محمد بن عبد الرحمن القشيري حدثتني أسماء بنت واثلة بن الأسقع قالت: كان أبي إذا صلى الصبح جلس مستقبل القبلة لا يتكلم حتى تطلع الشمس فربما كلمته في الحاجة فلا يكلمني فقلت ما هذا؟ فقال: فذكره.
قلت: سكت عليه الحاكم، وبيض له الذهبي، وقال الهيثمي في " المجمع " (١٠ /١٠٩) بعد أن عزاه للطبراني:
стр. 661
وفيه محمد بن عبد الرحمن القشيري وهو متروك.
قلت: بل هو كذاب كما قال الأزدي، وقال ابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ٣٢٥) :
" سألت أبي عنه؟ فقال: متروك الحديث، كان يكذب ويفتعل الحديث.
٤٠٦ - " من كبر تكبيرة عند غروب الشمس على ساحل البحر رافعا بها صوته أعطاه الله من الأجر بعدد كل قطرة فى البحر عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات ما بين درجتين مسيرة مائة عام بالفرس المسرع ".
موضوع.
أخرجه العقيلي في " الضعفاء " (ص ١٢٢) وأبو نعيم (٣ / ١٢٥) والحاكم (٣ /٥٨٧) من طريق إبراهيم بن زكريا العبدسي حدثنا فديك بن سليمان قال: حدثنا خليفة بن حميد عن إياس بن معاوية عن أبيه عن جده مرفوعا.
وقال أبو نعيم:
غريب من حديث إياس ولم يروه عنه إلا خليفة تفرد به عنه فديك.
وسكت عنه الحاكم وقال الذهبي في " تلخيصه ":
قلت: هذا منكر جدا، وخليفة لا يدرى من هو، وفي إسناده إليه من يتهم.
قلت: يشير إلى العبدسي هذا قال فيه ابن عدي:
حدث بالبواطيل، وقال ابن حبان: يأتي عن مالك بأحاديث موضوعة.
وقال الذهبي في ترجمة خليفة هذا من الميزان:
стр. 662
فيه جهالة، وخبره ساقط، ثم ساق هذا الحديث من رواية العقيلي، ونقل الحافظ في " اللسان ": كلام الذهبي في " التلخيص " وأقره عليه، وقد ذهل الهيثمي عن المتهم المشار إليه في كلام الذهبي فاقتصر في إعلاله في " المجمع " (٥ / ٢٨٨) بكلام الذهبي المذكور في ترجمة خليفة، وذلك قصور لا يخفى.
ثم رأيت ابن عراق قد أورد الحديث في " تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة " (٢٨٨ / ٢) فأصاب.
٤٠٧ - " من كانت له ثلاث بنات فصبر على لأو ائهن وضرائهن وسرائهن أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهن، فقال رجل: أو اثنتان يا رسول الله؟ قال: أو اثنتان، فقال رجل: أو واحدة يا رسول الله؟ قال: أو واحدة ".
ضعيف بهذا اللفظ.
أخرجه الحاكم (٤ / ١٧٧) وأحمد (٢ / ٣٣٥) من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن عمر بن نبهان عن أبي هريرة مرفوعا، وقال الحاكم:
صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي وأقره المنذري في " الترغيب " (٣ / ٨٥) .
وأقول: كلا: فإن ابن جريج وأبا الزبير مدلسان وقد عنعناه، وعمر بن نبهان فيه جهالة كما قال الذهبي نفسه في " الميزان " فأنى له الصحة؟ !
ويغني عن هذا حديث جابر ﵁ مرفوعا بلفظ:
стр. 663
" من كان له ثلاث بنات يؤويهن ويكفيهن ويرحمهن فقد وجبت له الجنة البتة، فقال رجل من بعض القوم: واثنتين يا رسول الله؟ قال: واثنتين ".
أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (ص ١٤) وأبو نعيم في " الحلية " (٣ / ١٤) من طريقين عن محمد بن المنكدر عنه، فهذا إسناد صحيح.
٤٠٨ - " أحب الأسماء إلى الله ما تعبد به ".
موضوع.
أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٣ / ٥٩ / ٢) و" الأوسط " (١ / ٤٠ / ١ / ٦٨٥) عن معلل بن نفيل الحراني عن محمد بن محصن عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال: نهى رسول الله ﷺ أن يسمي الرجل عبده أو ولده حارثا أو مرة أو وليدا أو حكما أو أبا الحكم أو أفلح أو نجيحا أو يسارا وقال: " أحب الأسماء إلى الله ما تعبد به وأصدق الأسماء همام " والسياق " للأوسط " وقال: لم يروه عن سفيان إلا محمد، قال الهيثمي في " المجمع " (٨ / ٥١) بعد أن عزاه للمعجمين وفيه محمد بن محصن العكاشي وهو متروك.
قلت: بل هو كذاب كما قال ابن معين، وقال الدارقطني يضع الحديث.
والحديث ذكره السيوطي في " الجامع الصغير " برواية الشيرازي في " الألقاب "
والطبراني وأعله الشارح المناوي بكلام الهيثمي السابق ثم قال:
стр. 664
وقال في " الفتح ": في إسناده ضعف، ولم يرمز له المؤلف هنا بشيء، ووهم من زعم أنه رمز له بالضعف ولكنه جزم بضعفه في الدرر ".
قلت: والاقتصار على تضعيفه قصور مع كونه من رواية هذا الكذاب، إلا أن يقال أن الضعيف من أقسامه الموضوع كما تقرر في " المصطلح " فلا منافاة.
وانظر الحديث الآتي بعد حديثين.
٤٠٩ - " من عشق وكتم وعف فمات فهو شهيد ".
موضوع.
رواه ابن حبان في " المجروحين " (١ / ٣٤٩) والخطيب في " تاريخه " (٥ / ١٥٦، ٢٦٢، ٦ / ٥٠ - ٥١، ٧١ / ٢٩٨، ١٣ /٠ ١٨٤) والثعالبي في " حديثه (١٢٩ / ١) وأبو بكر الكلاباذي في " مفتاح المعاني "
(٢٨١ / ٢) والسلفي في " الطيوريات " (٢٤ / ٢) وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (١٢ / ٢٦٣ / ٢) وابن الجوزي في " مشيخته ": الشيخ الثامن والسبعون من طرق عن سويد بن سعيد الحدثاني حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا.
قلت: وهذا سند ضعيف وله علتان:
الأولى: ضعف أبي يحيى القتات واسمه زاذان وقيل غير ذلك، قال الحافظ في " التقريب ": لين الحديث.
الأخرى: ضعف سويد بن سعيد، قال الحافظ: صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه، وأفحش فيه ابن معين القول.
قلت: وقد تكلم فيه ابن معين من أجل هذا الحديث كما يأتي، واتفق الأئمة
стр. 665
المتقدمون على تضعيف هذا الحديث، فقال ابن الملقن في " الخلاصة " (٥٤ / ٢) :
وأعله الأئمة، قال ابن عدي والحاكم والبيهقي وابن طاهر وغيرهم هو أحد ما أنكر على سويد بن سعيد قال يحيى بن معين: لوكان لي فرس ورمح لكنت أغزوه.
ولهذا قال الحافظ ابن حجر في " بذل الماعون " (٤٥ / ٢) :
وفي سنده مقال، وذهب بعض المتأخرين إلى تقوية الحديث بمجيئه من طريق آخر، فقال الزركشي في " اللآليء المنثورة في الأحاديث المشهورة " (رقم ١٦٦ - نسختي) : وهذا الحديث أنكره يحيى بن معين وغيره على سويد بن سعيد، لكن لم يتفرد به، فقد رواه الزبير بن بكار فقال: حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ فذكره، وهو إسناد صحيح.
قال الحافظ السخاوي في " المقاصد الحسنة ": (٤٢٠ - طبع الخانجي) بعد أن ساق هذه الطريق: وينظر هل هذه هي الطريق التي أورده الخرائطي منها، فإن تكن هي فقد قال العراقي: في سندها نظر، ومن طريق الزبير أخرجه الديلمي في مسنده، ولكن وقع عنده عن عبد الله بن عبد الملك بن الماجشون لا كما هنا.
قلت: أما طريق الخرائطي فلم يسقها السخاوي، وقد أوردها العلامة المحقق ابن القيم وتكلم عليها فقال في كتاب " الداء والدواء " (ص ٣٥٣ - ٣٥٤) :
أما حديث ابن الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا، فكذب على ابن الماجشون، فإنه لم يحدث بهذا، ولا حدث به عنه الزبير ابن بكار، وإنما هذا من تركيب بعض الوضاعين، ويا سبحان
стр. 666
الله كيف يحتمل هذا الإسناد مثل هذا المتن فقبح الله الوضاعين.
وقد ذكره أبو الفرج بن الجوزي من حديث محمد بن جعفر بن سهل: حدثنا يعقوب بن عيسى من ولد عبد الرحمن بن عوف عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مرفوعا، وهذا غلط قبيح فإن محمد بن جعفر هذا هو الخرائطي، ووفاته سنة سبع وعشرين وثلاث مئة، فمحال أن يدرك شيخه يعقوب، ابن أبي نجيح ولا سيما وقد رواه في كتابه " الاعتلال " عن يعقوب هذا عن الزبير عن عبد الملك عن عبد العزيز عن ابن أبي نجيح، والخرائطي هذا مشهور بالضعف في الرواية، ذكره أبو الفرج في كتاب " الضعفاء ".
قلت: أما الخرائطي فلا أعرف أحدا من المتقدمين رماه بشيء من الضعف ولهذا لم يورده الذهبي في " ميزان الاعتدال "، ولا استدركه عليه الحافظ ابن حجر في " لسان الميزان "، وقد ترجمه الخطيب في تاريخه (٢ / ١٣٩ - ١٤٠) ثم السمعاني في " الأنساب " ثم ابن الأثير في " اللباب " فلم يجرحه أحد منهم، بل ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه (١٥ / ٩٣ / ١ - ٢) وروى عن أبي نصر ابن ماكولا أنه قال فيه: كان من الأعيان الثقات.
فأنا في شك كبير من صحة ما ذكره أبو الفرج من ضعف الخرائطي، بل هو ثقة حجة. والله أعلم.
стр. 667
ثم طبع كتاب " الضعفاء " لابن الجوزي فلم أجد فيه محمد بن جعفر الخرائطي وإنما ذكر آخرين (٣ / ٤٦ - ٤٧) ليسا من طبقة الخرائطي وهما من رجال ابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ٢٢٢ / ١٢٢٤ و١٢٢٦) فتبين أن الوهم من ابن القيم والله أعلم. فلعل علة هذا الإسناد من يعقوب بن عيسى شيخ الخرائطي، فإنى لم أجد له ترجمة، ومن
طبقته يعقوب بن عيسى بن ماهان أبو يوسف المؤدب ترجمه الخطيب (١٤ / ٢٧١ - ٢٧٢) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، ولكنه لم يذكر أنه من ولد عبد الرحمن بن عوف، والله أعلم، وهو من شيوخ أحمد في المسند قال الحافظ في " التعجيل " قال أبو زرعة ابن شيخنا لا أعرفه، وذكره ابن حبان في " الثقات " (٩ / ٢٨٦) لكن
وقع فيه يعقوب بن يوسف بن ماهان ثم وجدت الحافظ ابن حجر قد تكلم على الحديث في " التلخيص الحبير " (٥ / ٢٧٣)
وأعله من الطريق الأولى بنحو ما نقلناه عن " الخلاصة " وأعل الطريق الثانية من رواية يعقوب عن ابن أبي نجيح بأن يعقوب ضعفه أحمد بن حنبل، ثم قال:
ورواه الخطيب من طريق الزبير بن بكار، وهذه الطريق غلط فيها بعض الرواة فأدخل إسنادا في إسناد، وخلاصة القول: إن هذا الطريق ضعيف أيضا لضعف يعقوب هذا واضطرابه في روايته فمرة يقول: عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مرفوعا، فيرسله ولا يذكر الواسطة بينه وبين ابن أبي نجيح، ومرة يقول عن الزبير عن عبد الملك عن عبد العزيز عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس فيسنده ويوصله.
قال ابن القيم:
стр. 668
وكلام حفاظ الإسلام في إنكار هذا الحديث هو الميزان وإليهم يرجع في هذا الشأن، ولم يصححه ولم يحسنه أحد يعول في علم الحديث عليه، ويرجع في التصحيح إليه، ولا من عادته التسامح والتساهل، فإنه لم يصف نفسه له
، ويكفي أن ابن طاهر الذي يتساهل في أحاديث التصوف ويروي منها الغث والسمين قد أنكره وشهد ببطلانه.
نعم ابن عباس لا ينكر ذلك عنه، وقد ذكر أبو محمد بن حزم عنه أنه سئل عن الميت عشقا فقال: قتيل الهوى لا عقل له ولا قدر، ورفع إليه بعرفات شاب قد صار كالفرخ فقال: ما شأنه؟ قالوا: العشق، فجعل عامة يومه يستعيذ من العشق.فهذا نفس ما روى عنه في ذلك.
ومما يوضح ذلك أن النبي ﷺ عد الشهداء في الصحيح، فذكر المقتول في الجهاد والحرق والغرق، والمبطون، والنفساء يقتلها ولدها، وصاحب ذات الجنب، ولم يذكر منهم من يقتله العشق، وحسب قتيل العشق أن يصح له هذا الأثر عن ابن عباس ﵄ على أنه لا يدخل الجنة حتى يصبر لله، ويعف لله ويكتم لله، لكن العاشق إذا صبر وعف وكتم مع قدرته على معشوقه وآثر محبته لله وخوفه ورضاه فهو من أحق
стр. 669
من دخل تحت قوله تعالى ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهو ى، فإن الجنة هي المأو ى﴾ وتحت قوله تعالى ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ .
والحديث أورده السيوطي في " الجامع الصغير " من رواية الخطيب عن عائشة وعن ابن عباس، وهذا يوهم أن له طريقين أحدهما عن عائشة والآخر عن ابن عباس، والحقيقة أنه طريق واحد، وهم في سنده بعض الضعفاء فصيره من مسند عائشة، وإنما هو من مسند ابن عباس كما تقدم، فقد أخرجه الخطيب في " تاريخه " (١٢ /٤٧٩) من طريق أحمد بن محمد بن مسروق الطوسي: حدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا به، وقال:
رواه غير واحد عن سويد عن علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس وهو المحفوظ، وكذا قال في " المؤتلف " أيضا كما في " اللسان " وأشار إلى أن الخطأ في هذا الإسناد من الطوسي هذا، قال الدارقطني: ليس بالقوي، يأتي بالمعضلات.
قلت: فهذا الإسناد منكر لمخالفة الطوسي لرواية الثقات الذين أسندوه عن سويد بسنده عن ابن عباس، فلا يجوز الاستكثار بهذا الإسناد والتقوي به لظهور خطئه ورجوعه في الحقيقة إلى الإسناد الأول، وقد قال ابن القيم في " الداء والدواء " (ص ٣٥٣) بعد أن ساق رواية الخطيب هذه:
فهذا من أبين الخطأ، ولا يحمل هشام عن أبيه عن عائشة مثل هذا عند من
стр. 670
شم أدنى رائحة الحديث، ونحن نشهد بالله أن عائشة ما حدثت بهذا عن رسول الله ﷺ قط، ولا حدث به عروة عنها ولا حدث به هشام قط.
وخلاصة القول أن الحديث ضعيف الإسناد من الطريقين، وقد أنكره العلامة ابن القيم من حيث معناه أيضا وحكم بوضعه كما رأيت، وقد أو ضح ذلك في كتابه " زاد المعاد " أحسن توضيح فقال (٣ / ٣٠٦ - ٣٠٧) :
ولا تغتر بالحديث الموضوع على رسول الله ﷺ ، ثم ساقه من الطريقين ثم قال، فإن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ولا يجوز أن يكون من كلامه، فإن الشهادة درجة عالية عند الله مقرونة بدرجة الصديقية ولها أعمال وأحوال هي شروط في حصولها وهي نوعان عامة وخاصة، فالخاصة الشهادة في سبيل الله والعامة خمس مذكورة في الصحيح ليس العشق واحدا منها، وكيف يكون العشق الذي هو شرك المحبة وفراغ عن الله وتمليك القلب والروح والحب لغيره تنال به درجة الشهادة! ؟ هذا من المحال، فإن إفساد عشق الصور للقلب فوق كل إفساد بل هو خمر الروح الذي يسكرها ويصدها عن ذكر الله وحبه، والتلذذ بمناجاته والأنس به، ويوجب عبودية القلب لغيره، فإن قلب العاشق متعبد لمعشوقه بل العشق لب العبودية، فإنها كمال الذل والحب والخضوع والتعظيم فكيف يكون تعبد القلب لغير الله مما تنال به درجة أفاضل الموحدين وساداتهم وخواص الأولياء! ؟ فلوكان إسناد هذا الحديث كالشمس كان غلطا ووهما، ولا يحفظ عن رسول الله ﷺ لفظ العشق من حديث صحيح البتة، ثم إن العشق منه حلال ومنه حرام، فكيف يظن بالنبي ﷺ أنه يحكم على كل عاشق يكتم ويعف بأنه شهيد! ؟ أفترى من يعشق امرأة غيره أو يعشق المردان والبغايا ينال بعشقه درجة الشهداء! ؟ وهل هذا إلا خلاف المعلوم من دينه ﷺ ؟ كيف والعشق مرض من الأمراض التي جعل الله سبحانه لها من الأدوية شرعا وقدرا،