وما بين المعكوفتين سقطت من مطبوعة "المسند"؛ وهي ثابتة في "المجمع" (٣/ ٨) برواية أحمد. وقال:
"ورجاله ثقات"! وكذا قال في رواية عبد الله، وعزاها لأبي يعلى أيضاً! وقال الحاكم:
"صحيح على شرط مسلم"! ووافقه الذهبي!
وصححه أيضاً ابن حجر في ترجمة الحارث من "الإصابة"!
ومن قبله المنذري في "الترغيب" (٣/ ٩١ و ٤/ ٢٣٩) !
وتبعهم البوصيري - على تناقض في كلامه -؛ فإنه قال في "زوائد ابن ماجه" (٤/ ٢٦٢) - مع تصحيح بعض الأخطاء من النسخة المخطوطة -:
"هذا إسناد فيه مقال؛ عبد الله بن قيس النخعي؛ ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: أحسبه الذي روى عنه أبو إسحاق عن ابن عباس قوله. وقال: لم يرو عنه غير داود بن أبي هند، وليس إسناده بالصافي. انتهى. وباقي رجال الإسناد ثقات؛ رواه الإمام أحمد في "مسنده" بإسناد جيد"!
فأقول: قد عرفت - من تخريجنا المتقدم - أن الحديث عند أحمد وغيره من طريق عبد الله بن قيس، فقوله في إسناد ابن ماجه:
"فيه مقال"؛ يناقض تجويده لإسناد أحمد؛ كما هو ظاهر.
ثم إن ما نسبه لابن حبان أنه قال: "لم يرو عنه ... " إلخ؛ خطأ؛ لأمرين:
الأول: أنه ليس في "ثقاته"، وهذا نصه فيه (٥/ ٤٢) :
"يروي عن ابن مسعود، والحارث بن أقيش. عداده في أهل البصرة. روى
стр. 6407
عنه داود بن أبي هند، وأبو حرب. وأحسبه الذي روى عنه أبو إسحاق السبيعي عن ابن عباس قوله".
وهكذا نقله عنه الحافظ ابن حجر في "التهذيب".
والآخر: أن هذا القول إنما هو لابن المديني؛ فقد عزاه إليه الحافظ عقب النقل المشار إليه؛ فقال:
"وقد قال علي بن المديني: عبد الله بن قيس الذي روى عنه داود بن أبي هند؛ مجهول لم يرو عنه غير داود، ليس إسناده بالصافي".
فظهر أنه اختلط على البوصيري كلام ابن المديني بكلام ابن حبان!
ثم إن تصريح ابن المديني بجهالة ابن قيس هذا: هو الذي تنباه الحافظ في "التقريب" بقوله:
"مجهول". وأشار إليه الذهبي بقوله في "الميزان":
"تفرد عنه داود بن أبي هند، ولعله الذي قبله".
يعني: الذي تقدم في كلام ابن حبان، فقال الذهبي:
"عبد الله بن قيس عن ابن عباس، لا يدرى من هو؟ تفرد عنه أبو إسحاق".
قلت: وقال الحافظ فيه أيضاً:
"مجهول؛ ولعله الذي قبله".
قلت: فالعجب منهما؛ كيف غفلا عن هذه الجهالة هما وغيرهما ممن سبقذكره؛ فصححوا الحديث؟! وبخاصة منهم الذهبي الذي وافق الحاكم على
стр. 6408
تصحيحه على شرط مسلم، وابن قيس هذا ليس من رجاله، وإنما هو من رجال ابن ماجه؛ كما رمزوا له!
هذا؛ ولعله مما يوهن من شأن هذا الراوي، ويبين أنه ليس في موضع الثقة؛ أنه روى الزيادة الأخرى بلفظ:
"يموت لهما أربعة ... "!
فإنه منكر بهذا اللفظ؛ فإن الأحاديث التي في معناه ليس فيها ذكر: "أربعة"؛ وإنما لفظ: "ثلاثة"؛ مثل حديث أنس:
"ما من مسلم يموت له ثلاثة لم يبلغوا الحنث ... " الحديث.
رواه البخاري وسواه.
وفي معناه أحاديث أخرى، رواها ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣/ ٣٥٢-٣٥٥) ، وخرج بعضها المنذري في "ترغيبه"، والهيثمي في "مجمعه"؛ فليراجعها من شاء.
وأما الزيادة الأولى التي ذكر فيها (الشفاعة) ؛ فهي صحيحة بغير هذه الرواية، وقد خرجتها من حديث أبي أمامة وعبد الله بن أبي الجدعاء وغيرهما في الكتاب الآخر: "الصحيحة" برقم (٢١٧٨) ؛ فلا داعي للإعادة.
٤٨٢٤ - (يا عثمان! هذا جبريل يقول عن الله : إني قد زوجتك أم كلثوم؛ على مثل ما زوجتك رقية، وعلى مثل صحبتها) (١) .
ضعيف
رواه ابن ماجه (١١٠) ، وابن منده في "المعرفة" (٢/ ٢٩٥/ ٢) عن محمد بن عثمان بن خالد: أخبرنا أبي: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه الأعرج عن أبي هريرة:
стр. 6409
أن رسول الله ﷺ لقي عثمان بن عفان عند باب المسجد، فقال ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً، رجاله موثقون؛ غير عثمان بن خالد - وهو الأموي العثماني - متروك، كما قال الحافظ.
ثم رواه ابن منده، والحاكم (٤/ ٤٩) من طريق عبد الله بن صالح: أخبرنا ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن عثمان بن عفان:
أن النبي ﷺ رآه لهفان مهموماً، فقال له:
"ما لي أراك لهفان مهموماً؟! ". فقلت: يا رسول الله ﷺ ! وهل دخل على أحد ما دخل علي؟ ماتت ابنة رسول الله ﷺ التي كانت تحتي، وانقطع ظهري، وانقطع الصهر بيني وبينك! فبينما هو يحاروه؛ إذ قال النبي ﷺ ... فذكره؛ وزاد: فزوجه إياها. وقال:
"تفرد به ابن لهيعة عن عقيل".
قلت: وابن لهيعة ضعيف.
ومثله عبد الله بن صالح.
٤٨٢٥ - (يخرج من خراسان رايات سود، لا يردها شيء حتى تنصب بإيلياء) .
ضعيف
أخرجه الترمذي (٢٢٧٠) ، وأحمد (٢/ ٣٦٥) عن رشدين بن سعد عن يونس عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب عن أبي هريرة مرفوعاً. وقال الترمذي:
"حديث غريب". زاد في بعض النسخ:
стр. 6410
"حسن غريب"!
والأول أليق بحال رشدين بن سعد؛ فإنه ضعيف.
٤٨٢٦ - (يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي. يعني: سلطانه) .
ضعيف
أخرجه ابن ماجه (٢/ ٥١٩) ، والفسوي في "المعرفة" (٢/ ٤٩٧) عن ابن لهيعة عن أبي زرعة عمرو بن جابر الحضرمي عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة وأبي زرعة الحضرمي؛ كما قال البوصيري (٢٥٠/ ١) .
قلت: وأما الفسوي؛ فذكر الحضرمي في ثقات التابعين المصريين! خلافاً للنسائي وغيره؛ فقال:
"ليس بثقة". وقال ابن حبان:
"لا يحتج بخبره". وقال الحافظ:
"ضعيف".
стр. 6411
٤٨٢٧ - (يدعى أحدهم، فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه ستون ذراعاً، ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه، فيرونه من بعيد، فيقولون: اللهم! ائتنا بهذا، وبارك لنا في هذا، حتى يأتيهم، فيقول: أبشروا، لكل رجل منكم مثل هذا.
стр. 6412
وأما الكافر؛ فيسود وجهه، ويمد له في جسمه ستون ذراعاً على صورة آدم، فيلبس تاجاً، فيراه أصحابه، فيقولون: نعوذ بالله من شر هذا، اللهم! لا تأتنا هذا، قال: فيأتيهم فيقولون: اللهم! أخزه، فيقول: أبعدكم الله؛ فإن لكل رجل منكم مثل هذا) .
ضعيف
أخرجه الترمذي (٢/ ١٩٣) ، وأبو يعلى (٤/ ١٤٥٩) ، وعنه ابن حبان (٢٥٨٨ - موارد) ، وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ١٦) ، والحاكم (٢/ ٢٤٢-٢٤٣) من طريق إسماعيل السدي عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ :
في قوله : (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) قال ... فذكره. وقال الترمذي:
"حديث حسن غريب، والسدي: اسمه إسماعيل بن عبد الرحمن"! وقال الحاكم:
"صحيح على شرط مسلم"! ووافقه الذهبي!
قلت: والد إسماعيل - وهو عبد الرحمن بن أبي كريمة - ليس من رجال مسلم، ثم هو مجهول الحال، كما في "التقريب". وقد قال الذهبي نفسه في "الميزان":
"ما روى عنه سوى ولده".
قلت: ونحوه في "تهذيب الحافظ"، فحقه - إذن - أن يقول فيه:
"مجهول العين"! فلتأمل.
стр. 6413
تنبيهان:
الأول: مع ما سبق من الإشارة إلى أن الحديث عند المذكورين من طرق عن (إسماعيل السدي) ؛ فإني أرى من الفائدة أن ألفت النظر إلى خلاف وقع في شيخ أبي يعلى فيه في المصورة التي عزوت إليها، وكذا في نسخة أخرى (ق ٢٧٩/ ٢) ، ومثلها النسخة المطبوعة (١١/ ٣-٥- تحقيق الأخ حسين الداراني) ؛ ففيها كلها قال أبو يعلى:
"حدثنا الحارث بن سريج ... "! ووقع في رواية ابن حبان إياه عنه في "الموارد" (٢٥٨٨) :
"حدثنا سريج بن يونس ... "، وكذا في "الإحسان" (١٦/ ٣٤٦) !
وكلا الشيخين قالا: "حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ... "! وإذا رجعنا إلى ترجمة كل منهما؛ وجدنا أنهما يرويان عن عبد الرحمن بن مهدي، وعنهما أبو يعلى؛ فلا أدري هل الخلاف ناشىء من النساخ، أو أن لأبي يعلى فيه شيخين؟! وهذا مما أستبعده.
فإن كان الصواب من هذا الاختلاف (الحارث بن سريج) ؛ فيكون إسناد أبي يعلى ضعيفاً إلى عبد الرحمن السدي؛ لأن الحارث هذا؛ قال ابن عدي:
"ضعيف، يسرق الحديث".
ومع هذا الجرح المفسر من هذا الحافظ، والمؤيد بقول ابن معين في رواية:
"ليس بشيء". وقول النسائي:
"ليس بثقة".
стр. 6414
لم يعبأ بذلك كله المعلق على "الموارد" (١١/ ٥) ؛ فزعم أنه حسن الحديث؛ اعتماداً منه على توثيق ابن معين إياه في رواية، وابن حبان (٨/ ١٨٣) ؛ جاهلاً أو متجاهلاً قاعدة: "الجرح المفسر مقدم على التعديل"! وله من مثل هذه المخالفة الشيء الكثير. ويأتي ذكر أحدها قريباً.
والتنبيه الآخر: أن عبد الرحمن أبا إسماعيل - وهو السدي -؛ قد ذكر فيه ثلاثة أقوال في اسم والده، فقيل: هو (ابن أبي كريمة) ، وقيل: هو (ابن نهشل) ، وقيل: إن أبا كريمة كنية عبد الرحمن بن نهشل! ثم قال:
"وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج له في "صحيحه" أحاديث (١) ؛ من رواية ابنه عنه عن أبي هريرة"!
قلت: ومع ذلك؛ فلم يورده ابن حبان في "الثقات" على وجه من تلك الوجوه الثلاثة، وإنما على وجه رابع! فقال في (التابعين) منه (٥/ ١٠٨) :
"عبد الرحمن بن أبي ذئب السدي.. عنه ابنه إسماعيل".
قلت: فكأنه - لهذا الاضطراب في اسم أبيه - لم ينسبه البخاري في "التاريخ"، وتبعه ابن أبي حاتم في "كتابه"، ولم يذكروا جميعاً له راوياً غير ابنه؛ فهو مجهول كما تقدم.
وأما المعلق على "مسند أبي يعلى" (١١/ ٥) ؛ فقال:
"إسناده حسن، الحارث بن سريج بينا أنه حسن الحديث عند رقم (١١٠٣) ، وعبد الرحمن بن أبي كريمة لم أر فيه جرحاً، ووثقه ابن حبان"!!
стр. 6415
٤٨٢٨ - (يدور المعروف على يدي مئة رجل، آخرهم فيه كأولهم) .
ضعيف جداً
أخرجه ابن شاهين في "الترغيب" (٣١٥/ ١) ، والديلمي (٤/ ٣٣١) معلقاً على أبي الشيخ عن سويد بن سعيد: حدثنا عبد الرحيم بن زيد عن أبيه عن أنس بن مالك رفعه.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ عبد الرحيم بن زيد - وهو العمي - متروك.
وأبوه ضعيف.
وسويد بن سعيد ضعيف أيضاً.
стр. 6416
٤٨٢٩ - (يرحمنا الله وأخا عاد. يعني: هوداً ﵇ .
ضعيف
أخرجه ابن ماجه (٢/ ٤٣٥) عن زيد بن الحباب: حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير زيد بن الحباب؛ فإنه من رجال مسلم وحده، وفيه ضعف؛ قال الحافظ:
"صدوق، يخطىء في حديث الثوري".
قلت: وقد خولف في إسناده ومتنه؛ فقال حمزة بن حبيب الزيات: عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن عباس عن أبي بن كعب قال:
كان رسول الله ﷺ إذا دعا بدأ بنفسه وقال:
"رحمة الله علينا وعلى موسى، لو صبر لرأى من صاحبه العجب، ولكنه قال: (إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني ... ) "؛ طولها حمزة.
стр. 6417
أخرجه أحمد (٥/ ١٢١) ، وأبو داود (٢/ ١٦٧) - والسياق له -، والحاكم (٢/ ٥٧٤) . وقال:
"صحيح على شرط الشيخين"! وأقره الذهبي!
وإنما هو على شرط مسلم وحده؛ فإن البخاري لم يخرج لحمزة شيئاً.
وأخرجه الترمذي (٣٣٨٢) دون قوله:
وقال: "رحمة الله ... ". وقال:
"حديث حسن غريب صحيح".
وهكذا أخرجه مسلم (٧/ ١٠٥-١٠٦) من طريق رقبة عن أبي إسحاق به في قصة الخضر مع موسى ﵉؛ مع الزيادة مختصراً، لكن بلفظ:
"رحمة الله علينا وعلى أخي - كذا -، رحمة الله علينا".
كذا وقع هنا: "كذا"! ولم يتكلم عليه النووي بشيء.ولعلها زيادة من بعض النساخ، كتبت في الهامش، ثم نقلها آخر إلى المتن، وهو يعني أن الأصل هكذا ليس فيه تسمية أخيه؛ وهو بلا شك موسى، فإن قبل الحديث بسطرين ما نصه:
فقال رسول الله ﷺ عند هذا المكان: "رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجل لرأى العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة، قال: (إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً) ، ولو صبر لرأى العجب".
قلت: وبعد هذا مباشرة قال:
"وكان إذا ذكر أحداً من الأنبياء بدأ بنفسه:
"رحمة الله علينا وعلى أخي - كذا -، رحمة الله علينا".
стр. 6418
ثم بدا لي أنه يحتمل أن قوله: "كذا: رحمة الله علينا"؛ إنما هو من أحد الرواة، كأنه يقول: كذا في الحديث: "رحمة الله علينا"؛ يعني: أنه بضمير الجمع، ولعل هذا هو الأرجح. والله أعلم.
وجملة القول؛ أن حمزة ورقبة خالفا زيد بن الحباب في إسناد الحديث وفي متنه.
أما الإسناد؛ فجعلاه من مسند أبي بن كعب لا ابن عباس، وإنما هذا رواه عنه، فقصر ابن الحباب؛ فجعله من مسند ابن عباس، فوهم!
وأما المتن؛ فقد ذكرا موسى مكان أخي عاد، وهذا هو المحفوظ. والله أعلم.
ثم رأيت عبد بن حميد قد ساق الحديث في "منتخب المسند" وجوده؛ فقال (ق ٢٧/ ٢) : حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق ... مثل رواية مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - وكنا عنده -؛ فقال القوم:
إن نوفاً الشامي يزعم أن الذي ذهب يطلب العلم ليس موسى بني إسرائيل؟! قال: وكان ابن عباس متكئاً، فاستوى جالساً فقال: كذلك يا سعيد بن جبير؟! قلت: أنا سمعته يقول ذلك. قال ابن عباس: كذب نوف! حدثني أبي بن كعب أنه سمع النبي ﷺ يقول:
"رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجل، واستحيى وأخذته ذمامة من صاحبه، فقال له: (إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني) ؛ لرأى من صاحبه عجباً".
قال: وكان النبي ﷺ إذا ذكر نبياً من الأنبياء؛ بدأ بنفسه فقال:
"رحمة الله علينا وعلى صالح، رحمة الله علينا وعلى أخي عاد". ثم قال:
стр. 6419
"إن موسى ﵇ بينما هو يخطب ... " الحديث بطوله في قصته مع الخضر ﵇.
وهي في "الصحيحين" من طريق عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير به، وليس فيها قوله:
"وكان إذا ذكر نبياً ... "؛ هو عند مسلم دون التصريح باسم صالح ودون ذكر عاد، كما تقدم من رواية رقبة.
وقد تابعه - عنده - محمد بن يوسف، قرنه مع عبيد الله بن موسى، ولكنه لم يسق لفظهما، بل أحال فيه على لفظ رقبة فقال: نحو حديثه.
قلت: وإسناد عبد بن حميد صحيح؛ إن كان أبو إسحاق سمعه من سعيد ابن جبير؛ فإنه مدلس، وهو - وإن كان قد اختلط -؛ فإن من المحتمل أن يكون رقبة - وهو ابن مصقلة - سمعه منه قبل الاختلاط؛ فإنه قديم الوفاة، مات سنة (١٢٩) ، وهي السنة توفي فيها أبو إسحاق نفسه، وقد وجدت الحافظ في بعض تخريجاته قد أثبت سماع الأعمش من أبي إسحاق قبل الاختلاط، مع أنه توفي بعد رقبة بنحو عشرين سنة؛ لأنه مات سنة (١٤٧) .
كما أنهم اتفقوا على سماع سفيان الثوري وشعبة منه قبل الاختلاط، مع أن وفاة الأول سنة (١٦١) ، وشعبة سنة (١٦٠) . والله أعلم.
ثم رأيت الحديث في "مسند أحمد" (٥/ ١٢٢) من طريق قيس عن أبي إسحاق مختصراً بلفظ:
كان إذا ذكر الأنبياء بدأ بنفسه فقال:
стр. 6420
"رحمة الله علينا وعلى هود وعلى صالح".
وقيس هو ابن الربيع، وهو - وإن كان ضعيفاً -؛ فلا بأس به في المتابعات والشواهد.
وبالجملة؛ فذكر هود وصالح في الحديث محفوظ عن أبي إسحاق، وإنما الشأن التثبت فيما إذا كان أبو إسحاق سمعه من سعيد بن جبير. والله أعلم.
٤٨٣٠ - (يشمت العاطس ثلاثاً؛ فإن زاد؛ فإن شئت فشمته، وإن شئت فكف) .
ضعيف
أخرجه أبو داود (٢/ ٣١٨) ، وأبو بكر الشافعي في "الفوائد" (٦/ ١٨١) ، وابن السني (٢٤٨) عن يزيد بن عبد الرحمن عن يحيى بن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة عن حميدة - أو عبيدة - بنت عبيد بن رفاعة الزرقي عن أبيها عن النبي ﷺ قال ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد مرسل ضعيف؛ عبيد بن رفاعة الزرقي؛ ولد في عهد النبي ﷺ ، ووثقه العجلي.
وحميدة - أبو عبيدة - بنت عبيد مقبولة عند الحافظ.
ويزيد بن عبد الرحمن - وهو أبو يزيد الدالاني - ضعيف.
стр. 6421
٤٨٣١ - (يكون في هذه الأمة أربع فتن، في آخرها الفناء) .
ضعيف
أخرجه أبو داود (٢/ ٢٠٠) عن رجل عن عبد الله مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة الرجل الذي لم يسم.
стр. 6422
٤٨٣٢ - (يوزن يوم القيامة مداد العلماء مع دم الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء) .
موضوع
رواه السهمي في "تاريخ جرجان" (٥٢،١٨١) عن أحمد بن بهرام: حدثنا سهل بن عبد الكريم عن يعقوب القمي عن هارون بن عنترة عن الشعبي قال:
خطبنا النعمان بن بشير - وكان آخر من بقي من الصحابة - فقال ... فذكره مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ يعقوب - وهو ابن عبد الله القمي - صدوق يهم.
وسهل بن عبد الكريم وأحمد بن بهرام؛ ترجمهما السهمي، ولم يذكر فيهما جرحاً ولا تعديلاً.
ورواه إسماعيل بن أبي زياد عن أبي يونس القشيري عن سماك بن حرب عن أبي الدرداء مرفوعاً.
أخرجه ابن عبد البر في "الجامع" (١/ ٣٠-٣١) .
ورواه إسماعيل أيضاً عن عبد الله بن عقبة - هو ابن لهيعة - عن أبي قبيل عن زيد بن عبد الله عن عبد الله بن عمرو به.
أخرجه الديلمي (٤/ ٣٤٨) .
قلت: وإسماعيل بن أبي زياد: هو الكوفي قاضي الموصل؛ قال الحافظ:
"متروك، كذبوه".
стр. 6423
وأخرجه الديلمي أيضاً عن الأوزاعي: حدثنا إسحاق بن القاسم: حدثني أبي: حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر رفعه.
وإسحاق بن القاسم وأبوه؛ لم أعرفهما.
وبالجملة؛ فالحديث ضعيف من جميع طرقه.
ونقل المناوي عن الذهبي أنه قال في "الميزان":
"متنه موضوع".
وهو الذي يميل إليه القلب. والله أعلم.
٤٨٣٣ - (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم؛ فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة) .
ضعيف
أخرجه الترمذي (٢/ ١١٣-١١٤) ، وابن حبان (٢٣٠٨) ، والحاكم (١/ ٩١) ، والبيهقي في "سننه" (١/ ٣٨٦) ، وأحمد (٢/ ٢٩٩) ، وأبو نصر المري في "أخبار مالك بن أنس" (١/ ٢) ، وأبو الحسن علي بن المفضل المقدسي في "الأربعين" (٨/ ١-٢) ، والرافعي في "تاريخ قزوين" (٣/ ١٧٥) كلهم عن سفيان ابن عيينة عن ابن جريج عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً. وقال الترمذي:
"حديث حسن"! وقال الحاكم:
"صحيح على شرط مسلم"! ووافقه الذهبي!
قلت: وهو كما قالا؛ لولا عنعنة ابن جريج وأبي الزبير؛ فإنهما مدلسان، لا سيما الأول منهما؛ فإنه سيىء التدليس كما هو مشروح في ترجمته.
стр. 6424
وقد أعله أحمد بالوقف، فقد ذكر ابن قدامة في "المنتخب" عنه أنه قال:
"وأوقفه سفيان مرة، فلم يجز به أبا هريرة".
وأخرج له المقدسي شاهداً من حديث زهير بن محمد أبي منذر التميمي: حدثنا عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى مرفوعاً.
لكن زهير هذا - وهو الخراساني - كثير الغلط. والله أعلم.
وسعيد بن أبي هند؛ قال الحافظ:
"ثقة، أرسل عن أبي موسى".
٤٨٣٤ - ((يومئذ تحدث أخبارها) ؛ أتدرون ما أخبارها؟ فإن أخبارها: أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها؛ أن تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها) .
ضعيف
أخرجه الترمذي (٢/ ٦٩) ، وابن حبان (٢٥٨٦) ، والحاكم (٢/ ٥٣٢) عن يحيى بن أبي سليمان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً. وقال الترمذي:
"حديث حسن غريب"! وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد"! ورده الذهبي بقوله:
"قلت: يحيى هذا منكر الحديث. قاله البخاري". وقال الحافظ:
"لين الحديث".
стр. 6425
٤ - (اليسر يمن، والعسر شؤم) .
ضعيف جداً
أخرجه الديلمي (٤/ ٣٥١) عن أشعث بن بزار عن علي بن
стр. 6426
زيد عن سعيد بن جبير قال:
كنت ما أحب هذه الكلمة الامنول (كذا) حتى حدثني الثقة عن رسول الله ﷺ ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ أشعث هذا؛ قال البخاري:
"منكر الحديث". وقال النسائي:
"متروك الحديث".
٤٨٣٥/ م - (إن هاتين الصلاتين حولنا عن وقتهما في هذا المكان (يعني: المزدلفة) : المغرب والعشاء، فلا يقدم الناس جمعاً حتى يعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة) .
ضعيف
أخرجه البخاري (٣/ ٤١٧) : حدثنا عبد الله بن رجاء: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد قال:
خرجت مع عبد الله ﵁ إلى مكة، ثم قدمنا جمعاً، فصلى الصلاتين، كل صلاة وحدها بأذان وإقامة، والعشاء بينهما، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، قائل يقول: طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع الفجر، ثم قال ... (فذكره) . ثم وقف حتى أسفر، ثم قال: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة، فما أدري أقوله كان أسرع، أم دفع عثمان ﵁؟! فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر.
قلت: وهذا الحديث - مع كونه في "الصحيح" -؛ ففي ثبوته عندي شك كبير، وذلك لأمرين:
стр. 6427
الأول: أن أبا إسحاق - وهو عمرو بن عبد الله السبيعي؛ مع كونه ثقة -؛ فإنه كان اختلط؛ كما صرح بذلك غير واحد من المتقدمين والمتأخرين، منهم الحافظ ابن حجر في "التقريب".
والآخر: أنه اضطرب في متنه على وجوه:
١- هذا؛ فإنه جعل الصلوات المحولة عن أوقاتها ثلاث صلوات: المغرب والعشاء والفجر.
٢- لم يذكر صلاة العشاء معها: في رواية أحمد (١/ ٤٤٩) : حدثنا عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل ... بلفظ:
أما المغرب؛ فإن الناس لا يأتون ههنا حتى يعتموا. وأما الفجر؛ فهذا الحين ... وهكذا رواه أحمد بن خالد الوهبي: حدثنا إسرائيل به.
أخرجه البيهقي (٥/ ١٢١) . وقال:
"رواه البخاري عن عبد الله بن رجاء عن إسرائيل. قال الإمام أحمد (١) : ولم أثبت عنهما قوله: تحولان عن وقتهما".
٣- أنه أوقف التحويل؛ فجعله من قول ابن مسعود، فقال البخاري (٣/ ٤١٢) : حدثنا عمرو بن خالد: حدثنا زهير ... بلفظ:
فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريباً من ذلك، فأمر رجلاً فأذن وأقام، ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فنعشى، ثم أمر - أرى -
стр. 6428
رجلاً فأذن وأقام - قال عمرو: لا أعلم الشك إلا من زهير -، ثم صلى العشاء ركعتين، فلما طلع الفجر قال:
إن النبي ﷺ كان لا يصلي هذه الساعة؛ إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم. قال عبد الله: هما صلاتان يحولان عن وقتهما: صلاة المغرب بعدما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر. قال: رأيت النبي ﷺ يفعله.
وأخرجه الطحاوي في "معاني الآثار" (١/ ١٠٥) من طريق أخرى عن عمرو ابن خالد.
وتابعه عبد الرحمن بن عمرو البجلي: حدثنا زهير ...
أخرجه البيهقي. وقال:
"رواه البخاري في "الصحيح" عن عمرو بن خالد عن زهير، وجعل زهير لفظ التحويل من قول عبد الله".
قلت: وقد خالفه إسرائيل فرفعه؛ كما تقدم من رواية البخاري.
وقد أخرجه الطحاوي أيضاً، وأحمد (١/ ٤١٨) .
٤- لم يذكر الركعتين بعد صلاة المغرب إسرائيل، وذكرهما زهير كما تقدم. وفي رواية للطحاوي (١/ ٤٠٩) عن إسرائيل بلفظ:
فلما أتى جمعاً صلى الصلاتين، كل واحدة منهما بأذان وإقامة، ولم يصل بينهما.
وقال الحافظ (٣/ ٤١٣) :
стр. 6429
"وقع عند الإسماعيلي من رواية شبابة عن ابن أبي ذئب (يعني: عن أبي إسحاق) في هذا الحديث:
ولم يتطوع قبل كل واحدة منهما ولا بعدها.
قلت: وكذلك لم يذكرهما جرير بن حازم، فقال: سمعت أبا إسحاق ... :
فصلى بنا ابن مسعود المغرب، ثم دعا بعشائه ثم تعشى، ثم قام فصلى العشاء الآخرة، ثم رقد ... الحديث.
أخرجه أحمد (١/ ٤١٠) .
قلت: والمحفوظ عندي عن أبي إسحاق: عدم ذكر الركعتين بعد المغرب؛ لتفرد زهير بهما دون الجماعة: إسرائيل وابن أبي ذئب وجرير بن حازم؛ فإن رواية الجماعة أحفظ وأضبط من رواية الفرد. هذا إن سلم من أبي إسحاق نفسه؛ لما عرفت من اختلاطه.
(تنبيه) : قال الحافظ في ترجمة أبي إسحاق في "مقدمة الفتح" (٢/ ١٥٤) :
"أحد الأعلام الأثبات قبل اختلاطه، ولم أر في "البخاري" من الرواية عنه إلا عن القدماء من أصحابه؛ كالثوري وشعبة، لا عن المتأخرين؛ كابن عيينة وغيره"!
كذا قال! ويرد عليه هذا الحديث؛ فإنه - عند البخاري - من رواية إسرائيل وزهير عنه.
وإسرائيل: هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي؛ فهو حفيد أبي إسحاق، وذلك معناه أنه سمع منه بعد الاختلاط. وقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد بقوله:
стр. 6430
"إسرائيل عن أبي إسحاق؛ فيه لين، سمع منه بأخرة".
وزهير - وهو ابن معاوية بن حديج -؛ قد قال فيه أحمد مثل ما تقدم عنه في إسرائيل. وقال أبو زرعة:
"ثقة؛ إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط".
وهذا هو الذي اعتمده الحافظ نفسه، فقال في "التقريب":
"ثقة ثبت؛ إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بأخرة" (١) .
هذا؛ ولعل الإمام مسلماً لم يخرج حديث أبي إسحاق هذا؛ للاضطراب الذي بينته عنه؛ إنما أخرجه (٤/ ٧٦) مختصراً من طريق الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله قال:
ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها؛ إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها.
وهو رواية البخاري (٣/ ٤١٧) ، وأحمد (٣٦٣٧) ، والطحاوي (١/ ٩٧-٩٨) وغيرهم.
وجملة القول؛ أن حديث الترجمة لم يصح عندي؛ لأن مداره على أبي إسحاق السبيعي، وهو مختلط، وكل من رواه عنه بهذا اللفظ سمع منه بعد الاختلاط، ولم أره من رواية أحد ممن سمع منه قبل الاختلاط؛ اللهم إلا مختصراً جداً وموقوفاً:
стр. 6431
فقال الطحاوي (١/ ٤٠٩) : حدثنا يونس قال: حدثنا سفيان عن أبي إسحاق الهمذاني عن عبد الرحمن بن يزيد قال:
كان ابن مسعود يجعل العشاء بالمزدلفة بين الصلاتين.
ثم استدركت فقلت: كلا؛ فإن يونس هذا: هو ابن عبد الأعلى المصري، لم يسمع من سفيان الثوري - الذي سمع من أبي إسحاق قبل الاختلاط -؛ وإنما سمع من سفيان بن عيينة، وهذا سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط؛ كما ذكرته عن الحافظ في التنبيه السابق.
فإلى أن يأتي الحديث من طريق أحد ممن سمع منه قبل الاختلاط - وباللفظ المذكور أعلاه -؛ فالحديث ضعيف. والله تعالى أعلم.
ولو صح الحديث؛ فظاهره يدل على أن صلاة المغرب في وقتها المعتاد - أي: قبل وقت العشاء - لا يجوز؛ لأنها قد حولت عن وقتها، وكذلك صلاة الصبح لا تصح إلا في أول وقتها، فلو أسفر بها قليلاً أو كثيراً لم تجز، فهل من قائل بذلك؟ هذا موع نظر وبحث! والله أعلم.
واعلم أن الداعي لكتابة هذا البحث؛ إنما هو سؤال وجهه بعض الطلاب إلي في ندوة علمية؛ كنت أقمتها في دار الحديث في المدينة النبوية؛ في موسم حج سنة (١٣٩١) ، حضرها بعض أساتذة الجامعة الإسلامية، وجماعة من طلابها، وطلاب الدار المذكورة وغيرهم، وجهت فيها أسئلة مختلفة حول مناسك الحج، منها سؤال عن الركعتين اللتين صلاهما ابن مسعود بعد صلاة المغرب في المزدلفة؛ كما في حديث البخاري هذا؟ فلم أجب عليه، واعتذرت بأني بحاجة إلى التثبت من صحة نسبة الحديث إلى البخاري، أو كلاماً نحو هذا.
стр. 6432
ثم زارني في هذا الشهر - رجب الفرد - سنة (١٣٩٣) أخ سلفي عراقي، وقدم إلي ثلاثة أشرطة تسجيل، في بعضها تسجيل للندوة المشار إليها، والمسائل والمناقشات التي جرت فيها، منها السؤال المشار إليه؛ فتذكرت ما كنت نسيت، فبادرت أولاً إلى الكشف عن الحديث في "البخاري"؛ فوجدته. ثم نظرت في إسناده؛ فرأيت فيه أبا إسحاق السبيعي، وهو معروف عندي أنه مختلط. ثم تابعت البحث والتحقيق؛ فكان من ذلك هذا المقال الذي بين يديك، والله تعالى ولي التوفيق.
ثم وجدت للحديث طريقاً أخرى عن عبد الرحمن بن يزيد؛ ترجح عدم ثبوت الركعتين عن ابن مسعود؛ وهو ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد قال:
حججت مع عبد الله، فلما أتى (جمعاً) ؛ أذن وأقام، فصلى المغرب ثلاثاً، ثم تعشى، ثم أذن وأقام، فصلى العشاء ركعتين.
قلت: فلم يذكر الركعتين بعد المغرب.
وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
فهذا يؤيد رواية الجماعة المحفوظة عن أبي إسحاق؛ لأنه قد تابعه عليها إبراهيم هذا - وهو ابن يزيد النخعي -؛ وهو ثقة فقيه محتج به عند الجميع.
٤٨٣٦ - (من أكل من أجور بيوت مكة؛ فكأنما يجرجر في بطنه نار جهنم) .
ضعيف
أخرجه السهمي في "تاريخ جرجان" (٢١٢) عن عبد الرحمن بن
стр. 6433
الوليد الجرجاني: حدثنا عبد الله بن موسى العبسي عن النعمان بن ثابت عن عبيد الله بن أبي زياد المكي عن أبي نجيح عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، أورده السهمي في ترجمة عبد الرحمن هذا، وذكر أنه روى عنه ابن جرير الطبري ومحمد بن الفضل النجار الآملي؛ ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
والنعمان بن ثابت: هو أبو حنيفة النعمان الإمام، وحاله في الحديث معروف عند أئمة الحديث، كما بسطته في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (١/ ٦٦١-٦٦٧) .
وعبيد الله بن أبي زياد المكي - وهو أبو الحصين القداح - ليس بالقوي، كما قال الحافظ في "التقريب". والعهدة عليه في هذا الحديث؛ لأن أبا حنيفة قد توبع فيه عنه؛ كما تقدم برقم (٢١٨٦) .
والحديث؛ عزاه السيوطي في "الجامع الكبير" (٢/ ٢٢٧/ ١) للديلمي وحده!
٤٨٣٧ - (كان إذا سافر فأقبل الليل؛ قال: يا أرض! ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك، وشر ما فيك، وشر ما خلق فيك، ومن شر ما يدب عليك، وأعوذ بالله من أسد وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والد وما ولد) .
ضعيف
أخرجه أبو داود (٢٦٠٣) ، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٥٦٣) ، وابن خزيمة (٢٥٧٢) ، والبغوي في "شرح السنة" (٥/ ١٤٦-١٤٧) ، وأحمد (٢/ ١٣٢ و ٣/ ١٢٤) عن شريح بن عبيد الحضرمي أنه سمع الزبير بن الوليد يحدث عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال ... فذكره.
стр. 6434
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ الزبير بن الوليد مجهول، كما يشير إلى ذلك قول الذهبي في "الميزان":
"تفرد عنه شريح بن عبيد".
قلت: وأما ابن حبان؛ فوثقه على قاعدته في توثيق المجهولين!
ولذلك لم يتابعه الحافظ في "التقريب"؛ فقال فيه:
"مقبول"!
قلت: ويعني أنه مقبول عند المتابعة؛ وإلا فهو لين الحديث؛ كما نص عليه في المقدمة.
فقوله في "تخريج الأذكار":
"حسن"! كما نقله ابن علان (٥/ ١٦٤) ؛ مما لا وجه له عندي؛ إلا أن يكون توسطاً منه بين ما يقتضيه جهالة المذكور من الضعف، وبين تصحيح الحاكم إياه في "المستدرك" (٢/ ١٠٠) !
ولا يخفى ما فيه، وإن تابعه الذهبي على التصحيح؛ فإنه مناف أيضاً لتجهيله لراويه كما سبقث الإشارة إليه، ولقول النسائي عقبه:
"الزبير بن الولي شامي، ما أعرف له غير هذا الحديث".
(تنبيه) : قال المعلق على "شرح السنة" - بعد أن خرج الحديث -:
"وله شاهد من حديث عائشة عند ابن السني (١٦٨) ، وسنده ضعيف"!!
وهذا وهم محض؛ فهذا الشاهد متن آخر؛ أوله:
стр. 6435
كان إذا أشرف على أرض يريد دخولها؛ قال: "اللهم؛ إني أسألك من خير هذه الأرض ... " الحديث.
٤٨٣٨ - (موت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسد، ونجم طمس، موت قبيلة أيسر من موت عالم) .
ضعيف جداً
أخرجه البيهقي في "الشعب" (٢/ ٢٦٣/ ١٦٩٩) ، وابن عبد البر في "الجامع" - معلقاً -، وعبد الغني المقدسي في "العلم" (١٠/ ١) من طريق أبي نعيم بسنده عن خالد بن يزيد بن أبي مالك عن عثمان بن أيمن (١) عن أبي الدرداء مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ عثمان بن أيمن؛ لم أعرفه.
وخالد بن يزيد بن أبي مالك؛ قال الحافظ ابن حجر في "التقريب":
"ضعيف؛ مع كونه فقيهاً، وقد اتهمه ابن معين".
وقال الهيثمي في "المجمع" (١/ ٢٠٢) :
"رواه الطبراني في "الكبير"؛ وفيه (عثمان بن أيمن) ؛ ولم أر من ذكره، وكذلك إسماعيل بن صالح"!
قلت: ليس هو عند البيهقي وغيره، وأخشى أن يكون محرفاً من (صفوان بن صالح) الذي عند البيهقي! وأستغرب من الهيثمي غفلته عن العلة الكبرى، وهي (خالد بن يزيد) .
стр. 6436
وأسوأ منه: ما فعله المعلقون الثلاثة على "الترغيب" للمنذري؛ فإن هذا ساقه بتمامه، وأوله:
"من غدا يريد العلم يتعلمه لله ... " الحديث، وفي آخره حديث الترجمة، ثم عزاه لأصحاب "السنن" وابن حبان. وقال:
"وليس عندهم: "موت العالم ... " إلى آخره. ورواه البيهقي - واللفظ له - من رواية.. خالد بن يزيد بن أبي مالك عن عثمان بن أيمن عنه"!
فماذا فعل الثلاثة المشار إليهم؟ لم يزيدوا على قولهم في التعليق عليه:
"سبق تخريجه برقم (١٠٦) "!
وهناك صدروا الحديث بقولهم:
"حسن"! لكن الحديث هناك من طريق آخر عن أبي الدرداء، وليس فيه: "موت العالم ... "! فأوهموا أنه بهذه الزيادة حسن أيضاً، وهو ضعيف جداً لما سبق!!
وزادوا - ضغثاً على إبالة - أنهم في تخريجهم الحديث هناك؛ عزوه للبيهقي في "الآداب" (١٠٤٥،١٠٤٦) ، وفي "الأربعين الصغرى" (٣) ، وفي "الشعب" (١٦٩٦،١٦٩٧) .
قلت: وهو في هذه المواطن الثلاثة من الطريق الأخرى الخالية من الزيادة!
ولو أنهم تابعوا البحث، وكان يهمهم التحقيق حقاً وصبروا؛ لوجدوا الحديث بها في "الشعب" بعد حديث واحد - أي: برقم (١٦٩٩) - كما تقدم مني، ولكنهم في الحقيقة لا تحقيق عندهم ولا علم! والله المستعان.
стр. 6437
وللحديث طريق أخرى واهية؛ تقدمت برقم (٤٦٦٨) .
٤٨٣٩ - (قضى في ابن الملاعنة أن لا يدعى لأب، [ولا ترمى هي به، ولا يرمى ولدها] ، ومن رواها أو رمى ولدها؛ فإنه يجلد الحد، وقضى أن لا قوت لها ولا سكنى؛ من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق، ولا متوفى عنها) .
ضعيف
أخرجه أبو داود (١/ ٣٥٣-٣٥٤) ، وعنه البيهقي (٧/ ٤٠٩-٤١٠) ، وأحمد (١/ ٢٣٨-٢٣٩ و ٢٤٥) من طريق عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال ... فذكره مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ عباد بن منصور؛ قال الحافظ:
"صدوق، وكان يدلس، وتغير بآخره".
وقصة الملاعنة؛ قد رواها هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس ... ولم يذكر فيه هذا الذي ذكره عباد عن عكرمة.
أخرجها البخاري (٦/ ٤) عنه.
ثم رواه (٦/ ١٨٠) من طريق القاسم بن محمد عن ابن عباس به مثل رواية هشام.
فدل ذلك على نكارة ما رواه عباد عن عكرمة. والله أعلم.
وقد وجدت لبعضه شاهداً يرويه محمد بن إسحاق قال: وذكر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:
стр. 6438
قضى رسول الله ﷺ في ولد المتلاعنين أنه يرث أمه، ومن قفاها به جلد ثمانين، ومن دعاه ولد زنى جلد ثمانين.
أخرجه أحمد (٢/ ٢١٦) .
وابن إسحاق مدلس، ولم يصرح بالتحديث، بل علقه بصيغة (قال) ؛ التي تشبه العنعنة.
وفي حديث سهل في قصة المتلاعنين:
وكانت حاملاً، فأنكر حملها، وكان ابنها يدعى إليها، ثم جرت السنة في الميراث: أن يرثها، وترث منه ما فرض الله لها.
أخرجه البخاري (٦/ ٤) ، وأبو داود (١/ ٣٥٢) من طريق فليح عن الزهري عنه. وفليح - وهو ابن سليمان -؛ فيه ضعف من قبل حفظه.
وقد خالفه ابن جريج فقال: قال ابن شهاب ... فذكره مرسلاً؛ لم يذكر سهلاً. أخرجه البخاري (٦/ ١٧٩) .
وهذا أصح. والله أعلم.
٤٨٤٠ - (من أمر بمعروف، ونهى عن منكر؛ فهو خليفة الله في الأرض، وخليفة كتاب الله ، وخليفة رسول الله ﷺ ) .
ضعيف
أخرجه عبد الغني المقدسي في "كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (ق ٩١/ ١) عن بقية عن عبد الله بن نعيم عن بعض المشيخة يرفعه.
وهذا إسناد ضعيف مرسل؛ وذلك أن بقية - وهو ابن الوليد - مدلس؛ وقد عنعنه.
стр. 6439
وعبد الله بن نعيم - وهو القيسي الشامي -؛ قال الحافظ:
"لين الحديث. من السادسة".
وبعض المشيخة مجهول لم يسم، والظاهر أنه من التابعين.
ثم أخرجه هو (٩٦/ ١) ، وابن عدي (٢٨٠/ ١) عن كادح بن جعفر عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن مسلم بن جابر الصيرفي عن عبادة بن الصامت مرفوعاً به.
وهذا إسناد ضعيف؛ ابن لهيعة ضعيف؛ لسوء حفظه.
ومسلم بن جابر الصيرفي لم أعرفه.
وأما ابن عدي؛ فأعله بعلة أخرى؛ فقال:
"كادح؛ عامة ما يرويه غير محفوظ، ولا يتابع عليه في إسناده، ولا في متنه"!
قلت: وكادح؛ قد وثقه غير واحد، فإعلاله بمن فوقه أولى. والله أعلم.
٤٨٤١ - (لا قود في المأمومة، ولا الجائفة، ولا المنقلة) .
منكر (١)
أخرجه ابن ماجه (٢٦٣٧) ، وأبو يعلى في "مسنده" (٤/ ١٥٨٠) عن رشدين بن سعد عن معاوية بن صالح عن معاذ بن محمد الأنصاري عن ابن صهبان عن العباس بن عبد المطلب مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ فيه ثلاث علل:
الأولى: ابن صهبان؛ قال الحافظ في "التقريب":
стр. 6440
"اسمه عقبة فيما أظن، فإن كان؛ فروايته منقطعة؛ وإلا فمجهول".
الثانية: معاذ بن محمد الأنصاري؛ قال ابن المديني:
"مجهول".
الثالثة: رشدين بن سعد ضعيف.
وبه أعله البوصيري! وفيه نظر؛ فقد تابعه عبد الله بن لهيعة: عند أبي يعلى؛ فالعلة القادحة من اللذين قبلهما.
ثم إن الحديث منكر؛ فقد ثبت مرفوعاً:
أن في المأمومة والجائفة ثلث الدية.
وهو مخرج في "الإرواء" (٢٢٨٧،٢٢٩٣،٢٢٩٤) من حديث عبد الله بن عمرو وغيره. وفيه:
"والمنقلة خمس عشرة من الإبل".
وسنده حسن.
٤٨٤٢ - (يا علي! إن فيك من عيسى ﵊ مثلاً: أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلة التي ليس بها) (١) .
ضعيف
أخرجه أبو يعلى (ق ٣٣/ ١) ، وعبد الله بن أحمد (١/ ١٦٠) ، والحاكم (٣/ ١٢٣) من طريق الحكم بن عبد الملك عن الحارث بن حصيرة عن أبي صادق عن ربيعة بن ناجذ عن علي ﵁ قال:
стр. 6441
دعاني رسول الله ﷺ فقال ... فذكره، وزادوا - غير أبي يعلى -:
وقال علي ﵁: ألا وإنه يهلك في محب مطر يقرظني بما ليس في، ومبغض مفتر يحمله شنآني على أن يبهتني، ألا وإني لست بنبي، ولا يوحى إلي، ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ما استطعت، فما أمرتكم به من طاعة الله تعالى فحق عليكم طاعتي فيما أحببتم أو كرهتم، وما أمرتكم بمعصية أنا وغيري؛ فلا طاعة لأحد في معصية الله ، وإنما الطاعة في المعروف".
والسياق للحاكم - وهو أتم -. وقال:
"صحيح الإسناد"! ورده الذهبي بقوله:
"قلت: الحكم؛ وهاه ابن معين".
قلت: وربيعة بن ناجذ؛ قال الذهبي:
"لا يكاد يعرف". وقول الحافظ فيه:
"ثقة"!
إنما عمدته توثيق ابن حبان والعجلي إياه، ولا يخفى ما فيه؛ مع أنهم لم يذكروا له راوياً غير أبي صادق هذا.
والحديث؛ قال الهيثمي في "المجمع" (٩/ ١٣٣) :
"رواه عبد الله، والبزار - باختصار -، وأبو يعلى - أتم منه -، وفي إسناد عبد الله وأبي يعلى: الحكم بن عبد الملك؛ وهو ضعيف، وفي إسناد البزار: محمد بن كثير القرشي الكوفي؛ وهو ضعيف".
стр. 6442
٤٨٤٣ - (قال جبريل: يا محمد! (قل هو الله أحد) : ليس له عروق فتتشعب إليه. (الله الصمد) : ليس بالأجوف، لا يأكل ولا يشرب. (لم يلد ولم يولد) : ليس له ولد ولا والد ينسب إليه. (ولم يكن له كفواً أحد) : ليس من خلقه شيء يعدل [مكانه] ، يمسك السماوات والأرض إن زالتا. هذه السورة ليس فيها ذكر جنة ولا نار، [ولا دنيا ولا آخرة، ولا حلال ولا حرام] ؛ انتسب الله إليها؛ فهي له خالصة، [من قرأها ثلاث مرات؛ عدل بقراءة الوحي كله ومن قرأها ثلاثين مرة؛ لم يفضله أحد من أهل الدنيا يومئذ؛ إلا من زاد على ما قال، ومن قرأها مئتي مرة؛ أسكن من الفردوس سكناً يرضاه، ومن قرأها حين يدخل منزله ثلاث مرات؛ نفت عنه الفقر، ونفعت الجار. وبات رسول الله ﷺ يقرؤها ويرددها حتى أصبح] ) .
موضوع
أخرجه أبو الشيخ في "العظمة" (١٥/ ٢) عن سلمة بن شبيب: حدثنا يحيى بن عبد الله الحراني عن ضرار عن أبان عن أنس قال:
أتت يهود خيبر إلى النبي ﷺ ، فقالوا: يا أبا القاسم! خلق الله الملائكة من نور الحجاب، وآدم من حمأ مسنون، وإبليس من لهب النار، والسماء من دخان، والأرض من زبد الماء، فأخبرنا عن ربك ؟ فلم يجبهم النبي ﷺ ، فأتاه جبريل ﵇، فقال ... الحديث دون الزيادات؛ فهي من "الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٤١٠) .
وقد ساق الحديث - بهذا التمام - معزواً لرواية أبي الشيخ في "العظمة"، وأبي بكر السمرقندي في "فضائل (قل هو الله أحد) " عن أنس.
стр. 6443
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ بل موضوع؛ أبان: هو ابن أبي عياش، وهو متروك؛ بل كذبه شعبة وأحمد وابن معين.
وضرار؛ الظاهر أنه ابن عمرو الملطي، ضعيف؛ بل قال البخاري:
"فيه نظر".
ويحيى بن عبد الله الحراني - وهو البابلتي - ضعيف.
٤٨٤٤ - (إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم، وتشعر اليوم على ماء كذا وكذا، فلبست قميصاً ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي. وكان قد بعث ببدنه من المدينة، وأقام بالمدينة) (١) .
منكر
أخرجه الطحاوي (١/ ٣٧٠،٤٣٩) ، وأحمد (٣/ ٤٠٠) عن حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة عن عبد الملك بن جابر عن جابر بن عبد الله قال:
كنت عند رسول الله ﷺ جالساً؛ فقد قميصه من جيبه، حتى أخرجه من رجليه، فنظر القوم إلى رسول الله ﷺ ! فقال ... فذكره.
قلت: وإسناده رجاله ثقات؛ على خلاف في ابن أبي لبيبة؛ فقال البخاري:
"فيه نظر". وقال أبو حاتم:
"شيخ؛ يحول من (كتاب الضعفاء) ". وقال النسائي وابن سعد:
"ثقة".
وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الأزدي:
стр. 6444
"لا يصح حديثه". وقال الحاكم أبو أحمد:
"ليس بالقوي عندهم". وقال ابن عبد البر:
"ليس عندهم بذاك، وترك مالك الرواية عنه، وهو جاره".
هذا كل ما قيل فيه من التعديل والجرح، وقد لخص ذلك الحافظ في "التقريب" بقوله:
"صدوق فيه لين". وقال الذهبي في "المغني":
"وثقه النسائي. وقال خ: فيه نظر. وقواه أبو حاتم".
قلت: فهو ممن يتردد النظر بين تحسين حديثه أو الاستشهاد به، فإذا وجد في حديثه أقل مخالفة لما رواه الثقات؛ تعرض للوهن والسقوط.
وقد وجدت حديثين يخالفان بعض ما جاء فيه:
الأول: حديث يعلى بن أمية في الرجل الذي أهل بالعمرة وعليه جبة، فقال له ﷺ :
"انزع عنك الجبة ... " الحديث. متفق عليه، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (١٥٩٦-١٥٩٩) .
فأمره ﷺ بنزع الجبة، ولم يأمره بشقها. وبهذا الحديث احتج الطحاوي على ترجيحه على حديث جابر هذا، وقال:
"إن إسناده أحسن من إسناده"؛ وأيده من طريق النظر.
ثم روى بسند صحيح عن قتادة قال:
стр. 6445
قلت لعطاء: إنما كنا نرى أن يشقها؟! فقال عطاء: إن الله لا يحب الفساد.
ونقل ابن عبد البر في "التمهيد" (٢/ ٢٩٤) أن الحديث ضعيف عند أهل العلم، وهو عندهم - مع ضعفه - مردود بالثابت من حديث عائشة الآتي.
والآخر: حديث عائشة قالت:
كان رسول الله ﷺ يهدي من المدينة، فأفتل قلائد هديه، ثم لا يجتنب شيئاً مما يجتنب المحرم. متفق عليه، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" أيضاً (١٥٤١،١٥٥٣) .
فهذا خلاف حديث جابر صراحة، وإليه ذهب فقهاء الأمصار، وهو أن من أرسل هدياً لا يصير بذلك محرماً، ولا يمسك عما يمسك عنه المحرم؛ خلافاً لبعض السلف. قال الحافظ (٣/ ٤٣٠) :
"ومن حجتهم: ما رواه الطحاوي وغيره (فذكر حديث جابر هذا. وقال) ؛ وهذا لا حجة فيه لضعف إسناده"!
قلت: ولا يخفى ما في الجزم بالضعف بعد أن عرفت الخلاف في راويه ابن أبي لبيبة! فهذا في طرف، وشيخه الهيثمي في طرف آخر؛ حيث قال (٣/ ٢٢٧) :
"رواه أحمد والبزار باختصار، ورجال أحمد ثقات"!
قلت: فهذا التوثيق المطلق في طرف آخر! والحق التفصيل الذي أوضحته لك.
هذا؛ لعل لفظ البزار المختصر الذي يشير إليه الهيثمي؛ هو ما أخرجه أحمد أيضاً (٣/ ٢٩٤) من طريق داود بن قيس عن عبد الرحمن بن عطاء أنه سمع ابني جابر يحدثان عن أبيهما قال: