← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 12762

سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (11 273 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

دعاني رسول الله ﷺ فقال ... فذكره، وزادوا - غير أبي يعلى -: وقال علي ﵁: ألا وإنه يهلك في محب مطر يقرظني بما ليس في، ومبغض مفتر يحمله شنآني على أن يبهتني، ألا وإني لست بنبي، ولا يوحى إلي، ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ما استطعت، فما أمرتكم به من طاعة الله تعالى فحق عليكم طاعتي فيما أحببتم أو كرهتم، وما أمرتكم بمعصية أنا وغيري؛ فلا طاعة لأحد في معصية الله ، وإنما الطاعة في المعروف". والسياق للحاكم - وهو أتم -. وقال: "صحيح الإسناد"! ورده الذهبي بقوله: "قلت: الحكم؛ وهاه ابن معين". قلت: وربيعة بن ناجذ؛ قال الذهبي: "لا يكاد يعرف". وقول الحافظ فيه: "ثقة"! إنما عمدته توثيق ابن حبان والعجلي إياه، ولا يخفى ما فيه؛ مع أنهم لم يذكروا له راوياً غير أبي صادق هذا. والحديث؛ قال الهيثمي في "المجمع" (٩/ ١٣٣) : "رواه عبد الله، والبزار - باختصار -، وأبو يعلى - أتم منه -، وفي إسناد عبد الله وأبي يعلى: الحكم بن عبد الملك؛ وهو ضعيف، وفي إسناد البزار: محمد بن كثير القرشي الكوفي؛ وهو ضعيف".

стр. 6442

٤٨٤٣ - (قال جبريل: يا محمد! (قل هو الله أحد) : ليس له عروق فتتشعب إليه. (الله الصمد) : ليس بالأجوف، لا يأكل ولا يشرب. (لم يلد ولم يولد) : ليس له ولد ولا والد ينسب إليه. (ولم يكن له كفواً أحد) : ليس من خلقه شيء يعدل [مكانه] ، يمسك السماوات والأرض إن زالتا. هذه السورة ليس فيها ذكر جنة ولا نار، [ولا دنيا ولا آخرة، ولا حلال ولا حرام] ؛ انتسب الله إليها؛ فهي له خالصة، [من قرأها ثلاث مرات؛ عدل بقراءة الوحي كله ومن قرأها ثلاثين مرة؛ لم يفضله أحد من أهل الدنيا يومئذ؛ إلا من زاد على ما قال، ومن قرأها مئتي مرة؛ أسكن من الفردوس سكناً يرضاه، ومن قرأها حين يدخل منزله ثلاث مرات؛ نفت عنه الفقر، ونفعت الجار. وبات رسول الله ﷺ يقرؤها ويرددها حتى أصبح] ) . موضوع أخرجه أبو الشيخ في "العظمة" (١٥/ ٢) عن سلمة بن شبيب: حدثنا يحيى بن عبد الله الحراني عن ضرار عن أبان عن أنس قال: أتت يهود خيبر إلى النبي ﷺ ، فقالوا: يا أبا القاسم! خلق الله الملائكة من نور الحجاب، وآدم من حمأ مسنون، وإبليس من لهب النار، والسماء من دخان، والأرض من زبد الماء، فأخبرنا عن ربك ؟ فلم يجبهم النبي ﷺ ، فأتاه جبريل ﵇، فقال ... الحديث دون الزيادات؛ فهي من "الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٤١٠) . وقد ساق الحديث - بهذا التمام - معزواً لرواية أبي الشيخ في "العظمة"، وأبي بكر السمرقندي في "فضائل (قل هو الله أحد) " عن أنس.

стр. 6443

قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ بل موضوع؛ أبان: هو ابن أبي عياش، وهو متروك؛ بل كذبه شعبة وأحمد وابن معين. وضرار؛ الظاهر أنه ابن عمرو الملطي، ضعيف؛ بل قال البخاري: "فيه نظر". ويحيى بن عبد الله الحراني - وهو البابلتي - ضعيف. ٤٨٤٤ - (إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم، وتشعر اليوم على ماء كذا وكذا، فلبست قميصاً ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي. وكان قد بعث ببدنه من المدينة، وأقام بالمدينة) (١) . منكر أخرجه الطحاوي (١/ ٣٧٠،٤٣٩) ، وأحمد (٣/ ٤٠٠) عن حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة عن عبد الملك بن جابر عن جابر بن عبد الله قال: كنت عند رسول الله ﷺ جالساً؛ فقد قميصه من جيبه، حتى أخرجه من رجليه، فنظر القوم إلى رسول الله ﷺ ! فقال ... فذكره. قلت: وإسناده رجاله ثقات؛ على خلاف في ابن أبي لبيبة؛ فقال البخاري: "فيه نظر". وقال أبو حاتم: "شيخ؛ يحول من (كتاب الضعفاء) ". وقال النسائي وابن سعد: "ثقة". وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الأزدي:

стр. 6444

"لا يصح حديثه". وقال الحاكم أبو أحمد: "ليس بالقوي عندهم". وقال ابن عبد البر: "ليس عندهم بذاك، وترك مالك الرواية عنه، وهو جاره". هذا كل ما قيل فيه من التعديل والجرح، وقد لخص ذلك الحافظ في "التقريب" بقوله: "صدوق فيه لين". وقال الذهبي في "المغني": "وثقه النسائي. وقال خ: فيه نظر. وقواه أبو حاتم". قلت: فهو ممن يتردد النظر بين تحسين حديثه أو الاستشهاد به، فإذا وجد في حديثه أقل مخالفة لما رواه الثقات؛ تعرض للوهن والسقوط. وقد وجدت حديثين يخالفان بعض ما جاء فيه: الأول: حديث يعلى بن أمية في الرجل الذي أهل بالعمرة وعليه جبة، فقال له ﷺ : "انزع عنك الجبة ... " الحديث. متفق عليه، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (١٥٩٦-١٥٩٩) . فأمره ﷺ بنزع الجبة، ولم يأمره بشقها. وبهذا الحديث احتج الطحاوي على ترجيحه على حديث جابر هذا، وقال: "إن إسناده أحسن من إسناده"؛ وأيده من طريق النظر. ثم روى بسند صحيح عن قتادة قال:

стр. 6445

قلت لعطاء: إنما كنا نرى أن يشقها؟! فقال عطاء: إن الله لا يحب الفساد. ونقل ابن عبد البر في "التمهيد" (٢/ ٢٩٤) أن الحديث ضعيف عند أهل العلم، وهو عندهم - مع ضعفه - مردود بالثابت من حديث عائشة الآتي. والآخر: حديث عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يهدي من المدينة، فأفتل قلائد هديه، ثم لا يجتنب شيئاً مما يجتنب المحرم. متفق عليه، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" أيضاً (١٥٤١،١٥٥٣) . فهذا خلاف حديث جابر صراحة، وإليه ذهب فقهاء الأمصار، وهو أن من أرسل هدياً لا يصير بذلك محرماً، ولا يمسك عما يمسك عنه المحرم؛ خلافاً لبعض السلف. قال الحافظ (٣/ ٤٣٠) : "ومن حجتهم: ما رواه الطحاوي وغيره (فذكر حديث جابر هذا. وقال) ؛ وهذا لا حجة فيه لضعف إسناده"! قلت: ولا يخفى ما في الجزم بالضعف بعد أن عرفت الخلاف في راويه ابن أبي لبيبة! فهذا في طرف، وشيخه الهيثمي في طرف آخر؛ حيث قال (٣/ ٢٢٧) : "رواه أحمد والبزار باختصار، ورجال أحمد ثقات"! قلت: فهذا التوثيق المطلق في طرف آخر! والحق التفصيل الذي أوضحته لك. هذا؛ لعل لفظ البزار المختصر الذي يشير إليه الهيثمي؛ هو ما أخرجه أحمد أيضاً (٣/ ٢٩٤) من طريق داود بن قيس عن عبد الرحمن بن عطاء أنه سمع ابني جابر يحدثان عن أبيهما قال:

стр. 6446

بينا النبي ﷺ جالس مع أصحابه؛ شق قميصه حتى خرج منه، فقيل له؟ فقال: "واعدتهم يقلدون هدياً اليوم؛ فنسيت" (١) . قلت: وداود بن قيس - وهو الفراء - ثقة من رجال مسلم. وجابر؛ له ثلاثة من الولد يروون عنه: عبد الرحمن وعقيل ومحمد، ولم يذكر أحدهم في شيوخ ابن أبي لبيبة، وإنما ذكروا فيهم عبد الملك بن جابر - وهو ابن عتيك؛ المتقدم في رواية حاتم بن إسماعيل -؛ فهذا يدل على أن ابن أبي لبيبة كان يضطرب في إسناده. ومما يؤكد ذلك: أنه ورد عنه على وجه آخر، فقال زيد بن أسلم: عن عبد الرحمن بن عطاء عن نفر من بني سلمة قالوا: كان النبي ﷺ جالساً؛ فشق ثوبه، فقال: "إني واعدت هدياً يشعر اليوم". أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٦) : حدثنا وكيع: حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم. فهذه علة أخرى تدل على ضعف الحديث؛ وهي اضطراب الراوي في إسناده على وجوه ثلاثة: الأولى: عن عبد الملك بن جابر بن عتيك عن جابر بن عبد الله. الثانية: عن ابني جابر يحدثان عن أبيهما.

стр. 6447

الثالثة: عن نفر من بني سلمة قالوا ... وعلى هذه الرواية؛ فهو مرسل أو منقطع؛ لأن النفر من بني سلمة إن كانوا من التابعين فهو مرسل؛ لأن ابن أبي لبيبة لم يذكروا له رواية عن أحد من الصحابة؛ ولا يبعد أن يكون عنى بهم ابني جابر كما في الرواية الثانية. وإن كانوا من الصحابة؛ فهو منقطع لما ذكرنا، وهذا الاحتمال هو الذي يناسب إيراد الإمام أحمد للحديث من هذا الوجه أيضاً في "المسند". ومع ذلك؛ فقد أشكل علي في هذا الإسناد أمور: أولاً: أنهم لم يذكروا في الرواة عن عبد الرحمن بن عطاء هذا: زيد بن أسلم، وزيد أكبر منه؛ فإنه تابعي معروف؛ وإنما ذكروا فيه هشام بن سعد. ثانياً: أن الهيثمي أورده هكذا: "وعن عطاء بن يسار عن نفر من بني سلمة قالوا ... (الحديث) ؛ رواه أحمد، ورجاله رجال (الصحيح) "! فأشكل علي قوله: "عطاء بن يسار"؛ فإن هذا ليس في "المسند"، وإنما فيه "عبد الرحمن بن عطاء"، فقلت في نفسي: لعل هذا محرف، والصواب: "عبد الرحمن بن عطاء"؛ فرجعت إلى ترجمة زيد بن أسلم؛ فوجدت في شيوخه راويين كل منهما اسمه عبد الرحمن؛ أحدهما: ابن وعلة، والآخر: ابن أبي سعيد الخدري، فرجعت إلى ترجمة كل منهما؛ فلم أجد في شيوخهما من يسمى عطاءً، لا عطاء بن يسار ولا غيره! وهنا انتهى بحثي حول هذا الإسناد، وهو بحاجة بعد إلى مزيد من البحث والتحقيق، فمن بدا له شيء. فليلحقه به. وجزاه الله خيراً.

стр. 6448

ثم وجدت حديثاً آخر مخالفاً لحديث الترجمة، ومطابقاً لظاهر حديث يعلى ابن أمية، وهو حديث أو سلمة قالت: كانت ليلتي التي يصير إلي فيها رسول الله ﷺ مساء يوم النحر، فصار إلي، ودخل علي وهب بن زمعة ومعه رجل من آل أبي أمية متقمصين، فقال رسول الله ﷺ : "انزع عنك القميص". قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: لم يا رسول الله؟! قال: "إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا؛ يعني: من كل ما حرمتم منه؛ إلا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت؛ صرتم حرماً لهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة قبل أن تطوفوا به". أخرجه أبو داود وغيره بسند حسن. ومن ضعفه فما حقق، وقد تكلمت عليه مفصلاً في "صحيح أبي داود" (١٧٤٥) . ٤٨٤٥ - (يا سلمان! كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم، فماتت فيه؛ فهو حلال أكله وشربه ووضوؤه) . ضعيف جداً أخرجه ابن عدي (ق ١٨٢/ ٢) ، والدارقطني (ص ١٤) من طريق بقية بن الوليد عن سعيد بن أبي سعيد الزبيدي عن بشر بن منصور عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن سلمان مرفوعاً. قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً وفيه علل:

стр. 6449

الأولى: ابن جدعان؛ فإنه ضعيف؛ لسوء حفظه. الثانية: سعيد بن أبي سعيد الزبيدي. وبه أعله مخرجه ابن عدي؛ فقال: "عامة أحاديثه ليست بمحفوظة". وقال الذهبي: "لا يعرف، وأحاديثه ساقطة". ثم ساق له هذا الحديث. الثالثة: بقية بن الوليد. وبه أعله مخرجه الدارقطني؛ فقال عقبه: "تفرد به بقية عن سعيد بن أبي سعيد الزبيدي؛ وهو ضعيف". قلت: وذلك لكثرة تدليسه. فإن قيل: قد صرح بالتحديث في رواية للدارقطني؟ قلت: هي من رواية أحمد بن أبي الأخيل الحمصي: حدثني أبي: أخبرنا بقية: حدثني سعيد بن أبي سعيد ... فأبو الأخيل هذا: اسمه خالد بن عمرو السلفي؛ قال الحافظ: "ضعيف، وكذبه جعفر الفريابي". واعلم أن الدافع على تخريج هذا الحديث والكشف عن علله: أنني رأيت الشيخ علي القاري قد مال إلى تقوية الحديث بأسباب واهية، ومدافعات باطلة، فلا بد من سوق كلامه، ثم الكشف عن الخلل الذي فيه، فقال في "فتح باب العناية" (١/ ١١٦) : "رواه الدارقطني وقال: لم يرفعه إلا بقية عن سعيد بن أبي سعيد الزبيدي، وهو ضعيف. انتهى. وأعله ابن عدي بجهالة سعيد. ودفعا بأن بقية هذا: هو أبو

стр. 6450

الوليد روى عنه الأئمة ... وروى له الجماعة إلا البخاري. وأما سعيد بن أبي سعد هذا؛ فذكره الخطيب قال: واسم أبيه عبد الجبار، وكان ثقة، فانتفت الجهالة، والحديث - مع هذا - لا ينزل عن الحسن"! كذا قال! والرد عليه من وجوه: الأول: أن بقية لم يحتج به مسلم، وإنما روى له في الشواهد؛ كما قال المنذري في آخر "الترغيب والترهيب". ونحوه قول الخزرجي: "متابعة". الثاني: أن رواية الأئمة عن راو ما؛ لا يعتبر توثيقاً له؛ إلا إذا سلم من قادح، والأمر هنا ليس كذلك؛ فقد قال الذهبي: "قال غير واحد من الأئمة: بقية ثقة إذا روى عن الثقات. وقال النسائي وغيره: إذا قال: "نبأ" و "أنا" فهو ثقة. وقال غير واحد: كان مدلساً". قلت: والشيخ القاري على علم بهذا كله، وأن علة بقية التدليس، فكان حقه أن لا يسود أسطراً في ذكر من روى عن بقية من الأئمة؛ موهماً أنه ثقة طعن فيه بغير حق، وأن يتوجه إلى الجواب عن عنعنته بمثل ذلك السؤال الذي ذكرته مع الجواب عنه، على نحو ما فعله هو في حديث ابن عمر: "من ضحك في الصلاة قهقهة؛ فليعد الوضوء والصلاة". فقال (ص ٧٦-٧٧) : "وأما الطعن فيه بأن بقية مدلس؛ فكأنه سمعه من بعض الضعفاء وحذف اسمه؛ فمدفوع بأنه صرح فيه بالتحديث، والمدلس الصدوق إذا صرح بالتحديث تزول تهمة التدليس، وبقية من هذا القبيل"!

стр. 6451

قلت: وهذا الدفع مدفوع ومردود؛ لأن تصريحه في حديث ابن عمر بالتحديث مما لا يطمئن القلب إليه؛ ذلك لأنه من رواية ابنه عطية بن بقية عن أبيه: حدثنا ... وعطية كانت فيه غفلة، كما قال ابن أبي حاتم (٣/ ١/ ٣٨١) . وقال ابن حبان: "يخطىء ويغرب، يعتبر حديثه إذا روى عن أبيه غير الأشياء المدلسة". قلت: ومن كان فيه غفلة ومن عادته أن "يخطىء ويغرب"؛ فلا شك أنه لا يحتج به، فلا يثبت تصريح بقية بالتحديث بمثل روايته، وإنما يستشهد بها، فإن جاء له شاهد قويت؛ وإلا فلا؛ ولا شاهد هنا. فجزم القاري بأن بقية صرح فيه بالتحديث فيه غفلة عن حال عطية بن بقية! فتنبه. الثالث: قوله: "وأما سعيد بن أبي سعد فذكره الخطيب قال: واسم أبيه عبد الجبار؛ وكان ثقة"! فهو وهم فاحش منه عفا الله عنا وعنه؛ فإن هذا التوثيق لم يذكره أحد في ترجمة سعيد بن عبد الجبار الزبيدي، وإنما ذكروه في ترجمة سعيد بن عبد الجبار ابن يزيد القرشي؛ وهو ثقة من رجال مسلم؛ ففي ترجمته من "التهذيب" جاء قوله: "وقال أبو بكر الخطيب: كان ثقة". وهذه الترجمة قبل ترجمة سعيد بن عبد الجبار الزبيدي. فكأن القاري انتقل بصره من هذه إلى تلك، فوقع في هذا الخطأ. على أن سعيد بن عبد الجبار الزبيدي: هو غير سعيد بن أبي سعيد الزبيدي؛ قال الحافظ: "فرق بينهما ابن عدي، فقال في الثاني: حديثه غير محفوظ، وليس هو

стр. 6452

بالكثير. وقال أبو أحمد الحاكم: يرمى بالكذب". وقال ابن عدي في الأول: "وعامة حديثه مما لا يتابع عليه". قلت: وعلى هذا التفريق؛ جرى الذهبي في "الميزان". فلو صح عن الخطيب أنه وثق سعيد بن عبد الجبار الزبيدي؛ فليس هو راوي هذا الحديث. والله أعلم. ٤٨٤٦ - (كان يمتشط بمشط من عاج) . منكر أخرجه البيهقي (١/ ٢٦) عن بقية بن الوليد عن عمرو بن خالد عن قتادة عن أنس مرفوعاً. وقال: "قال عثمان (يعني: ابن سعيد الدارمي) : هذا منكر". قال البيهقي: "رواية بقية عن شيوخه المجهولين ضعيفة". قلت: يشير إلى أن عمرو بن خالد هذا مجهول. وأنا أظن أنه عمرو بن خالد القرشي أبو خالد الكوفي نزيل واسط؛ وهو مشهور بالكذب والوضع. والحديث؛ أورده القاري في "فتح باب العناية" (١/ ١٢٧) مستدلاً به على طهارة عظام السباع، مكتفياً بعزوه للبيهقي؛ ساكتاً عن بيان علته القادحة! وتبعه على ذلك محققه أبو غدة في المكان المشار إليه منه، وفي (١/ ١٣٠) !!

стр. 6453

٤٨٤٧ - (إنما حرم رسول الله ﷺ من الميتة لحمها، وأما الجلد والشعر والصوف؛ فلا بأس به) .

стр. 6454

ضعيف. أخرجه الدارقطني (ص ١٨) ، وعنه البيهقي (١/ ٢٤-٢٥) عن الوليد ابن مسلم عن أخيه عبد الجبار بن مسلم عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال ... فذكره. وقال الدارقطني: "عبد الجبار ضعيف". وأقره البيهقي، ثم ابن التركماني بسكوته عليه؛ وعدم تعقبه للبيهقي كما هي عادته كلما وجد سبيلاً إليه! وأما القاري؛ فإنه قال في "فتحه" (١/ ١٣٠) : "فإن قيل: عبد الجبار ضعفه الدارقطني؟ فالجواب: أن ابن حبان وثقه، فلا ينزل حديثه عن الحسن"! قلت: وهذا مردود؛ لأن توثيق ابن حبان غير موثوق به في مثل هذا؛ فإنه يوثق المجهولين الذين لم يرو عنهم إلا الواحد أو الاثنان، وفيهم من يقول هو نفسه في "الثقات": "لا أعرفه"! وتارة يزيد فيقول: "ولا أعرف أباه"! كما هو مشروح في غير هذا المكان. وعبد الجبار هذا من أولئك المجهولين الذين لم يرو عنهم إلا الواحد؛ فقد قال الحافظ في "اللسان": "لم يرو عنه غير الوليد". ولذلك قال الذهبي فيه: "لا أعرفه"! مع أنه حكى تضعيف الدارقطني إياه. وقد خالفه أبو بكر الهذلي، فرواه عن الزهري به موقوفاً على ابن عباس. أخرجه الدارقطني، والبيهقي. وقالا:

стр. 6455

"أبو بكر الهذلي ضعيف". ٤٨٤٨ - (لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، ولا بأس بصوفها وشعرها وقرونها إذا غسل بالماء) . ضعيف بهذا التمام أخرجه الدارقطني (ص ١٨) ، وعنه البيهقي (١/ ٢٤) من طريق يوسف بن السفر: أخبرنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن قال: سمعت أم سلمة زوج النبي ﷺ تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول ... فذكره. وقالا: "يوسف بن السفر متروك، ولم يأت به غيره". قلت: وهو متهم بالكذب، حتى الحاكم - مع تساهله - قال فيه: "روى عن النقاش أحاديث موضوعة". وقال البيهقي: "هو في عداد من يضع الحديث". قلت: وهذا أمر معروف عند المشتغلين بهذا العلم الشريف. ومع ذلك؛ فإن الشيخ القاري في "فتحه" (١/ ١٣٠) تجاهل عن ذلك كله، بل قال - عقبه؛ وقبله الحديثان السابقان -: "فهذه عدة أحاديث - ولو كانت ضعيفة - حسن المتن، فكيف ولها شاهد في "الصحيحين"؟! "! وقلده في ذلك كله المعلق عليه أبو غدة، بل أيده بقوله تعليقاً على آخر كلامه بقوله: "تقدم ذكره في (ص ١٢٣) من حديث ابن عباس"!!

стр. 6456

وحديث ابن عباس هناك؛ لفظه: تصدق على مولاة لميمونة بشاة، فماتت، فمر بها رسول الله ﷺ فقال: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه - زاد مسلم: - فانتفعتم به؟! ". فقالوا: إنها ميتة! قال: "إنما حرم أكلها". قلت: فهذا لا يصلح شاهداً إلا للشطر الأول من الحديث. وأما الشطر الآخر؛ فليس فيه ما يشهد له مطلقاً، بل لو قال قائل: إن فيه ما يشهد عليه لما أبعد؛ لأنه لم يقل: فانتفعتم بصوفها وشعرها وقرونها؟! فتأمل ما يفعل التقليد والتعصب المذهبي بأهله؛ من الإبعاد عن الحق والعدل، والإيهام بخلاف الواقع؛ وإلا فبالله عليك قل لي: من الذي يفهم من قولهم: "فكيف ولها شاهد في "الصحيحين"؟ " أنه يعني أنه شاهد للشطر الأول من هذا الحديث الثالث وبعض الحديث الذي قبله؟! وأما الحديث الأول؛ فهو في الامتشاط فقط! ٤٨٤٩ - (يا عمار! إنما يغسل الثوب من خمس: من الغائط، والبول، والقيء، والدم، والمني. يا عمار! ما نخامتك، ودموع عينيك، والماء الذي في ركوتك إلا سواء) . ضعيف جداً أخرجه البزار (١/ ١٣١/ ٢٤٨) ، والدارقطني في "سننه" (ص ٤٧) ، وكذا أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ٣٠٩) من طريق أبي إسحاق

стр. 6457

الضرير إبراهيم بن زكريا: أخبرنا ثابت بن حماد عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عمار بن ياسر قال: أتى علي رسول الله ﷺ وأنا على بئر؛ أدلو ماءً في ركوة لي، فقال: "يا عمار! ما تصنع؟ ". قلت: يا رسول الله! بأبي وأمي؛ أغسل ثوبي من نخامة أصابته. فقال ... فذكره. وقال الدارقطني: "لم يروه غير ثابت بن حماد، وهو ضعيف جداً. وإبراهيم وثابت ضعيفان"! قلت: إبراهيم بن زكريا بريء الذمة منه؛ لأنه قد توبع، فقال أبو يعلى في "مسنده" (٢/ ٤٥٤) ، والعقيلي في "الضعفاء" (١/ ١٧٦) - والسياق للأول -: حدثنا محمد بن أبي بكر: أخبرنا ثابت بن حماد أبو زيد ... به. وكذلك الطبراني في "الأوسط" (ج١ ق ١١/ ١ - زوائد المعجمين) ، وعنه ابن منده في "المعرفة" (٢/ ٧٤/ ٢) ، وابن عدي في "الكامل" (٤٧/ ١) ، وغيرهم. وقال هو والطبراني: "لا يروى عن عمار إلا بهذا الإسناد، تفرد به ثابت". ولذلك قال البيهقي في "السنن" (١/ ١٤) - بعد أن ذكره معلقاً -: "فهذا باطل لا أصل له، وإنما رواه ثابت بن حماد عن علي بن زيد عن ابن المسيب عن عمار. وعلي بن زيد غير محتج به، وثابت بن حماد متهم به". وأقره ابن الملقن في "خلاصة البدر المنير" (٤/ ١) . وقال عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام" (ق ٢٧/ ١) . "ثابت بن حماد؛ أحاديثه مناكير ومقلوبات".

стр. 6458

وكذلك أقر البيهقي على حكمه السابق: الحافظ السيوطي في "ذيل الأحاديث الموضوعة" (ص ٩٩) ؛ وزاد: "وقال العقيلي: هذا الحديث غير محفوظ، وثابت مجهول. وفي "اللسان": نقل أبو الخطاب الحنبلي عن اللالكائي: أن أهل النقل اتفقوا على ترك ثابت بن حماد. وقال ابن تيمية - فيما نقله عنه ابن عبد الهادي في "التنقيح" -: هذا الحديث كذب عند أهل المعرفة". قلت: وقول ابن تيمية المذكور ليس في نسخة "التنقيح" المطبوعة! والله أعلم. وفي معناه قول ابن تيمية في "رسالة الصيام" (ص ٤٢ - الطبعة الثانية - بتحقيقي) : "ليس من كلام النبي ﷺ ، وليس في شيء من كتب الحديث التي يعتمد عليها، ولا رواه أحد من أهل العلم الحديث بإسناد يحتج به". وأما تعقب الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ٢١١) قول الأئمة المتقدمين بتفرد ثابت بن حماد بقوله: "قلت: وجدت له متابعاً عند الطبراني في "معجمه الكبير" من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد به سنداً ومتناً. وبقية الإسناد: حدثنا الحسين ابن إسحاق التستري: حدثنا علي بن بحر: حدثنا إبراهيم بن زكريا العجلي: حدثنا حماد ابن سلمة به"! قلت: فقد تعقبه الحافظ ابن حجر بقوله في "التلخيص" (١/ ٣٣) : "لكن إبراهيم ضعيف، وقد غلط فيه؛ إنما يرويه ثابت بن حماد".

стр. 6459

قلت: ولذلك قال ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (١/ ٧٣) : "ولا يغتر برواية البزار والطبراني له من طريق إبراهيم بن زكريا العجلي عن حماد بن سلمة؛ فإبراهيم ضعيف ... " إلخ كلام الحافظ المذكور. قلت: ومن الواضح أن إبراهيم هذا وهم في اسم ثابت بن حماد، فانقلب عليه فقال: "حماد بن سلمة"! وذلك مما يدل على ضعفه وقلة ضبطه. لكنه قد رواه على الصواب في رواية الدارقطني وأبي نعيم المتقدمة، فهي المعتمدة. وإذا عرفت هذا التحقيق، وإجماع أهل الاختصاص في هذا العلم الشريف؛ يتبين لك تعصب الشيخ علي القاري ومجانفته في البحث العلمي في كتابه "فتح باب العناية" (١/ ٢٤٢) في قوله عقب هذا الحديث: "وفي سنده ضعيف، وهو ثابت بن حماد، لكن له متابع عند الطبراني، رواه في "الكبير" من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد سنداً ومتناً، فبطل جزم البيهقي ببطلان الحديث بسبب أنه لم يروه عن علي بن زيد سوى ثابت. ودفع قوله في علي هذا - أنه غير محتج به - بأن مسلماً روى له مقروناً بغيره. وقال العجلي: لا بأس به، وروى له الحاكم في "المستدرك"، وقال الترمذي: صدوق"!! وتفصيل الرد عليه من وجوه: الأول: قوله: "وفي سنده ضعيف، وهو ثابت بن حماد"! قلت: بل هو ضعيف جداً، كما قال الإمام الدارقطني. ونحوه قول البيهقي: "وهو متهم به". واتفاق أهل النقل على تركه.

стр. 6460

فالاقتصار على تضعيفه فقط؛ مخالفة صريحة لهم بدون حجة. الثاني: قوله: "تابعه حماد بن سلمة"! قلت: هذه متابعة باطلة لا أصل لها؛ لأنها وهم من إبراهيم بن زكريا العجلي، خالف فيه الثقات، لا سيما وقد وافقهم في رواية الدارقطني وأبي نعيم عنه كما تقدم فقال: ثابت بن حماد؛ فعاد الحديث إلى أنه تفرد به هذا المتروك! الثالث: قوله: "فبطل جزم البيهقي ببطلان الحديث ... "! قلت: فقوله هذا هو الباطل؛ لأنه بناه على ما دفعه به من المتابعة المزعومة، وما بني على باطل فهو الباطل؛ لا سيما وليس البيهقي منفرداً بجزمه المذكور؛ كما عرفت مما سبق من البيان. الرابع: قوله: "ودفع قوله في علي هذا.. بأن مسلماً روى له مقروناً ... "! قلت: وهذا مدفوع لسببين: أولاً: أنه لا يجوز للباحث المنصف أن يأخذ من ترجمة الراوي الأقوال التي تعدله - لهوى في نفسه -، ويعرض عن الأقوال الأخرى التي تجرحه، ولا العكس أيضاً، وإنما ينبغي أن يلخص من مجموع تلك الأقوال كلها ما يمكن أن يأخذ من مجموعها على ما يساعد عليه علم مصطلح الحديث مما هو مفصل فيه، وهذا مما لم يفعله الشيخ القاري مع الأسف؛ فإن علياً هذا قد جرحه جماهير الأئمة جرحاً مفسراً؛ بأنه ضعيف لا يحتج به لسوء حفظه؛ كالإمام أحمد وابن معين وغيرهم ممن ذكرهم الحافظ في "التهذيب". فالإعراض عن أقوالهم إلى أقوال معدليه - الذين زعمهم القاري - مخالف لعلم المصطلح الذي يقول: (الجرح المفسر مقدم على التعديل) ، لا سيما إذا كان الجارحون من مثل الإمام أحمد

стр. 6461

وابن معين وغيرهما. ولذلك نجد الحافظ لخص ترجمة علي هذا في "التقريب" بقوله: "ضعيف". ثانياً: أن الأقوال التي ذكرها القاري لا تنهض على دفع قول البيهقي: "غير محتج به"؛ لأنها لا تعني أنه يحتج به. وإليك البيان: ١- أما قرن مسلم إياه بغيره؛ فهو على القاري وليس له؛ لأنه لو كان حجة عنده لم يقرنه بغيره؛ كما هو ظاهر. ٢- وأما قول العجلي: "لا بأس به"؛ فهذا أحد قوليه فيه. وقال مرة: "يكتب حديثه وليس بالقوي". فهذا موافق لقول الذين ضعفوه من الجمهور، فالأخذ به أولى من الأخذ بقوله الأول المخالف لهم؛ كما لا يخفى على أولي النهى. ٣- وأما رواية الحاكم له في "المستدرك"! فكان على الشيخ القاري أن يستحي من الاستدلال به؛ لما عرف من تساهله في المتون والرواة، وكم من حديث أخرجه من طريق بعض الضعفاء مصححاً، ورده الذهبي عليه! ومن هؤلاء ابن جدعان هذا، فراجع لذلك فهرس الرواة من كتابي "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (المجلد الأول) إن شئت. ٤- وأما قوله: "وقال الترمذي: صدوق"! فهذا نقل مبتور؛ فإن تمام كلام الترمذي - كما في "التهذيب" -: " ... إلا أنه ربما رفع الشيء الذي يوقفه غيره". قلت: فأنت إذا نظرت إلى هذا الاستثناء مع المستثنى منه؛ كانت النتيجة

стр. 6462

على خلاف ما يستفاد من المستثني من بداهة، وهي أن الرجل صدوق سيىء الحفظ، فالترمذي حينئذ - بقوله هذا - أقرب إلى أن يصنف في جملة الجمهور المضعف له؛ من أن يصنف في زمرة المعدلين. وهب أنه من المعدلين؛ فهو من المعروفين بالتساهل في التعديل والتصحيح، حنى صحح لـ (كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف) ؛ فقال الذهبي معترضاً عليه: "فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي". وجملة القول؛ أن هذا الحديث ضعيف لا يحتج به لو أن ثابت بن حماد توبع عليه؛ فكيف وقد تفرد به؟! ولذلك لم يسع ابن التركماني الحنفي - على تعصبه أيضاً - إلا التسليم بضعفه، ولم يتكلف تكلف القاري في محاولة تقويته؛ مع التحامل على البيهقي. والله المستعان. وبعد كتابة ما تقدم؛ رأيت الهيثمي قد أورد الحديث في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٨٣) من رواية الطبراني في "الأوسط" و "الكبير"، وأبي يعلى. ثم قال: "وله عند البزار قال: رآني رسول الله ﷺ وأنا على بئر ... " فذكره نحوه. وقال: "ومدار طرقه عند الجميع على ثابت بن حماد، وهو ضعيف جداً". قلت: فكأنه لم يعتد بطريق البزار والطبراني في "الكبير" التي وقع فيها اسم ثابت بن حماد مقلوباً إلى حماد بن سلمة؛ لبطلانها على ما سبق تحقيقه؛ فلم يتعرض لها بذكر مطلقاً، فأصاب رحمه الله تعالى. (تنبيه) : وقع توثيق ثابت بن حماد في إسناد البزار، فظن بعضهم أنه من البزار، وليس كذلك! فقال: حدثنا يوسف بن موسى: حدثنا إبراهيم بن زكريا: حدثنا ثابت بن حماد - وكان ثقة - عن علي بن زيد.. إلخ.

стр. 6463

فقال الشيخ الأعظمي ﵀ متعقباً قول الهيثمي المذكور في ثابت بن حماد: "وهو ضعيف جداً" -؛ قال الشيخ: "وأنت ترى أن البزار وثقه"! وأقول: ليس الأمر كما قال؛ بل الظاهر أن التوثيق من قول إبراهيم بن زكريا، وهو وإن كان وثقه ابن حبان (٨/ ٧٠) ؛ فقد ضعفه العقيلي بقوله - وذكر أنه (العجلي البصري) -: "صاحب مناكير وأغاليط". وقد فرق بينه وبين (إبراهيم بن زكريا الواسطي) ؛ وقال فيه: "مجهول". وكذلك فرق بينهما آخرون؛ منهم ابن حبان، فأورد الواسطي هذا في "ضعفائه". وقال الحافظ في "اللسان": "وهو الصواب". وإذا عرفت أن التوثيق المذكور هو من ذاك الضعيف - إبراهيم بن زكريا العجلي -؛ فلا غرابة بعد ذلك أن لا يلتفت أحد إلى هذا التوثيق، ولا يذكروه في ترجمته. ٤٨٥٠ - (لا بأس ببول ما أكل لحمه) . ضعيف جداً روي من حديث البراء بن عازب، وجابر بن عبد الله، وعلي ابن أبي طالب. ١- أما حديث البراء؛ فيرويه سوار بن مصعب عن مطرف بن طريف عن أبي الجهم عنه.

стр. 6464

أخرجه الدارقطني في "سننه" (ص ٤٧) ، وابن حزم في "المحلى" (١/ ١٨١) . وقال: "هذا خبر باطل موضوع؛ لأن سوار بن مصعب متروك عند جميع أهل النقل، متفق على ترك الرواية عنه، يروي الموضوعات". وقال الدارقطني: "وسوار متروك، وقد اختلف عنه، فقيل عنه: ما أكل لحمه فلا بأس بسؤره". ثم ساقه هو، والبيهقي (١/ ٢٥٢) من طريق أخرى عن سوار به. وقال البيهقي: "وسوار بن مصعب متروك". وقد خالفه في إسناده من هو مثله أو شر منه؛ فرواه عن جابر وهو: ٢- أما حديث جابر؛ فيرويه عمرو بن الحصين: أخبرنا يحيى بن العلاء عن مطرف عن محارب بن دثار عنه مرفوعاً بلفظ: "ما أكل لحمه؛ فلا بأس ببوله". أخرجه الدارقطني، وتمام في "الفوائد" (١٦٤/ ١-٢) ، وابن الديباجي في "الفوائد" (٢/ ٨٢/ ٢) . وقال الدارقطني: "لا يثبت؛ عمرو بن الحصين ويحيى بن العلاء ضعيفان". وعلقه البيهقي عنهما. وقال: "وهما ضعيفان، ولا يصح شيء من ذلك". قلت: بل هما متروكان متهمان بالوضع. وقال ابن الملقن في "خلاصة البدر المنير" (٥/ ٢) :

стр. 6465

"وإسناده ضعيف؛ عمرو بن الحصين - وهو العقيلي - واه بإجماعهم. ويحيى ابن العلاء أحاديثه موضوعة. وقاله ابن عدي. وقال أحمد: كذاب يضع الحديث". ٣- وأما حديث علي؛ فيرويه إسحاق بن محمد بن أبان النخعي: حدثني محمد بن موسى بن عبد الرحمن النخعي عن أبيه قال: كنت على باب المهدي ومحمد بن زيد بن علي، فقال محمد بن زيد: حدثني أبي عن أبيه عن جده عنه مرفوعاً؛ بلفظ: "لا بأس ببول الحمار؛ وكل ما أكل لحمه". أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٥/ ٢٨٨) ، ومن طريقه أورده السيوطي في "اللآلىء المصنوعة" (٢/ ٢) . وقال: "موضوع، والمتهم به إسحاق. وموسى وابنه مجهولان". وكذا قال ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/ ٦٦) . قلت: وإسحاق هذا؛ قال الذهبي: "كذاب مارق من الغلاة.. كان خبيث المذهب يقول: إن علياً هو الله ... ولم يذكره في "الضعفاء" أئمة الجرح في كتبهم، وأحسنوا؛ فإن هذا زنديق....". (تنبيه) : استدل بحديثي الترجمة - عن البراء وجابر - الشيخ علي القاري في "الفتح" (١/ ٢٥٣-٢٥٤) لمذهب الإمام محمد بن الحسن في طهارة بول ما يؤكل لحمه، وعزاهما لأحمد والدارقطني! فأساء بذلك مرتين: الأولى: عزوه لأحمد، وهو خطأ محض؛ فليس هو في "مسنده"؛ لا عن البراء ولا عن جابر. ولو كان فيه لأورده الهيثمي في "المجمع"؛ فإنه من اختصاصه!

стр. 6466

ومن المعلوم في اصطلاح القوم: أن العزو لأحمد مطلقاً إنما يراد به "مسنده". والأخرى: سكوته عليهما؛ فأوهم ثبوت حديثهما، ولو بدعوى أن أحدهما يقوي الآخر، كما هي عادته! ومن ذلك تعلم أن الشيخ أبا غدة حين علق عليهما بقوله: "وقد ضعف الدارقطني كلاً من الحديثين"! فإنه لم يصنع شيئاً؛ لأن ذلك يبقي الطريق مفتوحاً لمتعصب ما أن يقول: فأحدهما يقوي الآخر! فكان عليه أن يسد الطريق عليه بأن يبين أن ضعفهما شديد جداً، فلا يقوي أحدهما الآخر. ولكن أنى له ذلك، وليس من شأنه التحقيق في هذا العلم الشريف، وإنما هو حطاب جماع كغيره من المقلدين!! ولذلك تراه يمر على كثير من الأحاديث المنكرة - في تعليقه على هذا الكتاب وغيره - دون أن ينبه على نكارتها وضعفها؛ ولعلك تذكر بعض الأمثلة القريبة على ذلك!! ٤٨٥١ - (ناكح اليد ملعون) . ضعيف وهو طرف من حديث أخرجه أبو الشيخ ابن حيان في "مجلس من حديثه" (٦٢/ ١-٢) ، وابن بشران في "الأمالي" (٨٦/ ١-٢) من طرق عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً بلفظ: "سبعة لعنهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ويقال لهم: ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل، والمفعول به في عمل قوم لوط، وناكح البهيمة، وناكح يده، والجامع بين المرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، والمؤذي جاره حتى يلعنه، والناكح للمرأة في دبرها؛ إلا أن يتوب".

стр. 6467

قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف عبد الرحمن بن زياد الإفريقي؛ وقد مضى غير مرة. وقد روي من حديث أنس أيضاً، لكنه ضعيف أيضاً. وقال الحافظ ابن كثير في أول تفسير سورة "المؤمنون": "هذا حديث غريب، وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته". قلت: وقد خرجته في "إرواء الغليل" برقم (٢٤٠١) . ومن هذا التخريج؛ يتبين لك أن قول الشيخ علي القاري في "المصنوع في معرفة الحديث الموضوع" - وقد ساق حديث الترجمة برقم (٣٧٨) -: "لا أصل له. صرح به الرهاوي"!! وقال المعلق عليه الشيخ أبو غدة: "وقد وقع ذكره حديثاً نبوياً مستشهداً به من الإمام الكمال ابن الهمام في كتابه العظيم "فتح القدير" (٢/ ٦٤) ، وهو من كبار فحول العلماء المحققين في المنقول والمعقول والاستدلال، ولكنه وقع منه الاستشهاد بهذا الحديث على المتابعة لمن استشهد به من الفقهاء والعلماء الذين ينظر في كتبهم، فأورده متابعة دون أن يبحث عنه. وكثيراً ما يقع للعالم هذا؛ إذ لا ينشط للكشف والتمحيص لما يستشهد به، فيذكره أو ينفيه على الاسترسال والمتابعة. إذن: فالاعتماد على من تفرغ وبحث ومحص، لا على من تابع ونقل واسترسل". فأقول: وهذا كلام صحيح، وهو من الأدلة الكثيرة على أن أبا غدة نفسه ليس من قبيل "من تفرغ وبحث ومحص"، بل هو جماع حطاب، يجمع من هنا وهناك نقولاً ليجعل بها الرسالة الصغيرة كتاباً ضخماً لملء الفراغ! ولذا؛ فهو ممن لا ينبغي أن يعتمد عليه في هذا العلم؛ فإنك تراه يتابع القاري على قوله في هذا

стр. 6468

الحديث: "لا أصل له ... "! مع أنه قد روي من حديث ابن عمرو، ومن حديث أنس، كما رأيت. ويغني عنه في الاستدلال على تحريم نكاح اليد؛ عموم قوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) . وقد استدل بها الإمام الشافعي ومن وافقه على التحريم، كما قال ابن كثير، وهو قول أكثر العلماء؛ كما قال البغوي في "تفسيره"، وحكاه العلامة الآلوسي (٥/ ٤٨٦) عن جمهور الأئمة، وقال: "وهو عندهم داخل في ما (وراء ذلك) ". وانتصر له بكلام قوي متين، وإن عز عليه أيضاً مخرج الحديث؛ فقال: "ومن الناس من استدل على تحريمه بشيء آخر، نحو ما ذكره المشايخ من قوله ﷺ : "ناكح اليد ملعون" ... "! وأما ما رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٧/ ٣٩١/ ١٣٥٩٠) ، وابن أبي شيبة (٤/ ٣٧٩) عن أبي يحيى قال: سئل ابن عباس عن رجل يعبث بذكره حتى ينزل؟ فقال ابن عباس: إن نكاح الأمة خير من هذا، وهذا خير من الزنى! فهذا لا يصح؛ وعلته أبو يحيى هذا - واسمه مصدع المعرقب (١) -؛ قال ابن حبان في "الضعفاء" (٣/ ٣٩) :

стр. 6469

"كان ممن يخالف الأثبات في الروايات، وينفرد عن الثقات بألفاظ الزيادات مما يوجب ترك ما انفرد منها، والاعتبار بما وافقهم فيها". وسائر رجال إسناده ثقات. وقد أسقطه منه بعض الرواة عند البيهقي؛ فأعله بالانقطاع، فقال (٧/ ١٩٩) : "هذا مرسل، موقوف". ومثله: ما أخرجه - عقبه - من طريق الأجلح عن أبي الزبير عن ابن عباس ﵄: أن غلاماً أتاه، فجعل القوم يقومون والغلام جالس، فقال له بعض القوم: قم يا غلام! فقال ابن عباس: دعوه، شيء ما أجلسه! فلما خلا قال: يا ابن عباس! إني غلام شاب أجد غلمة شديدة، فأدلك ذكري حتى أنزل؟ فقال ابن عباس: خير من الزنى، ونكاح الأمة خير منه. قلت: وأبو الزبير مدلس وقد عنعنه. والأجلح مختلف فيه. ثم روى عبد الرزاق من طريق إبراهيم بن أبي بكر عن رجل عن ابن عباس أنه قال: وما هو إلا أن يعرك أحدكم زبه؛ حتى ينزل ماءً. وهذا ضعيف ظاهر الضعف؛ لجهالة الرجل الذي لم يسم. وقريب منه إبراهيم هذا؛ قال الحافظ: "مستور".

стр. 6470

واعلم أنه لو صح ما تقدم عن ابن عباس؛ فإنه لا ينبغي أن يؤخذ منه إلا إباحة الاستمناء عند خشية الزنى لغلبة الشهوة. وأنا أنصح من أصيب بها من الشباب أن يعالجوها بالصوم؛ فإنه له وجاء. كما صح عنه ﷺ . ٤٨٥٢ - (لا يدخل ولد الزنى ولا شيء من نسله - إلى سبعة آباء - الجنة) . موضوع أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ق ١٥٧/ ١) : حدثنا عبد الرحمن بن سعد - وهو الرازي -: حدثنا عمرو بن أبي قيس عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن محمد بن عبد الرحمن بن [أبي] ذباب عن أبي هريرة مرفوعاً به. قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ إبراهيم بن مهاجر - وهو البجلي - ضعيف؛ لسوء حفظه. وقال الحافظ في "التقريب": "صدوق لين الحفظ". وفي ترجمته ساق له الذهبي هذا الحديث؛ مشيراً إلى أنه من منكراته! والأولى عندي: إعلاله بشيخ شيخه: ابن أبي ذباب؛ فقد قال الحافظ في "التقريب": "شيخ لمجاهد، مجهول". وسائر رجاله ثقات؛ على ضعف يسير في عمرو بن أبي قيس؛ وهو الرازي. وعبد الرحمن بن سعد: هو ابن عبد الله بن سعد بن عثمان الدشتكي الرازي المقري.

стр. 6471

والحديث؛ أورده ابن الجوزي في "الموضوعات". وقال: "لا يصح؛ ابن مهاجر ضعيف". قلت: أما الطرف الأول من الحديث - "لا يدخل ولد الزنى الجنة" -: فلا سبيل إلى الحكم عليه بالوضع، كما ذهب إليه الحافظ ابن حجر في "القول المسدد"، وتبعه السيوطي في "اللآلىء" (٢/ ١٠٥-١٠٦) ، وابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/ ٢٢٨-٢٢٩) ، وذلك لأن له طرقاً أخرى، قد ملت من أجلها إلى تحسينه؛ كما تراه مخرجاً في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٦٧٣) . ولذلك؛ فقد أخطأ الشيخ علي القاري في قوله - في كتابه "المصنوع في معرفة الحديث الموضوع" في هذا الحديث -: "لا أصل له"! ومر عليه محقق الكتاب الشيخ أبو غدة، فلم يعلق عليه بشيء! ووجه الخطأ: أن هذا يقول - "لا أصل له" -؛ إنما يراد به عند المتأخرين أنه لا إسناد له! فكيف يقال هذا؛ والحديث له عدة أسانيد؛ أحدها عند البخاري في "التاريخ الصغير"؟! ثم إن هذا الطرف من الحديث ليس على ظاهره؛ لمخالفته لقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ، ولذلك تأولوه على وجوه؛ ذكرت بعضها في الموضع المشار إليه من "الصحيحة". قلت: ولعل الطرف الآخر من الحديث أصله من الإسرائيليات، فرفعه بعض الضعفاء قصداً أو سهواً؛ فقد ذكر السيوطي أن عبد الرزاق روى عن ابن التيمي قال: حدثني الربعي - وكان عندنا مثل وهب عندكم - أنه قرأ في بعض الكتب:

стр. 6472

إن ولد الزنى لا يدخل الجنة إلى سبعة آباء! ٤٨٥٣ - (من حاز شيئاً عشر سنين؛ فهو له) . ضعيف أخرجه عبد الله بن وهب في "موطئه": عن عبد الجبار بن عمر الأيلي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ . وقال عبد الجبار: وحدثني عبد العزيز بن المطلب عن زيد بن أسلم عن النبي ﷺ مثله. ذكره الشيخ أبو الفيض أحمد الغماري في كتابه "مسالك الدلالة في تخريج أحاديث "الرسالة" لابن أبي زيد القيرواني" (ص ٣٣١ - مطبعة دار العهد الجديد) ؛ كما نقله إلي كتابة - بتاريخ ٢٣/ ١/ ١٣٩٥ هـ - أحد الطلاب في كلية الشريعة - قسم الدراسات العليا الشرعية في مكة المكرمة؛ نقلاً عن الشيخ حماد الأنصاري المدرس، كتب يطلب إعطاءه حكمي على هذا الحديث؛ لأنه في صدد البحث في مسألة "وضع اليد المدة الطويلة"! وجواباً عليه أقول: إنه حديث ضعيف عندي؛ لأنه مرسل من الوجهين، وكل من المرسلين مدني؛ فلا يقوي أحدهما الآخر؛ لاحتمال أن يكون شيخهما تابعياً واحداً. على أن مدار الإسناد إليهما على عبد الجبار بن عمر الأيلي؛ وهو ضعيف؛ كما جزم به الحافظ، تبعاً لجمع من الأئمة؛ بل إن بعضهم ضعفه جداً، فقال محمد بن يحيى الذهلي: "ضعيف جداً". وقال النسائي: "ليس بثقة". وقال الدارقطني:

стр. 6473

"متروك". على أن عبد الجبار هذا قد روى عن شيخه ربيعة ما يعود على الحديث بالنقض؛ فقال: قال ربيعة: إذا كان الرجل حاضراً، وماله في يد غيره، فمضت له عشر سنين وهو على ذلك؛ كان المال للذي هو في يده بحيازته إياه عشر سنين؛ إلا أن يأتي الآخر ببينة على أنه أكرى أو أسكن أو أعار عارية، أو صنع شيئاً من هذا، وإلا فلا شيء له". نقله من سبق عن الغماري. فأقول: إذا كان المدار على البينة ولو بعد عشر سنين؛ فالأمر كذلك قبلها، فما فائدة التحديد بالعشر؟! فتأمل! ٤٨٥٤ - (اجمعوا له العالمين - أو قال: العابدين - من المؤمنين، اجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد) . ضعيف منكر أخرجه ابن عبد البر في "الجامع" (٢/ ٥٩) من طريق إبراهيم ابن أبي الفياض البرقي قال: حدثنا سليمان بن بزيع (١) الإسكندراني قال: حدثنا مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب قال: قلت: يا رسول الله! الأمر ينزل بنا؛ لم ينزل فيه قرآن، ولم تمض منك فيه سنة؟ قال ... فذكره. وقال: "هذا حديث لا يعرف من حديث مالك بهذا الإسناد، ولا أصل له في

стр. 6474

حديث مالك عندهم ولا في حديث غيره. وإبراهيم البرقي وسليمان بن بزيع ليسا بالقويين، ولا ممن يحتج به، ولا يعول عليه". قلت: وسليمان بن بزيع؛ قال أبو سعيد بن يونس: "منكر الحديث"؛ كما في "الميزان". وساق له في "اللسان" هذا الحديث من طريق ابن عبد البر، ونقل كلامه، ثم قال: "قلت: وقال الدارقطني في "غرائب مالك": لا يصح؛ تفرد به إبراهيم بن أبي الفياض عن سليمان، ومن دون مالك ضعيف. وساقه الخطيب في كتاب "الرواة عن مالك" من طريق إبراهيم عن سليمان وقال: لا يثبت عن مالك". قلت: وإبراهيم بن أبي الفياض؛ قال أبو سعيد بن يونس: "روى عن أشهب مناكير، توفي سنة (٢٤٥) ". ومن طريقه: أخرجه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ٣٩١) أيضاً. قلت: وفي قول ابن عبد البر المتقدم: "ولا في حديث غيره" - يعني: مالكاً - نظر! فقد تقدم نحوه من حديث غيره مختصراً بإسناد معضل، فانظر الحديث (رقم ٨٨٢) : "لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها ... ". بل رواه بتمامه نحو حديث الترجمة: الطبراني في "المعجم الأوسط" (جـ٢/ ص ١٧٢/ ١٦١٨) من طريق أخرى بسند رجاله ثقات عن الوليد بن صالح عن محمد ابن الحنيفة عن علي قال:

стр. 6475

قلت: يا رسول الله! إن نزل بنا أمر ليس فيه بيان: أمر ولا نهي؛ فما تأمرنا؟ قال: "تشاورون الفقهاء والعابدين، ولا تمضوا فيه رأي خاصة". وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الوليد بن صالح إلا نوح". قلت: الوليد مجهول؛ لم يرو عنه سوى نوح بن قيس. ومع ذلك؛ ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٤٩١ و ٧/ ٥٥١) ! وهو مما يستدرك على الحافظ ابن حجر؛ فإنه لم يورده في "لسان الميزان" خلافاً لعادته الغالبة! ولما أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"؛ قال (١/ ١٧٩) : "رواه الطبراني في "الأوسط"، ورجاله موثقون من أهل (الصحيح) "! قلت: وفيه نظر من وجهين: الأول: أن الوليد بن صالح؛ توهم الهيثمي أنه الوليد بن صالح النخاس الضبي أبو محمد الجزري، وهو ثقة من رجال الشيخين! وليس به؛ وإنما هو الوليد ابن صالح الذي روى عنه نوح بن قيس؛ كما ذكر ذلك ابن حبان نفسه في "الثقات" كما تقدم؛ وكذلك فعل قبله الإمام البخاري في "التاريخ"، وابن أبي حاتم في "الجرح". والآخر: أنه مجهول لا يعرف؛ كما تقدم. وتوثيق ابن حبان إياه مما لا يعتد به في مثل الوليد بن صالح هذا. وقد اغتر بكلام الهيثمي هذا: الدكتور عبد المجيد السوسوه الشرفي في كتابه "الاجتهاد الجماعي في التشريع الإسلامي" (ص ٥٠) ؛ فإنه نقله وسكت عليه!

стр. 6476

ولا غرابة في ذلك؛ فإنه يبدو من تخريجه لأحاديث الكتاب أنه لا معرفة عنده بعلم الحديث ونقد الأسانيد، كما هي السمة الغالبة على جماهير الكتاب الإسلاميين الذين يكتبون في الأحكام الشرعية. ومما يؤيد ذلك: أمور كثيرة لا مجال للبحث فيها الآن؛ فأكتفي بمثالين فقط: الأول: أن هذا الحديث الذي عزاه للطبراني - نقلاً عن الهيثمي بالجزء والصفحة -؛ ذكره بلفظ حديث الترجمة، وهو مخالف للفظ الحافظ الطبراني كما تقدم. والآخر: أنه أورد حديث: "عليكم بالسواد الأعظم". وقال أيضاً (ص ٩٥) : "قال الهيثمي: "رواه الطبراني، ورجاله ثقات، مجمع الزوائد، كتاب الخلافة، باب لزوم الجماعة (٥/ ٢١٩) ""! قلت: إنما قال الهيثمي (٥/ ٢١٧-٢١٨) - وقد ساقه موقوفاً عقب حديث سأذكره قريباً -: "رواه عبد الله بن أحمد، والبزار، والطبراني، ورجالهم ثقات". قلت: والسياق لعبد الله بن أحمد (٤/ ٢٧٨،٣٧٥) . وفي سنده يحيى بن عبد ربه مولى بني هاشم؛ وهو متهم، وكذا وقع في "المسند": (عبد ربه) ! والصواب (عبد ويه) ، كما جزم به الحافظ في "التعجيل"، وله فيه ترجمة مبسطة. وقال الذهبي في "الميزان":

стр. 6477

"قال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال مرة: كذاب". قلت: ومنه يتبين لنا خطأ الهيثمي من جهة، وخطأ الدكتور عبد المجيد الشرفي عليه من جهة أخرى. أما الأول: ففي عزوه الحديث للبزار؛ فإنه ليس فيه هذه الجملة: "عليكم بالسواد الأعظم" ولا ما بعدها؛ على ما يأتي؛ فإن لفظ الحديث من رواية المولى المذكور: "من لم يشكر القليل؛ لم يشكر الكثير ... " الحديث، وفيه: "والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب". قال: فقال أبو أمامة الباهلي: عليكم بالسواد الأعظم. قال: فقال رجل: ما السواد الأعظم؟ فنادى أبو أمامة: هذه الآية التي في سورة النور (فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم) . فهذه الزيادة كلها ليست عند البزار، ولا أظنها كذلك عند الطبراني؛ فإن (مسند (١) النعمان بن بشير) لم يطبع منه بعد! وإذ قد عزاه للبزار - وهو عنده بهذا الاختصار "البحر الزخار" (٨/ ٢٢٦/ ٣٢٨٢) -؛ فقد كان الأولى أن يعزوه للإمام أحمد أيضاً؛ فإنه رواه في "المسند" في المكانين المشار إليهما عند ابنه عبد الله! ومن المفارقات العجيبة، والموافقات الغريبة: أن الحافظ المنذري في

стр. 6478

"الترغيب" (٢/ ٥٦) وافق الهيثمي في عزو الحديث لعبد الله بن أحمد دون أبيه، لكنه في الوقت نفسه فارقه في متنه؛ فإنه ساقه بلفظ أحمد دون ابنه!! هذا ما يتعلق بخطأ الهيثمي. وأما ما يتعلق بخطأ الدكتور عبد المجيد عليه؛ فهو من ناحيتين: الأولى: أنه عزا الحديث إليه مرفوعاً، وهو عنده موقوف كما رأيت. والأخرى: أنه عزاه للطبراني، وهو عنده معزو لعبد الله بن أحمد، والبزار أيضاً، وقد عرفت ما في ذلك من الخطأ! على أن هذا الموقوف قد روي مرفوعاً من غير هذه الطريق بأسانيد واهية، تراها مخرجة في "ظلال الجنة" تحت رقم (٨٠) (١) . وخطؤه هذا يجرني إلى الكشف عن بعض أخطائه في الفقه الذي عنون له: "الاجتهاد الجماعي في التشريع الإسلامي" كما تقدم، وقد استعان فيه بالنقل عن بعض العلماء والكتاب والدكاترة المعاصرين الذين سبقوه بالدندنة حول هذا الموضوع، مثل الشيخ عبد الوهاب خلاف، والدكتور يوسف القرضاوي، والزحيلي، وأمثالهم، وقد كنت قديماً قرأت لبعضهم بعض المقالات في هذا المجال، والذي يهمني الآن - بمناسبة حديث الترجمة - الأمور التالية: أولاً: عرف الدكتور الشرفي الاجتهاد الجماعي في الكتاب بقوله (ص ٤٦) :

стр. 6479

"استفراغ أغلب الفقهاء الجهد لتحصيل ظن بحكم شرعي بطريق الاستنباط، واتفاقهم جميعاً أو أغلبهم على الحكم بعد التشاور"! وعزاه لجمع من الأصوليين المتأخرين، ونقل عن السبكي: أن الفقيه عندهم هو المجتهد، والفقه هو الاجتهاد (ص ٤٥) ! فأقول: هذا شيء جميل ومهم لو كان ممكناً تحقيقه، وأما وقد جاء بقيدين - أحدهما أبعد عن الإمكان من الآخر -؛ فإن قوله: "أغلب الفقهاء"! كيف يمكن اليوم معرفتهم مع تفريقهم في البلاد الإسلامية الشاسعة؟! ثم كيف يمكن جمعهم في مكان واحد حتى يتشاوروا في الحكم؟! على أن قوله: "واتفاقهم جميعاً"؛ فهذا أبعد عن التحقيق من الذي قبله، خاصة في هذا الزمن الذي قل فيه المجتهدون اجتهاداً فردياً مع توفر شروط الاجتهاد؛ التي تكلم عنها كلاماً جيداً الدكتور الشرفي (ص ٦٣-٧٠) ! ولعله لذلك أتبعه بقوله معطوفاً عليه: "أو أغلبهم"! فهذا الاجتهاد الجماعي أشبه ما يكون بالاجتهاد الفردي المجمع عليه في تعريف علماء الأصول، وأصعب تحقيقاً. ثانياً: لو أمكن تحقيق مثل هذا الاجتهاد؛ لكان - في زعمي - البحث فيه سابقاً لأوانه، وذلك لعدم وجود خليفة للمسلمين يأخذ بحكمهم إذا اتفقوا، وهذا - مع الأسف الشديد - شرط مفقود في زمننا هذا! ثالثاً: لماذا الاهتمام ببذل الجهود لتحقيق "الاجتهاد الجماعي"، والاهتمام البالغ بالدعوة إليه؛ مع أنه فرع يبنى على الكتاب والسنة؛ لأنهما الأصلان في الشريعة الإسلامية اتفاقاً؟! ومن المعلوم أن القرآن الكريم تفسره السنة (١) ، والسنة قد

стр. 6480

دخل فيها ما ليس منها من الأحاديث المنكرة والواهية، مما هو معلوم أيضاً عند العلماء كافة! وقد نقل الدكتور نفسه - تحت الشرط الثالث من شروط صحة الاجتهاد: (معرفة السنة) (ص ٦٥) - عن الشوكاني أنه قال: "والحق الذي لا شك فيه ولا شبهة أن المجتهد لا بد أن يكون عالماً بما اشتملت عليه المسانيد والمستخرجات، والكتب التي التزم مصنفوها الصحة ... وأن يكون له تمييز بين الصحيح منها والحسن والضعيف، ولو بالبحث في كتب الجرح والتعديل وكتب العلل؛ ومجاميع السنة التي صنفها أهل الفن؛ كالأمهات الستة، وما يلحق بها". قلت: فلماذا لا يهتم هؤلاء العلماء والكتاب بالدعوة إلى إقامة مؤتمر يجتمع فيه ما أمكن من المحدثين المعروفين بتخصصهم في علم الحديث الشريف، وقدرتهم على تمييز صحيحه من ضعيفه؛ لأن هؤلاء - وإن اختلفوا في بعض الأحاديث، كما هو الشأن في (الاجتهاد الجماعي) -؛ فلا شك أنهم سيتفقون على أكثر الأحاديث تصحيحاً أو تضعيفاً؟! وهذا شرط أساسي للاجتهاد، فيمكن - والحالة هذه - أن يؤخذ برأي الأكثر؛ لأنه - بلا شك، كما قال الدكتور نفسه في غير ما موضع من بحثه - أن رأي الاثنين خير من رأي الواحد أو أقوى منه. وأنا أستغرب جداً ألا أرى أحداً من هؤلاء الباحثين والكاتبين يشير - أدنى إشارة على الأقل - إلى هذا الأصل المجمع عليه بين المسلمين، وانشغالهم بالفرع عن الأصل! وهذا إن دل على شيء - كما يقولون اليوم -؛ فإنما يدل على إهمال جماهير الكتاب في العصر الحاضر - حول المسائل الشرعية قديمها وحديثها - الاهتمام في استدلالهم بالسنة بما صح منها دون ما ضعف، فأحسنهم حالاً هو الذي يذكر الحديث ويخرجه بأن يقول: رواه فلان وفلان، دون أن يبين مرتبته من
следующие страницы →