← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 12762

سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (11 273 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

ولا غرابة في ذلك؛ فإنه يبدو من تخريجه لأحاديث الكتاب أنه لا معرفة عنده بعلم الحديث ونقد الأسانيد، كما هي السمة الغالبة على جماهير الكتاب الإسلاميين الذين يكتبون في الأحكام الشرعية. ومما يؤيد ذلك: أمور كثيرة لا مجال للبحث فيها الآن؛ فأكتفي بمثالين فقط: الأول: أن هذا الحديث الذي عزاه للطبراني - نقلاً عن الهيثمي بالجزء والصفحة -؛ ذكره بلفظ حديث الترجمة، وهو مخالف للفظ الحافظ الطبراني كما تقدم. والآخر: أنه أورد حديث: "عليكم بالسواد الأعظم". وقال أيضاً (ص ٩٥) : "قال الهيثمي: "رواه الطبراني، ورجاله ثقات، مجمع الزوائد، كتاب الخلافة، باب لزوم الجماعة (٥/ ٢١٩) ""! قلت: إنما قال الهيثمي (٥/ ٢١٧-٢١٨) - وقد ساقه موقوفاً عقب حديث سأذكره قريباً -: "رواه عبد الله بن أحمد، والبزار، والطبراني، ورجالهم ثقات". قلت: والسياق لعبد الله بن أحمد (٤/ ٢٧٨،٣٧٥) . وفي سنده يحيى بن عبد ربه مولى بني هاشم؛ وهو متهم، وكذا وقع في "المسند": (عبد ربه) ! والصواب (عبد ويه) ، كما جزم به الحافظ في "التعجيل"، وله فيه ترجمة مبسطة. وقال الذهبي في "الميزان":

стр. 6477

"قال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال مرة: كذاب". قلت: ومنه يتبين لنا خطأ الهيثمي من جهة، وخطأ الدكتور عبد المجيد الشرفي عليه من جهة أخرى. أما الأول: ففي عزوه الحديث للبزار؛ فإنه ليس فيه هذه الجملة: "عليكم بالسواد الأعظم" ولا ما بعدها؛ على ما يأتي؛ فإن لفظ الحديث من رواية المولى المذكور: "من لم يشكر القليل؛ لم يشكر الكثير ... " الحديث، وفيه: "والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب". قال: فقال أبو أمامة الباهلي: عليكم بالسواد الأعظم. قال: فقال رجل: ما السواد الأعظم؟ فنادى أبو أمامة: هذه الآية التي في سورة النور (فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم) . فهذه الزيادة كلها ليست عند البزار، ولا أظنها كذلك عند الطبراني؛ فإن (مسند (١) النعمان بن بشير) لم يطبع منه بعد! وإذ قد عزاه للبزار - وهو عنده بهذا الاختصار "البحر الزخار" (٨/ ٢٢٦/ ٣٢٨٢) -؛ فقد كان الأولى أن يعزوه للإمام أحمد أيضاً؛ فإنه رواه في "المسند" في المكانين المشار إليهما عند ابنه عبد الله! ومن المفارقات العجيبة، والموافقات الغريبة: أن الحافظ المنذري في

стр. 6478

"الترغيب" (٢/ ٥٦) وافق الهيثمي في عزو الحديث لعبد الله بن أحمد دون أبيه، لكنه في الوقت نفسه فارقه في متنه؛ فإنه ساقه بلفظ أحمد دون ابنه!! هذا ما يتعلق بخطأ الهيثمي. وأما ما يتعلق بخطأ الدكتور عبد المجيد عليه؛ فهو من ناحيتين: الأولى: أنه عزا الحديث إليه مرفوعاً، وهو عنده موقوف كما رأيت. والأخرى: أنه عزاه للطبراني، وهو عنده معزو لعبد الله بن أحمد، والبزار أيضاً، وقد عرفت ما في ذلك من الخطأ! على أن هذا الموقوف قد روي مرفوعاً من غير هذه الطريق بأسانيد واهية، تراها مخرجة في "ظلال الجنة" تحت رقم (٨٠) (١) . وخطؤه هذا يجرني إلى الكشف عن بعض أخطائه في الفقه الذي عنون له: "الاجتهاد الجماعي في التشريع الإسلامي" كما تقدم، وقد استعان فيه بالنقل عن بعض العلماء والكتاب والدكاترة المعاصرين الذين سبقوه بالدندنة حول هذا الموضوع، مثل الشيخ عبد الوهاب خلاف، والدكتور يوسف القرضاوي، والزحيلي، وأمثالهم، وقد كنت قديماً قرأت لبعضهم بعض المقالات في هذا المجال، والذي يهمني الآن - بمناسبة حديث الترجمة - الأمور التالية: أولاً: عرف الدكتور الشرفي الاجتهاد الجماعي في الكتاب بقوله (ص ٤٦) :

стр. 6479

"استفراغ أغلب الفقهاء الجهد لتحصيل ظن بحكم شرعي بطريق الاستنباط، واتفاقهم جميعاً أو أغلبهم على الحكم بعد التشاور"! وعزاه لجمع من الأصوليين المتأخرين، ونقل عن السبكي: أن الفقيه عندهم هو المجتهد، والفقه هو الاجتهاد (ص ٤٥) ! فأقول: هذا شيء جميل ومهم لو كان ممكناً تحقيقه، وأما وقد جاء بقيدين - أحدهما أبعد عن الإمكان من الآخر -؛ فإن قوله: "أغلب الفقهاء"! كيف يمكن اليوم معرفتهم مع تفريقهم في البلاد الإسلامية الشاسعة؟! ثم كيف يمكن جمعهم في مكان واحد حتى يتشاوروا في الحكم؟! على أن قوله: "واتفاقهم جميعاً"؛ فهذا أبعد عن التحقيق من الذي قبله، خاصة في هذا الزمن الذي قل فيه المجتهدون اجتهاداً فردياً مع توفر شروط الاجتهاد؛ التي تكلم عنها كلاماً جيداً الدكتور الشرفي (ص ٦٣-٧٠) ! ولعله لذلك أتبعه بقوله معطوفاً عليه: "أو أغلبهم"! فهذا الاجتهاد الجماعي أشبه ما يكون بالاجتهاد الفردي المجمع عليه في تعريف علماء الأصول، وأصعب تحقيقاً. ثانياً: لو أمكن تحقيق مثل هذا الاجتهاد؛ لكان - في زعمي - البحث فيه سابقاً لأوانه، وذلك لعدم وجود خليفة للمسلمين يأخذ بحكمهم إذا اتفقوا، وهذا - مع الأسف الشديد - شرط مفقود في زمننا هذا! ثالثاً: لماذا الاهتمام ببذل الجهود لتحقيق "الاجتهاد الجماعي"، والاهتمام البالغ بالدعوة إليه؛ مع أنه فرع يبنى على الكتاب والسنة؛ لأنهما الأصلان في الشريعة الإسلامية اتفاقاً؟! ومن المعلوم أن القرآن الكريم تفسره السنة (١) ، والسنة قد

стр. 6480

دخل فيها ما ليس منها من الأحاديث المنكرة والواهية، مما هو معلوم أيضاً عند العلماء كافة! وقد نقل الدكتور نفسه - تحت الشرط الثالث من شروط صحة الاجتهاد: (معرفة السنة) (ص ٦٥) - عن الشوكاني أنه قال: "والحق الذي لا شك فيه ولا شبهة أن المجتهد لا بد أن يكون عالماً بما اشتملت عليه المسانيد والمستخرجات، والكتب التي التزم مصنفوها الصحة ... وأن يكون له تمييز بين الصحيح منها والحسن والضعيف، ولو بالبحث في كتب الجرح والتعديل وكتب العلل؛ ومجاميع السنة التي صنفها أهل الفن؛ كالأمهات الستة، وما يلحق بها". قلت: فلماذا لا يهتم هؤلاء العلماء والكتاب بالدعوة إلى إقامة مؤتمر يجتمع فيه ما أمكن من المحدثين المعروفين بتخصصهم في علم الحديث الشريف، وقدرتهم على تمييز صحيحه من ضعيفه؛ لأن هؤلاء - وإن اختلفوا في بعض الأحاديث، كما هو الشأن في (الاجتهاد الجماعي) -؛ فلا شك أنهم سيتفقون على أكثر الأحاديث تصحيحاً أو تضعيفاً؟! وهذا شرط أساسي للاجتهاد، فيمكن - والحالة هذه - أن يؤخذ برأي الأكثر؛ لأنه - بلا شك، كما قال الدكتور نفسه في غير ما موضع من بحثه - أن رأي الاثنين خير من رأي الواحد أو أقوى منه. وأنا أستغرب جداً ألا أرى أحداً من هؤلاء الباحثين والكاتبين يشير - أدنى إشارة على الأقل - إلى هذا الأصل المجمع عليه بين المسلمين، وانشغالهم بالفرع عن الأصل! وهذا إن دل على شيء - كما يقولون اليوم -؛ فإنما يدل على إهمال جماهير الكتاب في العصر الحاضر - حول المسائل الشرعية قديمها وحديثها - الاهتمام في استدلالهم بالسنة بما صح منها دون ما ضعف، فأحسنهم حالاً هو الذي يذكر الحديث ويخرجه بأن يقول: رواه فلان وفلان، دون أن يبين مرتبته من

стр. 6481

الصحة! والسبب واضح؛ وهو أنهم (لا يعلمون) ، ولكن هذا ليس عذراً لهم؛ لأن بإمكانهم أن يستعينوا بأهل الاختصاص من المعروفين بتخصصهم في علم الحديث، والعارفين بصحيحه وضعيفه، سواء كانوا من الأئمة السابقين كالإمام أحمد والبخاري ومسلم ونحوهم، أو من الحفاظ اللاحقين كالحافظ الزيلعي والذهبي والعراقي والعسقلاني وأمثالهم. كما ذكر الدكتور الباحث؛ في الذين يقترح حضورهم في مؤتمر (الاجتهاد الجماعي) ، فقد ذكر (ص ٧٤) : "بأنه لا يشترط في كل فرد منهم أن يكون عالماً بالشرع، فيكون منهم الاقتصادي والعسكري والسياسي والاجتماعي ونحوه (١) ... فهذه المجموعة يتشاورون مع بعضهم؛ كل في حدود اختصاصه ومجاله، ثم يصدرون حكماً يعتمدونه"! قلت: فأولى بهؤلاء الكتاب والباحثين في العصر الحاضر أن يلتزموا ما هو أهم من حضور الاقتصادي والسياسي في المؤتمر المنشود، ألا وهو استحضارهم لأهل الاختصاص في الحديث، والاعتماد عليهم في تصحيحهم وتضعيفهم، وليس الإعراض عن ثمرة علم الحديث بالاكتفاء بما أشرت إليه آنفاً من تخريجهم للحديث دون بيان المرتبة! وقد أشار الدكتور عبد المجيد (ص ٦٥) إلى شيء من هذا بقوله:

стр. 6482

"ويلزم المجتهد أن يكون على علم بمصطلح الحديث ورجاله، ولا يجب أن يكون في درجة أهل الفن - فن الحديث - أنفسهم، وإنما يكفيه أن يعتمد على ما انتهى إليه أهل هذا الفن"! فأنت ترى أنه أعرض عن ذكر حضورهم مع ذكرهم من الاقتصاديين وغيرهم، فجعلهم دونهم في شرطية الحضور، مع أنهم هم العمدة قبل كل ما أشرنا إليهم؛ وغيرهم ممن ذكرهم معهم؛ فإن في حضورهم ما يكشف عن علل بعض الأحاديث التي لا يعرفها - أو على الأقل: لا ينتبه لها - إلا المختصون في الحديث. ولا أذهب بالقراء بعيداً؛ فهذا هم المثال بين أيديهم؛ لقد استدل الدكتور الشرفي بحديث الترجمة؛ وحديث: "السواد الأعظم"، وهما واهيان كما تقدم. قد يقال: إنه اعتمد على الهيثمي في تخريجه. لكن خفي على الدكتور أن ذلك لا يعني أن كلاً من الحديثين صحيح، على أخطاء وقعت له وللدكتور سبق بيانها. ومثله كثير ممن يتوهم من مثل هذا التخريج تصحيح الحديث؛ وليس كذلك، كما بينته في غير ما موضع من كتبي، فانظر مثلاً مقدمة "صحيح الترغيب والترهيب" من المجلد الأول؛ وقد سبق أن طبع مرتين، وهو تحت الطبع مجدداً، مع إضافات كثيرة وفوائد غزيرة مع بقية المجلدات، وسيكون ذلك بين القراء قريباً، إن شاء الله (١) . على أن الدكتور غفل عن دلالة قوله في الحديث:

стр. 6483

"لا تقضوا فيه برأي واحد"؛ أنه منكر لمخالفته للإجماع العملي الذي سار عليه العلماء والقضاة من الإفتاء والقضاء برأي العالم الواحد في القرون الأولى المشهود لها بالخيرية! والآثار في ذلك كثيرة شهيرة،ذكر الكثير الطيب منها الإمام ابن قيم الجوزية في شرحه لكتاب عمر إلى القاضي شريح في كتابه العظيم "إعلام الموقعين عن رب العالمين". بل أن الحديث هذا يبطل الاجتهاد الجماعي من حيث لا يدري الدكتور ولا يشعر، مع أنه اشترط في غير ما موضع أن يكون أعضاء (الاجتهاد الجماعي) الذين لهم حق الترجيح مجتهدين،ولو اجتهاداً جزئياً على الأقل! انظر (ص ١٠٦،١٠٧،١٢٧) . على أنني أرى أن هذا الشرط - مع كونه شرطاً أساسياً للاجتهاد- يستلزم معرفة السنة، وتمييز صحيحها من ضعيفها كما قدمنا، والتفقه فيها؛ ولكن أكثر هؤلاء الدكاترة والكتاب - مع الأسف - لا عناية عندهم بشيء من هذا. وأضرب على ذلك مثلاً في مسألة اتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على تحريمها، ألا وهي الغناء وآلات الطرب، يحضرني الآن منهم ثلاثة من المشهورين في العصر الحاضر بأنهم من العلماء: أولهم: الشيخ محمد أبو زهرة؛ حيث قال: "إذا لم يكن في الغناء ما يثير الغريزة الجنسية؛ فإننا لا نجد موجباً لتحريمه"! وثانيهم: الشيخ محمد الغزالي - وقد توفي قبل شهور غفر الله له -؛ فإنه جرى على منوال أبي زهرة هذا، بل وتوسع في ذلك كثيراً، واستدل بأحاديث ضعيفة، وضعف الأحاديث الصحيحة في التحريم وغيره مما اتفق العلماء على صحتها،

стр. 6484

وبعضها في "الصحيحين"؛ حتى إنه لم يخجل أن يصرح بأنه يستمع لأغاني أم كلثوم وفيروز، لكن بنية حسنة!!! ثالثهم: الشيخ يوسف القرضاوي؛ الذي لم يتورع بأن يحكم على حديث البخاري في تحريم آلات الطرب بأنه موضوع؛ تقليداً منه لابن حزم، مع اتفاق علماء الحديث قديماً وحديثاً على تصحيحه، والرد على ابن حزم بأدلة قوية لا مرَّد لها (١) ، هذا مع أنه يردد كثيراً في بحثه في الاجتهاد الجماعي: أن رأي الاثنين أقوى من رأي الواحد، فما باله خالف هذا، وأعرض عن الحجج الصحيحة، وتبنى تحليل ما حرم الله على لسان رسول الله ﷺ ؟! لذلك أقول: إن تحمس هؤلاء للاجتهاد الجماعي - وهم لا يحسنون الاجتهاد الفردي - سابق لأوانه، وسيكون شره أكثر من خيره!! ولذلك؛ فإني أنصح هؤلاء بأن يتمرسوا على الاجتهاد الفردي؛ تمهيداً لما يدعون إليه من الاجتهاد الجماعي، علماً بأن الأول أسهل من الآخر بكثير؛ فإنهم سيجدون فيه ما قيل في المسألة، وما استدل لكل قول فيها، بخلاف الاجتهاد الجماعي؛ فإنه يصرحون بأن مجاله ما حدث من المسائل التي لم يتكلم فيها العلماء السابقون؛ وذلك بدراسة الكتاب والسنة - على ما وصفنا - وأقوال السلف؛ فإنها نبراس يستضيء به من أراد فهم الكتاب والسنة على الوجه الصحيح. ولهذا قال الإمام محمد بن الحسن ﵀: "من كان عالماً بالكتاب والسن، وبقول أصحاب رسول الله ﷺ ، وبما

стр. 6485

استحسن فقهاء المسلمين؛ وسعه أن يجتهد رأيه فيما ابتلي به، ويقضي به ويمضيه في صلاته وصيامه وحجه، وجميع ما أمر به ونهي عنه، فإذا اجتهد ونظر وقاس على ما أشبه ولم يأل، وسعه العمل بذلك، وإن أخطأ الذي ينبغي أن يقول به"؛ كما في "إعلام الموقعين" (١/ ٧٥) . ونحوه قول الإمام الشافعي: "ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالماً بما مضى قبل من السنن وأقاويل السلف، وإجماع الناس واختلافهم". نقله الدكتور عبد المجيد (ص ٧٢) عن الشافعي في "الرسالة". وقد صرح الدكتور تحت عنوان: (شرط عضو الاجتهاد الجماعي) (ص ٧٣) ؛ واستنكر الرأي الذي ذهب القائل به إلى عدم اشتراط شروط الاجتهاد في أعضاء الاجتهاد الجماعي؛ فقال: "إذ كيف يجتهد وينظر في الأدلة ويستنبط الأحكام من ليس مجتهداً؟! "! قال: "وقد أشار الشيخ عبد الوهاب خلاف إلى هذا؛ فقال: ولا يسوغ الاجتهاد بالرأي لجماعة؛ إلا إذا توفرت في كل فرد من أفرادها شرائط الاجتهاد ومؤهلاته". وختاماً أقول: لقد كرروا الشكوى من الاجتهادات الفردية، التي يقوم بها من ليس أهلاً للاجتهاد، وهم على حق في ذلك، وقد قدمت بعض الأمثلة في ذلك قريباً، كما أنهم أبدوا تخوفهم من مثل ذلك أن يقع في الاجتهاد الجماعي، بل لقد أبدى بعضهم خوفه من تسلط بعض الدول الإسلامية، أو سلطات كبرى على "المجمع" وتعيين أعضائه، بل ذكر أن شيئاً من ذلك وقع في بعض المجامع الفقيهة وهي اليوم ثلاثة:

стр. 6486

١- مجمع البحوث الإسلامية؛ بالقاهرة. ٢- مجمع الفقه الإسلامي؛ بمكة المكرمة. ٣- مجمع الفقه الإسلامي؛ بجدة. فقال الدكتور عبد المجيد في أحد هذه المجامع (ص ١٤٠) : "إلا أن الشيخ مصطفى الرزقا يرى أن هذا المجمع "لا تدل قرائن الحال على جديته في تنفيذ الفكرة على الصورة الصحيحة المنشودة". ويعيب الدكتور توفيق الشاوي على هذا المجمع: أن الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي احتفظت لها بسلطات كبرى على المجمع وتعيين أعضائه، وحصرت حق المجمع في أن لا يعين أو يختار من أعضائه إلا فيما لا يزيد عن ربع عدد الأعضاء الذين يمثلون دولهم، وهذا جعل المراقبين يعتقدون أن الدول الأعضاء تحرص على فرض سيطرتها على المجمع، وتوجيه قراراته لصالح سياساتها، من خلال جعل الأعضاء المعينين من قبلها يصدرون ما تملي عليهم تلك الدول ... وكان ينبغي أن يتم اختيار الأعضاء عبر لجنة تحضيرية من العلماء يمثلون كل الدول، ولا يخضعون لأي نظام سياسي"!! وهذا الذي خافوه إذا توحدت هذه المجامع - كما يريدون - سيقع فيه من الضرر أكثر مما وقع من بعض الاجتهادات الفردية،ذلك؛ لأن هذه الاجتهادات لا تصبح قانوناً عاماً بالنسبة لكافة المسلمين، كما يريد دعاة الاجتهاد الجماعي أن يجعلوه قانوناً عاماً!! وليت شعري؛ ما الذي يشجع هؤلاء على الدعوة إلى إقامة مؤتمر الاجتهاد الجماعي وفرضه على الحكومات الإسلامية، وهم يعلمون أن أكثرها قد عطلت

стр. 6487

نصوصاً كثيرة ليست من مواطن النزاع؟! هذه النصوص التي تعنى بإقامة الحدود الشرعية على القاتل والزاني ونحو ذلك، فعطلوا صراحة قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) ! فهل يظنون أن مؤتمرهم سيكون له من الواقع في نفوس هؤلاء المعطلين أكثر من نصوص القرآن الكريم؟! وصدق الله العظيم إذ يقول: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ؛ سواء كانوا حكاماً أو محكومين!! ثم هل يملك هؤلاء الدعاة أن يحضر مؤتمرهم بعض الرافضة والإباضية والخوارج، وغيرهم ممن يسعى حثيثاً إلى تغيير الأحكام الشرعية، وجعلها متوائمة مع الحضارة الغربية التي غزت قلوبهم؟! والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ٤٨٥٥ - (الحزم؛ تستشير أهل الرأي ثم تطيعهم) . ضعيف رواه الحربي في "الغريب" (٥/ ٨٩/ ٢) عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن يوسف بن يعقوب عن أبي الصباح: أن رجلاً سأل النبي ﷺ : ما الحزم؟ قال: "تستشير ... ". قلت: وهذا إسناد مظلم؛ أبو الصباح: لم أعرفه. وكذا يوسف بن يعقوب. وعبد الرحمن بن أبي بكر؛ لعله ابن عبيد الله بن أبي مليكة، وهو ضعيف. ورواه ابن وهب في "الجامع" (ص ٤٦) : حدثني إبراهيم بن نشيط عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين قال:

стр. 6488

سئل رسول الله ﷺ عن الحزم؟ فقال: "تستشير الرجل ذا الرأي، ثم تمضي إلى ما أمرك به". وأخرجه البيهقي (١٠/ ١١٢) من طريق أبي داود في "مراسيله" عن ثور بن يزيد عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين به. قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات، لكنه معضل أو مرسل؛ فإن ابن أبي حسين هذا - وهو المكي النوفلي - تابعي صغير، روى عن أبي الطفيل، ونافع بن جبير، وغيرهما من التابعين. ولثور فيه إسناد آخر؛ يرويه المعافى بن عمران عنه عن خالد بن معدان قال: قال رجل: يا رسول الله! ما الحزم؟ ... الحديث. أخرجه البيهقي أيضاً من طريق أبي داود في "المراسيل". قلت: وإسناده شامي مرسل، ورجاله ثقات. وقد روي الحديث عن علي بن أبي طالب قال: سئل رسول الله ﷺ عن العزم؟ قال: "مشارة أهل الرأي؛ ثم اتباعهم". رواه ابن مردويه؛ يعني في "التفسير"؛ كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٢/ ٩٠) ؛ تبعاً لابن كثير في "تفسيره" (١/ ٤٢٠) ، وسكتا عن إسناده؛ وما أراه يصح، وليتهما ساقاه لننظر فيه، ونكشف عن علته! والحديث دليل لمن يقول اليوم بأن الشورى ملزمة للأمير بالأخذ بما أشاروا عليه: ويقول آخرون بأنها معلمة فقط، وهو الذي نراه موافقاً لما كان عليه السلف:

стр. 6489

فروى البيهقي (١٠/ ١١٢) عن زيد بن حباب عن عمر بن عثمان بن عبد الله ابن سعيد - وكان اسمه الصرم، فسماه رسول الله ﷺ سعيداً - قال: حدثني جدي قال: كان عثمان ﵁ إذا جلس على المقاعد؛ جاءه الخصمان فقال لأحدهما: اذهب ادع علياً، وقال للآخر: اذهب فادع طلحة والزبير، ونفراً من أصحاب النبي ﷺ ، ثم يقول لهما: تكلما. ثم يقبل على القوم فيقول: ما تقولون؟ فإن ما يوافق رأيه أمضاه، وإلا؛ نظر فيه بعد، فيقومان وقد سلماً. وعمر هذا؛ أورده ابن أبي حاتم (٣/ ١/ ١٢٤) ؛ إلا أنه سمى جده الأدنى: (عبد الرحمن) فقال: "روى عن أبيه. روى عنه زيد بن الحباب، ونسبه فقال: حدثنا عمر بن عثمان ابن عبد الرحمن بن سعيد المخزومي"؛ ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. وفيه الليث بن هارون أبو عتبة العكلي؛ الراوي عن زيد بن حباب، ولم أجد له ترجمة الآن. ثم روى البيهقي تحت: "باب: ما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي؛ فإنه غير جائز له أن يقلد أحداً من أهل دهره؛ ولا أن يحكم أو يفتي بالاستحسان"؛ روى (١٠/ ١١٥) عن مسلمة بن مخلد: أنه قام على زيد بن ثابت فقال: ابن عم! أكرهنا على القضاء؟ فقال زيد: اقض بكتاب الله ؛ فإن لم ين في كتاب الله؛ ففي سنة رسول الله ﷺ ، فإن لم يكن في سنة النبي ﷺ ؛ فادع أهل الرأي ثم اجتهد، واختر لنفسك ولا حرج. وإسناده صحيح.

стр. 6490

ولا ينافي هذا ما رواه في الباب نفسه - بإسناد أيضاً - عن عمر: أنه كان إذا أعياه الأمر أن يجد في القرآن والسنة؛ نظر هل كان لأبي بكر ﵁ فيه قضاء، فإن وجد أبا بكر ﵁ قد قضى فيه بقضاء؛ قضى به؛ وإلا دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم، فإذا اجتمعوا على الأمر قضى بينهم. فإنه محمول على أنه حصلت له القناعة بإجماعهم أو بقضاء أبي بكر، لا أنه حكم بخلاف اجتهاده؛ فإن هذا غير جائز؛ كما أشار إلى ذلك البيهقي في ترجمته بالباب. وعلى ذلك يحمل أيضاً متابعة النبي ﷺ ناساً من أصحابه رأوا الخروج لقتال المشركين بأحد، وكان رأيه ﷺ أن يقيم بالمدينة فيقاتلهم فيها، فرأى ﷺ أن الحكمة تقتضي متابعتهم على رأيهم، ومن الدليل على ذلك أنهم لما ندموا وقالوا: يا رسول الله! أقم فالرأي رأيك! خالفهم ولم يتابعهم على قولهم وخرج. والقصة معروفة في كتب السيرة، وراجع لها - إن شئت - "البداية" (٤/ ١١) . ٤٨٥٦ - (إنا لنكشر في وجوه أقوام ونضحك إليهم، وإن قلوبنا لتلعنهم) . ليس بحديث (١) وبيض له العجلوني (٦٢٥) ، وإنما هو من قول أبي الدرداء موقوفاً عليه، وعلقه البخاري بصيغة التمريض فقال - في "باب المداراة مع الناس" من "كتاب الأدب" -:

стр. 6491

"ويذكر عن أبي الدرداء: إنا ... "؛ فذكره دون قوله: "ونضحك إليهم". وقال الحافظ في "الفتح" (١٠/ ٤٣٨) : "وصله ابن أبي الدنيا، وإبراهيم الحربي في "غريب الحديث"، والدينوري في "المجالسة" من طريق أبي الزاهرية عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء فذكر مثله؛ وزاد: "ونضحك إليهم"، وذكره بلفظ اللعن. ولم يذكر الدينوري في إسناده جبير بن نفير. ورويناه في "فوائد أبي بكر المقري" من طريق كامل أبي العلاء. عن أبي صالح عن أبي الدرداء قال: إنا لنكشر أقواماً ... فذكره مثله؛ وهو منقطع. وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" من طريق خلف بن حوشب قال: قال أبو الدرداء ... فذكر اللفظ المعلق سواءً، وهو منقطع أيضاً. والكشر - بالشين المعجمة وفتح أوله - ظهور الأسنان، وأكثر ما يطلق عند الضحك، والاسم الكشرة؛ كالعشرة". قلت: الطريق الأولى؛ أخرجها أيضاً أبو الشيخ في "طبقات الأصبهانيين" (ص ٢٧٢ - ٢٧٣ - مخطوطة الظاهرية) من طريق الأحوص بن حكيم عن أبي الزاهرية به. وهو في "الحلية" (١/ ٢٢٢) موقوفاً كما ذكره الحافظ. وأوهم السخاوي في "المقاصد" (ص ٩٩) أنه مرفوع، فقال: "حديث: "إنا لنكشر ... "؛ وهو في ترجمة (أبي الدرداء) من "الحلية" ... "! والعجلوني أورده بلفظ: "إنا لنبش ... ". وأورده الميداني في "مجمع الأمثال" (١/ ٥٩/ ٢٧٤) باللفظ الأول، فعلق عليه محققه محمد محيي الدين بقوله: "كذا! وأظنه: إنا لنبش"!!

стр. 6492

٤٨٥٧ - (تياسروا في الصداق؛ إن الرجل يعطي المرأة حتى يبقى ذلك في نفسه عليها حسيكة، وحتى يقول: ما جئتك حتى سقت إليك علق القربة) (١) . ضعيف أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (٦/ ١٧٤/ ١٠٣٩٨) : أخبرنا ابن جريج قال: حدثني ابن أبي الحسين أن النبي ﷺ قال ... فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف، ورجاله ثقات رجال الشيخين، ولكنه معضل أو مرسل؛ فإن ابن أبي الحسين - واسمه عبد الله بن عبد الرحمن المكي - مشهور بالرواية عن التابعين؛ أمثال نافع بن جبير بن مطعم ومجاهد وعكرمة وغيرهم، ولم يذكروا له رواية عن أحد من الصحابة؛ سوى أبي الطفيل عامر بن واثلة، وهو من صغارهم، ولد عام أحد، وهو آخر من مات من الصحابة.

стр. 6493

٤٨٥٨ - (لما نزل عليه الوحى بـ (حراء) ؛ مكث أياماً لا يرى جبريل، فحزن حزناً شديداً، حتى كان يغدو إلى ثبير مرة، وإلى حراء مرة، يريد أن يلقي نفسه منه، فبينا رسول الله ﷺ كذلك عامداً لبعض تلك الجبال؛ إلى أن سمع صوتاً من السماء، فوقف رسول الله ﷺ صعقاً للصوت، ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض متربعاً عليه يقول: يا محمد! أنت رسول الله ﷺ حقاً، وأنا جبريل. قال: فانصرف رسول الله ﷺ وقد أقر الله عينه، وربط

стр. 6494

جأشه. ثم تتابع الوحي بعد وحمي) (١) . باطل أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (١/ ١٩٦) : أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن أبي موسى عن داود بن الحصين عن أبي غطفان بن طريف عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ لما نزل عليه ... قلت: وهذا إسناد موضوع؛ آفته: إما محمد بن عمر - وهو الواقدي -؛ فإنه متهم بالوضع. وقال الحافظ في "التقريب": "متروك مع سعة علمه". وقد تقدمت كلمات الأئمة فيه أكثر من مرة. وإما إبراهيم بن محمد بن أبي موسى - وهو ابن أبي يحيى، واسمه سمعان الأسلمي مولاهم أبو إسحاق المدني -، وهو متروك أيضاً مثل الواقدي أو أشد؛ قال فيه الحافظ أيضاً: "متروك". وحكى في "التهذيب" أقوال الأئمة الطاعنين فيه، وهي تكاد تكون مجمعة على تكذيبه، ومنها قول الحربي: "رغب المحدثون عن حديثه، روى عنه الواقدي ما يشبه الوضع، ولكن الواقدي تالف". وقوله في الإسناد: "ابن أبي موسى" أظنه محرفاً من "ابن أبي يحيى". ويحتمل أنه من تدليس الواقدي نفسه؛ فقد دلس بغير ذلك، قال عبد الغني ابن سعيد المصري:

стр. 6495

"هو إبراهيم بن محمد بن أبي عطاء الذي حدث عنه ابن جريج، وهو عبد الوهاب الذي يحدث عنه مروان بن معاوية، وهو أبو الذئب الذي يحدث عنه ابن جريج". واعلم أن هذه القصة الباطلة قد وقعت في حديث عائشة في حكايتها ﵂ قصة بدء نزول الوحي على النبي ﷺ ، مدرجة فيه عند بعض مخرجيه، ووقعت في "صحيح البخاري" عن الزهري بلاغاً؛ فقد أخرجه (١٣/ ٢٩٧-٣٠٣) من طريق عقيل ومعمر عن ابن شهاب الزهري عن عروة عنها؛ وجاء في آخر الحديث: "وفتر الوحي فترة؛ حتى حزن النبي ﷺ - فيما بلغنا - حزناً غدا منه مراراً كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال ... " الحديث نحو رواية الواقدي. وظاهر سياق الحديث في "البخاري" أن هذه الزيادة من رواية عقيل ومعمر كليهما! لكن حقق الحافظ أنها خاصة برواية معمر؛ بدليل أن البخاري قد ساق في أول "الصحيح" رواية عقيل، وليس فيها هذه الزيادة. وأقوى منه: أن طريق عقيل أخرجها أبو نعيم في "مستخرجه" من طريق يحيى بن بكير - شيخ البخاري في أول الكتاب - بدونها، وأخرجه مقروناً - كما هنا - برواية معمر، وبين أن اللفظ لمعمر. وكذلك صرح الإسماعيلي أن الزيادة في رواية معمر. وأخرجه أحمد، ومسلم، والإسماعيلي، وأبو نعيم من طريق جمع من أصحاب الليث بدونها. قال الحافظ: "ثم إن القائل: "فيما بلغنا" هو الزهري، ومعنى الكلام: أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله ﷺ في هذه القصة، وهو من بلاغات الزهري،

стр. 6496

وليس موصولاً. ووقع عند ابن مردويه في "التفسير" من طريق محمد بن كثير عن معمر بإسقاط قوله: "فيما بلغنا"، ولفظه: "فترة حزن النبي ﷺ منها حزناً غدا منه ... " إلى آخره، فصار كله مدرجاً على رواية الزهري عن عروة عن عائشة. والأول هو المعتمد". قلت: يعني: أنه ليس بموصول، ويؤيده أمران: الأول: أن محمد بن كثير هذا ضعيف؛ لسوء حفظه - وهو الصنعاني المصيصي -؛ قال الحافظ: "صدوق كثير الغلط". وليس هو محمد بن كثير العبد ي البصري؛ فإنه ثقة. والآخر: أنه مخالف لرواية عبد الرزاق: حدثنا معمر ... التي ميزت آخر الحديث عن أوله، فجعلته من بلاغات الزهري. كذلك رواه البخاري من طريق عبد الله بن محمد: حدثنا عبد الرزاق ... وكذلك رواه الإمام أحمد (٦/ ٢٣٢-٢٣٣) : حدثنا عبد الرزاق به. ورواه مسلم في "صحيحه" (١/ ٩٨) عقب رواية يونس عن ابن شهاب به دون البلاغ، ثم قال: وحدثني محمد بن رافع: حدثنا عبد الرزاق ... وساق الحديث بمثل حديث يونس، مع بيان بعض الفوارق اليسيرة بين حديث يونس ومعمر، ولم يسق الزيادة. ولولا أنها معلولة عنده بالانقطاع؛ لما استجاز السكوت عنها وعدم ذكرها؛ تفريقاً بين الروايتين أو الحديثين، مع أنه قد بين من الفوارق بينهما ما هو أيسر من ذلك بكثير! فدل هذا كله على وهم محمد بن كثير الصنعاني في وصله لهذه الزيادة، وثبت ضعفها.

стр. 6497

ومما يؤكد ذلك: أن عبد الرزاق قد توبع على إسناده مرسلاً، فقال ابن جرير في "تاريخه" (٢/ ٣٠٥ - دار المعارف) : حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا ابن ثور عن معمر عن الزهري قال: فتر الوحي عن رسول الله ﷺ فترة، فحزن حزناً شديداً، جعل يغدو إلى رؤوس شواهق الجبال ليتردى منها ... الحديث. وابن ثور: اسمه محمد أبو عبد الله العابد، وهو ثقة. فثبت بذلك يقيناً وهم محمد بن كثير الصنعاني في وصله إياها. فإن قيل: فقد تابعه النعمان بن راشد فقال: عن الزهري عن عروة عن عائشة به نحوه. أخرجه الطبري (٢/ ٢٩٨-٢٩٩) ؟! فأقول: إن حال النعمان هذا مثل حال الصنعاني في الضعف وسوء الحفظ؛ فقال البخاري: "في حديثه وهم كثير". وفي "التقريب": "صدوق سيىء الحفظ". قلت: وفي حديثه هذا نفسه ما يدل على سوء حفظه؛ ففيه ما نصه: "ثم دخلت على خديجة فقلت: زملوني زملوني. حتى ذهب عني الروع، ثم أتاني فقال: يا محمد! أنت رسول الله - قال: - فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك، فقال: يا محمد! أنا جبريل وأنت رسول الله. ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟ قال: فأخذني فغتني ثلاث مرات؛ حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) فقرأت ... " الحديث!!

стр. 6498

قلت: فجعل النعمان هذا الأمر بالقراءة بعد قصة الهم المذكور، وهذا منكر مخالف لجميع الرواة الذين رووا الأمر دونها، فذكروه في أول حديث بدء الوحي، والذين رووها معه مرسلة أو موصولة؛ فذكروها بعده. ومن ذلك: ما أخرجه ابن جرير أيضاً (٢/ ٣٠٠-٣٠١) قال: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال: حدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي: حدثنا يا عبيد! كيف كان بدء ما ابتدىء به رسول الله ﷺ من النبوة حين جاء جبريل ﵇؟ قلت ... فذكر الحديث، وفيه - بعد الأمر المشار إليه -: قال: "فقرأته. قال: ثم انتهى، ثم انصرف عني، وهببت من نومي، وكأنما كتب في قلبي كتاباً. [قال: ولم يكن من خلق الله أحد أبغض إلي من شاعر أو مجنون، كنت لا أطيق أن أنظر إليهما! قال: قلت: إن الأبعد - يعني: نفسه - لشاعر أو مجنون؟! لا تحدث بها عني قريش أبداً، لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه، فلأقتلنها فلأستريحن] . قال: فخرجت أريد ذلك، حتى إذا كنت في وسط الجبل؛ سمعت صوتاً من السماء ... " الحديث. ولكن هذا الإسناد مما لا يفرح به، لا سيما مع مخالفته لما تقدم من روايات الثقات؛ وفيه علل: الأولى: الإرسال؛ فإن عبيد بن عمير ليس صحابياً، وإنما هو من كبار التابعين، ولد في عهد النبي ﷺ . الثانية: سلمة - وهو ابن الفضل الأبرش -؛ قال الحافظ:

стр. 6499

"صدوق كثير الخطأ". قلت: ومع ذلك؛ فقد خالفه زياد بن عبد الله البكائي؛ وهو راوي كتاب "السيرة" عن ابن إسحاق، ومن طريقه رواه ابن هشام، وقال فيه الحافظ: "صدوق ثبت في المغازي". وقد أخرج ابن هشام هذا الحديث في "السيرة" (١/ ٢٥٢-٢٥٣) عنه عن ابن إسحاق به؛ دون الزيادة التي وضعتها بين المعكوفتين [] ، وفيها قصة الهم المنكرة. فمن المحتمل أن يكون الأبرش تفرد بها دون البكائي، فتكون منكرة من جهة أخرى؛ وهي مخالفته للبكائي؛ فإنه دونه في ابن إسحاق؛ كما يشير إلى ذلك قول الحافظ المتقدم فيهما. ومن المحتمل أن يكون ابن هشام نفسه أسقطها من الكتاب؛ لنكارة معناها، ومنافاتها لعصمة النبي ﷺ ؛ فقد أشار في مقدمة كتابه إلى أنه قد فعل شيئاً من ذلك، فقال (١/ ٤) : ".. وتارك ذكر بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب؛ مما ليس لرسول الله ﷺ فيه ذكر ... وأشياء بعضها يشنع الحديث به ... ". وهذا كله يقال على احتمال سلامته من العلة التالية؛ وهي: الثالثة: ابن حميد - واسمه محمد الرازي -؛ وهو ضعيف جداً، كذبه جماعة من الأئمة، منهم أبو زرعة الرازي. وجملة القول؛ أن الحديث ضعيف إسناداً، منكر متناً، لا يطمئن القلب المؤمن لتصديق هؤلاء الضعفاء فيما نسبوا إلى رسول الله ﷺ من الهم بقتل نفسه

стр. 6500

بالتردي من الجبل، وهو القائل - فيما صح عنه -: "من تردى من جبل فقتل نفسه؛ فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً". متفق عليه: "الترغيب" (٣/ ٢٠٥) . لا سيما وأولئك الضعفاء قد خالفوا الحفاظ الثقات الذين أرسلوه. وما أشبه هذا المرسل في النكارة بقصة الغرانيق التي رواها بعض الثقات أيضاً مرسلاً ووصلها بعض الضعفاء، كما بينته في رسالة لي مطبوعة بعنوان: "نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق"، فراجعها تجد فيها - كما في هذا الحديث - شاهداً قوياً على ما ذهب إليه المحدثون: من أن الحديث المرسل من قسم الحديث الضعيف؛ خلافاً للحنفية؛ لا سيما بعض المتأخرين منهم الذين ذهبوا إلى الاحتجاج بمرسل الثقة ولو كان المرسل من القرن الثالث! بل غلا أحدهم من المعاصرين فقال: ولو من القرن الرابع (١) ! وإذن؛ فعلى جهود المحدثين وأسانيدهم السلام! هذا؛ ولقد كان الباعث على كتابة هذا التخريج والتحقيق: أنني كنت علقت في كتابي "مختصر صحيح البخاري" - يسر الله تمام طبعه - (١/ ٥) على هذه الزيادة بكلمة وجيزة؛ خلاصتها أنها ليست على شرط "الصحيح"؛ لأنها من بلاغات الزهري. ثم حكيت ذلك في صدد بيان مزايا المختصر المذكور؛ في بعض المجالس العلمية في المدينة النبوية في طريقي إلى الحج أو العمرة سنة (١٣٩٤) ، وفي عمرتي في منتصف محرم هذه السنة (١٣٩٥) ، وفي مجلس من تلك

стр. 6501

المجالس ذكرني أحد طلاب الجامعة الإسلامية الأذكياء المجتهدين - ممن أرجو له مستقبلاً زاهراً في هذا العلم الشريف؛ إذا تابع دراسته الخاصة ولم تشغله عنها الصوارف الدنيوية - أن الحافظ ابن حجر ذكر في "الفتح": أن ابن مردويه روى زيادة بلاغ الزهري موصولاً، وذكر له شاهداً من حديث ابن عباس من رواية ابن سعد؟ فوعدته النظر في ذلك؛ وها أنا قد فعلت، وأرجو أن أكون قد وفقت للصواب بإذن الله تعالى. وإن في ذلك لعبرة بالغة لكل باحث محقق؛ فإن من المشهور عند المتأخرين: أن الحديث إذا سكت عنه الحافظ في "الفتح" فهو في مرتبة الحسن على الأقل، واغتر بذلك كثيرون، وبعضهم جعله قاعدة نبه عليها في مؤلف له، بل وألحق به ما سكت عنه الحافظ في "التلخيص" أيضاً!! وكل ذلك توسع غير محمود؛ فإن الواقع يشهد أن ذلك ليس مطرداً في "الفتح"؛ بله غيره، فهذا هو المثال بين يديك؛ فقد سكت فيه على هذا الحديث الباطل، وفيه متهمان بالكذب عند أئمة الحديث، متروكان عند الحافظ نفسه! وقد سبق له مثال آخر - وهو الحديث (٣٨٩٨) -، وقد أشرت إليه في التعليق على "مختصر البخاري" (١/ ٢٧٧) ؛ يسر الله تمام طبعه. آمين. ٤٨٥٩ - (لا تهدموا الآطام؛ فإنها زينة المدينة) . منكر أخرجه الطحاوي في "شرح المعاني" (٢/ ٣١٢ و ٤/ ١٩٤) ، وابن عدي في "الكامل" (ق ٢١٣/ ٢) عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال ... فذكره. وقال ابن عدي: "عبد الله بن نافع ممن يكتب حديثه، وإن كان غيره يخالفه فيه".

стр. 6502

قلت: فأشار ابن عدي إلى أنه ضعيف، وهو مما أجمع عليه الأئمة، بل ضعفه بعضهم جداً؛ فقال البخاري: "منكر الحديث". وقال النسائي: "متروك الحديث". وتابعه على الشطر الأول: عبد الله بن عمر العمري عن نافع به. أخرجه البزار (١١٨٩ - كشف) ، والطحاوي. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/ ٣٠١) : "رواه البزار عن الحسن بن يحيى، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال (الصحيح) "! وقال الحافظ في "زوائد البزار" - عقب الحديث -: "قلت: إسناده حسن"! كذا قالا! وفيه نظر من وجهين: الأول: أن عبد الله بن عمر العمري ضعيف؛ كما جزم به الحافظ في "التقريب". وساق له الذهبي في ترجمته أحاديث مما أنكر عليه، قال في أحدها: "وهو حديث منكر جداً". ولعل الهيثمي توهم أنه عبيد الله بن عمر العمري المصغر، وهو أخو عبد الله بن عمر العمري المكبر؛ فإنه ثقة من رجال الشيخين، وليس كذلك! ويدل عليه شيئان: ١- أنه جاء مسمى عند البزار بـ (عبد الله بن عمر) مكبراً. وعند الطحاوي منسوباً إلى العمري، وهو المكبر عند الإطلاق.

стр. 6503

ومن المحتمل أن يكون وقع في نسخة الهيثمي من "مسند البزار": "عبيد الله ابن عمر" مصغراً؛ فإن كان كذلك فهي نسخة غير معتمدة؛ كما قد يشعر بذلك اقتصار الحافظ على تحسينه. ٢- النظر في الرواة عنه، وهم: وهب بن جرير، وإسحاق بن محمد الفروي: عند الطحاوي، وقد ذكرهما المزي في الرواة عن عبد الله المكبر دون أخيه المصغر، فيتعين أنه المكبر الضعيف. الثاني: أن في إسناد البزار: محمد بن سنان؛ هكذا غير منسوب، وهو عندي أبو بكر القزاز البصري، وقد جزم الحافظ أيضاً بضعفه في "التقريب"، بل كذبه بضعهم كما حكاه في "التهذيب"، فكيف يحسن إسناده، ويقول الهيثمي: إنه من رجال "الصحيح"؟! وغالب الظن أنهما توهما أنه محمد بن سنان الباهلي المعروف بـ (العوقي) ؛ فإنه من رجال البخاري، ولكنه ليس به فيما يترجح عندي؛ فإنه عند البزار من روايته عن الحسن بن يحيى عن محمد بن سنان عن عبد الله بن عمر. هكذا وقع إسناده في "زوائد البزار" من النسخة المصورة عندي، وهي نسخة سيئة، والغالب أن فيه سقطاً من بعض النساخ؛ فإن محمد بن سنان سواء كان هو القزاز الضعيف، أو الباهلي الثقة؛ ليس في طبقة من يروي عن العمري، ولكني وجدت في ترجمة الأول منهما من "تهذيب المزي" أنه روى عن وهب بن جرير، فألقي في النفس أن وهباً هذا هو الساقط من الإسناد بين محمد بن سنان والعمري، وعليه يكون مدار طريق البزار وإحدى طريقي الطحاوي على وهب بن جرير، وهو يرويه عن العمري الضعيف، فهو علة هذه الطريق.

стр. 6504

وجملة القول؛ أن الحديث بتمامه منكر. وأما شطره الأول؛ فمن الممكن تحسينه بمجموع الطريقين الضعيفين عن نافع، ولعل هذا هو وجه سكوت الحافظ على الحديث في "الفتح" (٤/ ٧١) وتحسينه إياه فيما تقدم؛ وإلا فإني استبعد جداً أن يحسن إسناداً تفرد به العمري الذي جزم هو نفسه بتضعيفه كما تقدم، فضلاً عن غيره! والله أعلم. على أنه يرد على سكوته في "الفتح": أنه أورده بتمامه من رواية الطحاوي الأولى المنكرة، فلا وجه للسكوت عليه، بل هو خطأ بين، يترتب عليه رد الأحاديث الصحيحة المحرمة لقطع شجر المدينة وصيد صيدها؛ وهي من حديث سعد بن أبي وقاص، وجابر بن عبد الله: في "صحيح مسلم"، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة؛ وقد خرجها كلها الطحاوي، ثم تأولها كلها بقوله: "ليس فيها أنه جعله كحرمة صيد مكة ولا كحرمة شجرها، ولكنه أراد بذلك بقاء زينة المدينة؛ ليستطيبوها ويألفوها"!! ثم ساق الحديث مستدلاً به على ما ذكره من التعليل المنكر، مع ما فيه من المخالفة الصريحة للأحاديث المذكورة، ولمثل قوله ﷺ : "إن إبراهيم حرم مكة، ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ... " الحديث متفق عليه. وانتهى إلى أن صيد المدينة وشجرها كصيد سائر البلدان وشجرها غير مكة. وقال: "وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، رحمة الله عليهم أجمعين"!!

стр. 6505

قلت: وهذا كله بفضل هذا الحديث المنكر المخالف بزعمهم لتلك الأحاديث الصحيحة! ومع ذلك سكت عنه الحافظ عفا الله عنا وعنه! ثم جاء من بعده الكوثري المشهور بتعصبه لحنفيته، فسعى وراء الطحاوي في الاستدلال بهذا الحديث المنكر على ما ذهب إليه من التأويل وزاد - ضغثاً على إبالة -، فقال في "النكت الطريفة" (ص ١٠٩) : "وقد أخرج البزار في "مسنده" حديث نهيه ﷺ عن هدم آطام المدينة، وقوله: "إنها زينة المدينة". فيكون المنع من قطع شجرها وأخذ صيدها؛ لمجرد استبقاء زينة المدينة ليستطيبوها ويألفوها"! وقد علمت - من تحقيقنا المتقدم - أنه ليس عند البزار ما عزاه إليه من قوله: "إنها زينة المدينة"! وهو لم يعز ذلك إليه عبثاً، بل رمى من وراء ذلك إلى غاية خبيثة؛ وهو إضلال القراء عن علة هذه الزيادة التي تفرد بروايتها الطحاوي دون البزار؛ لأنها علة ظاهرة في رواية الطحاوي؛ وكتابه سهل الرجوع إليه مباشرة؛ بخلاف "مسند البزار"، فأحال عليه؛ لأنه يعلم أنه عسر الرجوع إليه إلا بواسطة "مجمع الهيثمي"، فإذا رجع الباحث إليه، ووجده يقول كما تقدم: "رواه البزار عن الحسن بن يحيى، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال (الصحيح) ". توهم أنه سالم من العمري؛ لأنه ليس من رجال (الصحيح) بل هو ضعيف كما سبق، فيظن أنه ليس بضعيف، وهذا هو ما رمى إليه الكوثري بذلك العزو الخاطىء. والله حسيبه!!

стр. 6506

٤٨٦٠ - (أما إنك لو كنت تصيد بالعقيق؛ لشيعتك إذا ذهبت، وتلقيتك إذا جئت؛ فإني أحب العقيق) . ضعيف جداً أخرجه الطحاوي (٢/ ٣١٣) من طريق ابن أبي قتيلة المدني ونعيم بن حماد وإبراهيم بن المنذر الحزامي؛ ثلاثتهم قالوا: حدثنا محمد بن طلحة التيمي عن موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن سلمة بن الأكوع: أنه كان يصيد ويأتي النبي ﷺ من صيده، فأبطأ عليه، ثم جاءه. فقال له رسول الله ﷺ : "ما الذي حبسك؟ ". فقال: يا رسول الله! انتفى عنا الصيد؛ فصرنا نصيد ما بين (نبث وفي نسخة: بيت (١)) إلى (قناة) ، فقال رسول الله ﷺ ... فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ موسى هذا: هو أبو محمد التيمي المدني؛ اتفقوا على ضعفه، بل ضعفه الدارقطني جداً؛ فقال: "متروك". وهذا هو الذي اعتمده الذهبي في "الضعفاء"؛ فلم يذكر غيره. ومحمد بن طلحة التيمي؛ فيه ضعف من قبل حفظه. ولذا قال الحافظ: "صدوق يخطىء". وقد تفرد به؛ كما تشعر بذلك الطرق الثلاثة المنتهية إليه.

стр. 6507

ومن هذا يتبين أنه ليس للحديث إلا هذه الطريق الواحدة. فقول الكوثري في "النكت الطريفة" (ص ١٠٩) : "وأخرج الطحاوي من ثلاث طرق قول النبي ﷺ لسلمة بن الأكوع: "أما إنك لو كنت تصيد بالعقيق ... ""! أقول: ففيه تضليل خبيث، حيث أوهم القراء أن للحديث ثلاث طرق، وأن الحديث قوي؛ ولو بمجموعها على الأقل! وأيضاً؛ فإنه مع ذلك سكت عليه، واحتج به لمذهبه الحنفي القائل بجواز صيد المدينة. والاحتجاج بالحديث دليل على أنه ثابت عند المحتج به؛ كما لا يخفى. فتأمل ما يفعل التعصب للمذهب بصاحبه من التأثير السيىء؛ حيث حمله على التضليل المذكور، وعلى الكذب على رسول الله ﷺ القائل: "من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب؛ فهو أحد الكاذبين". رواه مسلم. فإن هذا الحديث يوجب النار لمن نسب الشيء إلى النبي ﷺ وهو غير عالم بصحته؛ كما تقدم نقلاً عن ابن حبان في المقدمة (١) (ص ١٢) . فكيف إذا علم بعدم صحته؛ كهذا الكوثري؛ فإن مثله لا يخفى عليه ضعف هذا الحديث؟! والله المستعان. ٤٨٦١ - (لو كان هذا في غير هذا؛ لكان خيراً لك) . ضعيف (٢) أخرجه الطيالسي (١٢٣٥) ، وأحمد (٣/ ٤٧١ و ٤/ ٣٣٩) عن شعبة

стр. 6508

قال: أخبرني أبو إسرائيل الجشمي قال: سمعت جعدة قال: سمعت النبي ﷺ ورأى رجلاً سميناً؛ فجعل النبي ﷺ يومىء إلى بطنه بيده، ويقول ... فذكره. قلت: وأبو إسرائيل هذا؛ لم يرو عنه غير شعبة، ولم يوثقه غير ابن حبان؛ فهو مجهول. وقال الحافظ: "مقبول". يعني: عند المتابعة؛ وإلا فلين الحديث، كما نص عليه في المقدمة. فلا يغرنك قول الهيثمي في "المجمع" (٥/ ٣١) - بعد أن عزاه للطبراني وأحمد -: "ورجال الجميع رجال "الصحيح"؛ غير أبي إسرائيل الجشمي؛ وهو ثقة"! فإن توثيقه إياه؛ إنما هو اعتماد على توثيق ابن حبان، وهاذ معروف بتساهله في التوثيق، كما شرحناه في غير هذا المكان. ونحو ذلك قول المنذري (٣/ ١٢٣) : "رواه ابن أبي الدنيا، والطبراني - بإسناد جيد -، والحاكم، والبيهقي"! قلت: وهو عند الحاكم (٤/ ١٢٢) من هذا الوجه؛ خلافاً لما قد يوهمه كلام المنذري! وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"! ووافقه الذهبي!! ٤٨٦٢ - (لأنا بهم أو ببعضهم (يعني: الأعاجم) ؛ أوثق مني بكم أو ببعضكم) . ضعيف أخرجه الترمذي (٢/ ٣٢٨) ، والطيالسي (٢٤٩٣) من طريق أبي بكر بن عياش: حدثني صالح بن أبي صالح مولى عمرو بن حريث قال: سمعت أبا هريرة يقول:

стр. 6509

ذُكِرَتْ الأعاجم عند النبي ﷺ ، فقال ... فذكره. وقال الترمذي - مشيراً إلى تضعيفه -: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي بكر بن عياش. وصالح ابن أبي صالح هذا يقال له: صالح بن مهران مولى عمرو بن حريث". قلت: وهو ضعيف؛ كما قال الحافظ في "التقريب"؛ تابعاً في ذلك لابن معين! والأقرب قول النسائي فيه: "مجهول"؛ فإنهم لم يذكروا له راوياً غير أبي بكر هذا. ٤٨٦٣ - (إني كنت أحدثه (يعني: القمر وهو في المهد) ويحدثني، ويلهيني عن البكاء، وأسمع وجبته (١) يسجد تحت العرش) . موضوع أخرجه البيهقي في "الدلائل" (١/ ٣١٩) عن أحمد بن شيبان الرملي قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم الحلبي قال: حدثنا الهيثم بن جميل قال: حدثنا زهير عن محارب بن دثار عن عمرو بن يثربي عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله! دعاني إلى الدخول في دينك أمارة لنبوتك، رأيتك في المهد تناغي القمر وتشير إليه بأصبعك، فحيث أشرت إليه مال! قال ... فذكره. وقال البيهقي: "تفرد به هذا الحلبي بإسناده؛ وهو مجهول"! قلت: بل هو كذاب، وهو الذي افتعل هذا الإسناد الصحيح وركبه على هذا الحديث الباطل؛ فقد قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (١/ ١/ ٤٠) :

стр. 6510

"سألت أبي عنه؛ وعرضت عليه حديثه؟ فقال: لا أعرفه، وأحاديثه باطلة موضوعة كلها، ليس لها أصول، يدل حديثه على أنه كذاب". واعتمده الذهبي؛ فقال في "المغني": "كذاب". ٤٨٦٤ - (لما أتى جمرة العقبة؛ استبطن الوادي واستقبل القبلة، وجعل يرمي الجمرة على حاجبه الأيمن، ثم رمى بسبع حصيات؛ يكبر مع كل حصاة) . منكر أخرجه الترمذي في "سننه" (١/ ١٧٠) ، وابن ماجه (٣٠٣٠) ، وابن أبي شيبة (٤/ ٤١) من طريق المسعودي عن جامع بن شداد أبي صخرة عن عبد الرحمن بن يزيد قال: لما أتى عبد الله جمرة العقبة ... فذكره، وزاد: ثم قال: والله الذي لا إله إلا هو؛ من ههنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"! قلت: كلا؛ فإن المسعودي كان اختلط. وقد خالفه إبراهيم النخعي؛ فرواه عن عبد الرحمن بن يزيد به دون قوله: واستقبل القبلة.. وقوله: على حاجبه الأيمن. كذلك أخرجه البخاري (٣/ ٤٦٣) ، ومسلم (٤/ ٧٨) وغيرهما.

стр. 6511

فهما زيادتان منكرتان، لا سيما الأولى منهما؛ فإنها مخالفة لرواية أخرى للشيخين بلفظ: فرمى الجمرة بسبع حصيات، وجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه. ولذلك جزم الحافظ في "الفتح" بأن هذا هو الصحيح، وما في "الترمذي" شاذ، وقال: "في إسناده المسعودي؛ وقد اختلط. وبالأول قال الجمهور". قلت: ولعل هذا الحديث هو عمدة من ذهب من المتأخرين إلى استقبال القبلة عند رمي جمرة العقبة، فقد جاء في كتاب "جامع المناسك الثلاثة الحنبلية" للشيخ أحمد بن المنقور التميمي (ص ١٢١) قال - بعد أن ذكر كيفية رمي الجمرات الثلاث -: "ويستقبل القبلة في الكل"! واستقبال الأوليين هو الظاهر من الأحاديث؛ بخلاف جمرة العقبة، فالسنة أن يجعل الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه، كما تقدم. وقد روى ابن أبي شيبة (٤/ ٤١) عن ليث عن عطاء وطاوس ومجاهد وسعيد ابن جبير: أنهم كانوا إذا رموا الجمرات استقبلوا البيت. وليث - وهو ابن أبي سليم - ضعيف. ٤٨٦٥ - (ما بين الركن والمقام ملتزم، من دعا - من ذي حاجة أو كربة أو ذي غم -؛ فرج عنه بإذن الله) . ضعيف جداً أخرجه ابن عدي (٢٣٧/ ٢) عن عباد بن كثير: حدثني

стр. 6512

أيوب عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً به. وقال: "عباد بن كثير؛ عامة حديثه مما لا يتابع عليه". قلت: يشير إلى أنه ضعيف جداً. وكذلك صنع الهيثمي بقوله في "المجمع" (٣/ ٢٤٦) : "رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه عباد بن كثير الثقفي، وهو متروك". قلت: وقد روي الالتزام من فعله ﷺ من طرق يقوي بعضها بعضاً، ولذلك أوردته في "صحيح الجامع الصغير" (٤٨٨٨) ، وخرجته في "الصحيحة" (٢١٣٨) ، وذكرت له فيه شواهد موقوفة صحيحة عن جمع من الصحابة ﵃. ٤٨٦٦ - (همت يهود بالغدر، فأخبرني الله بذلك؛ فقمت) . ضعيف أورده ابن سعد (٢/ ٥٧) بغير إسناد. وكذلك ساقه ابن إسحاق في "السيرة" (٣/ ١٩٩-٢٠٠- ابن هشام) نحوه بغير إسناد أيضاً. وكذلك موسى بن عقبة؛ كما رواه عنه البيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٤٤٧) . وكذلك رواه الواقدي في "المغازي" (١/ ٣٦٣) فقال: حدثني محمد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر ومحمد بن صالح ومحمد بن يحيى بن سهل وابن أبي حبيبة ومعمر بن راشد في رجال ممن لم أسمهم، فكل حدثني ببعض هذا الحديث، وبعض القوم كان أوعى له من بعض، وقد جمعت كل الذي حدثوني قالوا: ... فذكر غزوة بني النضير. وفيها هذا الحديث. قلت: فاتفاق هؤلاء الرواة على إرسال الحديث وسوقه بغير إسناد؛ لدليل واضح على أنه لا يعرف إسناده عندهم؛ وإلا لساقوه.

стр. 6513

وهذا الحديث من أحاديث كثيرة أوردها الدكتور البوطي في كتابه "فقه السيرة النبوية"؛ الذي زعم في مقدمة الجزء الثاني أنه اعتمد فيه أولاً: على صحاح السنة، وثانياً: على ما صح من أخبار السيرة في كتبها. قال: "وأهم ما اعتمدت عليه من ذلك: "سيرة ابن هشام"، و "طبقات ابن سعد" ... "! هكذا قال! دون أي خوف أو خجل من أن يكذبه الواقع في كتابه المذكور؛ فقد ملأه بأحاديث كثيرة واهية، وأخرى مما لا إسناد له؛ كهذا الحديث! وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت". وقد كنت تعقبته في كثير من أحاديثه في مقالات متتابعة؛ نشرت في مجلة "التمدن الإسلامي"؛ ثم طبعت في كتاب "دفاع عن الحديث النبوي والسيرة". ٤٨٦٧ - (ألا أخبركم بشر الشهداء؟! الذين يشهدون قبل أن يستشهدوا) . لاأصل بهذا اللفظ وقد وهم الحافظ ابن كثير وهماً فاحشاً في آخر تفسير سورة "البقرة"؛ فذكر أنه "في الصحيحين"! وقد يتبادر إلى ذهن القارىء أنه اشتبه عليه بحديث زيد بن خالد أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها". أخرجه مالك ومسلم وغيرهما!

стр. 6514

فأقول: لا؛ فإن الحافظ ابن كثير نفسه ذكره من حديث زيد قبل هذا؛ ثم ذكر طرفاً من حديث آخر فيه قوله: "ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم، وتسبق شهادتهم أيمانهم". وفي رواية: "ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون". وهذه الرواية عند الشيخين من حديث عمران بن حصين، وهو مخرج في "الصحيحة" (١٨٤٠) . وأخرجه الترمذي وغيره نحوه، وهو مخرج فيها (برقم ٦٩٩) . والحديث الذي قبله: هو من حديث ابن مسعود، وهو مخرج فيها أيضاً برقم (٧٠٠) . والذي يغلب على الظن: أن ابن كثير رواه بالمعنى، وأقرب الألفاظ إليه حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: "خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم - والله أعلم؛ أذكر الثالث أم لا، قال - ثم يخلف قوم يحبون السمانة، يشهدون قبل أن يستشهدوا". أخرجه مسلم (٧/ ١٨٥) . وأحسن ما جمع بين هذه الأحاديث وحديث زيد بن خالد: أن المراد به: من عنده شهادة لإنسان بحق لا يعلم بها صاحبها، فيأتي إليه، فيخبره بها، أو يموت صاحبها العالم بها، ويخلف ورثة، ويختلف الورثة، فيأتي الشاهد إليهم، أو إلى من يتحدث عنهم؛ فيعلمهم بذلك؛ أفاده الحافظ في "الفتح" (٥/ ١٩٨) . ومن شاء الاطلاع على سائر الأقوال؛ فليرجع إليه.

стр. 6515

٤٨٦٨ - (اللهم! أكثر مال فلان (يعني: المانع ناقته) ، واجعل رزق فلان يوماً بيوم. (يعني: الذي بعث بالناقة)) . ضعيف أخرجه ابن ماجه (٤١٣٤) ، وأحمد (٥/ ٧٧) عن سيار بن سلامة الرياحي عن البراء السليطي عن نقادة الأسدي قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل يستمنحه ناقة، فرده. ثم بعثني إلى رجل آخر، فأرسل إليه بناقة، فلما أبصرها رسول الله ﷺ قال: "اللهم! بارك فيها، وفيمن بعث بها". قال نقادة: فقلت: لرسول الله ﷺ : وفيمن جاء بها؟ قال: "وفيمن جاء بها". ثم أمر بها فحلبت، فدرت، فقال رسول الله ﷺ ... فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة البراء السليطي؛ قال الذهبي: "لا يعرف، تفرد عنه سيار". قلت: وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" على قاعدته المعروفة في توثيق المجهولين! وهو عمدة المنذري في قوله في "الترغيب" (٤/ ١٠٠) : "رواه ابن ماجه بإسناد حسن"!
следующие страницы →