ابن يحيى القرشي: حدثنا ثور بن يزيد: حدثنا خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن معاذ بن جبل ﵁ مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات؛ غير يزيد بن يحيى القرشي؛ وهو أخو خالد القرشي؛ كما في "الجرح والتعديل" (٤/ ٢/ ٢٩٧) ، وقال:
"سألت أبي عنه؟ فقال: ليس بقوي الحديث" (١) . وقال الذهبي في "الميزان":
"لا يعرف. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي".
قلت: ومن ذلك تعلم خطأ المنذري في تجويده لأحد إسنادي البيهقي بقوله في "الترغيب" (٢/ ٢٣١) :
"رواه الطبراني عن شيخه محمد بن إبراهيم الصوري، ولا يحضرني فيه جرح ولا عدالة. وبقية إسناده ثقات معروفون. ورواه البيهقي بأسانيد أحدها جيد"!
أقول: أما الصوري؛ فأورده الذهبي في "الميزان". وقال:
"روى عن الفريابي ومؤمل بن إسماعيل. وعنه إبراهيم بن عبد الرزاق الأنطاكي وعبد الرحمن بن حمدان الجلاب وجماعة. روى عن زراد بن الجراح خبراً باطلاً أو منكراً في ذكر المهدي. قال الجلاب: هذا باطل، ومحمد الصوري لم يسمع من رواد. قال: وكان مع هذا غالياً في التشيع". قال الحافظ في "اللسان":
"وهذا الكلام برمته منقول من كتاب "الأباطيل" للجورقاني. ومحمد بن إبراهيم قد ذكره ابن حبان في (الثقات) "!
стр. 6792
قلت: وأورده ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٤/ ٧٨٦- المصورة) من رواية أبي الحسن بن حذلم فقط.
وأما التجويد؛ فهو بعيد؛ لأن مدار طريقي البيهقي على سليمان بن عبد الرحمن عن القرشي؛ وهذا مجهول أو ضعيف، ولم يوثقه أحد؛ فأنى له الجودة؟!
وقال الهيثمي (٩/ ٧٣-٧٤) :
"رواه الطبراني، ورجاله ثقات، وفي شيخ الطبراني محمد بن إبراهيم الصوري خلاف"!
قلت: وله شيخ أخر فيه، لكنه خالف الطرق المشار إليها في إسناده؛ فقال في "مسند الشاميين" (ص ٨٢) : حدثنا أحمد بن المعلى: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن حدثنا الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد به؛ إلا أنه قال: "عن جبير بن نفير عن أبيه" مكان: "عن معاذ".
ورواية الجماعة أصح؛ لاسيما وابن المعلى قال فيه النسائي:
"لا بأس به".
نعم؛ له شاهد من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ :
"ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها؛ إلا تحسر عليها يوم القيامة".
غير أن إسناده ضعيف جداً؛ فإن البيهقي أخرجه، وكذا أبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٣٦١-٣٦٢) من طريق عمرو بن حصين: حدثنا محمد بن علاثة عن إبراهيم بن أبي عبلة عن عمر بن عبد العزيز عن عروة عنها: وقال البيهقي:
"وفي هذا الإسناد ضعف؛ غير أن له شواهد من حديث معاذ"!
стр. 6793
قلت: يعني: حديث الترجمة، وفي قوله:
"ضعف"، تساهل كبير؛ فإن هذا إنما يقال في الراوي الصدوق الذي في حفظه ضعف، فمثله يعتضد بغيره، وعمرو بن حصين - وهو العقيلي - ليس كذلك، بل هو شديد الضعف، كما يدل عليه أقوال مجرحيه من الأئمة، فقال أبو حاتم:
"ذاهب الحديث، وليس بشيء". وقال الدارقطني:
"متروك".
وهو الذي اعتمده الحافظ في "التقريب".
قلت: فلا يصلح الحديث للاعتضاد.
ثم رأيت الحديث في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٨٠) . وقال:
"رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه عمرو بن الحصين العقيلي؛ وهو متروك".
وقد أورده في "مجمع البحرين في زوائد المعجمين" (٤/ ٤٣٣- مصورة الجامعة الإسلامية) من رواية "الأوسط" من هذا الوجه.
واعلم أنني كنت اغتررت برهة من الزمن بكلام المنذري والهيثمي المتقدمين؛ قبل أن أطلع على إسناد الطبراني والبيهقي، وأوردت الحديث في الكتاب الآخر رقم (٢١٩٧)(١) ، و "صحيح الجامع"، فلما وقفت على إسنادهما، وتبين أن مداره على القرشي عند كل من أخرجه؛ رجعت عن ذلك كله، وكتبت على هامش "الصحيح"
стр. 6794
أن ينقل إلى "الضعيف"، وشرحت السبب هنا كما ترى، والهادي هو الله.
٤٩٨٧ - (إن لكل شيء صقالة، وإن صقالة القلوب ذكر الله) .
موضوع
أخرجه البيهقي في "الشعب" (١/ ٣١٩-٣٢٠) من طريق سعيد ابن سنان: حدثني أبو الزاهرية عن أبي شجرة - واسمه كثير بن مرة - عن عبد الله ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان يقول ... فذكره، وزاد:
"وما من شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله".
سكت عنه البيهقي، وليس له ذلك؛ فقد ذكر في "المقدمة" أنه اقتصر على ما لا يغلب كونه كذباً؛ وليس هذا من هذا القبيل؛ فإن سعيد بن سنان - وهو أبو مهدي الحمصي - ضعيف جداً؛ كما يشعر بذلك قول البخاري:
"منكر الحديث". والنسائي:
"متروك الحديث". وقال الحافظ:
"متروك. ورماه الدارقطني وغيره بالوضع".
ومن طريقه: رواه ابن أبي الدنيا أيضاً؛ كما في "الترغيب" (٢/ ٢٢٨) ، وصدره بلفظة: "عن"؛ فما أصاب ولا أحسن!
وقد روي الحديث عن أبي الدرداء موقوفاً عليه بلفظ:
"جلاء" بدل: "صقالة" في الموضعين.
أخرجه البيهقي (١/ ٣٢٠) من طريق أبي عقيل عن عبد الله بن يزيد بن ربيعة قال: قال أبو الدرداء ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ فإن عبد الله بن يزيد بن ربيعة - ويقال: عبد الله
стр. 6795
ابن ربيعة بن يزيد - مجهول. ثم هو لم يدرك أبا الدرداء.
ومع ذلك؛ فالوقف أشبه بالصواب.
وأما الزيادة؛ فقد صحت من طريق أخرى عن معاذ موقوفاً عليه.
أخرجه البيهقي (١/ ٣١٨) وغيره من حديث لأبي الدرداء في فضل الذكر.
صححه الحاكم والذهبي، وحسنه المنذري (٢/ ٢٢٨) .
وقد روي عن معاذ مرفوعاً من طرق، وله شواهد من حديث جابر وغيره، فراجع تعليقي على "الترغيب" (٢/ ٢٢٨-٢٢٩) .
٤٩٨٨ - (لا تزال مصلياً قانتاً؛ ما ذكرت الله قائماً وقاعداً، أو في سوقك، أو في ناديك، أو حيثما كنت) .
ضعيف
أخرجه البيهقي في "الشعب" (١/ ٣٣٦) عن أبي أسامة عن أبي بكر قال: سمعت يحيى بن أبي كثير قال: قال ﷺ لرجل ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف معضل؛ يحيى بن أبي كثير تابعي صغير، كل رواياته عن التابعين.
وأبو بكر هذا؛ لم أعرفه الآن.
стр. 6796
٤٩٨٩ - (يقول الله : من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) .
ضعيف
أخرجه البخاري في "التاريخ" (١/ ٢/ ١١٥) ، والبيهقي في "الشعب" (١/ ٣٣٧) من طريقين عن صفوان بن أبي الصهباء، عن بكير بن عتيق عن سالم ابن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده.
стр. 6797
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ صفوان هذا؛ لم يوثقه أحد غير ابن حبان.
ومع ذلك فقد أعاده في "الضعفاء" فقال:
"منكر الحديث، يروي عن الأثبات ما لا أصل له، لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما وافق فيه الثقات".
ثم أخرج له البيهقي شاهداً من طريق الضحاك بن حمرة عن يزيد بن حميد عن جابر بن عبد الله مرفوعاً به.
قلت: ويزيد هذا لم أعرفه.
والضحاك بن حمرة مختلف فيه؛ فوثقه ابن راهويه وابن حبان، وحسن له الترمذي؛ لكن قال ابن معين:
"ليس بشيء". وقال النسائي، والدولابي:
"ليس بثقة". وقال الدراقطني:
"ليس بالقوي، يعتبر به". وقال ابن عدي:
"أحاديثه غرائب". وقال في بعض النسخ:
"متروك الحديث".
ولذلك جزم الحافظ في "التقريب" بأنه:
"ضعيف".
وقد روي الحديث عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً بلفظ:
"القرآن" بدل: "ذكري"، وإسناده ضعيف جداً، كما بينته في "التعليق الرغيب" (٢/ ٢٠٦) .
стр. 6798
وتحسين الترمذي إياه - ولغيره -؛ من تساهله الذي عرف به، ونبهت عليه مراراً!
وسرقه بعضهم؛ فرواه بإسناد صحيح عن حذيفة بلفظ حديث الترجمة؛ إلا أنه قال:
"أعطيته قبل أن يسألني".
أخرجه ابن عساكر في "جزء فضيلة ذكر الله " (ق ٢/ ٢) عن عبد الرحمن بن واقد الواقدي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن منصور عن ربعي عن حذيفة.
والواقدي هذا؛ قال ابن عدي:
"يحدث بالمناكير عن الثقات، ويسرق الحديث".
ثم ذكر له حديثاً سرقه، وقال - عن عبد ان الأهوازي -:
"وهو فيه أبطل، أو قال: الباطل".
وأما ابن حبان؛ فذكره في "الثقات"!
٤٩٩٠ - (ما يأتي على هذا القبر من يوم؛ إلا وهو ينادي بصوت طلق ذلق: يا ابن آدم! كيف نسيتني؟! ألم تعلم أني بيت الوحدة، وبيت الغربة، وبيت الوحشة، وبيت الدود، وبيت الضيق إلا من وسعني الله عليه؟! القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار) .
موضوع
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١/ ٨٢/ ١ - ترتيبه) عن محمد بن
стр. 6799
أيوب بن سويد: حدثنا أبي: حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال:
خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فجلس إلى قبر منها، فقال ... فذكره. وقال:
"لم يروه عن الأوزاعي إلا أيوب، تفرد بن ابنه".
قلت: وهو متهم بالوضع؛ قال الحاكم، وأبو نعيم:
"روى عن أبيه أحاديث موضوعة". وقال ابن حبان:
"كان يضع الحديث". قال أبو زرعة:
"رأيته قد أدخل في كتب أبيه أشياء موضوعة".
وذكر له الذهبي بعضها.
وأبوه أيوب؛ قريب منه في الضعف. وساق له ابن عدي جملة مناكير من غير رواية ابنه عنه.
قلت: ومن ذلك تعلم أن اقتصار المنذري في "الترغيب" (٤/ ١٢٩) على الإشارة إلى تضعيف الحديث، والهيثمي في "المجمع" (٣/ ٤٦) على تضعيف محمد بن أيوب، تضعيفاً ليناً، ودون أن يضعف معه أباه؛ كل ذلك تساهل غير محمود!!
وقد روي بعض هذا الحديث من رواية عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً.
أخرجه الترمذي (٢/ ١٢٩) . وقال:
стр. 6800
"حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه"!
قلت: أنى له الحسن، وعطية ضعيف مدلس.
والوصافي ضعيف جداً.
وبه أعله المنذري فقال:
"وهو واه".
وذكر ابن أبي حاتم في "العلل" (٢/ ١٣١) من طريق ابن أبي بزة عن مؤمل ابن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال:
مر رسول الله ﷺ بمجلس من مجالس الأنصار وهم يمزحون ويضحكون؛ فقال:
"أكثروا ذكر هادم اللذات. يعني: الموت. وقال:
"قال أبي: هذا حديث باطل لا أصل له".
قلت: لكن قوله: "أكثروا ... " (١) .
٤٩٩١ - (إن الله قال: يا عيسى! إني باعث من بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا الله، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم. فقال: يا رب! كيف يكون هذا لهم ولا حلم ولا علم؟! قال: أعطيهم من حلمي وعلمي) .
ضعيف
أخرجه الحاكم (١/ ٣٤٨) ، وأحمد (٦/ ٤٥٠) ، وأبو نعيم في "الحلية"
стр. 6801
(١/ ٢٢٧) ، وابن أبي الدنيا في "الصبر" (ق ٤٧/ ١) ، والخرائطي في "فضيلة الشكر" (ق ١٢٩/ ١) ، والبيهقي في "الشعب" (٤/ ١١٥/ ٤٤٨٢) ، وابن عساكر في "التاريخ" (١٤/ ١٢٧/ ١) من طريق معاوية بن صالح عن أبي حلبس يزيد بن ميسرة أنه سمع أم الدرداء تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول ... فذكره. وقال الحاكم:
"صحيح على شرط البخاري"! ووافقه الذهبي!! وقال أبو نعيم:
"تفرد به معاوية بن صالح عن أبي حلبس".
قلت: وهو مجهول الحال؛ أورده ابن أبي حاتم (٤/ ٢/ ٢٨٨) برواية معاوية بن صالح عنه، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. وروى عنه أيضاً صفوان بن عمرو؛ كما في "التعجيل"، وذكره ابن حبان في "الثقات" على قاعدته في توثيق المجهولين!
قلت: ومن ذلك تعلم خطأ تصحيح الحاكم والذهبي؛ فإن أبا حلبس هذا لم تثبت عدالته، فضلاً عن أنه لم يخرج له البخاري مطلقاً، بل ولا أحد من سائر الستة!
وكذا معاوية بن صالح؛ لم يخرج له البخاري!
٤٩٩٢ - (نعم - وأبيك! - لتنبأن) .
منكر
أخرجه مسلم (٨/ ٢) ، وابن ماجه (٢/ ١٥٧) ، وأبو يعلى (١٠/ ٤٨٠/ ٦٠٩٢) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة - وهذا في "المصنف" (٨/ ٥٤١) -: حدثنا شريك عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال:
стр. 6802
جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! نبئني من أحق الناس مني بحسن الصحبة؟ فقال ... فذكره.
"أمك". قال: ثم من؟ قال:
"ثم أمك". قال: ثم من؟ قال:
"ثم أمك". قال: ثم من؟ قال:
"ثم أبوك". قال: نبئني يا رسول الله! عن مالي كيف أتصدق فيه؟ قال:
"نعم - والله! - لتنبأن: تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخاف الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت نفسك ههنا؛ قلت: مالي لفلان، ومالي لفلان، وهو لهم وإن كرهت".
والسياق لابن ماجه وأبي يعلى.
وليس عند مسلم - وكذا ابن أبي شيبة - قضية الصدقة؛ إلا من طريق أخرى عن عمارة.
وكذلك هي عند أحمد كما يأتي؛ إلا أن هذا أخرج القضية الأولى من طريق أخرى عن شريك فقال (٢/ ٣٩١) : حدثنا أسود بن عامر: حدثنا شريك به؛ إلا أنه قال ... فذكر القضية الأولى وقال فيها:
"نعم - والله! - لتنبأن"؛ كما في القضية الثانية عند ابن ماجه.
وخالفه ابن أبي شيبة، وعنه مسلم؛ فقال:
"وأبيك" مكان: "والله"!
стр. 6803
وهذا من أوهام شريك عندي، والصواب رواية الأسود إن كانت محفوظة عن عمارة في هذه الجملة؛ لأنها لم ترد عند الثقات كما يأتي. وقال الحافظ في "الفتح" (١٠/ ٣٢٩-٣٣٠) عقبها:
"فلعلها تصحفت"!
وأقول: بل الأقرب أنها من شريك نفسه - وهو ابن عبد الله القاضي -؛ فإنه سيىء الحفظ، فاضطرب في ضبط هذه الجملة، فقال مرة:
"والله". وأخرى:
"وأبيه".
وقد تابعه فيها في القضية الثانية: ابن فضيل عن عمارة بلفظ:
جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أي الصدقة أعظم أجراً؟ قال:
"أما - وأبيك! - لتنبأنه: أن تصدق ... " الحديث.
أخرجه أحمد (٢/ ٢٣١) : حدثنا محمد بن فضيل به.
وأخرجه مسلم (٣/ ٩٣) : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير قالا: حدثنا ابن فضيل به.
ومن هذا الوجه رواه البخاري في "الأدب المفرد" (٧٧٨) .
وخالفهم أحمد بن حرب فقال: حدثنا محمد بن فضيل به؛ دون قوله:
"أما - وأبيك! - لتنبأنه".
أخرجه النسائي (٢/ ١٢٥) .
стр. 6804
وتابعه أبو كريب: أخبرنا محمد بن فضيل به.
أخرجه أبو يعلى (١١/ ٤٨٢) .
وتابعه في بعضه جرير بن عبد الحميد عن عمارة بن القعقاع به؛ دون قوله:
"أما - وأبيك! - ... ".
أخرجه أحمد (٢/ ٢٥٠) : حدثنا جرير به.
ومن طريقه: ابن حبان (٣٣٢٤) .
وأخرجه مسلم (٣/ ٩٣) ، وابو يعلى (٤/ ١٤٤٤) من طريق زهير بن حرب: حدثنا جرير به؛ مثل رواية أحمد بن حرب؛ ليس فيه:
"أما - وأبيك! - لتنبأنه".
وكذلك رواه عبد الواحد بن زياد: حدثنا عمارة بن القعقاع بن شرمبة به.
أخرجه أحمد (٢/ ٤١٥) ، والبخاري (٣/ ٢٢١) ، ومسلم (٣/ ٩٤) .
وتابعه سفيان الثوري عن عمارة به.
أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٧) ، والبخاري (٥/ ٣٨٧) ، والنسائي (١/ ٣٥٣) ، وابن حبان (٤٣٤) .
هذا ما يتلعق بالقضية الثانية.
وأما الأولى؛ فقد خالفه جرير أيضاً؛ فرواه عن عمارة به؛ دون قوله:
"نعم - وأبيك! - لتنبأن".
أخرجه البخاري (١٠/ ٣٢٩) ، ومسلم (٨/ ٢) ، وأبو يعلى (١٠/ ٤٦٨) ، وابن
стр. 6805
حبان (١٤٣٥،٣٣٠١،٣٣٢٤ - الإحسان) .
قلت: ويتحرر عندي من هذا التخريج أنه قد اختلف على عمارة بن القعقاع في ذكر الحلف بالأب: فتفرد بذكره شريك ومحمد بن فضيل، على خلاف في ذلك عليهما، ولم يذكره جرير بن عبد الحميد، وعبد الواحد بن زياد، وسفيان الثوري عن عمارة.
والقلب يطمئن لروايتهم؛ لأنهم أكثر وأحفظ. زد على ذلك أنه لم يختلف عليهم في ذلك؛ بخلاف شريك وابن فضيل؛ فقد اختلف الرواة في ذلك عليهما كما رأيت، وذلك مما يضعف الثقة بزيادتهما على الثقات.
وإذا لم يكن هذا كافياً في ترجيح رواية الأكثر عن عمارة بن القعقاع؛ فلا أقل من التوقف في ترجيح رواية شريك وابن فضيل المخالفة لهم.
ولكن الأمر ينعكس تماماً حينما نجد لعمارة متابعين عن أبي زرعة، لم يذكروا في الحديث الحلف مطلقاً، وهما:
١- عبد الله بن شبرمة عن أبي زرعة بن عمرو عن أبي هريرة بالقضية الأولى.
أخرجه مسلم، وأحمد (٢/ ٣٢٧-٣٢٨) ، والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (٥) ، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٢٤١) من طرق عنه.
٢- يحيى بن أيوب: حدثنا أبو زرعة به.
أخرجه عبد الله بن المبارك في "البر والصلة" رقم (٦) ، وعنه أحمد (٢/ ٤٠٢) ، والبخاري في "الأدب" (٦) .
وسنده صحيح على شرط الشيخين.
стр. 6806
وعلقه - مع الذي قبله - البخاري في "صحيحه" بصيغة الجزم.
قلت: فاتفاق هذين الثقتين - مع رواية الأكثر عن عمارة - لا يدع شكاً في أن روايتهم هي الأرجح.
ومن ذلك؛ يتبين أن زيادة الحلف بالأب في هذا الحديث زيادة شاذة غير محفوظة.
وإن مما يؤكد ذلك: أن الحديث قد جاء من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، مثل رواية الجماعة عن أبي زرعة ... ليس فيه الحلف بالأب.
أخرجه ابن المبارك (رقم ٥) ، والبخاري في "الأدب المفرد" (٣) ، وعبد الرزاق في "المصنف" (٢٠١٢١) ، وغيرهم، وحسنه الترمذي، وهو مخرج في "المشكاة"، و"الإرواء" (٨٣٧،٢١٧٠) .
واعلم أن الغرض من هذا البحث إنما هو مجرد التثبت من هذه الزيادة؛ هل صحت عن النبي ﷺ في هذا الحديث بالذات أم لا؟ وليس لأنه معارض للأحاديث الكثيرة المصرحة بالنهي عن الحلف بغير الله؛ فإنه لو صح فالجواب عنه معروف من وجوه ذكرها الحافظ وغيره، ويكفي في ذلك قاعدة: (القول مقدم على الفعل عند التعارض) .
ولقد أوحى إلي هذا البحث وجوب إعادة النظر في الزيادة المشابهة لهذه؛ والتي وقعت في حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ قال:
جاء رجل (وفي رواية: أعرابي) إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد، ثائر الرأس، نسمع دوي صوته، ولا نفقه ما يقول، حتى دنا؛ فإذا هو يسأل عن الإسلام (وفي رواية: فقال: يا رسول الله! أخبرني ماذا فرض الله علي من
стр. 6807
الصلاة) ؟ فقال رسول الله ﷺ :
"خمس صلوات في اليوم والليلة". فقال: هل علي غيرها؟ قال:
"لا؛ إلا أن تطوع". (قلت: ثم سأل عن الصيام والزكاة، وفيه) فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، قال: هل علي غيرها؟ قال:
"لا؛ إلا أن تطوع". قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله! لا أزيد على هذا ولا أنقص [مما فرض الله علي شيئاً] ! فقال رسول الله ﷺ :
"أفلح إن صدق".
أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" - والسياق للبخاري، مع رواياته وزياداته حسبما جاء في كتابي "مختصر البخاري" رقم (٣٦) -؛ أخرجاه من طريق مالك عن أبي سهيل عن أبيه عن طلحة ...
وكذلك أخرجه أبو داود وغيره عن مالك، وهو مخرج في كتابي "صحيح أبي داود" برقم (٤١٤) .
وقد تابعه إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل به.
أخرجاه أيضاً من حديث قتيبة بن سعيد: حدثنا إسماعيل بن جعفر به.
أخرجه البخاري في موضعين (٤/ ٨٢ و ١٢/ ٢٧٨) عن قتيبة به.
وأما مسلم فقال: حدثني يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد جميعاً عن إسماعيل بن جعفر ... لم يسق الحديث؛ وإنما قال:
بهذا الحديث، نحو حديث مالك؛ غير أنه قال: فقال رسول الله ﷺ : "أفلح - وأبيه! - إن صدق". أو: "دخل الجنة - وأبيه! - إن صدق".
стр. 6808
قلت: فزاد في الحديث: "وأبيه"، مع تردده في قوله: "أفلح"، أو: "دخل الجنة"!
وظاهره أنه من يحيى وقتيبة معاً؛ وعليه؛ فقد وقع فيه خلاف حول هذه الزيادة بين ثلاث طوائف:
الأولى: البخاري ومسلم؛ في روايتهما عن قتيبة بن سعيد.
الثانية: بين قتيبة وغيره من جهة، ويحيى بن أيوب وغيره من جهة أخرى؛ في الرواية عن إسماعيل بن جعفر.
الثالثة: بين مالك وإسماعيل بن جعفر.
وبيان هذا الإجمال على ما يلي:
أما الأولى؛ فالبخاري لم يذكر في روايته عن قتيبة تلك الزيادة؛ خلافاً لمسلم على ظاهر روايته، ولم أجد - فيما وقفت عليه الآن من الروايات - متابعاً لأي منهما؛ إلا أنه مما لا شك فيه أن البخاري مقدم في حفظه وإتقانه على مسلم، لا سيما وأن رواية هذا ليست صريحة في المخالفة؛ لاحتمال أن تكون الزيادة ليحيى ابن أيوب وحده دون قتيبة الذي قرنه مسلم به؛ لأته مشارك له في رواية أصل الحديث لا في الزيادة! هذا محتمل. والله أعلم.
وأما الثانية؛ فلكل من قتيبة ويحيى بن أيوب متابع:
أما قتيبة؛ فتبعه علي بن حجر: عند النسائي (١/ ٢٩٧) ، على خلاف عليه يأتي.
لكن المتابعين ليحيى أكثر؛ فتابعه يحيى بن حسان: عند الدارمي (١/ ٣٧٠-٣٧١) ، وعلي بن حجر أيضاً: عند ابن خزيمة في "صحيحه" (٣٠٦) ، وكذا ابن
стр. 6809
منده - خلافاً لرواية النسائي -، وداود بن رشيد: عند البيهقي (٢/ ٤٤٦) ؛ لكن ذكر المحقق أن في نسخة: "والله" بدل: "وأبيه".
وعلى كل حال؛فرواية يحيى - حتى الآن - أرجح من رواية قتيبة؛ لاقترانها بمتابع قوي لم يختلف عليه، وهو يحيى بن حسان - وهو التنيسي -؛ وهو ثقة من رجال الشيخين؛ بخلاف متابع قتيبة - وهو علي بن حجر -؛ فقد اختلف عليه كما رأيت.
وأما الثالثة؛ فقد تبين مما سبق أن مدار الحديث على أبي سهيل، وأن رواه عنه مالك وإسماعيل، وأنهما اختلفا عليه في زيادة: "وأبيه"؛ فأثبتها إسماعيل، ولم يذكرها مالك. فيرد حينئذ - في سبيل التوفيق بينهما - قاعدتان مشهورتان:
إحداهما: زيادة الثقة مقبولة.
والأخرى: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه مردودة.
فعلى أيهما ينبغي الاعتماد والعمل هنا؟!
الذي تحرر عندي - من علم المصطلح، ومن تطبيقهم له على مفردات الأحاديث - أنه لا اختلاف بين القاعدتين؛ فإن الأولى محمولة على ما إذا تساويا في الثقة والضبط. وأما إذا اختلفا في ذلك؛ فالاعتماد على الأوثق والأحفظ.
وبذلك تلتقي هذه القاعدة مع القاعدة الأخرى ولا تختلفان أبداً، ويسمى حديث الأوثق حينذاك: محفوظاً، ومخالفه: شاذاً.
وهذا هو المعتمد في تعريف (الشاذ) بحسب الاصطلاح؛ كما قال الحافظ (١) .
стр. 6810
إذا عرفت هذا؛ فقد تمهد لدينا إمكانية ترجيح رواية مالك على رواية إسماعيل بمرجحات ثلاثة:
الأول: أن مالكاً أوثق من إسماعيل؛ فإن هذا - وإن كان ثقة -؛ فمالك أقوى منه في ذلك وأحفظ. ويكفي في الدلالة على ذلك أن الإمام البخاري سئل عن أصح الأسانيد؟ فقال:
مالك عن نافع عن ابن عمر. وقال عبد الله بن أحمد:
قلت لأبي: من أثبت أصحاب الزهري؟ قال: مالك أثبت في كل شيء.
الثاني: أن مالكاً لم يختلف الرواة عليه في ذلك؛ خلافاً لإسماعيل؛ فمنهم من رواه عنه مثل رواية مالك، كما سبق.
الثالث: أنني وجدت لروايته شاهداً بل شواهد؛ خلافاً لرواية إسماعيل.
فلا بأس من أن أسوق ما عرفت منها:
الأول: عن أنس؛ وله طريقان:
الأولى: عن قتادة عنه قال:
سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! كم افترض الله على عباده من الصلوات؟ قال:
"افترض الله على عباده صلوات خمساً". قال: يا رسول الله! قبلهن أو بعدهن شيء؟ قال:
"افترض الله على عباده صلوات خمساً". فحلف الرجل لا يزيد عليه شيئاً، ولا ينقص منه شيئاً. قال رسول الله ﷺ :
стр. 6811
"إن صدق الرجل؛ ليدخلن الجنة".
أخرجه النسائي (١/ ٨٠) ، وابن حبان (١٤٤٤) ، وأبو يعلى في "مسنده" (٢/ ٢٧٠) من طريق نوح بن قيس عن خالد بن قيس عن قتادة عنه.
قلت: وهذا إسناد صحيح، ورجاله كلهم ثقات، وقد مضى في "الصحيحة" برقم (٢٧٩٤) .
الثانية: عن ثابت عنه به مطولاً؛ وفيه سؤال الرجل عن الزكاة أيضاً، وعن صوم رمضان والحج، وفيه قوله:
ثم أولى، قال: والذي بعثك بالحق! لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن. فقال النبي ﷺ :
"لئن صدق؛ ليدخلن الجنة".
أخرجه مسلم (١/ ٣٢) ، وأبو عوانة (١/ ٢-٣) ، والترمذي (٦١٩) - وحسنه -، والنسائي (١/ ٢٩٧) ، والدارمي (١/ ١٦٤) ، والبغوي في "شرح السنة" رقم (٤،٥) ، وابن أبي شيبة في "الإيمان" (رقم ٥ - بتحقيقي) ، وأحمد (٣/ ١٤٣،١٩٣) ، ابن منده في "الإيمان" (ق ١٦/ ٢) من طرق عن سليمان بن المغيرة عنه.
وعلق البخاري في "صحيحه" بعضه (١/ ٢٥/ ١٩ - مختصر البخاري - بقلمي) .
وكنت عزوته إليه عزواً مطلقاً في تعليقي على "الإيمان"، فأوهم أنه عنده مسند أيضاً؛ فليقيد.
الثاني: عن أبي هريرة:
أن أعرابياً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة؟ قال:
стр. 6812
"تعبد الله لا تشرك به شيئاً" (ثم ذكر ﷺ الصلاة والزكاة ورمضان) . قال: والذي نفسي بيده! لا أزيد على هذا شيئاً أبداً، ولا أنقص منه. فلما ولى قال النبي ﷺ :
"من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة؛ فلينظر إلى هذا".
أخرجه مسلم (١/ ٣٣) ، وأبو عوانة (١/ ٤) ، وابن منده (١٦/ ٢) .
الثالث: عن ابن عباس؛ وله عنه طريقان:
الأولى: عن سالم بن أبي الجعد عنه قال:
جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال ... الحديث نحو حديث أنس من الطريق الثاني؛ وفي آخره:
فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال:
"والذي نفسي بيده! لئن صدق؛ ليدخلن الجنة".
أخرجه الدارمي (١/ ١٦٥) ، وابن أبي شيبة في "الإيمان" (رقم ٤ - بتحقيقي) عن ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن سالم بن أبي الجعد ...
قلت: ورجال إسناده ثقات رجال البخاري؛ إلا أن عطاء بن السائب كان اختلط.
والأخرى: عن كريب مولى ابن عباس عنه نحوه؛ وفيه تسمية الرجل بـ: (ضمام ابن ثعلبة) ؛ وفيه قال:
ثم قال: لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف إلى بعيره. فقال رسول الله ﷺ حين ولى:
стр. 6813
"إن يصدق ذو العقيصتين؛ يدخل الجنة".
أخرجه الدارمي، وأحمد (١/ ٢٥٠،٢٦٤) من طريق محمد بن إسحاق: حدثني سلمة بن كهيل ومحمد بن الوليد بن نويفع عنه.
قلت: وهذا إسناد حسن. وسكت عليه الحافظ (١/ ١٦١) مشيراً بذلك إلى تقويته.
وقد جاءت تسميته بـ: (ضمام بن ثعلبة) في طريق ثالثة عن أنس بن مالك؛ نحو الطريق الثاني عنه باختصار بلفظ:
فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنبأنا رسول من ورائي من قومي، وأنبأنا ضمام ابن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر.
أخرجه البخاري (٥٠ - المختصر) ، والنسائي (١/ ٢٩٧) ، وأحمد (٣/ ١٦٨) ، وابن منده من طريق عن الليث عن سعيد عن شريك بن أبي نمر أنه سمع أنس ابن مالك.
وإسناده على شرط الشيخين؛ على ضعف في شريك هذا.
وبالجملة؛ فهذه شواهد ثلاثة لحديث مالك؛ من رواية أنس وابن عباس وأبي هريرة، لم يرد فيها تلك الزيادة:
"وأبيه"، فدل ذلك على أنها زيادة شاذة غير محفوظة.
ومما لا شك فيه أن الاستشهاد المذكور، إنما هو باعتبار أن الحادثة واحدة في الأحاديث الأربعة، وهو الذي صرح به ابن بطال وآخرون في خصوص الحديثين الأولين: حديث طلحة، وحديث أنس، فجزموا بأن الرجل المبهم في الحديث
стр. 6814
الأول: هو ضمام بن ثعلبة المصرح به في بعض طرق الحديث الثاني، وحديث ابن عباس أيضاً الثالث. قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٨٨) :
"والحامل لهم على ذلك: إيراد مسلم لقصته عقب حديث طلحة، ولأن في كل منهما أنه بدوي، وأن كلاً منهما قال في آخر حديثه: لا أزيد على هذا ولا أنقص".
قلت: وكذلك في حديث ابن عباس وحديث أبي هريرة كما تقدم؛ فهي أحاديث أربعة، تتحدث عن قصة واحدة، فإذا تفرد أحد الرواة عنهم بشيء دون الآخرين؛ قام في النفس مانع من قبولها، لا سيما إذا اختلف عليه في ذلك؛ كهذه الزيادة: "وأبيه"؛ لأنه يلزم من قبولها توهيم الرواة الآخرين، ونسبتهم إلى قلة الضبط والحفظ. وإذا كان لا بد من ذلك؛ فنسبة الفرد الواحد إلى ذلك أولى، كما لا يخفى على أولي النهى.
وأما ما ذكره الحافظ عن القرطبي؛ أنه تعقب جزم ابن بطال المتقدم؛ بأن سياق حديث طلحة وأنس، مختلف، وأسئلتهما متباينة! فالجواب:
أنه لا اختلاف ولا تباين في الحقيقة؛ وإنما هو الاختصار من بعض الرواة حسب المناسبات؛ ألا ترى إلى حديث أنس من الطريق الأولى كم هو مختصر عنه في الطريق الأخرى؟! فهل يقول قائل: إنهما يتحدثان عن قصتين مختلفتين؛ لتباين الأسئلة فيهما؟! وكذلك يقال عن حديث ابن عباس في طريقيه!
فإذا كان هذا الاختلاف في حديث الرواي الواحد لا يدل على تعدد القصة؛ فأولى أن لا يدل عليه الاختلاف في حديث راويين مختلفين. وهذه هي طريقة العلماء المحققين.
стр. 6815
ألا ترى إلى العلامة ابن القيم في (فصل صلاة الخوف) من كتابه "زاد المعاد"؛ كيف أنه لم يجعل كل رواية رويت في صلاة الخوف صفة مستقلة؟! بل أنكر ذلك فقال:
"وقد روي عنه ﷺ في صلاة الخوف صفات أخر ترجع كلها إلى هذا، وهذه أصولها، وربما اختلف بعض ألفاظها، وقد ذكرها بعضهم عشر صفات، وذكرها ابن حزم نحو خمس عشرة صفة، والصحيح ما ذكرناه أولاً (يعني: ست صفات) ؛ وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة؛ جعلوا ذلك وجوهاً من فعل النبي ﷺ ، وإنما هو من اختلاف الرواة".
والخلاصة: أن الزيادة المذكورة في حديث طلحة - وكذا في حديث أبي هرية الذي قبله - زيادة شاذة لا تصح عندي. ومن صححها؛ فإنما نظر إلى كون راويها - إسماعيل بن جعفر - ثقة، دون النظر إلى المخالفة - مالك - له فيها، واختلاف الرواة على إسماعيل في إثباتها.
فلا جرم أن أعرض عن روايتها إمام الأئمة أبو عبد الله البخاري، وهذا هو غاية الدقة في التخريج، جزاه الله خيراً.
ثم إنه قد بدا لي شيء آخر أكد لي نكارة الزيادة في حديث طلحة خاصة، ألا وهو أنه بينما نرى الأعرابي السائل لرسول الله ﷺ عن الإسلام؛ يحلف بالله دون سواه؛ إذا بالرسول ﷺ يحلف بأبيه كما تقول الزيادة! فهذه المقابلة مستنكرة عندي مهما قيل في تأويل الزيادة. والله أعلم.
ثم رأيت ابن عبد البر قد جزم في "التمهيد" (١٤/ ٣٦٧) بأن الزيادة غير محفوظة - كما سيأتي -؛ فالحمد لله على توفيقه.
стр. 6816
(تنبيه) : خفي هذا التحقيق - حول حديث الترجمة - على كثير من المتقدمين والمتأخرين؛ اتكالاً منهم على وروده في "الصحيح"، دون أن يتنبهوا لما جاء في تعريف الحديث الصحيح في علم المصطلح؛ من قولهم: "ولم يشذ ولم يعل"! أو لوجود زيادة في بعض الطرق دون بعض؛ فيحيل في حديث الزيادة - الضعيف سنده - على الحديث الخالي منها لصحة سنده!
وهذا ما وقع فيه المعلق على "مسند أبي يعلى"، فإنه لما تكلم على حديث الزيادة من طريق شريك؛ قال (١٠/ ٤٨٠) :
"إسناده ضعيف؛ لضعف شريك بن عبد الله القاضي"، فأصاب؛ إلا أنه تابع فقال:
"غير أن الحديث صحيح، وقد تقدم برقم (٦٠٨٢) ، وسيأتي برقم (٦٠٩٤) ، وأما الجزء الثاني (يعني: الذي فيه ذكر الصدقة) ، فقد تقدم برقم (٦٠٨٠) ، وإسناده صحيح أيضاً"!
فأخطأ في هذا التصحيح؛ لأن الحديث بالأرقام الثلاثة التي أشار بها إليه؛ ليس فيها جملة القسم بالله أو أبيه؛ وهي شاذة كما علمت.
ومن هذا القبيل: زيادة تفرد بها ابن حبان (١/ ٣٢٩/ ٤٣٤) في آخر القضية الأولى بلفظ:
قال: فيرون أن للأم ثلثي البر.
وإسناده هكذا: أخبرنا أبو خليفة قال: حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي قال: حدثنا سفيان عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة به.
стр. 6817
قلت: وإبراهيم بن بشار - وإن كان صدوقاً -؛ ففيه كلام من قبل حفظه. ولذلك قال الذهبي في "الكاشف":
"ليس بالقوي".
وأصل هذا: ما رواه عبد الله بن أحمد في "العلل" (٢/ ٣٣٢/ ٢٣١٥) - وعنه ابن أبي حاتم في "الجرح" - عن أبيه أحمد أنه قال في إبراهيم هذا:
"كان يحضر معنا عند سفيان، ثم يملي على الناس ما سمعوه من سفيان، وربما أملى عليهم ما لم يسمعوا، كأنه يغير الألفاظ، فتكون زيادة في الحديث. فقلت له: ألا تتقي الله؟! تملي عليهم ما لم يسمعوا؟! وذمه في ذلك ذماً شديداً".
وقول البخاري في "التاريخ" (١/ ١/ ٢٧٧) :
"يهم في الشيء بعد الشيء"، وقول ابن معين:
"لم يكن يكتب عند سفيان، وكان يملي على الناس ما لم يقله سفيان".
وراجع "التهذيب" إن شئت.
وأقول: ويؤيد ما قاله هؤلاء الأئمة - جزاهم الله عن المسلمين خيراً! - إن الحديث أخرجه الحميدي في "مسنده" (٢/ ٤٧٦/ ١١١٨) قال: حدثنا سفيان به؛ دون قوله:
فيرون أن للأم ثلثي البر.
وتابعه أبو بكر محمد بن ميمون المكي: حدثنا سفيان بن عيينة به.
أخرجه ابن ماجه (٣٦٥٨) .
وشيخه محمد هذا؛ وثقه بعضهم، وكنيته في "التهذيب": (أبو عبد الله) . فالله أعلم.
стр. 6818
قلت: فالزيادة المذكورة منكرة؛ لمخالفة الرمادي للحافظ الحميدي ومن تابعه من جهة، ولعدم ورودها في الطرق الأخرى المتقدمة.
ومن هذا التحقيق؛ تعلم خطأ قول المعلق على "الإحسان" (٢/ ١٧٦ - مؤسسة الرسالة) :
"إسناده صحيح على شرط الشيخين؛ غير إبراهيم بن بشار الرمادي؛ وهو حافظ، وقد توبع ... "!! ثم أفاض في تخريجه!!
فأقول:
أولاً: ليس إسناده بصحيح؛ لما علمت من حال الرمادي في روايته عن سفيان.
ثانياً: لو سلم منه؛ فدونه الراوي عنه أبو خليفة - واسمه الفضل بن الحباب -، وليس من رجال الشيخين، ولا بقية الستة! ثم هو مختلف فيه: فمنهم من وثقه، ومنهم من تكلم فيه. وقد ساق له الحافظ في "اللسان" حديث جابر رفعه:
"من وسع على نفسه وأهله يوم عاشوراء ... " الحديث. واستظهر أن الغلط فيه من أبي خليفة. والله أعلم.
ثالثاً: لو سلمنا - فرضاً - بصحة إسناده؛ فذلك مما لا يستلزم صحة متنه؛ إلا إذا سلم من الشذوذ والعلة، وهو غير سالم كما عرفت مما سبق. والله أعلم.
وبعد تخريج حديث طلحة بن عبيد الله من رواية إسماعيل بن جعفر بسنين؛ طبع كتاب "التمهيد" للحافظ ابن عبد البر، فرأيته ذكر هذا الحديث تحت حديث:
стр. 6819
"إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ... " الحديث، متفق عليه، وهو مخرج في "الإرواء" (٢٥٦٠) ، أورده تحته؛ لمخالفته إياه في الحلف بالأب، فقال (١٤/ ٣٦٧) مجيباً عن هذه الزيادة:
"هذه لفظة غير محفوظة في هذا الحديث من يحتج به، وقد روى هذا الحديث مالك وغيره عن أبي سهيل؛ لم يقولوا ذلك فيه. وقد روي عن إسماعيل بن جعفر هذا الحديث وفيه: "أفلح - والله! - إن صدق" أو: "دخل الجنة - والله! - إن صدق"، وهذا أولى من رواية من روى: "وأبيه"؛ لأنها لفظة منكرة، تردها الآثار الصحاح".
قلت: فوافق قول هذا الحافظ ما كنت انتهيت إليه من شذوذ هذه اللفظة. فالحمد لله على توفيقه، وأسأله المزيد من فضله.
وقد رويت هذه اللفظة في قصة أخرى، وهي منكرة أيضاً فيها، وسيأتي تخريجها والكلام عليها برقم (٦٣١١) .
٤٩٩٣ - (إن الله إذا أحب عبد اً وأراد أن يصافيه؛ صب عليه البلاء صباً، وثجه عليه ثجاً؛ فإذا دعا العبد قال: يا رباه! قال الله: لبيك عبد ي! لا تسألني شيئاً إلا أعطيتك؛ إما أن أعجله لك، وإما أن أدخره لك) .
ضعيف
أخرجه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" (٨٥/ ٢-٨٦/ ١) من طريق يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك مرفوعاً.
قلت: ويزيد هذا ضعيف.
ولذلك أشار المنذري (٤/ ١٤٦-١٤٧) إلى تضعيف الحديث.
стр. 6820
٤٩٩٤ - (إن الله يقول للملائكة: انطلقوا إلى عبد ي فصبوا عليه البلاء صباً. فليأتونه فيصبون عليه البلاء صباً، فيحمد الله. فيرجعون فيقولون: ربنا! صببنا عليه البلاء كما أمرتنا. فيقول: ارجعوا؛ فإني أحب أن أسمع صوته) .
ضعيف جداً
أخرجه المخلص في "العاشر من حديثه" (٢٠٧/ ١) : حدثنا عبد الواحد: حدثنا أيوب بن سليمان: حدثنا أبو اليمان: حدثنا عفير بن معدان عن سليم ابن عامر عن أبي أمامة مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ آفته عفير هذا؛ وهو ضعيف جداً، كما تقدم برقم (٢٩٣) ، ونقلته ثمة عن الهيثمي.
وأما في هذا الحديث؛ فقال (٢/ ٢٩١) : إنه ضعيف، فقط! والصواب الأول. وعزاه للطبراني في "الكبير".
وكذلك صنع المنذري (٤/ ١٤٧) ؛ وأشار إلى تضعيف الحديث.
وأخرجه الطبراني (٨/ ١٩٥/ ٧٦٩٧) ، والبغوي أيضاً في "شرح السنة" (١٤٢٥) من الوجه المذكور.
стр. 6821
٤٩٩٥ - (إن الله ليجرب أحدكم بالبلاء وهو أعلم به؛ كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار: فمنه ما يخرج كالذهب الإبريز؛ فذلك الذي نجاه الله من الشبهات، ومنه ما يخرج كالذهب دون ذلك؛ فذلك الذي يشك بعض الشك، ومنه ما يخرج كالذهب الأسود؛ فذلك الذي قدافتتن) .
ضعيف جداً
أخرجه ابن أبي الدنيا في "الكفارات" (٨٦/ ١) ، ومن طريقه
стр. 6822
الأصفهاني في "الترغيب" (٥٩/ ١) من طريق عفير بن معدان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ لما سبق في الذي قبله.
وبه: أخرجه الطبراني؛ كما في "الترغيب"، و "المجمع"؛ وضعفاه.
٤٩٩٦ - (للمصيبات والأوجاع أسرع في ذنوب العبد مني في هذه الشجرة) .
ضعيف
أخرجه أبو يعلى (٣/ ١٠٦٣) ، وابن أبي الدنيا (٧٠/ ٢،٧٣/ ١) عن حسن بن صالح عن جابر الجعفي عن زياد النميري عن أنس بن مالك قال:
أتى رسول الله ﷺ شجرة؛ فهزها حتى تساقط ورقها، ثم قال ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ زياد النميري ضعيف.
ومثله - بل شر منه - جابر الجعفي.
ولذلك أشار المنذري إلى تضعيف الحديث (٤/ ١٤٩) .
وقصر الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣٠١) ؛ فأعله بضعف الجعفي فقط!
стр. 6823
٤٩٩٧ - (كان إذا فرغ من صلاته؛ رفع يديه وضمهما وقال: رب! اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني؛ أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، لك الملك، ولك الحمد) .
منكر بهذا السياق
أخرجه عبد الله بن المبارك في "الزهد" (١١٥٤) : أخبرنا
стр. 6824
عبد العزيز بن أبي رواد قال: حدثني علقمة بن مرثد وإسماعيل بن أمية: أن رسول الله ﷺ كان ... إلخ.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لإعضاله؛ فإن علقمة وإسماعيل لم يثبت لهما لقاء أحد من الصحابة.
ثم إن ذكر رفع اليدين وضمهما فيه، وزيادة: "لك الملك ولك الحمد"؛ كل ذلك منكر؛ فقد وصله مسلم من طريق أخرى من حديث علي ﵁ بحديث دعاء الاستفتاح مطولاً؛ وفي آخره:
"وإذا سلم قال: اللهم! اغفر لي ... " إلخ دون الزيادة.
وكذلك أخرجه أبو داود، وغيره، وهو مخرج في "صحيح أبو داود" (٧٣٨/ ١٣٥٢) .
وعزاه الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في تعليقه على "الزهد" لأبي داود فقط؛ وهو تقصير واضح!
وبهذه المناسبة أقول: لقد اطلعت منذ ثلاث سنين على الجزء الأول من كتاب بعنوان:
"الألباني شذوذه وأخطاؤه"؛ بقلم أرشد السلفي، طبع المطبعة العلمية - ماليكاؤن (ناسك) الهند، ثم على الجزء الثاني منه؛ فتصفحتهما، فتبين لي أن مؤلفه من متعصبة الحنفية، وله اطلاع لا بأس به على كتب الحديث ورجاله، ولم نعرف شخصه، بل غلب على الظن أن هذا الاسم مزور لا حقيقة له! ولذلك دارت الظنون حول بعض المشهورين بعدائهم الشديد للسنة وأهلها، ولكن لما كان
стр. 6825
لا يجوز الحكم بالظن؛ أمسكنا عن الجزم بهويته، ثم بدأت الأخبار تتوارد من هنا وهناك أنه هو الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي المذكور!
فإذا ثبت هذا؛ فإنه يؤسفني أن يحشر نفسه في زمرة أعداء السنة، في الوقت الذي يتظاهر بخدمتها وتحقيق كتبها، ولا يظهر لي شخصياً إلا كل ود واحترام حينما كنا نلتقي به في المكتب الإسلامي في بيروت، وكان يومئذ على تصحيح تجارب كتاب "مصنف عبد الرزاق"!!
وإلى أن نتيقن أنه هو؛ فإنه لا بد لي من أن أشير إلى أن الرد المذكور محشو بالبهت والافتراء علي، وبالجهل بعلم الحديث ومصطلحه، والطعن في أهله؛ كالإمام أحمد وابن تيمية وغيرهما، مع التعصب الشديد للمذهب الحنفي.
وهذا - بالطبع - لا يعني أنه لم يصب في شيء مطلقاً مما انتقدني فيه! فما منا من أحد إلا رد ورد عليه؛ إلا النبي ﷺ ، كما قال الإمام مالك ﵀.
ولدي الآن مسودة الرد على الجزءين المذكورين؛ فإذا انكشف الغطاء وتيقنا أنهما للشيخ الأعظمي؛ استخرنا الله في تبييضهما، عسى الله أن ييسر لنا نشرهما.
٤٩٩٨ - (ما من عبد يمرض؛ إلا أمر الله حافظه أن ما عمل من سيئة فلا يكتبها، وما عمل من حسنة أن يكتبها عشر حسنات؛ وأن يكتب له من العمل الصالح كما كان يعمل وهو صحيح؛ وإن لم يعمل) .
ضعيف
أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٤/ ١٥٦٦) من طريق عبد الأعلى ابن أبي المساور: أخبرنا محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره.
стр. 6826
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ عبد الأعلى هذا؛ قال الحافظ:
"متروك. وكذبه ابن معين".
قلت: ومنه تعلم تساهل الهيثمي في قوله (٢/ ٣٠٤) :
"رواه أبو يعلى، وفيه عبد الأعلى بن أبي المساور، وهو ضعيف"!
قلت: وقد خولف في إسناده؛ فقال ابن أبي الدنيا في "الكفارات" (٨٧/ ١) حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرني أبو مسعود الجريري عن محمد بن عمرو بن عطاء عن أبيه عن أبي هريرة به.
قلت: فزاد في الإسناد: (عن أبيه) ! ولم أعرفه، ولم يذكره البخاري ولا ابن أبي حاتم في كتابيهما، ولا غيرهما من المتأخرين؛ فهو علة الحديث؛ فإن رجاله كلهم ثقات؛ غير أن أبا مسعود الجريري كان اختلط قبل موته بثلاث سنين.
لكن للحديث إسناد آخر جيد؛ إلا أنه موقوف، فقال ابن أبي الدنيا (٦٧/ ١) :حدثنا أحمد بن حنبل: أخبرنا عبد الله: أخبرنا الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي هريرة قال:
إذا مرض العبد المسلم؛ يقال لصاحب اليمين: اكتب على عبد ي صالح ما كان يعمل. ويقال لصاحب الشمال: أقصر عن عبد ي ما كان في وثاقي. فقال رجل عند أبي هريرة: يا ليتني لا أرال (١) ضاجعاً. فقال أبو هريرة: كره للعبد الخطايا.
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين.
стр. 6827
ثم استدركت، فقلت: الظاهر أنه منقطع؛ فإنهم لم يذكروا لحسان بن عطية رواية عن أبي هريرة وغيره من الصحابة؛ غير أبي أمامة المتوفى سنة (٨٦) ، وقالوا: أرسل عن أبي واقد الليثي؛ وقد توفي سنة (٦٨) ، وأبو هريرة توفي قبله بنحو عشر سنين؛ فإنه توفي سنة (٥٩) على أكثر ما قيل.
وجملة القول؛ أن الحديث ضعيف مرفوعاً وموقوفاً.
٤٩٩٩ - (من عاد مريضاً وجلس عنده ساعة؛ أجرى الله له عمل ألف سنة لا يعصي الله فيها طرفة عين) .
موضوع
أخرجه ابن أبي الدنيا في "الكفارات" (ق ١٦٤/ ١) ، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ١٦١) و "أخبار أصبهان" (١/ ١١٤،٣٢٥) من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن وهيب بن الورد عن أبي منصور عن رجل من الأنصار [عن أبان] عن أنس بن مالك مرفوعاً. وقال أبو نعيم:
"غريب من حديث وهيب، لم نكتبه إلا من حديث سعيد بن يحيى. وعبد المجيد".
قلت: هو عند بن أبي الدنيا من غير طريق سعيد بن يحيى - وهو ابن سعيد الأنصاري -؛ فإنه قال: حدثنا عبد الوهاب الوراق قال: حدثنا عبد المجيد ...
وهذا إسناد ضعيف جداً؛ مسلسل بالعلل:
الأولى: أبان هذا - وهو ابن أبي عياش - متروك؛ كما قال الحافظ.
الثانية: رجل من الأنصار؛ مبهم.
الثالثة: أبو منصور؛ لم أعرفه.
стр. 6828
الرابعة: عبد المجيد بن عبد العزيز؛ قال الحافظ:
"صدوق يخطىء، وكان مرجئاً، أفرط ابن حبان فقال: متروك".
والحديث؛ قال المنذري (٤/ ١٦٣) :
"رواه ابن أبي الدنيا في "كتاب المرض والكفارات"، ولوائح الوضع عليه تلوح".
(تنبيه) : هكذا لفظ الحديث: "ألف سنة" عند مخرجيه؛ إلا أنه وقع في نسخة أخرى من "الكفارات" بلفظ: "سنة"، فالظاهر أنه سقط منها (ق ٧١/ ١) لفظة: "ألف"!
ويؤيده أن المنذري لما عزاه إليه؛ ذكره باللفظ الأول: "ألف سنة".
وكأنه لذلك حكم على الحديث بالوضع. والله أعلم.
٥٠٠٠ - (لا ترد دعوة المريض حتى يبرأ) .
موضوع
أخرجه ابن أبي الدنيا في "الكفارات" (٧١/ ٢) : حدثنا سويد بن سعيد: أخبرنا عبد الرحيم بن زيد عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعاً.
قلت: وهذا موضوع؛ آفته عبد الرحيم بن زيد - وهو ابن الحواري العمي -؛ كذبه ابن معين. وقال البخاري:
"تركوه".
وأبوه زيد ضعيف.
وسويد بن سعيد؛ كان يتلقن؛ كما تقدم مراراً.
والحديث؛ أورده المنذري (٤/ ١٦٤) من رواية ابن أبي الدنيا؛ مشيراً لضعفه.
стр. 6829
انتهى بفضل الله وكرمه المجلد العاشر من " سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة "
ويليه إن شاء الله تعالى المجلد الحادي عشر، وأوله حديث:
٥٠٠١ - (من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته) .
" وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك ".
стр. 6830
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة:
الحمدُ لله وحْدَه، والصلاة والسَّلام على مَنْ لا نبيَّ بَعْدَه، وبعد:
فهذا هو المجلدُ الحادي عشر من " سلسلةِ الأحاديث الضعيفة والموضوعةِ، وأثرها السيئ في الأمة "؛ يَخْرُج إلى عالمِ المطبوعاتِ ليرى النورَ بعد عشراتِ السنين، يخرجُ إلى قُرائهِ ومُنْتَظِرِيه وراغبيهِ بمئاتِ الأحاديثِ الضََّعيفةِ والموضوعةِ في مجالاتِ الشريعة المختلفةِ؛ من العقائد، والآدابِ والأخلاقِ، والأحكامِ، وغير فلكَ مِمَّا سيَراه كل مُحبٍّ للعِلْم وأهلِهِ، يخرجُ ليلحقَ بأمثالِه من المجلداتِ السابقةِ، ليكونَ المسلمُ على بَينَةٍ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ، فلا ينْسِبُ إلى نبيِّهِ ﷺ ما لم يَقُلْهُ، فيقعَ تحتَ وعِيدِ قَوْلِهِ ﷺ : " كفَى بالمرء إثماً أنْ يُحَدِّبَ بكلِّ ما سَمعَ "، أو تحتَ وعيدِ قولِهِ الآخر: " مَنْ كذب على مُتَعَمِّداً؛ فَلْيَتَبَؤأْ مقعَدَهُ مِنَ النار "، وحتى لا يقعَ المسلمُ في الضلالِ والبدعةِ، ويصرفَ جُهدَهُ ووقتَهُ فيما لم يشرعْهُ الله ورسولُه، وهو يحسَبُ أنه يُحْسِنُ صُنْعاً!!
وسيرى القارئُ الكريمُ تحتَ أحاديثِ هذا المجلَّدِ- كسابقه- الكثيرَ والكثيرَ مِنَ الأبحاثِ والتحقيقاتِ الحديثيَّةِ، والردودِ العلميةِ القويَّةِ، والفوائدِ والتنبيهاتِ الخفيَّةِ؛ كلّ في مكانهِ ومناسبتِهِ، وخُذْ أمثلةً على ذلك الأحاديث:
(٥٠٠٩، ٥٠١٦، ٥٠٢٠، ٥٠٢٣، ٥٠٤٨، ٥٠٣٥، ٥٠٢٨، ٥٠٢٦، ٥٠٢٥، ٥٠٤٩، ٥٠٩٥، ٥٠٨٦، ٥٠٨٣، ٥٠٦٦، ٥٠٩٦، ١٨٠٧، ٥١٥١، ٥١٢٠، ٥١٢٨، ٥١٢٦، ٥١٣٥، ٥١٤٨٤٢، ٥١، ٥١٥١، ٥١٥٤، ٥١٥٥، ٥١٨٦، ٥١٨٢، ٥١٧٣، ٥١٧٢، ٥١٥٨، ٥١٩٩، ٥١٩١-٥٢١٧٤، ٥٢٠٦، ٥٢٠، ٥٢٢١، ٥٢٢٨، ٥٢٣٥، ٥٢٤٠، ٥٢٥١، ٥٢٥٤، ٥٢٧٧، ٥٢٩٠، ٥٢٩٦، ٥٣٠٥، ٥٣١١، ٥٣٢٠، ٥٣٢٦، ٥٣٤٢، ٥٣٥٣، ٥٣٥٥، ٥٣٦١، ٥٣٧١- ٥٣٧٥، ٥٣٩٧، ٥٤١٢، ٥٤٢٠- ٥٤٢٣، ٥٤٣٣، ٥٤٤٥- ٥٤٥٥، ٥٤٥٨، ٥٤٦٠، ٥٤٦١، ٥٤٦٤، ٥٤٧٣، ٥٤٦٩، ٥٤٨٤، ٥٤٩٩) .
وبطبيعة الحال؛ فإن هذا المجلد- كسَابِقِه- لم يُراجِعْهُ الشيخُ المراجعةَ الأخيرة لتهيئته للطباعة، ولو فعل لزاد وأفاد، ومن ذلك- بل أهمه- أننا وجَلْنَا عدداً من الأحاديثِ لم