Полный текст (11 273 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
٤٣٠ - " شاوروهن - يعنى النساء - وخالفوهن ".
لا أصل له مرفوعا.
كما أفاده السخاوي، ثم المناوي (٤ / ٢٦٣) ، ولعل أصل هذه الجملة ما رواه العسكري في " الأمثال " عن عمر قال:
" خالفوا النساء فإن في خلافهن البركة "، وإن كنت لا أعرف صحته، فإن السيوطي لم يسق إسناده في " اللآليء " (٢ / ١٧٤) لننظر فيه:
ثم وقفت على إسناده، رواه علي بن الجعد الجوهري في " حديثه " (١٢ / ١٧٧ / ١) من طريق أبي عقيل عن حفص بن عثمان بن عبيد الله عن عبد الله بن عمر قال: قال عمر ﵀ ... فذكره.
قلت: وهذا سند ضعيف، فيه علتان:
الأولى جهالة حفص هذا، فقد أورده ابن أبي حاتم (١ / ٢ / ١٨٤) برواية أبي عقيل هذا وحده ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
стр. 702
وفي " ثقات ابن حبان " (٦ / ١٩٦) :
حفص بن عثمان بن محمد بن عرادة عن عكرمة، وعنه أبو عقيل "
فيحتمل أن يكون هو هذا مع ملاحظة اختلاف اسم الجد، وذلك مما يؤكد جهالته كما يشير إليه أحمد في قوله الآتي.
والعلة الأخرى أبو عقيل واسمه يحيى بن المتوكل العمري صاحب بهية ضعيف كما في " التقريب "، وقال أحمد: روى عن قوم لا أعرفهم.
ثم إن معنى الحديث ليس صحيحا على إطلاقه، لثبوت عدم مخالفته ﷺ لزوجته أم سلمة حين أشارت عليه بأن ينحر أمام أصحابه في صلح الحديبية حتى يتابعوه في ذلك، وانظر الحديث الآتى عدد (٤٣٥) .
٤٣١ - " استوصوا بالمعزى خيرا فإنها مال رفيق، وهو فى الجنة، وأحب المال إلى الله الضأن، وعليكم بالبياض، فإن الله خلق الجنة بيضاء، فليلبسه أحياؤكم، وكفنوا فيه موتاكم، وإن دم الشاة البيضاء أعظم عند الله من دم السوداوين ".
موضوع.
أخرجه الطبراني (٣ / ١١٣ / ١ ـ ٢) وابن عدي (٢ / ٣٧٨) من طريق أبي شهاب عن حمزة النصيبي، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس مرفوعا.
قلت: وهذا إسناد موضوع، وعلته حمزة النصيبي، قال ابن حبان (١ / ٢٧٠) :
يضع الحديث.
والحديث قال في " المجمع " (٤ / ٦٦) :
стр. 703
رواه الطبراني في " الكبير " وفيه حمزة النصيبي، وهو متروك.
ومن طريقه أخرج منه أبو نعيم في " أخبار أصبهان " (٢ / ٣٣٠) الطرف الأول.
٤٣٢ - " نهى عن المواقعة قبل المداعبة ".
موضوع.
رواه الخطيب (١٣ / ٢٢٠ - ٢٢١) وعنه ابن عساكر (١٦ / ٢٩٩ / ٢) وأبو عثمان النجيرمي في " الفوائد المخرجة من أصول مسموعاته " (٢٤ / ١) من طريق خلف بن محمد الخيام بسنده عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا، قال الذهبي في ترجمة الخيام هذا من " الميزان ".
قال الحاكم: سقط حديثه بروايته حديث: " نهى عن الوقاع قبل الملاعبة "، وقال الخليلى: خلط، وهو ضعيف جدا، روى فنونا لا تعرف.
قلت: وأبو الزبير مدلس، وقد عنعنه.
والحديث أورده الشيخ أحمد الغماري في " المغير " (ص ١٠٠) .
стр. 704
٤٣٣ - " يدعى الناس يوم القيامة بأمهاتهم سترا من الله عليهم ".
موضوع.
رواه ابن عدي (١٧ / ٢) عن إسحاق بن إبراهيم الطبري، حدثنا مروان الفزاري، عن حميد الطويل، عن أنس مرفوعا وقال:
هذا منكر المتن بهذا الإسناد، وإسحاق بن إبراهيم منكر الحديث.
وقال ابن حبان:
يروي عن ابن عيينة والفضل بن عياض، منكر الحديث جدا، يأتي عن الثقات بالموضوعات، لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب، وقال الحاكم:
стр. 705
روى عن الفضيل وابن عيينة أحاديث موضوعة، وأورده ابن الجوزي في " الموضوعات " (٣ / ٢٤٨) من طريق ابن عدي وقال: لا يصح، إسحاق منكر الحديث.
وتعقبه السيوطي في " اللآليء " (٢ / ٤٤٩) بأن له طريقا أخرى عند الطبراني، يعني الحديث الذي بعده، وهو مع أنه مغاير لهذا في موضع الشاهد منه، فإن هذا نصه " بأمهاتهم " وهو نصه " بأسمائهم " وشتان بين اللفظين، وقد رده ابن عراق فقال (٢ / ٣٨١) :
قلت: هو من طريق أبي حذيفة إسحاق بن بشر، فلا يصح شاهدا.
قلت: لأن الشرط في الشاهد أن لا يشتد ضعفه وهذا ليس كذلك، لأن إسحاق بن بشر هذا في عداد من يضع الحديث، كما تقدم في الحديث (٢٢٣) .
وقد ثبت ما يخالفه، ففي " سنن أبي داود " بإسناد جيد كما قاله النووي في " الأذكار " من حديث أبي الدرداء مرفوعا: " إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم " وفي الصحيح من حديث عمر مرفوعا: " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادر لواء، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان، والله أعلم.
قلت: حديث أبي الدرداء ضعيف ليس بجيد، لانقطاعه، وقد أعله بذلك أبو داود نفسه، فقد قال عقبه (رقم ٤٩٤٨) : ابن أبي زكريا لم يدرك أبا الدرداء.
وسوف يأتي تخريجه في هذه " السلسلة " (٥٤٦٠) .
стр. 706
قلت: وبذلك أعله جماعة آخرون، كالبيهقى، والمنذري، والعسقلاني.
فلا يغتر بعد هذا بقول النووي ومن تبعه، وانظر " فيض القدير ".
٤٣٤ - " إن الله تعالى يدعوالناس يوم القيامة بأسمائهم سترا منه على عباده، وأما عند الصراط فإن الله يعطي كل مؤمن نورا، وكل مؤمنة نورا، وكل منافق نورا، فإذا استووا على الصراط سلب الله نور المنافقين والمنافقات، فقال المنافقون: ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ (الحديد: ١٣) ، وقال المؤمنون: ﴿ربنا أتمم لنا نورنا) (التحريم: ٨) فلا يذكر عند ذلك أحد أحدا ".
موضوع.
أخرجه الطبراني (٣ / ١١٥ / ١) من طريق إسماعيل بن عيسى العطار، أخبرنا إسحاق بن بشر أبو حذيفة، أخبرنا ابن جريج عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس مرفوعا.
قلت: وإسحاق هذا كذاب، وقد تقدم طرفه الأول آنفا بسند آخر له كما تقدمت له أحاديث، وقال الهيثمي في " المجمع " (١٠ / ٣٥٩) بعد أن ساق الحديث من رواية الطبراني: وهو متروك.
стр. 707
٤٣٥ - " طاعة المرأة ندامة ".
موضوع.
رواه ابن عدي (ق ٣٠٨ / ١) عن عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، عن عنبسة بن عبد الرحمن، عن محمد بن زاذان، عن أم سعد بنت زيد بن ثابت عن أبيها مرفوعا.
стр. 708
أورده في ترجمة عنبسة هذا وقال: وله غير ما ذكرت، وهو منكر الحديث.
قلت: وقال أبو حاتم كان يضع الحديث، وأما عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي.
فقال ابن عدي (٢٩٠ / ٢) :
لا بأس به، إلا أنه يحدث عن قوم مجهولين بعجائب، وتلك العجائب من جهة المجهولين.
قلت: وعلى هذا جرى من بعده من المحققين، وقد ضعفه بعضهم.
والحديث أورده ابن الجوزي في " الموضوعات " (٢ / ٢٧٢) من رواية ابن عدي هذه وقال: لا يصح، عنبسة ليس بشيء، وعثمان لا يحتج به.
وروى الحديث عن عائشة بلفظ: " طاعة النساء ندامة ".
أخرجه العقيلي (ص ٣٨١) وابن عدي (ق ١٥٦ / ١) والقضاعي (ق ١٢ / ٢) والباطرقاني في " حديثه " (١٦٨ / ١) وابن عساكر (١٥ / ٢٠٠ / ٢) عن محمد ابن سليمان بن أبي كريمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا، وقال العقيلي:
стр. 709
محمد بن سليمان حدث عن هشام ببواطل لا أصل لها، منها هذا الحديث، وقال ابن عدي: ما حدث بهذا الحديث عن هشام إلا ضعيف، وحدث به عن هشام خالد ابن الوليد المخزومي، وهو أضعف من ابن أبي كريمة.
وقد تعقب السيوطي ابن الجوزي كعادته، فذكر في " اللآليء " (٢ / ١٧٤) أن له طريقين آخرين عن هشام، وشاهدا من حديث أبي بكرة، لكن في أحد الطريقين خلف بن محمد بن إسماعيل، وهو ساقط الحديث، كما تقدم عن الحاكم في الحديث (٤٢٢) ، وقد أخرجه من هذه الطريق أبو بكر المقري الأصبهاني في " الفوائد " (١٢ / ١٩٢ / ٢) وأبو أحمد البخاري في جزء من حديثه (٢ / ١) .
وفي الطريق الأخرى أبو البختري واسمه وهب بن وهب وضاع مشهور.
وأما الشاهد، فهو مع ضعف سنده مخالف لهذا اللفظ، وهو الآتى بعده.
وفاته شاهد آخر، أخرجه ابن عساكر (٥ / ٣٢٧ / ٢) من حديث جابر مرفوعا باللفظ الأول، وفيه جماعة لا يعرفون، وعلي بن أحمد بن زهير التميمي.
قال الذهبي: ليس يوثق به، وأما الشاهد عن أبي بكرة فهو:
٤٣٦ - " هلكت الرجال حين أطاعت النساء ".
ضعيف.
أخرجه ابن عدي (٣٨ / ١) وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " (٢ / ٣٤) وابن ماسي في آخر " جزء الأنصاري " (١١ / ١) والحاكم (٤ / ٢٩١) ،
стр. 710
وأحمد (٥ / ٤٥) من طريق أبي بكرة، بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه، عن أبي بكرة، أن النبي ﷺ أتاه بشير يبشره بظفر خيل له، ورأسه في حجر عائشة، فقام فحمد الله تعالى ساجدا، فلما انصرف أنشأ يسأل الرسول، فحدثه، فكان فيما حدثه من أمر العدو، وكانت تليهم امرأة، وفي رواية أحمد: أنه ولي أمرهم امرأة، فقال النبي ﷺ ... فذكره.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
قلت: وهذا ذهول منه عما ذكره في ترجمة بكار هذا من " الميزان ":
قال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن عدي: هو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم، وقال في " الضعفاء ": ضعيف مشاه ابن عدي.
قلت: وأنا أظن أن هذا الحديث عن أبي بكرة له أصل بلفظ آخر، وهو ما أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٣ / ٤٦ - ٤٧) عنه: لما بلغ النبي ﷺ أن فارسا ملكوا ابنة كسرى قال: " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ".
وأخرجه الحاكم أيضا، وأحمد (٥ / ٣٨، ٤٣، ٤٧، ٥٠، ٥١) من طرق عن أبي بكرة، هذا هو أصل الحديث، فرواه حفيده عنه باللفظ الأول فأخطأ، والله أعلم.
وبالجملة، فالحديث بهذا اللفظ ضعيف لضعف راويه، وخطئه فيه.
стр. 711
ثم إنه ليس معناه صحيحا على إطلاقه، فقد ثبت في قصة صلح الحديبية من " صحيح البخاري " (٥ / ٣٦٥) أن أم سلمة ﵂ أشارت على النبي ﷺ حين امتنع أصحابه من أن ينحروا هديهم أن يخرج ﷺ ولا يكلم أحدا منهم كلمة حتى ينحر بدنه ويحلق، ففعل ﷺ ، فلما رأى أصحابه ذلك قاموا فنحروا، ففيه أن النبي ﷺ أطاع أم سلمة فيما أشارت به عليه، فدل على أن الحديث ليس على إطلاقه، ومثله الحديث الذي لا أصل له:
" شاوروهن وخالفوهن " وقد تقدم برقم (٤٣٠) .
٤٣٧ - " من ولد له ثلاثة فلم يسم أحدهم محمدا فقد جهل ".
موضوع.
قال الطبراني في " الكبير " (١٠٨ - ١٠٩) : حدثنا أحمد بن النضر العسكري، أخبرنا أبو خيثمة مصعب بن سعيد، أخبرنا موسى بن أيمن، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعا، ومن طريق مصعب هذا رواه الحارث بن أبي أسامة في " مسنده " (١٩٩ - ٢٠٠ من زوائده) وابن عدي (٢٨٠ / ٢) .
قلت: وهذا إسناد ضعيف جدا، مصعب هذا قال ابن عدي:
يحدث عن الثقات بالمناكير، ثم ساق له منها ثلاثة، عقب الذهبي عليها بقوله:
ما هذه إلا مناكير وبلايا، ثم قال ابن عدي:
стр. 712
والضعف على رواياته بين، وقال صالح جزرة:
شيخ ضرير لا يدرى ما يقول، وتابعه الوليد بن عبد الملك بن مسرح الحراني، ولكن لم أجد من ترجمه، ثم وجدناه في الجرح (٤ / ٤ / ١٠) وثقات ابن حبان (٩ / ٢٢٧) ولكن الراوي عنه أبو بدر أحمد بن خالد بن مسرح الحراني.
قال الدارقطني: ليس بشيء، فلا قيمة لهذه المتابعة، وهي عند الحافظ ابن بكير الصيرفي في فضل من اسمه أحمد ومحمد (٥٨ / ١) .
وليث ابن أبي سليم ضعيف باتفاقهم، وقد روى ابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ١٧٨) بإسناد صحيح عن عيسى بن يونس وقد قيل له: لم لم تسمع منه؟ فقال:
قد رأيته، وكان قد اختلط، وكان يصعد المنارة ارتفاع النهار فيؤذن.
وبه أعل ابن الجوزي هذا الحديث في " الموضوعات " (١ / ١٥٤) وقد أورده من رواية ابن عدي بإسناده عن مصعب به ثم قال:
تفرد به موسى عن ليث، وليث تركه أحمد وغيره، قال ابن حبان: اختلط في آخر عمره، فكان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل.
وتعقبه السيوطي في " اللآليء " (١ / ١٠١ - ١٠٢) بقوله:
ليث لم يبلغ أمره أن يحكم على حديثه بالوضع، فقد روى له مسلم والأربعة ووثقه ابن معين وغيره.
قلت: إنما قال فيه ابن معين: لا بأس به، كما في " الميزان " و" التهذيب " وهذا في رواية عنه، وإلا فقد روى الثقات عنه تضعيفه، وهذا الذي ينبغي
стр. 713
اعتماده، لأن سبب تضعيفه واضح وهو الاختلاط، ويمكن الجمع بين القولين بأنه أراد بالأول أنه صدوق في نفسه، يعني أنه لا يكذب عمدا، وهذا لا ينافي ضعفه الناتج من شيء لا يملكه، وهو الاختلاط، وهذا ما أشار إليه البخاري حين قال فيه: صدوق، يهم، ومثله قول يعقوب بن شيبة: هو صدوق، ضعيف الحديث ونحوه.
قال عثمان ابن أبي شيبة والساجي: وهؤلاء هم الذين عناهم السيوطي بقوله:
... وغيره، فتبين أن الأئمة مجمعون على تضعيفه، وكونه ثقة في نفسه لا يدفع عنه الضعف الذي وصف به، وهذا بين لا يخفى على من له أدنى إلمام بالجرح والتعديل، فظهر أن ما استروح إليه السيوطي من التوثيق لا فائدة فيه.
نعم قوله: إن ليثا لا يبلغ أمره أن يحكم على حديثه بالوضع، صحيح، ولكن قد يحيط بالحديث الضعيف ما يجعله في حكم الموضوع، مثل أن لا يجرى العمل عليه من السلف الصالح، وهذا الحديث من هذا القبيل، فإننا نعلم كثيرا من الصحابة كان له ثلاثة أولاد وأكثر، ولم يسم أحدا منهم محمدا، مثل عمر بن الخطاب وغيره، وأيضا، فقد ثبت أن أفضل الأسماء عبد الله، وعبد الرحمن، وهكذا عبد الرحيم، وعبد اللطيف، وكل اسم تعبد لله ، فلو أن مسلما سمى أولاده كلهم عبيدا لله تعالى، ولم يسم أحدهم محمدا، لأصاب، فكيف يقال فيه:
فقد جهل؟ ولا سيما أن في السلف من ذهب إلى كراهة التسمي بأسماء الأنبياء، وإن كنا لا نرضى ذلك لنا مذهبا.
وإن من توفيق الله إياي أن ألهمني أن أعبد له أولادي كلهم وهم: عبد الرحمن وعبد اللطيف وعبد الرزاق من زوجتي الأولى - رحمهما الله تعالى -
стр. 714
وعبد المصور وعبد الأعلى من زوجتي الأخرى والاسم الرابع ما أظن أحدا سبقني إليه على كثرة ما وقفت عليه من الأسماء في كتب الرجال والرواة ثم اتبعني على هذه التسمية بعض المحبين ومنهم واحد من فضلاء المشايخ جزاهم الله خيرا أسأل الله تعالى أن يزيدني توفيقا وأن يبارك لي في آلي ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما﴾ ثم رزقت سنة ١٣٨٣ هـ وأنا في المدينة المنورة غلاما فسميته محمدا ذكرى مدينته ﷺ وعملا بقوله ﷺ " تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي " متفق عليه وفي سنة ١٣٨٦ هـ رزقت بأخ له فسميته عبد المهيمن، والحمد لله على توفيقه.
وجملة القول أنه لا يلزم من كون الحديث ضعيف السند، أن لا يكون في نفسه موضوعا، كما لا يلزم منه أن لا يكون صحيحا، أما الأول، فلما ذكرنا، وأما الآخر، فلاحتمال أن يكون له طرق وشواهد ترقيه إلى درجة الحسن أو الصحيح، وهذا أمر لا يتساهل السيوطي في مراعاته أقل تساهل، كما هو بين في تعقبه على ابن الجوزي في " اللآليء المصنوعة " بينما لا نراه يعطى الأمر الأول ما يستحقه من العناية والتقدير، فنجده في كثير من الأحاديث التي حكم ابن الجوزي بوضعها، يحاول تخليصها من الوضع، ناظرا إلى السند فقط، بينما ابن الجوزي نظر إلى المتن أيضا، وهو من دقيق نظره الذي يحمد عليه، ومنها الحديث الذي نحن في صدد الكلام عليه.
стр. 715
ولا يتقوى الحديث بأنه روى من حديث واثلة بن الأسقع، ومن حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده، ومن حديث عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده، أخرجها ابن بكير في الجزء المذكور " فضل من اسمه أحمد ومحمد " لأن طرقها كلها لا تخلومن متهم، كما بينه ابن عراق في " تنزيه الشريعة " (٨٢ / ١) .
أما حديث واثلة، ففيه عمر بن موسى الوجيهي، وهو وضاع، وأما حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده، ففيه عبد الله بن داهر الرازي، اتهمه ابن الجوزي، ثم الذهبي، بالوضع، والحديث الثالث آفته عبد الملك بن هارون، وهو كذاب وضاع.
٤٣٨ - " مثل أصحابي مثل النجوم من اقتدى بشيء منها اهتدى ".
موضوع.
رواه القضاعي (١٠٩ / ٢) عن جعفر بن عبد الواحد قال: قال لنا وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا.
قلت: وكتب بعض المحدثين على الهامش وأظنه ابن المحب أو الذهبي:
هذا حديث ليس بصحيح.
قلت: يعني أنه موضوع وآفته جعفر هذا، قال الدارقطني:
يضع الحديث، وقال أبو زرعة: روى أحاديث لا أصل لها، وساق الذهبي أحاديث اتهمه بها، منها هذا، وقال:
стр. 716
إنه من بلاياه، وقد تقدم الحديث بنحوه مع الكلام على طرقه وأكثر ألفاظه برقم (٥٨ - ٦٢) فراجعه إن شئت فإن تحته فوائد جمة.
٤٣٩ - " يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة فى أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان ".
موضوع.
أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٣ / ١١٢ / ١) والدارقطني في " سننه " (ص ١٤٨) ومن طريقه البيهقي (٣ / ١٣٧ ـ ١٣٨) من طريق إسماعيل بن عياش عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه، وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس مرفوعا.
قلت: وهذا موضوع، سببه عبد الوهاب بن مجاهد، كذبه سفيان الثوري، وقال الحاكم: " روى أحاديث موضوعة ".
وقال ابن الجوزي: " أجمعوا على ترك حديثه ".
وإسماعيل بن عياش ضعيف في روايته عن غير الشاميين، وهذه منها، فإن ابن مجاهد حجازي.
وقد قل البيهقي عقب الحديث:
" وهذا حديث ضعيف إسماعيل بن عياش لا يحتج به، وعبد الوهاب بن مجاهد ضعيف بمرة، والصحيح أن ذلك من قول ابن عباس ".
قلت: أخرجه البيهقي من طريق عمرو بن دينار عن عطاء به موقوفا، وسنده
стр. 717
صحيح.
وابن مجاهد، لم يسم في رواية الطبراني، ولذلك لم يعرفه الهيثمي (٢ / ١٥٧) .
ومما يدل على وضع هذا الحديث، وخطأ نسبته إليه ﷺ ، ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته في أحكام السفر (٢ / ٦ - ٧ من مجموعة الرسائل والمسائل) :
هذا الحديث إنما هو من قول ابن عباس، ورواية ابن خزيمة وغيره له مرفوعا إلى النبي ﷺ باطلة بلا شك عند أئمة الحديث، وكيف يخاطب النبي ﷺ أهل مكة بالتحديد، وإنما قام بعد الهجرة زمنا يسيرا وهو بالمدينة، لا يحد لأهلها حدا كما حده لأهل مكة، وما بال التحديد يكون لأهل مكة دون غيرهم من المسلمين؟!
وأيضا، فالتحديد بالأميال والفراسخ يحتاج إلى معرفة مقدار مساحة الأرض، وهذا أمر لا يعلمه إلا خاصة الناس، ومن ذكره، فإنما يخبر به عن غيره تقليدا، وليس هو مما يقطع به، والنبي ﷺ لم يقدر الأرض بمساحة أصلا، فكيف يقدر الشارع لأمته حدا لم يجر به له ذكر في كلامه، وهو مبعوث إلى جميع الناس؟!
فلابد أن يكون مقدار السفر معلوما علما عاما.
ومن ذلك أيضا أنه ثبت بالنقل الصحيح المتفق عليه بين علماء الحديث أن النبي ﷺ في حجة الوداع كان يقصر الصلاة بعرفة، ومزدلفة، وفي أيام منى، وكذلك أبو بكر وعمر بعده، وكان يصلي خلفهم أهل مكة، ولم يأمروهم بإتمام الصلاة، فدل هذا على أن ذلك سفر، وبين مكة وعرفة بريد، وهو نصف يوم بسير الإبل والأقدام.
والحق أن السفر ليس له حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف، فما كان سفرا في عرف الناس، فهو السفر الذي علق به الشارع الحكم، وتحقيق هذا البحث الهام تجده في رسالة ابن تيمية المشار إليها آنفا، فراجعها فإن فيها فوائد هامة لا تجدها عند غيره.
стр. 718
٤٤٠ - " حسن الخلق يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل ".
ضعيف جدا.
رواه ابن عدي (٣٠٤ / ٢) عن عيسى بن ميمون: سمعت محمد بن كعب، عن ابن عباس مرفوعا به، ساقه في ترجمة عيسى بن ميمون في جملة أحاديث ثم قال:
وعامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد، ثم روى عن ابن معين أنه قال فيه: ليس بشيء، وقال البخاري: صاحب مناكير، والنسائي: متروك الحديث.
قلت: وقال ابن حبان: يروي أحاديث كلها موضوعات، ولهذا لم يحسن السيوطي بإيراده لهذا الحديث في " الجامع الصغير " من رواية ابن عدي هذه مقتصرا على الشطر الأول منه! وقد علق عليه المناوي بما لا يتبين منه حال الحديث بدقة فقال: ورواه البيهقي في " الشعب " وضعفه، والخرائطى في " المكارم "، قال العراقي: والسند ضعيف، لكن شاهده خبر الطبراني بسند ضعيف أيضا، ويشير بخبر الطبراني إلى الحديث الآتي، وخفي عليه أنه من هذه الطريق
стр. 719
أيضا! وأما حديث الخرائطي فهو عنده من حديث أنس، وسيأتي بعد حديث.
٤٤١ - " الخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، والخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل ".
ضعيف جدا.
وله طريقان:
الأول عن ابن عباس، رواه الطبراني في " الكبير " (٣ / ٩٨ / ١) وأبو محمد القاري في " حديثه " (٢ / ٢٠٣ / ١) عن عيسى بن ميمون قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن ابن عباس مرفوعا.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جدا، عيسى هذا، هو المدني، ويعرف بالواسطي، وهو الذي في سند الحديث المتقدم، روى ابن أبي حاتم (٣ / ١ / ٢٨٧) عن أبيه أنه قال: هو متروك الحديث.
والحديث في " المجمع " (٨ / ٢٤) وقال:
رواه الطبراني في " الكبير " و" الأوسط " وفيه عيسى بن ميمون المدني، وهو ضعيف.
الآخر: عن أنس، أخرجه تمام في " الفوائد " (٥٣ / ١) عن مخيمر بن سعيد المنبجي، حدثنا روح بن عبد الواحد، حدثنا خليد بن دعلج، عن الحسن، عن أنس مرفوعا.
قلت: وهذا سند ضعيف جدا أيضا، خليد بن دعلج، قال النسائي: ليس بثقة، وعده الدارقطني في جماعة من المتروكين.
стр. 720
وروح بن عبد الواحد، قال أبو حاتم:
ليس بالمتين، روى أحاديث متناقضة، وقال ابن عدي في ترجمة خليد (١٢٠ / ٢) عقب حديث أورده من رواية روح عن خليد: لعل البلاء فيه من الراوي عنه.
٤٤٢ - " إن حسن الخلق ليذيب الخطيئة كما تذيب الشمس الجليد ".
ضعيف جدا.
رواه الخرائطي في " مكارم الأخلاق " (ص ٧) من طريق بقية بن الوليد، حدثني أبو سعيد، حدثني عبد الرحمن بن سليمان، عن أنس بن مالك مرفوعا.
قلت: وهذا سند ضعيف جدا، أبو سعيد هذا من شيوخ بقية المجهولين الذين يدلسهم، قال ابن معين:
إذا لم يسم بقية شيخه وكناه فاعلم أنه لا يساوي شيئا.
والحديث أورده السيوطي في " الجامع " من رواية الخرائطي هذه، وبيض له المناوي فلم يتكلم عليه بشىء! وأما في التيسير فقال:. . . بإسناد فيه مقال.
стр. 721
٤٤٣ - " ألا إنه لم يبق من الدنيا إلا مثل الذباب تمور فى جوها، فالله الله فى إخوانكم من أهل القبور، فإن أعمالكم تعرض عليهم ".
ضعيف.
أخرجه الحاكم (٤ / ٣٠٧) من طريق أبي إسماعيل السكوني، قال: سمعت مالك بن أدى يقول: سمعت النعمان بن بشير يقول مرفوعا، وقال:
صحيح الإسناد.
стр. 722
ورده الذهبي بقوله:
قلت: فيه مجهولان.
قلت: وهما السكوني وابن أدى كما صرح في " الميزان " أنهما مجهولان تبعا لأصله " الجرح والتعديل " (٤ / ١ / ٣٠٣ و٤ / ٢ / ٣٣٦) ولكنه قال: وثق يشير بذلك إلى عدم الاعتداد بتوثيق ابن حبان إياهما (٥ / ٣٨٨ و٧ / ٦٥٦) لما عرف من تساهله في توثيق المجهولين.
٤٤٤ - " كان إبليس أول من ناح وأول من تغنى ".
لا أصل له.
وقد أورده الغزالي (٢ / ٢٥١) من حديث جابر مرفوعا، فقال الحافظ العراقي في تخريجه:
لم أجد له أصلا من حديث جابر، وذكره صاحب " الفردوس " من حديث علي بن أبي طالب، ولم يخرجه ولده في " مسنده ".
стр. 723
٤٤٥ - " من طلب ما عند الله كانت السماء ظلاله، والأرض فراشه، لم يهتم بشيء من أمر الدنيا، فهو لا يزرع ويأكل الخبز، وهو لا يغرس الشجر ويأكل الثمار، توكلا على الله تعالى، وطلبا لمرضاته، فضمن الله السموات السبع والأرضين السبع رزقه، فهم يتعبون فيه، ويأتون به حلالا، ويستوفي هو رزقه بغير حساب عند الله تعالى حتى أتاه اليقين ".
موضوع.
أخرجه ابن حبان في " الضعفاء " (١ / ١١٢) أطول منه والحاكم (٤ / ٣١٠) والسياق له من طريق إبراهيم بن عمرو السكسكي حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا. وقال الحاكم:
стр. 724
صحيح الإسناد، ورده الذهبي بقوله:
قلت: بل منكر وموضوع، إذ عمرو بن بكر متهم عند ابن حبان، وإبراهيم ابنه، قال الدارقطني: متروك.
قلت: وفي ترجمة إبراهيم من " الميزان ":
قال ابن حبان: يروي عن أبيه الأشياء الموضوعة، وأبوه أيضا لا شيء، ثم ساق له هذا الحديث.
قلت: وتمام كلام بن حبان تفرد به إبراهيم بن عمرو وهو مما عملت يداه لأن هذا ليس من كلام رسول الله ﷺ ولا ابن عمر ولا نافع وإنما هو شيء من كلام الحسن.
٤٤٦ - " ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبريل ﵇، وأفضل النبيين آدم، وأفضل الأيام يوم الجمعة، وأفضل الشهو ر شهر رمضان، وأفضل الليالي ليلة القدر، وأفضل النساء مريم بنت عمران ".
موضوع.
رواه الطبراني (١١٣٦١) من طريق نافع أبي هرمز، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس مرفوعا.
قلت: وهذا موضوع، نافع أبوهرمز، كذبه ابن معين، وقال النسائي:
ليس بثقة، وأفضل النبيين إنما هو نبينا محمد ﷺ بدليل الحديث الصحيح:
" أنا سيد الناس يوم القيامة ... ".
стр. 725
أخرجه مسلم (١ / ١٢٧) ، فهذا يدل على وضع هذا الحديث ومع ذلك أورده في " الجامع " والحديثي أورده الهيثمي في " المجمع " (٨ / ١٩٨) وضعفه بنافع وقال: متروك ثم ذكره في (٣ / ١٤٠) و (٢ / ١٦٥) وقال عنه في الموضعين:
ضعيف.
٤٤٧ - " يكون فى آخر الزمان عباد جهال، وقراء فسقة ".
موضوع.
أخرجه ابن حبان في " المجروحين " (٣ / ١٣٥) والحاكم (٤ / ٣١٥) وأبو نعيم (٢ / ٣٣١ - ٣٣٢) وعنه الديلمي (٤ / ٣١٩) وأبو بكر الآجري في " أخلاق العلماء " (ص ٦٢) من طريق يوسف بن عطية، عن ثابت، عن أنس مرفوعا، وقال أبو نعيم:
غريب لم نكتبه إلا من حديث يوسف بن عطية، وفي حديثه نكارة.
قلت: اتهمه ابن حبان بالوضع، وقد سكت عنه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله:
قلت: يوسف هالك، وقال البخاري مشيرا إلى شدة ضعفه واتهامه:
منكر الحديث ومع ذلك ذكره السيوطي في " الجامع ".
стр. 726
٤٤٨ - " لا تزال هذه الأمة، أو قال: أمتي بخير ما لم يتخذوا فى مساجدهم مذابح كمذابح النصارى ".
ضعيف.
أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (١ / ١٠٧ / ١) : حدثنا وكيع قال حدثنا أبو إسرائيل عن موسى الجهني، قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره.
стр. 727
قلت: وهذا سند ضعيف، وله علتان:
الأولى: الإعضال، فإن موسى الجهني وهو ابن عبد الله إنما يروي عن الصحابة بواسطة التابعين، أمثال عبد الرحمن بن أبي ليلى، والشعبي، ومجاهد، ونافع، وغيرهم، فهو من أتباع التابعين، وفيهم أورده ابن حبان في " ثقاته " (٧ / ٤٤٩) ، وعليه فقول السيوطي في " إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب " (ص ٣٠) إنه مرسل، ليس دقيقا، لأن المرسل في عرف المحدثين إنما هو قول التابعي:
قال رسول الله ﷺ ، وهذا ليس كذلك.
الآخرى: ضعف أبي إسرائيل هذا، واسمه إسماعيل بن خليفة العبسي، قال الحافظ في " التقريب ": صدوق سيء الحفظ.
وهذا على ما وقع في نسختنا المخطوطة من " المصنف "، ووقع فيما نقله السيوطي عنه في " الأعلام ": إسرائيل يعني إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو ثقة، وهو من طبقة أبي إسرائيل، وكلاهما من شيوخ وكيع، ولم أستطع البت بالأصح من النسختين، وإن كان يغلب علي الظن الأول، فإن نسختنا جيدة مقابلة بالأصل نسخت سنة (٧٣٥) ، وبناء على ما وقع للسيوطي قال:
هذا مرسل صحيح الإسناد، وقد عرفت أن الصواب أنه معضل، وهذا إن سلم من أبي إسرائيل، وما أظنه بسالم، فقد ترجح عندي أن الحديث من روايته، بعد أن رجعت إلى نسخة أخرى من " المصنف " (١ / ١٨٨ / ١) فوجدتها مطابقة للنسخة الأولى، وعليه فالسند ضعيف مع إعضاله ثم رأيته كذلك في المطبوعة (٢ / ٥٩) .
стр. 728
فائدة: المذابح: هي المحاريب كما في " لسان العرب " وغيره، وكما جاء مفسرا في حديث ابن عمر مرفوعا بلفظ: اتقوا هذه المذابح يعني المحاريب.
رواه البيهقي (٢ / ٤٣٩) وغيره بسند حسن، وقال السيوطي في " رسالته " (ص ٢١) حديث ثابت واستدل به على النهي عن اتخاذ المحاريب في المساجد، وفيه نظر بينته في " الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب "، خلاصته أن المراد به صدور المجالس، كما جزم به المناوي في " الفيض "، نعم جزم السيوطي في الرسالة السابقة، أن المحراب في المسجد بدعة. وتبعه الشيخ علي القاري في " مرقاة المفاتيح " (١ / ٤٧٣) وغيره، فهذا أعني كونه بدعة يغني عن هذا الحديث المعضل، وإن كان صريحا في النهي عنه، فإننا لا نجيز لأنفسنا الاحتجاج بما لم يثبت عنه ﵌، وقد روى البزار (١ / ٢١٠ / ٤١٦ - كشف الأستار) عن ابن مسعود أنه كره الصلاة في المحراب وقال: إنما كانت للكنائس، فلا تشبهو ابأهل الكتاب يعني أنه كره الصلاة في الطاق.
قال الهيثمي (٢ / ٥١) : ورجاله موثقون.
قلت: وفيما قاله نظر فقد أشار البزار إلى أنه تفرد به أبو حمزة عن إبراهيم واسم أبي حمزة ميمون القصاب وهو ضعيف اتفاقا ولم يوثقه أحد فإعلاله به أولى من إعلاله بشيخ البزار محمد بن مرداس بدعوى أنه مجهول، فقد روى عنه
стр. 729
جمع من الحفاظ منهم البخاري في " جزء القراءة " وقال ابن حبان في ثقاته (٩ / ١٠٧) : مستقيم الحديث لكن يقويه ما رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن إبراهيم قال: قال عبد الله:
اتقوا هذه المحاريب. وكان إبراهيم لا يقوم فيها.
قلت: فهذا صحيح عن ابن مسعود، فإن إبراهيم وهو ابن يزيد النخعي وإن كان لم يسمع من ابن مسعود، فهو عنه مرسل في الظاهر، إلا أنه قد صحح جماعة من الأئمة مراسيله، وخص البيهقي ذلك بما أرسله عن ابن مسعود.
قلت: وهذا التخصيص هو الصواب لما روى الأعمش قال: قلت: لإبراهيم: أسند لي عن ابن مسعود، فقال إبراهيم:
إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله، فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد عن عبد الله.
علقه الحافظ هكذا في " التهذيب "، ووصله الطحاوي (١ / ١٣٣) ، وابن سعد في " الطبقات " (٦ / ٢٧٢) ، وأبو زرعة في " تاريخ دمشق " (١٢١ / ٢) بسند صحيح عنه.
قلت: وهذا الأثر قد قال فيه إبراهيم: " قال عبد الله "، فقد تلقاه عنه من طريق جماعة، وهم من أصحاب ابن مسعود، فالنفس تطمئن لحديثهم لأنهم جماعة، وإن كانوا غير معروفين لغلبة الصدق على التابعين، وخاصة أصحاب ابن مسعود ﵁، ثم روى ابن أبي شيبة عن سالم بن أبي الجعد قال:
" لا تتخذوا المذابح في المساجد ".
وإسناده صحيح.
стр. 730
ثم روى بسند صحيح عن موسى بن عبيدة قال: رأيت مسجد أبي ذر، فلم أر فيه طاقا، وروى آثارا كثيرة عن السلف في كراهة المحراب في المسجد، وفي ما نقلناه عنه كفاية.
وأما جزم الشيخ الكوثري في كلمته التي صدر بها رسالة السيوطي السالفة (ص ١٧) : أن المحراب كان موجودا في مسجد النبي ﷺ ، فهو مع مخالفته لهذه الآثار التي يقطع من وقف عليها ببدعية المحراب، فلا جرم جزم بذلك جماعة من النقاد، كما سبق، فإنما عمدته في ذلك حديث لا يصح، ولا بد من الكلام عليه دفعا لتلبيسات الكوثري، وهو من حديث وائل بن حجر، وهو قوله:
٤٤٩ - " حضرت رسول الله ﷺ حين نهض إلى المسجد، فدخل المحراب [يعني موضع المحراب] ، ثم رفع يديه بالتكبير، ثم وضع يمينه على يسراه على صدره ".
ضعيف.
أخرجه البيهقي (٢ / ٣٠) عن محمد بن حجر الحضرمي حدثنا سعيد بن عبد الجبار ابن وائل عن أبيه عن أمه عن وائل.
ومن هذا الوجه رواه البزار والزيادة له والطبراني في " الكبير " كما في " المجمع " (١ / ٢٣٢، ٢ / ١٣٤ - ١٣٥) وقال:
وفيه سعيد بن عبد الجبار، قال النسائي: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في " الثقات "، ومحمد بن حجر ضعيف وقال في الموضع الآخر:
وفيه محمد بن حجر، قال البخاري: فيه بعض النظر، وقال الذهبي: له مناكير.
стр. 731
قلت: وبه أعله ابن التركماني في " الجوهر النقي " وزاد:
وأم عبد الجبار، هي: أم يحيى، لم أعرف حالها، ولا اسمها، فتبين من كلامهؤلاء العلماء أن هذا الإسناد فيه ثلاث علل:
١ - محمد بن حجر.
٢ - سعيد بن عبد الجبار.
٣ - أم عبد الجبار.
فمن تلبيسات الكوثري: أنه سكت عن العلتين الأوليين، موهما للقاريء أنه ليس فيه ما يخدش إلا العلة الثالثة، ومع ذلك فإنه أخذ يحاول دفعها بقوله:
وليس عدم ذكر أم عبد الجبار بضائره، لأنها لا تشذ عن جمهرة الراويات اللاتي قال عنهن الذهبي: وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها.
قلت: وليس معنى كلام الذهبي هذا، إلا أن حديث هؤلاء النسوة ضعيف، ولكنه ضعف غير شديد، فمحاولة الكوثري فاشلة، لا سيما بعد أن كشفنا عن العلتين الأوليين.
ولذلك المقدم الآخر لرسالة السيوطي، والمعلق عليها وهو الشيخ عبد الله محمد الصديق الغماري كان منصفا في نقده لهذا الحديث وإن كان متفقا مع الكوثري في استحسان المحاريب، فقد أفصح عن ضعف الحديث فقال (ص ٢٠) وكأنه يرد على الكوثري، وقد اطلع قطعا على كلامه:
والحق أن الحديث ضعيف بسبب جهالة أم عبد الجبار، ولأن محمد بن حجر بن عبد الجبار له مناكير كما قال الذهبي، وعلى فرض ثبوته يجب تأويله بحمل المحراب فيه على المصلي بفتح اللام للقطع بأنه لم يكن للمسجد النبوي محراب إذ ذاك كما جزم به المؤلف يعني السيوطي والحافظ والسيد السمهودي.
قلت: وما ذهب إليه من التأويل هو المراد من الحديث قطعا لوثبت بدليل
стр. 732
زيادة البزار يعني موضع المحراب، فإنه نص على أن المحراب لم يكن في عهده ﷺ ولذلك تأوله الراوي بموضع المحراب، ومن ذلك يتبين للقاريء المنصف سقوط تشبث الكوثري بالحديث سندا ومعنى، فلا يفيده الشاهد الذي ذكره من رواية عبد المهيمن بن عباس عند الطبراني من حديث سهل بن سعد ﵁ وفيه.... " فلما بنى له محراب تقدم إليه ... ".
ذلك لأن هذا اللفظ " بنى له محراب " منكر تفرد به عبد المهيمن هذا، وقد ضعفه غير واحد، كما زعم الكوثري، وحاله في الحقيقة شر من ذلك، فقد قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة.
فهو شديد الضعف، لا يستشهد به كما تقرر في مصطلح الحديث، هذا لوكان لفظ حديثه موافقا للفظ حديث وائل، فكيف وهما مختلفان كما بينا؟ !
وأما استحسان الكوثرى وغيره المحاريب، بحجة أن فيها مصلحة محققة، وهي الدلالة على القبلة، فهي حجة واهية من وجوه:
أولا: أن أكثر المساجد فيها المنابر، فهي تقوم بهذه المصلحه قطعا، فلا حاجة
стр. 733
حينئذ للمحاريب، وينبغي أن يكون ذلك متفقا بين المختلفين في هذه المسألة لو أنصفوا، ولم يحاولوا ابتكار الأعذار إبقاء لما عليه الجماهير وإرضاء لهم.
ثانيا: أن ما شرع للحاجة والمصلحة، ينبغي أن يوقف عندما تقتضيه المصلحة، ولا يزاد على ذلك، فإذا كان الغرض من المحراب في المسجد، هو الدلالة على القبلة، فذلك يحصل بمحراب صغير يحفر فيه، بينما نرى المحاريب في أكثر المساجد ضخمة واسعة يغرق الإمام فيها، زد على ذلك أنها صارت موضعا للزينة والنقوش التي تلهى المصلين وتصرفهم عن الخشوع في الصلاة وجمع الفكر فيها، وذلك منهي عنه قطعا.
ثالثا: أنه إذا ثبت أن المحاريب من عادة النصارى في كنائسهم، فينبغي حينئذ صرف النظر عن المحراب بالكلية، واستبداله بشيء آخر يتفق عليه، مثل وضع عمود عند موقف الإمام، فإن له أصلا في السنة، فقد أخرج الطبراني في " الكبير " (١ / ٨٩ / ٢) و" الأوسط " (٢ / ٢٨٤ / ٩٢٩٦) من طريقين عن عبد الله بن موسى التيمي، عن أسامة بن زيد، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن جابر بن أسامة الجهني قال:
" لقيت النبي ﷺ في أصحابه في السوق، فسألت أصحاب رسول الله أين يريد؟ قالوا: يخط لقومك مسجدا، فرجعت فإذا قوم قيام، فقلت: ما لكم؟ قالوا: خط لنا رسول الله ﷺ مسجدا، وغرز في القبلة خشبة أقامها فيها.
قلت: وهذا إسناد حسن أو قريب من الحسن رجاله كلهم ثقات معروفون من رجال " التهذيب "، لكن التيمي مختلف فيه وقد تحرف اسم أحدهم على الهيثمي فقال في " المجمع " (٢ / ١٥) : رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه معاوية بن عبد الله بن حبيب، ولم أجد من ترجمه.
وإنما هو: معاذ لا معاوية وابن خبيب بضم المعجمة، لا
стр. 734
حبيب بفتح المهملة، وعلى الصواب أورده الحافظ في " الإصابة " (١ / ٢٢٠) من رواية البخاري في " تاريخه "، وابن أبي عاصم، والطبراني، وقد خفيت هذه الحقيقة على المعلق على رسالة السيوطي، وهو الشيخ عبد الله الغماري، فنقل كلام الهيثمي في إعلال الحديث بمعاوية بن عبد الله وأقره،وجملة القول: أن المحراب في المسجد بدعة، ولا مبرر لجعله من المصالح المرسلة، ما دام أن غيره مما شرعه رسول الله ﷺ يقوم مقامه مع البساطة، وقلة الكلفة، والبعد عن الزخرفة.
٤٥٠ - " لواعتقد أحدكم بحجر لنفعه ".
موضوع.
كما قال ابن تيمية، وغيره.
قال الشيخ على القاري في " موضوعاته " (ص ٦٦) : وقال ابن القيم: هو من كلام عباد الأصنام الذين يحسنون ظنهم بالأحجار.
وقال ابن حجر العسقلاني: لا أصل له، ونحوه: من بلغه شيء عن الله فيه فضيلة ... ".
قلت: يعني الحديث الآتى بعد:
стр. 735
٤٥١ - " من بلغه عن الله شيء فيه فضيلة فأخذ به إيمانا به ورجاء ثوابه أعطاه الله ذلك وإن لم يكن كذلك ".
موضوع.
أخرجه الحسن بن عرفة في " جزئه " (١٠٠ / ١) وابن الأبار في " معجمه " (ص ٢٨١) وأبو محمد الخلال في " فضل رجب " (١٥ / ١ - ٢) ، والخطيب (٨ / ٢٩٦) ، ومحمد بن طولون (٨٨٠ - ٩٥٣) في " الأربعين " (١٥ / ٢) عن فرات بن سلمان، وعيسى بن كثير، كلاهما عن أبي رجاء، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله الأنصاري مرفوعا.
стр. 736
ومن هذه الطريق ذكره ابن الجوزي في " الموضوعات " (١ / ٢٥٨) وقال:
" لا يصح، أبو رجاء كذاب ".
وأقره السيوطي في " اللآليء " (٢ / ٢١٤) ، وأنا لم أعرف أبا رجاء هذا، ثم وجدت الحافظ السخاوي صرح في " المقاصد " (ص ١٩١) بأنه لا يعرف. وكذا قال فى " القول البديع " (ص ١٩٧) .
وأما قول المؤرخ ابن طولون:
" هذا حديث جيد الإسناد، وأبو رجاء هو فيما أعلم محرز بن عبد الله الجزري مولى هشام، وهو ثقة، وللحديث طرق وشواهد ذكرتها في كتابي " التوشيح لبيان صلاة التسبيح ". فهو بعيد جدا عن قواعد هذا العلم.
فإن محرزا هذا إن سلم أنه أبو رجاء، فهو يدلس، كما قال الحافظ في " التقريب " وقد عنعن، فأنى لإسناده الجودة؟ على أنني أستبعد أن يكون أبو رجاء هو محرز هذا، لأسباب: منها أنهم ذكروا في ترجمته أن من شيوخه، فرات بن سلمان، والواقع في هذا الإسناد خلافه، أعنى أن فرات بن سلمان هو راوى الحديث عنه، إلا أن يقال: إنه من رواية الأكابر عن الأصاغر، وفيه بعد. والله أعلم.
ويؤيد أنه ليس به، أنني رأيت على هامش " جزء ابن عرفة ": " العطاردي " إشارة إلى أن هذا نسبه، ولكن لم يوضع بجانبها حرف " صح " إشارة إلى أن هذه النسبة هي من أصل الكتاب سقطت من قلم الناسخ، فاستدركها على الهامش كما هي عادتهم، فإذا لم يشر إلى أنها من الأصل، فيحتمل أن تكون وضعت عليه تبيينا
стр. 737
وتوضيحا، لا على أنها من الأصل، ولعلنا نعثر على نسخة أخرى لهذا الجزء فنتبين حقيقة هذه الكلمة. والله أعلم.
ثم رأيت الحديث قد أخرجه الحافظ القاسم ابن الحافظ ابن عساكر فى " الأربعين " للسلفي (١١ / ١) من الطريقين عن أبى رجاء به وقال:
" وهذا الحديث أيضا فيه نظر، وقد سمعت أبي ﵀ يضعفه ".
ثم أورده ابن الجوزي من رواية الدارقطني بسنده عن ابن عمر، وفيه إسماعيل بن يحيى، قال ابن الجوزي: " كذاب "، ومن رواية ابن حبان من طريق يزيع أبي الخليل عن محمد بن واسع، وثابت بن أبان (كذا الأصل، ولعله ابن أسلم، فإني لا أعرف فى الرواة ثابت بن أبان) عن أنس مرفوعا. وقال ابن الجوزى:
" بزيع متروك ".
قلت: قال الذهبي فى ترجمته:
" متهم، قال ابن حبان: يأتي عن الثقات بأشياء موضوعة كأنه المتعمد لها ".
وقال في " الضعفاء ":
" متروك ".
وفى " اللسان " للحافظ ابن حجر:
" وقال الدارقطني: كل شيء يرويه باطل. وقال الحاكم: يروى عن الثقات أحاديث موضوعة ".
قلت: ومن طريقه أخرجه أبو يعلى، والطبراني في " الأوسط " بنحوه، كما فى " المجمع " (١ / ١٤٩) ، وسنذكره بعد هذا.
стр. 738
ثم إن السيوطي تعقب ابن الجوزي، فساق لحديث أنس طريقا آخر فيه متهم أيضا، كما يأتي بيانه في الحديث الذي بعده، وذكر كذلك طريقا أخرى لحديث ابن عمر من رواية الوليد بن مروان عنه، وسكت عنه، والوليد هذا مجهول، كما قال ابن أبى حاتم (٤ / ٢ / ١٨) عن أبيه، وكذا قال الذهبي، والعسقلاني. ثم إن فيه انقطاعا، فإن الوليد هذا روى عن غيلان بن جرير، وغيلان لم يروعن غير أنس من الصحابة، فهو من صغار التابعين، فالوليد على هذا من أتباعهم لم يدرك الصحابة، فثبت انقطاع الحديث.
ومن عجائب السيوطي أنه ساق بعد هذا قصة عن حمزة بن عبد المجيد.
خلاصتها: أنه رأى النبي ﷺ في المنام فسأله عن هذا الحديث، فقال: " إنه لمني وأنا قلته ".
ومن المقرر عند العلماء أن الرؤيا لا يثبت بها حكم شرعي، فبالأولى أن لا يثبت بها حديث نبوي، والحديث هو أصل الأحكام بعد القرآن.
وبالجملة، فجميع طرق هذا الحديث لا تقوم بها حجة، وبعضها أشد ضعفا من بعض، وأمثلها - كما قال الحافظ ابن ناصر الدين في " الترجيح " - طريق أبي رجاء، وقد عرفت وهاءها، ولقد أصاب ابن الجوزي في إيراده إياه في " الأحاديث الموضوعة "، وتابعه على ذلك الحافظ ابن حجر، فقال، كما سبق في الحديث الذي قبله: " لا أصل له ".
وكفى به حجة فى هذا الباب، ووافقه الشوكاني أيضا كما سيأتي في الحديث الذي بعده.
ومن آثار هذا الحديث السيئة أنه يوحي بالعمل بأي حديث طمعا في ثوابه، سواء كان الحديث عند أهل العلم صحيحا، أو ضعيفا، أو موضوعا، وكان من نتيجة
стр. 739
ذلك أن تساهل جمهو ر المسلمين، علماء، وخطباء، ومدرسين، وغيرهم، فى رواية الأحاديث، والعمل بها، وفي هذا مخالفة صريحة للأحاديث الصحيحة في التحذير من التحديث عنه ﷺ إلا بعد التثبت من صحته عنه ﷺ كما بيناه في المقدمة.
ثم إن هذا الحديث وما في معناه كأنه عمدة من يقول بجواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، ومع أننا نرى خلاف ذلك، وأنه لا يجوز العمل بالحديث إلا بعد ثبوته، كما هو مذهب المحققين من العلماء، كابن حزم، وابن العربي المالكي، وغيرهم - فان القائلين بالجواز قيدوه بشروط:
منها أن يعتقد العامل به كون الحديث ضعيفا.
ومنها: أن لا يشهر ذلك، لئلا يعمل المرء بحديث ضعيف، فيشرع ما ليس بشرع، أو يراه بعض الجهال فيظن أنه سنة صحيحة. كما نص على ذلك الحافظ ابن حجر في " تبيين العجب بما ورد فى فضل رجب " (ص ٣ - ٤) قال: " وقد صرح بمعنى ذلك الأستاذ ابن عبد السلام وغيره، وليحذر المر من دخوله تحت قوله ﷺ : " من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين "، فكيف بمن عمل به، ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام، أو في الفضائل، إذ الكل شرع.
قلت: ولا يخفى أن العمل بهذه الشروط ينافي هذا الحديث الموضوع، فالقائلون بها، كأنهم يقولون بوضعه. وهذا هو المطلوب - فتأمل.
ثم رأيت رسالة ابن ناصر الدين في صلاة التسابيح التي نقلت عنها تجويده لإسناد هذا الحديث قد طبعت بتعليق المدعومحمود بن سعيد المصري، وقد شغب فيها علينا ما شاء له الشغب - كما هي عادته - وتأول كلام العلماء بما يتفق مع جدله بالباطل، ومكابرته الظاهرة لكل قاريء، ولا مجال الآن للرد عليه مفصلا، فحسبي أن أسوق مثالا واحدا على ما نقول:
стр. 740
لقد تظاهر بالانتصار للتجويد المشار إليه، فرد إعلالي للحديث بتدليس محرز، إن سلم بأنه هو أبو رجاء، فزعم (ص ٣٢ و٣٣) بأن محرزا إنما يدلس عن مكحولا فقط، وبذلك تأول ما نقله عن ابن حبان أنه قال:
كان يدلس عن مكحول، يعتبر بحديثه ما بين السماع فيه عن مكحول وغيره.
فتعامى عن قوله: وغيره، الصريح في أنه إذا لم يصرح بالسماع عن مكحول وعن غيره، فلا يعتبر بحديثه، كما تعامى عن قول الحافظ المتقدم: " كان يدلس "، فإنه مطلق يشمل تدليسه عن مكحول وغيره.
وإنما قلت: تظاهر.... لأنه بعد تلك الجعجعة رجع إلى القول بضعف الحديث فقد تشكك (ص ٣٦) أولا في كون أبي رجاء هو محرز بن عبد الله المدلس وثانيا خالف ابن ناصر الدين بقوله:
ولكن الحديث فيه نكارة شديدة توجب ضعفه، فإنه يؤدي للعمل بكل ما يسمع، ولوكان موضوعا أو واهيا، ما دام في الفضائل.
قلت: فقد رجع من نقده إياي بخفي حنين بعد أن سرق ما جاء في استدراكه الأخير من قولي المتقدم قريبا:
" ومن آثار هذا الحديث السيئة أنه يوحي بالعمل بأي حديث طمعا في ثوابه. . . " إلخ.
أفلا يدل هذا على بالغ حقده وحسده ومكابرته؟ بلى، هناك ما هو أعظم في الدلالة، فانظر مقدمتي لكتابي " آداب الزفاف " طبع المكتبة الإسلامية في عمان، تر العجب العجاب.
والخلاصة: أن العلماء اتفقوا على رد هذا الحديث ما بين قائل بوضعه أو ضعفه، وهم: ابن الجوزي، وابن عساكر، وولداه، وابن حجر، والسخاوي، والسيوطي، والشوكاني، (وهم القوم لا يشقى جليسهم) .
следующие страницы →