٥١٨٦ - (سلك رجلان مفازة: عابد، والآخر به رهق، فعطش العابد حتى سقط؛ فجعل صاحبه ينظر إليه؛ ومعه ميضأة فيها شيء من ماء، فجعل ينظر إليه وهو صريع، فقال: والله! لئن مات هذا العبد الصالح عطشاً ومعي ماء؛ لا أصيب من الله خيراً أبداً، ولئن سقيته مائي لأموتن، فتوكل على الله وعزم، فرش عليه من مائه وسقاه فضله، فقام، فقطعا المفازة. فيوقف الذي به رهق للحساب، فيؤمر به إلى النار، فتسوقه الملائكة، فيرى العابد، فيقول: يا فلان! أما تعرفني؟ فيقول: ومن أنت؟ فيقول: أنا فلان الذي آثرتك على نفسي يوم المفازة. فيقول: بلى أعرفك. فيقول للملائكة: قفوا. فيقفون، فيجيء حتى يقف فيدعو ربه ، فيقول: يا رب! قد عرفت يده عندي، وكيف آثرني على نفسه، يا رب! هبه لي، فيقول: هو لك، فيجيء فيأخذ بيد أخيه، فيدخله الجنة) .
ضعيف
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١/ ٩٣/ ٢) عن الصلت بن مسعود: حدثنا جعفر بن سليمان: حدثنا أبو ظلال: حدثنا أنس بن مالك مرفوعاً به.
قال: فقلت لأبي ظلال: أحدثك أنس عن رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. وقال الطبراني:
"لم يروه عن أبي ظلال إلا جعفر، تفرد به الصلت".
قلت: وهما ثقتان من رجال مسلم. وإنما العلة من أبي ظلال - واسمه هلال القسملي -؛ قال ابن حبان في "الضعفاء" (٣/ ٨٥) :
стр. 7142
"كان شيخاً مغفلاً، يروي عن أنس ما ليس من حديثه. لا يجوز الاحتجاج به بحال".
وكلمات سائر الأئمة تدور على تضعيفه، اللهم! إلا ما ذكره الحافظ في "التهذيب" عن البخاري أنه قال فيه:
"مقارب الحديث"! وهذا ليس نصاً في التوثيق، ولا سيما وقد قال فيما ذكره الحافظ أيضاً:
"عنده مناكير". ورواه العقيلي في "الضعفاء" عن البخاري (ص ٤٥٠) .
إذا عرفت هذا؛ فلا أدري ما هو عمدة الحافظ المنذري في قوله في "الترغيب" (٣/ ٥٠) :
"وأبو ظلال؛ اسمه: هلال بن سويد - أو ابن أبي سويد -؛ وثقه البخاري وابن حبان لا غير".
أما توثيق ابن حبان؛ فمعدته أن ابن حبان قال في "ثقات التابعين" (١/ ٢٤٩ - الظاهرية) :
"هلال بن أبي هلال، يروي عن أنس، روى عنه يحيى بن المتوكل".
فهذا ليس فيه أنه أبو ظلال، فيحتمل أنه غيره عنده على الأقل. ويؤيده أنه أورد أبا ظلال في "الضعفاء"؛ فقال (٣/ ٨٥) :
"هلال بن أبي مالك أبو ظلال القسملي. من أهل البصرة، واسم أبيه سويد الأزدي الأحمري، وقد قيل: إنه هلال بن أبي هلال. يروي عن أنس بن مالك. روى عنه جعفر بن سليمان الضبعي ومروان بن معاوية، كان شيخاً مغفلاً. يروي
стр. 7143
عن أنس ما ليس من حديثه، لا يجوز الاحتجاج به بحال".
قلت: فهذا نص من ابن حبان أن أبا ظلال هو عنده غير هلال بن أبي هلال.
وكذلك فرق بينهما البخاري فيما ذكره الحافظ، ولم يتبين لي ذلك، والأقرب أنهما واحد؛ وهو مقتضى كلام الحافظ المزي. وما رواه يحيى بن المتوكل ليس صريحاً في المغايرة، وهذا لو كان ابن المتوكل - وهوأبو عقيل - ثقة، فكيف وهو ضعيف؟!
وأما توثيق البخاري الذي حكاه المنذري؛ فلا أعرف له وجهاً؛ إلا أحد أمرين:
الأول: أن يكون المنذري يرى ما يراه بعض المعاصرين أن سكوت البخاري عن الراوي في "التاريخ الكبير" توثيق له، وقد ترجم لهلال أبي ظلال في "التاريخ" (٤/ ٢/ ٢٠٥) وسكت عنه!
فأقول: وهذا مردود؛ لأنه من الممكن أن يكون سكوت البخاري عنه لا لكونه ثقة عنده؛ بل لأمر آخر؛ كأن يكون غير مستحضر حين كتابته حاله، وإلا؛ تناقض توثيقه المظنون مع جرحه المقطوع؛ فقد وجدت عديداً من الرواة جرحهم في كتابه "الضعفاء الصغير"؛ ومع ذلك سكت عنهم في "التاريخ الكبير"، فهذا مثلاً في المجلد الذي بين يدي، أورد فيه (٤/ ٢/ ١٠٦) :
"نصر بن حماد الوراق، أبو الحارث البجلي، عن الربيع بن صبيح"؛ وسكت عنه، مع أنه أورده في "الضعفاء" وقال (ص ٣٥) :
"يتكلمون فيه".
والآخر: أن يكون قول البخاري: "مقارب الحديث" عند المنذري هو بمعنى:
стр. 7144
ثقة، وهذا هو الوجه؛ فقد نقل الترمذي في "سننه" عن البخاري أنه قال في بعض الرواة: "ثقة مقارب الحديث". ولكنه على كل حال ليس هو كقوله في الراوي: "ثقة"، بل هو دونه في المرتبة، ولذلك؛ نصوا في علم المصطلح على أن قولهم: "مقارب الحديث" كقولهم: "صالح الحديث" و: "شيخ وسط"، ونحو ذلك، وذلك في المرتبة الرابعة من مراتب التعديل والتوثيق عندهم (١) .
فإذا كان هذا المعنى هو عمدة المنذري فيما نسبه للبخاري من التوثيق؛ فلا يخلو الأمر من تساهل. والله أعلم.
وجملة القول: أن أبا ظلال متفق على تضعيفه؛ إلا البخاري.
ولا يقوي حديثه قول البيهقي بعد إخراجه إياه:
"وهذا الإسناد وإن كان غير قوي؛ فله شاهد من حديث أنس".
ذكره المنذري؛ ثم قال:
"ثم روى بإسناده من طريق علي بن أبي سارة - وهو متروك - عن ثابت البناني عن أنس عن رسول الله ﷺ ... ".
قلت: فذكره.
قلنا: لا يقويه لشدة ضعف ابن أبي سارة؛ كما أشار إلى ذلك المنذري بقوله:
"وهو متروك".
وقد أخرجه من طريقه: ابن عدي أيضاً (ق ٢٨٧/ ٢) في جملة أحاديث ساقها له؛ ثم قال:
стр. 7145
"وهذه الأحاديث التي ذكرتها له عن ثابت؛ كلها غير محفوظة، وله غير ذلك عن ثابت مناكير أيضاً".
قلت: وقد مضى له حديث آخر (١٨٩١) .
ثم إن لحديث الترجمة طريقاً أخرى عن أنس نحوه، وقد مر برقم (٩٣) .
٥١٨٧ - (الأعمال سبعة: عملان موجبان، وعملان بأمثالهما، وعمل بعشرة أمثاله، وعمل بسبع مئة ضعف، وعمل لا يعلم ثواب عامله إلا الله:
فأما الموجبان؛ فمن لقي الله [يعبده] لا يشرك به شيئاً؛ وجبت له الجنة، ومن لقي الله يشرك به شيئاً وجبت له النار.
ومن عمل سيئة؛ جزي بها، ومن أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها؛ جزي مثلها.
ومن عمل حسنة؛ جزي عشراً.
ومن أنفق ماله في سبيل الله؛ ضعفت له نفقته: الدرهم بسبع مئة، والدينار بسبع مئة.
والصيام لا يعلم ثواب عامله إلا الله .
ضعيف جداً
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١/ ٤٧٧/ ٨٦٩) ، والبيهقي في "الشعب" (٣/ ٢٩٥/ ٣٥٨٩) عن أبي عقيل: أنبأنا عمر بن محمد عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوعاً. وقال الطبراني:
стр. 7146
"لم يروه عن عبد الله بن دينار إلا عمر، تفرد به أبو عقيل".
قلت: واسمه يحيى بن المتوكل العمري المديني، وهو ضعيف اتفاقاً. وقال فيه عمرو بن علي:
"فيه ضعف شديد". وقال ابن حبان في "الضعفاء" (٣/ ١١٦) :
"منكر الحديث، ينفرد بأشياء ليس لها أصول من حديث النبي ﵊؛ لا يسمعها الممعن في الصناعة إلا لم يرتب أنها معمولة".
أقول: ولعل هذا القول من ابن حبان هو عمدة الحافظ الهيثمي في قوله فيه:
"وهو كذاب"، كما كنت نقلته عنه في أول الكتاب، تحت الحديث (٨) ، وإلا؛ فإني لم أر أحداً أطلق عليه الكذب!
وعمر بن محمد: هو ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدني، وهو ثقة من رجال الشيخين.
وقد رواه ابن وهب عنه: أن زيداً حدثه قال: لا أعلم إلا أنه عن رسول الله ﷺ قال: ... فذكره.
أخرجه البيهقي (٣٥٨٨) هكذا معضلاً.
٥١٨٨ - (اغزوا تغنموا، وصوموا تصحوا، وسافروا تستغنوا) .
منكر بهذا السياق
روي عن أبي هريرة، وله عنه طريقان:
الأولى: عن زهير بن محمد أبي المنذر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه
стр. 7147
عنه قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
أخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٢/ ٩٢) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٩/ ١٤٤/ ٤٣٠٨) من طريق محمد بن سليمان بن أبي داود قال: حدثنا زهير ابن محمد به. وقال الطبراني:
"لم يروه عن سهيل بهذا اللفظ إلا زهير بن محمد".
قلت: وهو مختلف فيه، وفصل فيه بعضهم؛ فوثقه في رواية العراقيين عنه، وضعفه في رواية الشاميين. وإلى هذا جنح الحافظ في "التقريب"؛ فقال:
"رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضعف بسببها، قال البخاري عن أحمد: كأن زهيراً الذي روى عنه الشاميون آخر! وقال أبو حاتم: حدث بالشام من حفظه؛ فكثر غلطه". وقال العقيلي:
"لا يتابع عليه إلا من وجه فيه لين".
إذا عرفت هذا؛ فقول المنذري في "الترغيب" (٢/ ٦٠) - وتبعه الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٧٩) -:
"رواه الطبراني في "الأوسط"، ورواته ثقات"!
فهو مما لا يخفى ما فيه من تساهل حين أطلقا التوثيق. واغتر بهما المعلقون الثلاثة على طبعتهم الجديدة لكتاب "الترغيب"؛ فقالوا (٢/ ٩/ ١٤٣١) :
"حسن، قال الهيثمي ... " إلخ!!
قلت: ولهم من مثل هذا التحسين - بل التصحيح - الارتجالي الشيء الكثير؛
стр. 7148
وقد نبهت على بعضه فيما تقدم من هذه "السلسلة" أو الأخرى.
ومحمد بن سليمان بن أبي داود: هو حراني شامي؛ صدوق.
والطريق الأخرى عن أبي هريرة؛ إسنادها حسن، وفي بعضهم خلاف، وليس فيها الجملة الوسطى، ولفظه:
"سافروا تصحوا، واغزوا تستغنوا".
ولذلك؛ خرجته في "الصحيحة" (٣٣٥٢) .
وقد رويت جملة الصوم عن حسين بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده علي مرفوعاً.
أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٣٥٧) في ترجمة ابن ضميرة؛ وقال:
"وهو ضعيف، منكر الحديث، وضعفه بين على حديثه".
وروى عن أحمد أنه: متروك الحديث.
٥١٨٩ - (من صام ستة أيام بعد الفطر متتابعةً؛ فكأنما صام السنة) .
منكر بهذا اللفظ
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١/ ١٠٣/ ١) : حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن شاذان: حدثنا أبي: حدثنا سعيد بن الصلت: حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي عن يزيد بن خصيفة عن ثوبان عن أبي هريرة مرفوعاً، وقال:
"لم يروه عن الحسن إلا سعيد، تفرد به شاذان، وقال: عن يزيد عن ثوبان! وإنما هو عن يزيد - يعني: ابن خصيفة - عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان".
стр. 7149
قلت: ولست أدري إذا كان الطبراني يعني أنه عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مرسلاً، أم عنه عن أبي هريرة مرفوعاً؟
فإذا كان الأول فالحديث مرسل، وإذا كان الآخر فهو موصول؛ ولكن الطبراني لم يذكر إسناده إلى يزيد بن خصيفة بذلك لينظر فيه، ولا ساق متنه لنعتبره بغيره؛ فإن قوله فيه: "متابعة"؛ منكر عندي لأمرين:
الأول: تفرد سعيد بن الصلت به؛ فإني لم أعرفه، وكذا اللذان دونه.
نعم؛ أورد ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ١/ ٣٤) سعيد بن الصلت؛ فقال:
"مصري، روى عن سهيل بن بيضاء؛ مرسل، وروى عن ابن عباس - يعني: متصلاً -. روى عنه محمد بن إبراهيم التيمي وبكر بن سوادة".
ولكن هذا ليس صاحب هذا الحديث؛ لأنه تابعي متقدم على سعيد بن الصلت راوي هذا الحديث.
والآخر: أن الحديث أخرجه البزار في "مسنده" (ص ١٠٣ - زوائده) بإسنادين له عن زهير، قال أحدهما: عنه عن العلاء، وقال الآخر: عنه عن سهيل، ثم اتفقا فقالا: عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً به دون زيادة: "متتابعة".
وكذلك جاء الحديث عن أبي أيوب الأنصاري وغيره من الصحابة، وقد خرجت أحاديثهم في "الروض النضير" رقم (٩١١) ، وفي "إرواء الغليل" (٩٥٠) .
стр. 7150
٥١٩٠ - (من صام رمضان، وأتبعه ستاً من شوال؛ خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) .
موضوع
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١/ ١٠٣/ ١) من طريق عمران ابن هارون: حدثنا مسلمة بن علي: حدثنا أبو عبد الله الحمصي عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً. وقال:
"لم يروه إلا أبو عبد الله، تفرد به مسلمة".
قلت: وهو متهم، وسبقت له أحاديث أخرى موضوعة برقم (١٤١،١٤٥،١٥١) .
وأبو عبد الله الحمصي؛ يغلب على ظني أنه محمد بن سعيد الأسدي المصلوب الكذاب الوضاع؛ فقد غيروا اسمه على نحو مئة اسم؛ تعمية له؛ فقيل في كنيته: أبو عبد الرحمن، وأبو عبد الله، وأبو قيس، وقيل في نسبته: الدمشقي، والأردني، والطبري. فلا أستبعد أن يقول فيه ذاك المتهم مسلمة: أبو عبد الله الحمصي!
ويحتمل أنه أبو عبد الله الحمصي المسمى: مرزوقاً؛ فقد أورده الدولابي في "الكنى" هكذا، وهو من رجال الترمذي؛ لكنهم لم يذكروا له رواية عن نافع، بخلاف المصلوب. والله أعلم.
والحديث؛ أشار إلى تضعيفه المنذري (٢/ ٧٥) .
وأعله الهيثمي (٣/ ١٨٤) بمسلمة الخشني.
стр. 7151
٥١٩١ - (كان يعدل صومه بصوم ألف يوم، يعني: يوم عرفة) .
منكر
أخرجه العقيلي في "الضعفاء" (ص ١٦٤) ، والطبراني في "الأوسط" (٢/ ١٢٤/ ٢/ ٦٩٤٥ - بترقيمي) عن الوليد بن مسلم قال: حدثنا أبو داود سليمان بن موسى الكوفي: حدثنا دلهم بن صالح عن أبي إسحاق عن مسروق:
أنه دخل على عائشة يوم عرفة، فقال: اسقوني. فقالت عائشة: يا غلام! اسقه عسلاً. ثم قالت: وما أنت يا مسروق! بصائم؟! قال: لا؛ إني أخاف أن يكون يوم الأضحى. فقالت عائشة: ليس ذاك، إنما يوم عرفة يوم يعرف الإمام، ويوم النحر يوم ينحر الإمام، أو ما سمعت يا مسروق! أن رسول الله ﷺ ... فذكرته.
والسياق للطبراني؛ إلا لفظ الترجمة؛ فللعقيلي. وقال الطبراني:
"لم يروه عن أبي إسحاق إلا دلهم، ولا عنه إلا سليمان. تفرد به الوليد".
قلت: وهذا إسناد ضعيف ومتن منكر، وهو مسلسل بالعلل:
الأولى: عنعنة أبي إسحاق؛ فإنه مدلس، وهو عمرو بن عبد الله السبيعي، على أنه كان اختلط.
الثانية: دلهم بن صالح ضعيف؛ كما في "التقريب" وغيره.
وبه أعله الهيثمي؛ فقال (٣/ ١٩٠) :
"ضعفه ابن معين وابن حبان".
ونص كلامه في "الضعفاء" (١/ ٢٩٤-٢٩٥) :
стр. 7152
"منكر الحديث جداً، ينفرد عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات".
الثالثة: سليمان بن موسى الكوفي؛ مختلف فيه. وفي ترجمته ساق الحديث العقيلي؛ وقال:
"لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به". وقال الحافظ:
"فيه لين".
الرابعة: عنعنة الوليد بن مسلم؛ فإنه مدلس أيضاً؛ ولكنه كان يدلس تدليس التسوية. ثم قال العقيلي عقب الحديث:
"والمعروف في هذا حديث أبي قتادة عن النبي ﷺ : يعدل صوم عرفة كفارة سنتين".
قلت: أخرجه مسلم وغيره، وهو مخرج في "الإرواء" (٩٥٢) وغيره.
قلت: فقد أشار العقيلي بحديث أبي قتادة إلى نكارة متن حديث الترجمة.
وكأن المنذري لم يتنبه لهذا، ولا للعلل التي ذكرنا؛ فقال في "الترغيب" (٢/ ٧٦) - محسناً! -:
"رواه الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن، والبيهقي، وفي رواية للبيهقي: كان رسول الله ﷺ يقول: صيام يوم عرفة كصيام ألف يوم"!!
قلت: فالصواب تعديله بصوم سنتين، وهو المروي عن ابن عمر من طريقين:
الأولى: عن الفضيل بن ميسرة: حدثني أبو حريز أنه سمع سعيد بن جبير يقول:
стр. 7153
سأل رجل عبد الله بن عمر عن صوم يوم عرفة؟ فقال: كنا ونحن مع رسول الله ﷺ نعدله صوم سنتين.
قلت: وهذا إسناد حسن في الشواهد والمتابعات، ورجاله ثقات؛ غير أبي حريز - وهو عبد الله بن الحسين الأزدي -؛ قال الحافظ:
"صدوق يخطىء".
ومن طريقه أخرجه النسائي في "الكبرى"؛ لكنه قال: سنة.
وكأنه لذلك قال المزي في "التحفة" (٥/ ٤٢٨) :
"وحديثه هذا منكر".
قلت: وقد وجدت له طريقاً أخرى - وهي الطريق الثانية -، تؤكد نكارة هذا: أخرجه تمام الرازي في "الفوائد" (ق ٢٤١/ ٢) من طريق قطبة بن العلاء الغنوي: حدثنا عمر بن ذر عن مجاهد عن عبد الله بن عمر مرفوعاً بلفظ:
"صوم يوم عرفة يعدل سنتين: سنة مقبلة، وسنة متأخرة".
وقطبة بن العلاء ضعيف. لكن يشهد لحديثه حديث أبي قتادة المتقدم وما في معناه، وهو مخرج في "إرواء الغليل" (٤/ ١٠٨-١١٠) .
ثم رأيت الحديث قد أخرجه البيهقي في "الشعب" (٣/ ٣٥٧-٣٥٨) باللفظين: لفظ حديث الترجمة، ولفظه المختصر:
"صيام يوم عرفة كصيام ألف يوم".
رواه من طريق سليمان بن أحمد الواسطي: أخبرنا الوليد بن مسلم بإسناده المتقدم.
стр. 7154
وسليمان هذا؛ كذبه يحيى، وضعفه النسائي وغيره. وبه أعله المناوي!
وفاته أنه قد توبع باللفظ الأول، فالعلة ممن فوقه.
(تنبيه) : وقع الحديث في عدة نسخ من "الجامع الصغير" باللفظ الثاني معزواً لـ (حب) ، وعليه نسخة "فيض القدير"؛ خلافاً لنسخة "التيسير"؛ ففيه (هب) وهذا هو الصواب؛ وهو الموافق لما في "الجامع الكبير"؛ فإن (حب) يرمز إلى ابن حبان في "صحيحه"؛ ولم يخرجه فيه، و (هب) يرمز إلى البيهقي في "الشعب"، وقد عرفت أنه أخرجه فيه.
٥١٩٢ - (عليك بالبيض: ثلاثة أيام من كل شهر) .
موضوع بهذا اللفظ
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١/ ١٠٧/ ١) من طريق سليمان بن داود الشاذكوني: حدثنا عيسى بن يونس عن بدر بن الخليل عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عمر:
أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن الصيام؟ فقال: ... فذكره. وقال:
"لم يروه عن بدر إلا عيسى، تفرد به سليمان".
قلت: وهو متروك، بل صرح ابن معين وغيره بأنه كان يضع الحديث.
وله ترجمة مطولة في "اللسان"؛ فلا أدري بعد هذا كيف ساغ للمنذري أن يوثقه في "الترغيب" بقوله (٢/ ٨٤) :
"رواه الطبراني في "الأوسط"، ورواته ثقات"؟!
وكذا قال الهيثمي أيضاً (٣/ ١٩٦) ! إلا أنه عزاه لـ "كبير الطبراني" أيضاً،
стр. 7155
ولم أره فيه من نسخة الظاهرية! فإن كان فيه؛ فإني أستبعد أن يكون ليس فيه الشاذكوني؛ لأن الطبراني نفسه قال: إنه تفرد به.
وفي الحض على صوم ثلاثة أيام من كل شهر أحاديث كثيرة، ولكن لا يوجد فيما هذا الحض!
٥١٩٣ - (من صام الأربعاء والخميس والجمعة؛ بنى الله له بيتاً في الجنة، يرى ظاهره من باطنه، وباطنه من ظاهره) .
ضعيف
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١/ ١٨٧/ ٢٥٥) عن شهاب ابن خراش عن صالح بن جبلة عن ميمون بن مهران عن ابن عباس مرفوعاً. وقال:
"لم يروه عن ميمون إلا صالح، تفرد به شهاب".
قلت: وهو مختلف فيه؛ فوثقه جماعة، وضعفه آخرون. وقد لخص ذلك الحافظ؛ فقال في "التقريب":
"صدوق يخطىء". وقال ابن حبان في "الضعفاء" (١/ ٣٦٢) :
"كان رجلاً صالحاً، وكان ممن يخطىء كثيراً، حتى خرج عن حد الاحتجاج به إلا عند الاعتبار".
ولعل إعلاله بشيخه صالح بن جبلة أولى؛ فإنه ليس بالمشهور.
أورده ابن حبان في "الثقات"، وقال الأزدي:
"ضعيف".
стр. 7156
وقد وقفت للحديث على طريق أخرى، أخرجه السهمي في "تاريخ جرجان" (١٣٧) عن محمد بن خالد الحنظلي عن سلم بن سالم عن سعيد عن عبد الجبار عن أبي بكر العنسي عن أبي قبيل المعافري عن أبي هريرة مرفوعاً به.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ مسلسل بالعلل:
الأولى: أبو بكر العنسي؛ قال ابن عدي في آخر كتابه (ق ٤٢٨/ ٢) :
"مجهول، له أحاديث مناكير عن الثقات".
الثانية: سعيد بن عبد الجبار، هو الزبيدي الحمصي فيما يغلب على ظني، وهو ضعيف، وكان جرير يكذبه.
الثالثة: سلم بن سالم - وهو البلخي -؛ وهو متروك.
الرابعة: محمد بن خالد الحنظلي؛ لم أجد له ترجمة.
قلت: ولشدة ضعف هذا الطريق؛ فإنه لا يصلح شاهداً ومقوياً للطريق الأولى. والله أعلم.
ثم رأيته في "شعب الإيمان" (٣/ ٣٩٧/ ٣٨٧٣) من طريق أبي عتبة: حدثنا بقية عن أبي بكر العنسي به؛ إلا أنه قال: عن أنس بن مالك. وقال:
"أبو بكر العنسي مجهول، يأتي بما لا يتابع عليه".
ورواه الهيثم بن خارجة: حدثنا شهاب بن خراش عن صالح بن جبلة عن ميمون بن مهران عن أبي أمامة به.
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨/ ٢٩٩-٣٠٠/ ٧٩٨١) .
стр. 7157
وقد روي عن شهاب عن صالح بإسناد آخر نحوه، وهو الآتي.
٥١٩٤ - (من صام الأربعاء والخميس والجمعة؛ بنى الله له قصراً في الجنة من لؤلؤ وياقوت وزبرجد، وكتب له براءة من النار) .
ضعيف
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١/ ١٨٨/ ٢٥٦) بإسناد الذي قبله: حدثنا أحمد بن رشدين: حدثنا زهير: حدثنا شهاب عن صالح عن أبي قبيل المصري أنه سمع أنس بن مالك يقول: ... فذكره مرفوعاً. وقال:
"لم يروه عن أنس إلا أبو قبيل، واسمه حي بن يؤمن".
قلت: وهو ثقة؛ لكن العلى من اللذين دونه، وقد سبق الكلام عليهما في الحديث الذي قبله.
إلا أن دونهما من هو شر منهما؛ وهو شيخ الطبراني، وهو أحمد بن محمد ابن الحجاج بن رشدين أبو جعفر المصري؛ قال ابن عدي:
"كذبوه".
стр. 7158
٥١٩٥ - (انظروا إلى هذا الرجل الذي قد نور الله قلبه، لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، [ولقد رأيت عليه حلة شراها بمئتي درهم] ، فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون. يعني: مصعب بن عمير) .
ضعيف
أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ١٠٨) ، والبيهقي في "الشعب" (٢/ ٢٣٠/ ٢) عن الحسن بن سفيان: حدثنا إبراهيم الحوراني: حدثنا عبد العزيز بن عمير [من أهل خرسان، نزيل دمشق] : حدثنا زيد بن أبي الزرقاء: حدثنا جعفر بن
стр. 7159
برقان عن ميمون بن مهران عن يزيد بن الأصم عن عمر بن الخطاب قال:
نظر النبي ﷺ إلى مصعب بن عمير مقبلاً؛ وعليه إهاب كبش قد تنطق به، فقال النبي ﷺ : ... فذكره.
قلت: ومن هذا الوجه أخرجه ابن عساكر في "التاريخ" (١٠/ ١٩٢/ ١) من طريق البيهقي وغيره عن الحسن بن سفيان به، وفيه الزيادة.
أورده في ترجمة عبد العزيز بن عمير؛ وكناه بأبي الفقير الخراساني الزاهد، وذكر في الرواة عنه إبراهيم بن أيوب الحوراني، وفي شيوخه زيد بن أبي الزرقاء؛ ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ولا وفاة. وأطال في حكاية أقواله وبعض أحواله.
وأورده ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ٢/ ٣٩١) ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً؛ لكن وقع فيه: (عبد العزيز بن عمر) ! والصواب: (ابن عمير) ؛ كما في "الحلية" و "التاريخ" وغيرهما.
وإبراهيم بن أيوب الحوراني؛ ترجمه ابن أبي حاتم أيضاً (١/ ١/ ٨٨) ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. وفي "اللسان":
"ذكره أبو العرب في "الضعفاء"، ونقل عن أبي الطاهر أحمد بن محمد بن عثمان المقدسي أنه قال: إبراهيم بن أيوب؛ حوراني ضعيف.
قال أبو العرب: وكان أبو الطاهر من أهل النقد والمعرفة بالحديث بمصر".
(تنبيه) : عقب هذه الترجمة ترجمة أخرى عند ابن أبي حاتم، وهي:
"إبراهيم بن أيوب الفرساني الأصبهاني. روى عن سفيان الثوري ... سألت أبي عنه فقال: لا أعرفه".
стр. 7160
وترجمه أبو نعيم أيضاً في "أخبار أصبهان" (١/ ١٧٢-١٧٣) ، وقال:
"سمع من الثوري والمبارك بن فضالة ... "؛ وساق له أحاديث.
ومن الواضح أنه أقدم طبقة من الحوراني، وقد اختلطت الترجمتان في "اللسان"؛ فصارتا ترجمة واحدة هي ترجمة الحوراني! والصواب التفريق بينهما كما فعل ابن أبي حاتم. ولعل الخلط المذكور وقع من بعض نساخ "اللسان"؛ فإن الترجمة الأولى لم تقع في "الميزان". والله أعلم.
٥١٩٦ - (إن في جهنم وادياً، وفي الوادي بئر يقال له: هبهب، حقاً على الله أن يسكن فيه كل جبار عنيد) (١) .
ضعيف
أخرجه العقيلي في "الضعفاء" (ص ٤٩) ، وأبو يعلى (٤/ ١٧٤١) ، وابن عدي (ق ٣١/ ٢) ، والطبراني في "الأوسط" (١/ ٢٠٠/ ٢) ، والحاكم (٤/ ٥٩٦-٥٩٧) من طريق أزهر بن سنان: أخبرنا محمد بن واسع قال: قلت: لبلال بن أبي بردة: إن أباك حدثني عن جدك أن رسول الله ﷺ قال: ... فذكره. وقال الطبراني:
"لا يروى عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد". وقال الحاكم:
"تفرد به أزهر بن سنان".
قلت: وهو ضعيف اتفاقاً، لم يخالف في ذلك إلا ابن عدي؛ فإنه قال في آخر ترجمته:
стр. 7161
"أحاديثه صالحة، ليس بالمنكر جداً، وأرجو أنه لا بأس به"!
ولذلك؛ جزم الحافظ بضعفه في "التقريب".
وللحديث علة أخرى، وهي الوقف، أعله بذلك العقيلي؛ فإنه ساقه من طريق هشام بن حسان عن محمد بن واسع قال:
بلغني أن في النار جباً يقال له: جب الحزن ... الحديث نحوه. وقال:
"وهذا أولى من حديث أزهر".
٥١٩٧ - (من أرضى سلطاناً بسخط ربه ؛ خرج من دين الله ﵎ .
موضوع
أخرجه الحاكم (٤/ ١٠٤) عن عنبسة بن عبد الرحمن عن علاق بن أبي مسلم قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. وقال:
"تفرد به علاق بن أبي مسلم، والرواة إليه كلهم ثقات"!
قلت: كذا قال، ووافقه الذهبي! وهو من أوهامهما الفاحشة؛ فإن عنبسة بن عبد الرحمن هذا: هو القرشي؛ كما صرح الذهبي نفسه في ترجمة علاق بن أبي مسلم - ويقال: عبد الملك بن علاق -؛ قال الذهبي في "الميزان":
"عن أنس؛ قال الترمذي: مجهول. وقال الأزدي: متروك الحديث. وقد تفرد عنه عنبسة بن عبد الرحمن القرشي".
قلت: وقال في ترجمة عنبسة:
стр. 7162
"قال البخاري: تركوه، وروى الترمذي عن البخاري: ذاهب الحديث. وقال أبو حاتم: كان يضع الحديث". وقال الحافظ في "التقريب":
"متروك، رماه أبو حاتم بالوضع".
٥١٩٨ - (إن صلاح ذات البين أعظم من عامة الصلاة والصيام) .
ضعيف
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١/ ٩/ ٢-١٠/ ٢) من طريق عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي: أخبرنا إسماعيل بن راشد قال:
كان من حديث ابن ملجم - لعنه الله - وأصحابه ... (قلت: فذكره بطوله، وفيه قتل ابن ملجم لعلي ﵁، ووصية علي قبل موته وفيها) : واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا؛ فإني سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف منقطع؛ فإن إسماعيل بن راشد - على جهالته - لم يدرك علياً ﵁؛ فقد أورده ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، فقال (١/ ١/ ١٦٩) :
"إسماعيل بن راشد السلمي، وهو إسماعيل بن أبي إسماعيل أخو محمد ابن أبي إسماعيل. روى عن سعيد بن جبير. روى عنه حصين بن عبد الرحمن السلمي، يعد في الكوفيين".
وعثمان بن عبد الرحمن الطرائفي؛ قال الحافظ:
"صدوق، أكثر الرواية عن الضعفاء والمجاهيل؛ فضعف بسبب ذلك، حتى نسبه ابن نمير إلى الكذب، وقد وثقه ابن معين".
قلت: فالظاهر أن إسماعيل بن راشد هذا من شيوخ الطرائفي المجهولين، ولا
стр. 7163
أستبعد أن يكون في "ثقات ابن حبان"؛ فقد قال الهيثمي (٩/ ١٤٥) :
"رواه الطبراني، وهو مرسل، وإسناده حسن"!
كذا قال! والشاهد أن تحسينه لإسناده المرسل لا بد أن يكون بعد أن قد رأى من وثق إسماعيل هذا، وظني أنه ابن حبان، والله أعلم (١) .
٥١٩٩ - (صمتم يومكم هذا؟ قالوا: لا، قال: فأتموا بقية يومكم واقضوه. يعني: يوم عاشوراء) .
منكر بهذا التمام
أخرجه أبو داود (٢٤٤٧) : حدثنا محمد بن المنهال: حدثنا يزيد بن زريع: حدثنا سعيد عن قتادة عن عبد الرحمن بن مسلمة عن عمه:
أن (أسلم) أتت النبي ﷺ ، فقال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير عبد الرحمن ابن مسلمة - ويقال: ابن المنهال بن مسلمة، وقيل غير ذلك -، وهو مجهول العين؛ كما يشير إلى ذلك قول الذهبي في "الميزان":
"تفرد عنه قتادة".
وبروايته فقط عنه: ترجمه البخاري (٣/ ١/ ٣٥٤) ، وابن أبي حاتم (٢/ ٢/ ٢٨٨) ، وابن حبان في "الثقات" (١/ ١٣٢ - مخطوطة الظاهرية) ؛ وقد صرح البيهقي بتجهيله كما يأتي، فلا تغتر بتوثيق ابن حبان إياه، فهو كثير
стр. 7164
التوثيق للمجهولين؛ كما نبهت عليه مراراً؛ فقال المنذري عقب الحديث في "مختصر السنن" (٣/ ٣٢٦) :
"وأخرجه النسائي، وذكر البيهقي عبد الرحمن هذا؛ فقال: وهو مجهول، ومختلف في اسمه، ولا يدرى من عمه؟ "!!
وفي هذا التخريج نظر من وجهين:
الأول: إطلاقه العزو للنسائي يوهم أنه في "الصغرى" له، وليس كذلك، وإنما أخرجه في "الكبرى"، كما يأتي.
والآخر: أنه أخرجه بمتن أبي داود، وليس كذلك أيضاً؛ فإنه ليس عنده قوله: "واقضوه". وهو موضع النكارة في الحديث، وإلا؛ فسائره صحيح؛ له شواهد كثيرة في "الصحيحين" وغيرهما، وقد خرجت طرفاً كبيراً منها في "الصحيحة" (٢٦٢٤) . ولذلك؛ قال ابن القيم في "تهذيب السنن" (٣/ ٣٢٥) :
"قال عبد الحق: ولا يصح هذا الحديث في القضاء، قال: ولفظة: "اقضوه"، تفرد بها أبو داود؛ ولم يذكرها النسائي".
وصدق ﵀، وإن كنت لم أر في كتابه "الأحكام الوسطى" (١) (ق ٩٤/ ١) إلا الجملة الأولى منه، فلعل سائرها في "الأحكام الكبرى" له.
والحديث؛ أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٢٢١) من طريق أخرى عن محمد بن المنهال به؛ إلا أنه وقع عنده: "شعبة" مكان: "سعيد"!
стр. 7165
وهو وهم من بعض الرواة؛ كما أشار إلى ذلك ابن التركماني في "الجوهر النقي".
وقد تابعه جمع عن سعيد بن أبي عروبة؛ فقال أحمد (٥/ ٤٠٩) : حدثنا روح: حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عبد الرحمن بن سلمة الخزاعي! عن عمه به دون قوله: "واقضوه".
وأخرجه الطحاوي (١/ ٣٣٦) ؛ لكن وقع عنده: "شعبة عن قتادة"! ولعله تحريف مطبعي.
وكذلك تابعه محمد بن بكر، وبشر - وهو ابن المفضل -؛ كلاهما عن سعيد به دون الزيادة.
أخرجه النسائي في "الكبرى" (ق ٣٧/ ٢) ، وذكر أنه خالفه في إسناده شعبة فقال: عن قتادة عن عبد الرحمن بن المنهال الخزاعي عن عمه به دون الزيادة.
أخرجه النسائي (٣٧/ ١) ، وأحمد (٥/ ٣٦٧-٣٦٨) كلاهما عن محمد ابن جعفر: حدثنا شعبة: إلا أن أحمد قال: "عبد الرحمن بن المنهال أبو ابن سلمة".
وتابعه حجاج: حدثني شعبة به؛ إلا أنه قال: "عبد الرحمن أبي المنهال بن سلمة - وفي مكان آخر: مسلمة - الخزاعي".
أخرجه أحمد (٥/ ٢٩،٣٦٧-٣٦٨) .
وتابعهم عبد الرحمن بن زياد: حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت أبا المنهال يحدث عن عمه به.
أخرجه الطحاوي.
стр. 7166
قلت: وهذا الاختلاف في اسم شيخ قتادة في هذا الحديث؛ ليدل - عند العارفين بهذا العلم الشريف - أنه غير مشهور ولا معروف، ولذلك؛ جهله البيهقي كما تقدم، وضعف حديثه عبد الحق الإشبيلي، وتبعه على ذلك شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ١١٨) ، وابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق"، فقد ذكر الحديث؛ وقال:
"حديث غريب، مختلف في إسناده ومتنه، وفي صحته نظر".
نقله الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ٤٣٦) ، وأقره.
فالعجب من الحافظ ابن حجر؛ كيف سكت عليه في "الفتح" (٤/ ٢٠١) ، بل أشار قبل ذلك (٤/ ١١٤) إلى تقويته؟! فإنه قال في صدد البحث في وجوب القضاء على من لم يبيت النية، وأن قوله ﷺ : "فأتموا بقية يومكم". - كما في الأحاديث الصحيحة - لا ينافي الأمر بالقضاء، قال:
"بل ورد ذلك صريحاً في حديث أخرجه أبو داود والنسائي ... " فذكره، وقال:
"وعلى تقدير أن لا يثبت؛ فلا يتعين ترك الفضاء ... "!
أقول: وكذلك لا يتعين إيجاب القضاء، بل هذا خلاف الأصل؛ فإنه ينافي البراءة الأصلية، فالإيجاب لا بد له من أمر خاص، وهذا غير موجود إلا في هذا الحديث، وهو ضعيف السند منكر المتن؛ كما تقدم بيانه، فلا تغتر بموقف الحافظ منه؛ فإنه خلاف ما تقتضيه القواعد العلمية الحديثية!
стр. 7167
٥٢٠٠ - (إنما جعلت الخطبة مكان الركعتين، فإن لم يدرك الخطبة؛ فليصل أربعاً) .
لا أصل له مرفوعاً
وإنما روي موقوفاً، أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢/ ١٢٨) بإسناد صحيح عن يحيى بن ابي كثير قال: حدثت عن عمر بن الخطاب أنه قال: ... فذكره.
ورواه عبد الرزاق أيضاً في "مصنفه" (٣/ ٢٣٧/ ٥٤٨٤) مختصراً.
وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة الواسطة بين يحيى وعمر.
ومثله في الانقطاع: ما أخرجه هو، وعبد الرزاق (٣/ ٢٣٧/ ٥٤٨٥) عن عمرو بن شعيب عن عمر بن الخطاب قال:
كانت الجمعة أربعاً، فجعلت ركعتين من أجل الخطبة، فمن فاتته الخطبة؛ فليصل أربعاً.
ثم روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن عون قال:
ذكر لمحمد قول أهل مكة: إذا لم يدرك الخطبة صلى أربعاً؟ فقال: ليس هذا بشيء.
قلت: ومحمد: هو ابن سيرين التابعي الجليل، وابن عون؛ اسمه عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصري؛ وهو ثقة ثبت.
ويشير بقوله: "أهل مكة" إلى ما رواه ابن أبي شيبة أيضاً بسند صحيح عن عطاء وطاوس ومجاهد قالوا:
стр. 7168
إذا فاتته الخطبة يوم الجمعة؛ صلى أربعاً.
ورواه عبد الرزاق (٣/ ٢٣٨/ ٥٤٨٦) عن ابن جريج عن عطاء به أتم منه.
واعلم أنه حملني على كتابة هذا التحقيق في أثر عمر المذكور: أنني رأيت الشيخ مهدي حسن الشاه جهانبوري ذكر في كتابه "السيف المجلى على المحلى" (٣/ ٦٥) أن الخطبة جزء الصلاة ونصفها كما ورد في الحديث المرفوع والموقوف على عمر بن الخطاب ﵁ على ما في "كنز العمال".
فاستغربت ما ذكره من الرفع، فرجعت إلى المصدر الذي عزاه إليه: "الكنز"؛ فرأيت قد ذكر فيه (٤/ ٢٧٣/ ٥٦١٨) هذا الأثر موقوفاً على عمر من قوله من رواية عبد الرزاق وابن أبي شيبة كما خرجناه عنهما؛ فتيقنت أن الشيخ وهم في رفعه، وعزوه إلى "الكنز" مرفوعاً.
وله من مثل هذا الوهم في كتابه المذكور الشيء الكثير، ومن أقربها إلى ما نحن فيه: ما ذكره في (٣/ ٦٦) : أن النبي ﷺ سكت عن الخطبة حتى فرغ من صلاته؛ كما في "السنن".
كذا قال! ومن المعلوم أن المقصود من كلمة "السنن" عند الإطلاق "السنن الأربعة" أو أحدها، وليس الحديث المذكور في شيء منها مطلقاً، فإن كان الشيخ يعلم ذلك؛ فهو تدليس خبيث، وإن كان لا يعلم؛ فالأمر كما قيل: أحلاهما مر!
وإنما أخرج الحديث: الدارقطني في "سننه" (ص ١٦٩) ، وأعله بالإرسال؛ فإنه أخرجه من طريق عبيد بن محمد العبدي: حدثنا معتمر عن أبيه عن قتادة عن أنس قال:
стр. 7169
دخل رجل - من قيس - المسجد ورسول الله ﷺ يخطب، فقال له النبي ﷺ : "قم؛ فاركع ركعتين"؛ وأمسك عن الخطبة حتى فرغ من صلاته. وقال الدارقطني:
"أسنده هذا الشيخ عبيد بن محمد العبدي عن معتمر عن أبيه عن قتادة عن أنس، ووهم فيه، والصواب: عن معتمر عن أبيه مرسل، كذا رواه أحمد بن حنبل وغيره عن معتمر". ثم رواه بإسناده عن أحمد مرسلاً.
ثم أخرجه هو، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٢/ ١١٠) عن هشيم عن أبي معشر عن محمد بن قيس به نحوه. وقال:
"هذا مرسل لا تقوم به حجة، وأبو معشر اسمه نجيح، وهو ضعيف".
ونقله الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ٢٠٣) وأقره، ومر عليه محققه الحنفي، فلم يعلق عليه بشيء؛ مع أنه خلاف مذهبه؛ فإنهم أجابوا عن حديث جابر في قوله ﷺ لسليك: "قم؛ فصل ركعتين وتجوز فيهما"؛ أجاب الحنفية عنه بأجوبة مردودة؛ أحدها: ما دل عليه هذا الحديث المعلول: أن النبي ﷺ أنصت له حتى فرغ من صلاته!!
وهذا الجواب قد رده الحافظ الزيلعي من جهة أخرى؛ فإنه قال - جزاه الله خيراً على إنصافه وتجرده عن العصبية المذهبية؛ خلافاً لجماهيرهم -:
"وهذا الجواب يرده ما في الحديث (يعني: حديث سليك في رواية) : "إذا جاء أحدكم والإمام يخطب أو قد خرج؛ فليصل ركعتين". أخرجه البخاري ومسلم. وأخرجه مسلم في قصة سليك؛ كما تقدم".
стр. 7170
وإن من عجائب هؤلاء المتعصبة: أنهم يحتجون بالحديث الضعيف على خصومهم لرد أحاديثهم الصحيحة؛ ثم هم لا يعملون بما احتجوا به: عليهم؛ فهذا حديث الترجمة مثلاً، فإنهم لا يقولون بما فيه صراحة: "فإن لم يدرك الخطبة؛ فليصل أربعاً"؛ كيف وهم قد ردوا الحديث الصحيح: "من أدرك ركعة من الجمعة؛ فليصل إليها أخرى"؟! [انظر "الأجوبة النافعة" (ص ٤١) ، و "الإرواء" (٦١٥) ] فقالوا: بل من أدرك الإمام في الجمعة قبل السلام؛ فإنه يتمها ولا يصليها أربعاً؛ خلافاً للآثار الصحيحة عن ابن مسعود وابن عمر وغيرهما!
ومن البين الواضح أن من لم يعمل بهذه الآثار والحديث الموافق لها؛ لا يعمل من باب أولى بحديث الترجمة الذي احتجوا به على مخالفيهم في مجال آخر.
وإليك مثالاً آخر: الحديث المرسل المتقدم؛ فإنهم لا يعملون به، بل إنه لا يمكن العمل به، وذلك من أدلة ضعفه؛ لأن لازمه أنه كلما دخل داخل يريد أن يصلي التحية؛ فعلى الخطيب أن يمسك عن خطبته حتى يفرغ!! ولذلك؛ قال ابن المنير في رد جواب الحنفية المتقدم:
"إن الحديث لو ثبت؛ لم يسغ على قاعدتهم؛ لأنه يستلزم جواز قطع الخطبة لأجل الداخل، والعمل عندهم لا يجوز قطعه بعد الشروع فيه؛ لا سيما إذا كان واجباً". نقلته من "فتح الباري" (٢/ ٤٠٩ - طبعة الخطيب) .
ومن أوهام الشيخ مهدي قوله (٣/ ٢٩) :
"ألم يقرع بسمع (كذا) ابن حزم قوله ﷺ : عليكم بالسواد الأعظم ... "!! فجزم بنسبة هذا الحديث إليه ﷺ ؛ ولا يصح؛ كما سبق بيانه برقم (٢٨٩٦) .
وكذلك صحح الحديث المتقدم (٥٩) : ".. أصحابي كالنجوم ... "
стр. 7171
وحديث (٨٧) : "إذا صعد الخطيب المنبر؛ فلا صلاة ولا كلام"!! تأييداً لمذهبه، ورداً للأحاديث الصحيحة؛ كما تقدم بيانه هناك. وحديث السواد الأعظم يحتج به الشيخ على ابن حزم لمخالفته الجمهور في قوله بوجوب غسل الجمعة،ولا يشعر المسكين أنه حجة عليه - لو صح - في عشرات المسائل بل مئاتها التي خالف الحنفية فيها الجمهور، في الطهارة والصلاة والعقود وغيرها من أبواب الشريعة؛ وهو القائل عن نفسه في الكتاب المذكور (٢/ ٢٠) :
"وأنا حنفي غال في الحنفية"!! نسأل الله تعالى السلامة من كل بلاء ورزية، والوفاة على الملة الحنيفية!!
قلت: ومع هذه الأخطاء الفاحشة، الدالة على عدم معرفة الشيخ بهذا العلم الشريف؛ يتعصب له الشيخ محمد يوسف البنوري في رسالة "الأستاذ المودودي" (ص ٥٠) فيصفه بأنه:
"أكبر محدث في عصره، وأفقه رجل في البلاد ... "!!
ولئن صدق الشيخ البنوري في هذا الوصف؛ فما أرى السبب في مباينة ما في رسالة الشيخ من الأخطاء الكثيرة التي أثبتنا بعضها هنا؛ إلا أنه ألفها في حالة نفسية متوترة؛ حيث قال في آخر الجزء الأول منها:
"فرغت من تسويده سنة (١٣٨٨) من الهجرة؛ وأنا مريض بمرض الفالج من خمسة أعوام، عاجز عن القيام والقعود إلا بمعين".
اللهم! متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعلها الوارث منا؛ إنك سميع مجيب!!
стр. 7172
ومن الأحاديث التي ينبغي تخريجها وبيان الحق فيها - مما تعرض له الشيخ الشاه جهانبوري في رسالته (٣/ ٢٤) بكلام يباين أصول علماء الحديث ومصطلحهم - الحديث التالي:
٥٢٠١ - (من جاء منكم الجمعة؛ فليغتسل. فلما كان الشتاء قلنا: يا رسول الله! أمرتنا بالغسل للجمعة، وقد جاء الشتاء ونحن نجد البرد؟ فقال: من اغتسل فبها ونعمت، ومن لم يغتسل؛ فلا حرج) .
موضوع بهذا التمام
أخرجه ابن عدي في "الكامل" (ق ٣٢٤/ ١) عن الفضل بن المختار عن أبان عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره، في ترجمة الفضل هذا، وقال:
"عامة حديثه مما لا يتابع عليه؛ إما إسناداً وإما متناً".
قلت: وقال فيه أبو حاتم:
"أحاديثه منكرة، يحدث بالأباطيل".
قلت: وهو راوي حديث المجرة الموضوع، وقد مضى برقم (٢٨٤) .
لكن أبان - وهو ابن أبي عياش - ليس خيراً منه، بل لعله شر منه؛ فقد اتفقوا على تركه. وقال شعبة:
"لأن يزني الرجل خير من أن يروي عن أبان". وقال فيه أحمد:
"كذاب".
قلت: فهو أو الراوي عنه آفة هذا الحديث، وقد لفقه من حديثين صحيحين، محرفاً لأحدهما:
стр. 7173
الأول: قوله ﷺ : "من جاء منكم الجمعة؛ فليغتسل"؛ فإنه متفق عليه من حديث عمر وابنه عبد الله وغيرهما بألفاظ متقاربة، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٣٦٧) .
والحديث الآخر لفظه: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل". هكذا روي عن جمع من الصحابة منهم أنس نفسه، بأسانيد ثلاثة: عن يزيد الرقاشي، وثابت البناني، والحسن البصري؛ ثلاثتهم عن أنس به.
أخرجه عنهم الطحاوي وغيره، وطرقه يقوي بعضها بعضاً، وهي مخرجة في "صحيح أبي داود" أيضاً برقم (٣٨٠) .
فجاء هذا الكذاب (أبان) ؛ فرواه باللفظ المذكور أعلاه:
"من اغتسل فبها ونعمت، ومن لم يغتسل فلا حرج".
فجعل لفظه صريح الدلالة في عدم وجوب غسل الجمعة! وليس هذا فحسب، بل إنه ربط بينه وبين الحديث الأول: "من جاء منكم الجمعة؛ فليغتسل" - وهو ظاهر على وجوب الغسل -؛ فربط بينهما بجملة الشتاء والسؤال، بحيث يدل الجواب على أن الحديث الأول منسوخ قطعاً.
ولذلك؛ استدل به للحنفية الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ٨٨) على أن أحاديث الوجوب منسوخة! فإنه ساقه من طريق ابن عدي كما سقناه، ثم عقب عليه بقوله:
"إلا أن هذا سند ضعيف يسد بغيره"!
كذا فيه: "يسد" بالسين المهملة؛ أي: يصلح، ولعله: "يشد" بالمعجمة، وسواء كان هذا أو ذاك؛ فإن القلب يشهد بأن في العبارة تحريفاً من بعض الناسخين
стр. 7174
أو غيرهم، ولعل الأصل:
"ضعيف بمرة" أو نحوه؛ فإني أكبر الحافظ الزيلعي أن يقتصر على تضعيف هذا الإسناد الهالك بهذا المتن الباطل، وليس هذا فقط، بل ويقول فيه:
"يسد (أو يشد) بغيره"!!
إني أستبعد جداً أن يقول هذا، وهو يعلم أن الشديد الضعف لا يقوى بغيره، لا سيما إذا كان متنه باطلاً كهذا.
وأما الشيخ مهدي الحنفي الذي سبق ذكره في الحديث المتقدم؛ فقد نقل عبارة الزيلعي هذه واستدلاله به على النسخ، وسلم بذلك كله متعقباً عليه بقوله:
"وسيأتي تحقيق الحديث المذكور (يعني: من توضأ يوم الجمعة ... ) ؛ فإن بعض طرقه صحيح أو حسن، والمجموع ينهض حجة للنسخ؛ فافهم"!!
فانطلى عليه حال إسناد هذا الحديث الهالك والمتن الباطل، فلم ينبه على شيء من ذلك؛ وبخاصة الفرق بين متنه ومتن تلك الأحاديث التي يتقوى بها متنها دون متنه، وهي لا تدل على النسخ المزعوم مطلقاً، وتجد بيان ذلك في "المحلى" (٢/ ١٤) ، و "الفتح" (٢/ ٣٠٠) .
٥٢٠٢ - (لا عليكما، صوما مكانه يوماً آخر) .
ضعيف
روي من حديث عائشة، وله عنها طريقان: أحدهما عن عروة، والآخر عن عمرة.
١- أما طريق عروة؛ فله عنه طريقان:
стр. 7175
الأولى: عن زميل مولى عروة عن عروة بن الزبير عنها قالت:
أهدي لي ولحفصة طعام، وكنا صائمتين، فأفطرنا، ثم دخل رسول الله ﷺ ، فقلنا له: يا رسول الله! إنا أهديت لنا هدية، فاشتهيناها فأفطرنا؟ فقال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
أخرجه أبو داود (٢٤٥٧) ، والنسائي في "السنن الكبرى" (ق ٦٣/ ٢) ، وابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ٢٢٧) ، وابن عدي في "الكامل" (١٥١/ ٢) ، والبيهقي (٤/ ٢٨١) ؛ وقال - تبعاً لابن عدي، وهذا تبعاً للبخاري في "التاريخ" (٢/ ١/ ٤٥٠) -:
"لا يعرف لزميل سماع من عروة، ولا تقوم به الحجة". ثم قال ابن عدي:
"وحديث عروة عن عائشة معروف بزميل، وإسناده لا بأس به"!
وهذا منه غريب؛ إذ كيف يكون إسناده لا بأس به، وفيه زميل، وقد قال فيه البخاري: "لا تقوم به الحجة"، ولم يرو عنه غير يزيد بن الهاد؟! ففيه إشارة إلى أنه مجهول، وقد صرح بذلك جمع، أقدمهم الإمام أحمد فقال:
"لا أدري من هو؟! ".
وتبعه الخطابي؛ فقال في "معالم السنن" (٣/ ٣٣٥) :
"إسناده ضعيف، وزميل مجهول، ولو ثبت الحديث؛ أشبه أن يكون إنما أمرهما بذلك استحباباً".
وتبعه على هذا الحافظ المنذري في "مختصر السنن". ولذلك؛ قال الحافظ في "التقريب":
стр. 7176
"مجهول". ونحوه في "الميزان"، وقال:
"ومن مناكيره ... "؛ ثم ساق له هذا الحديث.
ثم قال البيهقي:
"وروي من أوجه أخرى عن عائشة، لا يصح شيء منها، وقد بينت ضعفها في (الخلافيات) ".
قلت: وسأبينها في حدود ما اطلعت عليه، وما توفيقي إلا بالله.
والطريق الأخرى: عن الزهري عن عروة. وله عن الزهري طرق:
الأولى: عن جعفر بن برقان قال: حدثنا الزهري عن عروة عن عائشة به.
أخرجه الترمذي (١/ ١٤٢) ، والنسائي (ق ٦٣/ ٢) ، والبيهقي (٤/ ٢٨٠) ، وأحمد (٦/ ٢٦٣) ، وأبو يعلى (٣/ ١١٤٠) كلهم عن كثير بن هشام قال: حدثنا جعفر بن برقان ... وأعلوه بالإرسال؛ فقال الترمذي عقبه:
"وروى صالح بن أبي الأخضر، ومحمد بن أبي حفصة هذا الحديث عن الزهري عن عروة عن عائشة مثل هذا. ورواه مالك بن أنس، ومعمر، وعبيد الله بن عمر، وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ عن الزهري عن عائشة مرسلاً، ولم يذكروا فيه: عن عروة، وهو أصح؛ لأنه روي عن ابن جريج قال: سألت الزهري قلت له: أحدثك عروة عن عائشة؟ قال: لم أسمع من عروة في هذا شيئاً، ولكني سمعت في خلافة سليمان بن عبد الملك من نا عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث". وقال البيهقي:
стр. 7177
"هكذا رواه جعفر بن برقان، وصالح بن أبي الأخضر، وسفيان بن حسين؛ عن الزهري؛ وقد وهموا فيه عن الزهري".
وكذا قال ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ٢٢٧) عن أبيه، والنسائي؛ كما يأتي في الطريق الثالثة.
وعلة هذه الطريق الأولى - بالإضافة إلى مخالفة الثقات الحفاظ - جعفر هذا؛ فإنه وإن كان أخرج له مسلم؛ فهو ضعيف في روايته عن الزهري خاصة، صرح بذلك جمع من أئمة الجرح، كأحمد وابن معين وابن عدي وغيرهم، ويأتي كلام النسائي بذلك قريباً.
الثانية: عن سفيان بن حسين عن الزهري به.
أخرجه النسائي (٦٣/ ٢-٦٤/ ١) ؛ وأعله بابن حسين؛ كما يأتي.
الثالثة: عن صالح بن أبي الأخضر عنه به.
أخرجه ابن صاعد في "مجلسان" (ق ٥٢/ ١) - من طريق روح بن عبادة عنه -، ورواه النسائي (٦٤/ ١) ، والبيهقي - من طريق سفيان بن عيينة - قالا: سمعنا من صالح بن أبي الأخضر ... فذكره، قال سفيان: فسألوا الزهري - وأنا شاهد - فقالوا: هو عن عروة؟ فقال: لا.
وقول سفيان؛ هذا أخرجه الطحاوي أيضاً في "شرح المعاني" (١/ ٣٥٤) .
ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه: حدثنا ابن أبي مريم عن ابن عيينة بلفظ:
فقال: لم أسمعه من عروة، إنما حدثني رجل على باب ... فذكره نحو رواية ابن جريج المتقدمة عند الترمذي.
стр. 7178
وقد وصلها هو، وعبد الرزاق (٤/ ٢٧٦) ، والطحاوي؛ عنه.
ولعله هو السائل الذي أشار إليه سفيان في قوله المذكور. وقد قال النسائي عقبه:
"الصواب ما روى ابن عيينة عن الزهري؛ وصالح بن أبي الأخضر ضعيف في الزهري وغير الزهري، وسفيان بن حسين وجعفر بن برقان ليسا بالقويين في الزهري، ولا بأس بهما في غير الزهري". وقال البيهقي:
"فهذان ابن جريج وسفيان بن عيينة شهدا على الزهري - وهما شاهدا عدل - بأنه لم يسمعه من عروة، فكيف يصح وصل من وصله؟!
قال أبو عسيى الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث؟ فقال: لا يصح حديث الزهري عن عروة عن عائشة. وكذلد قال محمد ابن يحيى الذهلي، واحتج بحكاية ابن جريج وسفيان بن عيينة، وبإرسال من أرسل الحديث من الأئمة".
الرابعة والخامسة والسادسة: عن إسماعيل بن إبراهيم عن ابن شهاب به.
أخرجه النسائي من طريق يحيى بن أيوب عنه. قال يحيى بن أيوب: وسمعت صالح بن كيسان بمثله. قال النسائي:
"وجدته عندي في موضع آخر: حدثني صالح بن كيسان ويحيى بن سعيد. وهذا أيضاً خطأ مثله".
قلت: وهو من يحيى بن أيوب - وهو أبو العباس المصري -، فإنه وإن كان احتج به الشيخان؛ فقد تكلم فيه بعض الأئمة؛ لسوء حفظه ومخالفته. بل قال فيه الإمام أحمد:
стр. 7179
"يخطىء خطأ كثيراً".
ويحيى بن سعيد؛ قد ذكره البيهقي (٤/ ٢٧٩) في زمرة الثقات الحفاظ الذين رووا الحديث عن الزهري منقطعاً، فدل ذلك على خطأ يحيى بن أيوب عليه حين رواه عنه عن الزهري عن عروة عن عائشة متصلاً. ورواية ابن سعيد المنقطعة قد وصلها البيهقي عنه كما سيأتي.
السابعة: عن عبد الله بن عمر العمري عن ابن شهاب به.
أخرجه الطحاوي (١/ ٣٥٤) .
والعمري هذا - وهو المكبر - ضعيف إذا تفرد؛ فكيف إذا خالف الثقات؟!
وقد قرنه ابن أبي حاتم (١/ ٢٢٧) مع سفيان بن حسين وجعفر بن برقان المخالفين المتقدمين آنفاً. ومن الثقات الذين خالفهم: أخوه عبيد الله بن عمر العمري الثقة الثبت؛ فقد ذكره البيهقي في زمرة الثقات الحفاظ الذين أرسلوا الحديث؛ كما تقدم قريباً، وكذلك ذكره فيهم الترمذي في كلامه السابق في الطريق الأولى. وقد وصله عنه النسائي.
وما تعقب به ابن التركماني البيهقي في ذكره عبيد الله في تلك الزمرة بقوله:
"قلت: أخرجه أبو عمر من حديث أبي خالد الأحمر عن عبيد الله ويحيى ابن سعيد وحجاج بن أرطأة؛ كلهم عن الزهري عن عروة أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين ... الحديث"!! فالجواب من وجهين:
الأول: أن أبا خالد الأحمر - واسمه سليمان بن حيان -، وإن كان ممن أخرج له الشيخان؛ ففي حفظه أيضاً كلام. ولذلك؛ قال فيه الحافظ:
стр. 7180
"صدوق يخطىء". فلا عبرة بحديثه إذا خالف الثقات.
والآخر: أن ظاهر إسناده الإرسال أيضاً؛ لأن قوله: "عن عروة: أن عائشة وحفصة ... " صورته المرسل؛ كما هو ظاهر، فيكون أبو خالد قد شذ مرتين:
الأولى: من جهة مخالفة الثقات الحفاظ الذين رووه عن الزهري مرسلاً.
والأخرى: الذين خالفوا هؤلاء ممن سبق ذكرهم؛ فرووه عنه عن عروة عن عائشة متصلاً!!
٢- وأما طريق عمرة؛ تفرد به جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عنها عن عائشة به.
أخرجه النسائي، والطحاوي (١/ ٣٥٥) ، وابن حبان (٩٥١ - موارد) . وقال النسائي:
"هذا خطأ".
قلت: يعني: من جرير؛ فإن حاله كحال أبي خالد الأحمر وغيره، وقد بين ذلك البيهقي؛ فقال:
"وجرير بن حازم وإن كان من الثقات؛ فهو واهم فيه، وقد خطأه في ذلك أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني. والمحفوظ: عن يحيى بن سعيد عن الزهري عن عائشة مرسلاً".
ثم روى بإسناده عن الأثرم قال: "قلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل - تحفظه عن يحيى عن عمرة عن عائشة ... فأنكره، وقال: من رواه؟ قلت: جرير بن حازم. فقال: جرير كان يحدث بالتوهم".