← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 12762

سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (11 273 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.

стр. 7351

كلهم ثقات؛ إلا من وثقه ابن حبان. وقد أشار إلى ذلك الهيثمي بقوله (١٠/ ٣٥٤) : ".. ورجاله وثقوا". وأما قول المعلقين الثلاثة على "الترغيب" (٤/ ٣٠٧) : "حسن بشواهده"! فهو من جهلهم وغفلتهم؛ لأن التفصيل الوارد فيه ليس له ولا شاهد واحد، بل هو مخالف للحديث الصحيح الذي أشرت إليه آنفاً. ٥٣١٨ - (يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة. فقالت أم سلمة: يا رسول الله! وا سوأتاه! ينظر بعضنا إلى بعض؟! فقال: شغل الناس. قلت: ما شغلهم؟ قال: نشر الصحائف؛ فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل) . منكر أخرجه ابن أبي الدنيا في "الأهوال" (٢٣٧/ ٢٣٣) -: حدثنا عمر بن شبة -، والطبراني في "الأوسط" (٤/ ٤٦٢) -: حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني - قالا: حدثنا سعيد بن سليمان عن عبد الحميد بن سليمان عن محمد بن أبي موسى عن عطاء بن يسار عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره. وقال الطبراني: "لا يروى عن أم سلمة إلا بهذا الإسناد، تفرد به سعيد". ورواه البخاري في "التاريخ" (١/ ١/ ٢٣٦-٢٣٧/ ٧٤٧) : قال لنا سعيد ابن سليمان به.

стр. 7352

قلت: وهو الواسطي، وهو ثقة حافظ من رجال الشيخين. لكن شيخه عبد الحميد بن سليمان - وهو الخزاعي الضرير أخو فليح - اتفقوا على تضعيفه؛ إلا أحمد؛ فإنه قال: "ما كان أرى به بأساً"! ولذلك؛ قال الحافظ في "التقريب": "ضعيف". ولم يذكر الذهبي في ترجمته من "الميزان" إلا أقوال من جرحه، ومنها: قول أبي داود فيه: "غير ثقة". إلا أن هذه العبارة تحرفت في طبعة الخانجي؛ فصارت هكذا: "وقال أبو داود وغيره: ثقة"!! وقال الذهبي في "المغني": "ضعفوه جداً". ومن هذا التحقيق؛ تعلم خطأ الحافظ المنذري في قوله في هذا الحديث (٤/ ١٩٣) : "رواه الطبراني في "الأوسط" بإسناد صحيح"! وقلده السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٣١٧) ! ومثله قول الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٣٣٣) : "رواه الطبراني في "الأوسط" و "الكبير"، ورجاله رجال "الصحيح"؛ غير محمد بن موسى بن أبي عياش؛ وهو ثقة"!! وقد زاد هذا في الوهم شيئين:

стр. 7353

الأول: أنه جعل عبد الحميد بن سليمان من رجال "الصحيح"، وليس كذلك؛ فإنه لم يرو غير الترمذي وابن ماجه. والآخر: أنه قال: "محمد بن موسى بن أبي عياش"! وإنما هو: "محمد ابن أبي موسى" كما تقدم في إسناد "الأوسط"؛ وكذلك أورده ابن أبي حاتم (٤/ ١/ ٨٤) إلا أنه قال: "ويقال: ابن أبي عياش. روى عن عطاء بن يسار. روى عنه عبد الحميد بن سليمان، وأبو أويس". ثم إنني لم أره في "مسند أم سلمة" من "المعجم الكبير". والله أعلم. وقد خولف (عبد الحميد) في إسناده ومتنه؛ كما حققته في الكتاب الآخر: "الصحيحة" (٣٤٦٩) ، وبينت أن الحديث حسن لغيره؛ دون قوله في آخره: "قلت: ما شغلهم؟ ... " إلخ. ٥٣١٩ - (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله) . ضعيف أخرجه الطبراني في "الكبير" (٧١٤١) وفي "مسند الشاميين" (ص ٨٥) : حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد السلام البيروتي - مكحول -: حدثنا إبراهيم بن عمرو بن بكر السكسكي قال: سمعت أبي يحدث عن ثور بن يزيد وغالب بن عبد الله عن مكحول عن ابن غنم عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال: ... فذكره.

стр. 7354

قلت: وهذه الطريق ليس فيها أبو بكر بن أبي مريم الضعيف الذي في إسناد أحمد (٤/ ١٢٤) ، والترمذي (٢٥٧٧) ، والحاكم (١/ ٧٧ و ٤/ ٣٢٥) . ولم يتنبه لذلك صاحبنا السلفي فقال: "رواه أحمد ... " إلخ! ومن طريق أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس. أخرجه الطبراني أيضاً (٧١٤٣) . فلعل قول السلفي المذكور كان في الأصل على هذه الطريق؛ فطبع سهواً على الطريق الأولى! لكن يعكر عليه أنها تبقى حينئذ بدون تعليق. فتأمل! وسواء كان هذا أو ذاك؛ فالسكوت عن هذه الطريق غير لائق؛ لأنه قد يوهم من لا علم عنده أنه من الممكن أن يقوى بها طريق ابن أبي مريم! وليس كذلك؛ لأن فيها من هو شر منه؛ ألا وهو إبراهيم بن عمرو بن بكر السكسكي؛ قال الدارقطني: "متروك". وقال ابن حبان: "يروي عن أبيه الأشياء الموضوعة، وأبوه أيضاً لا شيء". تحريف خطير في حديث ضعيف، واستغلال غير شريف!! ٥٣٢٠ - (كان في عماء، فوقه هواء، وما تحته هواء، ثم خلق العرش على الماء) (١) . ضعيف أخرجه الطيالسي في "مسنده" (رقم ١٠٩٣) : حدثا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس عن أبي رزين قال:

стр. 7355

كان النبي ﷺ يكره أن يسأل، فإذا سأله أبو رزين أعجبه، قال: قلت: يا رسول الله! أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ فقال: ... فذكره. قلت: ومن طريق الطيالسي: أخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص ٣٧٦) . وتابعه جمع عن حماد به. أخرجه الترمذي (٣١٠٨) ، وابن ماجه (١/ ٧٧-٧٨) ، وأحمد في "المسند" (٤/ ١١ و١٢) وابنه في "السنة" (ص ٤٦) ، والبيهقي أيضاً (ص ٤٠٦) كلهم عن حماد به إلا أن البيهقي قال: "ثم خلق العرش، ثم استوى عليه". وقال الترمذي: "حديث حسن". قلت: وهذا أولى من قول الذهبي في "العلو" (ص ١١ - طبع المنار) : "رواه الترمذي، وابن ماجه، وإسناده حسن"! إذ كيف يكون حسن الإسناد وفيه وكيع بن حدس هذا، وقال البيهقي عقبه: "تفرد به يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس". والذهبي نفسه لما أورده في "الميزان"؛ قال: "لا يعرف، تفرد عنه يعلى بن عطاء". قلت: فهو مجهول العين، وليس مجهول الحال؛ كما قال ابن القطان فيما نقل عنه في "التهذيب"، ولا مجهول الصفة؛ كما زعم الكوثري في تعليقه على

стр. 7356

"الأسماء" وفي تعليقه على "السيف الصقيل" (ص ٩٦) ! وأما قوله فيه: "في سنده حماد بن سلمة؛ مختلط"! فهو من عدائه للسة وأهلها، وحماد بن سلمة من أئمتها، وممن احتج بهم مسلم في "صحيحه"؛ فضلاً عن أصحاب "السنن" وغيرهم، وما أحد من الأئمة رماه بالاختلاط؛ وإنما قال بعضهم: إنه تغير. فرحم الله ابن المديني حين قال: "من تكلم في حماد بن سلمة؛ فاتهموه في الدين". فالعلة ممن فوقه كما عرفت. ومنه تعلم خطأ ابن العربي في "العارضة" في قوله: "إن الحديث صحيح سنداً ومتناً"! كما نقله عنه الأستاذ الدعاس في تعليقه على "الترمذي" وأقره كما هي عامة عادته في النقل! أما خطؤه في صحيح السد؛ فواضح مما تقدم. وأما تصحيحه لمتنه؛ فموضع نظر، وإن حسنه الترمذي كما سبق! وذلك؛ لأنني لم أجد له شاهداً إلا قوله: "وكا عرشه على الماء"؛ فإنه من القرآن، وفي حديث عمران بن حصين عند البخاري وغيره: "وكان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء".

стр. 7357

وأما سوى ذلك؛ فلم أجد له شاهداً، لا سيما وقد اختلفوا في تفسيره، فلو أنه صح إسناده لوجب التسليم به؛ كسائر أحاديث الصفات. (تنبيه) : أورد الحافظ الذهبي هذا الحديث في كتابه "العلو" (ص ٩٨ - طبع الهند، وص ١١ - طبعة المنار) بإسناده إلى حماد بن سلمة؛ وزاد: "ثم استوى عليه". إلا أنه تحرف لفظه في طبعة المنار؛ فوقع فيه: "استولى عليه"!! وما في الهندية هو الصواب؛ لأنه موافق لمخطوطة الظاهرية (ق ٧/ ١) ، ولأنه مفسر في "العلو" نفسه من رواية إسحاق بن راهويه بلفظ: "ثم كان العرش، فارتفع عليه". وقد استغل هذا التحريف - جهلاً أو تجاهلاً - أحد جهمية الأزهريين من السوريين في كتاب له - زعم - "هذه عقيدة السلف والخلف في ذات الله تعالى ... "؛ عقد فيه فصلاً (ص ٧٨) بعنوان: "التأويل والرسول ﵊ ... "؛ ذهب فيه إلى أن النبي ﷺ أول الاستواء على العرش بالاستيلاء (!) وأنه أشار بذلك إلى أمته باقتفاء أثره بتأويل كل ما يوهم ظاهره التجسيم، وقال: "والسؤال هنا: هل يوجد دليل على ما قلته؟ نعم؛ ها هو الدليل، جاء في كتاب "العلو" للذهبي ... " ثم ساق الحديث بنصه المحرف؛ ثم قال: "فأنت ترى أن النبي ﷺ قد أول قوله تعالى: (.... استوى) بقوله:

стр. 7358

(استولى عليه) "! قال: "وبهذا يكون المؤولون قد اقتفوا أثر الرسول ﵊ بصرف كل لفظ عن ظاهره - يفهم منه التجسيم - إلى لفظ آخر ينفي عنه ذلك"!!! قلت: وبذلك أعطى سلاحاً للمعتزلة الذي ينكرون كثيراً من صفات الله تعالى - كالسمع والبصر، وكرؤيته تعالى - بالتأويل الذي يؤدي إلى التعطيل، قال المؤلف نفسه عنهم (ص ١٢٣) : "بادعاء أن رؤية الله مستحيلة، فهي تقتضي الجسمية، والجسمية والجهة عندهم كفر". قلت: وهذا ما يصرح به هذا المؤلف الأنوك! في كثير من المواضع، فإذن المعتزلة على حق عنده، بل هو منهم؛ ولو تظاهر بأنه من أهل السنة والجماعة! فهو ينكر علو الله على خلقه، وأن القرآن كلام الله حقيقة؛ بحجة أن ذلك تجسيم وتشبيه!! ويتظاهر بأنه يؤمن برؤية الله في الآخرة تبعاً للأشاعرة، ويتجاهل أن ذلك يستلزم التجسيم على مذهبه؛ وكذا الجهة. ولكن ذاك السلاح غير ماض؛ لأنه قائم على حديث لا وجود له إلا في ذهنه ضعيف السند، فيبادر إلى الإجابة عن ذلك بقوله: "وسواء أكان الحديث صحيحاً أو ضعيفاً؛ فلا أقل من أن يحمل على التفسير"!! ما هذا الكلام أيها الأنوك الأحمق؟!! فما هو الذي يقابل التفسير الذي

стр. 7359

ينبغي أن يحمل الحديث عليه إذا صح؟! وبعبارة أخرى: فالحديث صحيح أو ضعيف، فإذا كان صحيحاً، فماذا؟ وإذا كان ضعيفاً؛ فماذا؟! أليس في كل من الحالين يحمل الحديث على التفسير؟! ولكن في حالة كونه ضعيفاً؛ ما قيمة هذا التفسير الذي لم يثبت عنه ﷺ ؟! وجملة القول: أن هذا الكلام ركيك جداً، يدل على عجمة هذا الجهمي، وليس ذلك في لسانه فقط، بل وفي تفكيره أيضاً؛ لأنه في الوقت الذي يقطع بأن هناك دليلاً على أن الرسول أول كما تقدم، ويكرر ذلك في مواضع أخر؛ فيقول (ص ٨٠) : "فإذا كان الرسول ﵊ قد فسر الاستواء بالاستيلاء؛ فهذا هو التأويل بعينه"! إذ إنه يقول هذا الكلام الذي لا يشعر أنه به يهدم ما بنى؛ لجهله بكون الحديث صحيحاً أو ضعيفاً، فكيف وقد صرح جازماً بضعفه في مكان ثالث، فقال (ص ١٠٣) : "وقدمت لك أن الرسول ﵊ فسر الاستواء بالاستيلاء؛ حتى وإن كان أثراً ضعيفاً؛ فيستأنس به في التأويل"!! إذن؛ هو ليس بدليل؛ لأن الدليل لا يستأنس به فقط، بل ويحتج به، فكيف جاز له أن يتقول على رسول الله ﷺ فيقول: "إنه فسر الاستواء بالاستيلاء"؟! فليتبوأ - إذن - مقعده من النار! ثم ما فائدة هذا التأويل الذي ذهب إليه الأشاعرة وغيرهم من الجهمية والمعطلة

стр. 7360

- مع بطلانه في نفسه عندنا - ما داموا هم أنفسهم لا يأخذون به إلا مع تأويله أيضاً؟! ، ذلك لأنهم قد أورد عليهم أهل السنة حقاً أن تأويل الاستواء بالاستيلاء؛ معناه: أنه لم يكن مستولياً عليه من قبل، لا سيما بملاحظة الآية التي فيها: (ثم استوى على العرش) ؛ فإن (ثم) تفيد التراخي كما هو معلوم، وهذا التأويل مما لا يقول به مسلم؛ لأنه صريح في أن الله لم يكن مستولياً عليه سابقاً؛ بل كان مغلوباً على أمره، ثم استولى عليه! لا سيما وهم يستشهدون بذاك الشعر: قد استوى بشر على العراق * * * بغير سيف ولا دم مهراق! تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً! فلما أورد هذا عليهم؛ انفكوا عنه؛ فقال بعض متأخريهم - كما نقله هذا الأزهري (ص ٢٥) -: "ولكن لا يخفى عليك الفرق بين استيلاء المخلوق واستيلاء الخالق"! وقال الكوثري في تعليقه على "الأسماء" (ص ٤٠٦،٤١٠) : "ومن حمله على معنى الاستيلاء؛ حمله عليه بتجريده من معنى المغالبة"! فأقول: إذا جردتم "الاستيلاء" من معنى المغالبة؛ فقد أبطلتم تأويلكم من أصله؛ لأن الاستيلاء يلازمه المغالبة عادة كما تدل عليه البيت المشار إليه، فإذا كان لا بد من التجريد تمسكاً بالتنزيه؛ فهلا قلتم كما قال السلف: "استوى: استعلى"؛ ثم جردتم الاستعلاء من كل ما لا يليق بالله تعالى؛ كالمكان، والاستقرار، ونحو ذلك، لا سيما وذلك غير لازم من الاستعلاء حتى في المخلوق؛

стр. 7361

فالسماء فوق الأرض ومستعلية عليها، ومع ذلك فهي غير مستقرة عليها، ولا هي بحاجة إليها، فالله تعالى أولى بأن لا يلزم من استعلائه على المخلوقات كلها استقراره عليها، أو حاجته إليها سبحانه، وهو الغني عن العالمين. ومن مثل هذا؛ يتبين للقارىء اللبيب أن مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم، وليس العكس؛ خلافاً لما اشتهر عند المتأخرين من علماء الكلام. ٥٣٢١ - (تكبيرات، وتسبيحات، وتحميدات مئة؛ حين تريدان أن تناما، فتبيتان على ألف حسنة، ومثلها حين تصبحان، فتقومان على ألف حسنة) . منكر بهذا التمام أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ٦٩) ، وكذا أبو داود (٢/ ٣٢٣) - إلا أنه لم يسق لفظه - كلاهما من طريق يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن كعب القرظي عن شبث بن ربعي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: قدم على رسول الله ﷺ بسبي، فقال علي لفاطمة: ائتي أباك؛ فسليه خادماً نتقي به العمل، فأتت أباها حين أمست، فقال لها: "ما لك يا بنية؟! " قالت: لا شيء، جئت لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله شيئاً، فلما رجعت قال لها علي: ما فعلت؟ قالت: لم أسأله شيئاً واستحييت منه. حتى إذا كانت الليلة القابلة قال لها: ائتي أباك فسليه خادماً تتقين به العمل، فأتت أباها، فاستحيت أن تسأله شيئاً.

стр. 7362

حتى إذا كانت الليلة الثالثة مساءً؛ خرجنا جميعاً حتى أتينا رسول الله ﷺ فقال: "ما أتى بكما؟! ". فقال علي: يا رسول الله! شق علينا العمل، فأردنا أن تعطينا خادماً نتقي به العمل! فقال لهما رسول الله ﷺ : "هل أدلكما على خير لكما من حمر النعم؟ " قال علي: يا رسول الله! نعم. قال: ... فذكره. فقال علي: فما فاتتني منذ سمعتها من رسول الله ﷺ إلا ليلة صفين؛ فإني نسيتها، حتى ذكرتها من آخر الليل فقلتها. قلت: وهذا إساد ضعيف، رجاله ثقات؛ غير شبث بن ربعي؛ ذكره البخاري في "الضعفاء"، وقال: "روى عنه محمد بن كعب، لا يصح، ولا نعلمه سمع من شبث". ولم يذكروا عنه راوياً آخر سوى سليمان التيمي؛ فهو غير مشهور. وقد ذكره ابن حبان في "الثقات"؛ ولكنه وصفه بأنه يخطىء. وهذا أدق وأصح من قول أبي حاتم فيه (٢/ ١/ ٣٨٨) : "حديثه مستقيم، لا أعلم به بأساً"! وذلك لأنه - مع قلة حديثه - قد روى هذا الحديث عن علي، وقد رواه عنه جمع من الثقات، فلم يذكروا فيه قوله: "ومثلها حين تصبحان ... "؛ فهي زيادة منكرة.

стр. 7363

وقد خالفهم في مواطن أخرى؛ منها قوله: فأتت أباها حين أمست، فقال لها ... إلى قوله: ثم أخرجنا جميعاً حتى أتينا رسول الله ﷺ فقال: "ما أتى بكما ... "؛ فإنه مخالف لرواية "الصحيحين" من طريق ابن أبي ليلى عن علي بلفظ: فأتت النبي ﷺ تسأله خادماً، فلم تجده، فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء أخبرته، قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبت أقوم فقال: "مكانك". فجلس بيننا؛ حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: "ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟! ". ومنها قوله: "حمر النعم"؛ فإنه خلاف رواية "الصحيحين" كما ترى! وقد تكلم الحافظ على الحديث وجمع طرقه وألفاظه - كما هي عادته -، وذكر رواية شبث هذه مشيراً إلى ما فيها من المخالفة؛ وقال (١١/ ١٠١) : "فيحتمل أن تكون قصة أخرى"!! قلت: هذا احتمال بعيد! ثم إنه إنما يصار إلى مثله فيما ثبت سنده، وليس الأمر كذلك هنا؛ لما عرفت من حال شبث هذا، وأما دعمه لذلك بقوله: "فقد أخرج أبو داود من طريق أم الحكم أو ضباعة بنت الزبير؛ أي: ابن عبد المطلب قالت: أصاب رسول الله ﷺ سبياً، فذهبت أنا وأختي فاطمة بنت رسول الله ﷺ نشكو إليه ما نحن فيه، وسألناه أن يأمر لنا بشيء من السبي، فقال:

стр. 7364

"سبقكن يتامى بدر ... ". فذكر قصة التسبيح إثر كل صلاة، ولم يذكر قصة التسبيح عند النوم، فلعله علم فاطمة في كل مرة أحد الذكرين"!! قلت: هذه غير تلك قطعاً، مع ثبوت سندها؛ فإن فيها ذهاب فاطمة مع أم الحكم - وهي بنت الزبير بن عبد المطلب، وقيل: هي ضباعة نفسها - أو مع ضباعة. وفي تلك أنها ذهبت مع علي. وفيها ذكر التسبيح إثر الصلاة؛ دون التسبيح عند النوم. فتأمل! ثم إن شبثاً هذا قد قيل في ترجمته أقوال عجيبة، يدل مجموعها على أنه كان مضطرب البال، لا يكاد يستقر على حال، تارة إلى اليمين، وتارة إلى الشمال، وقد لخص تلك الأقوال الحافظ ابن حجر في "التقريب"؛ فقال: " ... مخضرم. ١- كان مؤذ سجاح ثم أسلم. ٢- ثم كان ممن أعان على عثمان. ٣- ثم صحب علياً. ٤- ثم صار من الخوارج عليه. ٥- ثم تاب فحضر قتل الحسين. ٦- ثم كان ممن طلب بدم الحسين مع المختار. ٧- ثم ولي شرطة الكوفة. ٨- ثم حضر قتل المختار، ومات بالكوفة في حدود الثمانين"!

стр. 7365

ولم يذكر الحافظ رأيه فيه ومرتبته في الرواية، وكأن ذلك لهذا الاضطراب الذي شرحه بإيجاز، والذي يدل على عدم استقرار ذهنه، وسلامة فكره. والله أعلم. ومثل حديثه هذا في النكارة: ما أورده الحافظ إبراهيم الناجي في "عجالة الإملاء" (ص ٨٥) من رواية عبد بن حميد - في مسند علي - من "مسنده": أخبرنا يزيد بن هارون: أخبرنا مسلم بن عبيد عن أبي عبد الله عن أبي جعفر مولى علي بن أبي طالب أن علياً قال في يوم: قال نبي الله ﷺ لفاطمة: "سبحي حين تنامين ثلاثاً وثلاثين، واحمدي ثلاثاً وثلاثين، وكبري أربعاً وثلاثين، فهذه مئة، وهي ألف حسنة؛ من قالها كل ليلة حين ينام؛ فهي خير له من أن يعتق رقبة كل ليلة، وكل عرق في جسده يمحى به عنه سيئة، ويكتب له حسنة". قال علي: فما تركتهن منذ سمعت فاطمة قالتها لي، ولا يوم صفين. قال الحافظ الناجي: "وهذا منكر إسناداً ومتناً، ولا أعرف أبا جعفر مولى علي، ولا أبا عبد الله الراوي عنه، إن لم يكونا مصحفين، والعلم عند الله". حديث الكروبيين. ٥٣٢٢ - (ينزل أهل السماء الدنيا - وهم أكثر من أهل الأرض، ومن الجن والإنس -، فيقول أهل الأرض: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا، وسيأتي، ثم تشقق السماء الثانية ... (وساق الحديث إلى السماء

стр. 7366

السابعة، قال:) فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا، وسيأتي، ثم يأتي الرب ﵎ في الكروبيين، وهو أكثر من أهل السماوات والأرض) . منكر موقوف أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية" (ص ٤٣) - وهذا السياق له -، وابن جرير (١٩/ ٥) ، والحاكم (٤/ ٥٦٩-٥٧٠) من طريق علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية: (يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً) ؛ قال: ... فذكره. وقال الحاكم: "رواة هذا الحديث - عن آخرهم - محتج بهم؛ غير علي بن زيد بن جدعان القرشي، وهو - وإن كان موقوفاً على ابن عباس -؛ فإنه عجيب بمرة". وأما الذهبي؛ فعلى خلاف عادته قال: "قلت: إسناده قوي" (١) ! ٥٣٢٣ - (إن الله تعالى لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد، فيدعون له من بعده، فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر) . منكر أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" من طريق الوليد بن عبد الملك ابن عبيد الله بن مسرح: حدثنا سليمان بن عطاء عن مسلمة بن عبد الله عن عمه أبي مشجعة بن ربعي عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا [زيادة العمر] عند رسول الله ﷺ ؟ فقال: ... فذكره. نقلته من "تفسير ابن كثير" (٧/ ٥٤) ، ووقع فيه أخطاء كثيرة في رجال

стр. 7367

إسناده، صححتها من كتب الرجال (١) ، ويبدو لي أن في أول متنه سقطاً لعله قولهم: قوله تعالى: (وما يعمر من معمر ... ) الآية، أو نحوه. ثم تحققت من ذلك كما يأتي. وسكت عن إسناده ابن كثير، وهو إسناد ضعيف مظلم مسلسل بالمجهولين: ١- أبو مشجعة هذا؛ لم يذكروا له راوياً غير ابن أخيه مسلمة بن عبد الله؛ وقال الحافظ: "مقبول"؛ يعني: عند المتابعة، وإلا؛ فهو لين الحديث. ٢- مسلمة بن عبد الله الجهني؛ قال دحيم: "لم يرو عنه أحد نعرفه غير الشعيثي". وقال الحافظ أيضاً: "مقبول". ٣- سليمان بن عطاء - وهو ابن قيس القرشي - متفق على تضعيفه، بل قال ابن حبان في "الضعفاء والمجروحين" (١/ ٣٢٩) : "روى عن مسلمة بن عبد الله الجهني عن عمه أبي مشجعة بن ربعي أشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات، فلست أدري؛ التخليط فيها منه أو من مسلمة ابن عبد الله؟! ".

стр. 7368

وأما الوليد بن عبد الملك؛ فقال ابن أبي حاتم (٤/ ٢/ ١٠) عن أبيه: "صدوق". وذكر أنه روى عنه أبوه، وكذا أبو زرعة، ورواية هذا عنه توثيق منه له؛ كما هو معروف عنه. فآفة الحديث ممن فوقه. وقد أخرجه من طريقه أيضاً: ابن حبان، وابن عدي (ق ١٦٠/ ١) ، والطبراني في "الأوسط" (١/ ١٩٠/ ٢ - مصورة الجامعة) ؛ وفي روايتهم ما أشرت إليه من السقط في "تفسير ابن كثير". وهذا الحديث مما فات السيوطي؛ فلم يورده في "الجامع الكبير"، بل ولا في "الدرالمنثور" في تفسير الآية: (وما يعمر من معمر ... ) ! وإنما أورد فيها الحديث الآتي بعده، ولم يورده أيضاً في آخر سورة (المنافقون) في قوله تعالى: (ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون) . وهو بها أليق وألصق، وهي بمعنى الطرف الأول من الحديث. وأما سائره؛ فمنكر لا شاهد له، بل هو مخالف لبعض الأحاديث الصحيحة المصرحة بأن هناك أسباباً شرعية لإطالة العمر؛ كقوله ﷺ : "من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره (وفي رواية: أجله) ؛ فليصل رحمه"؛ أخرجه الشيخان من حديث أنس، وله شواهد خرجت بعضها في "صحيح أبي داود" (١٤٨٦) . وكقوله ﷺ : "حسن الخلق وحسن الجوار؛ يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار". أخرجه

стр. 7369

أحمد بسند صحيح؛ كما تراه مبيناً في "الصحيحة" (٥١٩) . وقد يظن بعض الناس أن هذه الأحاديث تخالف الآية السابقة: (ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها ... ) ، وغيرها من الآيات والأحاديث التي في معناها! والحقيقة؛ أنه لا مخالفة؛ لأن الأحاديث المذكورة آنفاً إنما تتحدث عن مبدأ الأخذ بالأسباب، ولا تتحدث عما سبق في علم الله الأزلي من الآجال المحددة؛ فإن علم الله تعالى لا يتغير ولا يتبدل؛ تماماً كما هو الشأن في الأعمال الصالحة والطالحة، والسعادة والشقاوة، فالآيات والأحاديث التي تأمر بالإيمان والعمل الصالح، وتنهى عن نقيضهما لا تكاد تحصى، وفي بعضها يقول الله تعالى: (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) ، وقد ذكر العلماء المحققون أن الباء في هذه الآية؛ إنما هي باء السببية، فذلك كله لا ينافي ما سبق في علم الله تعالى من السعادة والشقاوة، بل إنما هما أمران متلازمان: السعادة مع العمل الصالح، والشقاوة مع العمل الطالح. وهذا صريح في قوله ﷺ : "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها". أخرجه الشيخان وغيرهما، وهو مخرج في "تخريج السنة" (١٧٥-١٧٦) . فانظر كيف أن نهاية الأمر كان مقروناً بالعمل دخول الجنة والنار. فكما أنه لا يقال: إن العمل ليس سبباً للدخول؛ فكذلك لا يقال: إن صلة الرحم وغيرها ليست سبباً لطول العمر بحجة أن العمر محدود؛ فإن الدخول أيضاً

стр. 7370

محدود: (فريق في الجنة وفريق في السعير) . وما أحسن وأجمل جواب النبي ﷺ لما حدث أصحابه بقوله: "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة". فقالوا: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فقال ﷺ : "اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له: أما من كان من أهل السعادة؛ فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة؛ فييسر لعمل أهل الشقاوة". ثم قرأ: (فأما من أعطى واتقى. وصدق بالحسنى. فسنيسره لليسرى) ، إلى قوله: (فسنيسره للعسرى) . أخرجه الشيخان. وجملة القول: أن الله ﵎ جعل لكل شيء سبباً، فالعمل الصالح سبب لدخول الجنة، والعمل السيىء لدخول النار، فكذلك جعل بعض الأخلاق الصالحة سبباً لطول العمر. فكما أنه لا منافاة بين العمل وما كتب لصاحبه عند ربه؛ فكذلك لا منافاة بين الأخلاق الصالحة وما كتب لصاحبها عند ربه، بل كل ميسر لما خلق له. وأنت إذا تأملت هذا؛ نجوت من الاضطراب الذي خاض فيه كثير من العلماء؛ مما لا يكاد الباحث يخلص منه بنتيجة ظاهرة سوى قيل وقال، والأمر واضح على ما شرحنا والحمد لله، وإن شئت أن تقف على كلماتهم في ذلك؛ فراجع "روح المعاني" للعلامة الآلوسي (٧/ ١٦٩-١٧٠) . ٥٣٢٤ - (من قرأ: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) ؛ عدلت بربع القرآن ... ) . موضوع رواه ابن نصر في "قيام الليل" (ص ١١٣ - الأثرية) من طريق

стр. 7371

عمر بن رياح: سمعت يزيد الرقاشي عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ... فذكره. وله عنده تتمة حذفتها؛ لثبوتها في أحاديث أخرى. وهذا القدر منه موضوع؛ لتفرد عمر بن رياح به؛ قال البخاري في "التاريخ الكبير" (٦/ ١٥٦/ ٢٠٠٩) : "قال عمرو بن علي: هو دجال". وقال ابن حبان في "الضعفاء" (٢/ ٨٦) : "كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب". ويزيد الرقاشي ضعيف؛ كما تقدم مراراً. ٥٣٢٥ - (كنت ردف رسول الله ﷺ ؛ وأعرابي معه ابنة له حسناء، فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله ﷺ ؛ رجاء أن يتزوجها. قال: فجعلت ألتفت إليها، وجعل رسول الله ﷺ يأخذ برأسي فيلويه ... ) الحديث. منكر بهذا السياق أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١٢/ ٩٧/ ٦٧٣١) من طريق قبيصة بن عقبة عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس عن الفضل بن عباس قال: ... فذكره. قلت: وهذا إسناد ظاهرة الصحة، وقد جرى على ذلك الحافظ ابن حجر؛ فقال في "الفتح" (٤/ ٥٨ - بولاق) : "رواه أبو يعلى بإسناد قوي"! قلت: وهو في نقدي معلول، فعزمت على بيان ذلك؛ أداءً للأمانة العلمية،

стр. 7372

ولكي لا يغتر به بعض الطلبة ممن لا معرفة عندهم بعلل الحديث، كما وقع ذلك لبعض الطلاب المعاصرين ممن كتب في حجاب المرأة، وللمعلق على "مسند أبي يعلى" (١٢/ ٩٧) ! فأقول: فيه ثلاث علل: الأولى: أبو إسحاق - وهو عمرو بن عبد الله السبيعي -؛ فإنه مع كونه من رجال الشيخين؛ فإنه مدلس، وكان اختلط في آخره. قال الحافظ ابن حجر في مقدمة "الفتح" (ص ٤٣١) : "أحد الأعلام الأثبات قبل اختلاطه". وقد أورده ابن الصلاح وغيره في جملة المختلطين، وحكمهم: الاحتجاج بهم بما حدثوا به قبل اختلاطهم، بخلاف ما حدثوا به بعد اختلاطهم؛ فلا يحتج به، ومثله ما لم يتبين أحدث به قبل الاختلاط أم بعده؟ كما هو الشأن في هذا الحديث؛ فإني لم أجد من صرح بأن ابنه يونس بن أبي إسحاق سمع منه قبل الاختلاط. ثم هو - إلى ذلك - قد عنعنه. الثانية: يونس بن أبي إسحاق، وإن كان قد احتج به مسلم؛ فلعل ذلك منه على سبيل الاختيار والانتقاء من حديثه؛ فقد قال الحافظ فيه في كتابه "تقريب التهذيب": "صدوق يهم قليلاً". قلت: وقد خالفه في متنه ابنه إسرائيل - كما يأتي -؛ وهو أوثق منه.

стр. 7373

الثالثة: قبيصة بن عقبة؛ قال الحافظ: "صدوق ربما خالف". واعلم أنه مما لا يخفى علي - والحمد لله - أن مثل هذا الجرح والذي قبله مما لا يسقط صاحبه من مرتبة الاحتجاج بحديثه مطلقاً! كلا، ولكن قل من يعلم من المشتغلين بهذا العلم أن مثله مما يعرض صاحبه لنقد حديثه عند مخالفته لمن هو أوثق منه، فيصير بسبب ذلك حديثه شاذاً، أو منكراً. وهذا هو الواقع في هذا الحديث؛ فقد جاء من طرق دون قوله: (فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها) ! بل جاء كذلك من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به. أخرجه أحمد (١/ ٢١٣) قال: حدثنا حجين بن المثنى وأبو أحمد (يعني: الزبيري) - المعنى - قالا: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق به؛ دون الزيادة. أما الطريق الثانية؛ فهي من رواية الحكم بن عتيبة عن ابن عباس به. أخرجه أحمد أيضاً (١/ ١١٣) ؛ ورجاله ثقات كالذي قبله. قلت: فاتفاق هذه الطرق الثلاث على خلاف رواية يونس؛ لدليل واضح على شذوذ ما تفرد به دونهم، بل وعلى نكارته؛ فإنه يحتمل أن يكون ذلك من أبي إسحاق نفسه، حدث به في حالة اختلاطه؛ فذكرها تارة، فسمعها منه يونس،

стр. 7374

ولم يذكرها تارة، فلم يذكرها إسرائيل في حديثه عنه؛ وهذا هو الصواب؛ لموافقته للطرق الأخرى. ويؤيده: أن سليمان بن يسار رواه أيضاً عن ابن عباس مثله دون الزيادة؛ لكنه جعله من مسند ابن عباس، وذكر أن السائل إنما هي المرأة الخثعمية، وأنها هي التي كان ينظر الفضل إليها، وأنها قالت: يا رسول الله! إن فريضة الله الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً.. (١) . فتأول الحافظ قولها: "أبي" بأنها لعلها أرادت به جدها؛ لأن أباها كان معها! وهذا التأويل لو كان للتوفيق بين حديث "الصحيحين" من جهة وحديث الترجمة من جهة أخرى؛ لكان لا وجه له عندي؛ لم ذكرته من المخالفة فيها، ولك لما كانت الطرق الثلاث متفقة على أن أباها كان معها؛ كان لا بد من التأويل المذكور. والله أعلم. ويؤيده أيضاً: أن الحديث قد جاء من حديث علي ﵁ مطولاً، وفيه قصة الفضل مع الخثعمية، وليس فيها تلك الزيادة (٢) ؛ فثبت أنها منكرة. (تنبيه) : كان في آخر الحديث: وكان رسول الله ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة. فحذفته مشيراً إلى ذلك بالنقط ( ... ) ، وبقولي: (الحديث) ؛ لأن هذا القدر منه صحيح، رواه الشيخان وغيرهما، وهو مخرج في "الإرواء" (رقم ١٠٩٨) .

стр. 7375

٥٣٢٦ - (زينوا أصواتكم بالقرآن) . منكر مقلوب تفرد بروايته - هكذا - الخطابي في "معالم السنن" (٢/ ١٣٨) من طريق الدبري عن عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن منصور عن طلحة عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء أن رسول الله ﷺ قال: ... فذكره. قلت: وهو إسناد ضعيف، ومتن منكر مقلوب، ولولا أن الخطابي - عفا الله عنا وعنه - أورده مصححاً إياه، ومحتجاً به على أن اللفظ الذي في "سنن أبي داود" وغيره من طريق الأعمش عن طلحة بلفظ: "زينوا القرآن بأصواتكم"، مقلوب عنده (١) ! لولا ذلك لما تكلفت مؤنة الرد عليه، وبيان خطأ ما ذهب إليه رواية ومعنى. أما الرواية: فالرد عليه من وجوه: الأول: أن الإسناد الذي ساقه لا تقوم به حجة؛ لأنه من رواية الدبري عن عبد الرزاق؛ فإن الدبري - مع أنه قد تكلم بعضهم فيه؛ فإنه - ممن سمع من عبد الرزاق بعد اختلاطه؛ قال ابن الصلاح: "وجدت فيما روى الطبراني عن الدبري عنه أحاديث استنكرتها جداً، فأحلت أمرها على ذلك". الثاني: أنه خالفه الإمام الحجة، الإمام أحمد - إسناداً ومتناً -؛ فقال في "مسنده" (٤/ ٢٩٦) : حدثنا عبد الرزاق: أنبأنا سفيان عن منصور والأعمش عن طلحة بلفظ أبي داود.

стр. 7376

فهذا هو المحفوظ عن عبد الرزاق بهذا الإسناد الصحيح عن منصور. وأحمد ممن سمع من عبد الرزاق قبل اختلاطه. وقد تابعه عبيد الله بن موسى عن سفيان به. أخرجه ابن حبان (٦٦٠ - موارد) ، والدارمي (٢/ ٢٧٤) . وقد تابع سفيان - وهو الثوري - إبراهيم بن طهمان عن منصور والحكم عن طلحة بن مصرف به. أخرجه الحاكم (١/ ٥٧٥) . وعنده (١/ ٥٧١-٥٧٢) طرق أخرى عن منصور وحده. الثالث: أن منصوراً قد تابعه الأعمش والحكم كما رأيت. وتابعهم شعبة عن طلحة به. أخرجه الطيالسي (٧٣٨) ، وأحمد (٤/ ٣٠٤) ، والحاكم (١/ ٥٧٣) . ولهم عنده متابعون آخرون كثيرون، وفيما ذكرنا كفاية. الرابع: أن طلحة - وهو ابن مصرف - قد تابعه جماعة: منهم زبيد بن الحارث عن عبد الرحمن بن عوسجة به. أخرجه الحاكم (١/ ٥٧٥) ، والخطيب (٤/ ٢٦١) . الخامس: أن عبد الرحمن بن عوسجة قد تابعه عن البراء: زاذان أبو عمر، وعدي بن ثابت، وأوس بن ضمعج.

стр. 7377

أخرج أحاديثهم الحاكم باللفظ المحفوظ؛ إلا أن زاذان زاد فقال: ".. فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً". وأخرجه الدارمي (٢/ ٢٧٤) أيضاً، وتمام في "الفوائد". وسنده جيد؛ كما بينته في "صحيح أبي داود" (١٣٢٠) وفي الكتاب الآخر (٧٧١) . السادس: أن البراء تابعه جمع من الصحابة باللفظ المحفوظ، منهم: عائشة وأبو هريرة، وعبد الله بن مسعود، وقد خرجت أحاديثهم في "الصحيح" تحت الرقم المذكور آنفاً. أقول: ففي هذه الطرق والمتابعات والشواهد دلالة قاطعة على أن حديث الترجمة منكر مقلوب؛ لمخالفة راويه هذه الروايات، والنكارة تثبت بأقل من ذلك؛ كما لا يخفى على المشتغلين بهذا العلم الشريف. فإن قيل: لم يتفرد الدبري بالحديث؛ فقد قال الحاكم (١/ ٥٧٢) : حدثنا عبد الله بن سعد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الأنماطي: حدثنا عبد الرحمن بن بشر: حدثنا عبد الرزاق: أنبأ معمر والثوري عن الأعمش بإسناده المتقدم بلفظ: "زينوا أصواتكم بالقرآن". فأقول: رجال إسناده ثقات معروفون؛ غير عبد الله بن سعد؛ فإني لم أجد له ترجمة فيما لدي من المصادر الآن، فإن كان ثقة كالذين فوقه؛ فيكون الوهم من عبد الرزاق نفسه؛ لاختلاطه كما تقدم، ولأننا لا ندري أسمع من عبد الرزاق قبل الاختلاط أم بعده؟ والثاني هو الأقرب؛ لأن عبد الرزاق مات سنة (٢١١) ،

стр. 7378

وابن بشر سنة (٢٦٠) أو (٢٦٢) ، فبين وفاتيهما قرابة خمسين سنة، ومعنى هذا أنه سمع منه في آخر حياته! والله أعلم. وجملة القول: أن حديث الترجمة هو المقلوب يقيناً، وهو إما منكر أو شاذ في اصطلاحهم. هذا من حيث الرواية. وأما المعنى: فقال الخطابي - في الحديث المحفوظ: "زينوا القرآن بأصواتكم" -: "معناه: زينوا أصواتكم بالقرآن! من باب المقلوب كما قالوا: عرضت الناقة على الحوض؛ أي: عرضت الحوض على الناقة. وكقولهم: إذا طلعت الشعرى واستوى العود على الحرباء؛ أي: استوى الحرباء على العود". ثم روى بإسناده الصحيح عن شعبة قال: نهاني أيوب أن أحدث: "زينوا القرآن بأصواتكم". ثم قال: "قلت: ورواه معمر عن منصور عن طلحة، فقدم الأصوات على القرآن، وهو الصحيح"، ثم ساق إسناده إلى الدبري بسنده المتقدم. ثم قال: "والمعنى: اشغلوا أصواتكم بالقرآن، والهجوا بقراءته، واتخذوه شعاراً وزينة". والجواب من وجوه: أولاً: أن القلب المدعى خلاف الأصل؛ فالواجب التمسك بالأصل ما دام ممكناً، وهو كذلك هنا عند الجمهور؛ كما سيأتي. ثانياً: ما رواه عن شعبة أن أيوب نهاه أن يحدث بحديث: "زينوا

стр. 7379

القرآن ... "؛ ليس لأنه حديث مقلوب كما يدعي الخطابي، وإنما خشية أن يتأوله المبتدعة بما يخالفون به السنة؛ فقد رواه أبو عبيد القاسم بن سلام أيضاً بإسناده الصحيح عن شعبة به، وقال عقبه: "وإنما كره أيوب - فيما نرى - أن يتأول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله ﷺ في الألحان المبتدعة، فلهذا نهاه أن يحدث به". ذكره ابن كثير في "فضائل القرآن" (ص ٥٦) ، ثم قال عقبه: "قلت: ثم إن شعبة (١) ﵀ روى الحديث متوكلاً على الله كما روي له، ولو ترك كل حديث يتأوله مبطل؛ لترك من السنة شيء كثير، بل قد تطرقوا إلى تأويل آيات كثيرة من القرآن، وحملوها على غير محاملها الشرعية المرادة، وبالله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله". ثالثاً: ما عزاه لغير واحد من أئمة الحديث من أن المعنى: "زينوا أصواتكم بالقرآن"! فهو - مع أنه لم يسنده إليهم، ولا سمى واحداً منهم -؛ فهو مردود بما في "غريب ابن الأثير"؛ فإنه ذكر هذا المعنى المقلوب (!) ولم يعزه لأحد، ثم أتبعه بقوله: "وقيل: أراد بـ (القرآن) : القراءة، فهو مصدر (قرأ يقرأ قراءة وقرآناً) ؛ أي: زينوا قراءتكم القرآن بأصواتكم، ويشهد لصحة هذا - وأن القلب لا وجه له -: حديث أبي موسى: أن النبي ﷺ استمع إلى قراءته فقال: "لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود"، فقال: لو علمت أنك تستمع؛ لحبرته لك تحبيراً (٢) ؛ أي: حسنت قراءته وزينتها، ويؤيد ذلك - تأييداً لا شبهة فيه - حديث ابن عباس: أن

стр. 7380

رسول الله ﷺ قال: "لكل شيء حلية، وحلية القرآن حسن الصوت". والله أعلم". قلت: حديث ابن عباس هذا ضعيف الإسناد لا تقوم به حجة، كما تقدم بيانه برقم (٤٣٢٢) ، فالأولى الاستدلال بالزيادة المتقدمة في بعض طرق حديث البراء المحفوظ بلفظ: "فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً". ويشهد أيضاً لصحة ما تقدم حديث: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"؛ فإن المراد به وبأمثاله تحسين الصوت، وبذلك فسره جماعة من السلف؛ منهم ابن أبي مليكة، والراوي عنه بهذا الحديث - وهو عبد الجبار بن الورد -؛ فإنه قال عقب الحديث: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد! أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع. أخرجه أبو داود، وهو في "صحيحه" برقم (١٣٢٢،١٣٢٣) . قال ابن كثير عقبه: "فقد فهم من هذا أن السلف ﵃ إنما فهموا من التغني بالقرآن إنما هو تحسين الصوت به وتحزينه؛ كما قال الأئمة ﵏". ويشهد له أيضاً حديث أبي هريرة مرفوعاً: "ما أذن الله بشيء ما أذن (وفي لفظ: كأذنه) لنبي [حسن الصوت (وفي لفظ: حسن الترنم) ] ، يتغنى بالقرآن [يجهر به] ".

стр. 7381

قال الحافظ في "الفتح" بعد أن ذكر الخلاف في تفسير التغني لغة (٩/ ٦٣) : "ظواهر الأخبار ترجح أن المراد: تحسين الصوت، ويؤيده قوله: "يجهر به"؛ فإنها إن كات مرفوعة قامت الحجة به، وإن كانت غير مرفوعة؛ فالراوي أعرف بمعنى الخبر من غيره؛ لا سيما إذا كان فقيهاً. ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم؛ لأن للتطريب تأثيراً في رقة القلب، وإجراء الدمع، وكان بين السلف اختلاف في جواز القرآن بالألحان، أما تحسين لصوت، وتقديم حسن الصوت على غيره؛ فلا نزاع في ذلك ... ومحل هذا الاختلاف إذا لم يختل شيء من الحروف عن مخرجه، فلو تغير؛ قال النووي في "التبيان": أجمعوا على تحريمه. ولفظه: أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن؛ ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط، فإن خرج حتى زاد حرفاً أو أخفاه؛ حرم". ثم ذكر (٩/ ٨٠) أن ابن أبي داود أخرج من طريق ابن أبي مشجعة قال: كان عمر يقدم الشاب الحسن الصوت؛ لحسن صوته بين يدي القوم. ومن طريق أبي عثمان النهدي قال: دخلت دار أبي موسى الأشعري، فما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا ناي أحسن من صوته. وقال الحافظ: "سنده صحيح؛ وهو في "الحلية" لأبي نعيم [١/ ٢٥٨] . و (الصنج) - بفتح المهملة وسكون النون بعدها جيم -: هو آلة تتخذ من نحاس، كالطبقين، يضرب أحدهما بالآخر. و (البربط) - بالموحدتين بينهما راء ساكنة ثم طاء مهملة، بوزن جعفر -: هو آلة تشبه العود، فارسي معرب.

стр. 7382

و (الناي) - بنون بغير همز -: هو المزمار". وجملة القول: أن الخطابي أخطأ خطأ فاحشاً في تصحيحه لحديث الترجمة، وترجيحه إياه على اللفظ الصحيح المخالف له، مع كثرة طرقه وشواهده، وتفرد أحد الرواة برواية معارضه، كما أخطأ في ادعائه أن معنى الحديث على القلب، والكمال لله تعالى وحده. فإن قيل: فإن لحديث الترجمة شاهداً من حديث ابن عباس مرفوعاً بلفظ: "زينوا أصواتكم بالقرآن ... "؛ مثل حديث الترجمة. وفي رواية: "أحسنوا الأصوات بالقرآن". أوردهما الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٧٠) ، وقال: "رواه الطبراني بإسنادين، وفي إحدهما عبد الله بن خراش، وثقه ابن حبان وقال: "ربما أخطأ"، ووثقه البخاري وغيره، وبقية رجاله رجال (الصحيح) "! فأقول: كلا الإسنادين ضعيف جداً؛ فلا يفرح بهما ولا يستشهد بهما مطلقاً؛ لشدة ضعف رواتهما؛ فكيف مع المخالفة لأحاديث الثقات، كما هو الشأن هنا؟! وإليك البيان: أما الأول: فأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣/ ١١٠/ ١) من طريق عبد الله بن خراش عن العوام بن حوشب عن مجاهد عن ابن عباس ... باللفظ الأول. وهذا إسناد ضعيف؛ آفته ابن خراش هذا؛ فإنه مجمع على تضعيفه. ولا ينافي ذلك أن ابن حبان أورده في "الثقات"، وذلك لأمرين:

стр. 7383

الأول: ما عرف عند المحققين في هذا الفن أن ابن حبان متساهل في التوثيق، ولا سيما وقد قال فيه هو نفسه: "ربما أخطأ". والآخر: أنه معارض لكل من تكلم فيه، وكلهم جرحوه، والجرح مقدم على التعديل، لا سيما إذا كان من الأئمة المشهورين بالنقد والمعرفة بهذا العلم، كالإمام البخاري وغيره كما يأتي؛ بخاصة إذا كان المعدل متساهلاً كابن حبان، وإليك ما قالوا فيه: ١- الإمام البخاري: "منكر الحديث". قاله في "التاريخ الصغير" (ص ١٩٤) و "الكبير" (٥/ ٨٠) ، ونقله عنه جمع كما يأتي. ٢- أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث، ذاهب الحديث، ضعيف الحديث". ٣- أبو زرعة: "ليس بشيء، ضعيف الحديث". رواه والذي قبله: ابن أبي حاتم (٢/ ٢/ ٤٦) . ٤- النسائي: "ليس بثقة"؛ قاله في كتابه "الضعفاء والمتروكون" (ص ١٨) . ٥- قال الساجي: "ضعيف الحديث جداً، ليس بشيء، كان يضع الحديث". ٦- وقال محمد بن عمار الموصلي: "كذاب". كما في "التهذيب" وغيره. ٧- وأورده العقيلي في "الضعفاء" (٢٠١-٢٠٢) ، وساق له أحاديث منكرة، وقال عقبها: "كلها غير محفوظة، ولا يتابعه إلا من هو دونه أو مثله".

стр. 7384

٨- وقال الحافظ العسقلاني في "التقريب": "ضعيف، وأطلق عليه ابن عمار الكذب". قلت: فهذا يبين لك إجماع الأئمة الموثوق بنقدهم على تضعيفه، ولم ينقل الحافظ أو غيره توثيقه عن أحد من الحفاظ سوى ابن حبان، وقد عرفت الجواب عنه. ولذلك؛ فإني أعتقد أن قول الهيثمي المتقدم فيه: "ووثقه البخاري وغيره" وهم فاحش؛ لاسيما بالنسبة للبخاري؛ فإنه قد جرحه جرحاً شديداً كما يشعر بذلك قوله السابق: "منكر الحديث"، وقد ذكره في كتابيه المتقدمين، ورواه عنه العقيلي، وذكره الحافظ وغيره. وأما الإسناد الآخر؛ فقال الطبراني (٣/ ١٧٠/ ٢) : حدثنا أبو يزيد القراطيسي: أخبرنا نعيم بن حماد: أخبرنا عبدة بن سليمان عن سعيد أبي سعد البقال عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس ... باللفظ الآخر. قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ مسلسل بالضعفاء والعلل: الأولى: الانقطاع بين الضحاك وابن عباس؛ فإنه لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة؛ كما في "التهذيب"، بل إنه لم يلق ابن عباس. الثانية والثالثة: ضعف وتدليس سعيد - وهو ابن المرزبان البقال -؛ قال الحافظ: "ضعيف مدلس". الرابعة: نعيم بن حماد؛ تكلموا فيه، وقال الحافظ:

стр. 7385

"صدوق يخطىء كثيراً". لكن هذا لم يتفرد به؛ فقد تابعه أبو سعيد الأشج: حدثنا عبدة بن سليمان به، وتابع هذا: مرجى بن رجاء عن سعيد البقال به. أخرجهما ابن عدي (ق ١٥٦/ ١) في ترجمة البقال، مشيراً إلى أنه هو علة الحديث. ٥٣٢٧ - (ليذكرن الله أقوام في الدنيا على الفرش الممهدة، يدخلهم الدرجات العلى) . ضعيف أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٢٣١٩ - موارد) ، وأبو يعلى في "مسنده" (١/ ٣٠٩) من طريقين عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً. وقال الهيثمي (١٠/ ٧٨) : "رواه أبو يعلى، وإسناده حسن"! قلت: وهذا من تساهله؛ فإن دراجاً هذا ضعفه الجمهور، وله ما لا يتابع عليه. فقال أحمد: "أحاديثه مناكير"، ولينه. وقال فضلك الرازي: "ما هو بثقة ولا كرامة". وقال النسائي: "منكر الحديث". و "ليس بالقوي". وقال أبو حاتم: "ضعيف". وكذا قال الدارقطني. وقال مرة:

стр. 7386

"متروك". ووثقه ابن معين، وابن المديني. وقال أبو داود: "مستقيم؛ إلا عن أبي الهيثم". وقد ساق له ابن عدي أحاديث، وقال: "عامتها لا يتابع عليها". وقال الحافظ في "التقريب": "صدوق؛ في حديثه عن أبي الهيثم ضعف". ٥٣٢٨ - (إذا رأيتم من يجهر بالقراءة في النهار؛ فارموه بالبعر) . لا أصل له بهذا اللفظ وقد أورده الشيرازي في "المهذب" (٢/ ٣٨٩) من حديث أبي هريرة مرفوعاً؛ وزاد عقبه: "ويقول: إن صلاة النهار عجماء". وهذا الطرف منه تعقبه النووي بأنه باطل، وقد سبق نص كلامه فيه حين أوردناه برقم (١٠١٤) . وأما هذا الطرف الذي ذكرته هنا؛ فلم يتكلم عليه بشيء! وقد روى معناه: ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٣٦٥) عن يحيى بن أبي كثير قال: قالوا: يا رسول الله! إن ههنا قوماً يجهرون بالقراءة بالنهار؟ فقال: "ارموهم بالبعر". وهذا إسناد معضل؛ فإن يحيى بن أبي كثير يروي عن أبي هريرة وغيره

стр. 7387

بالواسطة، فقد سقط من الإسناد رجلان. وقد ذكر ابن أبي شيبة في الباب آثاراً كثيرة، ليس فيها شيء مرفوع، وأصحها وأصرحها: ما رواه بسند صحيح عن ابن عمر: أنه رأى رجلاً يجهر بالقراءة نهاراً، فدعاه، فقال: إن صلاة النهار لا يجهر فيها؛ فأسر قراءتك. وهذا الأثر مما ينبغي الأخذ به؛ لمطابقته للسنة الثابتة عن النبي ﷺ في غير ما حديث، تجد بعضه في "صفة الصلاة"؛ إلا ما استثني من الصلوات التي جهر فيها ﷺ ؛ كما سبقت الإشارة إلى ذلك في الحديث المتقدم. ٥٣٢٩ - (يا جبريل! ما منعك أن لا (١) تأخذ بيدي؟ قال: إنك أخذت بيد يهودي؛ فكرهت أن تمس يدي يداً مستها يد كافر) . موضوع أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (١/ ١٥٨/ ١-٢) من طريق عمر بن أبي عمر العبدي عن هشام بن عروة عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ استقبل جبريل ﵇، فناوله يده، فأبى أن يتناولها، فدعا رسول الله ﷺ بماء فتوضأ، ثم ناوله يده، فتناولها، فقال: ... فذكره. وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن هشام إلا عمر".

стр. 7388

قلت: وهو عمر بن رياح العبدي أبو حفص البصري الضرير، وهو مجمع على ضعفه؛ كما قال الهيثمي، بل هو متهم؛ فقد قال ابن حبان: "يروي الموضوعات عن الثقات، لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب". وقال عمرو بن علي الفلاس: "كان دجالاً". وقال الساجي: "يحدث ببواطيل ومناكير". وقال الذهبي في "الميزان" - بعد أن نقل قول الفلاس وغيره فيه -: "وله خبر باطل ... "، ثم ساق هذا. ٥٣٣٠ - (أتؤمن بشجرة المسك وتجدها في كتابكم؟ قال: نعم. قال: فإن البول والجنابة عرق يسيل من ذوائبهم إلى أقدامهم كالمسك) . موضوع بهذا اللفظ أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٥/ ٢٠٠/ ٥٠١٠) و "الأوسط" أيضاً (٢/ ١٨٩/ ٢) عن يحيى بن راشد: حدثنا عبد النور ابن عبد الله بن سنان عن هارون بن سعد عن ثمامة بن عقبة قال: سمعت زيد ابن أرقم قال: كنت جالساً عند النبي ﷺ ، فقال له رجل من اليهود [يقال له: ثعلبة بن الحارث] : أتزعم أن في الجنة طعاماً وشراباً وأزواجاً؟ فقال النبي ﷺ : "نعم". فقال اليهودي: إنا نجدها طيبة مطيبة؟ فقال له النبي ﷺ : ... فذكره. والزيادة لـ "الأوسط"، وقال: "تفرد به عبد النور بن عبد الله".

стр. 7389

قلت: وهو كذاب، وقد مضى له حديث آخر من موضوعاته برقم (١٨٤٥) ، فراجعه. والحديث؛ قد رواه الأعمش عن ثمامة بن عقبة به نحوه. أخرجه أحمد والطبراني وغيرهما. وليس في هذه الرواية ذكر الذوائب، ولا اسم اليهودي، ولا قوله ﷺ له: "أتؤمن ... "؛ فراجع - إن شئت - سياقها في "الترغيب" (٤/ ٢٥٨ - المنيرية) ، وهو في "صحيح الترغيب" برقم (٣٧٣٩) . ٥٣٣١ - (ندمت أن لا أكون طلبت إلى رسول الله ﷺ ؛ فيجعل الحسن والحسين مؤذنين) . ضعيف جداً أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٢/ ١١٨/ ١) من طريق نهشل بن سعيد الترمذي عن الضحاك بن مزاحم عن الحارث الأعور عن علي قال: ... فذكره. وقال: "لا يروى عن علي إلا بهذا الإسناد". قلت: وهو ضعيف جداً، إن لم يكن موضوعاً؛ آفته نهشل هذا؛ قال الحافظ في "التقريب": "متروك، وكذبه إسحاق بن راهويه". والحارث الأعور ضعيف. وبه وحده أعله الهيثمي (١/ ٣٢٦) فقصر! ومن أجل ذلك خرجته.

стр. 7390

٥٣٣٢ - (لا صلاة لمن لا تشهد له) . ضعيف أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٢/ ١١٨/ ١) بإسناد الحديث الذي قبله، وقال فيه ما قال في ذاك، وقد عرفت أنه ضعيف جداً، وأن الهيثمي تساهل فيه، وكذلك فعل في هذا. لكنه قد روي من حديث ابن مسعود مرفوعاً بلفظ: "تعلموا؛ فإنه لا صلاة إلا بتشهد". أخرجه الطبراني أيضاً (٢/ ١٤٩/ ٨٦٥ - مجمع البحرين - ط) ، وكذا في "الكبير" (٣/ ٥٥/ ٢) ، وابن عدي في "الكامل" (ق ٢٠٣/ ١) من طريق صغدي بن سنان عن أبي حمزة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: كان النبي ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول: ... فذكره. وقال الطبراني: "لم يروه عن أبي حمزة إلا صغدي". قلت: وهو - كما قال ابن عدي -: "يتبين على حديثه الضعف". لكنه قد توبع؛ فقال البزار في "مسنده" (ص ٦٤ - زوائده) : حدثنا محمد ابن مرداس: حدثنا محبوب بن الحسن: حدثنا أبو حمزة به. قلت: وهذه متابعة لا بأس بها؛ فإن محبوباً هذا: هو محمد بن الحسن بن هلال، مختلف فيه. وقال الحافظ في "التقريب": "صدوق، فيه لين".
следующие страницы →