قلت: فاتفاق هؤلاء الثقات الثلاثة - على مخالفة جرير في هذه الزيادة - دليل واضح على أنها غير محفوظة؛ فهي شاذة. ويؤكد ذلك عدم ورودها في الطرق التي سبقت الإشارة إليها آنفاً عن أبي هريرة.
٥٣٤٥ - (من مشى في حاجة أخيه؛ كان خيراً له من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يوماً ابتغاء وجه الله؛ جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق، كل خندق أبعد ما بين الخافقين) .
ضعيف
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١/ ١٩١/ ١ - مصورة الجامعة الإسلامية، ورقم ٧٤٦٢ - نسختي وترقيمي) ، والبيهقي في "الشعب" (٣/ ٤٢٤/ ٣٩٦٥) من طريق أحمد بن خالد الخلال: أخبرنا الحسن بن بشر قال: وجدت في كتاب أبي: حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن عطاء عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ... فذكره.
ومن هذا الوجه: أخرجه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (١/ ٨٩-٩٠) ، والخطيب في "التاريخ" (٤/ ١٢٦-١٢٧) ، وقال:
"غريب؛ لا أعلم رواه عن عطاء غير ابن أبي رواد"!
قلت: وهذا يشعر بأن من دونه قد توبع! وليس كذلك كما يفيده قول الطبراني عقبه:
"لم يرو هذا الحديث عن عبد العزيز بن أبي رواد إلا بشر بن سلم البجلي، تفرد به ابنه".
قلت: ابنه - الحسن بن بشر - من شيوخ البخاري، وقد تكلم في حفظه؛ قال الحافظ في "التقريب":
стр. 7422
"صدوق يخطىء".
لكن العلة من أبيه بشر؛ فقد قال فيه ابن أبي حاتم (١/ ١/ ٣٥٨) عن أبيه:
"منكر الحديث".
وأقره الحافظ في "اللسان".
قلت: ومما يدل على ذلك: ما عند أبي نعيم والخطيب في أول هذا الحديث بلفظ:
عن ابن عباس أنه كان معتكفاً في مسجد رسول الله ﷺ ، فأتاه رجل، فسلم عليه، ثم جلس، فقال له ابن عباس: يا فلان! أراك مكتئباً حزيناً. قال: نعم؛ يا ابن عم رسول الله! لفلان علي حق ولاء، وحرمة صحب هذا القبر؛ ما أقدر عليه! قال ابن عباس: أفلا أكلمه [لك] ؟ قال: إن أحببت! فانتعل ابن عباس، ثم خرج من المسجد، فقال له الرجل: أنسيت ما كنت فيه؟ قال: لا، ولكني سمعت صاحب هذا القبر - والعهد به قريب؛ فدمعت عيناه - وهو يقول: ... فذكره.
وبهذا اللفظ والتمام: أورده المنذري في "الترغيب" (٢/ ٩٩) من رواية البيهقي.
وموضع النكارة فيه؛ قول الرجل:
وحرمة صاحب هذا القبر! فإن فيه الحلف بغير الله ، وهو شرك؛ كما جاء في الأحاديث الصحيحة.
стр. 7423
ولئن جوزنا خفاء ذلك على الرجل؛ فليس بجائز أن يخفى على ابن عباس، وإذا كان كذلك؛ فكيف يعقل أن يسكت ابن عباس عن هذا المنكر ولا ينهاه عنه؟!
نعم؛ قد روي الحديث من طريق أخرى عن عبد العزيز بن أبي رواد، بلفظ آخر يختلف عن لفظ بشر بن مسلم؛ فقد رواه الوليد بن صالح عن أبي محمد الخراساني عن عبد العزيز بن أبي رواد؛ بلفظ:
"من مشى مع أخيه في حاجة فناصحه في الله؛ جعل الله بينه وبين النار يوم القيامة سبعة خنادق، [بين الخندق] والخندق كما بين السماء والأرض".
أخرجه ابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج" (ص ٧٩-٨٠ - مجموعة الرسائل) - والزيادة له -، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٢٠٠) - والسياق له -، وقال:
"غريب من حديث عبد العزيز، لم نكتبه إلا من حديث الوليد بن صالح".
قلت: وهو ثقة من رجال الشيخين.
لكن شيخه - أبو محمد الخراساني - ليس كذلك؛ فقد قال فيه ابن حجر في (كنى) "اللسان" - تبعاً لابن أبي حاتم عن أبيه -:
"مجهول".
فهو علة هذا اللفظ.
وقد روي بلفظ ثالث من طريق أخرى عن ابن عباس في حديث طويل فيه:
".. ولأن يمشي أحدكم مع أخيه في قضاء حاجته؛ أفضل من أن يعتكف في
стр. 7424
مسجدي هذا شهرين"؛ وأشار بإصبعيه.
أخرجه الحاكم (٤/ ٢٦٩-٢٧٠) عن محمد بن معاوية: حدثنا مصادف بن زياد المديني - قال: وأثنى عليه خيراً - عن محمد بن كعب القرظي قال: قال ابن عباس ...
ثم ساقه من طريق أبي المقدام هشام بن زياد: حدثنا محمد بن كعب القرظي به نحوه. ثم قال الحاكم:
"قد اتفق هشام بن زياد النصري، ومصادف بن زياد المديني على روايته عن محمد بن كعب القرظي. والله أعلم"!
فتعقبه الذهبي بقوله:
"قلت: هشام متروك، ومحمد بن معاوية كذبه الدارقطني، فبطل الحديث".
قلت: وهذه الطريق مع أنها أضعف الطرق؛ فإن لفظه له شاهد نحوه من حديث ابن عمر؛ خرجته في "الصحيحة" (٩٠٦) .
وجملة القول: أن الحديث ضعيف؛ لضعف في بعض رواته، وجهالة في غيرهم، واضطرابهم في متنه، والنكارة التي فيه.
وقد ضعفه الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (٢/ ١٨٥) .
وخالفه تلميذه الهيثمي، فقال (٨/ ١٩٢) :
"رواه الطبراني في "الأوسط"، وإسناده جيد"!
وكأنه لم يستحضر حال بشر بن سلم، وإلا؛ لما جاز له أن يجود إسناده. والله أعلم.
стр. 7425
٥٣٤٦ - (دخلت الجنة؛ فسمعت فيها خشفة بين يدي، فقلت: ما هذا؟ قال: بلال. قال: فمضيت؛ فإذا أكثر أهل الجة فقراء المهاجرين وذراري المسلمين، ولم أر أحداً أقل من الأغنياء والنساء. قيل لي: أما الأغنياء؛ فهم ههنا بالباب يحاسبون ويمحصون. وأما النساء؛ فألهاهن الأحمران: الذهب والحرير. قال: ثم خرجنا من أحد أبواب الجنة الثمانية، فلما كنت عند الباب؛ أتيت بكفة فوضعت فيها، ووضعت أمتي في كفة؛ فرجحت بها، ثم أتي بأبي بكر ﵁، فوضع في كفة، وجيء بجميع أمتي في كفة فوضعوا، فرجح أبو بكر ﵁، وجيء بعمر فوضع في كفة، وجيء بجميع أمتي فوضعوا؛ فرجح عمر ﵁. وعرضت أمتي رجلاً رجلاً، فجعلوا يمرون، فاستبطأت عبد الرحمن بن عوف، ثم جاء بعد الإياس، فقلت: عبد الرحمن! فقال: بأبي وأمي يا رسول الله! والذي بعثك بالحق! ما خلصت إليك حتى ظنت أني لا أنظر إليك أبداً إلا بعد المشيبات! قال: وما ذاك؟ قال: من كثرة مالي؛ أحاسب وأمحص) .
منكر جداً
أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٩) : حدثنا الهذيل بن ميمون الكوفي الجعفي - كان يجلس في مسجد المدينة، يعني: مدينة أبي جعفر، قال عبد الله: هذا شيخ قديم كوفي - عن مطرح بن يزيد عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ مسلسل بمن ليس بثقة؛ سوى القاسم - وهو ابن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الدمشقي -؛ فقد وثق. وغلا فيه ابن حبان - فقال (٢/ ٢١٢) :
стр. 7426
"كان ممن يروي عن أصحاب رسول الله ﷺ المعضلات، ويأتي عن الثقات بالأشياء المقلوبات؛ حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها"!!
ووثقه غيره. وذكر البخاري أن ما ينكر من حديثه؛ إنما هو من الرواة الضعفاء عنه.
والمتقرر فيه: أنه حسن الحديث؛ فالعلة هنا ممن دونه:
أولاً: علي بن يزيد - وهو الألهاني - ضعيف.
ثانياً: عبيد الله بن زحر مثله في الضعف، أو ذاك شر منه، وقال ابن حبان فيه (٢/ ٦٢) :
"منكر الحديث جداً، يروي الموضوعات عن الأثبات، وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن؛ لا يكون متن ذلك الخبر إلا مما عملت أيديهم، فلا يحل الاحتجاج بهذه الصحيفة، بل التنكب عن رواية عبيد الله بن زحر على الأحوال أولى".
ثالثاً: مطرح بن يزيد ضعيف اتفاقاً.
رابعاً: الهذيل بن ميمون الكوفي غير معروف فيما يبدو إلا في هذه الرواية؛ فإن الحافظ لما أورده في "التعجيل"؛ لم يزد في ترجمته على قول عبد الله بن أحمد المذكور في الإسناد، ولعله الذي في "الجرح والتعديل" (٤/ ٢/ ١١٣) :
"هذيل بن ميمون. روى عن الأحوص بن حكيم. روى عنه يحيى بن أيوب البغدادي المعروف بـ (الزاهد) . سألت أبي عنه؟ فقال: لا أعرفه، لا أعلمه روى
стр. 7427
عنه غير يحيى بن أيوب الزاهد".
قلت: وهو المقابري؛ وهو من شيوخ أحمد، وبين وفاتيهما سبع سنوات، فلا أستبعد أن يكون هذا الذي سمع منه يحيى: هو الكوفي الذي سمع منه الإمام أحمد، فيكون مجهول الحال. والله أعلم.
والحديث؛ قال الهيثمي (٩/ ٥٩) :
"رواه أحمد؛ والطبراني بنحوه باختصار، وفيهما مطرح بن يزيد، وعلي بن يزيد الألهاني، وكلاهما مجمع على ضعفه. ومما يدلك على ضعف هذا أن عبد الرحمن بن عوف أحد أصحاب بدر، والحديبية، وأحد العشرة، وهو أفضل الصحابة والحمد لله".
ولم يستحضر المنذري أن الحديث في "المسند"، و"الطبراني"! فقد ذكر طرفه الأول في كتاب "اللباس" من "الترغيب والترهيب" (٣/ ١٠٥) ؛ ثم قال:
"رواه أبو الشيخ ابن حيان وغيره من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عنه"!
قلت: وصدره بلفظة: (عن) ؛ فلم يصب؛ لما فيه من إيهام قوته؛ كما بينته في مقدمة "صحيح الترغيب" و "ضعيف الترغيب"!!
٥٣٤٧ - (ما أنعم الله على عبد نعمة، فعلم أنها من عند الله؛ إلا كتب الله له شكرها قبل أن يحمده عليها. وما أذنب عبد ذنباً، فندم عليه؛ إلا كتب الله له مغفرة قبل أن يستغفره. وما اشترى عبد ثوباً بدينار
стр. 7428
أو نصف دينار، فلبسه، فحمد الله عليه؛ إلا لم يبلغ ركبتيه حتى يغفر الله له) .
ضعيف جداً
أخرجه الحاكم (١/ ٥١٤) من طريق محمد بن جامع العطار: حدثنا السكن بن أبي السكن البرجمي: حدثنا الوليد بن أبي هشام عن القاسم ابن محمد عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. وقال:
"هذا حديث لا أعلم في إسناده أحداً ذكر بجرح"!
كذا قال! وقد ردوه عليه تلويحاً وتصريحاً:
فقال المنذري في "الترغيب" (٣/ ١٠١) :
"رواه ابن أبي الدنيا، والحاكم، والبيهقي. وقال الحاكم: "رواته؛ لا أعلم فيهم مجروحاً"! كذا قال". وقال الذهبي في "تلخيص المستدرك":
"قلت: بلى؛ قال ابن عدي: محمد بن جامع العطار لا يتابع على أحاديثه".
قلت: وقد اتفقوا على تضعيفه، بل قال ابن عبد البر:
"متروك الحديث".
ونحوه قول أبي زرعة؛ فقال ابن أبي حاتم (٣/ ٢/ ٢٢٣) :
"سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: ليس بصدوق، ما حدثت عنه شيئاً، ولم يقرأ علينا حديثه".
وشذ ابن حبان؛ فذكره في "الثقات"!
стр. 7429
قلت: والوليد بن أبي هشام؛ قال الحافظ:
"مستور".
لكنه عند ابن أبي الدنيا في "الشكر" (ص ١٢) ، وكذا البيهقي في "الشعب" (٤/ ٩٢/ ٤٣٧٩-٤٣٨٠) من طريق هشام بن زياد عن أبي الزناد عن القاسم بن محمد به.
بيد أن هشاماً هذا - وهو أبو المقدام - متروك؛ كما هو في "التقريب".
٥٣٤٨ - (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة لكم إلى الله ، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد) (١) .
ضعيف
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٦/ ٣١٧/ ٦١٥٤) من طريق عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون عن الأعمش عن أبي العلاء عن سلمان الفارسي ﵁ مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، وله علتان:
الأولى: جهالة أبي العلاء هذا؛ قال الذهبي في ترجمة ابن أبي الجون:
"لا أعرفه".
وأشار إلى ذلك الحافظ في ترجمته من (كنى) "اللسان".
والأخرى: ابن أبي الجون هذا، وهو مختلف فيه؛ كما تراه في "التهذيب"،
و
стр. 7430
"مجمع الزوائد" (٢/ ٢٥١) .
وأشار إلى ذلك المنذري في "الترغيب" (١/ ٢١٦) ، وأكد ذلك بقوله في ترجمته في آخر كتابه:
"صويلح".
وفاته - هو والهيثمي - العلة الأولى، وإعلاله به أولى.
والحديث؛ أخرجه ابن عدي وابن عساكر؛ كما في "الإرواء"، فراجعه.
وقد جاء من طريق أخرى دون قوله:
"ومطردة للداء عن الجسد".
وهو أقوى من هذا، وله بعض الشواهد مذكورة هناك.
٥٣٤٩ - (من قال إذا أصبح وإذا أمسى: اللهم! أنت خلقتني، وأنت تهديني، وأنت تطعمني وتسقيني، وأنت تميتني وأنت تحييني؛ لم يسأل إلا أعطاه الله إياه) .
ضعيف
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم ١٠٠٣ - نسختي) : حدثنا أحمد قال: أخبرنا عبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم قال: أخبرنا محمد بن حمران قال: أخبرنا أبو روح عن الحسن قال: قال سمرة بن جندب:
ألا أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ مراراً، ومن أبي بكر مراراً، ومن عمر مراراً؟! قلت: بلى. قال: ... فذكره. قال:
فلقيت عبد الله بن سلام، فقلت: ألا أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله
стр. 7431
- ﷺ مراراً، ومن أبي بكر مراراً، ومن عمر مراراً؟! قال: بلى. فحدثته بهذا الحديث، فقال: بأبي وأمي رسول الله ﷺ ! هؤلاء الكلمات كان الله أعطاهن موسى ﵇، فكان يدعو بهن في كل يوم سبع مرات، فلا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه.
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات.
وأبو روح؛ الظاهر أنه سلام بن مسكين البصري؛ فإنهم ذكروه في الرواة عن الحسن البصري.
وأما أحمد - شيخ الطبراني -؛ فالظاهر أنه الذي قبله بأحاديث، ابتداءً من الحديث (٩٧٨) ؛ فإنه قال فيه: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن صباح الأيلي بمصر ... ثم ساق له أحاديث كثيرة يقول في أول كل واحد منها: "حدثنا أحمد ... " لا ينسبه، وكذلك يفعل في شيوخه الآخرين، ينسبه في حديثه الأول، ثم يقتصر على اسمه فقط دون أبيه في سائر أحاديثه اختصاراً.
و (الأيلي) مهملة في الأصل، فإن كان الباء الموحدة (الأبلي) فهو بضمها وتشديد اللام؛ ونسبة إلى (أبلة) : بلدة قديمة على أربعة فراسخ من البصرة، وهي اليوم من البصرة، قاله ابن الجزري في "اللباب"، وإن كان بالمثناة من تحت: (الأيلي) ؛ فهو بفتح الألف وسكون المثناة؛ نسبة إلى (أيلة) : بلدة على ساحل بحر القلزم (الأحمر) مما يلي ديار مصر؛ ولعلها المعروفة اليوم بـ (إيلات) ، التي احتلها اليهود من خليج العقبة.
وسواءً كان هذا أو ذاك؛ فإني لم أجد له ترجمة فيما عندي من كتب الرجال!
ومن شيوخ الطبراني في "المعجم الصغير": أحمد بن محمد بن الصباح
стр. 7432
أبو عبد الله البصري، روى له بإسناده حديثاً آخر عن النعمان بن بشير مرفوعاً:
"إن الله كتب كتاباً؛ فهو عنده على العرش.." الحديث (رقم ٨٨٦ - الروض النضير) ، فيحتمل أن يكون هو هذا، ولكني لم أجده أيضاً، فإن ثبت أنه ثقة ضابط؛ فالحديث ثابت، وإلا؛ فلا، وأما قول المنذري في "الترغيب" (١/ ٢٣٢) - وتبعه الهيثمي - كعادته - في "المجمع" (١٠/ ١١٨) -:
"رواه الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن"!
فالظاهر أنه قائم على إغماض النظر عن شيخ الطبراني، وهو أمر نعرفه عن الهيثمي، وقد رأيته صرح في بعض المواطن - ولا يحضرني الآن مكانه (١) - أن شيوخ الطبراني الذين لم يوردهم الذهبي في "الميزان" على الستر أو العدالة، أو كما قال!
وهذا مذهب فيه تساهل كبير، كما لا يخفى على من تشبع بأقوال أهل هذا العلم ونقاده.
ثم استدركت فقلت: الحسن: هو البصري كما تقدم؛ وهو مدلس، ولم يصرح بالتحديث!
٥٣٥٠ - (إذا طلعت الشمس من مطلعها كهيأتها لصلاة العصر حين تغرب من مغربها؛ فصلى رجل ركعتين وأربع سجدات؛ كتب له أجر ذلك اليوم - وحسبته قال -؛ وكفر عنه خطيئته وإثمه - وأحسبه قال -، فإن مات من يومه دخل الجنة) .
ضعيف
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨/ ٢٢٦/ ٧٧٩٠) من
стр. 7433
طريقين عن ميمون بن زيد عن ليث بن أبي سليم عن ثابت بن عجلان عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، وله علتان:
الأولى: ضعف ليث واختلاطه؛ كما تقدم مراراً.
والأخرى: ميمون بن زيد؛ أورده الذهبي في "ديوان الضعفاء"، وقال:
"قال الأزدي: فيه ضعف". وأما في "الميزان" و "المغني"؛ فقال:
"لينه أبو حاتم".
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٢٢٦) - بعد أن عزاه لـ "المعجم" -:
"وفيه ميمون بن زيد؛ قال الذهبي: "لينه أبو حاتم". وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: "يخطىء". وبقية رجاله موثقون؛ إلا أن فيهم ليث بن أبي سليم؛ وفيه كلام"!
قلت: لقد ألان القول في ليث؛ بحيث أشعر أنه قد وثق، ولعله تبع في ذلك المنذري؛ فإنه قال في "الترغيب" (١/ ٢٣٧) :
"رواه الطبراني، وإسناده مقارب، وليس في رواته من ترك حديثه، ولا أجمع على ضعفه"!
قلت: وهذا من تساهله الذي غلب عليه في الكتاب المذكور، ولذلك صدر هذا الحديث بلفظة: (عن) ؛ المشعر بعدم ضعفه عنده!
فإن الحديث ضعيف لا يشترط فيه أن يكون فيه من أجمع على ضعفه؛ بل
стр. 7434
يكفي - عند المحققين - أن يكون الراجح فيه الضعف لسبب من الأسباب الجارحة؛ وما أكثرها! ولذلك قالوا: الجرح مقدم على التعديل؛ على التفصيل المعروف.
وليث؛ سبب جرحه سوء حفظه واختلاطه.
على أن الإجماع الذي زعمه معارض بإجماع قبله؛ كما كنت علقته على "ضعيف الترغيب والترهيب" (١/ ١٦٧) رداً لقول المنذري المذكور، فليراجعه من شاء.
٥٣٥١ - (يكفيك من الدنيا ما سد جوعتك، ووارى عورتك، وإن كان لك بيت يظلك؛ فذاك، وإن كانت لك دابة؛ فبخ!) .
ضعيف جداً
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (رقم ٩٤٩٧ - مصورتي) من طريق الحسن بن عمارة عن عدي بن ثابت عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان قال:
قلت: يا رسول الله! ما يكفيني من الدنيا؟ فقال:
"ما سد جوعتك ... " الحديث. وقال:
"لم يروه عن عدي بن ثابت إلا الحسن بن عمارة".
قلت: وهو متروك؛ كما قال الهيثمي (١٠/ ٢٥٤) بعد أن عزاه لـ "أوسط الطبراني".
وأشار المنذري (٣/ ١١١) لتضعيف الحديث؛ إلا أنه أطلق العزو للطبراني، فأوهم أنه في "المعجم الكبير"؛ وليس فيه!
стр. 7435
٥٣٥٢ - (ما من أحد يلبس ثوباً ليباهي به؛ لينظر الناس إليه؛ إلا لم ينظر الله إليه حتى ينزعه) .
ضعيف جداً
رواه الطبراني (٢٣/ ٢٨٣/ ٦١٨) ، والسلفي في "معجم السفر" (ق ٨٥/ ٢) ، وابن عساكر (١٣/ ٢١١/ ٢) عن عبد الخالق بن زيد ابن واقد عن أبيه عن محمد بن عبد الملك بن مروان عن أبيه عن أم سلمة مرفوعاً.
قلت: وهذا سند ضعيف جداً؛ آفته عبد الخالق بن زيد؛ قال النسائي:
"ليس بثقة". وقال البخاري:
"منكر الحديث". وضعفه غيرهما.
وقال ابن حبان في "الضعفاء والمتروكين" (٢/ ١٤٩) :
"يروي المناكير عن المشاهير؛ التي إذا سمعها المستمع شهد أنها مقلوبة أو معمولة، لا يجوز الاحتجاج به".
والحديث؛ أشار المنذري (٣/ ١١١) إلى تضعيفه!
وأعله الهيثمي (٥/ ١٣٥) بابن زيد هذا.
стр. 7436
٥٣٥٣ - (ألا أحدثكم عن الخضر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل؛ أبصره رجل مكاتب. فقال: تصدق علي بارك الله فيك! فقال الخضر: آمنت بالله، ما شاء الله من أمر يكون، ما عندي شيء أعطيكه. فقال المسكين: أسألك بوجه الله!
стр. 7437
لما تصدقت علي؛ فإني نظرت السيماء (وفي رواية: سيماء الخير) في وجهك، ورجوت البركة عندك! فقال الخضر: آمنت بالله، ما عندي شيء أعطيكه إلا أن تأخذني فتتبيعني! فقال المسكين: وهل يستقيم هذا؟! قال: نعم، الحق أقول؛ لقد سألتني بأمر عظيم، أما إني لا أخيبك بوجه ربي؛ يعني! قال: فقدم إلى السوق فباعه بأربع مئة درهم، فمكث عند المشتري زماناً لا يستعمله في شيء، فقال له: إنك إنما ابتعتني التماس خير عندي، فأوصني بعمل؟ قال: أكره أن أشق عليك؛ إنك شيخ كبير. قال: ليس يشق علي. قال: فقم وانقل هذه الحجارة، وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم. فخرج الرجل لبعض حاجته؛ ثم انصرف وقد نقل الحجارة في ساعة! قال: أحسنت وأجملت وأطقت ما لم أرك تطيقه. قال: ثم عرض للرجل سفر، فقال: إني أحسبك أميناً، فاخلفني في أهلي خلافة حسة. قال: فأوصني بعمل. قال: إني أكره أن أشق عليك. قال: ليس يشق علي. قال: فاضرب من اللبن لبيتي حتى أقدم عليك. قال: فمضى الرجل لسفره. [قال:] فرجع الرجل وقد شيد بناءه! فقال: أسألك بوجه الله! ما سبيلك وما أمرك؟ قال: سألتني بوجه الله، ووجه الله أوقعني في العبودية. فقال الخضر: سأخبرك من أنا؟ أنا الخضر الذي سمعت به؛ سألني [رجل] مسكين صدقة، فلم يكن عندي شيء أعطيه، فسألني بوجه الله، فأمكنته من رقبتي، فباعني. وأخبرك أنه من سئل بوجه الله، فرد سائله وهو يقدر؛ وقف يوم القيامة [ليس على وجهه] جلد ولا لحم؛ إلا عظم يتقعقع. فقال الرجل: آمنت بالله، شققت عليك يا نبي الله! ولم أعلم. قال: لا بأس؛ أحسنت
стр. 7438
وأبقيت. فقال الرجل: بأبي أنت وأمي يا نبي الله! احكم في أهلي ومالي بما أراك الله، أو أخيرك؛ فأخلي سبيلك؟ فقال: أحب أن تخلي سبيلي؛ فأعبد ربي. فخلى سبيله. فقال الخضر: الحمد لله الذي أوقعني في العبودية؛ ثم نجاني منها) .
ضعيف
أخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار" (٢/ ٣٥٧) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٨/ ١٣٢-١٣٤/ ٧٥٣٠) ، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ٢٨٧) من طريق سليمان بن عبيد الله الحطاب: حدثنا بقية بن الوليد: حدثنا محمد بن زياد الألهاني عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: ... فذكره.
والطبراي أيضاً، وفي "مسند الشاميين" (ص ١٦٣) ، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥/ ٣١٩/ ٢) عن محمد بن الفضل بن عمران الكندي: حدثنا بقية عن محمد بن زياد الألهاني به.
قلت: وهذا إسناد ضعيف من الطريقين عن بقية:
أما الأولى؛ فلضعف سليمان بن عبيد الله؛ قال النسائي:
"ليس بالقوي". وقال ابن معين:
"ليس بشيء".
وذكره العقيلي في "الضعفاء".
ولا ينافي ضعفه قول أبي حاتم فيه:
"صدوق، ما رأيت إلا خيراً"!
стр. 7439
لاحتمال أنه يعني أنه ليس بمتهم، وذلك لا ينافي الضعف الناشىء من سوء الحفظ، والذي يستلزم النظر في حديثه، بل هذا ما صرح به ابنه في مقدمة "الجرح والتعديل" (١/ ٣٧) ، فراجعه إن شئت.
وأما توثيق ابن حبان؛ فقد عرف تساهله في التوثيق؛ فلا إشكال. ولذلك؛ قال الحافظ في "التقريب" - ملخصاً للأقوال المتقدمة فيه -:
"صدوق، ليس بالقوي".
قلت: فمثله لا يحتج به؛ فلا يقبل منه تصريح بقية بالتحديث فيه. وعلى ذلك جرى من قبلنا من النقاد؛ فقال الذهبي في ترجمة بقية من "الميزان":
"ومن مناكير بقية: حدثنا محمد بن زياد عن أبي أمامة مرفوعاً: بينما الخضر يمشي في سوق لبني إسرائيل ... الحديث بطوله. هذا الحديث قال ابن جوصا: سألت محمد بن عوف عنه؟ فقال: هذا موضوع. فسألت أبا زرعة عنه؟ فقال: حديث منكر. قال ابن عدي: لا أعلم رواه عن بقية غير سليمان بن عبيد الله الرقي، وقد ادعاه عبد الوهاب بن ضحاك العرضي، وهو متهم، وأما سليمان؛ فقال فيه ابن معين: ليس بشيء. فسلم عنه بقية".
قلت: وقد فاته الطريق الأخرى عند الطبراني؛ أعني: محمد بن الفضل بن عمران الكندي، ولكني لم أجد له ترجمة، مع أنه لم يذكر تحديث بقية، وكذلك سليمان الرقي لم يذكر ذلك عند الطبراني، فكأنه أحال بها على رواية الكندي، ومن أجل ذلك لم يتعرض لذكر التحديث من تكلم على رواية الطبراني، فقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/ ١٠٣) :
"رواه الطبراني في "الكبير"، ورجاله موثقون؛ إلا أن فيه بقية بن الوليد وهو
стр. 7440
مدلس؛ ولكنه ثقة". وأعاده بنحوه في مكان آخر (٨/ ٢١٣) . وقال المنذري في "الترغيب" (٢/ ١٨) :
"رواه الطبراني وغير الطبراني، وحسن بعض مشايخنا إسناده، وفيه بعد. والله أعلم".
قلت: وصدره بلفظة: (روي) إشارة منه إلى ضعف الحديث المطابق لاستبعاده تحسين بعض مشايخه إياه؛ فأجاد كما قال الحافظ الناجي في "عجالة الإملاء" (١١٤-١١٥) ، وإن كان العهد به تصديره لأحاديث بقية بلفظة: (عن) كما حققته في مقدمتي لكتابي "صحيح الترغيب والترهيب" وفي "ضعيفه" أيضاً، فلعل ذلك لضعف سليمان، وجهالة ابن عمران الكندي.
وقد أشار إليها الحافظ ابن كثير في "البداية"؛ فإنه ساق الحديث بطوله من رواية أبي نعيم الأصبهاني: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني ... فساقه من الطريقين المتقدمين، ثم قال (١/ ٣٣٠) :
"وهذا حديث رفعه خطأ، والأشبه أن يكون موقوفاً، وفي رجاله من لا يعرف. والله أعلم".
وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة (الخضر) من "الإصابة" - بعد أن ساقه من رواية الطبراني أيضاً -:
"قلت: وسند الحديث حسن؛ لولا عنعنة بقية، ولو ثبت لكان نصاً أن الخضر نبي لحكاية النبي ﷺ قول الرجل: "يا نبي الله! "، وتقريره على ذلك".
قلت: وهذا صريح في أن الحافظ لم يقف على تحديث بقية المتقدم، وإلا؛ لجزم بحسنه.
стр. 7441
والحق أنه ضعيف؛ لما عرفت من حال المصرح بالتحديث. والله أعلم.
ونبوة الخضر ليست بحاجة في إثباتها إلى مثل هذا الحديث؛ بعد قوله تعالى في القرآ حكاية عن الخضر: (وما فعلته عن أمري) ، وغير ذلك من الأدلة المعروفة.
٥٣٥٤ - (إن الملائكة كانت تصافح عمران بن حصين حتى اكتوى؛ فتنحت) .
منكر
أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (٤/ ٢٨٨) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٨/ ١٠٧/ ٢٠٣) من طريقين عن قتادة: أن الملائكة ... الحديث.
قلت: إسناد مرسل؛ فإن قتادة لم يسمع من صحابي غير أنس ﵁.
والمحفوظ عن عمران أن الملائكة كانت تسلم عليه. فقد روى مطرف عنه أنه قال:
كان يسلم علي حتى اكتويت؛ فتركت، ثم تركت الكي؛ فعاد.
أخرجه مسلم (٤/ ٤٨) - واللفظ له -، وابن سعد (٤/ ٢٨٩ و ٧/ ١١) ، والحاكم (٣/ ٤٧٢) ؛ ولفظهما - والسياق لابن سعد -:
قال مطرف: أرسل إلي عمران بن حصين في مرضه فقال:
إنه كانت تسلم علي - يعني: الملائكة -؛ فإن عشت فاكتم علي، وإن مت؛ فحدث به إن شئت.
وإسناده صحيح.
стр. 7442
٥٣٥٥ - (فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره: مئة ألف صلاة، وفي مسجدي: ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس: خمس مئة صلاة) .
ضعيف بطرفه الأخير
أخرجه البزار في "مسنده" (٤٢٢ - كشف الأستار) ، والطحاوي في "مشكل الآثار" (١/ ٢٤٨) من طريق سعيد بن سالم القداح عن سعيد بن بشير عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء قالت: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره، وقال البزار:
"لا نعلمه يروى بهذا اللفظ مرفوعاً إلا بهذا الإسناد".
قلت: وهو إسناد ضعيف؛ كما يأتي بيانه.
وقد عزا الحافظ المنذري إليه أنه حسن إسناده، فقال في "الترغيب" (٢/ ١٣٧) :
"رواه البزار، وقال: "إسناده حسن". كذا قال! "!
فلا أدري أهو وهم من المنذري، أم أسقط ذكره من قلم الهيثمي في "كشف الأستار"؛ كما سقط منه عزوه في "مجمع الزوائد" (٤/ ٧) إلى البزار؟! وإنما عزاه للطبراني في "الكبير" بنحوه. وقد عزاه إليه المنذري أيضاً. ثم قال الهيثمي:
"ورجاله ثقات، وفي بعضهم كلام، وهو حديث حسن"!
قلت: بل هو حديث منكر؛ فإن آخره مخالف لحديث أبي ذر الصحيح بلفظ:
стр. 7443
"صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه"؛ يعني: بيت المقدس.
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (رقم ٨٣٩٥ - مصورتي) ، والحاكم (٤/ ٥٠٩) . وقال:
"صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي. وقال الطبراني:
"لم يروه عن قتادة إلا الحجاج وسعيد بن بشير؛ تفرد به عن الحجاج: إبراهيم ابن طهمان، وتفرد به عن سعيد: محمد بن سليمان بن أبي داود"!
قلت: بل تابعه الوليد بن مسلم: حدثا سعيد بن بشير به.
أخرجه الطحاوي في "المشكل" (١/ ٢٤٨) .
قلت: فهذا الحديث الصحيح يفيد أن الصلاة في بيت المقدس بمئتي صلاة وخمسين صلاة؛ لأن الصلاة في مسجده ﷺ بألف صلاة كما في غير ما حديث، وهذا خلاف ما في هذا الحديث الضعيف.
وعلته: ضعف سعيد بن سالم القداح وشيخه، وكأنه لذلك أشار المنذري فيما تقدم إلى رده لتحسين البزار لإسناده. وأيده في ذلك الحافظ إبراهيم الناجي الحلبي في كتابه "عجالة الإملاء" بقوله (١٣٥/ ١) :
"وهو كما قال المصنف؛ إذ فيه سعيد بن سالم القداح، وقد ضعفوه، ورواه عن سعيد بن بشير، وله ترجمة في آخر هذا الكتاب "الترغيب" في الرواة المختلف فيهم".
قلت: وقال شيخه الحافظ ابن حجر فيه - أعني: ابن بشير هذا -:
стр. 7444
"ضعيف".
فمن غرائب المنذري التي جرى عليها في "ترغيبه": أن يصدر الأحاديث الضعيفة بلفظ: "عن" المشعر بأنه غير ضعيف، بل أنه صحيح أو حسن أو قريب منهما! ومن ذلك هذا الحديث؛ فقد صدره بـ: (عن) مع انتقاده لقول البزار فيه: "حسن"؛ كما تقدم!
فإن قيل: لعله فعل ذلك لشاهده الذي ذكره بعد أربعة أحاديث من حديث جابر مرفوعاً به مطولاً، لكن ليس فيه موضع الشاهد منه، وقال:
"رواه البيهقي، ورواه أيضاً هو وغيره من حديث ابن عمر بنحوه"!
فقد أورده السيوطي أيضاً في "الجامع الكبير" دون الشاهد، وقال:
"رواه البيهقي في "الشعب" - وضعفه -، وابن عساكر عن ابن عمر".
ولم يعزه للبيهقي عن جابر بهذا اللفظ، وإنما أورده قبل ذلك بأحاديث بلفظ:
"صلاة في المسجد الحرام مئة ألف صلاة ... " الحديث بلفظ حديث الترجمة تماماً. وقال في تخريجه:
"رواه البيهقي في "الشعب"، والخطيب في "المتفق والمفترق" عن جابر، وفيه إبراهيم بن أبي حية؛ واه".
يعي: أنه ضعيف جداً، وعليه؛ فلا يصلح شاهداً؛ كما هو معلوم من علم المصطلح. وأنا أظن أن المنذري لما عزاه من حديث جابر للبيهقي؛ يعني: هذا اللفظ: وأما اللفظ الذي ساقه هو؛ فإنما هو لفظ حديث ابن عمر؛ فقد وجدته كذلك في "أخبار أصبهان" لأبي نعيم، وإسناده ضعيف جداً؛ كما تقدم بيانه
стр. 7445
برقم (٨٣١) .
وأنكر من حديث الترجمة: ما أخرجه ابن ماجه في حديث لأنس بن مالك مرفوعاً بلفظ:
".. وصلاة في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة"!
فصارت الصلاة في الأقصى أفضل من الصلاة في المسجد النبوي! وقد صدره المنذري أيضاً بـ: (عن) ! مع قوله في تخريجه (١/ ١٣٦) :
"رواه ابن ماجه، ورواته ثقات؛ إلا أن أبا الخطاب الدمشقي لا تحضرني الآن ترجمته ... "!
والحقيقة أنه مجهول؛ كما صرح بذلك الحافظ في "التقريب".
ونحوه قول الذهبي في "الميزان":
"ليس بالمشهور"، ثم ساق له هذا الحديث، وقال:
"هذا منكر جداً".
ونقل الناجي (١٣٤/ ٢) مثله عن العلائي وغيره.
وقريب منه: حديث ميمونة بنت سعد مرفوعاً:
"إن الصلاة في المسجد الأقصى كألف صلاة فيما سواه".
أخرجه ابن ماجه وغيره.
وهو منكر جداً؛ كما قال الذهبي أيضاً، وبيانه في كتابي "ضعيف أبي
стр. 7446
داود" رقم (٦٨) ، وفي تعليقي على "الأحكام الوسطى" لعبد الحق الإشبيلي رقم (٨٣٢) .
واعلم أنه كان من الممكن الجمع بين هذه الأحاديث المتناقضة في فضل الصلاة في المسجد الأقصى: بأن يؤخذ بالزائد فالزائد. وعلى ذلك جرى الإمام الطحاوي! ولكن هذا إنما يصار إليه حينما تكون الأحاديث كلها من قسم المقبول، وليس الأمر كذلك؛ كما تبين لك من هذا التخريج، والله تعالى هو الحق لا رب سواه.
٥٣٥٦ - (إن هذه الآية: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية) ؛ نزلت في النفقات على الخيل في سبيل الله) .
موضوع
آفته سعيد بن سنان الحمصي؛ كما سيأتي في الحديث الآتي.
وغفل عنه الهيثمي هنا - كما غفل عنه هناك -؛ فقد أورده في تفسير (البقرة) ، وقال (٦/ ٣٢٤) :
"رواه الطبراني في "الكبير" و "الأوسط"، ويزيد بن عبد الله وأبوه لا يعرفان"!
والحديث؛ أورده الذهبي فيما أنكر على سعيد بن سنان.
стр. 7447
٥٣٥٧ - (إن الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة، وأبوالها وأرواثها لأهلها عند الله يوم القيامة من مسك الجنة) .
موضوع بهذا التمام
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" في ترجمة
стр. 7448
أحمد بن عبد الرحمن بن عقال الحراني، فقال (رقم ١٠٥٨ - مصورتي) : حدثنا أحمد قال: حدثنا أبو جعفر (النفيلي) قال: أخبرنا سعيد بن سنان عن يزيد بن عبد الله بن عريب عن أبيه عن جده قال: ... فذكره. وقال:
"لا يروى إلا بهذا الإسناد، تفرد به سعيد بن سنان".
قلت: وهو أبو مهدي الحمصي؛ قال الحافظ في "التقريب":
"متروك، ورماه الدارقطني وغيره بالوضع".
قلت: ولست أشك أن قوله في آخر الحديث:
"من مسك الجنة" إنما هو من وضعه، وإلا؛ فسائر الحديث ثابت صحيح من حديث غير واحد من الصحابة، تراها في "الترغيب والترهيب" (٢/ ١٦٠-١٦١) . وقد أشار إلى ذلك المنذري بقوله:
"رواه الطبراني في "الكبير" و "الأوسط"، وفيه نكارة".
وإن من غرائب الحافظ الهيثمي قوله في إعلال الحديث (٥/ ٢٥٩) :
"رواه الطبراني في "الكبير" و "الأوسط"، وفيه من لم أعرفه"!
يشير إلى يزيد بن عبد الله وأبيه؛ فإنهما لا ذكر لهما في شيء من كتب الرجال.
فخفي عليه حال سعيد بن سنان، أو فاته إعلال الحديث به، وهو آفته!
ثم إن شيخ الطبراني ضعيف أيضاً؛ قال أبو عروبة:
"ليس بمؤتمن على دينه". وقال ابن عدي:
стр. 7449
"هو ممن يكتب حديثه".
٥٣٥٨ - (من سره أن لا يجد الشيطان عنده طعاماً ولا مقيلاً؛ فليسلم إذا دخل بيته، وليسم على طعامه) .
موضوع
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٦/ ٢٩٤/ ٦١٠٢) في أحاديث ساقها بإسناد واحد من طريق خلف بن عبد الحميد السرخسي: حدثنا أبو الصباح عبد الغفور بن سعيد الأنصاري عن أبي هاشم الرماني عن زاذان عن سلمان مرفوعاً به.
قلت: وهذا موضوع؛ آفته عبد الغفور هذا؛ قال ابن حبان في "الضعفاء والمتروكين":
"كان ممن يضع الحديث على الثقات: كعب وغيره، لا يحل كتابة حديثه ولا ذكره إلا على جهة التعجب".
وأشار إلى هذا المعنى الإمام البخاري بقوله:
"تركوه". وقال في "التاريخ الصغير":
"سكتوا عنه".
وبه أعله الهيثمي (٨/ ٣٨) .
والراوي عنه مجهول؛ قال أحمد:
"لا أعرفه".
والحديث؛ اقتصر المنذري في "الترغيب" (٣/ ١١٦) على الإشارة إلى
стр. 7450
تضعيفه، وهو قصور ظاهر.
والذي صح عنه ﷺ في هذا الباب: إنما هو ذكر الله عند دخول البيت وعند الطعام، وواضح أن المراد التسمية في كل منهما؛ انظر "الترغيب والترهيب" حديث جابر عند مسلم وغيره.
وفي السلام عند دخول البيت حديث آخر، تراه مخرجاً في "المشكاة" (٧٢٧) و "الترغيب" (٢/ ٢٦٢) .
٥٣٥٩ - (الحمد لله الذي جعلك يا بنية شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل؛ فإنها كانت إذا رزقها الله شيئاً وسئلت عنه؟ قالت: (هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب)) .
ضعيف
أخرجه أبو يعلى من طريق عبد الله بن صالح: حدثنا عبد الله بن لهيعة عن محمد بن المنكدر عن جابر:
أن رسول الله ﷺ أقام أياماً لم يطعم طعاماً، حتى شق ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه، فلم يجد عند واحدة منهن شيئاً! فأتى فاطمة فقال:
"يا بنية! هل عندك شيء آكله؛ فإني جائع؟ ".
قالت: لا والله - بأبي أنت وأمي -! فلما خرج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها، فوضعته في جفنة لها، وقالت:
والله! لأوثرن بهذا رسول الله ﷺ على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسناً أو حسيناً إلى رسول الله ﷺ ، فرجع إليها، فقالت: بأبي أنت وأمي؛ قد أتى الله بشيء فخبأته لك. قال:
стр. 7451
"هلمي يا بنية! ".
قالت: فأتيته بالجفنة، فكشفت عنها؛ فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً، فلما نظرت إليها بهت وعرفت أنها بركة من الله، فحمدت الله، وصليت على نبيه، وقدمته إلى رسول الله ﷺ ، فلما رآه حمد الله، وقال:
"من أين لك هذا يا بنية؟! ".
قالت: يا أبت! (هو من عند الله يرزق من يشاء بغير حساب) ! فحمد الله، وقال: ... فذكر الحديث.
فبعث رسول الله ﷺ إلى علي، ثم آكل رسول الله ﷺ ، وأكل علي، وفاطمة، وحسن، وحسين، وجميع أزواج النبي ﷺ ، وأهل بيته حتى شبعوا جميعاً، قالت: وبقيت الجفنة كما هي. قالت: فأوسعت ببقيتها على جميع الجيران؛ وجعل الله فيها بركة وخيراً كثيراً.
ذكره ابن كثير في "التفسير" (١/ ٣٦٠) .
قلت: وهذا إسناد ضعيف، سكت عنه ابن كثير؛ لأنه ساق إسناده، وهذه عادته وعادة المحدثين: إذا ساقوا إسناد الحديث؛ فقد برئت ذمتهم وارتفعت المسؤولية عنهم إذا كان الحديث إسناده ضعيفاً أو موضوعاً.
وقد غفل عن هذه الحقيقة العلمية من قام باختصار "تفسير ابن كثير" وغيرهم، فيتوهمون أن سكوت ابن كثير عن الحديث معناه أن الحديث ثابت عنده! وليس كذلك؛ وبخاصة إذا ساق إسناده؛ كما بينت ذلك في غير ما موضع.
وهذا الحديث من هذا القبيل؛ فإن في إسناده عبد الله بن صالح عن عبد الله
стр. 7452
ابن لهيعة، وكلاهما ضعيف.
ولجهل الشيخ الصابوني بهذا العلم الشريف، وبتلك الحقيقة العلمية؛ فقد أورد هذا الحديث مصححاً له في "مختصره" (١/ ٢٨٠) ، ثم نقل عزو الحافظ ابن كثير لأبي يعلى من "تفسير ابن كثير" إلى حاشية "مختصره"؛ موهماً القراء أنه من تخريجه! فما أحراه بقول النبي ﷺ :
"المتشبع بما لم يعط؛ كلابس ثوبي زور"!
ثم إن الحديث - مع ضعف إسناده -؛ ففي متنه نكارة في نقدي؛ مثل قوله: "فإني جائع"؛ لأنه غير معروف مثله عنه ﷺ فيما أذكر!
ومن ذلك قول فاطمة ﵂ لأبيها مرتين:
بأبي أنت وأمي!
فإنه ممجوج مرفوض؛ كما هو ظاهر لا يحتاج إلى بيان!
ونحوه قولها بعد أن حمدت الله:
وصليت على نبيه.
فإنه ليس معهوداً أيضاً قرن الصلاة على النبي مع حمد الله تعالى في مثل هذه المناسبة! والله أعلم.
٥٣٦٠ - (نعم السواك الزيتون؛ من شجرة مباركة، يطيب الفم، ويذهب بالحفر، هو سواكي، وسواك الأنبياء قبلي) .
موضوع
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (رقم ٦٧٠ - مصورتي) : حدثنا
стр. 7453
أحمد قال: أخبرنا معلل قال: أخبرنا محمد بن محصن عن إبراهيم بن أبي عبلة عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري عن معاذ بن جبل مرفوعاً به. وقال:
"لم يروه عن إبراهيم إلا محمد".
قلت: وهو العكاشي؛ نسب إلى جده الأعلى؛ فإنه محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن عكاشة بن محصن الأسدي؛ كذبوه؛ كما في "التقريب". وقال الذهبي:
"ليس بثقة، قال الدارقطني: متروك يضع".
قلت: فهو علة هذا الحديث.
وخفي ذلك على الهيثمي؛ فأعله بالذي دونه، فقال (٢/ ١٠٠) :
"رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه معلل بن محمد؛ ولم أجد من ذكره"!
قلت: كذا قال! وتبعه الشيخ محمد بن سليمان المغربي في "جمع الفوائد" (١/ ٩١) ؛ ثم المعلق عليه، دون أن ينتبهوا إلى ما فيه من الوهم:
أولاً: الغفلة عن آفته الحقيقية؛ وهي العكاشي كما ذكرنا. وقد تنبه لها الهيثمي في حديث آخر، أخرجه الطبراني قبيل هذا بالسند نفسه، وهو حديث:
"اتخذوا الديك الأبيض ... ". فقال الهيثمي (٥/ ١١٧) :
"رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه محمد بن محصن العكاشي، وهو كذاب"، وقد مضى برقم (١٦٩٥) . ولم أره في "كتاب الطب" من "جمع الفوائد" للمغربي، وهو مؤخر فيه عن موضعه في "مجمع الهيثمي"، فلا أدري
стр. 7454
أسقط من قلمه، أم أودعه في كتاب آخر عنده؟! والله أعلم.
ثانياً: قوله: "معلل بن محمد" خطأ! والصواب: "معلل بن نفيل"؛ كذلك وقع في إسناد حديث آخر ساقه قبل هذا الحديث بحديث، وكذلك وقع في حديث آخر عنده (٦٣٢) وفي أحاديث أخرى بعده (٦٥٢-٦٥٥) ، ونسبه في الأول منها فقال: "الحراني".
وبعد كتابة ما سبق؛ رجعت إلى "مجمع البحرين" للهيثمي (١/ ٣٤/ ٢) ، فوجدته قد ساق الحديث بالإسناد المذكور تحته؛ إلا أنه وقع فيه: ".. معلل بن محمد بن محصن عن إبراهيم ... لم يروه عن إبراهيم إلا محمد"!
فانكشف لي سبب الوهمين السابقين من الهيثمي. وبيانه: أنه لما نقل الحديث من "المعجم الأوسط"، أدخل راوياً في آخر، فبدل أن يكتب: "معلل: أخبرنا محمد بن محصن" كتب: "معلل بن محمد بن محصن"!
ولما نقل الحديث من "مجمع البحرين" إلى "مجمع الفوائد" وتكلم على إسناده؛ وقع منه ما وقع من الوهمين المشار إليهما! والمعصوم من عصمه الله.
٥٣٦١ - (من فصل في سبيل الله، فمات أو قتل؛ فهو شهيد، أو وقصه فرسه أو بعيره، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله؛ فإنه شهيد، وإن له الجنة) .
ضعيف
أخرجه أبو داود (١/ ٣٩١) : حدثنا عبد الوهاب بن نجدة: حدثنا بقية بن الوليد عن ابن ثوبان عن أبيه يرد إلى مكحول إلى عبد الرحمن بن غنم الأشعري أن أبا مالك الأشعري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره.
стр. 7455
وتابعه عبيد بن شريك: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة به.
أخرجه البيهقي في "السنن" (٩/ ١٦٦) .
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله موثقون؛ إلا أن مكحولاً رمي بالتدليس.
أما بقية؛ فهو مشهور بذلك، وقد قال غير واحد من الأئمة:
"كان يدلس عن المتروكين".
ولذلك؛ فهو من الثقات الذين لا يحتج بحديثهم ما عنعن، وهذا منه.
نعم؛ قد خالف أبا داود وعبيد بن شريك: محمد بن محمد بن سليمان، فقال: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي: حدثنا بقية بن الوليد: حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان به.
فصرح بتحديث بقية.
أخرجه الحاكم (٢/ ٧٨) ، وقال:
"صحيح على شرط مسلم"!
فتعقبه الذهبي بقوله:
"قلت: ابن ثوبان لم يحتج به مسلم؛ وليس بذاك، وبقية ثقة، وعبد الرحمن ابن غنم لم يدركه مكحول فيما أظن"!
قلت: بين وفاتيهما قرابة أربعين سنة؛ لأن ابن غنم توفي سنة (٧٨) ، ومكحول توفي سنة (١١٢) في قول، وسنة (١١٨) في قول آخر، ولم يذكروا سنة ولادته، حتى يمكن القول بمعاصرته إياه، ولكن ثبوت المعاصرة إنما تفيد في
стр. 7456
الراوي الذي لم يعرف بتدليس، ومكحول ليس كذلك؛ كما سبق.
وابن ثوبان - وإن كان فيه كلام - فالراجح أنه حسن الحديث.
وأما بقية؛ فقد عرفت حاله، وإنما وثقه الذهبي لتصريحه بالتحديث في رواية الحاكم، وهو الذي غرني قديماً حينما خرجت الحديث في "أحكام الجنائز" (ص ٣٧) ، وقلت عقبه:
"وصححه الحاكم، وإنما هو حسن فقط".
فلم يتنبه الذهبي - كما لم أتنبه أنا يومئذ - لكون التصريح بتحديث بقية شاذ - بل منكر -؛ لأمرين:
الأول: مخالفة محمد بن محمد بن سليمان لأبي داود وعبيد بن شريك كما سبق؛ فإنهما عنعناه عنه.
والآخر: أن محمداً هذا - وهو الباغندي - مع كونه من الحفاظ؛ فقد تكلم فيه بعضهم كلاماً سيئاً حتى اتهم بالكذب! والذهبي نفسه قال في ترجمته من "الميزان":
"كان مدلساً، وفيه شيء. قال ابن عدي: أرجو أنه كان لا يتعمد الكذب. وقال الإسماعيلي: لا أتهمه، ولكنه خبيث التدليس".
قلت: فمثله لا يحتج به عند التفرد، فكيف مع المخالفة؟!
ثم وجدت له مخالفاً ثالثاً ثقة: فقال الطبراني في "الكبير" (١/ ١٦٧/ ١) : حدثنا خير بن عرفة المصري: أخبرنا حيوة بن شريح الحمصي: أخبرنا بقية بن الوليد عن ابن ثوبان به.
стр. 7457
٥٣٦٢ - (يا عائشة! اتخذت الدنيا بطنك؟! أكثر من أكلة كل يوم سرف، والله لا يحب المسرفين) .
موضوع
أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢/ ١٦١/ ٢) من طريق العلاء بن مسلمة الرواس (الأصل: سلمة الروامي) : حدثني خالد بن نجيح المصري: حدثنا عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة قالت:
رآني رسول الله ﷺ وأنا آكل في يوم مرتين فقال: ... فذكره. وقال:
"في إسناده ضعف"!
كذا قال! وأقره العراقي في "تخريج الإحياء" (٣/ ٧٨) !
وفيه تساهل كبير؛ فإنما يصح مثل هذا القول فيما لو كان السند إلى ابن لهيعة ثابتاً، وأنى له ذلك؟! وفيه آفتان:
الأولى: خالد بن نجيح المصري؛ قال ابن أبي حاتم (١/ ٢/ ٣٥٥) عن أبيه:
"هو كذاب، كان يفتعل الأحاديث ويضعها في كتب ابن أبي مريم وأبي صالح، وهذه الأحاديث التي أنكرت على أبي صالح؛ يتوهم أنها من فعله".
الأخرى: العلاء بن مسلمة الرواس؛ قال ابن حبان (٢/ ١٨٥) :
"يروي عن العراقيين المقلوبات، وعن الثقات الموضوعات". وقال ابن طاهر:
"كان يضع الحديث".
стр. 7458
نعم؛ قد رواه البيهقي (٢/ ١٥٨/ ١-٢) بإسناد آخر عن ابن لهيعة نحوه؛ هو خير من هذا:
أخرجه من طريق يحيى بن عثمان المصري: حدثني أبي عن ابن لهيعة ... فذكره بلفظ:
"يا عائشة! أما تحبين أن يكون لك شغل إلا في جوفك؟! الأكل في اليوم مرتين من الإسراف، والله لا يحب المسرفين".
(تنبيه) : كنت خرجت هذا الحديث فيما تقدم برقم (٢٥٧) نقلاً عن "الإحياء" و "تخريجه"، وعن "الترغيب" للمنذري، وكان ذلك قبل أن نطلع على إسناده في "شعب البيهقي"، فلما وقفت عليه فيه؛ بادرت إلى تخريجه،وبيان الفرق بين إسناديه ولفظيه، فتبين الآن أنه ليس عند البيهقي لفظ: "إياك والسرف"، الذي جاء في "الإحياء"، وعزاه العراقي للبيهقي، فاقتضى التنبيه.
٥٣٦٣ - (ثلاثة لا تقبل لهم شهادة أن لا إله إلا الله: الراكب والمركوب، والراكبة والمركوبة، والإمام الجائر) (١) .
موضوع
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (رقم ٣٢٥٦) : حدثنا بكر: قال: أخبرنا أبو عطاء بلال بن عمرو عن صالح بن أبي صالح عن عمر بن راشد عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً. وقال:
"لم يروه عن ابن حرملة إلا عمر بن راشد، ولا عن عمر إلا صالح بن أبي صالح، تفرد به أبو عطاء".
стр. 7459
قلت: ولم أجد من ترجمه، ولم يذكره الدولابي في "الكنى".
ومثله صالح بن أبي صالح، وفي "التهذيب" بهذا الاسم جمع، ولكنهم من التابعين، وهو دونهم كما ترى.
وأما عمر بن راشد؛ فهو المدني الجاري، يروي عن مالك وابن عجلان وطبقتهما. قال أبو حاتم:
"وجدت حديثه كذباً وزوراً". وقال الحاكم، وأبو نعيم:
"يروي عن مالك أحاديث موضوعة".
وبه أعل الحديث الهيثمي، فقال في "المجمع" (٤/ ٢٨٢) :
"رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه عمر بن راشد المدني الجاري؛ وهو كذاب".
وأما المنذري؛ فقد اكتفى بالإشارة إلى ضعفه (٣/ ١٣٨) !
وهذا من تساهله الذي شرحت القول عنه في مقدمة "صحيح الترغيب" و "ضعيفه"، وهو تحت الطبع (١) .
٥٣٦٤ - (من ولي أمة من أمتي - قلت أو كثرت -، فلم يعدل فيهم؛ كبه الله على وجهه في النار) .
ضعيف
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (رقم ٦٧٧٣ - مصورتي) من طريق هشام بن عمار: حدثنا عبد العزيز بن الحصين عن عمار الدهني: حدثني
стр. 7460
إبراهيم بن [يزيد] معقل بن يسار عن أبيها معقل أن رسول الله ﷺ قال: ... فذكره. وقال:
"لم يرو هذا الحديث عن عمار الدهني إلا عبد العزيز بن الحصين، تفرد به هشام".
قلت: عبد العزيز هذا واه؛ كما قال المنذري في "الترغيب" (٣/ ١٣٩) .
وقد خولف في إسناده؛ فقال عبيد الله بن موسى: حدثنا إسرائيل عن عامر الدهني عن أبيه عن أم معقل عن أبيها قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
أخرجه الحاكم (٤/ ٩٠-٩١) ، وقال:
"هذه أم معقل بنت معقل بن سنان الأشجعي، وهو صحيح الإسناد"! ووافقه الذهبي!
قلت: لم أر من ذكر أم معقل هذه، وأخشى أن يكون محرفاً من (ابنة معقل) كما في الإسناد الأول، وليس اعتمادي عليه فيما ذهبت إليه فحسب؛ فقد روى الإمام أحمد (٤/ ٢٥) : حدثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت إسماعيل البصري يحدث عن ابنة معقل بن يسار عن أبيها معقل قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"ليس من والي أمة - قلت أو كثرت - لا يعدل فيها؛ إلا كبه الله ﵎ على وجهه في النار".
لكني لم أعرف إسماعيل البصري! وفي طبقته جماعة؛ فيهم الثقة والضعيف والمجهول. وذكر الحافظ في ترجمة (ابنة معقل) من "التعجيل" أنه روى عنها