ولذلك؛ رأيت أنه لا بد من أن أكشف عن حاله؛ فأقول:
إن إسناده هالك، والمتهم به الخلال هذا؛ فقد أورده الذهبي في "الميزان"، وقال:
"قال يحيى بن معين: كذاب. وقال عثمان الدارمي: قد أدركته، وهو ضعيف قريب مما قال يحيى".
وشيخه أبو خليد: اسمه عتبة بن حماد الدمشقي، وهو صدوق؛ كما في "التقريب".
وأما شيخ الطبراني سليمان بن أحمد: جبير بن عرفة؛ فلم أجد له ترجمة الآن.
٥٣٨١ - (إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي ثم ماتوا عليها، وهو في الباب الأول من جهنم، لا تسود وجوههم ولا تزرق عيونهم، ولا يغلون بالأغلال، ولا يقرنون مع الشياطين، ولا يضربون بالمقامع، ولا يطرحون في الأدراك، منهم من يمكث فيها ساعة ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها يوماً ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها شهراً ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج، وأطولهم مكثاً فيها: مثل الدنيا منذ يوم خلقت إلى يوم أفنيت، وذلك سبعة آلاف سنة ... وذكر بقية الحديث) .
موضوع
أورده السيوطي في أول رسالة: "الكشف عن مجازة هذه الأمة الألف"، فقال:
стр. 7492
قال الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول": حدثنا صالح بن أحمد بن أبي محمد: حدثنا يعلى (كذا) ابن هلال عن ليث عن مجاهد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: وسكت عنه السيوطي، وتبعه العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني في رسالته القيمة: "رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار" (ص ٦ مخطوطة المكتب الإسلامي) ؛ وأنا في صدد تحقيقها إن شاء الله تعالى (١) ، ولذلك؛ وجدتني مندفعاً إلى تحقيق القول فيه، وشكر الله للحافظ السيوطي حيث ساق إسناده من "النوادر" الذي لا نعرف له وجوداً في عالم المخطوطات؛ بله المطبوعات، وإذا كان ذلك يبرر له أن يسكت عنه - كما جرى عليه عرف المحدثين -؛ فما عذر العلامة الصنعاني في السكوت عليه، وفيه ما يأتي بيانه؟!
أول ما يبدو لنا من الضعف في هذا الإسناد؛ إنما هو في شخص ليث - وهو ابن أبي سليم الحمصي الكوفي -، وهو معروف بالضعف عند جماهير العلماء قديماً وحديثاً، فمثله لا يخفى حاله على الإمام الصنعاني! فالظاهر أنه لم يقف على إسناده؛ لكن كا عليه أن يشعر القارىء بذلك؛ كما هو منصوص عليه في علم المصطلح، لكي لا يغتر أحد بسكوته عليه.
لكن قد بدا لي - بعد إمعان النظر في هذا الإسناد والمتن - أنه موضوع من الناحيتين:
أما الإسناد؛ فلأنه لا يوجد في الرواة من اسمه يعلى بن هلال، وتذكرت أن فيهم المعلى بن هلال، وفيه كلام، فرجعت إلى "الميزان" للذهبي، فوجدته قد
стр. 7493
نقل تكذيبه عن غير واحد من الأئمة، وساق له أحاديث تدل على حاله؛ منها حديث:
"التوكؤ على العصا من أخلاق الأنبياء"، يرويه المعلى بن هلال عن ليث عن مجاهد، وقد كنت خرجته فيما تقدم (٩١٦) ، فتيقنت أنه هو صاحب هذا الحديث، وأن اسمه تحرف إلى (يعلى) على السيوطي أو غيره.
وأما المتن؛ فلقوله فيه: "لا تسود وجوههم"؛ فإنه مخالف للأحاديث الصحيحة التي فيها: "أن الله يقول لملائكته: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان؛ فيخرجون منها قد اسودوا ... " الحديث.
أخرجه الشيخان، وابن أبي عاصم في "السنة" (٨٤٢ - بتحقيقي) ، وابن حبان (٢٥٩٩) بنحوه.
٥٣٨٢ - (الحقب الواحد: ثلاثون ألف سنة) .
موضوع
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٧٩٥٧) من طريق جعفر ابن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا بثين فيها أحقاباً) : "الحقب ... ".
قلت: وهذا موضوع؛ آفته جعفر هذا؛ فإنه متهم بالوضع، وقال الحافظ في "التقريب":
"متروك الحديث".
قلت: وقد سبق له بعض الموضوعات كالحديث (٣٤٥،٦٠٧) .
وبه أعل هذا الحديث الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٣٣) ؛ لكنه سهل القول
стр. 7494
فيه، فقال:
"هو ضعيف"!
وهو متردد الرأي فيه؛ فتارة يقتصر على تضعيفه، وتارة يكذبه، وتارة يتركه.
والحديث؛ أورده ابن كثير في تفسير الآية المذكورة؛ من رواية ابن أبي حاتم من الوجه المذكور؛ لكن بلفظ:
"ألف ألف سنة"!
كذا وقع فيه "ألف ألف" مكررة، فلا أدري أهكذا رواية ابن أبي حاتم، أم هو خطأ من الناسخ أو الطابع لابن كثير، فليراجع له "الدر المنثور" للترجيح. ثم قال ابن كثير:
"وهذا حديث منكر جداً، والقاسم والراوي عنه جعفر بن الزبير كلاهما متروك".
كذا قال! ولا دخل للقاسم في هذا الحديث؛ فإن المعتمد فيه أنه حسن الحديث إذا كان الراوي عنه ثقة.
(تنبيه) : كان الداعي إلى تخريج هذا الحديث: أنني لما أقمت مضطراً في بيروت أواخر سنة ١٤٠١ منفياً من عمان إلى دمشق بتاريخ ١٩ شوال من السنة المذكورة؛ قضيت وقت غربتي في تحقيق كتاب "رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار" للعلامة الصنعاني؛ فرأيت فيه هذا الحديث منقولاً عن "حادي الأرواح" لابن القيم (٢/ ٢١٦) بلفظ:
"الحقب: خمسون ألف سنة"! وقال الصنعاني مفسراً:
стр. 7495
"و (الأحقاب) جمع، وأقله ثلاثة، يعني: مئة ألف سنة وخمسين ألف سنة".
فتبينت منه أن الذي في "الحادي" المطبوع ليس خطأ من الطابع؛ وإنما هو من ابن القيم نفسه، أو من نسخته التي نقل عنها من "المعجم"؛ بدليل نقل الصنعاني عنه وتفسيره إياه!
هذا من جهة.
ومن جهة أخرى؛ لما رأيت الإمامين ابن القيم والصنعاني سكتا عن الحديث، وكان لا بد من التعليق عليه لبيان مرتبته من الثبوت؛ فكان هذا التخريج الذي يدلك على تساهل أفاضل العلماء في هذا المجال - فضلاً عمن دونهم فضلاً وعلماً -! والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وروى الحاكم (٢/ ٥١٢) عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن مسعود في قوله تعالى: (لابثين فيها أحقاباً) قال:
الحقب: ثمانون سنة. وقال:
"صحيح الإسناد"! ووافقه الذهبي! وأقره السيوطي في "الدر" (٦/ ٣٠٧) ! وأقول: أبو بلج: هذا اسمه يحيى بن سليم؛ قال الحافظ:
"صدوق ربما أخطأ".
فمثله حسن الحديث.
لكن قد سقط من "المستدرك" ما دونه من المسند، فلا أدري ما حاله؟
وروى البزار (٤/ ١٨٦/ ٣٥٠٣) عن سليمان بن مسلم قال: سألت سليمان
стр. 7496
التيمي: هل يخرج من النار أحد؟ فقال: حدثني نافع عن ابن عمر مرفوعاً:
"والله! لا يخرج من النار أحد؛ حتى يمكث فيها أحقاباً". قال:
والحقب: بضع وثمانون سنة، كل سنة ثلاث مئة وستون يوماً مما تعدون.
وذكره الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٣٩٥) ، وقال:
"وفيه سليمان بن مسلم الخشاب، وهو ضعيف جداً".
وسكت عنه ابن كثير في "التفسير"؛ فإن سليمان هذا؛ قال ابن حبان:
"لا تحل الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار"؛ كما في "الميزان" للحافظ الذهبي، وساق له حديثين - هذا أحدهما -، ثم قال:
"قلت: وهما موضوعان في نقدي".
وأقره الحافظ العسقلاني في "اللسان"، ونقل عن ابن عدي أنه قال فيهما:
"هما منكران جداً".
ثم رأيت لحديث ابن مسعود شاهداً من رواية الحجاج بن نصير: حدثنا همام عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة به.
أخرجه البزار (٣/ ٢٢٧٨) ، وقال:
"لا نعلم أحداً رفعه إلا الحجاج، وغيره يوقفه".
قلت: وهو ضعيف كان يقبل التلقين؛ كما قال الحافظ في "التقريب".
وبه أعله الهيثمي؛ لكنه قال (٣/ ٧٨) :
стр. 7497
"وثقه ابن حبان، وقال: يخطىء ويهم. وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات".
قلت: فيبدو لي - والله أعلم - أن الحديث بهذا اللفظ المختصر حسن بمجموع الطريقين. والله أعلم.
٥٣٨٣ - (إن آخر رجل يدخل الجنة: رجل يتقلب على الصراط ظهراً لبطن؛ كالغلام يضربه أبوه وهو يفر منه، يعجز عنه عمله أن يسعى، فيقول: يا رب! بلغ بي الجنة ونجني من النار، فيوحي الله تعالى إليه: عبدي! إن أنا نجيتك من النار وأدخلتك الجنة؛ أتعترف لي بذنوبك وخطاياك؟ فيقول العبد: نعم يا رب! وعزتك وجلالك! لئن نجيتني (١) من النار؛ لأعترفن لك بذنوبي وخطاياي. فيجوز الجسر، ويقول العبد فيما بينه وبين نفسه: لئن اعترفت له بذنوبي وخطاياي ليردني إلى النار، فيوحي الله إليه: عبدي! اعترف لي بذنوبك وخطاياك أغفرها لك، فيوحي الله إليه: عبدي! اعترف لي بذنوبك وخطاياك أغفرها لك، وأدخلك الجنة! فيقول العبد: لا وعزتك! ما أذنبت ذنباً قط، ولا أخطأت خطيئة قط، فيوحي الله إليه: عبدي! إن لي عليك بينة، فيلتفت العبد يميناً وشمالاً، فلا يرى أحداً، فيقول: يا رب! أرني بينتك! فيستنطق الله جلده بالمحقرات، فإذا رأى ذلك العبد؛ يقول: يا رب! عندي - وعزتك! - العظائم المضمرات! فيوحي الله إليه: عبدي! أنا أعرف بها منك، اعترف لي بها أغفرها لك، وأدخلك الجنة! ثم ضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه،
يقول: هذا أدنى أهل الجنة منزلة؛ فكيف بالذي فوقه؟!) (٢) .
стр. 7498
ضعيف. أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٧٦٦٩) من طريق أبي فروة يزيد بن محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي: حدثني أبي عن أبيه: حدثني أبو يحيى الكلاعي عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ مسلسل بالعلل؛ يزيد بن سنان الرهاوي وابنه محمد؛ ضعيفان.
وأما أبو فروة يزيد بن محمد بن يزيد؛ فقد أورده ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"؛ ولم يزد فيه على قوله:
"كتب إلى أبي وإلي"!
فالظاهر أنه مجهول.
والحديث؛ سكت عنه ابن القيم في "حادي الأرواح" (٢/ ٢١٨-٢١٩) ! وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٤٠٢) :
"رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم، وضعفاء فيهم توثيق لين".
٥٣٨٤ - (لما مرض رسول الله ﷺ ؛ جاءه جبريل ﵇ فقال: يا محمد! أرسلني الله إليك؛ تكريماً لك، وتشريفاً لك، وخاصة لك، أسألك عما هو أعلم به منك: يقول: كيف تجدك؟ قال: أجدني - يا جبريل - مغموماً، وأجدني - يا جبريل -؛ مكروباً. ثم جاءه اليوم الثاني، فقال ذلك له، فرد عليه النبي ﷺ كما رد عليه أول يوم. ثم جاءه اليوم الثالث، فقال له كما قال أول يوم، ورد عليه كما رد. وجاء
стр. 7499
معه ملك يقال له: إسماعيل على مئة ألف ملك، كل ملك منهم على مئة ألف ملك؛ فاستأذن فسأل عنه؛ ثم قال جبريل: هذا ملك الموت؛ يستأذن عليك، ما استأذن على آدمي قبلك ولا يستأذن على آدمي بعدك. فقال رسول الله ﷺ : ائذن له. فأذن له، فسلم عليه، ثم قال: يا محمد! إن الله أرسلني إليك، فإن أمرتني أن أقبض روحك قبضته، وإن أمرتني أن أتركه تركته. قال: أو تفعل يا ملك الموت؟! قال: نعم؛ بذلك أمرت، وأمرت أن أطيعك! قال: فنظر النبي ﷺ إلى جبريل ﵇، فقال جبريل: يا محمد! إن الله اشتاق إلى لقائك. فقال النبي ﷺ لملك الموت:
امض لما أمرت به. فقبض روحه. فلما توفي رسول الله ﷺ وجاءت التعزية؛ سمعوا صوتاً من ناحية البيت: سلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته! إن في الله عزاءً من كل مصيبة؛ وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل ما فات، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا: فإنما المصاب من حرم الثواب! فقال علي ﵇: أتدرون من هذا؟ هذا الخضر ﵇ .
موضوع
أخرجه الإمام الشافعي في "السنن" عن القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص عن جعفر بن محمد عن أبي أن رجالاً من قريش دخلوا على أبيه علي بن الحسين فقال: ألا أحدثكم عن رسول الله ﷺ ؟ قالوا: بلى، فحدثنا عن أبي القاسم ﷺ . قال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً على إرساله، آفته: القاسم هذا - وهو العمري المدني -؛ قال الإمام أحمد:
стр. 7500
"ليس بشيء، كان يكذب ويضع الحديث".
وكذبه ابن معين أيضاً. ولهذا؛ قال الحافظ في "التقريب":
"متروك، رماه أحمد بالكذب".
قلت: وقد تابعه من هو مثله، ولعل أحدهما سرقه من الآخر؛ فأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢٨٩٠) من طريق عبد الجبار بن العلاء: حدثنا عبد الله ابن ميمون القداح: حدثنا جعفر بن محمد به؛ إلا أنه أسنده فقال: عن أبيه عن علي بن حسين قال: سمعت أبي يقول: ... فذكره.
قلت: والقداح هذا؛ قال أبو حاتم:
"متروك". وقال البخاري:
"ذاهب الحديث. وقال ابن حبان:
"لا يجوز أن يحتج به". وفي "التقريب":
"منكر الحديث، متروك".
وبه أعله الهيثمي في "المجمع" (٩/ ٣٥) .
ثم سرقه منهما كذاب آخر وغاير في الإسناد؛ إلا وهو أبو الوليد المخزومي؛ فقال: حدثنا أنس بن عياض عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: ... فذكره مختصراً بلفظ:
عزتهم الملائكة؛ يسمعون الحس ولا يرون الشخص، فقالت: ... فذكره.
أخرجه الحاكم (٣/ ٥٧) ، وقال:
стр. 7501
"صحيح الإسناد"! ووافقه الذهبي!!
وهذا من أوهامهما الفاحشة! ومن الظاهر أنهما لم يعرفا أبا الوليد المخزومي هذا، وقد أورده الذهبي في كنى "الميزان"، وقال:
"هو خالد بن إسماعيل؛ الكذاب".
ثم ترجمه هناك في الأسماء، فقال:
"قال ابن عدي: كان يضع الحديث على الثقات. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به بحال".
ثم رواه أحد المتروكين بسند آخر - وهو عباد بن عبد الصمد - عن أنس بن مالك ﵁ قال:
لما قبض رسول الله ﷺ ؛ أحدق به أصحابه، فبكوا حوله واجتمعوا، فدخل رجل أصهب اللحية؛ جسيم صبيح فتخطى رقابهم فبكى، ثم التفت إلى أصحاب رسول الله ﷺ فقال:
إن في الله عزاءً من كل مصيبة ... الحديث، فقال بعضهم لبعض: تعرفون الرجل؟ فقال أبو بكر وعلي: نعم؛ هذا أخو رسول الله ﷺ : الخضر ﵇.
أخرجه الحاكم (٣/ ٥٨) ؛ وقال:
"هذا شاهد لما تقدم، وإن كان عباد بن عبد الصمد ليس من شرط هذا الكتاب"! ووافقه الذهبي!
وأقول: لا يستشهد به أيضاً لشدة ضعفه؛ أورده الذهبي نفسه في "الميزان"، وقال:
стр. 7502
"بصري واه. قال البخاري: منكر الحديث. ووهاه ابن حبان وقال: له عن أنس نسخة أكثرها موضوعة. وقال أبو حاتم: ضعيف جداً"، ثم ساق له أحاديث قال في أحدها:
"يشبه وضع القصاص". وقال في آخر:
"وهذا إفك بين".
وإذا عرفت هذا الحديث وشدة ضعفها؛ فمن الغريب اعتماد شيخ الإسلام ابن تيمية على الطريق الأولى في ميله في فتوى له إلى القول بحياة الخضر في حياته ﷺ ! فقد سئل عنها في استفتاء له، فأجاب بقوله:
"وأما حياته؛ فهو حي، والحديث المذكور: "لو كان حياً لزارني"؛ لا أصل له، ولا يعرف له إسناد، بل المروي في "مسند الشافعي" وغيره: أنه اجتمع بالنبي ﷺ ، ومن قال: إنه لم يجتمع بالنبي ﷺ ؛ فقد قال ما لا علم له به؛ فإنه من العلم الذي لا يحاط به ... "!!
قلت: وهذه الفتوى كأنها كانت منه قبل أن يتمكن من العلم الصحيح؛ فإن أكثر فتاوته على خلافها، وأن الخضر مات، وأنه لو أدرك النبي ﷺ لوجب عليه أن يأتيه وينصره، كما بينت ذلك من كلامه في مقدمتي لكتاب "رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار" للإمام الصنعاني، وهو تحت الطبع (١) .
وقوله: "إنه اجتمع بالنبي ﷺ "! كأنه يعني: بعد وفاته معزياً به. وهذا هو الذي رواه الشافعي وغيره كما رأيت. وسكوته عن إسناده - بل واحتجاجه به على
стр. 7503
حياته، ورده على من قال بوفاته ونسبته إلى القول بغير علم - من شطط القول، لا سيما وهو ممن يشمله رده!!
٥٣٨٥ - (إنه يسمع الآن خفق نعالكم؛ أتاه منكر ونكير، أعينهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد، فليجلسانه، فيسألانه: ما كان يعبد؟ ومن كان نبيه؟ فإن كان ممن يعبد الله؛ قال: كنت أعبد الله، ونبيي محمد ﷺ ؛ جاء بالبينات، فآمنا به واتبعناه، فذلك قول الله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) ، فيقال له: على اليقين حييت، وعليه مت، وعليه تبعث، ثم يفتح له باب إلى الجة، ويوسع له في حفرته.
وإن كان من أهل الشك؛ قال: لا أدري! سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيقال له: على الشك حييت، وعليه مت، وعليه تبعث، ثم يفتح له باب إلى النار، ويسلط عليه عقارب وتنانين، لو نفخ أحدهم في الدنيا ما أنبتت شيئاً؛ تنهشه، وتؤمر الأرض فتضم؛ حتى تختلف أضلاعه) .
ضعيف
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤٧٦٦) من طريق ابن لهيعة عن موسى بن جبير الحذاء أنه سمع أبا أمامة بن سهل بن حنيف ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان يحدثان عن أبي هريرة قال:
شهدنا جنازة مع نبي الله ﷺ ، فلما فرغ من دفنها وانصرف الناس؛ قال نبي الله ﷺ : ... فذكره، وقال:
"لم يروه إلا موسى بن جبير، تفرد به ابن لهيعة".
стр. 7504
قلت: وهو ضعيف لسوء حفظه. وقال المنذري في "الترغيب" (٤/ ١٨٧) :
"ابن لهيعة حديثه حسن في المتابعات، وأما ما تفرد به؛ فقليل من يحتج به".
قلت: وشيخه موسى بن جبير الحذاء؛ لم يوثقه أحد غير ابن حبان، ومع ذلك فقد قال فيه:
"كان يخطىء ويخالف". ولهذا؛ قال ابن القطان:
"لا يعرف حاله". وأشار إلى ذلك الحافظ بقوله في "التقريب":
"مقبول". يعني: عند المتابعة، وإلا؛ فهو ضعيف لين الحديث. وهو في هذا الحديث قد جاء بأمور تفرد بها دون الثقات؛ كذكر العقارب والتنين ... إلخ. فالحديث بهذه الزيادة منكر. والله أعلم.
٥٣٨٦ - (يا أبا رزين! إن مسلم إذا زار أخاه المسلم؛ شيعه سبعون ألف ملك؛ يصلون عليه، يقولون: اللهم! كما وصله فيك؛ فصله) .
ضعيف جداً
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (رقم ٨٤٨٥) من طريق عمرو بن الحصين: أخبرنا محمد بن عبد الله بن علاثة: أخبرنا عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن مالك بن يخامر عن لقيط بن عامر أبي رزين العقيلي قال: ... فذكره مرفوعاً. وقال:
"لم يروه عن عطاء الخراساني إلا ابنه عثمان، ولا عن عثمان إلا ابن علاثة، تفرد به عمرو بن الحصين".
قلت: وهو متروك متهم؛ كما تقدم مراراً.
وبه أعله الهيثمي، فقال في "المجمع" (٨/ ١٧٣) :
стр. 7505
"رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه عمرو بن الحصين، وهو متروك".
قلت: وابن علاثة صدوق يخطىء.
وعثمان بن عطاء الخراساني ضعيف.
وأبو عطاء - وهو ابن أبي مسلم الخراساني - صدوق يهم كثيراً ويرسل ويدلس؛ كما في "التقريب".
٥٣٨٧ - (إن في الجنة غرفاً، يرى ظواهرها من بواطنها، وبواطنها من ظواهرها، أعدها الله للمتحابين فيه، والمتزاورين فيه؛ والمتباذلين فيه) .
ضعيف جداً
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (رقم ٣٠٤٩) من طريق إسماعيل بن سيف قال: أخبرنا عوين بن عمرو القيسي - أخو رباح بن عمرو - قال: أخبرنا سعيد الجريري عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعاً. وقال:
"لم يروه عن سعيد إلا عوين، تفرد به إسماعيل".
قلت: ضعفه البزار. وقال ابن عدي:
"كان يسرق الحديث، روى عن الثقات أحاديث غير محفوظة".
وأما ابن حبان؛ فأورده في "الثقات"، وقال:
"مستقيم الحديث إذا حدث عن ثقة"!
قلت: وشيخه عوين - ويقال: عون - ليس بثقة؛قال ابن معين:
"لا شيء". وقال البخاري:
стр. 7506
"منكر الحديث، مجهول". وقال العقيلي في "الضعفاء":
"لا يتابع على حديثه".
والحديث؛ أشار المنذري إلى تضعيفه (٣/ ٢٤٠) ! وهو قصور.
ومثله - بل وأولى منه بالتقصير - قول الهيثمي (١٠/ ٢٧٨) :
"رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه إسماعيل بن سيف، وهو ضعيف"!
قلت: شيخه أسوأ حالاً منه كما رأيت، فتضعيفه به أولى.
وقد صح الحديث في: "من أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام"، ورد من حديث ابن عمرو، وأبي مالك الأشعري، فانظرهما - إن شئت - في "صحيح الترغيب".
وفي فضل المتحابين في الله وسائر المذكورين في الحديث أحاديث كثيرة؛ عن معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وعمرو بن عبسة، وأبي هريرة، وغيرهم، وهي مخرجة في "التعليق الرغيب على الترغيب والترهيب" (٤/ ٤٦-٤٨) .
٥٣٨٨ - (من زار أخاه المؤمن؛ خاض في رياض الجنة حتى يرجع، ومن عاد أخاه المؤمن؛ خاض في رياض الجنة حتى يرجع) .
ضعيف جداً
أخرجه الطبراني في "الكبير" (٧٣٨٩) عن عبد الأعلى ابن أبي المساور: حدثنا عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال:
أتينا صفوان بن عسال فقال: أزائرين؟ قلنا: نعم. فقال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
стр. 7507
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ آفته ابن أبي المساور؛ قال الحافظ في "التقريب":
"متروك، كذبه ابن معين".
وأما الهيثمي؛ فألان القول فيه، فقال (٢/ ٢٩٨) :
"ضعيف"!
وكأنه تبع في ذلك المنذري الذي أشار (٣/ ٢٤٠) إلى تضعيف الحديث فقط!
٥٣٨٩ - (نعم الإدام الخل، هلاكاً بالقوم أن يحتقروا ما قدم إليهم، وهلاك بالرجل أن يحتقر ما في بيته أن يقدمه إلى أصحابه) .
ضعيف
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (رقم: ٥١٩٨) ، (٦/ ٣٠/ ٥٠٦٢ - ط) : حدثنا محمد بن النضر الأزدي قال: أخبرنا يزيد بن عبد الرحمن المعني: قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال:
نزل بجابر بن عبد الله ضيف له، فجاءهم بخبز وخل، فقال: كلوا؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره. وقال:
"لم يروه عن عبد الواحد بن أيمن إلا المحاربي".
قلت: قال الحافظ في "التقريب":
"لا بأس به، وكان يدلس".
стр. 7508
قلت: وقد عنعنه كما ترى، فلولا ذلك؛ لكان الإسناد جيداً؛ فإن رجاله كلهم ثقات معروفون؛ غير يزيد بن عبد الرحمن المعني، فقال ابن أبي حاتم (٤/ ٢/ ٢٧٨) :
"سمع منه أبي وروى عنه، وقال: صدوق".
ولعل المنذري أشار إلى هذا الإسناد بقوله في "الترغيب" (٣/ ٢٤٤) :
"رواه أحمد، والطبراني، وأبو يعلى ... وبعض أسانيدهم حسن".
ذلك؛ أن إسناد أحمد لا يحتمل التحسين عندي؛ فإنه قال: حدثنا أسباط ابن محمد: حدثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال:
دخل على جابر نفر من أصحاب النبي ﷺ ؛ فقدم إليهم خبزاً وخلاً، وقال: كلوا ... إلخ.
ومن هذا الوجه رواه البيهقي (٧/ ٢٧٩) .
فإن الوصافي هذا ضعيف؛ كما قال الحافظ.
لكنه لم يتفرد به؛ فقد أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٢/ ٥٣٧،٥٨٩) من طريق إبراهيم بن عيينة عن أبي طالب القاضي عن محارب بن دثار عن جابر به نحوه. وقال المنذري في "الترغيب" (٣/ ٢٤٤) :
"رواه أحمد والطبراني وأبو يعلى، وبعض أسانيدهم حسن، و "نعم الإدام الخل" في "الصحيح". ولعل قوله: "إنه هلاك بالرجل ... " إلخ من كلام
стр. 7509
جابر؛ مدرج غير مرفوع. والله أعلم". وقال الهيثمي (٨/ ١٨٠) :
"رواه أحمد، والطبراني في "الأوسط"، وأبو يعلى، وفي إسناد أبي يعلى أبو طالب القاص، ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا"!
قلت: أبو طالب هذا: هو يحيى بن يعقوب بن مدرك بن سعد الأنصاري القاضي؛ خال أبي يوسف؛ كما في "الكنى" للدولابي (٢/ ١٦) ؛ ثم ساق له هذا الحديث من طريق أبي تميلة عنه عن محارب به؛ دون قوله:
"هلاكاً بالقوم ... ".
ويحيى بن يعقوب؛ أورده البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ٢/ ٣١٢-٣١٣) ، وقال:
"منكر الحديث، عداده في الكوفيين".
ورواه عنه ابن عدي في "الكامل" (ق ٤٢٣/ ٢) . وقال الذهبي في كنى "الميزان":
"فيه لين، غمزه أبو أحمد الحاكم".
وأما ابن حبان؛ فأورده في "الثقات"، ومع ذلك قال فيه:
"وكان يخطىء"!
قلت: فلا تطمئن النفس لهذه الزيادة التي زادها على قوله ﷺ : "نعم الإدام الخل".
لا سيما ولم يتفق عليه فيها؛ فهذا أبو تميلة - واسمه يحيى بن واضح
стр. 7510
الأنصاري؛ وهو ثقة - لم يذكرها عنه كما رأيت؛ خلافاً لإبراهيم بن عيينة، وهو صدوق يهم؛ كما في "التقريب"، فإن كان حفظه عن أبي طالب؛ فالعلة منه؛ أعني: أبا طالب، وهو شديد الضعف؛ كما أشار إلى ذلك البخاري في قوله المتقدم فيه:
"منكر الحديث".
وأما أصل الحديث: "نعم الإدام الخل"؛ فقد صح عن جابر وغيره من طرق؛ خرجت بعضها في "الصحيحة" (٢٢٢٠) .
٥٣٩٠ - (رأيت رسول الله ﷺ يكبر أيام التشريق [من صلاة الظهر] حتى يخرج من منى، يكبر في دبر كل صلاة) .
ضعيف جداً
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٧٢٢٩،٧٢٣٠) و "الأوسط" (٧٤١٧) عن سليمان بن داود الشاذكوني: حدثنا عبد الواحد بن عبد الله الأنصاري: حدثنا شرقي بن القطامي عن عمرو بن قيس عن محل بن وداعة عن شريح بن أبرهة قال: ... فذكره. وقال:
"لا يروي هذا الحديث عن شريح بن أبرهة إلا بهذا الإسناد، تفرد به شرقي ابن القطامي".
قلت: وهو ضعيف؛ كما قال الهيثمي (٣/ ٢٦٤) .
وعبد الواحد بن عبد الله الأنصاري؛ لم أعرفه.
لكن الشاذكوني؛ كذبه ابن معين وغيره.
стр. 7511
٥٣٩١ - (من أغلق بابه دون جاره مخافة على أهله وماله؛ فليس ذلك بمؤمن) .
ضعيف جداً
أخرجه الخرائطي في "مساوي الأخلاق" (ق ٣٦/ ١- مصورة الجامعة الإسلامية) من طريق سويد بن عبد العزيز: حدثنا عثمان بن عطاء عن أبيه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره، وزاد:
"وليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه".
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ مسلسل بالعلل:
الأولى: سويد بن عبد العزيز؛ قال الذهبي:
"واه جداً".
الثانية: عثمان بن عطاء - وهو ابن أبي مسلم الخراساني - ضعيف؛ كما قال العسقلاني وغيره.
الثالثة: أبوه عطاء؛ قال الحافظ:
"صدوق، يهم كثيراً، ويرسل ويدلس".
وأما الزيادة؛ فهي صحيحة؛ لورودها من طرق عن جمع من الصحابة، وقد خرجت بعضها في "الصحيحة" تحت الحديث (٥٤٩) .
(تنبيه) : أورد المنذري الحديث في "الترغيب" (٣/ ٢٣٦) بزيادة:
"أتدري ما حق الجار؟ ... " الحديث. وقال:
стр. 7512
"رواه الخرائطي في "مكارم الأخلاق". وأشار إلى ضعفه! والذي رأيته في "مكارم الأخلاق" المطبوعة (ص ٤٠) أوله: "أتدري ... " إلخ؛ ليس في أوله حديث الترجمة، وقد سبق تخريجه برقم (٢٥٨٧) ، وإسنادهما واحد، فلا أدري أوهم المنذري فجعلهما حديثاً واحداً، أم هو رواية في "المكارم" المطبوعة؟! وظني أن فيها خرماً، أو أن المنذري استجاز جعلهما حديثاً واحداً؛ لما رأى وحدة سندهما! والله أعلم.
٥٣٩٢ - (صلاة المرابط تعدل خمس مئة صلاة؛ ونفقة الدينار والدرهم فيه أفضل من سبع مئة دينار ينفقه في غيره) .
ضعيف جداً
أخرجه ابن أبي عاصم في "الجهاد" (١٠١/ ٢) ، والديلمي في "مسند الفردوس" (ص ٢٤٥) من طريق أبي الشيخ، وهذا عن ابن أبي عاصم، والبيهقي في "الشعب" (٤/ ٤٣/ ٤٢٩٥) بسنده عن جميع ابن ثوب عن خالد بن معدان عن أبي أمامة به مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ آفته جميع - بالفتح؛ ويقال: بالضم -؛ وهو ضعيف جداً؛ كما يفيده قول البخاري فيه:
"منكر الحديث".
وكذا قال الدارقطني وغيره. وقال النسائي:
"متروك الحديث".
والحديث؛ أورده المنذري (٢/ ١٥٢) من رواية البيهقي، وأشار إلى تضعيفه، وأتبعه بقوله:
стр. 7513
"وروى أبو الشيخ وغيره من حديث أنس: "إن الصلاة بأرض الرباط بألفي ألف صلاة". وفيه نكارة".
٥٣٩٣ - (إن فيهم - يعني: قريشاً - لخصالاً أربعة (!) : إنهم لأصلح الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة عند مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وأمنعهم من ظلم الملوك) .
منكر
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (رقم ٢٠٧ - نسختي) : حدثنا أحمد بن رشدين قال: أخبرنا عبد الملك بن شعيب بن الليث قال: أخبرنا عبد الله بن وهب قال: أخبرنا الليث بن سعد قال: حدثني موسى بن علي بن رباح عن أبيه قال: قال المستورد الفهري: سمعت رسول الله ﷺ يقول - وذكر قريشاً -: ... فذكره. وقال:
"تفرد به عبد الملك بن شعيب بن الليث".
قلت: هو ثقة من رجال مسلم، وكذلك من فوقه.
لكن الراوي عنه أحمد بن رشدين - وهو أحمد بن محمد بن الحجاج المصري -؛ قال ابن عدي - كما في "الميزان" -:
"كذبوه، وأنكرت عليه أشياء".
ثم ذكر الذهبي أحاديث أنكرت عليه من أباطيله. وكان ينبغي أن يذكر هذا الحديث منها؛ لمخالفة ابن رشدين للإمام مسلم في "صحيحه"؛ فإنه قال (٨/ ١٧٦) : حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث: حدثني عبد الله بن وهب ... فساقه إلى المستورد القرشي قال - عند عمرو بن العاص -: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 7514
"تقوم الساعة والروم أكثر الناس".
فقال له عمرو: أبصر ما تقول! قال: أقول ما سمعت من رسول الله ﷺ .
قال: لئن قلت ذلك؛ إن فيهم لخصالاً أربعاً ... فذكرها؛ كما في حديث الترجمة؛ إلا أنه قال: "لأحلم" مكان: "لأصلح". وزاد: "وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك".
ومن هذا يتبين أن الحديث عند عبد الملك موقوف على عمرو بن العاص، جعله ابن رشدين مرفوعاً من رواية المستورد عن النبي ﷺ أنه قاله في قريش!
وذلك من أكاذيبه أو أخطائه.
وخفي هذا على الهيثمي؛ فقال في "المجمع" (١٠/ ٢٦-٢٧) :
"رواه الطبراني في "الأوسط" عن شيخه أحمد بن رشدين، وهو ضعيف، وبقية رجاله رجال (الصحيح) "!
٥٣٩٤ - (من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في مبلغ بر، أو إدخال سرور؛ رفعه الله في الدرجات العلى من الجنة) (١) .
موضوع
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (رقم - ٣٥١٨) من طريق إدريس ابن يونس الحراني قال: أخبرنا يحيى بن عمر بن صباح قال: حدثنا سليمان بن وهب عن إبراهيم بن أبي عبلة عن خالد بن معدان عن أبي الدرداء مرفوعاً به. وقال:
"لم يروه عن إبراهيم إلا سليمان، ولا عن سليمان إلا يحيى، تفرد به إدريس ابن يونس".
стр. 7515
قلت: قال ابن القطان:
"لا يعرف حاله".
ويحيى بن عمر بن صباح؛ لعله الذي في "الجرح والتعديل" (٤/ ٢/ ١٧٤) :
"يحيى بن عمر الليثي، روى عن العلاء بن عبد الكريم، ومسكين أبي فاطمة، و ... روى عنه عبد الله بن أحمد الدورقي. قال أبي: لا أعرفه".
قلت: ولعل آفة الحديث شيخه سليمان بن وهب؛ فقد أخرجه أبو الفضل بن طاهر في "الكلام على أحاديث الشهاب" من طريق أخرى عنه به؛ قال:
"سليمان بن وهب: هو النخعي. ووهب جده، وهو سليمان بن عمرو".
قلت: وهو معروف بالكذب والوضع، وقد تقدمت له أحاديث.
والحديث؛ سكت عنه المنذري (٣/ ٢٥٢) ثم الهيثمي (٨/ ١٩٢) !
وعزاه الأول لـ "كبير الطبراني" أيضاً.
وقد روي نحوه من حديث عائشة وابن عمر بإسنادين واهيين جداً، وسيأتي تخريجهما برقم (٥٧٧١) .
ثم رأيته في "الترغيب" للأصبهاني (١/ ٤٨٢-٤٨٣) من طريق عبد الوهاب ابن الضحاك: حدثنا إسماعيل بن عياش عن شريح بن عبيد عن أبي الدرداء به.
وعبد الوهاب هذا متروك.
стр. 7516
٥٣٩٥ - (رباط يوم في سبيل الله كصيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطاً؛ جرى عليه عمله الذي كان يعمل، وأمن الفتان، ويبعث يوم القيامة شهيداً) .
منكر بذكر (الشهيد)
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٦١٧٩) : حدثنا بكر بن سهل: حدثنا شعيب بن يحيى عن نافع بن يزيد قال: أخبرني معاوية ابن يزيد بن شرحبيل أن عبد الله بن الوليد مولى المغيرة حدثه أنه سمع ابن أبي زكريا يحدث عن شرحبيل بن السمط:
أنه رأى سلمان الفارسي وهو مرابط بساحل حمص، فقال: ما لك على هذا؟ قال: مرابط. قال سلمان: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ بكر بن سهل ضعيف؛ كما قال النسائي وغيره.
ومعاوية بن يزيد بن شرحبيل، وشيخه عبد الله بن الوليد مولى المغيرة؛ لم أعرفهما.
ولعل الهيثمي أرادهما بقوله في "مجمع الزوائد" (٥/ ٢٩٠) :
"رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم".
وسائر الرواة معروفون.
وابن أبي زكريا اسمه عبد الله الخزاعي، وهو ثقة، وقد توبع كما يأتي.
وفي "الجرح والتعديل" (٤/ ١/ ٣٨٨) :
"معاوية بن يزيد بن أبي الزرقاء البغدادي، روى عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي".
стр. 7517
فيحتمل أن يكون هو ابن شرحبيل؛ فإنه من هذه الطبقة. والله أعلم.
والحديث؛ أخرجه أحمد (٥/ ٤٤٠،٤٤١) من طريقين آخرين عن ابن أبي زكريا به؛ دون قوله:
".. ويبعث يوم القيامة شهيداً".
فهي زيادة منكرة؛ لتفرد الطبراني بها في هذا الطريق المظلم.
ومما يؤكد ذلك: أنه تابعه جمع من الثقات عن شرحبيل بن السمط به؛ دون الزيادة.
أخرجه مسلم (٦/ ٥١) ، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٣/ ١٠١-١٠٢) ، والحاكم (٢/ ٨٠) ، والطبراني أيضاً (٦١٧٧،٦١٧٨،٦١٨٠) .
ثم رواه الطبراني (٦٠٧٧،٦١٣٤) من طريقين آخرين عن سلمان به نحوه، دون الزيادة؛ فهي زيادة باطلة.
٥٣٩٦ - (يقول الله : من عادى لي ولياً؛ فقد ناصبني بالمحاربة، وما ترددت عن شيء أنا فاعله؛ كترددي عن الموت المؤمن؛ يكره الموت وأكره مساءته.
وربما سألني وليي المؤمن الغنى؛ فأصرفه من الغنى إلى الفقر، ولو صرفته إلى الغنى؛ لكان شراً له.
إن الله قال: وعزتي، وجلالي، وعلوي، وبهائي، وجمالي؛ وارتفاع مكاني! لا يؤثر عبد هواي على هوى نفسه؛ إلا أثبت أجله عند
стр. 7518
بصره، وضمنت السماء والأرض رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر) (١) .
ضعيف جداً
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢٧١٩) : حدثنا عبيد بن كثير التمار: حدثنا محمد بن الجنيد: حدثنا عياض بن سعيد الثمالي عن عيسى بن مسلم القرشي عن عمرو بن عبد الله بن هند الجملي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً مظلم؛ فإن ما بين ابن عباس والشيخ التمار؛ لم أجد لهم ترجمة، وقال الهيثمي (١٠/ ٢٧٠) :
"رواه الطبراني، وفيه جماعة لم أعرفهم".
قلت: الشيخ التمار متروك الحديث؛ كما قال الأزدي والدارقطني. وقال ابن حبان:
"أدخلت عليه نسخة مقلوبة".
قلت: فهو آفة الحديث؛ فما كان للهيثمي أن يغفل عنه!
٥٣٩٧ - (يا جارية! هذه صفة المؤمنين حقاً، لو كان أبوك (يعني: حاتماً الطائي) مسلماً؛ لترحمنا عليه! خلوا عنها؛ فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، والله يحب مكارم الأخلاق) .
موضوع
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (باب وفد طيىء - من المجلد الثاني - مخطوطة الأوقاف الحلبية) ، وعنه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤/
стр. 7519
٣٢/ ١ و ١٩/ ٢٢٣/ ١) عن أبي سعيد عبيد بن كثير بن عبد الواحد الكوفي: حدثنا ضرار بن صرد قال: حدثنا عاصم بن حميد عن أبي حمزة الثمالي عن عبد الرحمن بن جندب عن كميل بن زياد النخعي قال: قال علي ابن أبي طالب:
لما أتي بسبايا طيىء وقفت جارية [حمراء، لعساء، دلفاء، عيطاء، شماء الأنف، معتدلة القامة والهامة، درماء الكعبين، خدلة الساقين، لفاء الفخذين؛ خميصة الخصرين، ضامرة الكشحين، مصقولة المتنين.
قال: فلما رأيتها أعجبت بها، وقلت: لأطلبن إلى رسول الله [أن] يجعلها في فيئي، فلما تكلمت؛ أنسيت جمالها من فصاحتها] (١) ؛ فقالت: يا محمد! إن رأيت أن تخلي عنا، ولا تشمت بنا أحياء العرب؛ فإني ابنة سيد قومي، وإن أبي كان يحمي الذمار، ويفك العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويقري الضيف، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يرد طالب حاجة قط! أنبأنا ابنة حاتم طيىء. فقال النبي ﷺ : ... فذكره.
فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله! تحب مكارم الأخلاق؟ فقال رسول الله ﷺ :
"والذي نفسي بيده! لا يدخل أحد الجنة إلا بحسن الخلق".
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً، وله علل:
الأولى: جهالة عبد الرحمن بن جندب؛ أورده الحافظ في "اللسان"، وقال:
стр. 7520
"مجهول".
الثانية: أبو حمزة الثمالي - واسمه ثابت بن أبي صفية -؛ قال الحافظ في "التقريب":
"ضعيف رافضي".
الثالثة: ضرار بن صرد؛ قال الحافظ:
"صدوق له أوهام".
الرابعة: عبيد بن كثير - وهو التمار، شيخ الطبراني في الحديث المتقدم قبله -، وهو ضعيف جداً كما عرفته.
وقد أشار إلى ذلك الحافظ ابن كثير بقوله عقب الحديث:
"هذا حديث حسن المتن، غريب الإسناد جداً، عزيز المخرج"!
وأما تحسينه لمتنه؛ فالظاهر أنه يعني: الحسن اللغوي، لا الاصطلاحي؛ أي: من حيث المعنى، ولعله عنى المقدار المرفوع منه فقط، وإلا؛ فيد الصنع والوضع ظاهرة فيه عندي، لا سيما في وصف علي ﵁ للجارية، كما لو كان رآها عارية أمام النبي ﷺ ! وإلا؛ فمن أين له أن يصفها بقوله:
(خدلة الساقين) ؛ أي: ممتلئة الساقين؟! بل قوله:
(لفاء الفخذين) ؛ أي: سمينتهما، بحيث تدانيا من السمن؟! وقوله:
(خميصة الخصرين) ؛ أي: ضامرة الخصرين؟! وقوله:
(ضامرة الكشحين) ؛ وكأنه تفسير لما قبله؛ فإن الكشح ما بين الخاصرة
стр. 7521
والضلوع؟! وقوله:
(مصقولة المتنين) ؛ أي: ناعمة المنكبين؟!
ومعنى (حمراء) : البيضاء أو الشقراء، ومنه الحديث الموضوع:
"خذوا نصف دينكم عن الحميراء"؟! وقوله:
(لعساء) ؛ أي: باطن شفتها أسود؟! وقوله:
(دلفاء) ؛ أي: تمشي رويداً، وتقارب الخطى من سمنها؟! وقوله:
(عيطاء) ؛ أي: طويلة العنق؟! وقوله:
(درماء الكعبين) ؛ أي: غطاهما اللحم والشحم، حتى لم يبن لهما حجم؟!
ثم رأيت الحافظ ابن حجر قد ساق الحديث في "تخريج المختصر" (ق ٤٥/ ١-٢) من طريق البيهقي به؛ واقتصر على تضعيفه بقوله:
"هذا حديث غريب، أخرجه الحاكم في "الإكليل" هكذا، والبيهقي في "الدلائل" من طريقه ... "!
ولم يبين علله!!
٥٣٩٨ - (إذا رأيت من أخيك ثلاث خصال؛ فارجه: الحياء، والأمانة، والصدق. وإذا لم ترها منه؛ فلا ترجه) .
ضعيف جداً
أخرجه ابن عدي في مقدمة "الكامل" (ص ٢٥٢ - طبع بغداد) من طريق أبي زهير قال: حدثنا رشدين بن كريب عن أبيه عن ابن عباس مرفوعاً. وقال:
стр. 7522
"لم نكتبه إلا بهذا الإسناد".
قلت: وهو ضعيف جداً؛ رشدين هذا؛ قال أحمد، والبخاري:
"منكر الحديث".
وضعفه جماعة. وقال ابن حبان في "المجروحين" (١/ ٣٠٢) :
"كثير المناكير، يروي عن أبيه أشياء ليست حديث الأثبات عنه، كان الغالب عليه الوهم والخطأ".
والحديث؛ عزاه السيوطي في "الجامع الصغير" للديلمي أيضاً.
وقد ذكر المعلق على "ابن عدي" - الأستاذ السامرائي - أنه في "مسند الفردوس" (مخطوط ورقة ٢٣ - تسديد القوس) .
ونقل عن العلائي أنه قال في رشدين: "ضعيف". لكن وقع في نقله: (راشد) ، وكذلك وقع في المقدمة! وهو من الأخطاء المطبعية الكثيرة والكثيرة جداً، التي وقعت في مطبوعته هذه، والظاهر أنه لم يقم هو بنفسه على تصحيح تجاربها. والله أعلم.
٥٣٩٩ - (يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى ... فيما أحسب) (١) .
شاذ
أخرجه مسلم (٨/ ١٠٥) من طريق شداد أبي طلحة الراسبي عن
стр. 7523
غيلان بن جرير عن أبي بردة عن النبي ﷺ قال: ... فذكره. قال أبو روح: لا أدري ممن الشك؟!
أورده شاهداً لما ساقه من قبل من ثلاثة طرق عن أبي بردة بلفظ:
"إذا كان يوم القيامة؛ دفع الله إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً، فيقول: هذا فكاكك من النار".
هذا لفظ طلحة بن يحيى عن أبي بردة. ولفظ عون وسعيد بن أبي بردة:
"لا يموت رجل إلا أدخل الله مكانه النار يهودياً أو نصرانياً".
قلت: وهذا أخرجه أحمد (٤/ ٣٩١،٣٩٨) - عنهما -، والطيالسي (٤٩٩) - عن سعيد وحده -. وتابعهما عمارة القرشي: عند أحمد (٤/ ٤٠٧) .
وأما لفظ طلحة بن يحيى؛ فأخرجه أحمد أيضاً (٤/ ٤١٠) ، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ٨٠) .
وقد تابعه عليه بريد - وهو ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري -: عند أحمد (٤/ ٤٠٢) .
وتابعه أيضاً محمد بن المنكدر، ومعاوية بن إسحاق: عنده (٤/ ٤٠٧-٤٠٨) .
وعبد الملك بن عمير: عند ابن عساكر بنحوه، وتقدم لفظه في "الصحيحة" برقم (١٣٨١) .
قلت: وطلحة بن يحيى وإن كان فيه كلام من قبل حفظه؛ حتى قال الحافظ فيه:
"صدوق يخطىء"!
стр. 7524
فحديثه قوي بهذه المتابعات الكثيرة، لا سيما وله شاهد من حديث أنس، ذكرته تحت الرقم المذكور، فالحديث بهذين اللفظين صحيح.
وأما اللفظ الأول؛ فهو منكر أو شاذ على الأقل؛ لأنه تفرد به الراسبي، وهو وإن كان وثقه أحمد وغيره؛ فقد ضعفه شيخه عبد الصمد بن عبد الوارث. وقال العقيلي:
"له غير حديث لا يتابع عليه". وقال ابن حبان:
"ربما أخطأ". وقال الدارقطني:
"يعتبر به". وقال الحاكم أبو أحمد:
"ليس بالقوي عندهم".
قلت: فهذه الأقوال تدل على أن الرجل لم يكن قوياً في حفظه، وإن كان صدوقاً في نفسه. ولذلك؛ لم يخرج له مسلم إلا في الشواهد؛ كهذا الحديث. وقال الحافظ في "التقريب":
"صدوق يخطىء" (١) .
فمثله حديثه مرشح للتقوية بالشاهد والمتابعة، أو للضعف بالمخالفة كحديث الترجمة.
وبها أعله البيهقي، فقال في "شعب الإيمان" (١/ ٢٦٦-٢٦٧) - بعد أن
стр. 7525
ساق الحديث الصحيح من الطرق الثلاث عند مسلم وأتبعه بحديث الترجمة -:
"فهذا حديث شك فيه [بعض] رواته، وشداد أبو طلحة ممن تكلم أهل العلم بالحديث فيه، وإن كان مسلم استشهد به في كتابه؛ فليس هو ممن يقبل منه ما يخالف فيه، والذين خالفوه في لفظ الحديث عدد، وهو واحد، وكل واحد ممن خالفه أحفظ منه، فلا معنى للاشتغال بتأويل ما رواه، مع خلاف ظاهر ما رواه الأصول الصحيحة الممهدة في أن لا تزر وازرة وزر أخرى. والله أعلم".
قلت: وهذا منه ﵀ في غاية التحقيق، وإليه يرجع الفضل في تنبهي لهذه العلة، بعد أن كنت أوردت الحديث في "صحيح الجامع" برقم (٧٨٩١) اعتماداً مني على الإمام مسلم، وليس بتحقيقي؛ اتباعاً للقاعدة الغالبة: أن ما أخرجه الشيخان أو أحدهما؛ فقد جاوز القنطرة، لا سيما والعمر أقصر، والوقت أضيق من التوجه إلى نقد "الصحيحين"؛ للتعرف على الأحاديث القليلة التي يمكن أن تكون معلولة عند العارفين بهذا العلم. بينما مجال نقد أحاديث غيرهما من كتب السنة واسع جداً.
وهذا ما جريت عليه في كل مؤلفاتي؛ إلا في بعض الأحوال النادرة، مما جرني إليه البحث والتحقيق، أو نبهني على ذلك بعض من سبقني من أهل العلم والتوفيق، كهذا الحديث، والحمد لله وحده.
من أجل ذلك - وتعاوناً على البر والتقوى - أرجو من كل من كان عنده نسخة من "ضعيف الجامع الصغير" أن ينقل إليه هذا الحديث، والله تعالى أسأل أن يغفر لنا خطايانا، وأن لا يؤاخذنا بما نسينا أو أخطأنا؛ إنه سميع مجيب!
هذا؛ وممن لم يتنبه لعلة هذا الحديث الإمام النووي ﵀؛ فإنه تأوله
стр. 7526
توفيقاً بينه وبين الأصول التي أشار إليها البيهقي رحمه الله تعالى؛ ولا حاجة إلى ذلك كما سبق.
وأما كون الكافر في النار مكان المسلم فيها. وفكاكاً له منها؛ فقد جاء بيانه في قوله ﷺ :
"ما منكم من أحد إلا له منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار؛ ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى: (أولئك هم الوارثون) ".
وهو مخرج في "الصحيحة" (٢٢٧٩) .
ونحوه في "صحيح البخاري" (٦٥٦٩) ، وهو من حديث أبي هريرة.
وبه احتج البيهقي على ما ذكرنا من المعنى، فقال عقبه:
"ويشبه أن يكون هذا الحديث تفسيراً لحديث الفداء، فالكافر إذا أورث على المؤمن مقعده من الجنة، والمؤمن إذا أورث على الكافر مقعده من النار؛ يصير في التقدير كأنه فدى المؤمن بالكافر. والله أعلم".
ونحوه في "شرح مسلم" للنووي؛ فراجعه إن شئت.
(فائدة) : قد أطال الإمام البخاري الكلام في إعلال حديث الفداء الصحيح هذا بذكر طرقه عن أبي بردة عن أبيه - وقد ذكرت آنفاً بعضها -، ثم ختم ذلك بقوله (١/ ١/ ٣٧-٣٩) :
"والخبر عن النبي ﷺ في الشفاعة، وأن قوماً يعذبون ثم يخرجون: أكثر وأبين وأشهر"!
стр. 7527
ولست أرى فيما ذكره ما يصح أن يعل الحديث به؛ لأنه ليس صريحاً في نفي العذاب عن كل مؤمن، حتى على الرواية التي صدر بها كلامه بلفظ:
إن أمتي أمة مرحومة، جعل عذابها بأيديها في الدنيا"، وقد خرجته في "الصحيحة" (٩٥٩) ! ولذلك؛ قال البيهقي في الرد عليه - بعد أن ذكر خلاصة كلامه -:
"والحديث قد صح عند مسلم وغيره ﵏ من الأوجه التي أشرنا إليها وغيرها، ووجهه ما ذكرناه، وذلك لا ينافي حديث الشفاعة؛ فإن حديث الفداء - وإن ورد مورد العموم في كل مؤمن - فيحتمل أن يكون المراد به كل مؤمن قد صارت ذنوبه مكفرة بما أصابه من البلايا في حياته، ففي بعض ألفاظه:
"إن أمتي أمة مرحومة، جعل الله عذابها بأيديها، فإذا كان يوم القيامة؛ دفع الله إلى رجل من المسلمين رجلاً من أهل الأديان؛ فكان فداءه من النار". وحديث الشفاعة يكون فيمن لم تصر ذنوبه مكفرة في حياته. ويحتمل أن يكون هذا القول لهم في حديث الفداء بعد الشفاعة. والله أعلم".
٥٤٠٠ - (شهر رمضان شهر أمتي، ترمض فيه ذنوبهم، فإذا صامه عبد مسلم، ولم يكذب، ولم يغتب، وفطره طيب؛ خرج من ذنوبه كما تخرج الحية من سلخها) .
ضعيف جداً
أخرجه الديلمي في "مسند الفردوس" (ص ٢٢٨) عن الحاكم معلقاً عليه بسنده إلى عصام بن طليق عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً به.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً، وفيه علتان:
стр. 7528
الأولى: أبو هارون العبدي متروك، وتقدم مراراً.
والأخرى: عصام بن طليق، وهو ضعيف؛ كما في "التقريب". وقال ابن معين:
"ليس بشيء".
والحديث؛ أورده المنذري في "الترغيب" من رواية أبي الشيخ، وأشار إلى تضعيفه، ولفظه:
"إن شهر رمضان شهر أمتي، يمرض مريضهم فيعودونه، فإذا صام مسلم لم يكذب، ولم يغتب، وفطره طيب، سعى إلى العتمات محافظاً على فرائضه؛ خرج من ذنوبه كما تخرج الحية من سلخها".
وتعقبه الحافظ إبراهيم الناجي في "عجالة الإملاء" (١٢٤/ ١) بما خلاصته: أن عزوه لأبي الشيخ وهم، وإنما هو في "مسند الفردوس" وغيره.
قلت: قد سقت الحديث بلفظ "المسند". وبمقابلته باللفظ المعزو لأبي الشيخ؛ يظهر أن بينهما فرقاً جلياً؛ فإن في كل منهما من الزيادة ما ليس في الآخر، فإن ثبت الوهم - وهذا ما أستبعده -؛ فهو وهم في المتن أيضاً. والله أعلم.
ثم وجدت للحديث طريقاً أخرى؛ يرويه محمد بن إبراهيم بن العلاء الشامي: حدثنا الوليد بن مسلم الدمشقي عن عمرو بن محمد الأصبهاني عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري به. وقال: ... الحديث بطوله.
أخرجه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ٢٨) في ترجمة (عمرو بن محمد الأصبهاني) ، وقال:
стр. 7529
"يروي عن زيد بن أسلم، وأراه صحفه بعض الرواة، وهو عندي (عمر بن محمد بن صبهان) ".
قلت: وهذا؛ قال الذهبي في "المغني":
"ساقط. قال أبو زرعة: واه".
والآفة: من الراوي عنه (محمد بن إبراهيم الشامي) ؛ فإنه كذاب؛ كما قال الدارقطني، ولعله الذي صحف اسم شيخ شيخه عمداً! وقال الحاكم:
"روى عن الوليد بن مسلم وسويد بن عبد العزيز أحاديث موضوعة". وقال ابن حبان:
"يضع الحديث على الشاميين".
ورأيت الحديث في "الدر المنثور" (١/ ١٨٨) برواية أبي الشيخ مثل لفظ "الترغيب"؛ ومن الظاهر أنه نقله منه!
٥٤٠١ - (يا جبريل! ما لي أراك متغير اللون؟! فقال:
ما جئتك حتى أمر الله بمفاتيح النار. فقال رسول الله ﷺ :
يا جبريل! صف لي النار، وانعت لي جهنم! فقال جبريل:
إن الله ﵎ أمر بجهنم فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداءً مظلمة، لا يضيء شررها، ولا يطفأ لهبها.
стр. 7530
والذي بعثك بالحق! لو أن قدر ثقب إبرة فتح من جهنم؛ لمات من في الأرض كلهم جميعاً من حره. والذي بعثك بالحق! لو أن ثوباً من ثياب النار علق بين السماء والأرض؛ لمات من في الأرض جميعاً من حره. والذي بعثك بالحق! لو أن خازناً من خزنة جهنم برز إلى أهل الدنيا، فنظروا إليه؛ لمات من في الأرض كلهم من قبح وجهه ومن نتن ريحه. والذي بعثك بالحق! لو أن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا؛ لا رفضت وما تقارت حتى تنتهي إلى السفلى. فقال رسول الله ﷺ :
حسبي يا جبريل! لا ينصدع قلبي فأموت. قال: فنظر رسول الله ﷺ إلى جبريل وهو يبكي. فقال:
تبكي يا جبريل وأنت من الله بالمكان الذي أنت به؟! قال:
وما لي لا أبكي! أن أحق بالبكاء؛ لعلي أكون في علم الله على غير الحال التي أنا عليها، وما أدري لعلي أبتلى بمثل ما ابتلي به إبليس؛ فقد كان من الملائكة. وما يدريني لعلي أبتلى بمثل ما ابتلي به هاروت وماروت. قال: فبكى رسول الله ﷺ ، وبكى جبريل ﵇، فما زالا يبكيان حتى نوديا أن: يا جبريل! ويا محمد! إن الله قد أمنكما أن تعصياه.
فارتفع جبريل ﵇، وخرج رسول الله ﷺ ؛ فمر بقوم من الأنصار يضحكون ويلعبون؛ فقال: