روي عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن شنبوذ وغيره، كتب في القراءات، وتكلم الناس في رواياته. . .) .
لكن من الممكن الجمع بين هذه الترجمة والتي قبلها بأن يقال: لعل إبراهيم الجد هنا، ويوسف الجد هناك، إنما هذا أو ذاك الجد الأعلى.
ويبدو أن الذهبي يرى هذا، فقد أورده في (الميزان) - كما في هذه الترجمة -، ولخص فيها كلام الخطيب، ثم قال:
(وقال الخطيب في ترجمته: خرج عن بغداد) . فذكر خلاصة ما في الترجمة الأولى. ثم أعاده بعد ثلاث تراجم، فقال:
(محمد بن أحمد بن يوسف أبو الطيب البغدادي غلام ابن شنبوذ. زعم أنه قرأ على إدريس بن عبد الكريم، وروى عنه حديثاً باطلاً بإسناد ما فيهم متهم! فالآفة هو. روي عنه أبو نعيم) .
فتعقبه الحافظ في (اللسان) ، فقال:
(وقد كرره المؤلف سهواً، وهو محمد بن أحمد المقرئ المذكور قبل قليل، والحديث الذي أشار إليه، أورده الخطيب في ترجمته قال. . .) .
قلت: فساق الحديث كما تقدم نقلنا عنه.
ثم رأيت أبا نعيم قد أعاد ذكر شيخه أبا الطيب هذا في (المحمدين) ، فقال (٢ / ٢٨٨) :
(محمد بن أحمد بن يوسف بن جعفر البصري أبو الطيب المقرئ، نزيل بغداد، قدم علينا قبل الخمسين، وسماعي منه سنة تسع وأربعين وثلاث مئة) .
стр. 7947
فغلب على الظن أن هذا هو الصواب في اسمه: (محمد بن أحمد) . وأن إيراد أبي نعيم إياه في (الأحمدين) وهم، لعل سببه أنه سقط من كتابه أو حفظه اسم (محمد) ، ولذلك، لم يترجموه في (الأحمدين) . والله أعلم.
وجملة القول، أن علة هذا الحديث إنما هو محمد بن أحمد هذا.
٥٥٩٧ - (تحدثن عند إحداكن ما بدا لكن، حتى إذا أردتن النوم، فلتؤب كل امرأة إلى بيتها) .
ضعيف. أخرجه عبد الرزاق في (المصنف) (٧ / ٣٦ / ١٢٠٧٧) عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير قال: قال مجاهد:
استشهد رجال يوم أحد، فام نساؤهم، وكن متجاورات في دار، فجئن النبي ﷺ فقلن: إنا نستوحش يا رسول الله! بالليل، فنبيت عند إحدانا، حتى إذا أصبحنا تبددنا [إلى] بيوتنا. فقال النبي ﷺ :. . . فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات، ولكنه مرسل.
وابن جريج مدلس وقد عنعنه. لكنه صرح بالتحديث في رواية عبد المجيد عنه: أخبرني إسماعيل بن كثير عن مجاهد به.
كذا قال: (إسماعيل بن كثير) مكان (عبد الله بن كثير) ، وكلاهما ثقة، لكن عبد المجيد - وهو ابن عبد العزيز ابن أبي رواد - فيه ضعف، قال الحافظ:
(صدوق يخطئ، وكان مرجئا، أفرط ابن حبان فقال: متروك) .
أخرجه البيهقي (٧ / ٢٣٦) ، ومنه صححت بعض الأخطاء وقعت في رواية
стр. 7948
(المصنف) .
(تنبيه) : لقد أعل ابن القيم في (زاد المعاد) (٣ / ٣١٦) الحديث بالإرسال، لكنه مال إلى تقويته، فقال:
(وهذا وإن كان مرسلا، فالظاهر أن مجاهداً إما أن يكون سمعه من تابعي ثقة، أو من صحابي، والتابعون لم يكن الكذب معروفاً فيهم. . .) إلخ.
قلت: وهذا مردود باتفاق علماء الحديث في (المصطلح) : أن الحديث المرسل من أقسام الحديث الضعيف. وما ذاك إلا لاحتمال أن يكون بين التابعي الثقة وبين النبي ﷺ تابعي واحد أو أكثر، واحتمال أن يكون الواسطة مجهولاً أو ضعيف الحفظ، وليس من الضروري ليكون حديث التابعي ضعيفاً أن يكون متهماً كما لا يخفى، ولذلك، فما استظهره غير ظاهر، بل هو من نمط تقويته لحديث الحسن البصري عن عمر مرفوعاً:
(لو لبث أهل النار عدد رمل عالج، لكان لهم يوم يخرجون فيه) .
وقد مضى الرد عليه تحت الحديث (٦٠٧) في المجلد الثاني (صفحة ٧٣) .
ثم إن في متن سبب الحديث نكارة عندي، وهو ما ذكرته النسوة من الوحشة، وبناء على ذلك جاء الإذن بخروجهن عند إحداهن، وقد صح في حديث فريعة المعروف في (السنن) أنه ﷺ نهاها عن الخروج، وقال لها:
(امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله) .
وهو مخرج في الإرواء (٢١٤١) .
وفي رواية لعبد الرزاق (١٢٠٧٦) ، والطبراني في الكبير (٢٤ / ٤٤٢ /
стр. 7949
١٠٨١) : أنها ذكرت نفس الشكوى: الوحشة، وأشياء أخرى، ومع ذلك أمرها أن لا تخرج من بيتها.
(تنبيه هام) : كنت ذهبت في الإرواء إلى أن إسناد حديث فريعة ضعيف، ثم بدا لي أنه صحيح بعد أن اطلعت على كلام ابن القيم فيه، وتحقيق أنه صحيح، بما لم أره لغيره جزاه الله خيراً، وازددت قناعة حين علمت أنه صححه مع الترمذي ابن الجارود وابن حبان والحاكم والذهبي، ومن قبلهم محمد بن يحيي الذهلي الحافظ الثقة الجليل، وأقرهم الحافظ في (بلوغ المرام) ، والحافظ ابن كثير في (التفسير) ، واستعمله أكثر فقهاء الأمصار، كما قال ابن عبد البر في (الاستيعاب) ، ومنهم بعض الصحابة كابن عمر، قال:
(لا تخرج المتوفى عنها في عدتها من بيت زوجها) .
أخرجه عبد الرزاق (٧ / ٣١ / ١٢٠٦٢) بإسناد (الصحيحين) . وقد صح غيره خلافه.
ولكن مما لا شك فيه أن الآثار إذا اختلفت عنهم، فالأولى بالترجيح ما كان موافقاً للحديث، ولا سيما إذا أنكر على المخالف في زمانهم.
فقد روي عبد الرزاق أيضاً (٧ / ٣٠ / ١٢٠٥٥) ، والبيهقي (٧ / ٤٣٦) من طريقين صحيحين عن القاسم بن محمد:
أن عائشة ﵂ كانت تخرج المرأة وهي في عدتهها من وفاة زوجها. قال: فأبى ذلك الناس، إلا خلافها، فلا نأخذ بقولها وندع قول الناس!
والقاسم بن محمد، هو ابن أبي بكر الصديق ﵁، أحد الفقهاء
стр. 7950
بالمدينة، وعائشة خالته، ومع ذلك لم يأخذ بقولها، لمخالفتها لقول الناس، وإنما هم أصحاب النبي ﷺ كما هو ظاهر. والله أعلم.
٥٥٩٨ - (كان يقول في دبر الصلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، [وهو حي لا يموت، بيده الخير] ، وهو على كل شئ قدير، [ثلاث مرات] ) .
شاذ بالزيادتين، وصحيح جداً بدونهما. وإليك البيان:
لقد جاء الحديث في (الصحيحين) والسنن والمسانيد، من رواية وراد كاتب المغيرة، من طرق كثيرة جداً عنه عن المغيرة بن شعبة مرفوعاً، ليس في أكثرها الزيادتان، وإنما شذ بعض الرواة بذكرهما في بعض الطرق، خلافاً لأكثر الثقات فيها، وهاك رواتها:
الأول: عبد الملك بن عمير بن رواد.
أخرجه البخاري (٢ / ٣٣٥ و ١٣ / ٢٦٤ - فتح) ، ومسلم (٢ / ٩٦) ، وأبو عوانة (٢ / ٦٥) ، والدرامي (١ / ٣١١) ، وابن خزيمة في (صحيحه) (١ / ٣٦٥) ، والبيهقي (٢ / ١٨٥) ، وأحمد (٥ / ٢٥١) ، والحميدي (رقم ٧٦٢) ، وعبد بن حميد (٥٤ / ١) ، وابن السني في (عمل اليوم والليلة) (رقم ١١٢) ، والطبراني في (المعجم الكبير) (٢٠ / ٣٨٦، ٣٨٧، ٣٨٨، ٣٨٩) ، والبغوي في (شرح السنة) (٣ / ٢٢٥) ، والطبراني في (الدعاء) (ق ٧٧ / ٢ - ٨٠ / ١) ، وكذا النسائي (١ / ١٩٧) لكن وقع فيه (عبد الملك بن أعين) ! وهو خطأ، أخرجوه من طرق عنه، دون الزيادة.
стр. 7951
الثاني: المسيب بن رافع عن وارد.
أخرجه البخاري (١١ / ١٣٣) ، ومسلم (٢ / ٩٥) ، وأبو عوانة (٢ / ٢٦٥) ، وأبو داود (١٥٠٤) و (رقم ١٣٤٩ - صحيحه) ، والنسائي أيضاً وابن أبي شيبة في المصنف (١٠ / ٢٣١) ، والبيهقي في السنن الكبرى (٢ / ١٨٥) ، وأحمد (٤ / ٢٥٠) ، وعبد الحميد أيضاً في الكبير (٢٠ / ٣٨٦، ٣٨٩، ٣٩٢) وفي الدعاء (ق٧٩ / ٢ - ٨٠ / ٢) من طرق عنه.
الثالث: عامر الشعبي عنه
أخرجه البخاري (١١ / ٣٠٦) ، والنسائي أيضاً وابن خزيمة وأحمد (٤ / ٢٥٠، ٢٥٤) ، والطبراني في الكبير (٢٠ / ٣٨٢، ٣٨٣، ٣٨٤) وفي المعجم الأوسط أيضاً (١ / ٢١٥ / ٢ رقم ٣٨٦٣) والدعاء (ق٧٧ / ١) من طرق عنه.
الرابع: عبدة بن أبي لبابة عنه.
أخرجه البخاري (١١ / ٥١٢) ، ومسلم أيضاً وأبو عوانة والنسائي وابن خزيمة وعبد الرزاق في المصنف (٢ / ٢٤٤) ، وأحمد (٤ / ٣٤٥، ٢٥١، ٢٥٥) ، والحميدي أيضاً وابن السني (١١٢) ، والطبراني في الكبير (٢٠ / ٣٨٨، ٣٩١، ٣٩٣) والدعاء (٨٠ / ١ و٨١ / ١) من طرق عنه.
الخامس: أبو سعيد - وقد اختلف في اسمه.
أخرجه مسلم وأبو عوانة وأحمد (٤ / ٢٤٧) ، والطبراني (٢٠ / ٣٩٤ - ٣٩٥) والدعاء (ق٧٩ / ٢) من طريق ابن عون عنه.
стр. 7952
السادس والسابع والثامن والتاسع: سليم بن عبد الرحمن النخعي، ومكحول، وعبد ربه، ورجاء بن حيوة.
أخرجه عنهم الطبراني في الكبير (٢٠ / ٣٩٣٩، ٣٩٤، ٣٩٥، ٣٩٦) والدعاء (٨٠ / ٢ - ٨١ / ١) .
قلت: وكل هؤلاء الرواة التسعة لم ترج عنهم الزيادتان المذكورتان إلا في بعض الروايات عنهم؛ فالأولى جاءت عن المسيب بن رافع والأخرى عن الشعبي لكن الرواة عنهما لم يتفقوا عليهما؛ بل إن أكثرهم لم يذكرهما، فلا بد - إذن - من تحرير القول في ذلك إن شاء الله تعالى.
أما الزيادة الأولى فمدارها على منصور - وهو ابن المعتمر؛ تفرد بها عنه شيبان، وهو ابن عبد الرحمن النحوي - وهو ثقة من رجال الشيخين.
أخرجه الطبراني (٢٠ / ٣٩٢ / ٩٦٢) .
وبقية رجاله ثقات حفاظ، وقال الحافظ في فتح الباري (٢ / ٣٣٢) : ورواته موثقون.
ولست أدري لم عدل عن قوله: ثقات إلى قوله (موثقون) ؟ ! إلا أن يكون أشار بذلك إلى مخالفة النحوي للثقات، ولاسيما وقد قال فيه الساجي: (صدوق، وعنده مناكير) .
فإن مثل هذا القول - وإن كان ظاهره مخالفاً لقول الجمهور الذين وثقوه فإنه - مما يستفاد منه في مثل ما نحن فيه من مخالفته للثقات الآخرين، وهم:
стр. 7953
١ - جرير بن عبد الحميد.
عند البخاري ومسلم والنسائي والبيهقي.
٢ - شعبة بن الحجاج.
عند أحمد (٤ / ٢٥٠) ، والطبراني (٢٠ / ٣٨٦ / ٩٠٦، ٣٩٢ / ٩٢٨) .
٣ - زائدة بن قدامة.
عند عبد بن حميد.
٤ - وجعفر بن الحارث النخعي.
عند الطبراني (٣٩٢ / ٩٢٧) .
كل هؤلاء الثقات - وفيهم شعبة؛ أمير المؤمنين في الحديث - رووه عن منصور دون الزيادة، فلا شك أن اجتماعهم على تركها دليل على شذوذها فما بالك إذا علمت أن الأعمش قد تابع منصوراً في روايته عن المسيب دونها؟ !
أخرجه مسلم وأبو عوانة وأبو داود والبيهقي وابن أبي شيبة والطبراني (٢٠ / ٣٨٩ / ٩٢٠، ٣٩٢ / ٩٢٥) .
ثم هل بقي ريب في شذوذها إذا تذكرت أن سائر الرواة الثمانية الذي تابعوا المسيب في روايته عن وراد لم يذكروها! ! اللهم إلا ما في رواية ابن السني من طريق سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير وعبدة بن أبي لبابة: سمعاً ورّاداً به، فزاد: (بيده الخير) . ولكنها شاذة أيضاً؛ لوجوه:
стр. 7954
الأول: أن ابن السني روى عن شيخه أبي خليفة: حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي: حدثنا سفيان بن عيينة به.
حدثنا أبو مسلم الكشي وأبو خليفة قالا: ثنا إبراهيم بن بشار الرمادي به؛ دون الزيادة.
وهذا أصح؛ لأن الطبراني أحفظ من ابن السني؛ ولأنه قرن مع أبي خليفة الكشي، واثنان أحفظ من واحد.
الثاني: أن الرمادي - مع حفظه - له أوهام؛ كما في (التقريب) .
وقد خالف الحفاظ الأئمة: أحمد والحميدي؛ فقالا: ثنا سفيان به؛ دون الزيادة.
وكذلك أخرجه أبو عوانة والنسائي وغيرهما من طرق أخرى عن سفيان به.
الثالث: أنه خالف جميع روايات الثقات المتقدمة عن وراد.
فثبت مما تقدم أن الزيادة الأولى شاذة لا تثبت.
وأما الزيادة الأخرى: (ثلاث مرات) ؛ فقد تفرد بها هشيم بإسناد له غريب:
فقال أحمد (٤ / ٢٥٠) : ثنا هشيم: أنا غير واحد؛ منهم مغيرة عن الشعبي عن وراد به.
وهكذا أخرجه النسائي (١ / ١٩٧) من طريقين آخرين عنه به.
стр. 7955
وابن خزيمة (١ / ٣٦٥ / ٧٤٢) عن روايتين عنه به؛ إلا أنه قال:
(منهم المغيرة ومجال ورجل ثالث) .
وهكذا رواه البخاري (١١ / ٣٠٦ / ٦٤٧٣) من طريق أخرى عن هشيم به؛ إلا أنه لم يسم مجالداً فقال:
(. . . وفلان. . .) ؛ لكن لم يذكر الزيادة؛ لكنها جاءت في نسخة الصّغاني كما في (الفتح ((١١ / ٣٠٧) ، وهي في المطبعة الإستنبولية (٧ / ١٨٤) .
ورواه الطبراني في (الكبير) (٢٠ / ٣٨٣ / ٨٩٧) و (الأوسط) (١ / ٢١٥ / ٢ / ٣٨٦٣) من طريق الحسن بن علي بن راشد الواسطي: ثنا هشيم به؛ لكنه قال:
(عن مغيرة وزكريا واسماعيل ومجالد) : فذكر ولم يذكر الزيادة.
والحسن المذكور؛ ثقة؛ كما في (الفتح) .
قلت: ولهذه الزيادة عندي عدة علل:
الأولى: تفرد هشيم بها دون كل الطرق التي سبقت الإشارة إليها عن الشعبي وغيره عن وارد.
الثانية: اختلاف الرواة عليه في الزيادة؛ فمنهم من لم يذكرها كالحسن الواسطي.
وتابعه يحيى بن أبي بكير: عند الطبراني (٢٠ / ٣٨٣ / ٨٩٨) ؛ على أنهما لم يذكرا أيضاً تصريحه بالتحديث!
стр. 7956
الثالثة: اضطرابه هو أو الرواة عنه في ذكر عدد شيوخه.
الرابعة: عدم تصريحه بكون السياق لهم جميعاً أو لأحدهم وفيهم مجالد - وهو ابن سعيد - وليس بالقوي، ومن المحتمل أن تكون الزيادة منه، فتكون منكرة.
الخامسة: أنه كان مدلساً تدليساً غريبا؛ سماه الحافظ ابن حجر وغيره تدليس العطف، قال في (طبقات المدلسين) :
(ومن عجائبه في التدليس أن أصحابه قالوا له: نريد أن لا تدلس لنا شيئاً. فواعدهم، فلما أصبح أملى عليهم مجلساً، يقول في أول كل حديث منه: ثنا فلان وفلان عن فلان، فلما فرغ قال: هل دلست لكم اليوم شيئاً؟ قالوا: لا. قال: فإن كل شيء حدثتكم عن الأول سمعته، وكل شيء حدثتكم عن الثاني فلم أسمعه منه) .
وعلى هذا فنستطيع أن نقول: هذه شهادة منه: أن من عطفهم على المغيرة عند ابن خزيمة والطبراني لم يسمعه منهم. وهم عند البخاري غير مُسَمَّين، فتكون روايته عنهم معللة بـ (العنعنة) .
فإذا قالت: هذه علة غير قادحة ما دام أنه صرح بالسماع من المغيرة.
قلت: هو كذلك لولا العلة التالية، وهي:
السادسة: المغيرة، هو ابن مقسم الضبي؛ كما في (الفتح) ، وكان يدلس؛ كما في (التقريب) ، وقد عنعنه عن الشعبي، فالظاهر أنه لم يسمعه منه.
ويؤيد ذلك أنه رواه أبو عوانة الوضاح بن عبد الله: عند الطبراني (٢٠ / ٣٨٢ / ٨٩٦) ، وعلي بن عاصم: عند أحمد (٤ / ٢٥٤) ؛ كلاهما عن مغيرة
стр. 7957
عن شباك عن عامر به.
فأدخلا بني المغيرة وعامر الشعبي شباكاً - وهو الضبي الكوفي - وهو مدلس أيضاً! ويرويه عنه مدلس! !
السابعة: وإذا دار الحديث على المغيرة ورواه عنه هشيم بالزيادة؛ فقد خالفه أبو عوانة وابن عاصم؛ فلم يذكرا الزيادة، فدل ذلك أيضاً على شذوذها؛ ولكن لعل الوهم ليس منه؛ لأنه كان ثقة ثبتاً، وإنما من أحد شيوخه الذين عطفهم على المغيرة ودلس عنهم - كما تقدم - أو من شيخ المغيرة الذي دلسه أيضاً، وهذا بالإضافة إلى مخالفته للثقات من الرواة الذين رووه عن الشعبي بدونها كما ذكرنا في العلة الأولى.
وجملة القول؛ أن هذه الزيادة يكفي في إثبات شذوذها وعدم صحتها بعض هذه العلل، فكيف بها مجتمعة؟ والله أعلم.
ثم استدركت فقلت: يمكن أن يضم إلى ما سبق من العلل في رواية هشيم علة ثامنة، وهي:
أن أحد الرواة الذين بينه وبين الشعبي الذي جاءت بهذه الزيادة الشاذة فقد أسقط مكانها زيادة محفوظة رواها الوضاح وعلي بن عاصم المتقدم ذكرهما عن المغيرة بسنده عن الشعبي، وهي ثابتة عند من تابعه من الرواة عن الوارد، وهي قوله ﷺ :
(اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجد منك الجدُّ) .
ومن عجيب المصادفات أنه أصاب هذا الشطر الثاني من روايات الثقات عن
стр. 7958
الوارد ما أصاب الشطر الأول منها زيادة ونقصاً من بعضهم!
فقال عبد بن حميد في (المنتخب من المسند) (ق / ١) : أخبرنا عبد الرزاق: أنا معمر عن عبد الملك بن عمير: حدثني وراد كاتب المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة: أن اكتب إلي بشيء من حديث رسول الله ﷺ . قال: فكتب إليه: إني سمعت رسول الله ﷺ . . . (قلت: فذكر حديثين ثالثاً، وهو:) قال: وسمعته يقول:
(اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا راد لما قضيت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) .
قلت: فلم يذكر الشطر الأول من الحديث، وزاد قوله:
(ولا راد لما قضيت) وحذف قوله:
(ولا معطي لما منعت) ! وهي محفوظة في روايات الثقات في (الصحيحين) وغيرهما.
فالزيادة شاذة، وذكرها الحافظ في (الفتح ٢ / ٣٣٣) ؛ دون أن يشير إلى شذوذها! بل لعله أشار إلى تقويتها بقوله:
(ووقع عند الطبراني تاماً من وجه آخر؛ كما سنذكره في (كتاب القدر) إن شاء الله تعالى) . وقال هناك (١١ / ٥١٣) :
(وقوله: (ولا معطي لما منعت) زاد فيه مسعر عن عبد الملك بن عمير عن وارد: (ولا راد لما قضيت) . أخرجه الطبراني بسند صحيح عنه) .
قلت: كأن الحافظ ﵀ نظر إلى ظاهر السند فصححه! وإلا؛ فكيف يكون صحيحاً وهو شاذ؟ ! والدليل عليه أن أحداً من أصحاب ابن عمير لم يذكر
стр. 7959
هذه الزيادة، وقد أخرجه الطبراني في (كبيره) (٩٠٩ - ٩٢٠) من طريق معمر وشريك وزائدة وأبي عوانة وابن عيينة وزيد بن أبي أنيسة والحكم بن هشام وعمرو بن قيس والأعمش؛ كلهم عن ابن عمير؛ دون الزيادة، وبعض رواياتهم في الصحيحين كما تقدم.
ثم إن رواية مسعر التي عزاها للطبراني، لعلها في كتاب (الدعاء) له فإني لم أرها في (معاجيمه الثلاثة) بل هي في (كبيره) (رقم٩٠٨) من رواية أبي نعيم عن مسعر دون الشطر الثاني كله.
ثم روى عقبها رواية عبد الزراق عن معمر التي تقدمت برواية عبد بن حميد؛ لكن ليس فيها: (ولا راد لما قضيت) . فذلك مما يؤكد شذوذها. والله أعلم.
وقد غفل عن هذا التحقيق الشيخ مصطفى العدوي في تخريجه على (مسند عبد الحميد) (١ / ٣٥٥ / ٣٩١) فصححه، ثم عزاه للشيخين! !
هذا، وقد رويت بعض تلك الزيادات في أحاديث، فرأيت من تمام الفائدة أن أتكلم عليها.
الأول: عن جابر: أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى قال: (لا إله إلا الله. . .) إلخ، وفيه زيادة:
(يحيي ويميت) .
أخرجه البزار (٤ / ٢١ - ٢٢ - الكشف) من طريق ابن علاثة عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر. وقال:
(لا نعلمه عن جابر إلا بهذا الإسناد) .
стр. 7960
قلت: وهو ضعيف من أجل ابن علاثة، واسمه محمد بن عبد الله بن علاثة، وهو ضعيف؛ تقدمت له بعض الأحاديث. وأما الهيثمي؛ فقال: (١٠ / ١٠٣) : (رواه البزار، وإسناده حسن) .
وأقول: أما بالزيادة هنا فلا، أعني: دبر كل صلاة. وإنما صحت في صلاة الصبح والمغرب؛ كما هو مخرج فيما سبق (٢٥٦٣) .
الثاني: عن ابن عباس قال:. . . فذكره بزيادة:
(بيده الخير) .
أخرجه البزار أيضاً (٤ / ٢٢ / ٣٠٩٩) ، والطبراني في (المعجم الكبير) (١٢ / ١٧٣ / ١٢٧٩٦) من طريق يحيى بن عمرو بن مالك النكري عن أبيه عن أبي الجوزاء عنه. ولم يذكر الطبراني الزيادة؛ ولكنه ذكر مكانها:
(يحيي ويميت) . وقال البزار:
(لا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد) .
قلت: وهو ضعيف أيضاً؛ يحيى بن عمرو هذا ضعيف؛ كما قال الذهبي في (الكاشف) والحافظ في (التقريب) وزاد:
(ويقال: إن حماد بن زيد كذبه) .
وأما الهيثمي؛ فقال بعدما عزاه للبزار والطبراني:
(وإسنادهما حسن) !
стр. 7961
وهذا من تساهله
ثم إن الزيادتين يقال فيهما ما قلته في الزيادة الأولى.
٥٥٩٩ - (ما يمنعُ أحدَكُم إذا عَرف الإجابةَ من نفسه، فَشُفي من مرضِهِ، أو قدم من سفرٍ؛ يقول: الحمد لله الذي بعزتهِ وجَلالِه تَتِمُّ الصالحات) .
ضعيف جداً.
أخرجه الحاكم في (المستدرك) (١ / ٥٤٥) من طريق عيسى بن ميمون عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ مرفوعاً. وقال:
(عيسى بن ميمون؛ غير متهم بالوضع) !
وكذا قال الذهبي!
أقول: إن سلم بذلك، فهل يبرر للحاكم أن يستدرك بحديث مثله على الشيخين؟ ! ولاسيما وقد ضعفه البخاري جداً؛ فقال في (التاريخ الكبير) (٣ / ٢ / ٤٠١) (والصغير) :
(منكر الحديث) . وقال الفلاس وأبو حاتم:
(متروك الحديث) . وقال ابن حبان (٢ / ١١٨) :
(يروي عن الثقات أشياء كأنها موضوعات) . ثم روى عن ابن مهدي قال:
(استعديت على عيسى بن ميمون، فقلت: هذه الأحاديث التي تحدث بها عن القاسم عن عائشة؟ ! فقال: لا أعود!) .
стр. 7962
٥٦٠٠ - (كَانَ إِذَا هَاجَتْ رِيحٌ اسْتَقْبَلَها بِوَجْهِهِ، وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ،
وَمَدَّ بِيَدَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ
بِهِ، اللَّهُمَّ! اجْعَلْهَا رَحْمَةً، وَلا تَجْعَلْهَا عَذَابًا، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلا
تَجْعَلْهَا رِيحًا) (*) .
منكر بهذا التمام.
أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (١١ / ٢١٣ / ١١٥٣٣) من طريقين عن أبي علي الرحبي - وهو الحسين بن قيس - عن عكرمة
عن ابن عباس مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ آفته الحسين هذا - وهو الملقب ب (حنش) -؛ قال الحافظ في " التقريب ":
" متروك ".
وبه أعله الهيثمي (١٠ / ١٣٥ - ١٣٦) .
ومن طريقه أخرجه مسدد وأبو يعلى في " مسنديهما " - كما في " المطالب
العالية " (٣ / ٢٣٨) والتعليق عليه -، والخطابي في " غريب الحديث " (١ / ٦٧٩) ، وقال:
" قوله: " اجعلها رياحاً "؛ يريد: اجعلها لقاحاً للسحاب. " ولا تجعلها ريحاً "؛
يريد: لا تجعلها عذاباً. وتصديق هذا في كتاب الله ، وبيانه ما ذكر ابن
عباس. . . ".
ثم روى بإسناده الصحيح عن الشافعي: أخبرنا من لا أتهم: " العلاء بن
стр. 7963
راشد عن عكرمة عن ابن عباس قال:
" في كتاب الله - يعني: آية الرحمة -: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ . قال: ﴿وَهُوَ
الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ . وقال - يعني: في آية العذاب -:
﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ . وقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا
صَرْصَرًا﴾ ".
قلت: وهذا الأثر لا يصح؛ لا من حيث إسناده، ولا من حيث دلالته.
أما الأول: فلأن فيه شيخ الشافعي الذي لم يسمه؛ على الرغم من وصفه إياه
بأنه غير متهم عنده، ومن شيوخه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي أبو
إسحاق المدني، وهو متروك متهم بالكذب، فلا يبعد أنه يعنيه بذاك الوصف.
وشيخه العلاء بن راشد؛ أورده البخاري في " التاريخ الكبير " وابن أبي حاتم،
ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.
وأما عدم صحته من حيث الدلالة؛ فلأن هناك آية أخرى تدل على أنه لا
فرق بين (الرياح) و (الريح) . فكما أن (الرياح) تستعمل في الرحمة،
فكذلك (الريح) ، وجرى العمل بذلك في الأحاديث الصحيحة.
وكأن الخطابي تلقى التفريق بين اللفظين عن الإمام أبي عبيد القاسم بن
سلام؛ فقد حكاه أبو جعفر الطحاوي في " مشكل الآثار " (١ / ٣٩٨) عنه،
واستشهد على ذلك أبو عبيد بحديث الترجمة، فرد عليه الطحاوي بقوله:
" أما الحديث؛ فلا أصل له، وقد كان الأولى به - لجلالة قدره ولصدقه في
روايته غير هذا الحديث - أن لا يضيف إلى رسول الله ﷺ ما لا يعرفه أهل
стр. 7964
الحديث عنها!
ثم اعتبرنا في كتاب الله تعالى ما يدل على أن المعنى واحد فيهما، فوجدنا الله
تعالى قد قال: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ
وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ
مَكَانٍ﴾ ؛ فكانت الريح الطيبة من الله تعالى رحمة، والريح العاصف منه
عذاباً، ففي ذلك ما قد دل على انتفاء ما رواه أبو عبيد مما ذكره [من الحديث] .
ثم اعتبرنا ما يروى عن رسول الله ﷺ مما يدخل في هذا المعنى، فوجدنا. . . ".
قلت: ثم ذكر أحاديث في الدعاء إذا عصفت الريح:
" اللهما إني أساثك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من
شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به ".
وقد خرجت بعضها في " الصحيحة " (٢٧٥٦) .
فإن مما يؤكد ضعف حديث الترجمة وأثر ابن عباس؛ بل بطلانهما: أنه صح
عنه خلافهما؟ فقال مجاهد:
هاجت ريح، فَسَبُّوها. فقال ابن عباس:
" لا تسبوها، فإنها تجيء بالرحمة وتجيء بالعذاب، ولكن قولوا: اللهم اجعلها
رحمة، ولا تجعلها عذاباً ".
أخرجه ابن أبي ثمينة في " المصنف " (١٠ / ٢١٧) ، والخرائطي في " مكارم
الأخلاق " (ص ٨٣) بسند صحيح عنه.
стр. 7965
٥٦٠١ - (مَنْ سَاءَ خُلُقَهُ مِنْ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالصِّبْيَانِ؛ فَاقْرَأُوا فِي
أُذُنِهِ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ. . .﴾ ) .
موضوع.
أخرجه الطبراني في ما المعجم الأوسط " (١ / ٦ / ١ / ٦٤) من
طريق الحكم بن يعلى بن عطاء المحاربي قال: يا محمد بن عبد الله بن عبيد بن
عمير عن أبي خلف عن أنس بن مالك مرفوعاً، وقال:
" لا يروى إلا بهذا الإسناد ".
قلت: وهو موضوع؛ آفته أحد هؤلاء الثلاثة:
الأول: أبو خلف - وهو الأعمى - خادم أنس ﵁؛ قال الحافظ في
" التقريب ":
" متروك، ورماه ابن معين بالكذب ".
الثاني: محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير؛ قال البخاري في " التاريخ
الكبير " (١ / ١ / ١٤٢) و " الضعفاء الصغير " (ص ٢٧٥) :
" ليس بذاك الثقة ". ونقل الذهبي عنه أنه قال:
" منكر الحديث ". وعن النسائي:
" متروك الحديث ".
الثالث: الحكم بن يعلى بن عطاء المحاربي؛ قال البخاري في " التاريخ الكبير "
(١ / ٢ / ٣٤٢) :
" قال لي سليمان بن عبد الرحمن: رأيته بدمشق، عنده عجائب، منكر
стр. 7966
الحديث؛ ذاهب. تركت أنا حديثه ". وقال أبو حاتم:
" متروك الحديث ". وقال أبو زرعة:
" ضعيف الحديث، منكر الحديث ".
قلت: وسليمان بن عبد الرحمن هو الدمشقي، وهو راوي هذا الحديث عن
الحكم هذا.
وقد روي طرف من هذا الحديث من طريق المنهال بن عيسى: ثنا يونس بن عبيد قال:
ليس رجل يكون على دابة صعبة، فيقول في أُذُنِهَا: ﴿أفغير دين الله يبغون
وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون﴾ إلا وقفت بإذن
الله تعالى.
أخرجه ابن السني في " عمل اليوم " (رقم ٥٠٤) .
قلت: وهذا مع كونه مقطوعاً موقوفاً على يونس بن عبيد - وهو تابعي ثقة -؛
فالسند إليه لا يصح؛ لأن المنهال بن عيسى مجهول؛ كما قال أبو حاتم فيما نقله
ابن علان في تخريج " الأذكار " (٥ / ١٥٢) عن الحافظ ابن حجر، ثم ذكر عنه
أنه قال:
" وقد وجدته عن أعلى من يونس؛ أخرجه الثعلبي في " التفسير " بسنده من
طريق الحكم عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال:
إذا استصعبت دابة أحدكم أو كانت شموساً؛ فليقرأ في أذنها: ﴿أفغير دين
الله يبغون. .﴾ الآية. وذكره القرطبي عن ابن عباس في " التفسير " بغير سند ولا
стр. 7967
عزو لمخرج، وهو مما يعاب به ".
قلت: الحكم هذا هو ابن عتيبة الثقة الثبت الفقيه، فهل السند إليه صحيح؟
وذلك ما لا أظنه. وإلا؛ فما الفرق بين ما عابه على القرطبي، وما فعله هو من
حذفه السند الذي دون الحكم؟ ! فلو أنه صرح بصحته لم يُعَبْ ذلك عليه، أمَا وهو
ما لم يفعله: فلا فرق حينئذ بين عدم ذكره بتمامه وبين عدم ذكر القرطبي إياه
مطلقاً! أقول هذا مع كون المفروض في حالة مثل هذا الحذف من السند أن يكون
صحيحاً، ولكننا نعلم بالتجربة أن ذلك ليس مضطرداً. والله أعلم.
ومن أحاديث المحاربيِّ المتقدمِ الحديثُ التالي:
٥٦٠٢ - (نَهى عَنْ إرضَاعِ الحَمْقَاءِ) .
ضعيف جداً. أخرجه الطبراني في " الأوسط " (١ / ٦ / ١ / ٦٥) من
طريق سليمان بن عبد الرحمن: نا الحكم بن يعلى بن عطاء المحاربي قال: نا أبو
معمر عباد بن عبد الصمد التيمي عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه
مرفوعاً، وقال:
" لم يروه عن سالم بن عبد الله إلا أبو معمر، ولا عن أبي معمر إلا الحكم بن
يعلى، تفرد به سليمان بن عبد الرحمن ".
قلت: هو ثقة من شيوخ البخاري؛ كما ذكرت في الحديث السابق.
وإنما الآفة من شيخه المحاربي؛ فإنه متروك؛ كما سبق آنفاً.
ومثله أو شر منه: شيخه عباد بن عبد الصمد؛ قال البخاري:
стр. 7968
" منكر الحديث ". وقال ابن أبي حاتم (٣ / ١ / ٨٢) :
" سألت أبي عنه؟ فقال: ضعيف الحديث جداً، منكر الحديث، لا أعرف له
حديثاً صحيحاً ". وقال ابن حبان (٢ / ١٧٠ - ١٧١) :
" منكر الحديث جداً، يروي عن أنس ما ليس من حديثه، وما أراه سمع منه،
له عنه نسخة أكثرها موضوعة ".
ومنه تعلم تساهل الهيثمي في قوله (٤ / ٢٦٢) :
" رواه الطبراني في " الأوسط "، وفيه عباد بن عبد الصمد، وهو ضعيف "!
فلعله سقط من الناسخ أو الطابع قوله: " جداً "؛ فإنه هو اللائق بحاله المفهوم
من كلام الأئمة، كما سقط منه لفظ (ابن) المضاف إلى عمر حيث فيه:
" وعن عمر. . . "، فصار الحديث بسبب ذلك من مسند عمر وهو خطأ ظاهر.
وقد رواه بعض الضعفاء من حديث عائشة مرفوعاً بلفظ:
" لا تسترضعوا الورهاء "؛ أي: الحمقاء.
أخرجه الطبراني في " الصغير " (ص ٢٧ - هندية) عن أبي أمية بن يعلى
الثقفي - بصري - عن هشام بن عروة عن أبيه عنها. وقال:
" لم يروه عن هشام إلا أبو أمية ".
قلت: كلا؛ فقد تابعه عكرمة بن إبراهيم عن هشام به، وزاد في متنه:
" فإن اللبن يورث ".
стр. 7969
أخرجه البزار في " مسنده " (٢ / ١٦٩ / ١٤٤٦ - كشف الأستار) ، وقال:
" لا نعلمه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وعكرمة ليّن الحديث، وقد احتمل
حديثه ".
كذا قال! وهو معارض برواية الطبراني المتقدمة؛ لكن لعله يعني بهذه
الزيادة.
ثم إن عكرمة هذا؛ أجمع الأئمة النقاد على تضعيفه؛ بل قال ابن معين وأبو
داود:
" ليس بشيء ". وقال النسائي في رواية:
" ليس بثقة ". وقال ابن حبان (٢ / ١٨٨) :
" كان ممن يقلب الأخبار، ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به ".
وأما متابعه أبو أمية - واسمه إسماعيل -؛ فهو أسوأ حالاً منه؛ قال فيه ابن
معين والنسائي والدارقطني:
" متروك ". وقال البخاري في " التاريخ الكبير " و " الصغير ":
" سكتوا عنه ".
وأما قول الذهبي في دي الميزان ":
" وقد مشاه شعبة وقال: اكتبوا عنه فإنه شريف ".
فهو مما لا ينبغي الالتفات إليه؛ لأنه لم يثبت عن شعبة؛ فقد ذكر أبو عبيد
стр. 7970
الآجري في " سؤالاته " أنه قال لأ بي داود (ص ٣٦٧) :
" حكى رجل عن شيبان الأبلي أنه سمع شعبة يقول: اكتبوا عن أبي أمية
ابن يعلى؛ فإنه شريف لا يكذب، واكتبوا عن الحسن بن دينار؛ فإنه صدوق. قال
أبو عبيد: غلام خليل حكى هذا عن شيبان. قال أبو داود: كذب الذي حكى
هذا ".
قال عقبه الحافظ في " اللسان " متعقباً على الذهبي:
" قلت: وغلام خليل - كما تقدم - مجمع على تكذيبه، فكيف جزم المؤلف أن
شعبة قال: اكتبوا عنه ".
ثم إن الهيثمي ذكر حديث عائشة برواية البزار والطبراني، ثم قال:
" وإسنادهما ضعيف "!
٥٦٠٣ - ( ﴿وله أَسْلَمَ مَنْ في السَّماوات والأرض طَوْعَاً وكَرْهاً﴾ .
أما ﴿مَنْ في السماوات﴾ ؛ فالملائكة، وأما من في ﴿الأرض﴾ ؛ فَمَنْ
وُلِدَ على الإسلام، وأما ﴿كرهاً﴾ ؛ فَمَنْ أُتي به مِنْ سبايا الأمم في
السَّلاسِلِ والأغلالِ؛ يُقَادُونَ إلى الجنةِ وهم كارِهون) .
موضوع.
أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (١١ / ١٩٤ / ١١٤٧٣)
من طريق سعيد بن حرص النفيلي: ثنا محمد بن محصن العكاشي: ثنا
الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس عن النبي ﷺ به.
قلت: وهذا موضوع؛ آفته العكاشي هذا؛ فإنه كذاب كما تقدم مراراً في
стр. 7971
أحاديث له فانظر (٤٠٨، ٤٩٧، ٦٦٢) ، وبه أعله الهيثمى فقال (٦ / ٣٢٦) :
" وهو متروك ".
والنفيلى، قال الحافظ: " صدوق تغير فى اخر عمره ".
لكن الآفه من شيخه كما سبق، ولعل السيوطى خفيت عليه، فقال فى " الدر
المنثور " (٢ / ٤٨) : " أخرجه الطبرانى بسند ضعيف ".
فان لم يكن كذلك، فهو تساهل كبير منه، وما هو عن عادته ببعيد!
وأورده الحافظ بن كثير فى تفسير الآيه المذكوره بإسناد الطبرانى وسكت عنه!
لكنه استغرب معناه، وقال:
" ولكن المعنى الأول للآيه أقوى ".
يعنى: أن المؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله، والكافر مستسلم لله كرهاً؛ فإنه
تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم الذى لا يخالف ولا يمانع.
٥٦٠٤ - (اذا أصابَ أحدَكُم همٌّ أو حزنٌ، فليقل سبعَ مراتٍ: اللهُ ربى لا أشرك به شيئاً) .
منكر بزيادة (السبع) .
أخرجه النسائى فى " عمل اليوم والليله " (رقم ٦٥٠ - طبع المغرب) : أخبرنا زكريا بن يحيى قال: حدثنا إسحق بن إبراهيم قال:
стр. 7972
أخبرنا جرير عن مسعر عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن عمر بن عبد العزيز قال:
جمع رسول الله ﷺ أهل بيته فقال. . . فذكروه.
قلت: وهذا اسناد رجاله كلهم ثقات زكريا بن يحيى - وهو السجزى - ثقة حافظ.
واسحاق بن ابراهيم هو ابن راهويه الامام الحافظ (انظر " تهذيب المزى " ٢ / ٣٧٣) .
وجرير - وهو ابن عبد الحميد الضبى - من رجال الشيخين، لكن قال الحافظ:
" ثقه صحيح الكتاب، قيل: كان فى اخر عمره يهم من حفظه ".
قلت: وطول الذهبى ترجمته فى " الميزان "، وهى تدل على أن الرجل ثقه, وأن حفظه لا يخلو من شىء، وبيض له فى " الكاشف "!
ومسعر - وهو ابن كدام الهلالى - ثقة ثبت احتج به الشيخان.
وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، احتج به الشيخان أيضا، لكن قال الحافظ: " صدوق يخطىء ".
وأما أبوه عمر بن عبد العزيز، فهو الامام العادل والخليفة الراشد، التابعى الجليل، ثقة مأمون، احتج به الشيخان.
قلت: فالحديث مرسل.
стр. 7973
لكن قد وصله جماعة من الثقات، منهم: أبونعيم - عند البخارى فى " التاريخ " والنسائى فى " اليوم والليله " والطبرانى وأبى نعيم فى " الحلية " - ووكيع - عند ابن ماجه وابن أبى شيبه - وغيرهم من الثقات، كلهم قالوا: عن عبد العزيز بن عمر عن هلال مولى عمر بن عبد العزيز عن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن جعفر عن أمه أسماء بنت عميس مرفوعا مختصرا بلفظ:
" الله الله ربى، لا أشرك به شيئا ".
قلت: فدلت روايه هؤلاء الثقات على أن حديث الترجمه فيه ثلاث علل:
الأولى: الارسال، كما تقدم.
والثانيه: الانقطاع بين عمر بن عبد العزيز وابنه عبد العزيز.
والثالثه: زيادة " سبع مرات " فهى منكره.
ويؤكد ذلك: أن الحديث قد جاء من طريق أخرى عن أسماء، ومن حديث عائشه وغيرها دون الزيادة، وقد خرجت ذلك كله فى " سلسلة الاحاديث الصحيحة " برقم (٢٧٥٥) فأغنى ذلك عن الاعادة.
٥٦٠٥ - (كنت ءاماما، فلو سجدت، سجدت) .
ضعيف. اخرجه الامام الشافعى فى " مسنده " (١ / ١٠٢ - من ترتيبه) : أخبرنا ءابراهيم بن محمد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار:
أن رجلا قرأ عند النبى ﷺ السجدة، فسجد النبى ﷺ ، ثم قرأ اخر عنده
стр. 7974
السجدة، فلم يسجد النبى ﷺ فقال: يارسول الله! قرأ فلان عندك السجدة فسجدت، وقرأت عندك السجدة فلم تسجد، فقال النبى ﷺ :. . . فذكره.
قلت: وهذا اسناد ضعيف، فانه مع ارساله فيه ءابراهيم بن محمد - وهو ابن أبى يحيى الأسلمى - وهو متروك.
لكن تابعه هشام بن سعيد وحفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم به.
أخرجه البيهقى (٢ / ٣٢٤) .
وخالفهم جمع فأعضلوه، فقال عبد الرزاق (٣ / ٣٤٦ / ٥٩١٤) : عن معمر عن زيد بن أسلم قال: قرأ رجل٠٠٠ الحديث، وقال: وقاله ابن جريج عن عطاء.
وقال ابن أبى شيبة فى " المصنف " (٢ / ١٩) :
حدثنا أبوخالد الأحمر عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم به.
وقد روى موصولا ولا يصح، فقال البيهقى:
" رواه اسحق بن عبد الله بن أبى فروة عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى هريرة موصولا، واسحاق ضعيف. وروى عن الأوزاعى عن قرة عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة، وهو أيضا ضعيف، والمحفوظ من حديث عطاء بن يسار مرسل، وحديثه عن زيد بن ثابت موصول مختصر ".
قلت: يشير الى ما أخرجه البخارى فى " صحيحه " (١٠٧٢، ١٠٧٣) من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط عن عطاء بن يسار عن زيد بن ثابت قال:
стр. 7975
" قرأت على النبى ﷺ ((والنجم)) فلم يسجد فيها ".
قلت: فهذا شاهد قوى لما فى حديث الترجمة من عدم سجوده ﷺ للسجدة، وأما سائره فلم أجد ما يقويه.
ولو صح عنه ﷺ ، فلا يدل على عدم شرعية السجود لها إذا لم يسجد القارىء.
وإنما على أن القارىء عليه أن يسجد، سواء كان يرى وجوبها أو سنيتها - كما هو الراجح - ليسجد معه الذين يستمعون له، وقد روى الطحاوى فى " شرح المعانى " (١ / ٢٠٨) بسند جيد عن ابن أبى مليكة قال:
لقد قرأ ابن الزبير السجدة وأنا شاهد، فلم يسجد، فقام الحارث بن عبد الله فسجد، ثم قال: يا أمير المؤمنين ما منعك أن تسجد إذ قرأت السجدة؟ فقال: إذا كنت فى صلاة سجدت، وإذا لم أكن فى صلاة فإنى لا أسجد.
وأما ما علقه البخارى فى " صحيحه " (٢ / ٥٥٦) ووصله فى " التاريخ الكبير " (٢ / ١ / ١٥٣و٢ / ١٢٤) من طريقين عن مغيرة عن إبراهيم قال: قرأ تميم ابن حذلم - وهو غلام - على عبد الله فقرأ السجدة، فقال ابن مسعود: اسجد، فأنت إمامنا فيها.
ووصله الحافظ من رواية سعيد ابن منصور فقط، وسكت عليه, وفيه عندى علتان:
الأولى: الإرسال، فإن إبراهيم - وهو ابن يزيد النخعى - لم يدرك عبد الله ابن مسعود رضى الله عنه.
والأخرى: أن المغيره - وهو بن مقسم الضبى - كان يدلس، ولاسيما عن
стр. 7976
إبراهيم، كما قال الحافظ نفسه فى " التقريب "
نعم، رواه البخارى (٢ / ٢ / ١٢٤) ، وكذا ابن أ [ى شيبة فى " المصنف " (٢ / ١٩) من طريق أبى إسحق عن سليم ابن حنظلة قال: قرأـ على عبد الله ابن مسعود (سورة بنى إسرائيل) ، فلما بلغت السجدة، قال عبد الله: اقرأها، فإنك إمامنا فيها.
ورواه عبد الرزاق فى " مصنفه " (٣ / ٣٤٤ / ٥٩٠٧) عن معمر، والبيهقى عن سفيان، كلاهما عن أبى اسحق عن سليمان بن حنظلة به.
كذا قالا: (سليمان) مكان (سليم) وفى (سليم) ترجمه البخارى - وفيها ساق له هذا الأثر - وابن أبى حاتم (٢ / ١ / ٢١٢) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
وذكره ابن حبان فى " الثقات " (٣ / ١٠٠) .
والجواب عن هذا الأثر كالجواب عن الحديث. والله أعلم.
٥٦٠٦ - (إذا أصبح أحدكم فليقل: أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين، اللهم إنى أسألك خير هذا اليوم: فتحه ونصره ونوره وبركته وهداه، وأعوذ بك من شر ما قبله وشر ما بعده. ثم إذا أمسى، فليقل مثل ذلك) .
ضعيف. أخرجه أبوداود (٥٠٨٤) ، والطبرانى فى " الكبير " (٣ / ٢٩٦ /
стр. 7977
٣٤٥٣) و " مسند الشاميين " (ص٣٣٣) عن محمد ابن إسماعيل: حدثنى أبى - قال ابن عوف: ورأيته فى أصل إسماعيل - قال: حدثنى ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبى مالك مرفوها.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، وله علتان:
الأولى: ضعف محمد ابن إسماعيل.
والأخرى: الانقطاع بين شريح وأبى مالك.
أما الأولى: فقال المنذرى فى " مختصر السنن " (٦ / ٣٤١) :
" فيه محمد بن إسماعيل بن عياش وأبوه، وكلاهما فيه مقال "!
قلت: لايستويان فأبوه ثقة فى روايته عن الشاميين وهذه منها، فالعلة من ابنه، وقد ضعفه أبوداود نفسه فى رواية الآجرى عنه، قال:
" سئل أبوداود عنه؟ فقال: لم يكن بذاك، قد رأيته ودخلت حمص غير مرة وهو حى، وسألت عمرو بن عثمان عنه؟ فذمه ".
وذهل النووى عن هذا، فقال فى " الأذكار ": " لم يضعفه أبوداود "!
ورد الحافظ فى " نتائج الأفكار " بقوله " ق١٧١ / ٢) :
" هذا حديث غريب، ورواته موثقون، إلا محمد بن إسماعيل فضعفه أبوداود وقال أبو حاتم الرازى: " لم يسمع من أبيه شيئا " لكن أبوداود لما أخرجه استظهر بقول شيخه محمد بن عوف: قرأته فى كتاب إسماعيل بن عياش.
стр. 7978
قلت ومع ضعف محمد فقد خالفه الحفاظ عن أبيه فى سنده ".
قلت ثم ساقه من طرق عن إسماعيل بن عياش: ثنا محمد بن زياد الألهانى عن أبى راشد الحبرانى قال: أتيت عبد الله بن عمرو٠٠٠ فذكر الحديث بلفظ آخر يختلف عن هذا كل الإختلاف، ليس فيه مما فى هذا إلا أنه من أذكار الصباح والمساء، فلفظه:
" يا أبا بكر! قل: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شىء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسى، ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسى سوءا، أو أجره إلى مسلم ".
وهومخرج مع غيره مما فى معناه فى " الصحيحه " (٢٧٦٣) وقد حسنه الحافظ، ثم قال:
" وعجبت من عدول الشيخ عن هذه الطريق القوية إلى تلك الطريق الضعيفة ".
وأما الإنقطاع فقد قال بن أبى حاتم فى " المراسيل " (ص٦٠) عن أبيه:
" شريح بن عبيد لم يدرك أبا أمامة، ولا الحارث بن الحارث، ولا المقداد ".
قال: وسمعته يقول:
" شريح بن عبيد عن أبى مالك الأشعرى، مرسل ".
ونحوه ماذكره المزى فى " التهذيب ": أن محمد بن عوف سئل: هل سمع شريح من أبى الدرداء؟ فقال: لا. قيل له: فسمه من أحد من أصحاب النبى ﷺ قال: ما أظن ذلك، وذلك أنه لا يقول فى شىء من ذلك: سمعت. وهو ثقة ".
стр. 7979
قلت: وقد أخرج الطبرانى (٣ / ٢٩١ - ٢٩٨) لشريح عن أبى مالك أربعة وعشرين حديثا عامتها بهذا الإسناد عنه، لم يقل أيضا فى شىء منها: سمعت أبا مالك!
ولذلك تعقب المزى الحافظ ابن حجر فى " تهذيبه " فقال عقب ما سبق عن أبى حاتم:
" وإذا لم يدرك أبا أمامة الذى تأخرت وفاته (يعنى: إلى سنة ٨٦) فبالأولى أن لا يكون أدرك أبا الدرداء (مات فى حدود سنة ٣٥) ، وإنى لكثير التعجب من المؤلف كيف جزم بأنه لم يدرك من سمى ههنا، ولم يذكر ذلك فى المقداد وقد توفى قبل سعد بن أبى وقاص (مات سنة ٣٣) وكذا أبوالدرداء، وأبو مالك الأشعرى وغير واحد ممن أطلق روايته عنهم ".
قلت: وأنا بدورى أتعجب منه كيف نسى هذا الذى تعقبه على المزى، فلم يعل الحديث بهذه العلة الثانية، ألا وهى الإنقطاع، بينما تنبه له فى حديث آخر خرجته فيما سبق من هذه السلسله (١٥١٠) . فأعله فى " التلخيص الحبير " (٣ / ١٤١) بالإنقطاع، وصرح فى " تخريج أحاديث المختصر " (ق٢٤ / ١) - تبعا للزركشى فى " المعتبر " (ص٥٨) - بأن العلة القادحة هى قول أبى حاتم الرازى: لم يسمع شريح بن عبيد عن أبى مالك الأشعرى! !
ولكن لا عجب فهذه طبيعة الإنسان، ألا وهى النسيان، فقد وقعت أنا فى مثل ما وقع هو فيه من السهو، فقد أوردت حديثا فى " الصحيحة " برقم (١٨١٧) وصححته تبعا للحاكم الذهبى، وهو من هذا الوجه المنقطع! ومثله الحديث (٢٢٥ - الصحيحة) بينما تنبهت لإنقطاعه فى حديث آخر ذكرته شاهدا تحت
стр. 7980
الحديث (١٥٠٢) : ولذلك قررت نقل الحديث (٢٢٥) من " الصحيحه " إذا لم أجد له شاهدا معتبرا، وهو مما أستبعده، فإن الحافظ استغربه أيضا فى " نتائج الأفكار " (٣٤ / ١) ، وأعله بضعف محمد ابن إسماعيل، ولم يتنبه أيضا لانقطاعه ولا لإستظهار أبى داود بقول شيخه ابن عوف: قرأته فى كتاب إسماعيل ابن عياش. فجل من لا يسهو ولاينسى، وغفر لى خطئى وعمدى، وكل ذلك عندى.
وروى أبوداود بهذا الإسناد حديثا آخر عن أبى مالك فى (أذكار الصباح والمساء) بلفظ:
" اللهم! فاطر السماوات. . . . . . ".
ثم رأيت الحافظ العراقى فى " تخريج الإحياء " (١ / ٢٩٧ - طبع الحلبى) ذهل أيضا عن العلة، فقال: " إسناده جيد "!
٥٦٠٧ - (لاأخاف على أمتى إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم من المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب، يأخذه المؤمن يبتغى تأويله: ((وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب)) ، وأن يروا ذا علمهم فيضيعوه، ولا يبالون عليه) .
ضعيف. أخرجه الطبرانى فى " الكبير " (٣ / ٢٩٣ / ٣٤٤٢) و " مسندالشاميين " (ص٣٣١) و (٢ / ٤٤٣ / ١٦٦٥) : حدثنا هاشم بن مرثد
стр. 7981
الطبراني: ثنا محمد بن إسماعيل بن عياش: حدثني ضمضم بن زرعة عن
شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، وفيه ثلاثة علل:
الأولى: الانقطاع بين شريح وأبي مالك؛ كما تقدم بيانه في الحديث الذي
قبله.
الثانية: ضعف محمد بن إسماعيل. وتقدم أيضاً.
الثالثة: هاشم هذا؛ فإنه ضعيف أو أشد؛ قال ابن حبان:
((ليس بشيء))
ذكره عنه الذهبي. وانظر الحديث (١٥١٠) ؛ فإن هنالك حديثاً آخر لمحمد بن
إسماعيل.
ولحديث الترجمة شاهد من حديث عمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير
عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً به.
أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٢ / ٢٨٨) . وقال:
((صحيح)) ! وكذا في ((التلخيص)) للذهبي.
قلت: فالظاهر أنه سقط الحديث من المستدرك؛ لأن نصه فيه موافق لنص
((التلخيص)) تماماً: إسناداً ولفظاً وتصحيحاً! فيبدو لي - والله أعلم - أن الناسخ أو
الطابع نقل نص ((التلخيص)) إلى ((المستدرك)) فظهر التماثل على خلاف
الجادة، ليس فيه بإسناد الحاكم إلى (عمر بن راشد) لننظر فيه.
стр. 7982
لكن تصحيح الذهبي هنا من أوهامه! فقد قال في ((المغني)) :
((عمر بن راشد اليمامي، عن ابن أبي كثير، ضعفوه، وهو عمر بن أبي
خثعم)) .
٥٦٠٨ - (قالَ اللهُ : ثلاثُ خلالٍ غيّبتُهنَّ عن عبادي، لو رآهنَّ رجلٌ ما
عمل سوءاً أبداً: لو كشفت غطاءي حتى يراني فيستسقنَ
ويعلمَ كيفَ أفعلُ لِخلقي إذا أمتُّهم؟ وقبضتُ السمواتِ والأرضينَ ثم
قلت: أنا الملكُ من ذا الذي لهُ الملكُ دوني؟ ! ثم أريهم الجنة وما أعددتُ
لهم فيها من كلِّ خيرٍٍ فيستيقِنُونَها، وأريهم النَّار وما أعددت لهم من كلِّ
شر فيستيقنونها.
ولكن عمداً غيَّبت ذلك عنهم؛ لأعلم كيف يعلمون، وقد بينتُه لهم) .
ضعيف. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣ / ٢٩٤ / ٣٤٤٧)
و ((مسند الشاميين)) (ص٣٣٢) بإسناد الذي قبله.
стр. 7983
٥٦٠٩ - (ما من رجلٍ يستيقظ من الليل فيوقظُ امرأَتَهُ فإنْ غَلَبَهَا
النَّوم نضحَ في وجهها من الماء، فيقومان في بيتِهما فيذكُركانَ الله
ساعةً من الليل؛ إلا غفر لهما) .
ضعيف، أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣ / ٢٩٥ / ٣٤٤٨) وفي
((مسند الشاميين)) (ص٢٣٤) بإسناد الذي قبله.
стр. 7984
قلت: وفيه ثلاث علل كما تقدم، وأعله الهيثمي بواحدة منها، وهي ضعف
محمد بن إسماعيل بن عيَّاش! فانظر إن شئت ((مجمع الزوائد)) (٢ / ٢٦٣)
٥٦١٠ - (إذا نامَ ابنُ آدم، قال الملكُ للشيطانِ: أعطني صحيفَتَكَ.
فيعطيه إياها، فما وجد في صحيقته من حسنةٍ، محا بها عشر سيئات
من صحيفة الشيطانِ، وكتبهنَّ حسناتٍ! فإذا أراد أحدُكم أن ينامَ،
فليكبر ثلاثاً وثلاثين تكبيرةً، ويَحْمَدْ أربعاً وثلاثين تحميدةً، ويسبح ثلاثاً
وثلاثين تسبيحة، فتلك مئة) .
ضعيف. أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٣ / ٣٩٦ / ٣٤٥١) وفي ((مسند
الشاميين)) (ص٣٣٢) بإسناد الحديث الذي قبله.
وفيه ثلاث عللٍ، أعله الهيثمي بواحدة منها كعادته، فقال في ((مجمعه))
(١٠ / ١٢١) :
(وفيه محمد بن إسماعيل بن عيّاش، وهو ضعيف)) .
стр. 7985
٥٦١١ - (ليقُلْ أحدُكم حينَ يرِيدُ أن ينامَ: أمنت بالله، وكفرتُ
بالطاغوت، وعد الله حقٌّ، وصدق المرسلون، اللهم! إني أعوذ بك من
طوارق هذا الليل، إلا طارقاً يطرق بخيرٍ) .
ضعيف أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٣ / ٢٩٧ / ٣٤٥٤) وفي ((مسند
الشاميين)) (ص٣٣٣) بإسناد الذي قبله.
وأعله الهيثمي بمثل ما أعله (١٠ / ١٢٤) ، وفيه علتان أخريان كما تقدم بيانه.