← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 12762

سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (11 273 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.

стр. 8016

يروي عن عمه سعيد بن خثيم ووكيع، كان عُلَيْك الرازي كثير الرواية عنه "! ولقد تساهل ابن الجوزي - خلافاً لعادته - بإيراده هذا الحديث في " الواهيات " دون " الموضوعات "! وأحسن السيوطي باستدراكه عليه؛ فأورده في " ذيل الموضوعات " (ص ٧٧) ، ونقل كلام الذهبي وابن الجوزي المتقدمين، وتبعه ابن عراق، فأورده في " تنزيه الشريعة - الفصل الثالث "، وقال عقب كلام الذهبي: " قلت: وقال في " تلخيص الواهيات ": باطل بيقين، والآفة فيه من أحمد ابن راشد؛ إذ رواته معروفون ثقات سواه. والله أعلم ". وفي هذا الإطلاق للتوثيق نظر لا يخفى على القارئ. ٥٦٢٦ - (يا عليّ! إنَّ لكَ مِنْ عيسى مثلاً: أبغضته اليهودُ حتى بَهَتُوا أُمَّه، وأَحَبَّتْهُ النصارى حتى أَنزلُوه بالمنْزِلِ الذي ليسَ به) . ضعيف. أخرجه البخاري في " التاريخ الكبير " (٢ / ١ / ٢٨١ - ٢٨٢) ، والحاكم (٣ / ١٢٣) من طريق الحكم بن عبد الملك عن الحارث بن حصيرة عن أبي صادق عن ربيعة بن ناجد عن علي: دعاني النبي ﷺ فقال:. . . فذكره. وقال الحاكم: " صحيح الإسناد " وردَّه الذهبي بقوله: " قلت: الحكم؛ وهَّاه ابن معين ". قلت: قال فيه: " ضعيف ليس بثقة، وليس بشيء ". وقال يعقوب: " ضعيف الحديث جداً، له أحاديث مناكير ".

стр. 8017

قلت: وشيخه - الحارث بن حصيرة -؛ لعله هو آفة الحديث؛ فقد كان من المحترقين في التشيع على ضعفه؛ كما قال ابن عدي، وكان يؤمن برجعة علي؛ كما قال أبو أحمد الزبيري. ولقد كان الباعث على تخريج هذا الحديث والكشف عن علته: أن الشيخ محمد أحمد كنعان - حفظه الله - أورده في كتابه " قرة العينين على تفسير الجلالين " (ص ١٣٢) مغتراً بتصحيح الحاكم إياه! وكان عليه أن يراجع - على الأقل - تعليق الذهبي عليه وهل هو موافق له أم مخالف، وإن كان في كثير مما وافقه ما يُنْتَقَدُ؛ كما مر في هذه " السلسلة " نماذج كثيرة. والله المستعان. ٥٦٢٧ - (نَزَلَتْ سُورةُ الأنعامِ ومَعَهَا كَوْكَبٌ مِنَ الملائكةِ سَدَّ ما بينَ الخافِقَيْنِ، لهم زَجَل بالتسبيح والتَّقْدِيسِ، والأرضُ [بهم] تَرْتَج، ورسولُ الله ﷺ يقولُ: سُبحانَ اللهِ العظيمِ، سبحانَ اللهِ العظيم) . منكر. أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٢ / ١٠٠ / ١ / ٦٥٩٣) ، والإسماعيلي في " المعجم " (ص ٦٤ / ٢) ، وابن مردويه - كما في " تفسير ابن كثير " - من طريق أبي بكر أحمد بن محمد بن سالم: حدثنا ابن أبي فديك: حدثنا عمر بن طلحة عن نافع أبي سهيل بن مالك عن أنس بن مالك مرفوعاً. وقال الطبراني: " تفرد به أحمد بن محمد السالمي ". قلت: ولم أعرفه، وفي " مجمع الزوائد " (٧ / ٢٥) : " رواه الطبراني عن شيخه محمد بن عبد الإله بن عرس عن أحمد بن محمد

стр. 8018

ابن أبي بكر السالمي؛ ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات ". قلت: وفي " أنساب السمعاني " و " لباب ابن الأثير ": " أبو أحمد أحمد بن محمد بن سالم بن علي بن عبد الله بن سيار السالمي. نيسابوري، سمع إسحاق بن راهويه وعمرو بن زرارة، روى عنه أبو حامد بن الشرقي الحافظ وغيره ". قلت: ومن الواضح أن هذا متأخر الطبقة عن أبي بكر السالمي مع اختلاف كُنْيَتَيْهِمَا. وأما شيخ الطبراني: ابن عرس؛ فقد تابعه إبراهيم بن درستويه: عند الإسماعيلي وابن مردويه، وقد ترجمه الخطيب في " التاريخ " (٦ / ٧١) برواية جمع عنه غير الإسماعيلي. وأما قول الهيثمي: " وبقية رجاله ثقات "؛ ففي هذا الإطلاق نظر؛ لأن عمر ابن طلحة - وهو ابن علقمة بن وقاص الليثي المدني - مختلف فيه؛ قال أبو زرعة: " ليس بالقوي ". وقال أبو حاتم: " محله الصدق ". وذكره ابن حبان في " الثقات ". وقال ابن عدي: " بعض حديثه مما لا يتابعه عليه أحد ". ومع أنه روى عنه جمع - منهم علي بن المدينة، وعبد الله بن وهب، وعبد الله ابن عبد الحكم -؛ قال الذهبي في " الميزان ":

стр. 8019

" لا يكاد يعرف "! وهذا قول غريب مخالف للقواعد، حتى كدت لغرابته أن أقول: لعله مقحم من بعض النساخ! ولكن حال دون ذلك أنني رأيته أعاد نحوه في كتابه " الضعفاء "، فقال: " فيه جهالة. وقال أبو حاتم: محله الصدق "! والله أعلم. وأما ما رواه الحاكم (٢ / ٣١٥) من طريق محمد بن عبد الوهاب العبدي: أنبأ جعفر بن عون: أنبأ إسماعيل بن عبد الرحمن: ثنا محمد بن المنكدر عن جابر ﵁ قال: لما نزلت سورة الأنعام؛ سَبَّحَ رسولُ الله ﷺ ، ثم قال: " لقد شَيَّعَ هذه السورةَ من الملائكة ما سَدَّ الأُفق ". وقال: " صحيح على شرط مسلم ". قلت: وأقره ابن كثير " لكن رده الذهبي بقوله: " قلت: لا والله! لم يدرك جعفرٌ السديَّ " وأظن هذا موضوعاً ". قلت: والعبدي هذا - وإن كان ثقة؛ فهو - ليس من رجال مسلم. فعلة الحديث الانقطاع؛ فإن السدي إسماعيل مات سنة (١٢٧) وجعفر بن عون يومئذٍ صغير أو لم يولد بعد؛ فقد قيل: إنه ولد سنة (١٢٠) أو (١٣٠) .

стр. 8020

٥٦٢٨ - (خيرُ ما أَعَدَّتِ المرأةُ: الطاعةُ للزَّوْجِ، والاعترافُ بحقّهِ) . منكر. أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (١٠ / ٣٥٥ / ١٠٧٠٢) ، وابن عبد البر في " التمهيد " (٣ / ٣٢٨) من طريق هشام بن يوسف قال: حدثنا القاسم بن فياض عن خلاد بن عبد الرحمن بن جعدة عن سعيد بن المسيب: أنه سمع ابن عباس يقول: إن امرأة قالت: يا رسول الله! ما خير ما أعدت المرأة؟ قال: " الطاعة. . . ". إلخ؛ والسياق لابن عبد البر. ولفظ الطبراني: " ما جزاء غزو المرأة؟ ". والباقي مثله. وهكذا ذكره الهيثمي في " المجمع " (٤ / ٣١٤ - ٣١٥) من رواية الطبراني وقال: " وفيه القاسم بن فياض، وهو ضعيف، وقد وثِّق، وفيه من لم أعرفه ". قلت: كل رواته مترجمون في " التهذيب "؛ ما عدا شيخ الطبراني فيه: أبو خليفة الفضل بن الحباب، وهو ثقة حافظ، مترجم في " التذكرة " وغيره، على أنه متابَع عند ابن عبد البر، فليس فيه من لا يعرف! نعم؛ يمكن أن يوصف بذلك ابن فياض هذا نفسه؛ فقد قال فيه ابن المديني: " إسناده مجهول، ولم يرو عنه غير هشام ". ولذلك؛ جزم الحافظ ابن حجر في " التقريب " بأنه مجهول. وذكر في " التهذيب " أن ابن معين قال:

стр. 8021

" ضعيف ". وعن أبي داود: " هو ثقة ". وقال النسائي: " ليس بالقوي ". وذكره ابن حبان في " الثقات "! ثم ذكره في " الضعفاء " (٢ / ٣١٣) ، وقال: " يروي عنه هشام بن يوسف قاضي صنعاء، كان ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير، فلما كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج بخبره ". ولقد أساء محقق " التمهيد " محمد التائب السعيدي في تعليقه على هذا الحديث؛ فإنه لم يذكر في ترجمة ابن فياض هذا سوى توثيق أبي داود إياه، وعزاه لـ " تهذيب التهذيب " و " الخلاصة "! ٥٦٢٩ - (رأيتُهُ ﷺ حين استَسْقَى لنا أطالَ الدُّعاءَ وأكْثَرَ المسألَةَ، ثم تَحوَّلَ إلى القِبلةِ، وحَوَّلَ رِدَاءَهُ، فَقَلَبَه ظَهْراً لِبَطْن، وتحؤل الناسُ معهُ، [وبدأ بالصلاةِ قبلَ الخطبة] ) . شاذ بهذا السياق. يرويه ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم الأنصاري ثم المازني عن عبد الله بن زيد بن عاصم - وكان أحد رهطه، وكان عبد الله بن زيد من أصحاب رسول الله ﷺ قد شهد معه أحداً - قال: قد رأيت رسول الله ﷺ . . . الحديث دون الزيادة. أخرجه الإمام أحمد (٤ / ٤١) : ثنا يعقوب قال: ثنا أبي عن ابن إسحاق به.

стр. 8022

ثم قال: قرأت على عبد الرحمن: مالك. (ح) وحدثنا إسحاق قال: حدثني مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم يقول: سمعت عبد الله بن زيد المازني يقول: خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى، واستسقى، وحول رداءه حين استقبل القبلة. قال إسحاق في حديثه: وبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم استقبل القبلة فدعا. قلت: والإسناد الأول حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين غير ابن إسحاق، وهو حسن الحديث إذا لم يخالف، كما تقدم بيانه قريباً تحت الحديث (٥٦٢٤) ، وقد خولف في متن هذا الحديث أيضاً كما يأتي تحقيق ذلك بإذن الله تعالى. والإسناد الثاني عن مالك صحيح على شرط الشيخين من طريق عبد الرحمن - وهو ابن مهدي -، وكذلك هو من طريق إسحاق عنه، إن كان هو إسحاق بن سليمان الرازي، وأما إن كان هو إسحاق بن عيسى بن نجيح البغدادي؛ فهو على شرط مسلم وحده، وما نقله الحافظ ابن حجر العسقلاني فيه التلخيص الحبير " (٢ / ١٠٠) عن ابن دقيق العيد أنه قال في " الإلمام ": " إسناده على شرط الشيخين ". يشعر أنه يرى أنه إسحاق الرازي، ولم أجد ما يرجحه؛ فإن الإمام أحمد قد روى عنه كما روى عن البغدادي، وكلاهما روى عن مالك؛ كما أفاده الحافظ المزي في تراجمهم من " تهذيب الكمال ". والله أعلم. وسواء كان هذا أو ذاك؛ فإني أرى - والعلم عند الله - أن تصريح إسحاق في

стр. 8023

حديثه بأنه ﷺ (بدأ بالصلاة قبل الخطبة) شاذ غير محفوظ، وحُجَّتي في ذلك عدة أمور: الأول: مخالفته لكل الحفاظ الذين رووا الحديث عن مالك؛ فإنهم جميعاً لم يذكروا ذلك ألبتة. منهم: عبد الرحمن بن مهدي: عند أحمد؛ كما تقدم، وكذلك رواه عنه (ص ٣٩) . ويحيى بن يحيى الليثي؛ في " موطأ مالك " (١ / ١٩٧) ، و " صحيح مسلم " (٣ / ٢٣) ، والبيهقي (٣ / ٣٥٠) . وقتيبة - وهو ابن سعيد -: عند النسائي (١ / ٢٢٤) (١) . والشافعي: عند البيهقي في " سننه " (٣ / ٣٥٠) . كلهم رووه عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر به؛ دون الزيادة. فيبعد جداً أن يحفظ إسحاق ما لم يحفظه هؤلاء الحفاظ الثقات الأثبات. زد على ذلك ما يأتي: الثاني: أن مالكاً قد توهم عليه من جمع من الثقات؛ دون الزيادة: منهم: سفيان بن عيينة: عند البخاري (١٠٠٥، ١٠١٢ ١٠٢٦، ١٠٢٧) ، ومسلم أيضاً وكذا النسائي وابن ماجه (١ / ٣٨٣) ، وابن الجارود في " المنتقى " (رقم ٢٥٤) ، والبيهقي (٣ / ٣٥٠) ، وأحمد (٤ / ٣٩) ، والحميدي (٤١٥) ،

стр. 8024

والبغوي في " شرح السنة " (٤ / ٣٩٨) ، وكذا الدارقطني (٢ / ٦٦) . ومنهم: يحيى بن سعيد: عند الطحاوي في " شرح المعاني " (١ / ١٩١) ، والدارقطني (٢ / ٦٧) ، وابن خزيمة (١٤٠٦) . ومنهم: شعبة: عند الطحاوي، وكذا البخاري (١٠١١) ؛ لكن قال عنده: " عن محمد بن أبي بكر " مكان: " عبد الله بن أبي بكر "، وهما أخوان كما ذكر الحافظ في " الفتح " (٢ / ٤٩٨) ، ولم يشر إلى رواية الطحاوي هذه التي يبدو لي أنها الأرجح؛ لأن جُلَّ روايات هذا الحديث تدور عليه، ثم على أبيه كما يأتي. وأما رواية أخيه محمد هذا؛ فلم أرها في مكان آخر. والله أعلم. قلت: فاتفاق هؤلاء الثقات الثلاثة مع مالك في رواية الجماعة عنه المحفوظة مما يؤكد شذوذ رواية إسحاق عنه؛ كما لا يخفى على من مارس هذا العلم الشريف وعرف علله؛ بل هي مخالفة لظاهر رواية سفيان منهم، فإنها بلفظ: " خرج النبي ﷺ إلى المصلى، فاستسقى واستقبل القبلة، وقلب رداءه وصلى ركعتين ". هذا لفظ مسلم والآخرين. ولفظ البخاري: " فصلى ركعتين ". وفي آخر له: " خرج إلى المصلى يستسقي، واستقبل القبلة. فصلى ركعتين وقلب رداءه ". قال سفيان: فأخبرني المسعودي عن أبي بكر قال: جعل اليمين على الشمال. قلت: فهذا اللفظ بظاهره يخالف سياق الجماعة المتقدم عن سفيانِ، فإن لم يُؤَوَّلْ بحيث يتفق مع لفظهم؛ فهو شاذ، ولعله من الممكن أن يقال: إنما أخَّر ذكر

стр. 8025

القلب فيه ليتصل تفسير أبي بكر إياه به، وذلك تصرف من شيخ البخاري فيه عن سفيان. وإن مما يؤكد ذلك أمران: أحدهما: أن الدارقطني زاد عقب رواية الجماعة المتقدمة: ((قال سفيان: جعل اليمين على الشمال والشمال على اليمين)) . والآخر: أنه جاء كذلك مفسراًًً ًمفصلا ًعقب الحديث في رواية لابن خزيمة (١٤١٤) عن سفيان قال: ثنا المسعودي ويحيى - هو الأنصاري - عن أبي بكر، فقلت لعبد الله بن أبي بكر: حديث حدثنا يحيى والمسعودي عن أبيك عن عباد ابن تميم؟ قال: أنا سمعته من عباد بن تميم يحدث أبي عن عبد الله بن زيد: أن النبي ﷺ خرج إلى المصلى فاستسقى، فقلب رداءه وصلى ركعتين. قال المسعودي: عن أبي بكر عن عباد بن تميم. قلت له: أخبرنا: أَََجَعَلَ أعلاه أَََسْفَلََهُ أو أسَفَلََه أعلاه، أم كيف جَعَله؟ قال: لا؛ بل جعل اليمين الشمال، والشمال اليمين. قلت: فهذا كله يؤكد أن لفظ البخاري وقع فيه تقديم وتأخير، وأن المعتمد لفظ الجماعة. ومن الغريب - حقا ً - أن لا يعترض الحافظ ابن حجر لبيان ذلك؛ بل هو على العكس أشار من طرف خفي إلى أنه لا شيء فيه حين قال تحته (٢ / ٥١٥) : ((قال ابن بطال: حديث أبي بكر يدل على أن الصلاة قبل الخطبة؛ لأنه ذكر أنه صلى قبل قلب ردائه، قال: وهو أضبط للقصة من ولده عبد الله بن أبي بكر؛ حيث ذكر الخطبة قبل الصلاة)) .

стр. 8026

وأغرب من ذلك أنه أقر ابن بطال على هذا الكلام ولم يعلق عليه بشيء، مع كونه كلام بطال؛ لأن حديث أبي بكر مثل حديث انه في أن كلا ً منهما ذكر الخطبة قبل الصلاة، أما حديث الابن فهو الذي كنا في صدده، وأما حديث الأب فهو التالي! وبالجملة؛ فالطرق المتقدمة عن عبد الله بن أبي بكر كلها متفقة مع رواية مالك المحفوظة أنه ليس فيها أنه ﷺ بدأ بالصلاة قبل الخطبة؛ فتأكد شذوذها. ويزيد ذلك تأكيداًَ الأمر التالي، وهو: الثالث: أن عبد الله بن أبي بكر قد توبع على الرواية المحفوظة من جمع. أولهم: أبوه أبو بكر بن محمد أن عباد بن تميم أخبره به. أخرجه البخاري (١٠٢٨) ، ومسلم والدارمي (١ / ٣٦٠) ، وابن ماجه وابن خزيمة (١٤٠٧) ، والدارقطني (٢ / ٦٧ / ٩) ، وعبد الرزاق (٣ / ٨٣ / ٤٨٩٠) ، والحميدي (٤١٦) - وعنه البيهقي (٣ / ٣٥٠) -، وأحمد (٤ / ٣٨ - ٣٩) من طرق عنه. بعضهم لم يسق لفظه، وإنما أحال به على حديث سفيان المتقدم عن عبد الله بن أبي بكر بقوله: ((بمثله)) ؛ كابن ماجه، أو قولِِهِ: ((نحوه)) ؛ كالدارقطني والحميدي، وساق له البيهقي مثلما تقدم، قال: ((يستسقي، فحول رداءه، واستقبل القبلة، وصلى ركعتين)) . وهكذا ساقه ابن خزيمة، ولفظه أتم: ((خرجنا مع رسول الله ﷺ في الاستسقاء، فخطب، واستقبل القبلة، ودعا واستسقى، وحول رداءه، وصلى بهم)) .

стр. 8027

ولفظ الشيخين - والسياق لمسلم -: ((خرج ﷺ إلى المصلى يستسقي، وإنه لما أراد أن يدعو؛ استقبل القبلة، وحوّّل رداءه)) . قلت: ومن هذا التخريج تبين خطأ ابن بطال الذي زعم أن حديث أبي بكر فيه الصلاة قبل الخطبة؛ فإنك ترى بعض الروايات عنه مصرحة بخلاف ما زعم، والأخرى لم تتعرض لذلك بذكر؛ لا سلباً ولا إيجاباً. وعلى كل حال؛ فهو من الشواهد الكثيرة على خطأ رواية إسحاق المتقدمة عن مالك فتذكر، أما على الروايات المصرحة فواضح، وأما على الروايات الأخرى فالشذوذ بالزيادة على الثقات. ثانيهم: عمرو بن يحيى عن عباد بن تميم به نحو رواية الشيخين المذكورة آنفاً. أخرجه البخاري (٦٣٤٣) . ثالثهم: الزهري قال: أخبرني عباد بن تميم المازني: أنه سمع عمه - وكان من أصحاب رسول الله ﷺ يقول: ((خرج رسول الله ﷺ يستسقي، فجعل إلى الناس ظهره، يدعو الله، واستقبل القبلة، وحول رداءه، ثم صلى ركعتين [جهر فيهما بالقراءة] )) . أخرجه البخاري (١٠٢٣، ١٠٢٤، ١٠٢٥) ، ومسلم وأبو داود (١١٦١) ، والترمذي (٥٥٦) ، والنسائي (١ / ٢٢٤ / ٢٢٦) ، والدارمي (١ / ٣٦١) ، وابن خزيمة (١٤١٠، ١٤٢٠) ، وابن الجارود (٢٥٥) ، وّ الطحاوي (١ / ١٩٢) ، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢ / ٤٧٣) ، وعبد الرزاق (٤٨٨٩) ، والدارقطني (٢ /

стр. 8028

٦٧) ، والبهيقي (٣ / ٣٤٨ - ٣٤٩) ، والطيالسي (١١٠٠) ، وأحمد (٤ / ٣٩ - ٤١) ، من طرق عن الزهري به. والسياق لمسلم وغيره، والزيادة للبخاري وغيره، وبعضهم اختصره. ومعمر - من بينهم جميعاً - قَلََبَهُ فوصف الصلاة أولا ً، ثم وصف تحويل الرداء والدعاء، خلاف رواية الجماعة؛ فإنهم أخروا الصلاة على نحو السياق المذكور أعلاه، وهو نص قاطع في تقديم الخطبة على الصلاة، فإذا انضم هذا إلى ما تقدم من الطرق من رواية الثقات الآخرين حصل اليقين بأن رواية إسحاق المتقدمة عن مالك شاذة؛ بل باطلة. ثم إن الباحث ليزداد يقينا ًبما ذكرنا حين يعلم أن للنص المذكور شواهد معتبرة صريحة في ((السنن)) وغيرها من حديث عائشة وابن عباس ﵄؛ بأسانيد صححها جمع، وهما مخرجان في ((الإرواء)) (٦٦٥، ٦٦٨) و ((صحيح أبي داود)) (١٠٥٨، ١٠٦٤) ، فلا نطيل الكلام بتخريجهما. ومن العجيب أن الحافظ في شرحه لحديث الزهري هذا وتعليقه على قوله فيه: ((ثم صلى ركعتين)) قال (٢ / ٤٩٩ - ٥٠٠) : ((واستدل به على أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة، وهو مقتضى حديث عائشة وابن عباس المذكورين؛ لكن وقع عند أحمد في حديث عبد الله ابن زيد التصريح بأنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وكذا في حديث أبي هريرة عند ابن ماجه)) . قلت: حديث عبد الله بن زيد قد علمت أنه شاذ مخالف لروايات الثقات، ومثله بل أسوأ منه: حديث أبي هريرة؛ فقد شذ رواية النعمان بن راشد عن

стр. 8029

جميع أصحاب الزهري الذين رووه عنه عن عباد عن عبد الله بن زيد كما تقدم؛ فشذ هو عنهم جميعا ً سندا ً ومتنا ً، وهذا ما سأقوم بتحقيقه في الحديث الآتي بعدً هذا إن شاء الله تعالى. بقي علينا بيان شذوذ سياق ابن إسحاق للحديث، وفي ظني أن القارئ المتتبع للبحث السابق قد لمح ذلك من ثنايا الروايات الصحيحة وغيرها؛ فإنه ليس فيها كلها ما ذكره ابن إسحاق من الإطالة والإكثار وتحول الناس معه، ولا جاء ذلك في شيء من أحاديث صلاة الاستسقاء التي وقفت عليها، والشذوذ - بل النكارة - تثبت بأقل من ذلك بكثير. والله تعالى ولي التوفيق. وقد كنت حسنت هذا الحديث في ((الإرواء)) (٦٧٦) جرياً على ظاهر الإسناد، وكنت غافلا ً عما فيه من النكارة، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، كما أن النووي سكت عنه في ((المجموع)) (٥ / ٨٠) ، وأوهم الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢ / ٢٤٢) أن الحاكم رواه بزيادة: ((وتحول الناس)) . وقال: ((قال الحاكم: على شرط مسلم)) . فأقول: إنما روى الحاكم حديث تحويل الخميصة الذي ذكره الزيلعي قبله من رواية أبي داود، وليس فيه الزيادة، وهو في ((صحيح أبي داود)) (١٠٥٥) . وأما قول الزيلعي ـ وتبعه ابن حجر في ((الدراية)) (١ / ٢٢٧) ـ: ((وقول المصنف رحمه الله تعالى (يعني صاحب الهداية) ، ((لا يقلب القوم أرديتهم؛ لأن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه أمرهم بذلك)) . قلت: لم يأمرهم؛

стр. 8030

لكنهم فعلوه بحضرته فلم ينكره. أخرجه أحمد كما ترى)) . فأقول: هذا رد واه ٍ؛ لأن مجرد رواية أحمد له لا يستلزم صحته، فكيف وقد بينا أنه شاذ لا يصح. فتنبه. ومن العجيب أن ابن حزم ذكر قلب الناس لأرديتهم في صلاة الاستسقاء من ((المحلى)) (٥ / ٩٣) دون أن يذكر الحجة في ذلك، وهو مذهب مالك، وكذا الشافعي في ((الأم)) (١ / ٢٨٧) ، وزاد عليهم فقال (١ / ١٢٣) : ((ولا يحول رداءه إذا انصرف من مكانه الذي يخطب فيه، وإذا حولوا أرديتهم أقروها محولة كما هي حتى ينزعوها متى نزعوها)) ! ٥٦٣٠ - (خرج َ بني الله ﷺ يوماً يستسقي، فصلى بنا ركعتين بغير أذان ٍ ولا إقامة ٍ، ثم خَطَبَنَا، ودعا الله، وحوّل وجهَه نحو القبلةِ رافعا ً يَدَهُ، ثم قَلَبَ رداءَهُ، فجعلَ الأيمنَ على الأيسرِ، والأيسرَ على الأيمنِ ِ) . منكر بذلك الخطبة بعد الصلاة. أخرجه أحمد (٢ / ٣٢٦) ، وابن ماجه (١ / ٣٨٤) ، وابن خزيمة (١٤٠٩ / ١٤٢٢) ، والطحاوي (١ / ١٩٢) ، والبيهقي (٣ / ٣٤٧) من طريق النعمان بن راشد عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال:. . . . . . . فذكره. وقال ابن خزيمة عقبه: ((في القلب من النعمان بن راشد؛ فإن في حديثه عن الزهري تخليطا ً كثيرا ً)) . وقال البيهقي: ((تفرد به النعمان)) .

стр. 8031

قلت: قال البخاري في ((التاريخ)) (٤ / ٢ / ٨٠) : ((في حديثه وهم كثير، وصدوق في الأصل)) . وقال أحمد: ((مضطرب الحديث، روى مناكير)) . وضعفه آخرون. ولذلك؛ قال الحافظ في ((التقريب)) : ((صدوق سيئ الحفظ)) . قلت: فمن كان هذا حاله فأحسن أحواله أن يستشهد بحديثه ويتقوى بغيره، وأما أن يحتج به فلا، ولذلك، قال ابن خزيمة بعد تضعيفه إياه فيما نقله عنه آنفا ً: ((فإن ثبت هذا الخبر؛ ففيه دلالة على أن النبي ﷺ خطب ودعا وقلب رداءه مرتين: مرة قبل الصلاة ومرة بعدها)) . وإنما قال هذا على فرض ثبوته؛ توفيقا ًبينه وبين حديث عبد الله بن زيد الذي ذكرته قبل هذا بألفاظ، منها لفظ ابن خزيمة: خرجنا مع رسول الله ﷺ في الاستسقاء، فخطب، واستقبل القبلة، ودعا واستسقى، وحول رداءه، وصلى بهم. والأََوْلََى أن يقال ـ إن ثبت ـ: إنه تجوز الصلاة قبل الخطبة والدعاء والتحول والتحويل، كما يجوز العكس؛ لثبوت هذا في ثلاثة أحاديث صحيحة كما تقدم بيانه في الحديث السابق. ومادام أنه لم يثبت هذا الحديث المخالف لها؛ فلا يؤخذ به. هذا هو الذي يقتضيه قاعدة الجمع بين الأحاديث المقبولة التي ذكرها الحافظ في ((شرح النخبة)) ؛ فتنبه.

стр. 8032

ولذلك؛ فإني أقول: لقد تبين لي وأنا أعد لهذا البحث والتحقيق: أن بعض العلماء لم يكن موقفهم تجاه هذا الحديث ونحوه الموقف الذي يوجبه التحقيق والتجرد والإنصاف، لا من الناحية الحديثية ولا من الناحية الفقهية، وإليك بعض الأمثلة بالقدر الذي تحصل به العبرة. أما الناحية الحديثية؛ فقد مر بك قول البيهقي في هذا الحديث أنه تفرد به النعمان بن راشد، وما قاله أحمد والبخاري وغيرهما فيه من الضعف، ومع ذلك فقد وجدت ما يأتي: أولا ً: نقل الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (٢ / ٩٨) عن البيهقي أنه قال في كتابه ((الخلافيات)) : ((رواته ثقات)) . كذا قال! وما أظن أنه خفي عليه الضعف المشار إليه آنفا ً، ومع ذلك أقره عليه الحافظ! وهو القائل في رواية (النعمان) : ((صدوق سيئ الحفظ)) كما تقدم. ثم نقله عنه الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (٤ / ٤) ، والشيخ البنا الساعاتي في ((الفتح الرباني)) (٦ / ٢٣٣) ؛ دون أي تعقيب أو تعليق! وكذلك فعل الشيخ أحمد الغماري في ((مسالك الدلالة على مسائل متن الرسالة)) (ص ٨٩) وزاد عليهم أنه لم يعزه للحافظ، فأوهم أنه نقله من ((الخلافيات)) مباشرة! وكذلك فعل في تخريج سائر الأحاديث، نقلها عن ((تلخيص الحافظ)) دون أي عزو إليه أو

стр. 8033

ذكر له! ! ثانيا ً: لم يقف الأمر بالحافظ عند ما ذكرنا؛ بل إنه زاد في الطين بِِلة؛ فقال في كتابه ((الدراية)) (١ / ٢٢٦) : ((وإسناده حسن)) ! قال هذا، وهو يرى أصله الذي بين يديه (أعني: ((نصب الراية)) للزيلعي) يتعقب قول البيهقي: ((تفرد به النعمان. . . . . .)) بقوله: ((قال البخاري: هو صدوق؛ لكن في حديثه وهم كبير)) . وهذا الحديث مما يؤكد هذا القول؛ فإن النعمان قد رواه عن الزهري بسنده عن أبي هريرة. وقد رواه الثقات من أصحاب الزهري عنه بسندٍ آخر له عن عبد الله بن يزيد الأنصاري نحوه، وفيه تقديم الخطبة على الصلاة؛ كما تقدم بيانه وتحقيقه في الحديث الذي قبله. فتفرد النعمان بهذا الإسناد والمتن عن الزهري دون أصحابه الثقات مما يجعل حديثه شاذا ً لو كان ثقة، فكيف وهو سيء الحفظ بشهادة الحافظ نفسه! فكيف يقول: ((إسناده حسن)) ؟ ! ليغتر به المعلق الفاضل على كتابه ((فتح الباري)) (٢ / ٥٠٠ - المطبعة السلفية) ، فيجمع بينه وبين الأحاديث الصحيحة المعارضة له بجواز الأمرين! ثالثا ً: وأنكر من ذلك كله: قول البوصيري في ((الزوائد)) (ق ٧٩ / ٢) و (١ / ١٥٠ - طبعة دار العربية) :

стр. 8034

((هذا إسناد صحيح، ورجاله ثقات. . . . ورواه الحاكم. . . . .)) . ولم أره في ((مستدرك الحاكم)) ولا رأيت غيره عزاه إليه! وكأنه لما رأى شيخَه الحافظ َ سكت عن قول البيهقي: ((رواته ثقات)) ؛ استلزم منه صحة إسناده! وليس بلازم كما لا يخفى على أهل العلم. وقد اغتر به أبو الحسن السندي في ((حاشية ابن ماجه)) (١ / ٣٨٤) ، فنقل تصحيحه هذا ساكتا ً عليه أيضا ً! وأما الناحية الفقهية؛ فأغرب، من حيث الابتعاد عن المنهج العلمي، وهاك بعض الأمثلة: الأول: عمل بهذا الحديث المنكر المالكية والشافعية، فذهبوا إلى تأخير الخطبة عن الصلاة، ونص على ذلك مالك في ((الموطأ)) ، والشافعي في ((الأم)) ، وتبعهم الإمام أبو يوسف كما نقله عنه أبو جعفر الطحاوي، واحتج له بقياس صلاة الاستسقاء على صلاة العيدين (١) ! مع كونه يعلم أنه خلاف الأحاديث الصحيحة المتقدمة، وقد خرجها كلها، ومن بَدَهِيات الفقه: أنه لا اجتهاد ولا قياس في مخالفة النص. ولقد كان أسعد الناس في هذه المسألة الإمام محمد بن الحسن؛ فإنه وفق للسنة فيها؛ فقد ذكر في كتابه ((الحجة على أهل المدينة)) مذهبهم فيها مثلما ذكرته عن مالك، ثم قال (١ / ٣٣٣) : ((وقد كان أهل المدينة يقولون قبل هذا: يبدأ الإمام في الاستسقاء بالخطبة قبل الصلاة بمثل فعله في الجمعة)) . قال: ((وقول أهل المدينة الآخر أحب إلينا من

стр. 8035

قولهم الأول)) . ثم ساق حديث ابن عباس، وحديث عبد الله بن زيد المازني المتقدمين، مع شاهد لهما من فعل الصحابة يحسن أن أسوقه هنا إتماما للفائدة، فقال: أخبرنا سفيان الثوري قال: حدثنا أبو إسحاق (السبيعي) عن عبد الله بن يزيد الأنصاري (وهو الخَطمي) قال: خرج يستسقي بالكوفة ـ وقد كان رأى النبي ﷺ ، فقام قائما ً على رجليه على غير منبر، فاستسقى واستغفر، فصلى ركعتين. قال: ووافقنا زيد بن أرقم في الاستسقاء. وتابعه: عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣ / ٨٦) عن الثوري به؛ لكن وقع في متنه خطأ بينه الحافظ في ((الفتح)) (٢ / ٥١٣) ، فراجعه إن شئت. وتابعه: زهير ـ وهو ابن معاوية الجعفي ـ قال: ثنا أبو إسحاق به. وزاد في أوله: وخرج فيمن كان معه: البراء بن عازب، وزيد بن أرقم. قال أبو إسحاق: وأنا معه يومئذ ٍ. وفي آخره: ((ونحن خلفه، فجهر فيهما بالقراءة، ولم يؤذ?ن يومئذ ٍ ولم يُقِمْ)) . أخرجه البخاري (٢ / ٥١٣ / ١٠٢٢) ، والطحاوي (١ / ١٩٣) ، والبيهقي (٣ / ٣٤٩) وقال: ((رواه الثوري عن أبي إسحاق قال: فخطب ثم صلى، ورواه شعبة عن أبي إسحاق قال: فصلى ركعتين، ثم استسقى، ورواية الثوري وزهير أشبه)) .

стр. 8036

يعني أن شعبة انقلب عليه هذا الأثر، فذكر الصلاة قبل الخطبة، وهو خطأ منه على السبيعي؛ كما أخطأ معمر على الزهري في قلبه لحديثه عن عباد عن عبد الله ابن زيد؛ كما تقدم تحقيق ذلك في الحديث الذي قبله. ويشير برواية الثوري إلى رواية عبد الرزاق المتقدمة عنه، ولفظه: فخطب، ثم صلى بغير أذان ولا إقامة. قال: وفي الناس يومئذٍ البراء بن عازب وزيد بن أرقم. ورواها ابن أبي شيبة في " المصنف " مختصراً فقال (٢ / ٤٧٣) : حدثنا وكيع قال: ثنا سفيان عن أبي إسحاق قال: خرجنا مع عبد الله بن يزيد الأنصاري نستسقي، فصلى ركعتين، وخلفه زيد ابن أرقم. ورواه الفسوي في " تاريخه " (٢ / ٦٣٠) : حدثنا قبيصة قال: ثنا سفيان به قال: بعث عبد الله بن الزبير إلى عبد الله بن يزيد الخطمي: أن استسق بالناس، فخرج وخرج الناس معه، وفيهم زيد بن أرقم والبراء بن عازب. ورواية شعبة التي أشار إليها البيهقي؛ وصلها مسلم (٥ / ١٩٩) من طريق محمد بن جعفرعنه. وقد خالفه سليمان بن حرب وأبو الوليد الطيالسي ومحمد بن كثير عن شعبة بلفظ: وصلى بالناس ركعتين.

стр. 8037

أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٥ / ٢١١ - ٢١٢) ؛ لكن سقط منه ذكر عبد الله بن يزيد، ولعله من الناسخ أو الطابع. قلت: فهذا اللفظ ليس صريحاً في مخالفة لفظ الثوري وزهير، فليحمل عليه، بخلاف لفظ محمد بن جعفر؛ فإنه صريح في ذلك؛ فلا بد من الترجيح، ولا شك أن رواية الجماعة أرجح من رواية الفرد، وبخاصة إذا كان فيه نوع كلام؛ فقد قال الحافظ في ترجمته - أعني: ابن جعفر، وهو المعروف بـ (غُنْدَر) -: " ثقة صحيح الكتاب؛ إلا أن فيه غفلة ". وبالجملة؛ فالصحيح المحفوظ في هذا الأثر تقديم الخطبة على الصلاة وفق الرواية المحفوظة في حديث عبد الله بن زيد المازني وحديث عائشة وابن عباس. فلا جرم أن يكون الإمام محمد أسعد الناس بالسنة؛ لإيثاره إياها على ما خالفها. الثاني: استمرار الشافعية والحنفية - خلافاً للإمام محمد - على ترجيح وتفضيل تقديم الصلاة على الخطبة، وهم يعلمون أن ما في " الصحيحين " وغيرهما عن عبد الله بن زيد وعائشة وابن عباس أصح وأكثر؛ كما تقدم بيانه، ولو أنهم عكسوا لأصابوا؛ لأنه ليس لهم حجة إلا ذاك الحديث الشاذ وهذا الحديث المنكر، حتى إن الامام الشيرازي لم. يحتج في " المهذب " إلا به، ومع أنه ذكره في موضع آخر منه؛ فقد مر عليه النووي في شرحه عليه: " المجموع " (٥ / ٦٦، ٧٧) فلم يخرجه مطلقاً، ولا استدل بغيره على مذهبه؛ بل إنه صرح (٥ / ٩٣) بأنه الأفضل؛ قال: " فلو خطب قبل الصلاة؛ صحت الخطبة، وكان تاركاً للأكمل "! وتبعه العيني في " عمدة القاري " (٤ / ٣٤) .

стр. 8038

فلا أدري - والله! - كيف يتجرأون على مثل هذا القول المخالف للأحاديث الصحيحة وفعل الصحابة كما تقدم في أثر عبد الله بن يزيد الأنصاري، وليس بأيديهم ما يساويها ثبوتاً، فضلاً عن أن تكون أقوى منها دلالة؟ ! فلو أنها كانت ثابتة لما دلت على أكثر من الجواز، فالأفضلية من أين؟ ! ومن ذاك القبيل؛ قول محدِّثهم الأكبر - بحق - في " فتح الباري " (٢ / ٥٠٠) : " ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك بأنه ﷺ بدأ بالدعاء، ثم صلى ركعتين ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على شيء، وبعضهم على شيء، وعبر بعضهم عن الدعاء بالخطبة، فلذلك وقع الاختلاف "! ونقله عنه الشوكاني (٤ / ٥) ! فأقول: أولاً: الجمع فرع التصحيح، فما دام أنه لم تثبت خطبته ﷺ بعد الصلاة؛ فلا جمع؛ لأنه يشترط فيه أن تكون الروايتان المختلفتان من قسم (المقبول) ؛ كما ذكر ذلك الحافظ نفسه في " شرح النخبة ". وثانياً: يدفع الجمع المذكور برواية ابن خزيمة المتقدمة في أول هذا التخريج؛ فإنها صرحت بأن النبي ﷺ لما استسقى خطب ودعا. فسقط الجمع المذكور، فوجب الاعتماد على الأحاديث الصحيحة فقط والأثر الموافق لها. ولعل هذا مذهبُ الحافظ ابن المنذر؛ فقد قال النووي عقب ما سبق نقله عنه: " وأشار ابن المنذر إلى استحباب تقديم الخطبة، وحكاه عن عمر بن الخطاب وغيره، وحكاه العبدري عن عبد الله بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، والليث بن سعد ".

стр. 8039

الثالث - وهو أغرب وأعجب -: استمرار الحنفية في متونهم على إنكار شرعية الجماعة في صلاة الاستسقاء، كما في " شرح الكنز " للعيني (١ / ٦٣) ، و " البحر الرائق " لابن نجيم المصري (٢ / ٢٨١) ، و " الدر المختار " (١ / ٧٩٠) بشرحه " رد المحتار " وغيرها! وقال ابن عابدين في " شرحه " (١ / ٧٩١) : " وكلام المصنف لـ " الكنز " يفيد عدم المشروعية؛ كما في " البحر "، وتمامه في " النهر "، وظاهر كلام " الفتح " ترجيحه "! يعني: " فتح القدير " لابن الهمام. كل ذلك منهم خلاف للأحاديث والآثار؛ بل وخلاف قول الإمامين أبي يوسف ومحمد، وتعصباً منهم للإمام أبي حنيفة؛ فإنه تفرد بذلك من بين الأئمة؛ بل إن ظاهر كلامه أنه ينكر شرعية الصلاة للاستسقاء مطلقاً، وسلفه في ذلك إبراهيم النخعي؛ فإنه كان لا يصليها. فقد روى ابن أبي شيبة فيه المصنف " (٢ / ٤٧٤) بسنده الصحيح عن أسلم العجلي - وهو ثقة - قال: خرج الناس مرة يستسقون، فخرج معهم إبراهيم، فلما فرغوا؛ قاموا يصلون، فرجع إبراهيم ولم يُصَلِّ معهم. وفي رواية له: أن الإمام كان المغيرة بن عبد الله الثقفي. وكذا رواه الإمام محمد في " الحجة على أهل المدينة " (١ / ٣٣٣ - ٣٣٤) ؛ ولكنه قال: " المغيرة الثقفي ". وإسنادهما منقطع. وقال محمد (١ / ٣٣٢) : " قال أبو حنيفة: لا نرى في الاستسقاء صلاة. وكان يرى أن يخرج الإمام فيدعو ". ثم ذكر مذهب أهل المدينة في صلاة الاستسقاء - وقد سبق نقله عنه -، ثم قال:

стр. 8040

" وكان إبراهيم النخعي يقول بقول أبي حنيفة: " يرى في ذلك صلاة ". قلت: ورأيهما هذا لا يمكن توجيهه إلا على أنه لم تبلغهم تلك الأحاديث الصحيحة والآثار عن السلف، وإلا؛ لقالوا بها، وكانوا مع الجماعة؛ إذ من المقطوع به أنه لا عداء بين أحد وبين السنة، وبخاصة من كان منهم من الأئمة، كيف وهم القائلون: " إذا صح الحديث فهو مذهبي "؟ ! وإن في موقفهما هذا من هذه الصلاة المسنونة تنبيهاً على أمرين هامين: الأول: أن الأصل في العبادات المنع إلا لنص، فلما لم يبلغهما؛ وقفا مع الأصل، ولولا ذلك لقالا فيها كما يقول كثير من الناس اليوم لأهل السنة حين ينكرون عليهم البدعة في العبادة: (يا أخي! شو فيها، كفاكم تشدداً؟ !) . والآخر: قول الإمام الشافعي: " ما من أحد إلا وتذهب عليه سُنَّةٌ لرسول الله ﷺ وتعزبُ عنه، فمهما قلتُ من قول، أو أصَّلتُ من أصل فيه عن رسول الله ﷺ خلاف ما قلت؛ فالقول ما قال رسول الله ﷺ ، وهو قولي ". ونحوه قول الأئمة المتقدم: " إذا صح الحديث؛ فهو مذهبي ". وقول أبي حنيفة: " إذا قلت قولاً يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول ﷺ ؛ فاتركوا قولي ". انظر تخريج هذه الأقوال في " صفة صلاة النبي ﷺ "، المقدمة. ولكن؛ هل ائتمر أصحاب أبي حنيفة بأمره هذا لهم فتركوا قوله بعدم شرعية صلاة الاستسقاء؟

стр. 8041

لقد انقسموا فريقين: أما المتقدمون منهم؛ فقد تركوه وقالوا بها؛ كالإمام محمد وأبي يوسف والطحاوي كما تقدم، وكالحافظ الزيلعي من المتأخرين كما يأتي. وأما المتأخرون منهم؛ فكانوا متعصبين للإمام على اختلاف بينهم: أ - فمنهم من انتصر للإمام وقده فيما ذهب إليه من نفي الشرعية، وتجاهل تلك الأحاديث والآثار الصحيحة؛ بل ونفى ما لم ينفه الإمام؛ كالمرغيناني في " الهداية "؛ فقال (٢ / ٥٨ - بشرح فتح القدير) : " ورسول الله ﷺ استسقى، ولم ترو عنه الصلاة "! فردَّ عليه الحافظ الزيلعي بقوله في " نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية " (٢ / ٢٣٨) فقال: " أما استسقاؤه ﵇؛ فصحيح ثابت، وأما أنه لم يرو عنه الصلاة؛ فهذا غيرصحيح؛ بل صح أنه صلى فيه؛ كما سيأتي ". ثم ساق الأحاديث المتقدمة. ب - ومنهم من لم يستطع أن ينكر روايتها؛ لشهرتها في " الصحيحين " و" السنن " و " المسانيد " وغيرها؛ ولكنه كابر فقال بشذوذها؛ كابن الهمام في " الفتح " (٢ / ٥٩) ، والخوايزمي على " الهداية " (٢ / ٥٨) ! بل إن ابن الهمام نقل عن الإمام محمد أنه قال في " الكافي " - جمعه بعضهم من كلام محمد -: " لا صلاة في الاستسقاء، إنما فيه الدعاء؛ بلغنا عن النبي ﷺ أنه خرج ودعا، وبلغنا عن عمر أنه صعد المنبر فدعا واستسقى. ولم يبلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 8042

في ذلك صلاة إلا حديث واحد شاذ لا يؤخذ به ". قلت: وهذا مما لا أظنه ثابتاً عن الامام محمد، كيف وهو قد روى في " الحجة " حديثين اثنين بإسنادين ثابتين كما تقدم؟ ! ومثل هذا النقل عن الإمام محمد مما يجعلنا نشك في كثير مما يذكره الحنفية في كتبهم معزواً لأئمتهم. ثم ما هو هذا الحديث الواحد؟ وما هو وجه شذوذه؟ ! ولئن سلم بالشذوذ فيه؛ فكيف يمكن أن يقال به في أحاديث ثلاثة صحيحة الأسانيد كلها تلتقي في قضية واحدة، وهي أنه ﷺ صلى صلاة الاستسقاء، وفي أكثر من حادثة واحدة؟ ! تالله! لئن كان يصح في العلم أن يقال في مثله: " شاذ "؛ فليس في الدنيا حديث صحيح غير شاذ! ج - وبعضهم - لشدة تعصبه لإمامه ورفعه فوق مستوى الأئمة - صعب عليه أن يعتقد أن إمامه ينفي شرعية الصلاة! لأن لازم ذلك الاعتراف بأنه لم يطلع على أحاديثها، ثقل عليهم هذا؛ فتأولوا كلامه بتأويلين ينبو كلامه عنهما: الأوَّل: أنه يعني نفي سنية الصلاة، لا عدم جوازها! والآخر: أنه لا يعني نفي شرعية الصلاة مطلقاً، وإنما يعني صلاتها بجماعة! (انظر " شرح الكنز " و " الهداية " وشروحها) (١) . ولذلك؛ نقموا على الحافظ الزيلعي إنكاره ما نسبوه إلى الإمام من إنكاره لإنكاره الذي ذكره في " الهداية "! وليس يخفى على أحد أن ذلك كله تكلف بارد، وأن عبارة الإمام صريحة في إنكار شرعية صلاة الاستسقاء، فتأويل ذلك بما تقدم باطل ظاهر البطلان؛ لمخالفته لعموم قوله: " لا نرى في الاستسقاء صلاة ".

стр. 8043

كما قال محمد عنه، ويزيده بياناً قوله عنه: " وكان يرى أن يخرج الإمام فيدعو ". فهذا فقط الذي يراه الإمام ﵀، فكيف يصح أن ينسب إليه أنه يرى شرعية صلاة الاستسقاء لا سنيتها، أو صلاتها انفراداً لا جماعة! ثم ليت شعري كيف يجوز أن ينسب إليه شرعية صلاتها منفرداً وليس في ذلك خبر ولا أثر؟ ! وختاماً أقول: كفاكم أيها القوم لفاً ودوراناً دفاعاً عن إمامكم مع أنه ليس بمُليم؛ لأنه وقف عند ما علم، فعليكم باتباع ما ثبت في السنة؛ فإنها هي الأصل، فإذا فاتت الإمام؛ فلم تفتكم، وقامت بها الحجة عليكم، فقولوا للناس: صلاة الاستسقاء سنة؛ فعلها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَإِ غير مرة، وبين يديها خطبة، ودعاء وتضرع، فإن اقتصر على الدعاء جاز؛ لكن ما ذكر من الخطبة والصلاة منه أفضل. هذا هو الذي يتحصل من الأحاديث الواردة في هذا الباب. واللله ﵎ هو الهادي إلى الصواب. ٥٦٣١ - (سُنَّةُ الاستسقاء سُنَّةُ الصَّلاةِ في العيدَين؛ إلا أَنّ رسولَ الله ﷺ قلبَ رداءَه، فجَعَلَ يمينهُ على يسَارِه، ويسارَهُ على يمينِه، وصلى ركعتينِ، وكبّرّ في الأولى سبْعَ تكبيراتٍ، وقرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الَأَعْلَى﴾ ، وقرأَ في الثانية ﴿هَلْ أتاكَ حديثُ الغاشية﴾ ، وكبّر فيها خَمْسَ تكبيرات) . ضعيف جداً. أخرجه البزار في " مسنده " (١ / ٣١٦ - كشف الأستار) ، والدارقطني في " السنن " (٢ / ٦٦) ، والحاكم (١ / ٣٢٦) ، والبيهقي (٣ /

стр. 8044

٣٤٨) من طريق محمد بن عبد العزيز عن أبيه عن طلحة بن يحيى قال: أرسلني مروان إلى ابن عباس أسأله عن سنة الاستسقاء، فقال:. . . فذكره. وقال الحاكم: " صحيح الإسناد "! ورده الذهبي بقوله: " قلت: ضُعِّف عبد العزيز ". وأقول: عبد العزيز هذا - وهو ابن عمر بن عبد الرحمن بن عوف -؛ ما علمت أحداً ضعفه، ولا أورده الذهبي في " الضعفاء " ولا في " الميزان "، ولذا؛ استدركه عليه الحافظ في " اللسان "، ولم يذكر في ترجمته سوى قول ابن القطان: " مجهول الحال ". فأنا أظن أنه سقط من قلم الذهبي أو الناسخ اسم ابن عبد العزيز: محمد؛ فإنه هو المعروف بالضعف، والمترجم في " الميزان " و " اللسان "، وقال فيه الذهبي في " الضعفاء ": " ضعفوه ". وهو بمعنى قوله في " التلخيص ": " ضُعِّف ". فهو هو. والله أعلم.

стр. 8045

((قال [ابن] أبي حاتم في كتابه - يعني: ((الجرح والتعديل)) (٤ / ١ / ٧) - سألت أبي عنه؟ فقال: هم ثلاثة إخوة: محمد, وعبد الله, وعمران؛ بنو عبد العزيز, والثلاثة ضعفاء ليس لهم حديث مستقيم)) . وبهذا أعله الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢ / ٢٤٠) , وزاد فقال: ((قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث)) . وبقول النسائي هذا أعله الهيثمي, فقال في ((المجمع)) (٢ / ٢١٢) . ((رواه البزار, وفيه محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري, وهو متروك)) . قلت: فالسند ضعيفٌ جدًا, ومتنه منكر كما يأتي بيانه. ولقد ألان القول فيه بعض الشافعية! ولعل المذهبية لا دخل لها في ذلك, خلافًا لما تجلى من موقف الحنفية من أحاديث صلاة الاستسقاء, كما شرحته في الحديث السابق, وكما يأتي من بعضهم في الحديث التالي! فقال النووي في المكان المشار إليه آنفًا من ((المجموع)) : ((حديث ضعيف)) . وقال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٢ / ٥٠٠) : ((فيه مقال)) ! وسكت عنه في ((الدراية)) (١ / ٢٢٦) ؛ مع أن أصله - ((نصب الراية)) - أعله بالعلتين السابقتين! وحاول البهيقي تقويته بقوله عقب ما نقلته عنه آنفًا: ((وهو بما قبله من الشواهد يقوى)) !

стр. 8046

وفيه نظر من وجوه: الأول: أن الذي يقوى إنما هو الضعيف بسبب سوء حفظ الراوي, وليس كذلك هنا؛ فإن محمد بن عبد العزيز ضعيف جدًا؛ كما يشعر بذلك قول البخاري والنسائي المتقدم فيه, ويؤكده قول ابن حبان فيه (٢ / ٢٤٦) : ((كان ممن يروي عن الثقات المعضلات, وإذا انفرد أتى بالطامات عن أقوام أثبات حتى سقط الاحتجاج به, وهو الذي جُلِد مالك بمشورته)) . قلت: فمثله لا يتقوى حديثه بغيره ولا كرامة! الثاني: أن البهيقي لم يذكر قبله ما يصح أن يقال فيه: ((من الشواهد)) ! اللهم إلا طريقًا أخرى عن ابن عباس بلفظ: ((خرج متبذلاً متواضعًا متضرعًا حتى جلس على المنبر, فلم يخطب كخطبتكم هذه؛ ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير, وصلى ركعتين كما كان يصلي العيد)) . وإسناده حسن؛ كما بينته في ((صحيح أبي داود)) (١٠٥٨) , و ((الإرواء)) (٦٦٥) . الثالث: أن جملة: ((كما كان يصلي في العيد)) ؛ لا تصلح شاهدًا لحديث الترجمة؛ لأنها مجملة, وتفصيلها في حديث الترجمة, فلو أنه ثبت لكان مفسرًا لها, ومعناها: في العدد والجهر بالقراءة؛ لأن هذا ثابت في الأحاديث الصحيحة, والتشبيه لا يستلزم المماثلة من كل جانب, ولذلك؛ فقول العيني في ((عمدة القاري)) (٧ / ٣٤) عطفًا على ما ذكرته من المعنى:

стр. 8047

((وفي كون الركعتين قبل الخطبة)) ؛ غير مسلم؛ لأمرين: الأول: أنه خلاف المحفوظ في حديث عبد الله بن زيد المازني وغيره من الأحاديث الثابتة؛ كما تقدم بيانه قبل حديث. والآخر: قوله في حديث ابن عباس من الطريق الحسن: ((جلس على المنبر, فلم يخطب كخطبتكم. . .)) ؛ فهو بمفهومه يشعر بأنه خطب على المنبر؛ ولكن ليس كالخطب المعتادة, ولذلك؛ قال أبو الحسن السندي في ((حاشية ابن ماجه)) : ((أي: بل كان جل خطبته الدعاء والاستغفار والتضرع)) . قلت: فإذا كان في حديث ابن عباس الحسن خطبة؛ فقد كانت قبل الصلاة وفق الأحاديث الأخرى, فسقط قول العيني المذكور. والله اعلم. وبالجملة؛ فإسناد الحديث ضعيف جدًا, ومتنه منكر, لخلوه من شاهد معتبر. والله ولي التوفيق. وقد عارضه الحديث الآتي بعده. وله شاهد من حديث أنس بنحوه أطول منه؛ إلا أنه لم يذكر التكبيرات, وقدم الصلاة, وأخر قلب الرداء, مع زيادات كثيرة؛ فقال: ((وقلب رداءه - قال: لكي ينقلب القحط إلى الخصب - , ثم جثا على ركبتيه, ورفع يديه, وكبر تكبيرة قبل أن يستسقي, ثم قال: ((اللهم! اسقنا. . .)) . فذكر دعاءً طويلاً, ثم قال:

стр. 8048

((فما برحوا حتى أقبل قزع من السحاب, ثم مطرت عليهم سبعة أيام لا تقلع عن المدينة. . .)) . الحديث بطوله, وآخره في ((الصحيحين)) بنحوه ويأتي الإشارة إليه في تحت الحديث الآتي, وفيه: ((اللهم! حوالينا ولا علينا. . .)) . الحديث. أخرجه الطبراني في ((الأحاديث الطوال)) المطبوع في آخر (المجلد الخامس والعشرين) من ((المعجم الكبير)) (ص ٢٤٢ - ٢٤٣ رقم ٢٧) وفي (الأوسط) (٢ / ١٨١ / ٧٧٦٩) قال: حدثنا أبو يعلى محمد بن إسحاق بن إبراهيم شاذان: حدثني أبي: ثنا مجاشع بن عمرو: ثنا ابن لهيعة: ثنا عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن أنس به. وقال: ((لم يروه عن الزهري إلا عقيل, ولا عن عقيل إلا ابن لهيعة, ولا عنه إلا مجاشع بن عمرو, تفرد به شاذان)) . قلت: هذا لقب إسحاق بن إبراهيم, قال ابن ابي حاتم (١ / ١ / ٢١١) : ((كتب إلي وإلى أبي, وهو صدوق)) . وذكره ابن حبان في ((الثقات)) . لكن قال الحافظ في ((اللسان)) : ((له غرائب ومناكير)) . قلت: ولعلها ممن فوقه, كما هو الحال في هذا الحديث؛ فإن مجاشع بن عمرو هو آفة الحديث؛ قال ابن معين: ((قد رأيته, أحد الكذابين)) .

стр. 8049

وبه أعله الهيثمي (٢ / ٢١٣) . وابن لهيعة؛ ضعيف. ومن الغرابة بمكان: أن الحافظ أورد منه جملة: ((لكي ينقلب الجدب إلى الخصب)) معزوًا للطبراني في ((الطوالات)) , وسكت عليه في ((التلخيص)) (٢ / ١٠١) مع علمه بضعفه الشديد! ٥٦٣٢ - (استسقى, فخطب قبل الصلاة, واستقبل القبلة, وحول رداءه, ثم نزل, فصلى ركعتين لم يكبر فيهما إلا تكبيرةً تكبيرةً) منكر بذكر (التكبيرة) . أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٢ / ٢٨١ / ١ / ٩٢٦٢) : حدثنا مسعدة بن سعد العطار: ثنا إبراهيم بن المنذر: ثنا محمد بن فليح: حدثني عبد الله بن حسين بن عطاء عن داود بن بكر بن أبي الفرات عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك مرفوعًا. وقال: ((لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن حسين إلا محمد, تفرد به إبراهيم)) . قلت: وعلته عبد الله هذا؛ فإنه متفق على تضعيفه؛ بل قال البخاري في ((التاريخ)) (٣ / ١ / ٧٢) : ((فيه نظر)) . ولذلك جزم الحافظ بضعفه في ((التقريب)) . ومسعدة - شيخ الطبراني -؛ لم أجد له ترجمة. ثم إن الحديث في ((الصحيحين)) وغيرهما من طرق أخرى غير شريك بن عبد الله بن أبي نمر به بلفظ آخر مطول, في استسقائه ﷺ وهو على المنبر يوم

стр. 8050

الجمعة بطلب رجل وقوله: يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل. . . الحديث بطوله. وكذلك أخرجاه من طرق أخرى عن أنس به. وليس فيه قوله: ((واستقبل القبلة وحول رداءه. . .)) إلخ. فهو منكر من حديث أنس؛ لكنه ثابت من حديث عبد الله بن زيد المازني في ((الصحيحين)) وغيرهما - كما تقدم تحقيقه تحت الحديث (٥٦٢٩) - دون قوله: ((لم يكبر إلا تكبيرة تكبيرة)) . ولم أجد شاهدًا, فهو منكر. ومن الغريب: أن جماعة من الحنفية ذكروا هذا الحديث من رواية ((الأوسط)) ساكتين عنه؛ كالزيلعي في ((نصب الراية)) (٢ / ٢٤٠ - ٢٤١) , وابن الهمام في ((الفتح)) (٢ / ٥٩) , والعيني في ((عمدة القاري)) (٧ / ٣٥) وعلي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (٢ / ٢٨٣) وهم نخبة محدثي الحنفية, وكأن ذلك لموافقته لمذهبهم! ولذلك عارضوا به حديث الشافعية الذي قبله! ومع أن الحافظ ابن حجر لما ذكره في ((الدراية)) (١ / ٢٢٦) لم يضعفه, ولا بين علته؛ إلا أنه أشار إلى الرد عليهم بقوله: ((قلت: ولا حجة فيه؛ فإنها كانت حينئذ صلاة الجمعة)) . وليس هذا بظاهر من الحديث! بل هو حجة لهم لو صح؛ ولكنه منكر كما ذكرنا. والله أعلم. (تنبيه) : هذا الحديث من شرط الهيثمي في ((المجمع)) ؛ ولكنه لم يورده! وكأنه ظن أنه مختصر من حديث شريك المشار إليه ((الصحيحين)) , وهذا

стр. 8051

مخرج في ((الإرواء)) (٢ / ١٤٤ - ١٤٥ / ٤١٦) , وهو في كتابي ((مختصر البخاري)) برقم (٤٩٧ ج ١ طبع المكتب الإسلامي) سقته فيه سياقًا مطولاً, جمعت إليه كل الزيادات والفوائد من كل الطرق والروايات المبعثرة في ((البخاري)) , وذلك من توفيق الله وفضله. ٥٦٣٣ - (كان إذا استسقى قال: اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريًا, توسع به لعبادك, تغزر به الضرع, وتحيي به الزرع) . ضعيف جدًا. أخرجه البهيقي (٣ / ٣٥٦) من طريق أبي الشيخ الأصبهاني وغيره عن يعلى بن الأشدق عن عبد الله بن جراد رفعه. وهذا إسناد ضعيف جدًا؛ كما الحافظ, وآفته يعلى هذا؛ قال الذهبي في ((الضعفاء)) : ((قال البخاري: لا يكتب حديثه. وقال أبو زرعة: ليس بشيء. وقال ابن حبان: وضعوا له أحاديث يحدث بها ولم يدرِ)) .

стр. 8052

٥٦٣٤ - (كان إذا استسقى قال: اللهم أنزل في أرضنا زينتها وسكنها, [وارزقنا وأنت خير الرازقين] ) (*) . ضعيف. أخرجه البزار (٦٦١) , والطبراني في ((الكبير)) (٧ / ٢٦٣, ٢٧٠, ٢٧٦) - والزيادة له في رواية - من طرق عن الحسن عن سمرة مرفوعًا. قلت: وهذا إسناد ضعيف, وكذا قال الحافظ في ((التلخيص)) (٢ / ١٠٠) ,

стр. 8053

وذلك لأن الحسن البصري مختلف في سماعه من سمرة, ثم هو إلى ذلك مدلس وقد عنعنه. ولا يقويه أن البزار رواه من طريق أخرى, فقال (٦٦٢) : حدثنا خالد بن يوسف: حدثني أبي يوسف بن خالد: ثنا جعفر بن سعد بن سمرة: ثنا خبيب ابن سليمان عن أبيه سليمان بن سمرة عن سمرة به. وذلك أنه مسلسل بالضعفاء والمجهولين: أولاً: سليمان بن سمرة؛ مجهول الحال؛ كما قال ابن قطان. ثانيًا: ابنه خبيب؛ مجهول؛ كما قال ابن حجر. ثالثًا: جعفر بن سعد بن سمرة؛ ليس بالقوي؛ كما قال في ((التقريب)) . رابعًا: يوسف بن خالد - وهو السمتي -؛ قال الحافظ: ((تركوه, وكذبه ابن معين, وكان من فقهاء الحنفية)) . خامسًا: ابنه خالد بن يوسف؛ قال الذهبي: ((أما أبوه؛ فهالك, وأما هو؛ فضعيف)) . من أجل ذلك لم يحسن الهيثمي حين قال في ((المجمع)) (٢ / ٢١٥) - بعد أن عزاه للطبراني والبزار -: ((وإسناده حسن أو صحيح)) ! ونقله عنه الشيخ الأعظمي في تعليقه على ((كشف الأستار)) وسكت عنه!

стр. 8054

وذلك مما يد القارئ على مبلغ معرفته بهذا العلم الشريف وتحقيقه فيه! ٥٦٣٥ - (اعتمر ﷺ من الجعرانة, وقال: اعتمر منها سبعون نبيًا) . منكر بزيادة: (وقال. . .) إلخ. أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (٢ / ١٧٢) من طريق ابن لهيعة عن عياض بن عبد الرحمن عن محمد بن جعفر: أن النبي ﷺ اعتمر. . . قلت وهذا إسناده واهٍ بمرة؛ مسلسل بالعلل: الأولى والثانية: محمد بن جعفر هذا؛ لم أعرفه, وهو تابعي فيما يبدو لي. الثالثة: ضعف الراوي عنه, وهو عياض بن عبد الله بن عبد الرحمن الفهري المدني نزيل مصر, وهو مع كونه من رجال مسلم؛ ففيه كلام, حتى قال فيه البخاري: ((منكر الحديث)) . ولذا؛ قال الحافظ: ((فيه لين)) . الرابعة: ابن لهيعة؛ وهو مشهور بالضعف. وأما اعتماره ﷺ من (الجعرانة) ؛ فثابت في ((الصحيحين)) وغيرهما من حديث ابن عمر وأنس وابن عباس, وهي مخرجة في ((صحيح أبي داود)) (١٧٣٩ - ١٧٤٠) . ولابن عباس حديث آخر في اعتماره ﷺ هو وأصحابه من الجعرانة, وهو مخرج في ((إرواء الغليل)) (٤ / ٢٩٢ / ١٠٩٤) . (فائدة) : (الجعرانة) بكسر أوله, وأصحاب الحديث يكسرون عينه

стр. 8055

ويشددون راءه, وهما روايتان. وهي ماء بين الطائف ومكة, وهي إلى مكة أقرب. نزلها النبي ﷺ لما قسم غنائم هوازن مرجعه من غزاة حنين وأحرم منها. وهي من مكة على بريد من طريق العراق. وفي حاشية ((أخبار مكة)) للأزرقي بقلم رشدي الصالح ملحس (١ / ١٨٥) : ((وهي في طريق الحج العراقي, تيعد عن مكة خمسة عشر كيلو مترًا, فيها مسجد, وبئر قديم ماؤه عذب, وهو أحد متنزهات المكيين)) . وفي ((النهاية)) لابن الأثير: ((هو موضع قريب من مكة, وهي في الحل, وميقات للإحرام)) . قلت: وكأنه يعني أنه ميقات لمن أراد العمرة من أهل مكة. فيخرج إليها ليحرم بها منها. وهو ما صرح به في ((المهذب)) (٧ / ٢٠٤ - بشرح النووي) ! وفي ذلك نظر عندي من وجهين: الأول: أن النبي ﷺ لم يخرج من مكة إلى (الجعرانة) ليعود إليها فيحرم منها! بل إنه قدم إليها من الطائف (وبينها وبين مكة نحو (١٣٠) كيلو مترًا) , فإنه ﷺ لما لقي (هوازن) بوادي (حُنين) وهزمهم؛ ذهب إلى الطائف فحاصرهم, ثم رجع إلى (الجعرانة) , فقسم فيها غنائم (حنين) , ثم اعتمر من (الجعرانة) داخلاً مكة. وكأنه ﷺ بدا له وهو فيها أن يعتمر, وإلا فميقات القادم من الطائف إنما هو (قرن المنازل) ؛ كما هو معروف من حديث المواقيت (انظر ((الإرواء)) ٤ / ١٧٨) , وقرن المنازل بينها وبين مكة أحد وخمسون ميلاً؛ كما في ((المعجم)) (٤ / ٣٣٢) , ولذلك؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((الفتاوى)) (٢٦ / ٤٥) :
следующие страницы →