فقد نسبه في الأثر الأول إلى جده، وفي الثاني اقتصر على نسبته لأبيه، وفي
حديث الباب لم ينسبه مطلقاً؛ لدلالة ما قبله عليه؛ كما عادة المحدثين.
وإسحاق هذا؛ ترجمه أبو نعيم في " أخبار أصبهان " (١ / ٢٢١) ، وقال:
" سمع من الرازيين، توفي لخمس خَلَوْنَ من ربيع الأول سنة ثمان وستين ".
يعني: وثلاث مئة. ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
ثم ذكر له ثلاثة أحاديث أخرى؛ الأولان منها من روايته عن إبراهيم هذا،
ونسبه في الأول منهما فقال: " إبراهيم بن يوسف بن خالد ". ولم أجد له
ترجمة، فلعله علة الحديث.
ثم رأيت الحديث أخرجه ابن الجوزي في " الموضوعات " (٣ / ١٣٢) من
طريق أبي عمرو سعيد بن محمد الأشج: حدثنا جعفر بن عاصم الدمشقي:
حدثنا أحمد بن أبي الحواري به؛ إلا أنه قال:
" عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعاً، فأسنده، وقال ابن الجوزي
عقبه:
" قال النقاش: هذا حديث كذب موضوع، ولعل سعيداً وضعه ".
وأقره السيوطي في " اللآلي " (٢ / ٣١٧) ، ثم ابن عراق في " تنزيه الشريعة "
(٢ / ٢٨٦) وزاد:
" قلت: لم أجد لسعيد هذا ذكراً في " الميزان " ولا في " اللسان "، ولا في
" المغني " و " ذيله ". والله تعالى أعلم ".
стр. 8087
٥٦٥٢ - (كُلَّمَا طَالَ عُمُرُ المسلمِ؛ كانَ خَيْراً لَه) .
ضعيف.
أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (١٥ / ٢٤٤) ، ومن طريقه
الطبراني في " الكبير " (١٨ / ٥٧ / ١٠٤) عن النهاس بن قهم عن شداد أبي
عمار قال: قال عوف بن مالك:
يا طاعون خذني إليك. فقالوا: أماسمعت رسول الله ﷺ قال:. . .؟ !
فذكره. قال:
بلى؛ ولكني أخاف ستاً: إمارة السفهاء، وبيع الحكم، وسفك الدم، وقطيعة
الرحم، وكثرة الشرط، ونشوءاً ينشأون يتخذون القراَن مزامير.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ من أجل النهاس هذا؛ فإنه لينه أبو أحمد
الحاكم، وتركه القطان؛ كما في " الضعفاء " للذهبي. وقال الحافظ:
" ضعيف ".
ومن طريقه: رواه أحمد (٦ / ٢٢، ٢٣) بنحوه. ولم يعزه في " الجامع الكبير "
وكذا " الصغير " إلا للطبراني، فقال شارحه المناوي في " فيض القدير ":
" رمز المصنف لحسنه! قال الهيثمي: فيه النهاس بن قهم، وهو ضعيف. فرمْزُ
المصنف لحسنه فيه ما فيه ".
قلت: وعليه كنت اعتمدت في إيراد الحديث في " ضعيف الجامع " (٤ /
١٥٦ / ٤٢٦٧) ؛ لأن " معجم الطبراني " لم يكن قد طبع يومئذٍ، والآن تأكدت
من اعتراضه على تحسين السيوطي له، فالعجب منه - أعني: المناوي - كيف وقع
في نفس الخطأ الذي أخذه على السيوطي، فقال في شرحه الآخر المختصر من
стр. 8088
" الفيض " والمسمى بـ " التيسير ":
" إسناده حسن "!
(تنبيه) : قُدِّرَ لي أن أُعيدَ تخريج هذا الحديث مرة أخرى برقم (٥٩١٥)
بزيادة في التخريج وبعض الفواثد، فتركت الأمر كما قُدِّرَ.
٥٦٥٣ - (وُقِّتَ للنُفَسَاءِ أربعونَ يوماً؛ إلا أَنْ ترى الطُّهْرَ قبلَ ذلك) .
ضعيف جداً.
أخرجه ابن ماجه (٦٤٩) ، والدارقطني في " سننه " (١ /
٢٢٠ / ٦٦) ، وأبو يعلى في " مسنده " (٣ / ٩٥٢) ، وابن عدي في " الكامل "
(٣ / ٣٠١) ؛ كلهم من طريق أبي سعيد الأشج عبد الله بن سعيد: ثنا عبد الرحمن
ابن محمد المحاربي عن سلام بن سلم (وفي ابن ماجه: سلام بن سليم أو سلم.
شك أبو الحسن) - وأظنه هو أبو الأحوص - عن حميد عن أنس قال: قال رسول
الله ﷺ :. . . فذكره. وقال الدارقطني:
" لم يروه عن حميد غير سلام هذا، وهو سلام الطويل، وهو ضعيف الحديث ".
قلت: بل هو متروك متهم؛ لكنه قد توبع؛ فرواه البيهقي (١ / ٣٤٣) من
طريق زيد العمي عن أبي إياس عن أنس بن مالك به. وقال عقبه:
" وكذلك رواه سلام الطويل عن حميد عن أنس، ورواه العلاء بن كثير عن مكحول عن
أبي هريرة وأبي الدرداء عن النبي ﷺ . وزيد العمي وسلام بن سليم
المدائني والعلاء بن كثير الدمشقي؛ كلهم ضعفاء ".
إذا عرفت هذا؛ فقد أخطأ البوصيري خطأ فاحشاً حين قال فيه زوائد ابن
ماجه (١ / ٨٣ - بيروت) :
стр. 8089
" هذا إسناد صحيح، [رجاله] ثقات "!
وظني أنه اغتر بقول أبي الحسن في إسناد ابن ماجه:
" وأظنه هو أبو الأحوص "!
ْفإن أبا الأحوص هذا اسمه سلام بن سليم الحنفي " وهو ثقة من رجال
الشيخين، ومن طبقة سلام الطويل، فتوهم أنه أبو الأحوص بناء على ظن أبي
الحسن هذا، وهو علي بن إبراهيم بن سلمة القطان الحافظ الراوي عن ابن ماجه
" السنن "، وقد عرفت أنه مخالف لتصريح الإمام الدارقطني والبيهقي أنه سلام
الطويل. وسبقهما إلى ذلك ابن عدي؛ فإنه ساق الحديث في " الكامل " بسنده
إلى سلام الطويل في ترجمته، ذكره في جملة أحاديث أخرى له، وقال في
آخرها:
" وعامة ما يرويه عن الضعفاء والثقات لا يتابعه أحد عليه ".
والشطر الأول من الحديث: رواه الإمام أحمد في " مسائل ابنه عبد الله "
(ص ٥٠ - المكتب الإسلامي) عن حبان بن علي عن شيخ قد سماه عن ابن
أبي مليكة عن عائشة:
أن النبي ﷺ وقّت للنفساء أربعين يوماً.
وحبان بن علي - وهو العنزي - ضعيف.
لكن شيخه الذي لم يُسَمَّ؛ الظاهر أنه عطاء بن عجلان العطار البصري.
فقد أخرجه ابن عدي في ترجمته (٥ / ٣٦٦) من طريق إسماعيل بن عياش
عنه عن ابن أبي مليكة به. وقال فيه:
стр. 8090
" عامة رواياته غير محفوظة ". وروى عن يحيى أنه قال فيه:
" ليس بشيء، كذاب ".
لكن هذا القدر من الحديث يشهد له حديث أم سلمة:
كانت النفساء على عهد رسول الله ﷺ تجلس أربعين يوماً.
وإسناده حسن؛ كما هو مبين في " صحيح أبي داود " (٣٢٩) .
٥٦٥٤ - (نهى أَنْ يُلْبَسَ السِّلاحُ في بلادِ الإسلامِ في العيدينِ؛ إلا
أَنْ يكونوا (١) بِحَضْرَةِ العَدُو) .
ضعيف جداً.
أخرجه ابن ماجه (١٣١٤) عن ناثل بن نجيح: ثنا
إسماعيل بن زياد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ بل موضوع؛ آفته إسماعيل هذا - وهو قاضي
الموصل -؛ قال في " التقريب ":
" متروك، كذبوه ".
قلت: وذكر له الذهبي في " الميزان " بعض أكاذيبه.
ونائل بن نجيح؛ ضعيف؛ كما قال الحافظ.
قلت: ومنه تعلم الفرق بين التلميذ وشيخه في الضعف، فتسوية البوصيري
بينهما بقوله فيهما:
стр. 8091
" وهما ضعيفان "!
مِمَّا لا يخفى ما فيه من التساهل وسوء التعبير المؤدي لغيره أو لمن وقف على
كلامه أن يقتصر على تضعيف الحديث، وهو أسوأ من ذلك كما بينا، وهذا ما وقع
لأبي الحسن السندي؛ فقال في حاشيته على ابن ماجه عقب قول البوصيري
المذكور:
" قلت: وذكر البخاري في " صحيحه ": قال الحسن البصري: نُهُوا أن يحملوا
السلاح يوم عيد إلا أن يخافوا عدواً، وذكر حديث ابن عمر أنه قال للحَجَّاج:
حملتَ السلاحَ في يوم لم يكن يُحْمَل فيه.
وقال العيني فيا شرح البخاري ": " وروى عبد الرزاق بإسناد مرسل قال:
نهى رسول الله ﷺ أن يخرجوا بالسلاح يوم العيد " (١) .
وهذا يدل على أن للحديث أصلاً، وإن كان هذا الإسناد ضعيفاً "!
فأقول: فتأمل كيف اقتصر السندي على تضعيف الإسناد وهو شديد الضعف
كما عرفت، ومثله لا يتقوى بمرسل الحسن الذي علقه البخاري لو صح إسناده،
فكيف وهو غير معروف كما يشعر بذلك كلام الحافظ في " الفتح " - وقد كنت
نقلته في تعليقي على " مختصر البخاري " (١ / ٢٣٦ - طبع المكتب الإسلامي) -؟ !
وكذلك لا يتقوى بمرسل عبد الرزاق؛ لأن في إسناده (٣ / ٢٨٩) جويبراً -
وهو ابن سعيد الأسدي -، وهو ضعيف جداً؛ كما قال الحافظ أيضاً.
стр. 8092
وحديث ابن عمر فيه أنه: ليس من السنة حمل السلاح يوم العيد. فهذا
شيء، والنهي عنه شيء آخر. فتأمل.
٥٦٥٥ - (أولئكَ رِجَالٌ اَمنوا بالغَيْبِ. يعني: الذينَ تحوَّلوا في
الصَّلاةِ لما جاءَهًمْ خَبَرُ تحولِ القِبْلَةِ إلى المسجدِ الحرام) .
موضوع.
أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٢٥ / ٤٣ / ٨٢) ، ومن
طريقه ابن مردويه - كما في " تفسير ابن كثير " (١ / ١٩٣) - عن إسحاق بن
إدريس: ثنا إبراهيم بن جعفر: حدثني أبي عن جدته أم [أبيه] نُويلة بنت مسلم
قالت:
صلينا الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء، فصلينا
ركعتين، ثم جاءنا مَنْ يحدِّثنا: أن رسول الله قد استقبل البيت الحرام. فتحول
الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن
مستقبلون البيت الحرام، فحدثني رجل من بني حارثة: أن رسول الله ﷺ
قال:. . . فذكره.
قلت: وهذا إسناد واهٍ جداً؛ بل موضوع؛ آفته إسحاق بن إدريس هذا؛ قال
البخاري في " التاريخ " (١ / ١ / ٣٨٢) :
" تركه الناس، وهو الأسواري أبو يعقوب ". وقال بحيى بن معين:
" كذاب يضع الحديث ".
وبه أعله الهيثمي في " المجمع "؛ وقال (٢ / ١٤) :
стр. 8093
" وهو ضعيف متروك ".
وقد خالفه إبراهيم الزبيري فقال: ثنا إبراهيم بن جعفر بن محمود بن مسلمة
الحارثي عن أبيه عن جدته أم أبيه تويلة بنت أسلم (كذا) - وهي من المبايعات -
قالت:. . . فذكره مختصراً دون حديث الترجمة.
أخرجه الطبراني أيضأ (٢٤ / ٢٠٧ / ٥٣٠) : حدثنا مصعب بن إبراهيم
الزبيري: حدثني أبي. . . إلخ.
وإبراهيم هذا صدوق؛ من شيوخ البخاري، ولذلك؛ قال الهيثمي:
" ورجاله موثقون ".
لكنْ مصعب هذا لم أعرفه؛ لكن يظهر أنه من شيوخ الطبراني المشهورين؛ فقد
روى له في " المعجم الأوسط " خمسة وعشرين حديثاً (٩٣٠٦ - ٩٣٣٠) . والله
أعلم.
وإن مما يؤكد وهاء إسحاق بن إدريس: مخالفته لإبراهيم الزبيري في الإسناد
والمتن.
أما الإسناد؛ فقد سمى صحابية الحديث: (نُويلة بنت مسلم) . وسماها
الزبيري: (تُويلة بنت أسلم) . والأولى بالنون، والأخرى بالتاء المثناة من فوق.
وقد رجح هذه الحافظ في " الإصابة "؛ لأنها من رواية إبراهيم بن حمزة، قال:
" وهو أوثق ". يعني: من إسحاق بن إدريس! وفي العبارة تساهل لا يخفى
على اللبيب.
وأما الحق؛ فقد زاد إسحاق فيه:
стр. 8094
" فحدثني رجل من بني حارثة. . . . " إلخ.
فهي زيادة منكرة؛ بل باطلة. والله أعلم.
والحديث؛ أورده الحافظ في " الفتح " (١ / ٥٠٣، ٥٠٦ - ٥٠٧) نقلاً عن
" تفسير ابن أبي حاتم " عن ثويلة بنت أسلم. . . فذكر الحديث مقطعاً في
الموضعين دون حديث الترجمة. وقد وقع فيهما: (ثويلة) ! بالثاء المثلثة، وأظنه
تصحيفاً. والله أعلم.
واعلم أن هذا الحديث من جملة الأحاديث الكثيرة الواهية التي سوَّد بها
مختَصِرَا " تفسير ابن كثير " كتابيهما، ألا وهما: الشيخ محمد نسيب الرفاعي،
والشيخ الصابوني؛ فقد أوهما القراء في " المقدمة " أنهما حذفا من كتابيهما
الأحاديث الضعيفة التي وردت في كتاب ابن كثير، وأنهما اقتصرا على الأحاديث
الصحيحة فقط! والواقع يشهد بخلاف قولهما؛ إذ هما جاهلان بهذا العلم، والأول
منهما أنا من أعرف الناس به؛ فقد عاش في الدعية السلفية عشرات السنين،
وكان يحضر دروسي في حلب وغيرها، واستفاد منها ما شاء الله تعالى إلا هذا
العلم! وكتابه هذا المختصر أكبر دليل على ذلك.
وأما الآخر: الصابوني؛ فأمره أوضح؛ فإنه أشعري خَلَفِيّ مُر! وقد تقدمت
بعض النماذج الأخرى التي، تدل على ما ذكرنا من جهلهما وافتئاتهما على هذا
العلم. .
وقد زاد الرفاعي على زميله الصابوني سيئة أخرى، وذلك أنه صرح بصحة
الحديث في " فهرس الأحاديث " الذي وضعه في آخر المجلد، وبناء عليه قال معلقاً
على الحديث (١ / ١٢٠) :
стр. 8095
فما قول من يقول: إن من يعتقد عقيدة بحديث آحاد فهو آثم؟ ! مع أن
رسول الله ﷺ شهد للذين صدقوا خبر الواحد بأنهم رجال يؤمنون بالغيب ".
وأقول: العقيدةْ التي أشار إليها صحيحة، ولنا في تأييدها رسالتان مطبوعتان،
وبهما عرف هو وغيره صحتها، والحمد لله؛ لكن لا يجوز أن يستدل عليها بما لم
يصح عنه ﷺ ؛ إلا على مذهب بعض الفرق الضالة: (نحن لا نكذب على
النبي ﷺ ؛ وإنما نكذب له) ! ومع الأسف؛ فلهؤلاء أذناب في العصر الحاضر
﴿ولتَعْرِفَنهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ﴾ .
٥٦٥٦ - (إذا اسْتَجْمَرَ أحدُ كُم؛ فلْيُوتِرْ، وإن الله وِتْرٌ يُدث الوِتْرَ، أَمَا
ترى السماواتِ سَبْعأ، والأرضَ سَبْعاً، والطوافَ سَبعاً. وذكر أَشياء) .
منكر بهذ االتمام.
رواه البحار في " مستده " (١ / ١٢٧ / ٢٣٩ - زوائده) :
حدثنا محمد بن معمر: ثنا روح بن عبادة. تا أبو عامر الخزاز - واسمه صالح بن
رستم - عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعاً.
وأخرجه ابن حبان (١٣١ - زوائده) من طريق ابن معمر به. وعند أبي يعلى
أيضاً (٩ / ٥٢٧٠) .
وتابعه الحارث بن أبي أسامة: ثنا روح بن عبادة به.
أخرجه الحاكم (١ / ١٥٨) ، ومن طريقه البيهقي (١ / ١٠٤) ، وقال
الحاكم:
" صحيح على شرط الشيخين "! وتعقبه الذهبي بقوله:
" منكر، والحارث ليس بعمدة "!
стр. 8096
قلت: إعلاله بالحارث لا وجه له؛ لأمرين:
الأول: أن الحارث وثَّقه جمع، والذهبي نفسه لما أورده في " الميزان " أثنى
عليه خيراً ووثقه؛ فقال:
" كان حافظاً عارفاً بالحديث، عالي الإسناد بالمرة، تُكُلِّمَ فيه بلا حجة ".
وذكر نحوه في " تذكرة الحفاظ "، و " المغني " وزاد فيه:
" وقد أمر الدارقطني أبا بكر البرقاني بأن يخرج له في (صحيحه) ".
ولذلك؛ كتب في " الميزان " مقابل اسمه (صح) . وهذا في اصطلاحه: أن
العمل على توثيقه؛ كما قال الحافظ في آخر ترجمته من " اللسان ".
والآخر: أنه قد تابعه محمد بن معمر كما رأيت - وهو القيسي البحراني -،
وهو ثقة من رجال الشيخين. ولذلك؛ قال البحار عقب حديثه:
" لا نعلم رواه عن أبي عامر إلا روح ".
قلت: وهو ثقة أيضاً من رجال الشيخين، وإنما علة الحديث أبو عامر الخزاز؛
فإنه مختلف فيه، ويتلخص مما جاء في ترجمته من " التهذيب " أنه ضعيف؛
لسوء حفظه، وهو ما انتهى إليه الحافظ في " التقريب "، فقال:
" صدوق كثير الخطأ ".
على أنه من رجال مسلم، وإلى ذلك أشار الهيثمي بقوله في " المجمع " (١ /
٢١١) :
" رواه البزار والطبراني في " الأوسط " وزاد: " والجمار "، ورجاله رجال
стр. 8097
(الصحيح) "!
ولم يتيسر لي الوقوف على إسناد " الأوسط "، وغالب الظن أنه من طريق
الخزاز هذا، وقد تفرد به كما تقدم في كلام البزار، ولذلك؛ فإني في شك كبير من
ثبوت قوله في آخر الحديث:
" أما ترى أن السماوات. . . " إلخ.
وذلك لأسباب:
الأول: أنني لا أجد فيه حلاوة كلام النبوة، فإن صح الحديث؛ فهو مدرج
فيه.
الثاني: أن الشطر الأول منه قد جاء من طريق أخرى عن أبي هريرة مرفوعاً به
دون ما بعده.
أخرجه الشيخان وغيرهما، وهو مخرج في " الصحيحة " (١٢٩٥) ، و " صحيح
أبي داود " (١٢٨) .
الثالث: أن الشطر الثاني جاء من طرق أخرى عن أبي هريرة أيضاً دون ما
بعده.
رواه الشيخان أيضاً وغيرهما، وهو مخرج في " التعليق الرغيب على الترغيب
والترهيب " (١ / ٢٠٦) .
قلت: فاتفاق هذه الطرق على رواية الحديث عن أبي هريرة بدون زيادة: " أما
ترى. . . " إلخ؛ لدليل قاطع على نكارتها أو إدراجها.
стр. 8098
وإن مما يزيد الأمر تأكيداً: أن هذا الشطر الثاني قد جاء من حديث علي وابن
مسعود أيضاً دون الزيادة.
وهما مخرجان في التعليق المذكور، وفي " صحيح أبي داود " (١٢٧٤،
١٢٧٥) .
ثم وقفت على إسناد " الأوسط "، فقال (٢ / ١٦٦ / ٢ / ٧٥٤٦) : حدثنا
محمد بن أبان: ثنا إبراهيم بن بسطام الزعفراني: ثنا روح بن عبادة به. وقال:
" لم يروه عن أبي عامر إلا روح، تفرد به إبراهيم ".
قلت: وثقه ابن حبان (٨ / ٨٥) ، وروى له في " الصحيح " حديثاً واحداً
برقم (١٦٩ - الإحسان) . والشاهد منه أنه تحقق ظني أنه عند الطبراني من طريق
روح أيضاً.
٥٦٥٧ - (كان يُجْنِبُ، فيغتَسِلُ، ثم يَسْتَدْفِئ بي قبلىَ أَنْ أغتَسِلَ) .
ضعيف.
وهو من حديث عائشة ﵂:
أخرجه علي بن الجعد في " مسنده " (٢ / ٨٥٥ / ٢٣٣٦) - وهو " حديث
علي بن الجعد " - قال: أنا شريك عن حريث عن عامر عن مسروق عنها.
ومن طريق ابن الجعد أخرجه البغوي في " شرح السنة " (٢ / ٣٠) ؛ لكن
وقع فيه: (حصين) مكان: (حريث) !
وهو تحريف لم يتنبه له الشيخ شعيب الأرناؤوط؛ فإنه بعد أن خرجه من رواية
الترمذي وابن ماجه من حديث وكيع (!) عن حريث قال:
стр. 8099
" وحريث وهو ابن أبي مطر الحناط الفزاري، ضعفه غير واحد، لكن تابعه
حصين بن عبد الرحمن في رواية المصنف وهو ثقة، فيتقوى به "!
كذا قال! وقد عرفت أن (حصين) تحريف (حريث) ، وعليه؛ فقد بقي
الحديث على ضعفه من أجل حريث هذا، وهو ممن اتفقوا على تضعيفه؛ بل تركه
النسائي وابن الجنيد وغيرهما.
ثم إن الحديث عزاه لابن ماجه من حديث وكيع. وهو وهم آخر منه؛ فإنما هو
عنده (٥٨٠) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة: ثنا شريك. . . وكذا هو في
" مصنف ابن أبي شيبة " (١ / ٧٦ - ٧٧) ، وكذلك أخرجه الحاكم (١ / ١٥٤)
من طريق أخرى عن شريك وغيره به، وقال:
" صحيح على شرط مسلم "! ووافقه الذهبي! !
وهذا عجب منهما - وبخاصة الذهبي -؛ فإن حريثاً هذا مع كونه ليس من
رجال مسلم فقد عرفت ضعفه، والذهبي نفسه قال فيه في " الكاشف ":
" ضعفوه ". وقال في " الضعفاء ":
" متروك ".
ومما سبق تعلم تساهل الترمذي أيضاً في قوله عقب الحديث:
" ليس بإسناده بأس ".
ولذلك؛ فقد أحسن صنعاً أبو بكر بن العربي بقوله في " شرحه " (١ / ١٩١) :
" حديث لم يصح ولم يستقم، فلا يثبت به شيء ".
стр. 8100
ونقله أحمد شاكر في " شرحه على الترمذي " (١ / ٢١١) وأقره.
٥٦٥٨ - (كانَ إذا خرجَ مِنَ الخَلاءِ قال: الحمدُ لله الذي أَذْهَبَ عنَّا
الحزنَ والأذى وعافاني) .
ضعيف.
أخرجه ابن السني في " عمل اليوم والليلة " (٨ / ٢١) : أخبرنا
أبو عبد الرحمن: حدثنا الحسين بن منصور: حدثنا يحيى بن أبي بكير عن شعبة
عن منصور عن [أبي] الفيض أبي ذر قال:. . . فذكره مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، وله علتان:
الأولى: الجهالة؛ فإن أبا الفيض هذا لا يعرف إلا بهذه الرواية عنه، وقد قيل
فيه: " أبو علي الأزدي "، ولم يوثقه أحد قط إلا ابن حبان (٥ / ١٣٦) .
والأخرى: الاضطراب في إسناده ومتنه؛ قال الحافظ المزي في " التحفة " (٩ /
١٩٥) - وفي " التهذيب " أيضاً نحوه -:
" رواه النسائي في " اليوم والليلة " عن حسين بن منصور عن يحيى بن أبي
بكير. . . عن أبي الفيض به. وعن بندار عن غندر عن شعبة عن منصور قال:
سمعت رجلاً يرفع الحديث إلى أبي ذر قوله: وعن بندار عن ابن مهدي، وعن
أحمد بن سليمان عن محمد بن بشر؛ كلاهما عن سفيان عن منصور عن أبي
علي الأزدي عن أبي ذر قوله ".
وهذا يبين أن شعبة قد اضطرب في إسناده ومتنه.
أما الإسناد؛ ففي رواية ابن أبي بكير عنه سمى التابعي: أبا الفيضي. وفي
رواية غندر عنه قال: سمعت رجلاً. ولم يسمه.
стр. 8101
وأما المتن؛ ففي الرواية الأولى رفعه، وفي الأخرى أوقفه.
ووافقه سفيان - وهو الثوري - على وقفه، وخالفه في اسم التابعي فسماه (أبو
علي الأزدي) ، وكذا رواه ابن أبي شيبة (١ / ٢) .
وإن مما لا شك فيه أن الموقوف أصح؛ لموافقه شعبة في الرواية الأخرى للثوري،
وكذلك قوله - أعني: الثوري -: (أبو علي الأزدي) أصح من قول شعبة الذي
اضطرب فيه.
ثم وقفت على الحديث في " العلل " لابن أبي حاتم؛ ذكره (١ / ٢٧) من
طريق شعبة بإسناده المتقدم موقوفاً، فقال:
" سألت أبي وأبا زرعة عنه؟ فقال أبو زرعة: وهم شعبة في هذا الحديث،
ورواه الثوري فقال: عن منصور عن أبي علي عبيد بن علي عن أبي ذر. وهذا
الصحيح، وكان أكثر وهم شعبة في أسماء الرجال.
وقال أبي: كذا قال سفيان، وكذا قال شعبة، والله أعلم أيهما الصحيح!
والثوري أحفظ، وشعبة ربما أخطأ في أسماء الرجال، ولا يدري هذا منه أم لا ".
قلت: الأرجح ما جزم به أبو زرعة؛ لاتفاق أبي حاتم معه على أن الثوري
أحفظ من شعبة؛ ولأن هذا قد اضطرب في اسمه كما تقدم. ولذلك؛ أقر الحافظ
ابن حجر أبا زرعة في " نكته على الأطراف " (٩ / ١٩٤ - ١٩٥) .
ومعنى ذلك أن الصحيح في الحديث الوقف، وأن راويه عن أبي ذر أبو علي
الأزدي، وهو مجهول، فالعجب من الحافظ كيف حسن الحديث فقال في " نتائج
الأفكار (ق ٤٦ / ١) ما ملخصه:
стр. 8102
" وأما حديث أبي ذر؛ فهو حسن: أخرجه النسائي في " اليوم والليلة "
موقوفاً، ثم رواه مرفوعاً وموقوفاً، ورجَّح أبو حاتم الموقوف ".
قلت: الذي رجح الموقوف إنما هو أبو زرعة، وأما أبو حاتم؛ فقد توقف كما تقدم
بيانه.
وعلى كل حال؛ فالحديث ضعيف مرفوعاً وموقوفاً؛ لأن مداره على أبي علي
الأزدي على الراجح، أو أبي الفيض على قول شعبة المرجوة. وقد قال الحافظ فيما
نقله عنه ابن علان في " شرح الأذكار " (٢ / ٤٠٤) بعد أن ذكر رواية شعبة:
" وأبو الفيض لا يعرف اسمه، ولا حاله، ورجح أبو حاتم رواية سفيان على
رواية شعبة، وهذا منفي عنه الاضطراب ".
قلت: نعم رواية سفيان لا اضطراب فيها؛ لكن فيها العلتان: الوقف،
والجهالة؛ فإن أبا علي هذا لم يوثقه غير ابن حبان كما تقدم، ومعروف تساهله في
التوثيق، ولذلك؛ لم يوثقه الحافظ في " التقريب "؛ بل قال فيه:
" مقبول ". يعني: عند المتابعة، وإلا؛ فليِّن الحديث؛ كما نص عليه في
المقدمة. وقال النووي في " المجموع شرح المهذب " (٢ / ٧٥) :
" حديث ضعيف. رواه النسائي في كتابه " عمل اليوم والليلة " من طرق (!)
بعضها مرفوع، وبعضها موقوف على أبي ذر، وإسناده مضطرب غير قوي ".
وتعقبه الحافظ بما تقدم عنه من نفي الاضطراب، وقد ظهر لك أن ذلك
لا يجدي؛ لبقاء العلتين المذكورتين.
وأما قول الحافظ بعدما تقدم نقله عنه:
стр. 8103
" ويزداد قوة بشاهده من حديث حذيفة وأبي الدرداء. أخرجه ابن أبي شيبة
عنهما موقوفاً بلفظ حديث أبي ذر ".
قلت: وهذا مما لا يجدي أيضاً. لشدة ضعف إسناده. أم " حديث حذيفة؛ فإنه
من طريق جويبر عن الضحاك قال: كان حذيفة يقول:. . . فذكره دون قوله:
" الحزن ".
وهذا مع انقطاعه بين الضحاك - وهو ابن مزاحم الهلالي - وحذيفة؛ فإن
جويبراً - وهو ابن سعيد الأسدي - ضعيف جداً؛ كما قال الحافظ نفسه في
" التقريب "، فلا يَصْلُحُ للاستشهاد به.
وأما حديث أبي الدرداء؛ فهو من طريق هريم عن ليث عن المنهال بن عمرو
قال: كان أبو الدرداء إذا خرج. . . الحديث؛ وليس فيه أيضاً: " الحزن ".
وهذا كالذي قبله منقطع؛ فإن المنهال بن عمرو لم يدرك أبا الدرداء، وليث: هو
ابن أبي سليم؛ ضعيف لاختلاطه.
واعلم أن الباعث على تخريج هذا الحديث أمران اثنان:
الأول: أنني رأيت الشوكاني ﵀ قد خبط خبط عشواء في هذا
الحديث، وحديث أنس نحوه عند ابن ماجه؛ فقال في " السيل الجرار " (١ / ٧١) :
" إسناده صالح، وأخرج نحوه النسائي وابن السني من حديث أبي ذر،
وإسناده صحيح "!
وكأنه اغتر بما وقع في بعض نسخ " الجامع الصغير " من الرمز له بالصحة،
فقال في " نيل الأوطار " (١ / ٦٤) بعد أن عزاه للنسائي وابن السني:
стр. 8104
" ورمز السيوطي بصحته "!
وكأنه لا يعلم أن رموز " الجامع " لا قيمة علمية لها؛ كما تراه محققاً في
مقدمة " صحيح الجامع الصغير " و " ضعيف الجامع ".
وأما حديث أنس؛ ففيه إسماعيل بن مسلم، فتردد الشوكاني بين أن يكون
العبدي الثقة، وبين أن يكون البصري الضعيف. ولو سلم بهذا التردد؛ فذلك مما
يمنع القول بأن إسناده صالح. فكيف وهو غير مسلَّم! وشبهته في ذلك: أن الحديث
من رواية إسماعيل بن مسلم عن الحسن البصري. وكل من الإسماعيلين روى عن
الحسن. ورُدَّ هنا بأنه من رواية عبد الرحمن المحاربي عن إسماعيل، وهو إنما يروي
عن الضعيف فقط، ولذلك؛ قال النووي في " المجموع ":
" إسناده ضعيف ".
وتبعه على ذلك البوصيري في " الزوائد "، ونقلت كلامه في ذلك على
" المشكاة " (٣٧٤) ، و " إرواء الغليل " (٥٣) .
والأمر الآخر: أنني لما خرجت حديث أبي ذر من رواية ابن السني في
" الإرواء " ما عرفت يومئذٍ أنه سقط من نسخة " ابن السني " أداة الكنية، فوقع
فيه: " عن الفيض "؛ فلمَ أعرفه. فتبين الآن أنه أبو الفيض، وأنه أخطأ فيه
شعبة، وأن الصواب: أبو علي الأزدي، وأنه في حكم المجهول. والله سبحانه
وتعالى أعلم.
(تنبيه) : لم يقع حديث أبي ذر هذا في كتاب " عمل اليوم والليلة " للنسائي
الذي طبع في المغرب بتحقيق الدكتور فاروق حمادة!
стр. 8105
٥٦٥٩ - (إذا خَرَجَ أحدُكُم مِنَ الخَلاءِ؛ فَلْيَقُلْ: الحمدُ أته الذي
أَذْهَبَ عني ما يُؤذيني، وأَمْسَكَ عليَّ ما ينفعُني) .
منكر.
أخرجه ابن أبي شيبة (١ / ٢) من طريق زمعة عن سلمة بن وهرام
عن طاوس قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :. . . فذكره.
قلت: وهذا مع إرساله ضعيف؛ لأن زمعة - وهو ابن صالح الجَنَدي - ضعيف؛
كما في " التقريب ".
وقريب منه سلمة بن وهرام.
стр. 8106
٥٦٦٠ - (لا يقطعُ الصلاةَ كلبٌ، ولا حِمَارٌ، ولا امرَأَةٌ، وادرأْ ما مرَّ
أمامَكَ ما استطعتَ) .
ضعيف جداً.
أخرجه ابن عدي في " الكامل " (١ / ٣٢٨) ، والدارقطني
(١ / ٣٦٨ - ٣٦٩) من طريق إسماعيل بن عياش عن إسحاق بن أبي فروة عن
زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة مرفوعاً.
قلت: وهذا حديث باطل، وإسناد ضعيف جداً، وذلك؛ لأمور:
أولاً: إسحاق هذا - وهو ابن عبد الله بن أبي فروة -؛ متروك متفق على
تضعيفه، وقد قال ابن عدي في آخر ترجمته - وقد ساق له أحاديث منكرة -:
" لا يتابعه أحد على أسانيدها ولا على متونها، وسائر أخباره مما لم أذكره
تشبه هذه الأخبار التي ذكرتها، وهو بيِّن الأمر في الضعفاء ".
وهذا الحديث من تلك الأحاديث التي استنكرها ابن عدي، وتابعه على ذلك
стр. 8107
الذهبي في " الميزان ".
ثانيا: أن الحديث مقلوب؛ قال ابن حبان في ترجمة ابن أبي فروة من " الضعفاء " (١ / ١٣٢) :
" قَلْبُ إسنادِ هذا الخبر ومتنه جميعاً، إنما هو عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ :
" إذا كان أحدُكم يصلي؛ فلا يَدَعنَّ أحداً يمرُّ بين يديه؛ فإن أبى؛ فلْيُقَاتِلْه؛ فإنما هو شيطان ".
فجعل مكان أبي سعيد أبا هريرة؛ وقلب متنه، وجاء بشيء ليس فيه، اختراعا من عنده، فضمه إلى كلام النبي ﷺ ، وهو قوله:
" لا يقطع الصلاة امرأة ولا كلب ولا حمار "
والأخبار الصحيحة: أن النبي ﷺ أمر بإعادة الصلاة إذا مر بين يديه الحمار والكلب والمرأة ".
ونقله ابن الجوزي في " العلل المتناهية " (١ / ٤٤٩) عن ابن حبان وأقره، وذكر معه حديثين آخرين بمعناه، وقال:
" ليس في هذه الأحاديث شيء صحيح ".
قلت: وحديث أبي سعيد من رواية عطاء عنه أخرجه أبو داود وغيره، وله متابعون في " الصحيحين " وغيرهما، وأحاديثهما مخرجة في " صحيح أبي داود " (٦٩٤ - ٦٩٧) ، وأخرج بعضها ابن خزيمة في " صحيحه " (٨١٦ - ٨١٩) .
стр. 8108
ثم استدركت فقلت: عطاء عند أبي داود: هو ابن يزيد الليثي، وليس ابن يسار وقد رواه الطحاوي (١ / ٢٦٧) .
ومما يؤكد ما ذكره من قلب ابن أبي فروة لمتنه: أن حديث أبي هريرة قد جاء عنه من طرق صحيحة مرفوعا بلفظ:
" يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب ". أخرجه إسحاق بن راهويه في " مسنده " (٤ / ٣٩ / ١) ، ومن طريقه مسلم (٢ / ٥٩) ، وكذا البيهقي (٢ / ٢٧٤) ، وأبو عوانة (٢ / ٥٢) ، وابن ماجه (رقم ٩٥٠) ، وأحمد (٢ / ٢٩٩، ٤٢٥) من طريقين عنه.
فهذا هو المحفوظ عن أبي هريرة، فهو يبطل حديث ابن أبي فروة.
ولحديث أبي هريرة شواهد من حديث أبي ذر: عند مسلم وغيره.
وابن عباس: عند أبي داود وغيره.
وهما مخرجان في " صحيح أبي داود " (٦٩٩، ٧٠٠) ، وصححهما ابن خزيمة.
وعبد الله بن مغفل: عند ابن ماجه وأحمد (٤ / ٨٦ و ٥ / ٥٧) .
وقد ساق ابن القيم هذه الأحاديث الأربعة، وقال عقبها:
" ومعارض هذه الأحاديث قسمان: صحيح غير صريح، وصريح غير صحيح، فلا يترك العمل بها لمعارض هذا شأنه ".
يعني بالصحيح كحديث عائشة في صلاته ﷺ في الليل وهي معترضة بينه وبين القبلة راقدة على الفراش. متفق عليه، وهو مخرج في " صحيح أبي داود "
стр. 8109
(٧٠٥) . قال الحافظ في " الفتح " (١ / ٥٩٠) :
" والفرق بين المار وبين النائم في القبلة: أن المرور حرام؛ بخلاف الاستقرار نائما كان أو غيره، فهكذا المرأة يقطع مرروها دون لبثها ".
ومثله: حديث ابن عباس في مروره بين يدي الصف ورسول الله ﷺ يصلي في عرفة، وإرساله الأتان ترتع. متفق عليه أيضاً، وهو مخرج أيضاً في المصدر السابق (٧٠٩) ، قال ابن خزيمة في " صحيحه " (٢ / ٢٣ - ٢٥) :
" ليس فيه أن الحمار مر بين يدي النبي ﷺ ، وإنما مر بين يدي أصحابه ﷺ ، وسترة الإمام سترة لمن خلفه ".
وإن من شؤم التقليد والجمود على المذهب: أن المعلق على " زاد المعاد " لم يُقْنِعْهُ بصحة كلام ابن القيم عقب الأحاديث الصحيحة الأربعة المتقدمة ما أشار إليه من ضعف الأحاديث الصريحة المعارضة لها؛ بل إنه عكس ذلك؛ فعارض الصحيحة وأعرض عنها بالأحاديث الضعيفة! وهي أربعة:
الأوّل: حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا:
" لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم؛ فإنما هو شيطان ".
رواه أبو داود وغيره. قال المومى إليه عقبه:
" وفي سنده مجالد بن سعيد. وهو سيئ الحفظ، لكن يتقوى بما أخرجه الدارقطني. . . . ".
قلت: مجالد مع سوء حفظه كان قد تغيّر في آخر عمره؛ كما قال النووي في " المجموع " (٣ / ٢٤٦) ، وقال:
стр. 8110
" وقد روى عنه أبو أسامة هذا - واسمه حماد بن أسامة - بعد أن تغير؛ كما ذكر ابن مهدي ".
قلت: فمثله ينبغي التوقف عن الاستشهاد بحديثه خشية أن يكون أخطأ فيه وخالف الثقات. وهذا هو الذي وقع له في هذا الحديث، فرواه جمع من الثقات عن أبي سعيد بلفظ آخر، وليس فيه هذه الزيادة: " لا يقطع الصلاة شيء "؛ كما تقدم في أول هذا التخريج، فهي منكرة إذا، لا يستشهد بها.
والثاني: حديث الترجمة هذا، وقد عرفت أنه ضعيف جداً، فلا يستشهد به أيضاً.
والثالث: مثله - كما سيأتي بيانه - هو والحديث الرابع بعد هذا إن شاء الله تعالى.
فقول المعلق عقبها:
" وهذه شواهد يشد بعضها بعضاً فيتقوى بها الحديث "!
فأقول: كلا! فإن شرط التقوّي أن لا يشتد ضعف مفرداتها؛ كما هو معلوم في " المصطلح " وليس الأمر كذلك هنا كما بينا، ولذلك؛ لم يتجرأ على التصريح بعللها خلافا لما صنع في حديث الخدري! فلو فعل؛ لتبين للقارئ شدة الضعف والنكارة. ولهذا؛ لم يُقَوِّ الحافظُ الحديثَ بطرقه المذكورة وغيرها، وإنما اكتفى بتضعيفها في " الفتح " بقوله (١ / ٥٨٨) - بعد أن أشار إليها، ومنها حديث أنس المذكور تحت الحديث التالي -:
" وفي إسناد كل منهما ضعف "
стр. 8111
على أنه لو سلمنا جدلاً ارتقاء الحديث إلى الصحة بلفظ: " لا يقطع الصلاة شيء "؛ فلا يكون صريحا في معارضة أحاديث القطع؛ لأنه عام وتلك خاصة، فيبنى العام على الخاص، ويكون الناتج من ذلك (لا يقطع الصلاة شيء إذا كان بين يديه سترة) ، وهذا جاء مصرحاً به في بعضها؛ كحديث أبي هريرة:
" يقطع الصلاة المرأةُ والكلبُ والحمارُ، ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل ".
رواه مسلم كما تقدم، ونحوه حديث أبي ذر.
وقد بحث الشوكاني في " النيل " هذا الموضوع بتفصيل، وناقش أدلة المختلفين في هذه المسألة، وبيَّن صحيحها من سقيمها، وانتهى كلامه إلى هذا الجمع، فليراجعه من أراد التفصيل؛ إلا أن موقفه من حديث الترجمة كان ضعيفا؛ لأنه بعدما ساقه من رواية الدراقطني لم يزد على قوله عقبه (٣ / ١٢) :
" فإن صح كان صالحاً للاستدلال به على النسخ (يعني: لحديث القطع) إن صح تأخُّر تأريخه ".
فهذا وما تقدم نقله عن المعلق على " الزاد " كان من دواعي كتابة هذا التخريج والتحقيق. والله تعالى ولي التوفيق.
وإليك الآن تحقيق الكلام على الحديث الثالث من الأحاديث المشار إليها آنفاً:
٥٦٦١ - (لا يَقْطَعُ الصَّلاةَ شيءٌ) .
منكر.
أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير (٨ / ١٩٣ / ٧٦٨٨) ، والدارقطني في " السنن " (١ / ٣٦٨) من طريق عفير بن معدان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة مرفوعا.
стр. 8112
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ آفته عفير هذا؛ فقد اتفقوا على تضعيفه، وقد بسط الحافظ ابن المزي أقوال جارحيه في " تهذيب الكمال "، وهو ممن سقطت ترجمته من " تهذيب التهذيب " للعسقلاني، وأورده الذهبي في " الضعفاء " وقال:
" ضعفوه. وقال أبو حاتم: لا يشتغل بحديثه ".
قلت: ونص قول أبي حاتم في رواية ابنه عنه في " الجرح " (٣ / ٢ / ٣٦) :
" ضعيف الحديث، يكثر الرواية عن سليم بن عامر عن أبي أمامة بالمناكير مما لا أصل له، لا يشتغل بروايته ".
قلت: فمثله لا يصلح للاستشهاد به؛ خلافا لما فعله المعلق على " زاد المعاد " كما سبقت الإشارة إلى ذلك في الحديث الذي قبله، وكذلك فعل في تعليقه على " شرح السنة " (٢ / ٤٦١ - ٤٦٢) ! ولم يكتف بذلك؛ بل إنه نقل عن الهيثمي في " المجمع " (٢ / ٦٢) أنه حسّن إسناده وأقره! وأغلب الظن أنه لا يخفى عليه أن ذلك من أوهام الهيثمي أو تساهله. فلم أقره؟ ! الجواب في قلب كل قارئ لبيب.
وهذا هو الحديث الثالث مما كان المعلق المشار إليه ذكره كشاهد لحديث الترجمة من رواية أبي سعيد الخدري الذي سبق بيان إسناده ونكارة متنه أيضاً في الذي قبله.
وأما الحديث الرابع الذي استشهد به؛ فهو حديث الدارقطني عن أنس مرفوعاً مثل حديث الترجمة:
стр. 8113
وسكت المومى إليه أيضاً، فلم يتكلم عليه بشيء أيضاً؛ مكتفيا بادِّعاء كونه شاهداَ. ولا يصلح لذلك؛ لضعف في إسناده ونكارة في متنه، وإليك البيان:
أخرجه الدارقطني (١ / ٣٦٧) ، والبيهقي (٢ / ١٧٧ - ١٧٨) والحافظ ابن المظفر في " زياداته على مسند عمر بن عبد العزيز " لابن الباغندي (ص ١٧) من طريق إبراهيم بن منقذ الخولاني: نا إدريس بن يحي أبي عمرو المعروف بـ (الخولاني) عن بكر بن مضر عن صخر بن عبد الله بن حرملة: أنه سمع عمر ابن عبد العزيز يقول: عن أنس:
أن رسول الله ﷺ صلى بالناس، فمر بين أيديهم حمار، فقال عياش بن أبي ربيعة: سبحان الله (ثلاثاً) ، فلما سلَّم رسول الله ﷺ قال:
" من المسبّح آنفاً: سبحان الله؟ " قال أنا يا رسول الله! إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة. قال:
" لا يقطع الصلاة شيء ".
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات من رجال " التهذيب "؛ غير إدريس بن يحي هذا؛ قال ابن أبي حاتم (١ / ١ / ٢٦٥) :
" صدوق، سئل عنه أبو زرعة؛ فقال: رجل صالح من أفاضل المسلمين ". قال يونس بن عبد الأعلى:
" ما رأيت في الصوفية عاقلا سواه ".
وصحح له الحاكم.
توفي سنة (٢١١) ؛ كما قال الذهبي في " الأعلام " (١٠ / ١٦٦) . وذكر
стр. 8114
أنه كان أحد الأبدال، كان يشبه ببشر الحافي في فضله وتَأَلُّهِهِ.
وغفل عن هذا الشيخ أحمد شاكر، فقال في تعليقه على الترمذي (٢ / ١٦٥) :
" ولم أجد ترجمة لإدريس هذا "!
ولعله أراد الراوي عنه: إبراهيم بن منقذ، فسبقه القلم؛ فإن إبراهيم هذا عزيز الترجمة؛ فقد ذكره الذهبي في " العبر "، وتبعه ابن العماد في " الشذرات " في وفيات سنة (٢٦٩) ؛ قالا:
" وفيها توفي إبراهيم بن منقذ الخولاني المصري صاحب ابن وهب، وكان ثقة ".
وهذا خلاصة ترجمته في " سير أعلام النبلاء " (١٢ / ٥٠٣) ، ووصفه فيه بـ " الإمام الحجة الخولاني أبو إسحاق، مولاهم المصري العصفري ".
وذكر أنه روى عنه جماعة من الحفاظ وغيرهم، قال أبو سعيد بن يونس:
" هو ثقة رضي ".
فالظاهر أنه في كتابه " تاريخ مصر "، ولم يطبع فيما علمت؛ فهو - والله أعلم - عمدة الذهبي في توثيقه، وذكر السمعاني في " الأنساب "، مادة (العصفري) :
" كانت كتبه احترقت قديما، وبقيت له منها بقية، وكان يحدث بما بقي له من كتبه ".
قلت: وبالجملة؛ فرجال هذا الإسناد ثقات كما تقدم؛ ولكن متن الحديث منكر؛ لما سبق بيانه، وفي هذه الحالة لا بد للباحث أن يربط علته بأحد رجاله، فأرى - والله أعلم - أن أولاهم بها إنما هو صخر بن عبد الله بن حرملة؛ فإنه وإن وثقه
стр. 8115
ابن حبان (٦ / ٤٧٣) ، والعجلي (٢٢٧ / ٢٩٤) ، وقال النسائي:
" صالح " كما في " تهذيب التهذيب " لابن حجر، وكأنه وقف عند هذا التوثيق حين قال في كتابه " الدراية " (١ / ١٧٨) :
" وإسناده حسن "!
وتبعه في ذلك الشيخ الفاضل بديع الدين الراشدي في تعليقه على " مسند عمر بن عبد العزيز " (ص ١٦) ، وقلده المعلق الحلبي على المسند (ص ٥٥) ، ولم ينتبهوا جميعا إلى أن التوثيق المذكور مما لا يقبل، وبخاصة عند تعارض الأحاديث؛ فإنه صادر ممن عرف بتساهله في التوثيق في راوٍ ليس مشهورا بالرواية، ولذلك؛ سكت عنه البخاري في " التاريخ الكبير "، وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل "، وقال الذهبي في " الميزان ":
" قليل الحديث، لا يكاد يعرف، قال ابن القطان: مجهول الحال لا يعرف، ما روى عنه غير بكر بن مضر ". ولهذا؛ قال في " الكاشف ":
" وثق "!
وهذا التعبير منه يعني أن توثيق من ذكرنا غير موثوق به؛ كما يعرف ذلك من له ممارسة بتعابير الذهبي ودقته فيها. وكذلك قول الحافظ ابن حجر فيه في " التقريب ":
" مقبول ". يعني: أن التوثيق المشار إليه غير مقبول عنده، وإلا؛ لقال فيه هو والذهبي: " ثقة ". أو نحو ذلك من العبارات التي تؤدي معناه، ويؤكد ذلك بالنسبة للحافظ أنه صرح في مقدمته بمقصوده بقوله: " مقبول "؛ فقال: " حيث
стр. 8116
يتابع، وإلا فليِّن الحديث ".
وفي نقل تلميذه الحافظ الناجي عنه: " إن لم يتابع؛ فليِّن الحديث ".
فلما لم يكن لصخر هذا متابع، فحديثه - والحالة هذه - لين عند الحافظ، وهو الذي يتفق مع تضعيفه إياه في " الفتح " كما تقدم، وعبارته صريحة في ذلك.
وأما قول ذاك الحلبي: إنها توهم تضعيفه له؛ فمن تحريف كلام العلماء؛ إتباعاً لهواه؛ فإن عبارته بعد أن ذكر أن حديث الترجمة ورد عن جمع من الصحابة سماهم - منهم أنس - قال:
" وفي إسناد كل منها ضعف ".
فأين التوهيم المزعوم؟ !
ومن تهوُّر هذا الزاعم وجرأته على العلماء قوله (ص ٥٥) - بعد أن نقل ما سبق من التوثيق عن ابن حبان وغيره -:
" ولم ينقل فيه غير ذلك، فهو ثقة، وليس كما قال في " التقريب ": مقبول "!
كأن الحافظ لا علم عنده بالتوثيق المذكور، وهو إنما نقله عنه! ولكن من جهل هذا الزاعم وتهوره أنه لم يفكر على الأقل لماذا لم يأخذ بالتوثيق المذكور وهو العليم به؛ ولو فكر لتبين له السبب، وهو جهالة الموثِّق هذا، وتساهل الموثِّقين له، وقد سبقه إلى ذلك ابن القطان والذهبي كما سبق؛ فإن من المعروف في " المصطلح ": أن الراوي إذا روى عنه واحد؛ فهو مجهول جهالة عينية، ومن روى عنه اثنان فأكثر فهو مجهول الحال.
فلما لم يرو عن صخر غير بكر، ولم يوثق بتوثيق معتبر؛ لزم الحفاظ المتأخرون - ابن القطان والذهبي والعسقلاني - المعروفَ في المصطلح، ولما
стр. 8117
جهل ذلك المغرور المشار إليه؛ خطَّأهم جميعًا في شخص الحافظ العسقلاني! !
ولقد جهل أمرين آخرين:
الأول: مخالفة هذا الحديث للأحاديث الصحيحة عن أبي ذر وغيره؛ كما تقدم بيانه في الحديث الذي قبله؛ ففيها إثبات القطع.
والآخر: أنه صح عن أنس نفسه ما يوافق تلك الأحاديث الصحيحة، ويخالف ما نسبه صخر إليه، وهو ما روى شعبة عن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس أن النبي ? قال:
((يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة)) .
أخرجه البزار في ((مسنده)) (١ / ٢٨١ / ٥٨٢ - كشف الأستار) : حدثنا يحيى بن محمد بن السكن: ثنا يحيى بن كثير: ثنا شعبة به.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير ابن السكن، وهو من شيوخ البخاري في ((صحيحه)) . ولهذا قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٢ / ٦٠) :
((رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح)) .
وأقره الحافظ في ((زوائده)) (ص ٥٤ - مصورة الهند) .
ولعله مما يزيد القارئ بصيرة بضعف هذه القصة التي تفرد بها صخر: معرفة أنه اضطرب في إسناده.
فمرة قال: إنه سمع عمر بن عبد العزيز عن أنس، كما تقدم.
стр. 8118
ومرة قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يحدث عن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال:. . . فذكره.
أخرجه ابن الباغندي في ((مسند عمر بن عبد العزيز)) (١٧ / ٩) : حدثنا هشام بن خالد: نا الوليد بن مسلم عن بكر بن مضر المصري عن صخر بن عبد الله المدلجي قال:. . . فذكره.
قلت: وهذا منقطع أو مرسل؛ لأن عمر بن عبد العزيز لم يدرك عياش بن أبي ربيعة؛ فإنه قديم الوفاة مات سنة (١٥) .
وهذا يقال إن سلم من عنعنة الوليد بن مسلم؛ فإنه كان يدلس تدليس التسوية.
إذا عرفت هذا؛ فقد أخطأ في هذا الحديث عالمان فاضلان لهما وزنهما عندي، وهما: الشيخ أحمد شاكر ﵀، والشيخ بديع الدين الراشدي.
أما الأول؛ فمن ناحيتين:
الأولى: من حيث إسناده، فإنه قال عقب كل رواية الوليد بن مسلم:
((وهذا إسناد صحيح، إلا أن عمر بن عبد العزيز لم يسمع من عياش، فقد مات سنة ١٥، ولكنه محمول على الرواية الأخرى عن أنس، وكأن عمر لما سمعه من أنس صار يرويه مرة عنه، ومرة يرسله عن عياش، يريد بذلك رواية القصة، لا ذكر الإسناد)) .
قلت: هذا الحمل مسلَّم لو صح الإسناد عن عمر بهذا وهذا، وهيهات! فإن مدارهما على صخر، وقد عرفت حاله.
стр. 8119
والعجب من الشيخ كيف يصحح هذه الرواية، وهو يعلم أن الوليد بن مسلم مدلس، ويقول في أحد رواة الرواية الأولى عن أنس: ((لم أجد له ترجمة)) ! كما سبق نقله عنه مع الاستدراك عليه فيه، فتذكر هذا، وأن العلة الحقيقة هي من صخر!
ثم إذا كان الشيخ يحمل هذه الرواية على الرواية الأولى - وهي عن أنس -؛ فكيف يجوز نسبة ذلك إليه بمثل هذا السند المعلل بصخر، وقد صح عنه خلافه بسند قوي كالجبل؛ كما سبق.
والناحية الأخرى: أنه جزم بنسخ أحاديث قطع الصلاة التي تقدم بعضها ببيان ذكره متبجحًا به! وحق له ذلك لو صح؛ ولكننا نقول: أثبت العرش ثم انقش! ! أو: وهل يستقيم الظل والعود أعوج؟ ! فإن ذلك البيان بناه على صحة الحديث، وهيهات هيهات! فقد تبين أنه ضعيف الإسناد منكر المتن؛ لمخالفته للأحاديث الصحيحة في القطع بصورة عامة، ولحديث أنس الصحيح فيه بصورة خاصة.
وأما الشيخ الراشدي حفظه الله؛ فقد وافقه على الناحية الأولى؛ إلا أنه اقتصر على تحسين إسناد الحديث إلى أنس، وعلى الناحية الأخرى أيضًا تلميحًا لا تصريحًا؛ لكنه جاء بعجيبة؛ فإنه بعد أن صرح بضعف حديث الوليد - لتدليسه - قال في آخر تعليقه عليه:
((فهذا الحديث من جملة الشواهد في الباب)) !
يقول هذا وهو يرى أن مداره على راو واحد، هو صخر بن عبد الله في هذا الحديث وفي الذي قبله، فقد جعل المشهود له شاهدًا، وبالعكس! إلا أن يريد
стр. 8120
بقوله ((حديث)) حديث عياش بغض النظر عن روايتيه والجملة الأخيرة منه وهي: ((لا يقطع الصلاة شيء)) ! فلا يصح الاستشهاد به؛ لأنه منكر؛ كما تقدم تحقيق ذلك في هذا التخريج. والله ولي التوفيق.
٥٦٦٢ - (صَلَّى قَبْلَ المغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ) .
شاذ. أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (رقم ٦١٧ - موارد) : أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة: حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث: حدثني أبي: حدثنا حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة: أن عبد الله المزني حدثه: أن رسول الله ? صلى قبل المغرب ركعتين.
كذا أورده الهيثمي في ((الموارد)) وقال: عقبه:
((قلت: فذكر الحديث)) .
قلت: يعني قوله ?:
((صلوا قبل صلاة المغرب [ركعتين] )) . قال في الثالثة:
((لِمَنْ شاءَ)) ؛ كراهية أن يَتَّخِذَهَا الناسُ سُنَّةٌ.
أخرجه البخاري وغيره، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) (١١٦١) ؛ أخرجوه دون حديث الترجمة، وهي زيادة تفرَّد بها أحد رواة هذا الإسناد عند ابن حبان وكذا ابن نصر في ((القيام)) ، وقد كنت أشرت إلى شذوذها في ((الصحيحة)) رقم الحديث (٢٣٣) ؛ لمخالفة المشار إليه، والآن اقتضى الأمر توضيح ذلك فأقول:
أولاً: لا أجد في هذا الإسناد من هو أولى بتعصيب الخطأ في هذه الزيادة؛
стр. 8121
لأنهم جميعًا ثقات لم يتكلم فيهم أحد بجرح؛ سوى عبد الصمد بن عبد الوارث؛ فإنه مع كونه من رجال الشيخين؛ فقد قال فيه ابن قانع:
((ثقة يخطئ)) . فإن لم يكن هو؛ فابنه عبد الوارث؛ لأنه قد خولف وأبوه توبع؛ كما يأتي.
على أنه قد بدا لي أن في هذا الإسناد انقطاعًا أو سقطًا قديمًا؛ فإن ظاهر قوله: ((ثني أبي)) أنه يعني عبد الصمد بن عبد الوارث، وأن هذا هو القائل: ثنا المعلم. ولم يذكروا أن له رواية عنه، ولا تاريخ وفاتهما يساعد على ذلك؛ فإن وفاة عبد الصمد سنة (٢٠٧) ، ووفاة حسين سنة (١٤٥) ، فبين وفاتيهما (٦٢) سنة. وإنما ذكروا لأبيه عبد الوارث السماع منه، وهو المحفوظ في هذا الإسناد من رواية جمع من الثقات عن عبد الوارث بن سعيد، منهم ابنه عبد الصمد دون الزيادة، وهاك البيان:
١ و ٢ - قال أحمد (٥ / ٥٥) : ثنا عبد الصمد: حدثني أبي: ثنا حسين، وعفان: ثنا عبد الوارث: ثنا حسين به؛ دون الزيادة.
ومن طريق عفان وحده أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (٣ / ٤٧١ / ٨٩٤) .
٣ - قال البخاري في ((صحيحه)) (١١٨٣) : حدثنا أبو معمر: حدثنا عبد الوارث به.
وأبو معمر هذا اسمه عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المِنْقَري.
ومن طريقه أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢ / ٢٦٧ / ١٢٨٩) .
٤ - قال أبو داود في ((سننه)) (١٢١٨) : حدثنا عبيد الله بن عمر: حدثنا
стр. 8122
عبد الوارث بن سعيد به.
وعبيد الله هذا هو القواريري.
ومن طريقه أخرجه الدارقطني (١ / ٢٦٥ / ٣) .
ومن طريق أبي داود: البيهقي (٢ / ٤٧٤) .
٥ - قال محمد بن نصر (ص ٢٦) : حدثنا محمد بن عبيد: ثنا عبد الوارث ابن سعيد به. ومحمد بن عبيد هو ابن حساب؛ ثقة من شيوخ مسلم.
ومن طريقه أخرجه الإسماعيلي في (مستخرجه) ؛ كما في (فتح الباري) (١٣ / ٣٣٩) ؛ لكن وقع فيه (حسان) بالنون بدل الباء؛ وهو خطأ مطبعي.
قلت: فهؤلاء خمسة ثقات اتفقوا على رواية الحديث عن عبد الوارث بن سعيد دون الزيادة، وهذا مما يلقي اليقين في القلب على شذوذها وخطأ من زادها في إسناد ابن حبان عن ابن خزيمة، ولعل مما يؤكد ما ذكرت: أن ابن خزيمة أعرض عن إيرادها في ((صحيحه)) إلى رواية أبي معمر الخالية منها كما تقدم.
من أجل ذلك؛ جزم ابن القيم ﵀ بنقي ما تضمنته هذه الزيادة؛ فقال في ((زاد المعاد)) :
((وأما الركعتان قبل المغرب؛ فإنه لم ينقل عنه ? أنه كان يصليهما، وصح عنه أنه أقَرَّ أصحابه عليهما. . .)) .
وذكر نحوه الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٢ / ١٠٨) .
وقد غفل عن هذا كله المعلق على ((الزاد)) ؛ فإنه قال في حديث ابن حبان:
стр. 8123
((وإسناده صحيح)) ! وما أُتي إلا من التقليد، وعدم التحقيق!
ومثل هذا الحديث في الشذوذ - بل النكارة - ما تقدم (٢١٣٩) بلفظ:
((بين كل أذانين صلاة إلا المغرب)) !
ثم تأكدت من السقط المشار إليه، فراجع ((الصحيحة)) بالرقم المشار إليه الطبعة الجديدة سنة (١٤١٥) .
وقد تبين لي أن في إسناد ((الموارد)) سقطًا أيضًا، وهو قول عبد الصمد أيضًا حدثني أبي. . . أي: أن صواب الإسناد هكذا:
((. . حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث: حدثنا أبي: حدثني أبي: حدثنا حسين المعلم. . .)) إلخ.
هكذا هو في ((الإحسان)) في كل من الطبعتين: طبعة بيروت وطبعة عمان. فاتصل الإسناد وزالت علة الانقطاع، ومن الغريب أن هذا الانقطاع في ((قيام الليل)) أيضًا!
وبالجملة، فإذا صح هذا الاتصال، فتكون العلة القادحة هي الشذوذ ومخالفة الثقات، وخفي ذلك على مُخَرِّج طبعة عمان من ((الإحسان)) ؛ فصح إسناده، بل وعزاه للبخاري وغيره! وهو عنده من قوله ? بلفظ الأمر المتقدم، وبلفظ:
((بين كل أذانين صلاة)) .
وهما مخرجان في ((صحيح أبي داود)) (١١٦١، ١١٦٣) .
وباللفظ الثاني أخرجه ابن خزيمة أيضًا (١٢٨٧) ، وابن حبان أيضًا (٣ /
стр. 8124
٤٨ / ١٥٥٧ - ١٥٦٠) ، وزادا في رواية عقبه:
((وكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين)) .
قلت: وإسناده صحيح. فهذا هو الصواب في هذه الزيادة: أنها من فعل ابن بريدة، أدرجها الراوي في الحديث ورفعه!
٥٦٦٣ - (إن السُّوْرَ الذي ذَكَرَهُ الله في القرآنِ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ ؛ هو السور الشرقي: (يعني: مسجدَ بيتِ المقدس) ؛ باطنُه المسجد، وظاهره وادي جهنم) .
موقوف باطل. أخرجه ابن جرير في ((التفسير)) (٢٧ / ١٣٠) ، والحاكم (٤ / ٦٠١) من طريق سعيد بن عبد العزيز عن عطية بن قيس عن أبي العوام مؤذن بيت المقدس قال: سمعت عبد الله بن عمرو ﵁ يقول:. . . فذكره موقوفًا عليه. وقال الحاكم:
((صحيح الإسناد)) ! ووافقه الذهبي!
وأقول: سعيد بن عبد العزيز هو التنوخي؛ مع ثقته وإمامته كان قد اختلط في آخر عمره؛ كما في ((التقريب)) ، فإن سلم من اختلاطه؛ ففوقه أبو العوام؛ ولم أعرفه، وقد ذكر الذهبي في ((المقتنى في الكنى)) :
((أبو العوام. عن معاذ بن جبل، وعنه روح بن عائذ.
أبو العوام. عن عبادة بن الصامت. كأنه الذي قبله، روى عنه زياد بن أبي سودة)) .
стр. 8125
قلت: ويلقى في النفس أن اسمه بلال إن كان حفظه الراوي عنه، وهو محمد ابن ميمون قال: عن بلال بن عبد الله مؤذن بيت المقدس قال:
رأيت عبادة بن الصامت ﵁ في مسجد بيت المقدس مستقبل الشرق أو السور - أنا أشك - وهو يبكي، وهو يتلو هذه الآية ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ ، ثم قال:
((ها هنا أرانا رسول الله ? جهنم)) .
أخرجه الحاكم (٢ / ٤٧٨) وقال:
((صحيح الإسناد)) ! ورده الذهبي بقوله:
((قلت: بل منكر، وآخره باطل؛ لأنه ما اجتمع عبادة برسول الله ? هناك. ثم من هو ابن ميمون وشيخه؟ ! وفي ((نسخة أبي مسهر)) : عن سعيد عن زياد بن أبي سودة قال:
رؤي عبادة على سور بيت المقدس يبكي، وقال:
من ها هنا أخبرنا رسول الله ? [أنه] رأى جهنم.
فهذا المرسل أجود)) .
قلت: زياد بن أبي سودة تابعي ثقة؛ لكن الراوي عنه سعيد هو ابن عبد العزيز نفسه، فالله أعلم هل هذا من سماعه قبل الاختلاط أم بعده.
ومحمد بن ميمون؛ هذا قال فيه ابن أبي حاتم عن أبيه:
((مجهول)) .