لأنهم جميعًا ثقات لم يتكلم فيهم أحد بجرح؛ سوى عبد الصمد بن عبد الوارث؛ فإنه مع كونه من رجال الشيخين؛ فقد قال فيه ابن قانع:
((ثقة يخطئ)) . فإن لم يكن هو؛ فابنه عبد الوارث؛ لأنه قد خولف وأبوه توبع؛ كما يأتي.
على أنه قد بدا لي أن في هذا الإسناد انقطاعًا أو سقطًا قديمًا؛ فإن ظاهر قوله: ((ثني أبي)) أنه يعني عبد الصمد بن عبد الوارث، وأن هذا هو القائل: ثنا المعلم. ولم يذكروا أن له رواية عنه، ولا تاريخ وفاتهما يساعد على ذلك؛ فإن وفاة عبد الصمد سنة (٢٠٧) ، ووفاة حسين سنة (١٤٥) ، فبين وفاتيهما (٦٢) سنة. وإنما ذكروا لأبيه عبد الوارث السماع منه، وهو المحفوظ في هذا الإسناد من رواية جمع من الثقات عن عبد الوارث بن سعيد، منهم ابنه عبد الصمد دون الزيادة، وهاك البيان:
١ و ٢ - قال أحمد (٥ / ٥٥) : ثنا عبد الصمد: حدثني أبي: ثنا حسين، وعفان: ثنا عبد الوارث: ثنا حسين به؛ دون الزيادة.
ومن طريق عفان وحده أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (٣ / ٤٧١ / ٨٩٤) .
٣ - قال البخاري في ((صحيحه)) (١١٨٣) : حدثنا أبو معمر: حدثنا عبد الوارث به.
وأبو معمر هذا اسمه عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المِنْقَري.
ومن طريقه أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢ / ٢٦٧ / ١٢٨٩) .
٤ - قال أبو داود في ((سننه)) (١٢١٨) : حدثنا عبيد الله بن عمر: حدثنا
стр. 8122
عبد الوارث بن سعيد به.
وعبيد الله هذا هو القواريري.
ومن طريقه أخرجه الدارقطني (١ / ٢٦٥ / ٣) .
ومن طريق أبي داود: البيهقي (٢ / ٤٧٤) .
٥ - قال محمد بن نصر (ص ٢٦) : حدثنا محمد بن عبيد: ثنا عبد الوارث ابن سعيد به. ومحمد بن عبيد هو ابن حساب؛ ثقة من شيوخ مسلم.
ومن طريقه أخرجه الإسماعيلي في (مستخرجه) ؛ كما في (فتح الباري) (١٣ / ٣٣٩) ؛ لكن وقع فيه (حسان) بالنون بدل الباء؛ وهو خطأ مطبعي.
قلت: فهؤلاء خمسة ثقات اتفقوا على رواية الحديث عن عبد الوارث بن سعيد دون الزيادة، وهذا مما يلقي اليقين في القلب على شذوذها وخطأ من زادها في إسناد ابن حبان عن ابن خزيمة، ولعل مما يؤكد ما ذكرت: أن ابن خزيمة أعرض عن إيرادها في ((صحيحه)) إلى رواية أبي معمر الخالية منها كما تقدم.
من أجل ذلك؛ جزم ابن القيم ﵀ بنقي ما تضمنته هذه الزيادة؛ فقال في ((زاد المعاد)) :
((وأما الركعتان قبل المغرب؛ فإنه لم ينقل عنه ? أنه كان يصليهما، وصح عنه أنه أقَرَّ أصحابه عليهما. . .)) .
وذكر نحوه الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٢ / ١٠٨) .
وقد غفل عن هذا كله المعلق على ((الزاد)) ؛ فإنه قال في حديث ابن حبان:
стр. 8123
((وإسناده صحيح)) ! وما أُتي إلا من التقليد، وعدم التحقيق!
ومثل هذا الحديث في الشذوذ - بل النكارة - ما تقدم (٢١٣٩) بلفظ:
((بين كل أذانين صلاة إلا المغرب)) !
ثم تأكدت من السقط المشار إليه، فراجع ((الصحيحة)) بالرقم المشار إليه الطبعة الجديدة سنة (١٤١٥) .
وقد تبين لي أن في إسناد ((الموارد)) سقطًا أيضًا، وهو قول عبد الصمد أيضًا حدثني أبي. . . أي: أن صواب الإسناد هكذا:
((. . حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث: حدثنا أبي: حدثني أبي: حدثنا حسين المعلم. . .)) إلخ.
هكذا هو في ((الإحسان)) في كل من الطبعتين: طبعة بيروت وطبعة عمان. فاتصل الإسناد وزالت علة الانقطاع، ومن الغريب أن هذا الانقطاع في ((قيام الليل)) أيضًا!
وبالجملة، فإذا صح هذا الاتصال، فتكون العلة القادحة هي الشذوذ ومخالفة الثقات، وخفي ذلك على مُخَرِّج طبعة عمان من ((الإحسان)) ؛ فصح إسناده، بل وعزاه للبخاري وغيره! وهو عنده من قوله ? بلفظ الأمر المتقدم، وبلفظ:
((بين كل أذانين صلاة)) .
وهما مخرجان في ((صحيح أبي داود)) (١١٦١، ١١٦٣) .
وباللفظ الثاني أخرجه ابن خزيمة أيضًا (١٢٨٧) ، وابن حبان أيضًا (٣ /
стр. 8124
٤٨ / ١٥٥٧ - ١٥٦٠) ، وزادا في رواية عقبه:
((وكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين)) .
قلت: وإسناده صحيح. فهذا هو الصواب في هذه الزيادة: أنها من فعل ابن بريدة، أدرجها الراوي في الحديث ورفعه!
٥٦٦٣ - (إن السُّوْرَ الذي ذَكَرَهُ الله في القرآنِ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ ؛ هو السور الشرقي: (يعني: مسجدَ بيتِ المقدس) ؛ باطنُه المسجد، وظاهره وادي جهنم) .
موقوف باطل. أخرجه ابن جرير في ((التفسير)) (٢٧ / ١٣٠) ، والحاكم (٤ / ٦٠١) من طريق سعيد بن عبد العزيز عن عطية بن قيس عن أبي العوام مؤذن بيت المقدس قال: سمعت عبد الله بن عمرو ﵁ يقول:. . . فذكره موقوفًا عليه. وقال الحاكم:
((صحيح الإسناد)) ! ووافقه الذهبي!
وأقول: سعيد بن عبد العزيز هو التنوخي؛ مع ثقته وإمامته كان قد اختلط في آخر عمره؛ كما في ((التقريب)) ، فإن سلم من اختلاطه؛ ففوقه أبو العوام؛ ولم أعرفه، وقد ذكر الذهبي في ((المقتنى في الكنى)) :
((أبو العوام. عن معاذ بن جبل، وعنه روح بن عائذ.
أبو العوام. عن عبادة بن الصامت. كأنه الذي قبله، روى عنه زياد بن أبي سودة)) .
стр. 8125
قلت: ويلقى في النفس أن اسمه بلال إن كان حفظه الراوي عنه، وهو محمد ابن ميمون قال: عن بلال بن عبد الله مؤذن بيت المقدس قال:
رأيت عبادة بن الصامت ﵁ في مسجد بيت المقدس مستقبل الشرق أو السور - أنا أشك - وهو يبكي، وهو يتلو هذه الآية ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ ، ثم قال:
((ها هنا أرانا رسول الله ? جهنم)) .
أخرجه الحاكم (٢ / ٤٧٨) وقال:
((صحيح الإسناد)) ! ورده الذهبي بقوله:
((قلت: بل منكر، وآخره باطل؛ لأنه ما اجتمع عبادة برسول الله ? هناك. ثم من هو ابن ميمون وشيخه؟ ! وفي ((نسخة أبي مسهر)) : عن سعيد عن زياد بن أبي سودة قال:
رؤي عبادة على سور بيت المقدس يبكي، وقال:
من ها هنا أخبرنا رسول الله ? [أنه] رأى جهنم.
فهذا المرسل أجود)) .
قلت: زياد بن أبي سودة تابعي ثقة؛ لكن الراوي عنه سعيد هو ابن عبد العزيز نفسه، فالله أعلم هل هذا من سماعه قبل الاختلاط أم بعده.
ومحمد بن ميمون؛ هذا قال فيه ابن أبي حاتم عن أبيه:
((مجهول)) .
стр. 8126
وأخرج ابن جرير أيضًا وعبد بن حميد؛ كما في ((الدر المنثور)) (٥ / ١٧٤) من طريق أبي سنان قال:
كنت مع علي بن عبد الله بن عباس عند وادي جهنم، فحدث عن أبيه أنه قال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ ، فقال:
((هذا موضع السور عند وادي جهنم)) .
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ علته أبو سنان - واسمه عيسى بن سنان القَسْمَلِي -؛ ليِّن الحديث؛ كما في ((التقريب)) .
وبالجملة؛ فهذه الأحاديث - مع ضعف أسانيدها - منكرة من حيث متونها؛ لمخالفتها لما قبل الآية المذكورة وما بعدها؛ قال تعالى في أول سورة الحديد: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ .
فهذا السياق صريح بأن ضرب السور إنما هو يوم القيامة. وأن (السور) حائط بين الجنة والنار؛ كما رواه ابن جرير عن قتادة وغيره.
وهو الصحيح؛ كما قال ابن كثير.
وما أحسن ما قاله الشوكاني في هذه الآثار:
((ولا يخفاك أن تفسير السُّوْر المكور في القرآن في هذه الآية بهذا السور
стр. 8127
الكائن ببيت المقدس فيهمن الإشكال ما لا يدفعه مقال، ولا سيما بعد زيادة قوله: " باطنه فيه الرحمة ": المسجد؛ فإن هذا غير ما سيقت له الآية، وغير ما دلت عليه، وأين يقع بيت المقدس أو سوره بالنسبة إلى السور الحاجز بين فريقي المؤمنين والمنافقين، وأي معنى لذكر مسجد بيت المقدس ههنا، فإن كان المراد أن الله سبحانه ينزع سور بيت المقدس ويجعله في الدار الآخرة سوراً مضروباً بين المؤمنين والمنافقين؛ فما معنى تفسير باطن السور وما فيه من الرحمة بالمسجد؟!
وإن كان المراد أن الله يسوق فريقي المؤمنين والمنافقين إلى بيت المقدس، فيجعل المؤمنين داخل السور في المسجد، ويجعل المنافقين خارجه؛ فهم إذ ذاك على الصراط وفي طريق الجنة وليسوا ببيت المقدس. فإن كان مثل هذا التفسير ثابتاً عن رسول الله ﷺ قبلنا وآمنا به، وإلا فلا كرامة ولا قبول ".
٥٦٦٤ - (إِن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله, فلا تصوموا فيهن إلا صوما في هدي) .
منكر بذكر الإستثناء. أخرجه الدارقطني في ((سننه)) (٢ / ١٨٧ / ٣٥) من طريق سليمان أبي معاذ عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن حذافة السهمي:
أن رسول الله ﷺ أمره في رهط أن يطوفوا في منى في حجة الوداع يوم النحر فينادوا:. . . فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جدا, آفته سليمان هذا _ وهو ابن أرقم _, قال الذهبي في ((الكاشف)) :
((متروك)) .
стр. 8128
وقد تابعه من هو مثله أو قريب منه. وهو مخرج في ((الإرواء)) (٤ / ١٣٣) .
وقد خالفهما معمر إسنادا ومتنا:
فرواه عن الزهري بسنده الصحيح عن رجل من أصحاب النبي لى الله عليه وسلم قال:
أمر النبي ﷺ عبد الله بن حذافة أن يركب راحلته أيام منى. . . الحديث نحوه, دون الإستثناء. وهو الصحيح.
رواه الطحاوي وأحمد.
ورواه الحاكم (٣ / ٦٣١) من طريق آخر عن الزهري.
ثم أخرجاه وكذا ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤ / ٢١) من طريق أخرى من حديث عبد الله بن حذافة نفسه.
وإسناده صحيح أيضا.
وكذلك رواه جمع من الصحابة عن النبي ﷺ , دون الإستثناء.
الأمر الذي يؤكد نكارة هذه الزيادة في هذا الحديث.
وقد خرجت بعض طرقه عن أولئك الصحابة في المصدر المشار إليه آنفا برقم (٩٦٣) , وأحدها في (صحيح مسلم) عن كعب بن مالك ﵁.
لكن معنى الحديث صحيح عندي, لحديث البخاري وغيره عن عائشة وابن عمر قالا:
((لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن, إلا لمن لم يجد الهدي)) .
стр. 8129
وهو _ وإن لم يكن صريحا في الرفع , فهو _ في حكم المرفوع عند الجمهور, كما ذكرت في ((الإرواء)) (٤ / ١٣٢ - ١٣٣) , وهو الذي اختاره ابن جرير الطبري, بل إنه استصوب أنه لا يجوز أن يصوم غيرها, لأنه قبل إحرامه بالحج إنما يكون معتمرا وليس متمتعا بالعمرة إلى الحج, والله يقول: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) , وإذا صامها بعد فراغه من مناسكه, فلم يصمها في الحج, وذلك خلاف قوله تعالى في تمام الآية: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج. .) . فرجع كلامه, فإنه قوي رصين.
ويؤيده _ في رأيي _ أنها لا تنطبق إلا على من لم يجد الهدي يوم وجوبه, وهو يوم النحر, وأما قبل ذلك بأيام كثيرة أو قليلة, فلا عبرة بذلك, لأنه إن صام فيها, فمن الممكن أن يجده من بعد, فيجب عليه الهدي, ويذهب ما قدمه من الصيام, وما مثل هذا إلا مثل رجل معسر صام ثلاثة أيام ينوي بصومهن كفارة يمين, ليمين يريد أن يحلف بها ويخنث فيها, وذلك ما لا خلاف فيه أنه غير مجزئ من كفارة إن حلف بها بعد الصوم فحنث. إلى غير ذلك من الأمثلة التي ساقها ابن جرير في تأييده لما استصوبه من الحكم, فراجعه, فإنه قيم نفيس.
ومنه تعلم أنه لا وجه لوقف الشوكاني في ((السيل الجرار)) (١ / ٢٢١ - ٢٢٢) عن الأخذ بجواز صيام الأيام الثلاثة للمتمتع لتردده بين أن تكون الآية المتقدمة عامة خصصت بأحاديث النهي عن صيام أيام التشريق نهيا عاما في الأحاديث المشار إليها آنفا, أو أن تكون هذه الأحاديث مخصصة بالآية! قال:
((ولا ينتهض لنسخ النهي عن صيامها: ما ورد عن بعض الصحابة)) .
يشير إلى أثر عائشة وابن عمر المتقدمين, وقد عرفت أنهما في حكم المرفوع.
стр. 8130
وأنهما في معنى الآية, فهي المخصصة لأحاديث النهي عن صيامها. ثم قال:
((نعم, إن صح ما رواه الطحاوي والدارقطني والحاكم عن عبد الله بن حذافة مرفوعا: ((إن هذه أيام أكل. . .)) (الحديث) , كان هو المخصص لما ورد من النهي عن صومها)) .
فأقول: قد عرفت أن الحديث لا يصح, وأننا في غنية عنه بالأثر المشار إليه والآية.
وإن مما يجب التنبيه عليه: أن عزوه حديث الترجمة للطحاوي والحاكم خطأ فاحش, لأنه عندهما دون الزيادة المنكرة, كما تقدم بيانه في أثناء التخريج, وكأنه اعتمد فيه على السيوطي, فإنه كذلك عزاه في ((الجامع الكبير)) ! وهو من أوهامه ﵀. وزاد المعلق على ((السيل)) وهما آخر أفحش من الأول, فإنه علق على الحديث بقوله:
((يراجع مستدرك الحاكم في معنى الحديث ٤٣٤ / ١)) .
ولدى الرجوع إلى الفحة التي أشار إليها لم نجد فيها ما ذكر, بل فيها حديثان من الأحاديث الصحيحة التي سبقت الإشارة إليها وذكرنا بعضها وليس فيها كلها الإستثناء المذكور في هذا الحديث المنكر, فهي مبطلة للمعنى الذي ادعاه لو تنبه!
٥٦٦٥ - (إذا عطس الرجل والإمام يخطب يوم الجمعة, فيشمته) .
ضعيف جدا. أخرجه الشافعي في ((الأم)) (١ / ١٨٠) , ومن طريقه البيهقي (٣ / ٢٢٣) : أخبرنا إبراهيم بن محمد عن هشام عن الحسن عن النبي ﷺ به. وقال البيهقي:
стр. 8131
((هذا مرسل)) .
قلت: هذا إعلال قاصرجدا, فإنما يكفي مثله في إسناد رجاله ثقات, وليس الأمر كذلك هنا, فإن إبراهيم بن محمد هذا _ وهو ابن يحيى الأسلمي المدني _ ضعيف جدا, وقد قال الحافظ فيه:
((متروك)) .
ومن الغريب: أن الإمام الشافعي ﵀ بنى على هذا الحديث حكما, فقال قبله:
((ولو عطس رجل يوم الجمعة, فشمته رجل, رجوت أن يسعه, لأن التشميت سنة)) ! ثم ساق الحديث!
وأغرب من ذلك أنه قال قبل ما سبق:
((ولو سلم رجل على رجل يوم الجمعة, كرهت ذلك له, ورأيت أن يرد عليه بعضهم, لأن رد السلام فرض)) !
ففرق الإمام هنا بين إلقاء السلام وتشميت العاطس, فكره الأول دون الآخر, مع أنهما كليهما سنة إن لم نقل واجب, للأحاديث المعروفة, ومنها قوله ﷺ :
((حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه. . . وإذا عطس فحمد الله فشمته. . .)) . الحديث, رواه مسلم في ((صحيحه)) (٧ / ٣) وفي رواية:
((خمس تجب للمسلم على أخيه: رد السلام وتشميت العاطس. . .)) .
فالتفريق المذكور غير ظاهر عندي, فإما أن يقال بكراهة كل منهما أو بالجواز,
стр. 8132
وبكل منهما قال بعض السلف, وقد ساق عنهم ابن أبي شيبة (٢ / ١٢٠ - ١٢١) , وعبد الرزاق (٣ / ٢٢٦ - ٢٢٨) .
والذي يترجح عندي _ والله أعلم _ الأول, لأنه إذا كان قول القائل (أنصت) لغوا _ كما في الحديث الصحيح, مع أنه داخل في الأدلة العامة في الأمر بالمعروف _, فبالأولى أن لا يشمت العاطس ولا يرد السلام, لما يترتب من التشويش على الحاضرين بسبب الرد والتشميت. وهذا ظاهر لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى.
بل أرى عدم إلقاء السلام على المستمعين سدا للذريعة, لأن أكثرهم لا يعلم أنه يجوز الرد إشارة باليد أو الرأس _ كما يفعل المصلي _ فيرد باللفظ, لأنه لا يجد في نفسه ما يمنعه من ذلك, بخلاف ما لو كان في الصلاة, فإنه لا يرد, لحرمة الصلاة, بل إن أكثرهم لا يرد فيها ولو بالإشارة مع ورود ذلك في السنة! فتأمل.
وهنا سؤال يطرح نفسه _كما يقولون اليوم_: فإن سلم الداخل والخطيب يخطب يوم الجمعة, فهل يرد إشارة؟ فأقول أيضا: لا. وذلك لأن الرد هذا يفتح باب إلقاء السلام من الداخل, وهذا مرجوح كما بينا.
ثم رأيت في ((المجموع)) للنووي (٤ / ٥٢٣ - ٥٢٤) عن الشافعية ما يوافق الذي رجحته, فليراجعه من شاء, وانظر من أجل العطاس كلام ابن دقيق في ((الفتح)) (١٠ / ٦٠٦) , فإنه يوافق ما ذكرنا. والله أعلم.
٥٦٦٦ - (تقبل الله منا ومنك. في العيد) .
ضعيف جدا. أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٦ / ٢٢٤٧) , ومن طريقه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣ / ٣١٩) , وأبو بكر الأزدي الموصلي في
стр. 8133
((حديثه)) (ق٣ / ٢) عن محمد بن إبراهيم الشامي: ثنا بقية عن ثور عن خالد بن معدان عن واثلة بن الأسقع قال:
لقيت النبي ﷺ في يوم عيد, فقلت: يا رسول الله! تقبل الله منا ومنك.
قال:
((نعم تقبل الله. . .)) وقال ابن عدي:
((هذا منكر, لا أعلم يرويه عن بقية غير محمد بن إبراهيم هذا, وهو منكر الحديث, وعامة أحاديثه غير محفوطة)) .
قلت: وقد خالفه سندا ومتنا: نعيم بن حماد وحيوة بن شريح, فقالا:
ثنا بقية عن حبيب بن عمر الأنصاري عن أبيه قال:
لقيت واثلة بن الأسقع في يوم عيد. . . الحديث بتمامه إلا أنهما أوقفاه.
أخرجه المحاملي في ((كتاب صلاة العيدين)) (٢ / ١٣٩ / ٢) , وزاهر بن طاهر الشحامي في ((تحفة العيد)) (١٩٧ / ١) .
وهذا مع وقفه لا يصح, حبيب هذا, قال الدارقطني:
((مجهول)) . وكذا قال أبو حاتم, وزاد:
((ضعيف الحديث, ولم يرو عنه غير بقية)) .
ومع تفرد بقية عنه, أورده ابن حبان في ((الثقات)) (٦ / ١٨٣) !
ولذلك, قال البيهقي بعد أن اشار إلى هذا الموقوف:
стр. 8134
((ولا أراه محفوظا)) .
لكن قد ثبت ذلك من طريق أخرى قوية: أن الصحابة كانوا إذا التقوا يو العيد يقول بعضهم لبعض:
((تقبل الله منا ومنك)) .
أخرجه المحاملى وغيره, وقد سقت إسناده وبينت صلاحه في آخر الجزء الثاني من ((تمام المنة في التعليق على فقه السنة)) التحقيق الثاني.
٥٦٦٧ - (من لقي أخاه عند الإنصراف من الجمعة, فليقل: يقبل الله منا ومنك, فإنها فريضة أديتموها إلى ربكم .
موضوع. أخرجه أبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (٢ / ٣٩) من طريق نهشل ابن سعيد الورداني (الأصل: الدارمي) عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس مرفوعا.
قلت: وهذا موضوع, آفته نهشل هذا, قال أبو داود الطيالسي وإسحاق بن راهويه:
((كذاب)) . وقال الحاكم:
((روى عن الضحاك المعضلات)) . وقال أبو سعيد النقاش:
((روى عن الضحاك الموضوعات)) .
قلت: وهذا منها كما ترى. وقال ابن حبان (٣ / ٥٢) :
((كان ممن يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم, لا يحل كتابة حديثه إلا
стр. 8135
على جهة التعجب, كان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يرميه بالكذب)) .
والضحاك, لم يسمع من ابن عباس.
والحديث, مما فات السيوطي في ((الجامع الكبير)) , ثم المناوي في ((الجامع الأزهر)) , فلم يورداه! مصداقا للمثل السائر: (كم ترك الأول للآخر) . وعزاه السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (ص١٦٧) للديلمي عن ابن عباس, وسكت عليه فأساء! وأما ابن الدبيع, فقد أحسن بحذفه وعدم ذكره إياه مطلقا في ((تمييز الطيب من الحبيث)) .
٥٦٦٨ - (علموا نساءكم سورة (الواقعة) , فإنها سورة الغنى) .
ضعيف. أخرجه الديلمي في ((مسند الفردوس)) (ص٢٦٨ - مصورة الجامعة الإسلامية) عن علي بن الحسين بن حبيب: حدثنا موسى بن فرقد البصري عن أنس مرفوعا.
قلت: وهذا إسناد ضعيف مظلم, فيه جماعة لم أجد لهم ترجمة, منهم موسى هذا, والراوي عنه.
стр. 8136
٥٦٦٩ - (فاتحة الكتاب تعدل بثلثي القرآن) .
ضعيف جدا. أخرجه عبد بن حميد في ((المنتخب من المسند)) (ق٩٤ / ١) من طريق زائدة عن أبان عن شهر عن ابن عباس رفعه إلى النبي ﷺ .
قلت: وهذا إسناد ضعيف جدا, آفته أبان هذا _ وهو ابن أبي عياش البصري _ وهو متروك متهم.
стр. 8137
وشهر: هو ابن حوشب, وهو ضعيف.
والحديث, رمز لضعفه السيوطي في ((الجامع الصغير)) , وقد ذكرنا مرارا أن رموزه لا يوثق بها, لأسباب ذكرتها في مقدمة ((ضعيف الجامع)) (وصحيح الجامع)) . وبيض له المناوي في شرحيه: ((الفيض)) و ((التيسير)) , وكأنه لم يقف على إسناده, وكذلك كنت فلعت لما قسمت ((الجامع)) إلى القسمين المذكورين, ولكنني كنت قد ضعفته, ناظرا إلى نكارة معناه, والآن وقد وقفت على إسناده وتبين أنه ضعيف جدا, فيضاف هذا المصدر إلى هناك مع لفظة (جدا) .
واعلم أن هذا الحجيث مما تفرد به ((الجامع الصغير)) دون ((الجامع الكبير)) ! ومما لم يستدركه المناوي في ((الجامع الأزهر)) .
٥٦٧٠ - (شد حقوك ولو بعقال. وفي رواية: بصرار) .
ضعيف. أخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) (٣ / ٣١٤) , والديلمي في ((مسند الفردوس)) (٢٢٦) _ والرواية الأخرى له_ من طريق يحيى بن راشد قال:
حدثنا محمد بن حمران قال: حدثنا عمارة بن أبي المطراف عن يزيد بن أبي مريم السلولي عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقول:. . . فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف, أورده العقيلي في ترجمة عمارة هذا, وقال:
((لا يتابع على حديثه, ولا يعرف إلا به)) .
ومنه قال الذهبي في ((الميزان)) _ وتبعه الحافظ في ((اللسان)) _:
((لا يعرف)) .
ثم ساقه العقيلي بإسناده عن قتادة قال: قال عمر بن الخطاب:
стр. 8138
((ليشد أحدكم حقوه ولو بعقال)) . وقال العقيلي:
((هذا أولى)) . وأقره الحافظ.
قلت: وهو منقطع بين قتادة وعمر, فهو غير صحيح لا مرفوعا ولا موقوفا, ومع ذلك, أورده الدكتور القلعجي في فهرس الأحاديث الصحيحة الذي وضعه في آخر كتاب ((ضعفاء العقيلي)) (ص ٥١٩) , وأورجه فيه باللفظ الموقوف, وكأنه توهم صحته من قول العقيلي فيه: (هذا أولى) ! ! له من مثله نماذج أخرى, وذكرت أحدها في مكان آخر متقدم.
والحديث, أورده السيوطي في ((الجامع الكبير)) من رواية الديلمي فقط.
٥٦٧١ - (يا أنس! لباس الملائكة إلى أنصاف سوقها) .
موضوع. أخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) (٣ / ٤٥٣ - بيروت) من طريق الفضل بن حرب البجلي: حدثنا عبد الرحمن بن بديل عن أبيه عن أنس بن مالك مرفوعا. ذكره في ترجمة الفضل هذا, وقال فيه:
((مجهول بالنقل, حديثه غير محفوظ, لا يعرف إلا به)) .
والحديث أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٣ / ٥٠) من طريق العقيلي, وقال:
((هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ , قال يحيى: عبد الرحمن بن بديل ضعيف. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما ليس يشبه حديث الأثبات. قال العقيلي: وحديث الفضل بن حرب غير محفوظ)) .
وتعقبه السيوطي في ((اللآلي)) (٢ / ٢٦٥) وابن عراق في ((تنزيه الشريعة))
стр. 8139
(٢ / ٢٧٤) بأن عبد الرحمن هذا أوثق، وبأن له شاهدا من حديث عبد الله بن عمرو. ولم يتعرضا بجواب عن العلة الأخرى وهى جهالة الفضل! وقد قال فيه الذهبي:
(لا يعرف) وأقره الحافظ.
فهو علة الحديث، وهذا وحده وإن كان لا يكفي للحكم على الحديث بالوضع من حيث إسناده، فإن ابن الجوزى وغيره من النقاد ينظرون إلى المتن وما فيه من نكارة، فبإجتماع الأمرين ـ ضعف الإسناد ونكارة المتن ـ يحكمون على الحديث بالوضع أو البطلان، وهذا مما يلاحظه الباحث كثيرا فى كلامهم على الأحاديث.
وأما الشاهد الذى أشار إليه السيوطي، فالقول فيه كالقول فى هذا، من حيث إنه ضعيف السند منكر المتن، وقد تقدم تخريجه والكلام عليه برقم (١٦٣٥) .
وفى الحديث علة أخرى، وهى أنه قد جاء بإسناد أخر صحيح عن أنس مرفوعا بلفظ:
((الإزار إلى نصف الساق. . . . .)) الحديث، وليس فيه ذكر الملائكة.
وهو مخرج فى " الصحيحة " (١٧٦٥)
فثبت بطلان حديث الترجمة، وقد جزم الشوكاني فى " " الفوائد " " (١٩٢)
بوضعه.
وإن من طامات الدكتور القلعجى وجهالاته: أنه ذكره فى جملة الأحاديث الصحيحة التى فهرسها فى أخر ((ضعفاء العقيلي)) (٥٢٥) ! والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله
стр. 8140
٥٦٧٢ - (غط رأسك من الناس، وإن لم تجد إلا خيطا)
موضوع. أخرجه العقيلي فى " الضعفاء " (ص٢٤٩ - الظاهرية) ومن طريقه ابن الجوزي فى " الأحاديث الواهية " (٢ / ١٩١- ١٩٢) من طريق عبد الصمد بن سليمان عن عبد الحميد بن يحي، وقال فيه:
" " مجهول لا يتابع على حديث هذا، ولا يعرف بغير هذا الإسناد من وجه يثبت " ". وقال ابن الجوزي:
" هذا حديث لا أصل له، قال العقيلي. . . . " فذكره.
قلت: عليه ملاحظتان:
الأولى أن كان الأولى أن يورد الحديث فى كتابه الأخر " الموضوعات "، لأنه الأليق بما لا أصل له كما هو ظاهر، وله من مثل هذا النوع كثير!
والأخرى: أن إعلاله بالراوى عن عبد الحميد أولى، وما روى عنه غيره كما قال الذهبى، وهو عبد الصمد بن سليمان الأرزرق فإنه واه جدا، قال البخاري فى " التاريخ الكبير " و " الصغير ":
(منكر الحديث)
وكذا قال أبو حاتم. والدارقطنى:
" متروك "
стр. 8141
والحديث مع كونه فى " ضعفاء العقيلي " الذى نشره القلعجي، فقد نجا من جوره الذى تجلى فى فهرسيه اللذين وضعهما فى أخره، فإنه لم يورده فى " الصحيحة " ولا فى " الضعيفة " وفى كل منهما ما هو من حق الأخر عند أهل العلم، والحديثان المتقدمان أقرب مثال مما أورده فى " الصحيحة "، وكان الأولى به أن يوردهما فى " الضعيفة " لو كان أهلا للتعليق والتحقيق! ! وأما من أورده من الأحاديث الصحيحة فى " الضعيفة " ففيهما مما هو متفق على صحته الشىء الكثير، وقد كنت ذكرت مثالين منها فيما تقدم، وأذكر الأن مثالين أخرين:
الأول: (أختصمت الجنة والنار. . .) الحديث.
رواه البخارى وغيره، كما فى " الجامع الكبير " (٧٨٧) وغيره.
والأخر: (إذا اشتد الحر، فأبردوا بالظهر. . . .) الحديث.
متفق عليه من حديث أبى هريرة وأبى ذر وابن عمر، كما فى " صحيح الجامع " (٣٣٦ـ٣٣٧) وغيره.
٥٦٧٣ - (يا عائشة! اهجري المعاصي، فإنها أفضل من الهجرة، وحافظي على الصلاة، فإنها أفضل من الجهاد) .
منكر. أخرجه العقيلي فى " الضعفاء " (٤ / ١٤٩) من طريق محمد بن يحيى بن يسار المدينى ـ مولى عبد الله بن مسعود ـ قال: حدثنى حسين بن صدقة بن يسار الأنصاري قال: حدثني المقبري عن أبيه عن أبى هريرة مرفوعا.
ذكره فى ترجمة المديني هذا، وقال فيه:
(مجهول بالنقل. وحسين بن صدقة نحوه. وحديثه غير محفوظ)
стр. 8142
وذكر معنى هذا الذهبي فى " الميزان " وأشار إلى حديثه هذا، وقال: (منكر)
ووافقه ابن حجر فى " اللسان "
وأما الدكتور القلعجي، فخالفهما كعادته، لجهله المطبق بهذا العلم، فذكره فى الأحاديث الصحيحة التى فهرسها فى أخر " الضعفاء " (٥٢٥) ! !
٥٦٧٤ - (من دعي إلى سلطان، فلم يجب، فهو ظالم، لا حق له) .
ضعيف. أخرجه الطبراني فى " المعجم الكبير " (٧ / ٢٧٢ / ٦٩٣٩) من طريق شاهين أبى حازم: ثنا روح بن عطاء بن أبي ميمونة عن أبيه عن الحسن عن سمرة مرفوعا
قلت: وهذا إسناد ضعيف مسلسل بالعلل:
الأولى: الإنقطاع، فإن الحسن ـ وهو البصري ـ وإن كان قد سمع فى الجملة من سمرة ـ وهو بن جندب ـ، فقد كان مدلسا وقد عنعنه.
الثانية: روح بن عطاء، ضعفه ابن معين وغيره. وقال أحمد:
<<منكر الحديث >> وذكره ابن حبان فى " الثقات "، وقال: (كان يخطىء) وقال ابن عدي فى " الكامل " (٣ / ١٠٠١ـ ١٠٠٢) - وقد طول ترجمته -: " وما أرى برواياته بأسا "
стр. 8143
الثالثة: شاهين ـ وهو ابن حيان أخو فهد ـ، قال ابن أبى حاتم عن أبيه: " ضعيف الحديث ". وقال الازدي: " منكر الحديث "
وأما ابن حبان فذكره فى " الثقات " (٨ / ٣١٤)
ثم وجدت له علة أخرى، وهى الإرسال، فقد رواه ابن أبى حاتم بسنده عن مبارك: حدثنا الحسن قال:
كان الرجل إذا كان بينه وبين الرجل منازعة، فدعي إلى النبى ﷺ ، أعرض، وقال ((انطلق إلى فلان)) فأنزل الله هذه الأية فقال ﷺ :. . . . فذكره نحوه
وكذا رواه عبد بن حميد وابن المنذر، كما فى " الدر " (٥ / ٥٤) ، وقال ابن كثير عقب رواية أبى حاتم - وقد اختصرت منها -:
" وهذا حديث غريب، وهو مرسل "
قلت: وهذا أصح
والحديث، مما صححه الرفاعي فى " مختصره " (٣ / ١٦٥) ! واتبعه الصابوني (٢ / ٦١٣) ! كفى الله شرهم وجهلهم من ابتلي بقراءة (مختصريهما)
ثم رأيت الحديث فى " كشف الأستار " (٢ / ١٢٨ـ١٢٩) : حدثنا رجاء ابن محمد السقطي: ثنا رجل ـ قد سماه، ذهب عني أسمه: ثنا روح بن عطاء ابن أبى ميمونة به، إلا أنه قال: (عمران بن حصين) مكان: (سمرة) ! وقال البزار:
стр. 8144
" لا نعلم أحد يرويه عن البنى ﷺ متصل الإسناد إلا من هذا الوجه عن عمران، وقد رواه غيرواحد عن الحسن، وأسنده روح، وهو لين الحديث "
قلت: والراوى عنه ضعيف أيضا، وهو شاهين أبو حازم، وقد نسي البزار أسمه.
وبالجملة، فالحديث ضعيف مسندا ومرسلا.
٥٦٧٥ - (كنا زمان رسول الله ﷺ ، وقليل ما نجد الطعام، فإذا نحن وجدناه، لم يكن لنا مناديل، إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا، ثم نصلي ولا نتوضأ)
ضعيف. أخرجه ابن ماجه (٣٢٨٢) من طريق عبد الله بن وهب عن محمد بن أبي يحيىعن أبيه عن سعيد بن الحارث عن جابر بن عبد الله قال:. . . . . فذكره. وقال:
" غريب "
وأخرجه البخاري (٥٤٥٧) من طريق إبراهيم بن المنذر قال: حدثني محمد ابن فليح قال: حدثني أبى:. . . . فذكره.
قلت: ومحمد بن أبى يحيى هو ابن فليح، لأن فليحا يكنى أبا يحيى، وهو معروف بالرواية عن سعيد بن الحارث، وبهذا جزم أبو نعيم فى " المستخرج "، كما فى " الفتح " (٩ / ٥٧٩) ، وقال:
(وقال غيره: هو محمد بن أبي يحيى الأسلمي والد إبراهيم شيخ الشافعي، واسم أبى يحيى سمعان، وكأن الحامل على ذلك كون ابن وهب يروى عن فليح
стр. 8145
نفسه، فاستبعد قائل ذلك أن يروي عن ابنه محمد بن فليح عنه، ولا عجب فى ذلك. والذى ترجح عندي الأول، فإن لفظهما واحد) .
قلت: ولعل الحافظ يشير بقوله " غيره " إلى الحافظ المزي، فإنه ساق الحديث فى ترجمة (سمعان أبى يحيى الأسلمي) من " التهذيب " (١٢ / ١٣٧ - ١٣٩) فإذا ثبت أنه الأول، فينبغي أن نعرف حالهما، وما قاله العلماء النقاد فيهما، وبخاصة والد محمد، فإن فيهما كلاما كثيرا مع كونهما من رجال الشيخين:
أما فليح ـ وابن سليمان المدني الأسلمي ـ، فقال ابن معين:
" ضعيف "، وفى رواية:
" ليس بالقوي ". وكذا قال النسائي، وقال مرة:
" ضعيف "
وكذا قال ابن المديني. وقال أبو داود:
" ليس بشىء ". وقال الحاكم أبو أحمد:
" ليس بالمتين عندهم ".
ومشاه غيرهم، كالعقيلي وابن عدي، ولم يأت الحافظ ابن حجر فى " مقدمة الفتح " فى الدفاع عنه بشىء ينفع فى تقوية أمره، بل ظاهر كلامه يميل إلى تضعيفه، فقد قال (ص٤٣٥) :
стр. 8146
(احتج به البخاري، وروى له مسلم حديثا واحدا، وهو حديث الإفك، وضعفه يحيى بن معين والنسائي وأبو داود. وقال الساجي: هو من أهل الصدق، وكان يهم. وقال الدارقطني: مختلف فيه، ولا بأس به. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة مستقيمة وغرائب، وهو عندي لا بأس به. (قال الحافظ) :
قلت: لم يعتمد عليه البخاري اعتماده على مالك وابن عيينة وأضرابهما، وإنما أخرج له أحاديث أكثرها فى المناقب، وبعضها فى الرقاق)
ويؤيد ما ذكرته: أنه قال فيه فى " التقريب "
" صدوق كثير الخطأ "
وأصرح منه قوله فى " الفوائد " (١١٨) ـ وقد ساق له حديثا أخر ـ:
(قلت: فليح، لا يحتج بما تفرد به) .
وكذلك ضعفه من قبله الحافظ الذهبي، لإاورده فى كتابه " الضعفاء "، وقال:
" قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي ".
وكذا قال فى " الكاشف "
ومثله أو قريب منه: ابنه محمد، قال ابن معين:
" فليح، ليس بثقة، ولا ابنه ". وقال ابن أي حاتم:
" قال أبي: كان ابن معين يحمل على محمد. قلت: فما قولك فيه؟ قال: ما به بأس، ليس بذاك القوي "
ووثقه ابن حبان والدارقطني.
стр. 8147
ولم يزد الحافظ فى " المقدمة " على هذا شيئأ. وقال الحافظ فى " التقريب ": " صدوق يهم ". وقال الذهبي فى " الكاشف ":
" لينه ابن معين ". ولم يزد. وقال فى ط الضعفاء ":
" ثقة. قال أبو حاتم: ليس بذاك القوي. وقال ابن معين: ليس بثقة ولا أبو هـ ".
قلت: ومن المحتمل أن يكون ضعفه بسبب أبيه، فإن المضعفين له أكثر بكثير من الموثقين، ولعله لذلك استغرب ابن ماجة هذا الحديث، فلا تطمئن النفس بعد ذلك لحديثه إلا إذا توبع، وهيهات!
بل قد جاء الحديث من طرق أخرى عن جابر فى ترك الوضوء من ما مسته النار، وليس فيها هذا الذي فى حديث فليح من المناديل!
٥٦٧٦ - (" السَّجل ": كاتب كان للنبي ﷺ .
منكر. روي من حديث ابن عباس وابن عمر.
١ - أما حديث ابن عباس، فيرويه عمرو بن مالك النكري عن أبى الجوزاء عنه.
وله عن النكري طريقان:
الأولى: يحيى بن عمرو بن مالك النكري عن أبيه به.
أخرجه العقيلي فى " الضعفاء " (٤ / ٤٢٠) ، وابن عدي فى " الكامل " (٧ / ٢٦٦٢) ، والطبراني فى " المعجم الكبير " (١٢٧٩٠) ، والبيهقي فى " السنن
стр. 8148
الكبرى " (١٠ / ١٢٦) . وضعفه العقيلي بقوله فى يحيى: " لا يتابع على حديثه ". وروي عن يحيى بن معين أنه قال فيه: " ضعيف "
وكذلك رواه ابن عدي عنه وعن النسائي. وضعف الحديث أيضا بقوله:
" ليس بمحفوظ ". وقال الذهبي:
" ضعفه أبو داود وغيره، ورماه حماد بن زيد بالكذب ".
ثم ساق له مناكير، هذا أحدها.
والأخرى: يزيد بن كعب عن عمرو بن مالك به.
أخرجه أبو داود (٢٩٣٥) ، ومن طريقه البيهقي، والنسائي فى " التفسير " من الكبرى - كما فى " تحفة المزي " (٤ / ٣٦٦) -، كلاهما عن شيخهما قتيبة ابن سعيد: ثنا نوح بن قيس عنه.
وتابعه: نصر بن علي قال: ثنا نوح بن قيس به.
أخرجه ابن جرير الطبري فى " تفسيره " (١٧ / ٧٨)
وفي رواية له: حدثنا نصر بن علي قال: ثنا نوح بن قيس قال: ثنا عمرو بن مالك به نحوه، لم يذكر بينهما يزيد بن كعب. ولفظه:
(يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) ، قال: كان ابن عباس يقول: " هو الرجل ".
стр. 8149
وهو رواية للنسائي عن قتيبة بن سعيد به؛ لم يذكر يزيد بن كعب أيضا كما
في " التحفة "؛ لكنه لم يقل نوح بن قيس عنده: (ثنا) ؛ وإنما عنعنه , فإن كان
التحديث محفوظا عند ابن جرير؛ فهو مختصر جدا ليس فيه ما في حديث
الترجمة: أن (السجل) كاتب للنبي ﷺ . فعلته بهذا اللفظ يزيد بن كعب؛ فإنه
مجهول؛ كما قال الحافظ في " التقريب " , وقد أورده البخاري وابن أبي حاتم في
" كتابيهما " برواية نوح هذا فقط , ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. ولذلك؛ قال
الذهبي في " الميزان ":
" لا يدري من ذا أصلا , انفرد عنه نوح بن قيس الحداني ".
٢ - وأما حديث ابن عمر؛ فرواه الخطيب في " التاريخ " (٨ / ١٧٥) في
ترجمة حمدان بن سعيد البغدادي حدثهم عن أبن نمير عن عبيد الله عن نافع
عن ابن عمر قال:
كان للنبي ﷺ كاتب يقال له: (سجل) ؛ فأنزل الله تعالى: ﴿يوم نطوي
السماء كطي السجل للكتب﴾ . وقال الخطيب:
" قال أبو الفتح الأزدي: تفرد به ابن نمير , إن صح ".
وأقول: أنّى له الصحة وحمدان هذا لايعرف إلا بهذه الرواية! ولذلك؛ قال
الذهبي في ترجمته من " الميزان ".
" أتى بخبر كذب عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. . . . . "
قلت: فذكره.
وتعقبه الحافظ في " اللسان " بقوله:
стр. 8150
" وهذا المتن لا يجوز أن يطلق عليه الكذب؛ فقد رواه النسائي في " التفسير "
وأبو داود في " السنن " من طريق أخرى عن ابن عباس. وأما هذه الطريق؛ فتفرد
بها حمدان؛ لكن لم أر من ضعفه قبل المؤلف "!
وأقول فهل رأيت من وثقه؟ ! ألا يكفي أنه مجهول؛ لم تعرفه - وأنت الحافظ -
إلا في هذه الرواية المنكرة؟ !
أما حديث ابن عباس؛ فقد سبق أن في الطريق الأولى من اتهم , وفي الطريق
الأخرى مجهول أيضا.
ولذلك؛ قال الحافظ ابن كثير في " تفسيره " عقب حديث ابن عمر:
" وهذا منكر جدا من حديث نافع عن ابن عمر؛ لا يصح أصلا , وكذلك ما
تقدم عن ابن عباس من رواية أبي داود وغيره لايصح أيضا. وقد صرح جماعة من
الحفاظ بوضعه , وإن كان في " سنن أبي داود " , منهم شيخنا الحافظ الكبير أبوالحجاج
المزي , وقد أفردت لهذا الحديث جزءا على حدته ولله الحمد.
وقد تصدى الإمام أبو جعفر بن جرير للإنكار على هذا الحديث ورده أتم رد ,
وقال: " لا يعرف في الصحابة أحد اسمه (السجل) , وكتاب النبي ﷺ
معروفون , وليس فيهم أحد اسمه (السجل) ". وصدق ﵀ في ذلك , وهو
من أقوى الأدلة على نكارة هذ االحديث , وأما من ذكره في أسماء الصحابة؛ فإنما
اعتمد على هذا الحديث لا على غيره , والله أعلم.
وقال ابن القيم في " تهذيب السنن " (٤ / ١٩٦ - ١٩٧) :
" سمعت شيخنا أبا العباس ابن تيمية يقول:
стр. 8151
هذا الحديث موضوع , ولا يعرف لرسول الله ﷺ كاتب اسمه (السجل)
قط , وليس في الصحابة من اسمه (السجل) , وكتاب النبي معروفون , لم يكن
فيهم من يقال له: (السجل) . قال: والآية مكية , ولم يكن لرسول الله كاتب
بمكة , و (السجل) : هو الكتاب المكتوب. واللام في قوله: ﴿للكتب﴾ ؛ بمعنى
على. والمعنى: نطوي السماء كطي السجل على مافيه من الكتاب. كقوله
تعالى: ﴿وتله للجبين﴾ (٣٧: ١٠٣) . وقول الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . . . فخر صريعا لليدين والفم
أي: على اليدين وعلى الفم. والله أعلم ".
قلت: وتابع هؤلاء الحفاظ النقاد الإمام الشوكاني في تفسيره " فتح القدير "
(٣ / ٤١٨) ؛ فإنه نقل كلام ابن كثير المتقدم , وسلم به وارتضاه , وهو حري
بذلك لما فيه من العلم والتحقيق.
وكأنه لذلك لم يورد سجلا هذا ابن عبد البر في كتابه " الاستيعاب في معرفة
الأصحاب ". وخالف الحافظ ابن حجر كما تقدم النقل عنه من " اللسان " في
تعقبه للذهبي في " ميزانه " في حكمه على الحديث بأنه كذب؛ فإنه وإن كان
ليس صريحا في كونه يرى صحته؛ فقد صرح بها في كتابه " الإصابة "؛ فإنهم قال
بعد ذكر حديث ابن عباس وابن عمر:
" فهذا الحديث صحيح بهذه الطرق , وغفل من زعم أنه موضوع. نعم؛ ورد ما
يخالفه. . . . ".
ثم ذكر بعض الآثار في أن (السجل) ملك , وعن ابن عباس ومجاهد:
стр. 8152
السجل: الصحيفة.
قلت: لو صح شئ منها - وبخاصة أثر ابن عباس -؛ لكان دليلا آخر على
بطلان الحديث! ولكنه لم يصح.
وأما تصحيح الحافظ إياه؛ فهو غفلة منه عما تقدم نقله عن الحفاظ الذين
أبطلوه بالنظر إلى متنه , وبخاصة قول شيخ الإسلام ابن تيمية:
" والآية مكية , ولم يكن لرسول الله ﷺ كاتب بمكة ".
فوجود مثل هذه النكارة في الحديث مما يجعل النفس لا تطمئن لتصحيحه من
حيث إسناده , ولا سيما ومداره على مجهولين , ومتهم بالكذب , والطريق السالمة
من ذلك ليس فيها حديث الترجمة الذي فيه النكارة. والله أعلم.
(تنبيه) : ذكر السيوطي في " الدر المنثور " (٤ / ٣٤٠) في جملة من روى
الحديث: البيهقي في " سننه " وصححه. ولم أر تصحيحه في المكان الذي
سبقت الإشارة إليه , وأستبعد جدا صدوره منه. فالله أعلم.
٥٦٧٧ - (مَنْ حَجَّ عَنْ والدَيْهِ بَعْدَ وفاتِهِمَا؛ كتبَ اللهُ له عِتْقاً مِنَ
النّار , وكان للمَحْجُوجِ عنهم أَجْرُ حَجَّةٍ تامَّةٍ؛ من غير أنْ ينتقصَ من
أجورِِِهِمَا شيئ. وما وَصَلَ ذو رَحِمٍ رَِحِمَهُ بأفضلَ مِنْ حجَّةٍ يُدْخِلُها عليهِ
بَعْدَ مَوْتِهِ في قبْرِهِ) .
منكر. أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في " الترغيب " (ق ٤٨ / ١) من
طريق أحمد بن يزيد بن دينار أبو العوام: ثنا محمد بن إبراهيم عن حنظلة بن
أبي سفيان السدوسي عن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده مرفوعا.
стр. 8153
وذكر السيوطي في " الجامع الكبير " بزيادة في آخره:
" ومن مشى على راحلته عقبه؛ فكأنما أعتق رقبة ". وقال:
" رواه (هب) وضعفه , و (ابن عساكر) عن عبد العزيز. . . . . ".
كذا قال! وعبد العزيز هذا ثقة؛ كما في " التقريب " وغيره , فكان الأولى به
أن يذكر من إسناده ما يتبين منه موضع علته! كما فعلنا نحن , وإلا؛ اقتصر على
ذكر اسم صحابيِّه كما هو غالب صنيعه! والعلة ممن دون حنظلة (ووقع في
الأصل: أبي حنظلة! وهو خطأ من الناسخ) ؛ قال الحافظ في " لسان الميزان ":
" أحمد بن يزيد بن دينار أبو العوام المدني. روى عن محمد بن إبراهيم
الحارثي. . . . قال البيهقي:
أحمد وشيخه؛ مجهولان ".
٥٦٧٨ - (أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ , وَعَلِيٌّ سَيِّدُ العَرَبِ) .
موضوع. روى من حديث عائشة , وجابر , والحسن والحسين ابني علي ,
وابن عباس , وأنس , وسلمة بن كهيل مرسلاً.
١ - أما حديث عائشة؛ فله عنها طريقان:
الأولى: قال الحاكم في " المستدرك " (٣ / ١٢٤) : حدثنا أبو العباس محمد
ابن أحمد المحبوبي: ثنا محمد بن معاذ: ثنا أبو حفص عمر بن الحسن الراسبي:
ثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عنها: أن النبي ﷺ قال:. . . .
فذكره. وقال:
стр. 8154
" هذا حديث صحيح الإسناد , ولم يخرجاه. وفي إسناده عمر بن الحسن ,
وأرجو أنه صدوق , ولولا ذلك لحكمت بصحته على شرط الشيخين "!
وتعقبه الذهبي في " تلخيصه "؛ فقال رداً لقوله: " صدوق ":
" قلت: أظن أنه هو الذي وضع هذا ".
وأقره الحافظ ابن حجر في " اللسان ".
وتعقبهما الشيخ عبد الله الغماري المغربي في كتيبه " الرد المقنع " , فقال
(ص ٦) :
" وهو تعنت شديد , وقول بالظن , والظن أكذب الحديث , والعجب من
الحافظ كيف وافق الذهبي على هذا الحكم المتعنت , وغفل عما تقتضيه القاعدة
في هذا المقام ".
وأقول: العجب منك! والغافل إنما هو أنت إن لم تكن متغافلاً أو متجاهلاً!
وإلا؛ فما هي القاعدة التي تضلل القراء بالإشارة إليها , وتتهم الحافظ بالغفلة
عنها , وأنت تعلم تساهل الحاكم في تصحيح الأحاديث وتوثيق بعض الرواة؟ ! ! وما
نقلته عن ابن أبي حاتم لا يفيدك شيئاً. وقولك عقبه: " ولم يجرحه بشيئ " - وهو
بمثابة ما لو قال: " مجهول " أو: " لا أعرفه " - فهذا ليس جرحاً؛ نعم ولا تعديلاً
أيضاً؛ كما يفيده كلامه المذكور في " باب بيان درجات رواة الآثار " (١ / ٣٨) ,
على أن الراوي عنه محمد بن موسى الجرشي مجروح عنده؛ كما يفيده قوله في
ترجمته (٤ / ١ / ٨٤) :
" شيخ ". فما قيمة مثل هذا الراوي الذي لم يعرفه ابن أبي حاتم إلا من طريق
هذا المجروح؟ !
стр. 8155
ولذلك؛ قال الحافظ الذهبي - وتبعه الحافظ ابن حجر العسقلاني -:
" لا يعرف. وأتى بخبر باطل متنه: على سيد العرب ".
فهو - إذن - مجهول عندهما تبعاً لابن أبي حاتم , فتعلق الغماري بقول الحاكم
" أرجو أنه صدوق "؛ كالذي يحاول التمسك بخيوط القمر! على أن الحاكم لم
يجزم بصدقه؛ كما يدل قوله: " أرجو. . . . ".
ثم إن في الإسناد علة أخرى , لعل الغماري لم يتنبه لها , وهي أن الراوي عن
الراسبي محمد بن معاذ ليس هو العنبري الثقة من شيوخ مسلم , كما يقتضيه قول
الغماري عقب تصحيح الحاكم المتقدم:
" قلت: إسناد الحديث نظيف , ليس فيه كذاب ولا متهم , وعمر بن الحسن
هو الراسبي. . . . " إلخ كلامه السابق.
قلت: العنبري هذا توفي سنة (٢٢٣) , والمحبوبي - شيخ الحاكم الذي قال:
ثنا محمد بن معاذ - مات سنة (٣٤٦) , فبينهما (١٢٣) سنة , فلم يدركه! وفي
الرواة بهذا الاسم والنسبة جماعة , وليس فيهم في هذه الطبقة التي يتمكن
المحبوبي من السماع منهم؛ سوى محمد بن معاذ بن فهد الشعراني أبو بكر
النهاوندي؛ قال الذهبي - وتبعه العسقلاني -:
" واهٍ , روى عن إبراهيم بن ديزيل , بقي إلى سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة ".
قلت: فهو - إذن - آفة هذا الحديث إن سلم من شيخه الراسبي المجهول.
فأين النظافة التي ادعاها الغماري لهذا الإسناد , وفيه هذا الواهي عند
الحافظين , وقد ساق له الحافظ حديث آخر قال فيه الحافظ ابن عساكر:
стр. 8156
" حديث منكر جدا ".
وسيأتي له حديث آخر مثله في النكارة برقم (٥٧٠٦) ؟ ! !
هذه هي حال الطريق الأولى , فلننظر إلى الطريق:
الأخرى: يرويها أحمد بن عبيد بن ناصح: ثنا الحسين بن علوان عن هشام
ابن عروة عن أبيه عن عائشة به.
رواه الحاكم شاهدا للطريق الأولى , فتعقبه الذهبي بقوله:
" قلت: وضعه ابن علوان ".
قلت: وقال الحافظ في " اللسان ":
" وابن علوان تقدم أنه كذاب ".
قلت: والراوي عنه أحمد بن عبيد ناصح؛ ليِّن الحديث؛ كما في " التقريب ".
٢ - وأما حديث جابر؛ فذكره الحاكم أيضا شاهدا لحديث عائشة الذي قبلهم
من رواية عمر بن موسى الوجيهي عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا.
فتعقبه الذهبي بقوله:
" قلت: عمر وضاع ". وقال الحافظ:
" كذبوه ".
قلت: واستشهاد الحاكم بحديث عمر هذا وحديث ابن علوان من أكبر الأدلة
على تساهله في التصحيح , هذا التساهل الذي استغله الغماري فطعن بسببه على
الذهبي ونسبه إلى التعنت الشديد لحكمه على الحديث بالوضع , ثم ألحق به
стр. 8157
الحافظ العسقلاني لموافقته الذهبي على الوضع كما تقدم! !
٣ - وأما حديث الحسن بن علي؛ فيرويه محمد بن عثمان بن أبي شيبة: ثنا
إبراهيم بن إسحاق الصيني: ثنا قيس بن الربيع عن ليث بن أبي سليم عن أبي
ليلى عنه به نحوه. وزاد:
فلما جاء علي ﵁؛ أرسل رسول الله ﷺ إلى الأنصار , فأتوه , فقال
لهم:
" يا معشر الأنصار! ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده؟ " قالوا:
بلى يا رسول الله. قال:
" هذا علي؛ فأحبوه بحبي , وكرِّموه لكرامتي؛ فإن جبريل أمرني بالذي قلت
لكم عن الله ".
رواه الطبراني (٢٧٤٩) .
قلت: وهذا إسناد ضعيف جدا مسلسل بالضعفاء:
١ - ليث؛ ضعيف؛ كان اختلط.
٢ - قيس بن الربيع؛ ضعيف.
٣ - إبراهيم بن إسحاق الصيني؛ قال الذهبي:
" قال الدارقطني: متروك ".
وبه أعله الهيثمي في " المجمع " (٩ / ١٣٢) ؛ لكن تحرّف اسمه عليه أو على
الناسخ أو الطابع؛ فقال:
стр. 8158
" رواه الطبراني , وفيه إسحاق بن إبراهيم الضبي (كذا) , وهو متروك "
٤ - محمد بن عثمان بن أبي شيبة - وهو شيخ الطبراني فيه -؛ تكلم بعضهم
فيه كما بينته في مقدمة كتابه " سؤالات ابن أبي شيبة شيوخه " , والحمل فيه
على شيخه هو المتوجه.
٤ - وأما حديث الحسين بن علي؛ فيرويه حسيه الأشقر: ثنا قيس بن الربيع عن
زبيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحسين بن علي قال: قال رسول الله ﷺ :
" يا أنس! إن علياً سيد العرب ". فقالت عائشة ﵂: ألست سيد
العرب؟ قال:. . . . فذكره.
أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (٥ / ٣٨) : حدثنا عبد الوهاب بن العباس
الهاشمي: ثنا أحمد بن الحسين الصوفي: ثنا محمد بن خلف بن عبد العزيز
المقرئ: ثنا حسين الأشقر به. وقال:
" غريب من حديث زبيد , تفرد به قيس ".
قلت: شيعي ضعيف , وقال الحافظ في " التقريب ":
" صدوق تغير لما كبر , أدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به ".
قلت: والسند إليه غير صحيح؛ فيه من تكلم فيه:
الأول: حسين الأشقر - وهو ابن الحسن -؛ قال الحافظ:
" صدوق يهم , ويغلو في التشيع ".
стр. 8159
له ترجمة في " تاريخ بغداد " (٤ / ٩٨ - ٩٩) ، و " الميزان "، و " اللسان "، قال ابن المنادي:
" كتبت عنه على معرفة بلينه، والذين تركوه أحمد وأكثر ".
الثالث: عبد الوهاب بن العباس الهاشمي؛ ترجمه الخطيب (١١ / ٢٩) برواية اثنين آخرين، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، فهو مجهول الحال.
٥ - وأما حديث ابن عباس؛ فعزاه السيوطي في " الجامع الكبير " للدارقطني
في " الأفراد "، وقد رواه من طريقه ابن الجوزي في " العلل " بسنده عن خارجة ابن مصعب عن ابن جريج عن عطاء عنه مرفوعاً به. وأعله ابن الجوزي بقوله:
" قال يحيى: خارجة ليس بثقة. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به ".
قلت: هو أسوأ حالاً مما يفيده هذا النقل عن ابن حبان؛ فقد قال في " المجروحين " (١ / ٢٨٨) :
" كان يدلس عن غياث بن إبراهيم وغيره، ويروي ما سمع منهم مما وضعوه على الثقات عن الثقات الذين رآهم، فمن هنا وقع في حديثه الموضوعات عن الأثبات، لا يحل (١) الاحتجاج بخبره ". ولهذا؛ قال الحافظ في " التقريب ":
" متروك، وكان يدلس عن الكذابين. ويقال: إن ابن معين كذبه ".
٦ - وأما حديث أنس، فيرويه عبيد الله بن يوسف الجبيري قال: حدثنا عمر ابن عبد العزيز الذارع قال: ثنا خاقان بن عبد الله بن الأهتم (٢) قال: نا حميد
стр. 8160
الطويل عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال:
" من سيد العرب؟ " قالوا: أنت يا رسول الله! قال:. . . فذكره. وقال
الطبراني:
" لم يروه عن حميد إلا خاقان، ولا عن خاقان إلا عمر بن عبد العزيز، تفرد
به عبيد الله الجُبيري ".
قلت: هو صدوق؛ كما في " التقريب "، والعلة ممن فوقه، وأعله الهيثمي (٩ /
١١٦) بخاقان، فقال:
" ضعفه أبو داود ".
قلت: ترجمه ابن أبي حاتم (١ / ٢ / ٤٠٥) برواية جمع عنه غير عمر الذارع هذا، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، ووقع في " الميزان " مَنْسُوبًا لجده: (الأهتم) ، وقال:
" خاقان بن الأهتم؛ ضعفه أبو داود. ولا أعرفه ".
وكذا في " اللسان "؛ لكن وقع فيه (خازم بن الأهتم) .
هكذا (خازم) وبعد (ابن) بياض، وزاد على الذهبي فقال:
" قال الدارقطني في " العلل ": ليس بالقوي. قلت: روى عن علي بن زيد، وعنه مسدد ".
وبالجملة؛ فأمر هذا الرجل دائر بين الضعف وجهالة الحال.
لكن الراوي عنه عمر بن عبد العزيز الذارع لم أجد له ترجمة فيما عندي من