فيما تفرد به المؤلف كقوله في الكتابة على القبر:
" ونرى أنه لا مانع من كتابة اسم الميت وتاريخ وفاته على حجر يثبت فوق القبر ".
وهذه جرأة عجيبة، وتقدم بين يدي النبي ﷺ ؛ فإنه يعلم أنه ﵇ قد نهى أن يكتب على القبر، وقد ذكره المؤلف نفسه من قبل، ثم أقدم على مخالفته بمجرد الرأي تسليكا لواقع الناس! والله المستعان.
وقد يدعي مُدَّعٍ أن ذلك لضرورة معرفة القبر حين تكثر القبور. فنقول: نعم؛ ولكن ألا يكفي في ذلك كتابة الاسم فقط لأن الضرورة تقدر بقدرها، وإذا كان الأمر كذلك فما بال كتابة تاريخ وفاة الميت؟ !
وراجع لهذه المسألة كتابي " أحكام الجنائز وبدعها " (ص ٢٠٦) .
ثم إن مما يلفت النظر في الرسالة المذكورة: أن مادتها - على صغر حجمها منقولة من بعض الكتب المطبوعة، مصرح بأسمائها في التعليق عليها، اللهم إلا واحداً منها لم يشر إليه مطلقاً، ألا وهو كتابي " أحكام الجنائز "، والسبب مما لا يخفى على كل قارئ لبيب! فقد جاء في أول صفحة منها، وأول تعليق عليها - ما نصه - تخريجا لحديث جابر في اللحد، ورفع القبر نحواً من شبر:
" (١) رواه ابن حبان (وقع في التعليق: ابن جابر!) في صحيحه (٢١٦٠) والبيهقي (٣ / ٤١٠) وإسناده حسن. نيل الأوطار: الشوكاني ٤ / ١٢٥، ١٢٦ ".
وهذا العزو لـ " نيل الأوطار " باطل من وجهين:
الأول: أن التخريج المذكور لا وجود له في الموضعين المشار إليهما من " النيل "،
стр. 8262
وغاية ما فيه قوله في تخريج أحاديث اللحد:
((وعن جابر عند ابن حبان شاهد بنحو حديث سعد بن أبي وقاص))
قلت: وحديث سعد ليس فيه رفع القبر نحوا من شبر!
والآخر: أن التخريج المذكور بأرقامه يستحيل صدوره من الإمام الشوكاني؛
لعدم وجود المطابع في زمانه كما هو ظاهر بداهة. فلمن هذا التخريج؟ !
هو لكاتب هذه السطور في كتابه السابق الذكر ((أحكام الجنائز)) , نقله المؤلف منه (ص ١٥٠) بالحرف الواحد ثم لم يعزه إليه , وإنما إلى الشوكاني ولو اطلع الشوكاني أو غيره من الفضلاء الأتقياء عليه؛ لبالغ في الإنكار على فاعله - وما إخاله المفتي! - ولنصحه بنصيحة شعيب ﵇ لقومه: " أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ. وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ. وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ "
٥٧٢٩ - (خير هذه الأمة فقراؤها, وأسرعها تضجعا في الجنة ضعفاؤها)
ضعيف:
أخرجه الدولابي في ((الكنى)) (٢ / ١٣٨) من طريق أبي يعفور عن زياد أبي النضر الجعفي عن أبيه أو جده أو عمه قال: قال رسول الله ﷺ :. . . فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف مظلم؛ زياد هذا أورده البخاري في ((التاريخ)) وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) بهذه الرواية عنه ولم يذكرا فيه جرحًا
стр. 8263
ولا تعديلًا , فهو مجهول. وأما ابن حبان؛ فذكره على قاعدته في ((ثقات التابعين)) (٤ / ٢٥٣) !
(تنبيه) الحديث أوده التاج السبكي في فصل خاص عقده في ترجمة الإمام الغزالي في ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٤ / ١٤٥ - ١٨٢) ، قال تحته: (( ((جمعت فيه جميع ما وقع في ((كتاب الإحياء)) من الأحاديث التي لم أجد لها إسنادًا)) .
وهذا الحديث فيه (ص ١٧٤) تحت (كتاب الفقر والزهد) . وتبعه على ذلك الحافظ العراقي؛ فقال في كتابه ((المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار)) (٤ / ١٩٤) :
((لم أجد له أصلا)) !
وكأنه لذلك لم يورده السيوطي في ((الجامع الكبير)) فضلا عن غيره، ولا استدركه المناوي في ((الجامع الأزهر)) عليه. وهذا يؤكد قول المثل السائر: (كم ترك الأول للآخر) ويبطل قول بعض المقلدة ((علم الحديث نضج واحترق)) !
٥٧٣٠ - (بطحان على ترعة من ترع الجنة) .
ضعيف.
وقد كنت حسنته في ((الصحيحة)) (٧٦٩) ، ثم تبين لي علة تقدح في ثبوته وهاك البيان:
قلت هناك:
((رواه ابن حيويه في ((حديثه)) (٣ / ٨ / ١) ، والديلمي (٢ / ١ / ١٦)
стр. 8264
عن يعقوب بن كاسب: نا المغيرة بن عبد الرحمن: ثنا الجعد بن عبد الرحمن عن الأخنف بن قيس عن عروة عن عائشة مرفوعًا.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال البخاري؛ غير يعقوب - وهو ابن حميد بن كاسب -؛ فإنما أخرج له البخاري في ((خلق أفعال العباد)) ، وهو صدوق ربما وهم؛ كما في ((التقريب)) .
وفي المغيرة بن عبد الرحمن - هو ابن الحارث بن عبد الله بن عباس - كلام لا ينزل حديثه عن مرتبة الحسن.
والحديث؛ أورده السيوطي في ((الجامع)) بلفظ:
((بطحان على بركة من برك الجنة))
برواية البزار عن عائشة. وقال المناوي:
((قال الهيثمي: فيه راو لم يسم)) .
قلت: روايتنا هذه سالمة منه. والحمد لله على توفيقه)) .
أقول: هذا ما كنت قلت هناك، ثم تبين لي ما يأتي:
أن الأحنف الذي في هذا الإسناد ليس هو ابن قيس كما وقع في رواية ابن كاسب هذه؛ بل وهم من أوهامه التي تبينت لي بفضل الله تعالى وتوفيقه؛ وذلك من وجوه:
الأول: أنه خالفه في نسبته إلى (قيس) جمع من الثقات؛ فقال البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١ / ٢ / ٥١) في ترجمة (الأحنف من آل أبي المعلى)
стр. 8265
- وساق له هذا الحديث عن عروة -:
((قاله لي أحمد بن أبي بكر عن مغيرة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، أو الجعيد: أخبرني رجل من آل أبي المعلى عن عروة. . قال المكي حدثنا الجعيد عن رجل أحنف من آل أبي المعلى عن عروة. .)) إلخ.
وقال البزار في ((مسنده)) (١٢٠٠ - كشف الأستار) حدثنا محمد بن إسحاق حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن عن رجل - أحسبه من آل المعلى عن عروة به.
وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٤ / ١٤) :
((رواه البزار، وفيه راو لم يسم)) .
قلت: ويبدو لي أنه وقع سقط في ((الكشف)) من إسناده بين محمد بن إسحاق - وهو الصاغاني شيخ البزار -، وبين الجعيد؛ فإنه لم يدركه؛ فإن بين وفاتيهما أكثر من أربعين ومئة سنة؛ كما يتبين من ترجمتيهما.
قلت: فقد كشفت لنا هذه الروايات -وبخاصة روايتي البخاري الصحيحتين عن الجعيد - أن الأحنف هذا إنما هو أحنف آل أبي المعلى، وليس هو الأحنف بن قيس كما وهم ابن كاسب، ووهمنا نحن بوهمه فحسَّنَا الحديث فيما سبق!
ويؤيد وهمه:
الوجه الثاني: أن الأحنف بن قيس مخضرم؛ قديم الوفاة (سنة ٦٧) يروي عن كبار الصحابة: عمر وعثمان وعلي وغيرهم، ولم يذكروا له رواية عن عروة بن الزبير؛ بل ولا عن أحد من التابعين.
стр. 8266
ويزيده تأييدا:
الوجه الثالث: أن الجعيد - ويقال: الجعد بن عبد الرحمن لم يذكره أيضا في الرواة عن الأحنف بن قيس ولا هو بإمكانه أن يدركه؛ بله أن يروي عنه لأن الظاهر أنه ولد بعد وفاة الأحنف بسنين؛ لأنه مات سنة (١٤٤) فبين وفاته ووفاة الأحنف (٧٧) سنة
والوجه الرابع: أن الحافظ المزي ذكر في ((تهذيبيه)) أن الجعيد هذا روى عن الأحنف: رجل من آل أبي المعلى، وليس عن الأحنف بن قيس.
وهو الذي ذكره ابن أبي حاتم (١ / ١ / ٣٢٣) ؛ قال:
((الأحنف: من آل أبي المعلى. روى عن عروة، روى عنه الجعيد بن عبد الرحمن)) .
وكذا في ((أتباع التابعين)) من ((ثقات ابن حبان)) (٦ / ٧٥) ؛ إلا أنه قال: ((. . . مولى آل أبي المعلى. . .)) ؛ لكن وقع فيه:
((. . . روى الجعيد بن عبد الرحمن عن رجل عنه)) .
فأدخل الرجل بين الجعيد والأحنف. فلا أدري أهو خطأ من الناسخ أو الطابع أم هكذا وقعت الرواية له! فإن كان هكذا فالعجب منه كيف يذكره في ((الثقات)) برواية رجل لم يسم عنه؟ ! ولكن لا عجب، فهذا من منهجه في ((ثقاته)) ، ألا وهو توثيقه للمجهولين الذين لم يرو عنهم إلا واحد، حتى ولو كان الراوي عنه ضعيفا لا يوثق به، أو مجهولا لا يدرى من هو! ! وسوف أتولى شرح هذا وبيانه بالأمثلة الكثيرة إن شاء الله في مشروعي الجديد الذي بدأت فيه منذ سنتين أو
стр. 8267
أكثر، من مساعدة أحد الإخوان المصريين جزاه الله خيرا وقد سميته ((تيسير انتفاع الخلان بكتاب (ثقات ابن حبان)) ) يسر الله تعالى لي إتمامه بفضله ومنه.
وخلاصة هذا البحث والتحقيق: أن هذا الحديث ضعيف الإسناد وعلته الأحنف المولى؛ فإنه مجهول العين لم يرو عنه غير الجعيد بن عبد الرحمن ولا يعرف إلا من طريقه، ومن كان كذلك كان مجهولا مردود الرواية؛ كما هو مقرر في ((علم المصطلح)) ، حتى لو كان معروف الاسم والنسب، فذلك مما لا يخرجه عن الجهالة في الرواية.
ويغلب على ظني أن هذا مجهول الاسم أيضا، ولذلك؛ لم يسم في رواية البزار ورواية البخاري الأولى، وأما قوله في الرواية الأخرى:
((عن رجل أحنف. . .))
فهو صريح في أن ((أحنف)) ليس اسما له، وإنما هي صفة له، وإسناده بذلك صحيح؛ لأنه من روايته عن المكي عن الجعيد عنه؛ كما تقدم.
والمكي: هو ابن إبراهيم البلخي الحافظ، من شيوخ البخاري المتفق على توثيقهم، وهذه فائدة تفرد بها البخاري دون غيره ممن ترجم للأحنف هذا.
فوائد:
الأولى: (بُطحان) بالضم والسكون عند المحدِّثين: وادٍ في المدينة، وهو أحد أوديتها الثلاثة، وهي العقيق، وبطحان، قناة؛ كما في ((معجم البلدان)) .
الثانية: (ترعة) ؛ في ((النهاية)) :
((الترعة في الأصل: الروضة على المكان المرتفع خاصة، فإذا كانت في
стр. 8268
المطمئن فهي روضة)) .
الثالث: (الأحنف) من (الحَنَف) وهو إقبال القدم بأصابعها على القدم الأخرى كما في ((النهاية)) .
٥٧٣١ - (من كان عليه تحرير رقبة من ولد إسماعيل؛ فليعتق نسمة من بلعنبر)
ضعيف بهذا اللفظ.
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٥ / ٣٠٨ / ٥٢٩٨) ، وابن عدي في ((الكامل)) (٤ / ٤٢ الثالثة) وكذا البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٢ / ١ / ٤٤٧) من طريق موسى بن إسماعيل: ثنا شعيث بن عبيد الله بن زُبَيب بن ثعلبة عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله ﷺ يقول. . . فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ شعيث هذا؛ ليس له راوٍ غير موسى هذا، وهو التبوذكي، وغير ابنه عمار، قال الذهبي في ((الميزان)) :
((أعرابي، يكتب حديثه، ما كان حجة. وقد روى عن النضر بن محمد وأبو سلمة التبوذكي، وذكره ابن عدي، فساق له حدثين منكرين)) . قوله:
((النضر بن محمد)) .
أخشى أن يكون سبق قلم منه؛ فإني لم أرَ من ذكره راويًا عن شعيث؛ وإنما روى عنه مع التبوذكي ابنه عمار بن شعيث، كما في ((التهذيب)) وفروعه، ومنها ((الكاشف)) للذهبي.
стр. 8269
وعمار؛ لم يوثقه أحد؛ بخلاف أبيه شعيث؛ فقد وثقه ابن حبان (٦ / ٤٥٣) على قاعدته في توثيق المجهولين، ولذلك؛ لم يعتد بتوثيقه الذهبي كما رأيت، وأشار إلى ذلك في ((الكاشف)) بقوله:
((وُثق)) . وكذلك الحافظ في ((التقريب)) :
((مقبول)) ؛ أي: عند المتابعة، وإلا؛ فليِّن الحديث كما هنا.
وقد وقع لابن حبان وهم في هذه الترجمة نبهت عليه في كتابي ((تيسير انتفاع الخلان)) .
وعبيد الله بن زبيب؛ كذا وقع عند الطبراني في هذا الحديث، وكذلك وقع في حديث آخر لشعيث عند أبي داود (٣٦١٢) ، ووقع عند البخاري وابن عدي في هذا الحديث (عبد الله) مكبرا، وكذا في ترجمته من ((تاريخ البخاري)) و ((الجرح والتعديل)) و ((ثقات ابن حبان)) (٥ / ٢٠) ، ولم يذكروا له راويا غير ابنه شعيث، فهو مجهول العين. ولم يذكر الهيثمي عنه شيئا ولا عن ابنه؛ بل أوهم أنه ثقة؛ فقال في ((مجمع الزوائد)) (١٠ / ٤٧) :
((رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن زبيب (!) وبقية رجاله ثقات)) !
وبعد كتابة ما سبق بدا لي أن للحديث أصلا عن النبي* ولكن مختصرا:
فقد روي عبيد ابن الحسن عن ابن معقل عن عائشة ﵂:
أنه كان عليها رقبة من ولد إسماعيل، فجاء سبي من اليمن من خولان، فأرادت أن تعتق منهم، فنهاها النبي، ثم جاء سبي من مضر من بني العنبر، فأمرها النبي ﷺ أن تعتق منهم.
стр. 8270
أخرجه أحمد في ((المسند)) ، (٦ / ٢٦٣) ، والبزار (٣ / ٣١٣ / ٢٨٢٧ - كشف الأستار) ؛ كلاهما من طريق أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير: ثنا مسعر عن عبيد بن الحسن. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١٠ / ٤٦) :
((رواه أحمد والبزار بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح)) .
كذا قال! وفيه نظر من وجهين:
الأول: أنه لا داعي للتفريق بين إسناد أحمد والبزار؛ فإن إسنادهما واحد، مداره علي أبي أحمد الزبيري كما رأيت.
والآخر: أن البزار أعله بالإرسال؛ فقال عقبه:
((رواه شعبة عن عبيد بن حسن عن ابن معقل قال: كان علي عائشة محرر من ولد إسماعيل، فقدم سبي من بلعنبر، فقال النبي *:
((إن سرك أن تفي بنذرك؛ فأعتقي من هؤلاء)) .
ولم يقل عن عائشة)) .
قلت: هكذا علقه البزار، ووصله الحاكم (٢ / ٢١٦) من طريق وهب بن جرير: أنبأنا شعبة به.
ذكره متابعا لرواية مسعر المتقدمة؛ ولكنها عنده من طريق يزيد بن هارون: أنبأ مسعر به مثل رواية شعبة، ولم يقل: عن عائشة. ومع ذلك قال الحاكم:
((صحيح الإسناد)) ! ووافقه الذهبي!
ثم إن قول الهيثمي المتقدم:
стр. 8271
((ورجاله رجال الصحيح)) .
كأنه بناه علي أن ابن معقل هذا هو عبد الله بن معقل بن مقرن المزني؛ فإنه تابعي من رجال الشيخين، ويساعده علي ذلك أنه وقع مسمي في رواية شعبة عند الحاكم ب (عبد الله بن معقل) . ويخدج عليه أن الراوي عبيد بن الحسن لم يذكروه في الرواه عن عبد الله بن معقل، وإنما في الرواة عن عبد الرحمن بن معقل بن مقرن المزني، والظاهر أنه أخوه، وإن لم يصرحوا به، وهو ثقة من رجال أبي داود.
وعلي كل حال؛ فسواء كان هذا أو ذاك فالإسناد صحيح؛ ولكنه مرسل علي الراجح.
إلا أنه قد جاء موصولا من حديث ابن مسعود وابن عمر: عند البزار (٢٨٢٥، ٢٨٢٦) ، وأبي هريرة: عند الحاكم (٤ / ٨٤) وقال:
((صحيح علي شرط مسلم)) . وبيض له الذهبي.
وفيه أحمد بن نجدة القرشي؛ ولم أعرفه.
فبها يتقوى حديث عائشة المرسل. والله أعلم. ثم رأيت ابن نجدة قد وثقه الذهبي في ((السير)) (١٣ / ٥٧١) . ثم خرجته في ((الصحيحة)) (٣١١٤) .
وحديث ابن مسعود: يرويه علي بن عابس عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن عبد الله بن مسعود قال: كان علي عائشة محرر من ولد إسماعيل، فقدم سبي بلعنبر، فأمرها النبي ﷺ أن تعتق منهم، وقال:
((من كان عليه محرر من ولد إسماعيل؛ فلا يعتق من حمير أحدا)) .
стр. 8272
أخرجه البزار (٣ / ٣١٢ / ٢٨٢٥) ، والطبراني في «الكبير» (١٠ / ٢٢٨ / ١٠٤٠٠) ، وابن أبي حاتم في «العلل» (٢ / ٤٢٢) وقال:
«قال أبي: هذا خطأ؛ ليس فيه ابن مسعود، إنما هو مرسل» .
قلت: وعلي بن عابس؛ ضعيف، وسائر رجاله ثقات، وليس عند البزار قوله:
«من كان عليه. . .» . وعلقه ابن عدي في «الكامل» (٥ / ١٨٩) في
ترجمة علي بن عابس بلفظ:
«من كان عليه محرر؛ فليعتق من بَلْعنبر» . وروى عن ابن معين أنه قال:
«علي بن عابس؛ ليس بشيئ» . وعن السعدي:
«ضعيف الحديث واه» . وعن النسائي:
«ضعيف» . وختم هو ترجمته بقوله:
«وهو مع ضعفه يكتب حديثه» .
٥٧٣٢ - (مَنْ جَاءني زائراً لا يُعمِلُهُ حَاجَة إلا زيارتي؛ كان حقاً عليَّ أَنْ أكون له شفيعاً يوم القيامة) .
ضعيف جداً.
أخرجه الطراني في «المعجم الكبير» (١٢ / ٢٩١ / ١٣١٤٩) و «الأوسط» (١ / ٢٧٧ / ٢ / ٤٦٨٣ - بترقيمي) ، والخلعي في
«الفوائد» (ق / ١١١ / ١) ، وابن النجار في «تاريخ المدينة» (٣٨٧) من
طريق مسلمة بن سالم الجهني: حدثني عبيد الله بن عمر (وقال بعضهم: عبد الله
ابن عمر) عن نافع عن سالم عن ابن عمر مرفوعاً. وقال الطبراني:
стр. 8273
«لم يروه عن عبيد الله إلا مسلمة» .
قلت: ويقال فيه: (مسلم) ، وهو ضعيف جداً؛ قال أبو داود:
«ليس بثقة» .
ذكره في «التهذيب» ، ومن قبله الذهبي في «الميزان» ، ثم ساق له هذا
الحديث من طريق الخلعي بسنده عن الدراقطني، وذكر أن الدراقطني أخرجه في
«سننه» ! وما أظنه إلا وهماً؛ فإنه ليس فيه، ولا جاء له ذكر في فهارسه التي
وضعها الدكتور المرعشلي.
والحديث؛ قد بسط الكلام عليه ابن عبد الهادي في «الصارم المنكي» وبيّن
ضعفه؛ بل بطلانه، فمن شاء الاطلاع عليه رجع إليه.
(تنبيه) : ذكرنا أن بعض الرواة جعلوا الحديث من رواية عبد الله بن عمر؛
المكبَّر، وهو الذي جزم به الضياء في «الأحكام» وقبله البيهقي؛ كما ذكر الحافظ
في «التلخيض» (٢ / ٢٦٧) ، فإذا صحَّ ذلك فهو علة أخرى في الحديث.
ويمكن استخراج علة ثالثة له، وهي الاضطراب في متنه:
فقد روي عنه بلفظ الترجمة المذكور أعلاه.
وروي عنه بلفظ:
«من زار قبري؛ وجبت له شفاعتي» .
وهو مخرج في «الإرواء» (١١٢٨) .
وروي من حديث أنس نحو حديث الترجمة، وقد مضى برقم (٥٧٣٢) .
стр. 8274
ومن طريق أخرى واهية عن ابن عمر ﵁ بلفظ:
«من حج، فزار قبري بعد موتي؛ كان كمن زراني في حياتي» .
ومضى أيضا في أول الكتاب برقم (٤٧) ، وذكرت هناك كلام شيخ الإسلام
ابن تيمية في أحاديث الزيارة، وأنها كلها ضعيفة، فراجعه.
ووجه الاضطراب في المتن هو أن حديث الترجمة وما في معناه ـ كحديث
أنس المشار إليه آنفاَ ـ ظاهر أن المقصود به زيارته ﵊ في حياته،
فلو أنه صح؛ لم يصلح شاهداَلأحاديث زيارة قبره ﷺ كما هو ظاهر لا يخفى على أحد.
وإذا تبين ضعف الحديث، وانكشفت علته؛ فلا ينبغي لطالب العلم أن يغتر بما
نقله السندي في «حاشيته على ابن ماجه» (٢ / ٢٦٨ ـ التازية) عن الدميري:
أن الحديث صححه عبد الحق وأبو علي بن السكن، وقوله:
«وقولهما أولى من قول من طعن في ذلك» !
لأنه مجرد دعوى لا دليل عليها، بل البحث العلمي يرفضه رفضاَ باتاَ؛ كما
يدلك عليه هذا التخريج والتحقيق.
ومن المؤسف أن كلام السندي هذا نقله الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي في
تعليقه على «ابن ماجه» (٢ / ١٠٣٩) مسلماَ به، الأمر الذي يدل القارئ أنه لم
يكن على معرفة بهذا العلم الشريف، ثم تورط به أخونا الأستاذ زهير الشاويش
فنقله حرفياَ في تعليقه على «صحيح ابن ماجه» (٢ / ١٩٧) ، حيث اعتمد فيه
أكثر تعليقات الأستاذ، ومنها هذا التعليق المخالف للمنهج العلمي الذي لا يخالفنا
стр. 8275
فيه إن شاء الله، ومقتضى حسن الظن به أنه طبع دون علمه، وأن ذلك كان من
بعض الموظفين لديه، وكل الأمر إليه، وهو ـ فيما يبدو ـ ليس على المنهج
العلمي، وهناك تعليقات من هذا النوع أو قريب منه في الخطأ وقعت في التعليقات
على «صحيح ابن ماجه» كما وقعت أخطاء أخرى في صلب «الصحيح» أثناء
اختصار أسانيده، بعضها فاحش جداَ، لا أدري من هو المختصر، ولا من هو المسؤول عنها، فإن عملي الذي كُلِّفت به من طرف مكتب التربية العربي لدول الخليج، إنما هو وضع مرتبة كل حديث بجانبه، مع ذكر أسماء الكتب التي شرحتُ المرتبة فيها، ما بينت ذلك في مقدمتي لـ «صحيح ابن ماجه» .
٥٧٣٣ - (جَزاءُ غَزْوًةِ المرأةِ: طاعةُ الزوْجِ، واعترافٌ بِحَقِّهِ) .
منكر. أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (٤ / ١ / ١٦٢ / ٧٢٥) : قال علي: نا هشام بن يوسف: حدثني القاسم بن فياض من جندة عن خلاد بن عن الرحمن بن جندة عن سعيد بن المسيب سمع ابن عباس:
قالت امرأة: يا رسول الله! ما جزاء غزوة المرأة؟ قال: «طاعة الزوج. . .» إلخ.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات؛ غير القاسم بن فياض؛ فهو مجهول؛ كما قال الحافظ في «التقريب» ، وفي ترجمته أورده البخاري ساكتاً عنه.
وهو من الأدلة الكثيرة على أن من سكت عنه البخاري فليس ذلك منه توثيقاً له عند أهل العلم؛ خلافاً لمن لا علم عنده بهذا الفن من المعاصرين، وبخاصة إذا ضعفه غيره؛ كهذا؛ فقد أورده ابن حبان في كتابه «الضعفاء» وقال (٢ / ٢١٣) :
стр. 8276
«كان ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير، فلما كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج بخبره» . ثم روي عن ابن معين أنه قال فيه:
«ليس بشيء» .
ثم تناقض ابن حبان فيه، فأورده في «الثقات» أيضاً (٧ / ٣٣٤) ! ومن الظاهر أن ذلك كان منه قبل أن يسبر حديثه ويعرفه بناء على قاعدته في التوثيق
المجهولين، وقد قال ابن المديني في حديث آخر له:
«إسناده مجهول، ولم يرو عنه غير هشام» .
انظر «المشكاة» (٣٥٧٨ ـ التحقيق الثاني) .
وضعفه ابن معين في رواية ابن أبي حاتم عنه، وقال النسائي:
«ليس بالقوي» ، واستنكر الحديث المشار إليه. وشذَّ أبو داود فقال فيه:
«ثقة» !
والحديث أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٠ / ٣٥٥ / ١٠٧٠٢)
من طريق أخرى عن علي بن المديني به. وقال الهيثمي (٤ / ٣١٥) :
«وفيه القاسم بن فياض، وهو ضعيف وقد وثق، وفيه من لم أعرفهم» !
كذا قال! وغير القاسم كلهم ثقات حفاظ.
وقد روي الحديث مطولاً نحوه من طريق أخرى عن ابن عباس وغيره، وسيأتي (٦٢٤٥) .
стр. 8277
٥٧٣٤ - (كان إذا سُقِي قال: ابدَأُوا بالكَبِيرِ، أو قال: بالأَكَابِرِ) .
شاذ. أخرجه أبو يعلى (١٢٢ / ١ - المصورة الثانية) : ثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهم: ثنا عبد الله بن المبارك: ثنا خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال:. . . فذكره.
وأخرجه الطبراني في «الأوسط» (٣٩٣٩ ـ بترقيمي) : حدثنا علي بن أحمد بن النضر الأزدي قال: نا محمد بن سهم الأنطاكي به، ثم أشار إلى تفرد الأنطاكي به.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير محمد بن عبد الرحمن ـ وهو ابن حكيم بن سهم الأنطاكي ـ؛ فإنه من رجال مسلم؛ قال الحافظ في
«التقريب» :
«ثقة يغرب» . وقال في «الفتح» (١٠ / ٧١) :
«أخرجه أبو يعلى بسند قوي» . وقال شيخه الهيثمي في «المجمع» (٥ / ٨١) :
«رواه أبو يعلى والطبراني في «الأوسط» ، ورجال أبي يعلى رجال (الصحيح) » . وقال العراقي في «طرح التثريب» (٦ / ٢٥) :
«رواه أبو يعلى في «مسنده» من حديث ابن عباس بإسناد صحيح» .
قلت: ولابن عباس حديث آخر يخالف ظاهره حديثه هذا، وهو من رواية علي ابن زيد عن عمر ـ وهو ابن أبي حرملة ـ عن ابن عباس قال:
دخلت مع رسول الله ﷺ أنا وخالد بن الوليد على ميمونة، فجاءتنا بإناء من لبن، فشرب رسول الله ﷺ ، وأنا على يمينه، وخالد على شماله، فقال لي:
стр. 8278
«الشربة لك. فإن شئت آثرت بها خالداً» . فقلت: ما كنت أوثر على سؤرك أحداً.
أخرجه أحمد (١ / ٢٨٤، ٢٢٥، ٢٢٠) ، والترمذي (٣٤٥١) وقال:
«حديث حسن» .
قلت: كأنه يعني حسن لغيره؛ فإن علي بن يزيد ـ وهو ابن جدعان ـ فيه ضعف؛ لكن له طريق آخر بنحوه خرََّجته في «الصحيحة» (٢٣٢٠) ، وشواهد تقويه.
منها: عن أنس بن مالك، وسهل بن سعد: في «الصحيحين» وغيرها.
ومنها: عن عبد الله بن بسر، وعبد الله بن أبي حبيبة: عند أحمد (٤ / ٢٢١، ١٩٠، ١٨٨) .
ولفظ حديث أنس في رواية البخاري:. . . فأعطى الأعرابي فضله (يعني لأنه كان عن يمينه وهو ﷺ الساقي) ، ثم قال:
«الأيمنون، الأيمنون، ألا فيمِّنوا» !
قال أنس: فهي سنة، فهي سنة (ثلاث مرات) . «مختصري للبخاري» (٥١ ـ الهبة / ٤ - باب) .
وقد يجمع بين حديث الباب والأحاديث الأخرى بأن يحمل على الحالة التي يكون القوم جالسين فيها متساوين، إما بين يدي الساقي، أو عن يساره كلهم، فتحصص هذه الصورة من عموم تقديم الأيمن. وقيل غير ذلك. انظر «الفتح» ، و «المحلى» لابن حزم (٧ / ٥٢١ - ٥٢٢) .
стр. 8279
هذا ما كنت كتبته قديماً؛ جريت على ظاهر الإسناد فَصَحَّحْته كما فعل جماعة من قبلي كما رأيت، وكذلك فعل المعلق على «مسند أبي يعلى» (٤ / ٣١٥) ، ونقل توثيق ابن سهم عن الخطيب وابن حبان. وهو كما ذكر؛ لكنه قصر فيما يتعلق بابن حبان؛ فإنه لما ذكره في «الثقات» (٩ / ٨٧) قال:
«ربما أخطأ» . ومنه أخذ الحافظ قوله المتقدم:
«ثقة يغرب» .
وقد ثبت لدي - ولو بعد حين - أنه أخطأ في هذا الحديث متناً؛ فقد رواه الوليد ابن مسلم وغيره عن عبد الله بن المبارك به مختصراً بلفظ:
«البَرَكَةُ مع أكَابِرِكُمْ» .
أخرجه تسعة من الحفاظ من طرق عن ابن المبارك به.
خرجته في «الصحيحة» (١٧٧٨ ـ الرابع) ، ولذلك؛ بينت هناك أن حديث الترجمة شاذ لمخالفته الثقات.
وقول ابن حبان المتقدم في ابن سهم:
«ربما خالف» .
فلقد بدا لي هنا أنه يمكن أن نأخذ منه أنه أشار بذلك إلى خطئه في هذا الحديث على الأقل، وذلك بملاحظة أنه لم يخرجه في «صحيحه» في الأبواب التي عقدها لحديث أنس وسهل المتقدمين، ولا عقد له فيه باباً خاصاً مترجماً عنه كما هي عادته (انظر الإحسان ٧ / ٣٦٢ - ٣٦٣) ، فلو كان ثابتاً عنده لأورده في مكان منه كما فعل بحديث الوليد: «البركة مع أكابركم» ؛ فإنه أورده فيه مترجماً
стр. 8280
عنه بقوله:
«ذكر استحباب التبرك للمرء بِعِشْرَةِ مشايخِ أهل الدين والعقل» .
فإذا ثبت أن الحديث شاذ لا يصح؛ فلا داعي للجمع بينه وبين الأحاديث المعارضة له بلفظها العام:
«الأيمن فالأيمن» . والله أعلم.
٥٧٣٥ - (الخَلْقُ عِيالُ اللهِ، فَأَحَبُّ عِيالِهِ أَلْطَفُهُمْ بأهلِهِ) .
منكر. أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٥ / ١٦٢) من طريق محمد بن سيار الشَّيزري قال: ثنا عامر بن سيار: ثنا أبو عمرو القرشي عن حماد بن أبي سليمان عن شقيق عن ابن مسعود مرفوعاً.
ذكره في ترجمة أبي عمرو هذا ـ وهو عثمان بن عبد الرحمن الجمحي ـ مع أحاديث أخرى له، وقال عقبها:
«وهذه الأحاديث عامتها لا يوافقه عليها الثقات، وله غير ما ذكرت، وعامة ما يرويه مناكير، إما إسناداً وإما متناً» .
قلت: وقد مضى بنحوه من حديث أنس وابن مسعود برقم (٣٥٩٠) .
وعامر بن سيار؛ قال أبو حاتم ـ وتبعه الذهبي ـ:
«مجهول» .
لكن تعقبه الحافظ في «اللسان» بأنه روى عنه الحافظ بقي بن مخلد وغيره، وذكره ابن حبان في «الثقات» فقال:
стр. 8281
«ربما أغرب» .
وأما محمد بن سيار الشيزَري؛ فإني لم أعرفه.
٥٧٣٦ - (عن جبريلَ عن الله تعالى قال: إن هذا الدِّينَ ارتضَيْتُهُ لنَفْسِي، ولن يَصْلحَ له إلا السَّخاءُ وحُسْنُ الخُلُقِ، فََأَكْرِمُوه بهما ما صَحِبْتُمُوهُ) .
ضعيف. أخرجه الطبراني في «الأوسط» (رقم ـ ٩٠٨٣) : حدثنا مقدام: نا عبد الملك بن مسلمة الأموي: ثنا إبراهيم بن أبي بكر بن المنكدر: حدثني عمي محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله يحدث عن رسول الله ﷺ به. وقال:
«لا يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد، تفرد به عبد الملك بن مسلمة» .
قلت: وهو منكر الحديث؛ كما قال ابن يونس، وقال ابن حبان في «المجروحين» (٢ / ١٣٤) :
«يروي عن أهل المدينة المناكير الكثيرة التي لا تخفى على من عني بعلم السنن» .
قلت: وشيخه إبراهيم بن أبي بكر؛ ترجمه ابن أبي حاتم (١ / ١ / ٩٠) برواية جمع من الثقات، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
وأما المقدام؛ فهو ضعيف.
لكن تابعه ابن قتيبة: عند ابن حبان.
стр. 8282
٥٧٣٧ - (كان رَجُلٌ من أصحابه ﷺ من الأنصار يكنى (أبا معلق) ، وكان تاجراً يتَّجِرُ بمال له ولغيره يضربُ به في الآفاق، وكان ناسكاً ورعاً، فخرجَ مرةً، فلقيه لصٌّ مقنعٌ في السِّلاح، فقال له: ضَعْ ما معكَ؛ فإني قاتِلُكَ! قال: ما تريدُ إلى دمي؟ شأنك بالمال. قال: أما المالُ؛ فَلِي، ولستُ أريدُ إلا دَمَكَ. قال: أما إذا أبيتَ؛ فََذَرْني أُصَلِّّي أربع ركعات. قال: صَلِّ ما بدا لك. فتوضأ، ثم صلَّى أربع ركعات، فكان مِنْ دُعَائه في آخر سجدة أن قال:
يا ودودُ! يا ذا العَرْشِ المجيد! يا فعالٌ لما يريد! أسألُكَ بِعِزِّكَ الذي لايُرَامُ، ومُلْكِكَ الذي لا يُضَامُ، وبِنُورِكَ الذي ملأ أركانَ عرشِكَ أنْ تكفِيَنِي شرَّ هذا اللصِّ، يا مغيثُ أَغِثْنِي! (ثلاث مرات) . قال: دعا بها ثلاث مرات، فإذا هو بفارسٍ قد أقبل بيده حربةُ واضعها بين أُذُنَيْ فرسِهِ، فلما بصُر به اللصُّ أقبل نحوه، فطعنَه، فقتله. ثم أقبلَ إليه فقال: قُمْ. قال: من أنت بأبي أنت وأمي؟ فقد أغاثني اللهُ بك اليوم. قال: أنا ملكٌ من السَّماءِ الرابعَةِ، دعوتَ بدعائِكَ الأول، فَسُمِعَتْ لأبواب السماء قَََعْقَعَةٌ، ثم دعوت بدعائكَ الثاني، فسُمِعتْ لأهل السماء ضجةٌ، ثم دعوت بدعائك الثالث؛ فقيل لي: دعاءُ مكروب. فسألتُ الله أن يوليني قَتلََهُ.
قال أنس: فاعلمْ أنه مَنْ توضأ وصلَّى أربع ركعاتٍ، ودعا بهذا الدعاء؛ استُجيبَ له، مكروباً كان أو غيرَ مكروب) .
موضوع، لوائح الوضع والصنع عليه ظاهرة. أخرجه ابن أبي الدنيا في
стр. 8283
" مجابي الدعوة " (٣٨ / ٢٣) : حدثني عيسى بن عبد الله التميمي: أخبرني
زهير بن زياد الأسدي عن موسى بن وردان عن الكلبي - وليس بصاحب التفسير -
عن الحسن عن أنس قال:. . . فذكره.
قلت: وهذا إسناد مظلم؛ لم أعرف أحداً ممن دون الحسن؛ غير موسى بن
وردان، وهو مختلف فيه، وقد قال فيه أبو حاتم:
" ليس به بأس ".
فالآفة إما من (الكلبي) المجهول، وإما ممن دونه.
والحسن - وهو البصري - مدلس، وقد عنعن، فالسند واهٍ.
فمن الغريب أن يذكر (أبو معلق) هذا في الصحابة، ولم يذكروا ما يدل على
صحتبه سوى هذا المتن الموضوع بهذا الإسناد الواهي! ولذلك - والله أعلم -؛
لم يورده ابن عبد البر في " الاستيعاب ". وقال الذهبي في " التجريد " (٢ / ٢٠٤) :
" له حديث عجيب؛ لكن في سنده الكلبي، وليس بثقة، وهو في كتاب
(مجابي الدعوة) ".
ويلاحظ القراء أنه قال في الكلبي: " ليس بثقة ". وفي هذا إشارة منه إلى
أنه لم يلتفت بلى قوله في الإسناد:
" وليس بصاحب التفسير ".
لأن الكلبي صاحب التفسير هو المعروف بأنه " ليس بثقة "، وقد قال في
" المغني ":
стр. 8284
" تركوه، كذبه سليمان التيمي وزائدة وابن معين، وتركه ابن القطان
وعبد الرحمن ".
ومن الغرائب أيضاً: أن يذكر هذه القصةَ ابنُ القيم في أول كتابه " الجواب
الكافي لمن ساعد عن الدواء الشافي " من رواية ابن أبي الدنيا هذه، مُعَلِّقأ إياها
على الحسن، ساكتا عن إسنادها!
٥٧٣٨ - (مَنْ أقرَّ بالخَرَاجِ وهو قَادِرٌ على أن لا يقرَّ به؛ فعليه لعنةُ الله
والملائكةِ والناسِ أجمعينَ، لا يقبلُ اللهُ منه صرفاً ولا عَدْلاً) .
منكر.
قال صالح بن الإمام أحمد في " مسائله " (ص ٢١ - دار الحديث
المكية) :
" رسالته عن حديث رواه نُصير بن محمد الرازي - صاحب ابن المبارك - عن
عثمان بن زائدة عن الزبير بن عدي عن أسمى بن مالك رفعه قال:. . . فذكره.
فقال: ما سمعنا بهذا، هذا حديث منكر ".
قلت: ورجاله ثقات رجال مسلم؛ غير نصير هذا، وقد ذكره ابن أبي حاتم في
" الجرح والتعديل " (٤ / ١ / ٤٩٣) فقال:
" نصير بن محمد خادم عبد الله بن المبارك، روى عن عثمان بن زائدة، روى
عنه أبو هارون محمد بن خالد الخراز ".
قلت: والخراز هذا؛ صدوق عند ابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ٢٤٥) ، فالعلة:
جهالة نصير هذا. .
ثم رأيت ابن أبي حاتم قد ذكر في " العلل " أنه قال (٢ / ٤٤١) :
стр. 8285
" سألت أبي، قلت: حدثنا صالح بن أحمد قال: سألت أبي. . . . ".
قلت: فذكره كما تقدم، ثم قال:
" فقال أبي: هذا حديث باطل لا أصل له ".
قلت: وهو بمعنى حديث أخرجه أبو داود عن معاذ مرفوعاً نحوه، وسنده
ضعيف؛ فيه مجهول وآخر مقبول عند الحافظ، وبيانه في " ضعيف أبي داود "،
وهو في " المشكاة " (٣٥٤٥) .
٥٧٣٩ - (إن لله تعالى أرضاً مِنْ وراءِ أرضِكُم بيضاء، نورُهَا وبياضُهَا
مسيرة شَمْسِكم هذه أربعينَ يوماً - قالوا: كأن رسول الله ﷺ يعني مثلَ
الدنيا أربعينَ مرةً -، فيها عبادٌ لله تعالى لم يَعْصُوه طرفةَ عَيْن. [قالوا: يا
رسول الله! مِنَ الملائكة هم؟ قَال: ما يعلمونَ أن الله خَلَقَ الملائكة.
قالوا: أَفَمِنْ وَلَدِ آدم هم؟] قال: ما يعلمونَ أن الله خَلَقَ اَدمَ ولا إبليس! ،
هم قوم يقالُ لهم: الرَّوْحَانِيون، خَلَقَهمُ الله مِنْ ضَوْءِ نُورِهِ) (*) .
موضوع.
أخرجه أبو الشيخ ابن حيان في " العظمة " (ق ١٦٨ - ١٦٩ / ١)
من طريق مسلمة بن عُلَي عن عبد الرحمن الخراساني عن مقاتل بنْ حَيان عن
محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة مرفوعاً.
قلت: وهذا موضوع. آفته مسلمة بن علي - وهو الخشني -، وهو متروك مجمع
على تركه، وقال ابن حبان (٣ / ٣٣) :
стр. 8286
" كان ممن يقلب الأسانيد، ويروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم؛ توهماً،
فلما فَحُشَ ذلك منه بَطُلَ الاحتجاج به ". وقال البخاري:
" منكر الحديث ".
وهو كناية منه عن شدة ضعفه.
وشيخه عبد الرحمن الخراساني؛ لم أعرفه.
ثم أخرجه من طريق محمد بن زياد الزيادي: حدثنا معتمر عن المغيرة بن
سلمة قال: أخبرني أبو أمية مولى شبرمة - واسمه الحكم - عن بعض أئمة
الكوفة قال:. . . فذكره نحوه.
قلت: وهذا إسناد واهٍ. أبو أمية وشيخه الكوفي؛ لم أعرفهما.
والزيادي؛ قال الحافظ في " التقريب ":
" صدوق يخطئ ".
ويد الصنع والمبالغة في الحديث ظاهرة. والله أعلم.
(تنبيه) : ما بين المعروفتين [] نقلته من " الجامع الكبير " للسيوطي؛ فإنه لم يكن
في مسودتي، وإنما كان مشاراً إليها بقولي: " الحديث " اختصاراً مني، فوجب بيانه.
٥٧٤٠ - (إذا كانتْ لكَ حَاجة؛ فاسألِ اللهَ ؛ فقد جَف القَلَمُ
بما هو كائن، لو جهدَ الخَلْقُ أن ينفعوك بغيرِ ما كَتَبَ اللَّهُ لك لم يَقْدِرُوا،
ولو جهدُوا أن يضرُّوكَ لم يقدِرُوا) .
منكر.
أخرجه البخاري معلقاً في " التاريخ " (٣ / ٢ / ١١٧) ، ووصله
стр. 8287
العقيلي في " الضعفاء " (٣ / ٩١ - ٩٢) من طريق عبد المؤمن بن عباد قال:
حدثنا سعيد بن أنس عن عكرمة عن ابن عباس قال: مسح رسول الله ﷺ رأسي
بيده، ودعا لي، وقال:. . . فذكره. وقال البخاري:
" لا يتابع عليه ". وقال العقيلي:
" أسانيد الخبر عن ابن عباس لينة، وقد روي عن غير ابن عباس أيضاً بأسانيد
فيها لين ".
قلت: يشير إلى حديث ابن عباس المشهور بلفظ:
" يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك. . . " الحديث، وفيه
قوله: " فقد جف القلم. . . " إلخ بنحوه بتقديم وتأخير دون ما قبله، وهو مخرج في
" ظلال الجنة " (٣١٦ - ٣١٨) .
والحديث؛ مما خلت منه الجوامع الثلاثة!
٥٧٤١ - (إذا أَلِفَ العَبْدُ الإعراضَ عَنِ الله تعالى؛ ابتلاهُ بالوقيعَةِ
في الصَّالحينَ) .
موضوع.
رواه ابن عساكر (٤ / ٣٣١ / ١) عن الحسين بن إبراهيم بن
محمد بن كلمون الديرعافولي: يا أبو عبد الله الحسين الموازيني الفقير إلى الله قال:
حدثني أبو بكر أحمد بن نصر الروياني قال: سمعت الأشج قال: سمعت علي
ابن أبي طالب قال:. . . فذكره مرفوعاً. وقال:
" هذا حديث منكر، وأكثر رواته مجاهيل، والأشج أبو الدنيا لا يثبت سماعه
من علي، وقد وقعت إلينا نسخته بعلو، وليس هذا الحديث فيها، والله! يعيذنا من
стр. 8288
الكذب برحمته! ". وفي " ذيل الأحاديث الموضوعة " للسيوطي (ص ١٧٦) :
" وقال ابن النجار في " تاريخه ": قال السِّلَفي: هذا حديث منكر، عرضته
على أبي نصر المؤتمن بن أحمد الساجي الحافظ فقال: " هذا باطل، وقد كتبناه من
طرق عن بعض مشايخ الصوفية، وأما عن رسول الله ﷺ فليس له [أصل] ".
والذي قاله المؤتمن صحيح لا شك فيه ولا ريب، وإسناده مظلم، وفي الأشج مقنع،
فكيف إذا انضم إليه غيره ممن يشاكله. اهـ ".
وأبو الدنيا الأشج؛ قال الذهبي:
" كذاب طرقي، كان بعد الثلاث مئة وادعى السماع من علي بن أبي طالب،
واسمه عثمان بن حَطاب. وقال في ترجمته من الأسماء:
، طَيْرٌ طَرأَ على أهل بغداد، وحدَّث بقِلًةِ حياء بعد الثلاث مئة عن علي بن
أبي طالب، فافتضح بذلك، وكذبه النقادون ".
وأطال ترجمته الحافظ في " اللسان "؛ فليراجعها من شاء.
وأحمد بن نصر الروماني؛ قال الحافظ في " اللسان ":
" شيخ لا وجود له! اختلق اسمه بعض الكذابين ".
وأقره السيوطي في " الذيل ".
٥٧٤٢ - (كان إذا أرادَ أن يبُولَ فَأَتى عَزَازاً مِنَ الأرضِ؛ أخذَ عُوداً؛
فَنَكَتَ به حتى يثرى، ثم يَبُول) .
ضعيف.
أخرجه أبو داود في " المراسيل " (٧١ / ١) من طريق الوليد بن
стр. 8289
سليمان بن أبي السائب عن طلحة بن أبي قَنان: أن النبي ﷺ . . . فذكره.
قلت: وهذا إسناد مرسل ضعيف؛ فإن طلحة هذا مجهول لا يدري من هو؛
كما في " الميزان " و " التقريب "، وصنيع ابن حبان يشعر بأن الحديث معضل؛
لأنه ذكر طلحة في " أتباع التابعين " من " ثقاته " (٦ / ٤٨٨) ! والله أعلم.
٥٧٤٣ - (مَنْ توضأ، ثم توجَّه إلى مسجد يُصَلِّي فيه الصلاةَ؛ كان
له بكل خُطْوة حَسنةٌ، ويُمحى عنه سَيِّئةٌ، والحًسنةُ بِعَشْرٍ، فإذا صلى ثم
انصرف عنده طلوع الشمس؛ كُتِبَ له بكل شَعْرة في جسده حسنةٌ،
وانقلبَ بِحَجَّةٍ مبرورة، وليس كل حاج مبروراً، فإن جْلسَ حتى يركعَ؛
كُتب له بكل حًسنة آئًفَا ألفيْ حسنة، ومن صلى صلاة الفجر؛ فله مثلُ
ذلك، وانقلبَ بِعُمْرة مبرورة، وليس ككلّ مُعْتَمِرٍ مبروراً) .
موضوع.
رواه ابن عساكر (٧ / ١١٢ / ١) عن محمد بن شعيب: أخبرني
سعيد بن خالد بن أبي طويل أنه سمع أنس بن مالك يحدث عن رسول الله ﷺ
أنه قال في صلاة الصبح:. . . فذكره.
أورده في ترجمة سعيد هذا، وروى عن أبي حاتم أنه قال:
" لا يشبه حديثه حديث أهل الصدق، منكر الحديث. وأحاديثه عن أنس لا
تعرف ". وعن أبي زرعة أنه قال:
" ضعيف الحديث، حدَّث عن أنس بمناكير ". وقال الحاكم:
" روى عن أنس أحاديث موضوعة ".
стр. 8290
٥٧٤٣ / م - (ما خَيْرٌ للنساءِ؟ فقالتْ فاطمةُ: أنْ لا يَرَيْنَ الرجالَ ولا
يَرَوْنَهُنّ) .
ضعيف.
أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (٢ / ٤٠ - ٤١) من طريق يعقوب
ابن إبراهيم بن عباد بن العوام: ثنا عمرو بن عون: أنا هُشيم: ثنا يونس عن
الحسن عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ :
" ما خير للنساء؟ ". فلم ندر ما نقول، فسار علي إلى فاطمة، فأخبرها
بذلك، فقالت: فهلا قلت له: خير لهن أنْ لا يريْن. . . إلخ؟ ! فقال له:
" من علّمك هذا؟ " قال: فاطمة. قال:
" إنها بَضْعَةٌ منِّي ".
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ رجاله ثقات غير يعقوب هذا؛ فإني لم أجد له
ترجمة.
ومن فوقه؛ كلهم ثقات كما ذكرت، وهم من رجال الشيخين؛ لكن الحسن
- وهو البصري - مدلس.
ثم رواه أبو نعيم عقبه وفي (ص ١٧٥) من طريق أبي حصين محمد بن
الحسن الوادعي قال: ثنا يحيى الحماني قال: ثنا قيس - يعني: ابن الربيع - عن
عبد الله بن عمران عن علي بن زيد عن سعيد بن المسبب عن علي بن أبي طالب
رضي الله تعالى عنه: أنه قال لفاطمة - رضي الله تعالى عنها -: ما خير للنساء؟
قالت: أن لا يَرَينَ الرجالَ ولا يرونهنَّ. . . فذكره للنبي ﷺ فقال:
" إنما فاطمة مني ".
стр. 8291
قلت: وهذا إسناد فيه علل:
الأولى: علي بن زيد - وهو ابن جدعان - ضعيف، تابعي مدني.
الثانية: عبد الله بن عمران؛ أظنه الذي في " ثقات ابن حبان " (٧ / ١٩) :
" عبد الله بن عمران بن محمد بن طلحة بن عبيد الله " يروي عن جماعة من
التابعين، روى عنه أهل العراق، وولي القضاء ببغداد بعد أبيه، مات! سنة تسع
وثمانين ومئة ".
ولعل قوله: " وولي القضاء. . " إلخ مقحم من بعض النساخ؛ فإنه لم يذكره
في " التهذيب ".
الثالثة: قيس بن الربيع؛ وهو ضعيف، عراقي كوفي.
الرابعة: يحيى الحماني - وهو ابن عبد الحميد -؛ كان حافظاً؛ ولكنه كان
يسرق الحديث، وكذبه أحمد.
وأما أبو حصين محمد بن الحسن؛ فكذا وقع في " الحلية "! والصواب:
" الحسين "؛ كما في " تاريخ بغداد " (٢ / ٢٢٩) و " أنساب السمعاني "،
وذكرا عن الدارقطني أنه قال:
" كان ثقة ".
قلت: وهذا الحديث من الأحاديث الضعيفة الكثيرة التي حشرها الشيخ
التويجري في كتابه " الصارم المشهور " (ص ٣١ / الطبعة الأولى، ص ٣٤ /
الطبعة الثانية) دون أن يبين عللها، أو على الأقل أن يصرح بضعف سندها؛ نصحاً
وتحذيرات من أن يقول المسلم على رسول الله ﷺ ما لم يقل!
стр. 8292
وبعد كتابة ما تقدم أفادني الأخ علي الحلبي - جزاه الله خيراً - أن الحديث رواه
البحار في " مسنده "، فرجعت إليه، فوجدت فيه متابعاً قوياً للحماني:
فقال البزار: (٢ / ١٥٩ / ٥٢٦) : حدثنا محمد بن الحسين الكوفي قال: نا
مالك بن إسماعيل قال: نا قيس به؛ إلا أنه خالفه في أوله فقال:
عن علي أنه كان عند رسول الله ﷺ فقال: " أي شيء خير للمرأة؟ "
فسكتوا، فلما رجعتُ قلتُ لفاطمة: أي شيء خير للنساء؟ . . . والباقي مثله.
وقال البزار:
" لا نعلم له إسناداً عن علي ﵁ إلا هذا ".
قلت: وقد عرفت أنه ضعيف؛ ولكن بهذه المتابعة برئت ذمة الحماني منه،
وتعلقت بمن فوقه.
ومن الغريب قول الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٩ / ٢٠٢ - ٢٠٣) :
" رواه البزار، وفيه من لم أعرفه "!
وأقره الشيخ الاعظمي في تعليقه على " كشف الأستار " (٣ / ٢٣٦) ! وكم
له من مثل هذا الإقرار الدال على أنه إمعة، وأنه لا تحقيق معه!
وشتان بينه وبين الدكتور محفوظ الرحمن زين الله؛ فإنه تعقبه بما نقله عن
الحافظ ابن حجر أنه قال في " مختصر زوائد البزار " متعقباً على الهيثمي:
" قلت: قيس: هو ابن الربيع، وشيخه مُوَثَّق، وعلي بن زيد ضعيف ".
أقول: فليس في إسناد البزار مَنْ لا يعرف؛ لكن تعقب الحافظ من هذه
стр. 8293
الحيثية لا يكفي؛ لأنه تكلم عمن هو معروف بجرح؛ من قيس فما فوق، فما حال
من دونهم - كما قد يخطر في البال -؟ فالجواب:
أن مالك بن إسماعيل ثقة من رجال الشيخين، لا يخفى حاله على
الهيثمي.
ومحمد بن الحسين الكوفي؛ أظن أنه الذي أشار إليه الهيثمي بقوله المتقدم؛
ولكنه مع ذلك معروف، ترجمه ابن أبي حاتم وقال فيه:
" صدوق "، وكذا ترجمه الخطيب (٢ / ٢٢٥ - ٢٢٦) ، وكناه بأبي جعفر
الخباز المعروف بـ (الحنيني) ، وروى عن الدارقطني أنه قال:
" كان ثقة صدوقاً ".
مات سنة (٢٧٧) .
(تنبيه) : قد صح من الحديث قوله ﷺ :
" إنما فاطمة بَضْعَة مني، يُؤْذِيني ما آذاها ".
أخرجه مسلم، والبخاري بنحوه، وهو مخرج في " الإرواء " (٢٦٧٦) .
وحديث الترجمة؛ مما عزاه الشيخ التويجري (ص ٣١) لأبي نعيم، ساكتاً عنه!
وذكره الحافظ ابن القطان في كتابه القيم " النظر في أحكام النظر " (ق ١٥ /
٢) من رواية البزار، وساق إسناده من قيس بن الربيع، ثم قال:
" ولم يصح. . . ". ثم أعله بابن الربيع وابن جدعان.
стр. 8294
٥٧٤٤ - (إذا كنتَ تُصَلِّي، فَدَعَاكَ أَبَوَاكَ؛ فَأَجِبْ أُمَّكَ ولا تُجِبْ
أباك) .
موضوع.
أخرجه الديلمي في " مسند الفردوس " (١ / ٧٣) من طريق
حمزة بن أبي حمزة عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ :. . .
فذكره.
قلت: وهذا موضوع؛ آفته حمزة بن أبي حمزة - وهو النصيبي -؛ قال الذهبي
في " المغني ":
" منهم واه ". وقال الحافظ في " التقريب ":
" متروك، متهم بالوضع ".
قلت: وتقدمت له بعض الأحاديث الموضوعة مع بعض أقوال الأئمة فيه،
فانظر الأحاديث: (٦١، ٨٠٠، ١٧٣٨) .
وقال ابن عدي في مطلع ترجمته من " الكامل " (٢ / ٣٧٦) :
" يضع الحديث ". وختمها بقوله:
" وكل ما يرويه أو عامته مناكير موضوعة، والبلاء منه؛ ليس ممن يروى عنه،
ولا ممن يروي هو عنهم ".
стр. 8295
٥٧٤٥ - (إن هذا الحيَّ مِنَ الأنصارِ يُحِبِّون الغِنَاءَ) .
منكر.
أخرجه ابن حبان (٢٠١٦ - موارد) والسياق له، وأحمد (٦ / ٢٦٩)
من طريق ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن الحارث التيمي عن إسحاق بن
стр. 8296
سهل بن أبي حثمة عن أبيه عن عائشة قالت:
كان في حجري جارية من الأنصار فزوجتها، قالت: فدخل علي رسول الله
ﷺ يوم عرسها، فلم يسمع غناء ولا لعباً، فقال:
" يا عائشة! هل غَنَّيْتُمْ عليها؟ أَوَلا تغنون عليها؟ ثم قال:. . . فذكره ".
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات معرفون؛ غير إسحاق بن سهل بن
أبي حثمة، فهو مجهول لا يعرف إلا برواية التيمي هذه عنه. كذلك أخرجه
البخاري في " التاريخ " (١ / ١ / ٣٩٠) من ثلاثة طرق عن ابن إسحاق به؛ إلا
أنه لم يسق لفظه. وكذلك أورده ابن حبان في " الثقات " (٤ / ٢٢) من رواية
القيمي عنه. ووقع في " الجرح والتعديل " (١ / ١ / ٢٢٣) :
" روى عن أبيه عن عائشة، روى عنه محمد بن إسحاق ".
فجعل محمد بن إسحاق مكان التيمي! وهو وهم محض؛ فإن ابن إسحاق
بينه وبين إسحاق بن سهل التيمي محمد بن الحارث؛ كما ترى في الإسناد وعند
البخاري وابن حبان.
واعلم أن أحمد لم يذكر لفظة: " الغناء "؛ لا في كلام عائشة، ولا في
الحديث المرفوع. أما الأول؛ فوقع فيه:
" فلم يسمع لعباً " فقط. وأما الآخر؛ فقال:
" يحبون كذا وكذا ". كأنه يكني عن الغناء واللعب.
ويغلب على ظني أن هذا وما قبله من تصرف الإمام أحمد؛ إشارة منه إلى
стр. 8297
نكارة المتن، وهو حري بذلك، والله أعلم.
ورويت القصة من طريق أخرى عن ابن عباس أو جابر؛ اضطرب فيه الراوي،
بلفظ آخر نحوه، وقد سبق تخريجه برقم (٢٩٨١) .
(تنبيه) : حديث الترجمة لم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة، فهو
على شرط الهيثمي في " مجمع الزوائد "، ومع ذلك فإنه لم يورده!
ونحوه راويه إسحاق بن سهل بن أبي حثمة. فإنه على شرط الحافظ في
" التعجيل "! ولم يورده أيضاً. وله من نحوه أمثلة!
والقصة في " صحيح البخاري " وغيره عن عائشة من طريق أخرى عنها
نحوه؛ ليس فيه ذكر الغناء، وهو مخرج في ما آداب الزفاف " (ص ١٨٠ - الطبعة
الجديدة) .
٥٧٤٦ - (إذا وَسًعَ اللهُ عليكُم؛ فَأَوْسِعُوا على أَنْفُسِكُم، جَمَعَ رَجُلٌ
عليه ثيابَهُ، صلَّى رَجُلٌ في إزارٍ ورِدَاء، في إزارٍ وقميص، في إزارٍ وقَبَاء،
في سراويلَ وقميصَ، في سراويلَ وردَاء، في سراويلَ وقَبَاءً، في تُبَّانٍ
وقميصٍ، في تُبّان وقَبًاء. - قال: وأحسبه - في تُبَّان ورداءٍ) .
موقوف على عمر، رفعه بعضهم خطأً. قال ابن حبان في " صحيحه "
(٣ / ١٠٧ / ١٧١١ - الإحسان) : أخبرنا أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة: حدثنا
إسماعيل ابن علية: حدثنا أيوب عن محمد عن أبي هريرة قال:
سأل رجل رسول الله ﷺ : أيصلي أحدنا في الثوب الواحد؟ قال: وإذا وسع
الله. . . إلخ ".
стр. 8298
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ غير أبي يعلى، وهو حافظ
ثقة معروف؛ لكن وقع في روايته هذه سقط عجيب أضاع جواب النبي ﷺ
للرجل، وأحل محله جواب عمر لسائل آخر لم يذكر في الرواية، وهو حديث
الترجمة، ولبيان هذا خرجته هنا؛ حتى لا ينسب إلى النبي ﷺ ما لم يَقُلْ.
وبيان ذلك من وجوه:
الأول: أن المحفوظ عن أبي هريرة من طرق عنه: أن جواب النبي ﷺ للرجل
إنما هو:
" أَوَكُلُّكم يَجِدُ ثَوْبَيْن؟ ! ".
وقد خرجته في " صحيح أبي داود " (٦٣٦) من ثلاثة طرق عنه؛ منها طريق
محمد هذه - وهو ابن سيرين -، وكذلك رواه الشيخان عنه كما يأتي. وصح أيضاً
مثله من حديث طلق بن علي: عند ابن حبان (٢٢٩٤) وغيره، وهو مخرج في
" صحيح أبي داود " أيضاً (٦٤٠) .
الثاني: أن بعض الرواة في " الصحيحين " قد رووا الحديث بتمامه، بحيث
أبانوا الخطأ والسقط المشار إليه.
فأخرجه مسلم (٢ / ٦١) من طريق شيخه زهير بن حرب - وهو أبو خيثمة -
شيخ أبي يعلى في الحديث، قال زهير: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم - وهو ابن
علية - بإسناد ابن حبان وسؤال الرجل؛ إلا أنه زاد:
" فقال: أوكلكم يجد ثوبين؟ ! ".
وهكذا أخرجه أحمد بهذا التمام؛ فقال (٢ / ٢٣٠) : ثنا إسماعيل به.
стр. 8299
الثالث: أنه قد تابع ابنَ علية حمادُ بنُ زيد عن أيوب به؛ لكنه زاد على
الزيادة المذكورة:
" ثم سأل رجلٌ عمرَ فقال: إذا وسع الله. . . " إلخ.
أخرجه البخاري (١ / ٤٧٥ / ٤٦٥) ، والبيهقي (٢ / ٢٣٦) .
وقد توبع حماد عن أيوب، وهذا عن محمد بن سيرين:
فقال ابن حبان (٤ / ٢٧ / ٢٢٩٥) : أخبرنا أبو خليفة قال: حدثنا داود بن
شبيب قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا عاصم الأحول وأيوب وحبيب بن
الشهيد وهشام عن ابن سيرين به مثله.
وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال " الصحيح ".
وقد توبع حماد من يزيد بن زريع: ثنا هشام القُرْدوسِي به.
أخرجه الدارقطني (١ / ٢٨٢ / ١) .
وإسناده صحيح على شرط البخاري.
فهذه الزيادة الثانية قد أكدت أن الزيادة ثابتة عن ابن سيرين عن أبي هريرة
عن النبي ﷺ ، كما بينت أن الزيادة الثانية هي من قول عمر ﵁
أدرجت في حديث الترجمة فصارت مرفوعة إلى النبي ﷺ بسبب سقوط الزيادة
الأولى! وهو من أغرب الأخطاء التي وقعت في " صحيح ابن حبان "، ولذلك؛
بادرت إلى الكشف عنه أداء للأمانة العلمية أولاً، ولأحيل إلى هذا الموضع ثانياً
في تحقيقي لكتاب " موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان " الذي أنا على وشك
стр. 8300
الانتهاء منه بفضل الله وكرمه (١) .
٥٧٤٧ - (كانَ إذا أكلَ معَ قومٍ؛ كان اَخرَهُم أَكلاً) .
ضعيف.
أخرجه ابن معين في " التاريخ والعلل " (ق ٦٤ / ٢) - ومن
طريقه البيهقي في " شعب الإيمان " (٥ / ١٢٢ / ٣٠٧٦) ، والخطيب في " تاريخ
بغداد " (١٠ / ٢٣٩ - ٢٤٠) ؛ كلاهما عن عباس بن محمد الدوري: حدثني
يحيى بن معين -: ثنا عبد الرحمن بياع الهَرَوي عن جعفر بن محمد عن أبيه
قال:. . . فذكره. وقال - يعني: الدوري - " قلت: ليحيى: من بياع الهروي؟
فقال: كان ببغداد ".
قلت: في جواب يحيى هذا إشارة قوية إلى أنه لا يعرف شيئاً عن الهروي إلا
أنه كان ببغداد، فلا غَرْوَ أن خلت كتب التراجم التي تحت يدي من ترجمته، فهو
إذن مجهول لا يعرف.
ثم إن الحديث مرسل؛ لأن جعفر بن محمد هو ابن علي بن الحسين بن علي
ابن أبي طالب. وأبوه محمد بن علي بن الحسين مات سنة بضع عشرة بعد المئة.