البخاري:
((يتكلمون في حفظه، وهو محتمل)) وقال بلديه أبو مسهر.
((لم يكن في بلدنا (دمشق) أحد أحفظ منه، وهو منكر الحديث)) .
قلت: وبخاصة فيما تفرد به عن قتادة؛ قال ابن نمير:
((يروي عن قتادة المنكرات)) .
ولهذا؛ قال الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (٢ / ٢١) بعد أن عزاه للثعلبي: ((وهذا حديث غريب، وفي سنده ضعف)) .
قلت: ومما يؤكد ضعفه ونكارته: أنه قد خالف معمر فقال: عن قتادة قال:
بلغني أنها امرأة يقال لها: بلقيس؛ أحد أبويها من الجن، مؤخر أحد قدميها كحافرة الدابة.
أخرجه ابن جرير (١٩ / ٩٥) ، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٦ / ١٣٤ / ٢) .
قلت: وإسناده صحيح موقوفاً على قتادة. فيقال فيه ما قلته في أثر مجاهد الذي قبله وزيادة، وهي: أن الغالب على هذا وأمثاله مما يتعلق ببلقيس أنه من الإسرائيليات، وقد أشار إلى ذلك أبو حيان في تفسيره ((البحر المحيط)) (٧ / ٦٧) بعد أن ذكر معنى هذا الأثر:
((وقد طولوا في قصصها بما لم يثبت في القرآن ولا في الحديث الشريف)) .
стр. 8367
وقال الماوردي:
((والقول بأن أم بلقيس جنية مستنكر من العقول؛ لتباين الجنسين واختلاف الطبعين، وتفارق الحسين؛ لأن الآدمي جسماني والجن روحاني، وخلق الله الآدمي من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار، ويمتنع الامتزاج مع هذا التباين، ويستحيل التناسل مع هذا الاختلاف)) .
حكاه القرطبي عنه (١٣ / ٢١٣) ، ثم رده بما لا يسمن ولا يغني من جوع فقال:
((العقل لا يحيله مع ما جاء من الخبر في ذلك)) .
فأقول: نعم العقل لا يحيله، ولكنه أيضاَ لا يدركه؛ بل إنه يستبعده كما تقدم، فالإيمان به يتطلب نصاً صحيحاً صريحاً، والخبر الذي أشار إليه لا يصح، وهو حديث أبي هريرة هذا.
ثم أشار إلى أثر مجاهد المخرج قبله، وقد عرفت نكارته، وإلى النص القرآني: ﴿وشاركهم في الأموال والأولاد﴾ ، وسبق جواب العلامة الألوسي عنه تحت الأثر المذكور.
ثم رأيت الآلوسي قد صرح بإنكار حديث الترجمة؛ فقال بعد أن ذكره وقول أبي حيان المتقدم:
((والذي ينبغي أن يعول عليه عدم صحة الخبر)) . ثم ذكر قول أبي حيان
المتقدم، وزا د:
((. . . وأن ما ذكر من الحكايات أشبه شيء بالخرافات؛ فإن الظاهر على تقدير
стр. 8368
وقوع التناكح بين الإنس والجن الذي قيل؛ يصفع السائل عنه؛ لحماقته وجهله أن لا يكون توالد بينهما)) .
وأقول: عبارته من قوله: ((يصفع. . .)) إلخ؛ غير سليمة؛ فإن السائل لم يذكر في السياق! فلينظر.
٥٧٧٩ - (إني أعلم آيةً لم تنزل على نبي قبلي بعد سليمان بن داود. فقلت: يا رسول الله! أي آية؟ قال: سأعلمكها قبل أن أخرج من المسجد. فانتهينا إلى الباب، فأخرج إحدى قدميه، فقلت: أنسي؟ ثم التفت إلي، فقال: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ) .
ضعيف جداً. أخرجه ابن أبي حاتم في ((التفسير)) (٦ / ١٨٨ / ١) ، وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (٢ / ١٨٦) من طريق أبي يوسف عن سلمة بن صالح عن عبد الكريم أبي أمية عن ابن بريدة عن أبيه قال:
كنت مع رسول الله ﷺ وهو يمشي في المسجد، فقال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً مسلسل بالضعفاء:
أولاً: عبد الكريم أبو أمية - وهو ابن أبي المخارق المعلم البصري -؛ قال الذهبي في ((المغني)) :
((ضعيف، تركه بعضهم)) .
ثانياً: سلمة بن صالح - وهو الواسطي الأحمر -؛ قال الذهبي أيضاً:
((متروك الحديث))
стр. 8369
ثالثاً: أبو يوسف - وهو يعقوب بن إبراهيم القاضي، وصاحب أبي حنيفة -؛
قال الذهبي:
((قال الفلاس: صدوق كثير الغلط. وقال (خ) : تركوه. وقال المزني: أبو يوسف أتبع القوم للحديث. وقال عمرو الناقد: كان صاحب سنة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه)) .
قلت: فالعلة ممن فوقه. والله أعلم. وقد قال الحافظ ابن كثير عقب رواية ابن أبي حاتم:
((هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف)) .
٥٧٨٠ - (تجيء - وفي لفظٍ: تعرض - الأعمال يوم القيامة، فتجيء الصلاة فتقول: يارب! أنا الصلاة. فيقول: إنك على خيرٍ. فتجيء الصدقة فتقول: يارب! أنا الصدقة. فيقول: إنك على خيرٍ. ثم يجيء الصيام فيقول: أي رب! أنا الصيام. فيقول: إنك على خير. ثم تجيء الأعمال على ذلك، فيقول الله : إنك على خير. ثم يجيء الإسلام فيقول: يارب! أنت السلام، وأنا الإسلام. فيقول الله : إنك على خير، بك اليوم آخذ، وبك أعطي. قال الله في كتابه ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ ) .
ضعيف. أخرجه أحمد (٢ / ٣٦٢) ، وأبو يعلى (١١ / ٠٤ ١ / ٦٢٣١) ، والطبراني في ((الأوسط)) (٢ / ١٨٠ / ١ - ٢) من طرق عن عباد بن راشد: ثنا
стр. 8370
الحسن: ثنا أبو هريرة - إذ ذاك ونحن بالمدينة قال: قال رسول الله ﷺ . . . فذكره. وقال الطبراني:
((لم يروه عن عباد بن راشد إلا حجاج بن نصر)) .
قلت: وهو ضعيف؛ لكن ليس كما قال الطبراني؛ فإنه متابع من ثقتين عند أحمد وأبي يعلى كما أشرت إلى ذلك بقولي: ((من طرق)) . وإنما علة الحديث الانقطاع بين الحسن وأبي هريرة، فقد قال عبد الله بن أحمد عقب الحديث:
((عباد بن راشد ثقة؛ لكن الحسن لم يسمع من أبي هريرة)) .
قلت: وهذا هو المقرر عند العلماء: أنه لم يسمع من أبي هريرة؛ لكن قد صح عن الحسن أنه قال: لم أسمع من أبي هريرة غير حديث واحد، وهو حديث: ((المختلعات. . .)) . وقد خرجته في ((الصحيحة)) برقم (٦٣٢) ، وذكرت هناك تصحيح الحافظ لإسناده؛ فراجعه. وعليه، يبدو أن توثيق عبد الله بن أحمد لعباد هذا يتنافى مع جزمه بأن الحسن لم يسمع من أبي هريرة. ولذلك؛ فإني أقول: لو كان عباد ثقة دون ضعف فيه؛ لكان ينبغي أن يلحق هذا الحديث بحديث: ((المختلعات)) ؛ ولكن ليس الأمر كذلك؛ فإن فيه اختلافاً كثيراً كما ترى أقوالهم في ((التهذيب)) ، ولذلك؛ قال الذهبي في ((الكاشف)) :
((تركه القطان، وضعفه أبو داود، وقواه أحمد)) .
ولذلك؛ لم يسع الحافظ إلا أن يذكر الخلاف فيه بأبسط من هذا في كتابه ((مقدمة الفتح)) ، وأفاد أن البخاري روى له حديثاً واحداً متابعة، وقال في ((التقريب)) مستخلصاً من تلك الأقوال:
стр. 8371
((صدوق له أوهام)) .
قلت: فيخشى أن يكون وهم في تصريح الحسن بالتحديث عن أبي هريرة، وقد ذكر له ابن حبان في ((الضعفاء)) (٢ / ١٦٣) حديثاً آخر عن الحسن قال: حدثنا سبعة من أصحاب النبي ﷺ منهم عبد الله بن عمر. . . فذكره، فقال عقبه:
((والحسن ﵀ لم يشافه ابن عمر ولا أبا هريرة، ولا. . .)) إلخ، وقال فيه:
((كان ممن يأتي بالمناكير عن أقوام مشاهير، حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها، فبطل الاحتجاج به)) .
قلت: ولعل مما يدل وعلى وهمه أنه في رواية الإمام أحمد - وهي المذكورة أعلاه - أدرج الآية في الحديث كما هو ظاهر؛ بينما هو في رواية أبي يعلى واللفظ الآخر له - وسنده إليه صحيح - فصلها عن الحديث؛ فقال:
((ثم قال الحسن: ﴿إن الدين عند الله الإسلام. . .﴾ إلخ.
والحديث؛ قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١٠ / ٣٤٥) :
((رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في ((الأوسط)) ، وفيه عباد بن راشد؛ وثقه أبو حاتم وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجال أحمد رجال (الصحيح)) ) .
قلت: ويؤخذ عليه أنه لم يذكر قول عبد الله بن أحمد الذي عقب به على الحديث مبيناً الانقطاع بين الحسن وأبي هريرة.
стр. 8372
٥٧٨١ - (إنما نهى النبي ﷺ عن الجلوس على القبور لبولٍ أو غائطٍ) .
منكر. أخرجه الطحاوي في ((شرح المعاني)) (١ / ٢٩٦ - ٢٩٧) من طريق الخصيب قال: ثنا عمر بن علي قال: ثنا عثمان بن حكيم عن أبي أمامة أن زيد ابن ثابت قال:
هلم - يا ابن أخي! - أخبرك، إنما نهى. . . الحديث.
قلت: وهذا إسناد معلول ومتن منكر، وقد كنت تكلمت عليهما بكلام جيد إن شاء الله تعالى في المجلد الثاني تحت الحديث رقم (٩٦٦) ، وتعلقت هناك في إعلال إسناده بعمر بن علي هذا، مبيناً أنه المقدمي، وأنه كان يدلس تدليساً غريباً من نوعه، يسميه بعضهم تدليس السكوت، وشرحته هناك بما لا داعي لإعادته هنا، وجعلته السبب في عدم تصحيح الحافظ لهذا الإسناد، واقتصاره على قوله فيه: ((رجاله ثقات)) .
والآن أريد أن أزيد على ما تقدم أمرين اثنين: أحدهما يتعلق بهذا الحديث، والآخر يتعلق بالحديث المشار إليه بالرقم المذكور، فأقول:
أما الأول: فيمكن إعلال إسناده بالراوي عن المقدمي أيضاً، وهو الخصيب، وهو ابن ناصح الحارثي البصري؛ فإنه ليس مشهوراً بالحفظ والضبط، بل قد تكلم فيه، فذكره ابن حبان في ((ثقاته)) (٨ / ٢٣٢) قائلاً:
((ربما أخطأ)) . وأشار إلى هذا أبو زرعة بقوله:
((ما به بأس إن شاء الله تعالى)) . ولذلك؛ قال الحافظ في ((التقريب)) :
стр. 8373
((صدوق يخطئ)) .
ومن المعروف عند أهل العلم بهذا الفن. أن خطأ الراوي الثقة فضلاً عمن دونه؛ كذا الصدوق الذي يخطئ - يظهر بمخالفته لمن هو أوثق منه، فكيف به إذا خالف الثقات في أحاديثهم؟ فإن الكثير منهم قد رووا عنه ﷺ النهي عن الجلوس والقعود والوطأ على القبور، وقد كنت خرجت ثلاثة منها في ((أحكام الجنائز)) (٢٠٩ - ٢١٠) ورابعاً في آخر الكلام على هذا الحديث في المجلد المشار إليه آنفاً، ثم خرجته تخريجاً علمياً دقيقاً في المجلد السادس برقم (٢٩٦٠) ، وهو من رواية عمرو بن حزم قال:
رآني رسول الله ﷺ على قبر فقال:
((انزل عن القبر، لا تؤذ صاحب القبر)) .
وإسناده صحيح؛ كما حققته هناك تحقيقاً لا تراه في كتاب. وهو نص قاطع يبطل تأويل تلك الأحاديث الصحيحة بأن المراد بها إنما هو الجلوس للغائط أو البول، بهذا الحديث المنكر، وصنوه الآخر، وعدت بزيادة الكلام عليه، فأقول:
أما الآخر: فقد وقفت على طريق أخرى، فرأيت أنه لا بد من بيان حاله، فأقول: روى الروياني فى ((مسنده)) (ق / ٢١٩ / ٢) فقال: نا أحمد بن عبد الرحمن: نا عمي: نا محمد بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة: أن رسول ﷺ قال:
((من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط؛ فكأنما جلس على جمرة من نار)) . قلت: وهذا إسناد واهٍ. قال ابن حبان في ترجمة عبيد الله بن زحر (٢ / ٦٢ - ٦٣) :
стр. 8374
((منكر الحديث جداً، يروي الموضوعات عن الأثبات، وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر، وعلي بن يزيد، والقاسم أبو عبد الرحمن؛ لا يكون ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم)) .
وتعقبه الحافظ في ((التهذيب)) بقوله:
((وليس في الثلاثة من اتهم إلا علي بن يزيد، وأما الآخران؛ فهما في الأصل صدوقان، وإن كانا يخطئان)) .
ومحمد بن أيوب، فيهم كثرة؛ فلم أعرفه. وتبادر إلى ذهني احتمال أنه محمد ابن أيوب بن سويد الرملي المتهم: وقد تقدمت له أحاديث (١٧٢، ٥٧٦٢ - ٥٧٦٣) ، ولكني لم أجد ما يؤكد ذلك؛ بل وجدت في ترجمة عبيد الله بن زحر أنه روى عنه يحيى بن أيوب المصري، فألقي في نفسي أنه لعله تحرف اسم: (يحيى) على الناسخ إلى: (محمد) ، لتقارب الشبه بينهما، وقد عهدنا مثل هذا التحريف في بعض المخطوطات. والله أعلم بحقيقة الحال.
٥٧٨٢ - (خلق الله آدم من أديم الأرض كلها، فخرجت ذريته على حسب ذلك؛ منهم الأبيض، والأسود، والأسمر، والأحمر، ومنهم بين ذلك، ومنهم السهل، والخبيث، والطيب) .
منكر باختصار (القبضة) . أخرجه الحاكم (٢ / ٢٦١) ، ومن طريقه البيهقي في ((السنن)) (٩ / ٣) عن إسحاق بن إبراهيم: أنبأ عبد الرزاق: أنبأ معمر: أخبرنا عوف العبدي عن قسامة بن زهير عن أبي موسى الأشعر ﵁ مرفوعاً. وقال الحاكم:
стр. 8375
((صحيح الإسناد)) ! ووافقه الذهبي!
وأقول: في تصحيحه من هذا الوجه نظر:
الأول: أن إسحاق بن إبراهيم - وهو الدبري - في سماعه من عبد الرزاق كلام؛ قال الذهبي في ((المغني)) :
((صدوق. قال ابن عدي: ((استصغر في عبد الرزاق)) . قلت: سمع من عبد الرزاق كتبه وهو ابن سبع سنين أو نحوها، وروى عنه أحاديث منكرة، فوقع التردد فيها هل هي من قبل الدبري وانفرد بها، أو هي محفوظة مما انفرد به عبد الرزاق؟ وقد احتج بالدبري جماعة من الحفاظ؛ كأبي عوانة وغيره)) .
وذكر الحافظ في ((اللسان)) عن ابن الصلاح أنه قال:
((وقد وجدت فيما روى الدبري عن عبد الرزاق أحاديث أستنكرها جداً، فأحلت أمرها على الدبري، لأن سماعه منه متأخر جداً)) (١) .
وعليه؛ فإني أقول:
إن هذا الحديث بالاختصار المشار إليه هو من تلك المنكرات، وذلك؛ لمخالفته لروايات الثقات لهذا الحديث عن عوف العبدي بسنده المذكور مرفوعاً بلفظ:
((إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض. . .)) الحديث والباقي مثله. وهو مخرج في ((الصحيحة)) (١٦٣٠) ، فأسقط الدبري منه جملة القبضة، فدل ذلك على سوء حفظه وقلة ضبطه، فلا يحتج به عند تبين خطئه ومخالفته.
стр. 8376
وقد استغل هذا السقط ذاك الجاحد لصفات الله، والمستلزم جحده لوجوده ؛ فقد رأيته أخرج هذا الحديث الصحيح الذي فيه (القبضة) في تعليقه على ((دفع الشبه)) (ص ١٦٣) ، ومع أنه ذكر تصحيح الترمذي والحاكم والذهبي إياه، فقد ضرب بذلك عرض الحائط، جاحداً تلك الجملة الصحيحة بقوله:
((والظاهر أنها من تصرف الرواة؛ رووه بالمعنى بدليل رواية الحاكم. . .)) .
ثم ساق حديث الترجمة؛ لأنه ليس فيه الجملة!
لقد أكد الجاحد باستدلاله بهذا الحديث المنكر على أنه لا يزال سادراً في جحده وضلاله وغيه، تارة بتأويله لآيات الصفات وأحاديثها الصحيحة وتعطيل معانيها، وتارة بادعاء أن حديث الآحاد لا تثبت به العقيدة، وتارة باختلاق علة للحديث الصحيح لا وجود لها إلا في مخه، وتارة بتقوية الحديث المنكر؛ ليضرب به الحديث الصحيح كما فعل هنا، فإنه لما لم يستطع أن يوجد له علة قادحة يتشبث بها لرده؛ اختلق زعمه بأنه من تصرف الرواة، وكذب والله! ثم استدل على ذلك بالحديث المنكر موهماً القراء صحته! ولو أنه كان صحيح السند لم يجز الاستدلال المذكور لما هو مقرر في علوم الحديث: أن زيادة الثقة مقبولة. ولكن هذا الجاحد لا يقيم لهذا العلم ولا لغيره وزناً إذا تعارض مع جحده وهواه! !
وإن مما يؤكد هذا: أنه قوى إسناد أثر ابن مسعود عند ابن سعد (١٠ / ٢٦) بلفظ:
((إن الله بعث إبليس، فأخذ من أديم الأرض، فخلق منه آدم)) .
فقال عقبه:
стр. 8377
((سنده حسن)) !
كذا قال! وفيه شيخ ابن سعد: حسين بن حسن الأشقر؛ قال الذهبي في
((الكاشف)) :
((واهٍ. قال (خ) : فيه نظر)) . وقال الحافظ في ((التقريب)) :
((صدوق يهم)) .
وفوقه جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير؛ قال الحافظ أيضاً:
((صدوق يهم)) .
قلت: لكن قال في ((التهذيب)) :
((قال ابن منده: ليس بالقوي في سعيد بن جبير)) .
وهذا - كما ترى - من روايته عن سعيد.
ثم إنه لم يكتف بتقوية هذا الأثر، وإنما فعل ذلك ليضم إلى جنايته السابقة في ضربه الحديث الصحيح بالحديث الضعيف جناية أخرى، وهي ضرب الحديث الصحيح المرفوع بالأثر الحسن عنده! فقال (ص ١٦٤) :
((والظاهر أن الضارب هو إبليس الذي بعثه الله فأخذ من أديم الأرض كما مر في الأثر قبل هذا بسند حسن)) !
فتأمل أيها القارئ الكريم! كيف يستظهر ما في الأثر غير المرفوع - على ما فيه من ضعف - ويضرب به الحديث الصحيح! عامله الله بما يستحق.
وانظر بهذه المناسبة أحاديث القبضتين في ((الصحيحة)) (٤٦ - ٥٥) .
стр. 8378
٥٧٨٣ - (لا تجعلوني كقدح الراكب، يملأ قدحه، فإذا فرغ، وعلق معاليقة، فإن كان له في الشراب حاجة، أو الوضوء، وإلا؛ أهراق القدح. أحسبه قال: فاذكروني في أول الدعاء، وفي وسطه، وفي آخر الدعاء) .
منكر. أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢ / ٢١٥ / ٣١١٧) ، وعبد بن حميد في ((المنتخب من المسند)) (٣ / ٦٥ / ١١٣٠) ، وابن أبي عاصم في ((الصلاة على النبي)) (٥٥ / ٧١) ، والبزار (٤ / ٤٥ / ٣١٥٦) ، والعقيلي في ((الضعفاء)) (١ / ٦١ / ٥٧) ، والبيهقي في ((الشعب)) (٢ / ٢١٦) ، وأبو القاسم الأصبهاني في ((الترغيب)) (٢ / ٦٩٢ / ١٦٦٨) ، وأبو حفص المؤدب في ((المنتقى من حديث محمد بن إسماعيل الفارسي)) (ق ٢٢٩ / ٢) ، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٢ / ٨٩ / ٩٤٤) من طرق عن موسى بن عبيدة عن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم عن أبيه عن جابر بن عبد الله مرفوعاً. قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ علته أحد الرجلين:
١ - إما إبراهيم بن محمد هذا - وهو التيمي -؛ قال ابن أبي حاتم (١ / ١ / ١٢٥) عن أبيه:
((منكر الحديث، لم يثبت حديثه)) .
قلت: يعني والله أعلم؛ فقد قال البخاري في ترجمة إبراهيم هذا من ((التاريخ الكبير)) (١ / ١ / ٣٢٠) و ((الصغير)) (٢٥١) :
((لم يثبت حديثه، روى عنه موسى بيت عبيدة؛ ضعف لذلك)) .
стр. 8379
قلت: وهذا رواه العقيلي عنه، ثم ساق له هذا الحديث.
وظاهر كلام ابن حبان أنه مجهول لا يعرف إلا بهذه الرواية؛ فقال في ((الضعفاء)) (١ / ١٠٨) :
((منكر الحديث، ولا أعلم له راوياً إلا موسى بن عبيدة الربذي، وموسى؛ ليس بشيء في الحديث، ولا أدري البلية في أحاديثه والتخليط في روايته منه أو من موسى؟ ومن أيهما كان؛ فهو وما لم يرو سيان)) .
٢ - وإما من موسى بن عبيدة؛ كما تقدم آنفاً عن ابن حبان، وهو ضعيف مع صلاحه وعبادته، وبه أعله السخاوي في ((القول البديع)) ؛ فقال (ص ١٦٥) :
((وهو ضعيف، والحديث غريب)) . وقال في مكان آخر (ص ٧٩ - ٨٠) في موسى هذا:
((ضعيف جداً)) .
وهو ظاهر كلام ابن حبان المتقدم فيه، وكذا كلام غيره، فراجع ((التهذيب)) .
ثم قال السخاوي:
((وقد رواه سفيان بن عيينة في ((جامعه)) من طريق يعقوب بن زيد بن طلحة يبلغ به النبي ﷺ قال:
((لا تجعلوني كقدح الراكب، اجعلوني في أول دعائكم، وأوسطه وآخره)) .
وسنده مرسل أو معضل، فإن كان يعقوب أخذه من غير موسى؛ تقوت به
رواية موسى)) !
стр. 8380
كذا قال! ولا فائدة من هذه التقوية، لأن يعقوب لو فرض أنه أخذه من غير موسى، فسيبقى فوقه إبراهيم بن محمد التيمي، وهو منكر الحديث كما تقدم، فلعله أراد أن يقول: ((غير إبراهيم)) فسبقه القلم فقال: ((غير موسى)) !
على أنه لو سلمنا بأنه أراد هذا؛ فلا يتقوى الحديث بذلك، لأن يعقوب تابعي صغير، عامة رواياته عن التابعين، ليس له رواية عن الصحابة، وإنما روى عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، ولم يسمع من النبي ﷺ ، ولد قبل وفاته ﷺ بعامين، ولذلك؛ قال المزي:
((روى عن النبي ﷺ مرسلاً)) .
فأقول: فأحسن أحوال رواية يعقوب هذه الإرسال، فلا يتقوى بها حديث إبراهيم؛ لاحتمال أن يعود إلى الرواية عنه للسبب المذكور في بيان سبب عدم صلاحية الاحتجاج بمرسل التابعي في ((المصطلح)) ، على أن الأرجح أن روايته معضلة، فيقوى الاحتمال حينئذ. والله أعلم.
والحديث؛ أورده ابن القيم في ((جلاء الأفهام)) (ص ٤١ - ٤٢ / دار الكتب العلمية) من رواية ابن أبي عاصم والطبراني فقط، ساقه بإسناديهما اللذين يلتقيان عند موسى بن عبيدة. وسكت عليه، وإسناد الطبراني من طريق عبد الرزاق. وإلى هذا عزاه في مكان آخر (٢١١) ، وسكت عنه أيضاً، ولعل ذلك لشهرة موسى بالضعف. ولعله لهذا السبب أيضاً سكت الحافظ عن الحديث في ((المطالب العالية)) (٣ / ٢٢٢) ! لكن هذا أبعد عن أن يعذر؛ لأنه لم يسق إسناده الذي يمكن الواقف عليه من العلماء من معرفة علته كما لا يخفى. ونقل الشيخ الأعظمي في تعليقه عليه عن البوصيري أنه قال:
стр. 8381
((ومدار سنده على موسى بن عبيدة، وهو ضعيف (٢ / ٧٥)) .
وفاته العلة الأخرى! وكذلك فاتت الهيثمي في ((المجمع)) (١٠ / ١٥٥) وعزاه للبزار فقط!
ثم رأيت ابن طاهر المقدسي قد أورد الحديث في ((تذكرة الموضوعات)) (ص ١٠٥) ، وأعله بموسى هذا؛ قال:
((تكلم فيه أحمد ويحيى)) .
٥٧٨٤ - (الجنة حرام على كل فاحش أن يدخلها) .
ضعيف. أخرجه ابن أبي الدنيا في ((الصمت)) (١٧٩ / ٣٢٢) : حدثني عصمة بن الفضل: حدثني يحيى بن يحيى: حدثنا ابن لهيعة عن عياش بن عباس عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن النبي ﷺ قال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات؛ إلا أن ابن لهيعة ضعيف من قبل حفظه. وقد خالفه الليث بن سعد فقال: عن عياش بن عباس به موقوفاً على ابن عمرو.
أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (١ / ٢٨٨) : حدثنا محمد بن معمر: ثنا موسى بن هارون: ثنا قتيبة بن سعيد: ثنا الليث بن سعد به.
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات؛ غير محمد بن معمر - وهو السامي -؛ وهو مجهول الحال؛ كما يأتي في الحديث التالي، وقد أورده الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣ / ٣٠٤) برواية محمد بن مخلد عنه، وساق له الحديث المشار إليه
стр. 8382
واستنكره كما يأتي، وصرح الذهبي بتجهيله كما سترى. والله أعلم.
والحديث؛ عزاه العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٣ / ١٢١) لابن أبي الدنيا، وأبي نعيم في ((الحلية)) . وسكت عنه؛ لكن نقل المناوي عنه أنه قال:
((سنده لين)) .
واعتمده في ((التيسير)) .
٥٧٨٥ - (من شارك ذميا فتواضع له؛ إذا كان يوم القيامة ضرب فيما بينهما وادٍ من نارٍ، فقيل للمسلم: خض إلى ذلك الجانب حتى تحاسب شريكك) .
باطل. أخرجه الخطيب في ((التاريخ)) (٣ / ٣٠٤) ، وعنه ابن الجوزي في
((الموضوعات)) (٢ / ٢٤٩ - ٢٥٠) من طريق محمد بن مخلد: حدثنا محمد ابن معمر بن محمد بن عبد الله السامي: حدثنا يحيى بن حفص بن أخي هلال الكوفي: حدثنا يعلى بن عبيد: حدثنا مسعر عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً. وقال الخطيب:
((حديث منكر، لم أكتبه إلا بهذا الإسناد)) .
وأقره ابن الجوزي، ثم السيوطي (٢ / ١٥٣) ، ثم ابن عراق في ((تنزيه الشريعة)) (٢ / ١٨٨) . وقال الذهبي في ترجمة يحيى بن حفص هذا:
((لا يعرف، روى عن يعلى بن عبيد خبراً باطلاً، وهو (ثم ذكر هذا) . وقال: آفته يحيى، وإلا؛ فالسامي؛ فإنه مجهول الحال أيضاً)) .
стр. 8383
وأقره الحافظ في ((اللسان)) .
٥٧٨٦ - (كان الذي أصاب سليمان بن داود ﵇ في سبب امرأة من أهله يقال لها جرادة. وكانت أحب نسائه إليه، وكان إذا أراد أن يأتي نساءه أو يدخل الخلاء؛ أعطاهم الخاتم، فجاء أناس من أهل الجرادة يخاصمون قوماً إلى سليمان ﵇، فكان هوى سليمان أن يكون الحق لأهل الجرادة فيقضي لهم، فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحداً، فجاء حين أراد الله أن يبتليه فأعطاها الخاتم، ودخل الخلاء، وتمثل الشيطان في صورة سليمان، قال: هاتي خاتمي. فأعطته خاتمه، فلما لبسه؛ دانت له الشياطين والإنس والجن، وكل شيء. . . الحديث بطوله؛ وفيه: أن الشيطان كان يأتي نساء سليمان وهن حيض) .
منكر موقوف. أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٦ / ٢٨٧ / ١٠٩٩٣) ، وكذا ابن أبي حاتم في ((التفسير)) ؛ كما في ((ابن كثير)) (٤ / ٣٦) ، وابن جرير (١ / ٣٥٧) من طريق أبي معاوية: حدثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:. . . فذكره موقوفاً عليه.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير المنهال بن عمرو؛ فهو من أفراد البخاري، وفية كلام يسير، وقال الحافظ في ((التقريب)) :
((صدوق ربما وهم)) .
ولذا؛ قال الحافظ ابن كثير:
((إسناده إلى ابن عباس قوي؛ لكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس رضي الله
стр. 8384
عنهما - إن صح عنه - من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان ﵊، فالظاهر أنهم يكذبون عليه، ولهذا؛ كان في هذا السياق منكرات: من أشدها ذكر النساء. . . وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف ﵃: كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين، وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب)) .
قلت: ويؤيد ما ذكره من التلقي: ما روى عبد الرزاق وابن المنذر؛ كما في
((الدر)) (٥ / ٣١٠) عن ابن عباس قال:
أربع آيات من كتاب الله لم أدر ما هي؛ حتى سألت عنهن كعب الأحبار. . . وسألته عن قوله تعالى: (وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب) ؛ قال: الشيطان أخذ خاتم سليمان ﵇ الذي فيه ملكه. . . الحديث مختصراً (١) ؛ ليس فيه ذكر النساء. قال العلامة الآلوسي في ((تفسيره)) (١٢ / ١٩٩) :
((ومعلوم أن كعباً يرويه عن كتب اليهود، وهي لا يوثق بها، على أن إشعار ما يأتي بأن تسخير الشياطين [كان] بعد الفتنة يأبى صحته هذه المقالة كما لا يخفى.
ثم إن أمر خاتم سليمان ﵇ في غاية الشهرة بين الخواص والعوام، ويستبعد جداً أن يكون الله تعالى قد ربط ما أعطى نبيه من الملك بذلك الخاتم! وعندي أنه لو كان في ذلك الخاتم السر الذي يقولون؛ لذكره الله تعالى في كتابه)) .
قلت: أو نبيه ﷺ في حديثه. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
стр. 8385
وقال أبو حيان في ((تفسيره)) (٧ / ٣٩٧) :
((نقل المفسرون في هذه الفتنة وإلقاء الجسد أقوالاً يجب براءة الأنبياء منها، وهي مما لا يحل نقلها، وهي من أوضاع اليهود والزنادقة)) . قال الآلوسي عقبه:
((وكيف يجوز تمثل الشيطان بصورة نبي حتى يلتبس أمره على الناس، ويعتقدوا أن ذلك المتصور هو النبي! ولو أمكن وجود هذا لم يوثق بإرسال نبي. نسأل الله تعالى سلامة ديننا وعقولنا! ومن أقبح ما فيها: تسلط الشيطان على نساء نبيه حتى وطئهن وهن حيض! الله أكبر! هذا بهتان عظيم، وخطب جسيم. ونسبة الخبر إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا تسلم صحتها، وكذا لا تسلم دعوى قوة سنده إليه، وإن قال بها من سمعت)) .
يشير إلى ما كان نقله عن ابن حجر والسيوطي أنهما قالا:
((سنده قوي)) .
والحافظ ذكر هذا في ((تخريج الكشاف)) (٤ / ١٤٢) . والسيوطي في ((الدر المنثور)) (٥ / ٣١٠) ، وهما تابعان في ذلك الحافظ ابن كثير كما تقدم. ولا أوافق الآلوسي في عدم تسليمه بقوة السند، لأنه الذي يقتضيه علم الحديث والجرح والتعديل، لا سيما وهو موقوف، وليس كل موقوف هو في حكم المرفوع كما هو معلوم، وبخاصة إذا احتمل أنه من الإسرائيليات كهذا، وهو مما نقطع به؛ لما فيه من المخالفات للشرع كما تقدم، وبخاصة أنه صح سنده عن ابن عباس أنه سأل كعباً كما تقدم.
ولتمام الفائدة أقول:
стр. 8386
قال أبو حيان في تمام كلامه السابق:
((ولم يبين الله الفتنة ما هي، ولا الجسد الذي ألقاه على كرسي سليمان، وأقرب ما قيل فيه: أن المراد بالفتنة كونه لم يستثن في الحديث الذي قال: ((لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، كل واحدة تأتي بفارس مجاهد في سبيل الله. ولم يقل: إن شاء الله. فطاف عليهن، فلم تحمل إلا امرأة واحدة وجاءته بشق رجل. . .)) فالمراد بقوله: ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً﴾ ؛ هو هذا، والجسد الملقى هو المولود: شق رجل)) .
وهو الذي استظهره الآلوسي وغيره؛ كالشيخ الشنقيطي ﵀ في
((أضواء البيان)) (٤ / ٧٧ و ٧ / ٣٤ - ٣٥) ، وقال بعد أن أشار إلى القصة:
((لا يخفى أنه باطل لا أصل له. . . يوضح بطلانه قوله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ ، واعتراف الشيطان بذلك في قوله: ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ )) .
(تنبيه) : لقد ذكر البغوي في ((تفسيره)) (٤ / ٦٤) حديث الترجمة بنحوه بقوله:
((وروي عن سعيد بن المسيب قال: احتجب سليمان عن الناس ثلاثة أيام. . . (الحديث وفيه:) وذكر حديث الخاتم وأخذ الشيطان إياه كما روينا)) .
فعلق عليه المعلقان اللذان غررا بطلاب العلم بتسويد اسميهما على هذه الطبعة الجديدة من ((التفسير)) بطبعهما تحت اسم المؤلف ((إعداد وتحقيق خالد عبد الرحمن العك. مروان سوار)) ! فقالا:
стр. 8387
((وهذا جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده ج ٤ / ١٧٦ - ١٧٧ - وجـ ٥ / ٦٨ - ٢٣٩)) .
وهذا كذب صرف على ((مسند)) الإمام، لا أدري والله هل كان ذلك قصداً منهما تشبعاً بما لم يعطيا، أم هو الغفلة عن التحقيق المدعى والتصحيح؟ ! لقد حاولت أن التمس لهما عذراً، فحاولت أن أجد في صفحة التعليق وفي التي بعدها حديثاً مرفوعاً يمكن ربط التعليق به، والاعتذار عنهما بأنهما أراداه به، ولكنهما لم يتنبها لخطأ الطابع، ولكني لم أجد في الصفحتين ما يمكن ربط التعليق به. والله المستعان.
٥٧٨٧ - (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة؛ كان بمنزلة من قاتل عن أنبياء الله حتى يستشهد) .
موضوع. أخرجه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٤٢ / ١٢٠) من طريق علي بن الحسن بن معروف: حدثنا عبد الحميد بن إبراهيم أبو التقى: حدثنا إسماعيل بن عياش عن داود بن إبراهيم الذهلي: أنه أخبره عن أبي أمامة: صدي بن عجلان الباهلي ﵁ مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد مظلم مسلسل بالعلل:
الأولى: داود بن إبراهيم الذهلي؛ لم أعرفه، ولا أستبعد أن يكون الذي في
((الميزان)) .
((داود بن إبراهيم عن عبادة بن الصامت. لا يعرف، وقال الأزدي: لا يصح حديثه)) .
стр. 8388
الثانية: إسماعيل بن عياش؛ ضعيف في غير الشاميين، ولعل روايته هذه عنهم.
الثالثة: أبو التقى هذا؛ قال الحافظ:
((صدوق؛ إلا أنه ذهبت كتبه وساء حفظه)) .
الرابعة: علي بن الحسن بن معروف؛ لم أجد له ترجمة.
ثم إن المحفوظ من طريق أخرى صحيحة عن أبي أمامة إنما هو بلفظ:
((. . . لم يحل بينه وبين دخول الجنة إلا الموت)) .
رواه النسائي وابن السني وغيرهما بسند صحيح، وهو مخرج في ((الصحيحة)) (٩٧٢) .
(تنبيه) : لقد أطلعني بعض الإخوان على رسالة بعنوان ((آية الكرسي معانيها وفضائلها)) للحافظ السيوطي، تحقيق وتعليق يوسف البدري، مراجعة د. محمد أحمد عاشور. دار الاعتصام. ذكر في المقدمة أنهما نقلاها عن ((الدر المنثور)) للسيوطي، وأنهما لم يتقيدا بترتيبه وتاليفه؛ بل استفادا من باقي التفاسير، كالطبري. . . وغيره، وذ كرا في ((خاتمة)) الكتيب:
((ونلاحظ أننا أمام أحد كبار الحفاظ. . ومع ذلك؛ فقد ورد في كتابه بعض الروايات الضعيفة، فزدنا عليه ما صح (!) وعقبنا أسفل كل صفحة بحال ما أورده من الآثار أو الأخبار (!) . .)) .
وفي هذا الكلام على اختصاره ما يخالف الواقع:
стр. 8389
أولاً: أنهما لم يبينا حال أكثر الآثار والأخبار المذكورة في ((كتيبهما)) ، ولا هما أهل لذلك؛ لجهلهما بهذا العلم، كما يدل على ذلك بعض تعليقهما، وجل ما فعلا إنما هو التخريج، والقليل الذي بينوا حاله إنما هو النقل عن بعض الحفاظ كابن كثير وغيره. وهناك أكثر من ستين رواية اكتفوا بتخريجها نقلاً عن الغير (!) ولم يبينا حالها من الصحة والضعف، وفيها بعض الموضوعات مثل حديث الحسن بن علي، وحديث أنس، وحديث علي، الواردة فيه على نسق واحد (ص ٤٢) ، ثلاثتها موضوعة، وهي مخرجة عندي في ((الضعيفة)) بالأرقام التالية: (٥١٣٥، ٦١٧٤، ٦١٧٥) !
ثانياً: قولهما: ((فزدنا عليه ما صح)) ؛ كذب صراح مع الأسف! لترويج ((الكتيب)) ، وليوهما القراء أنهما أتيا بشيء جديد فاقوا به الحافظ السيوطي! ففيما زادا ما هو موضوع أيضاً؛ كحديث أبي موسى في فضل آية الكرسي أيضاً (ص ٤٤) ، ونقلا فيها عن الحافظ ابن كثير أنه قال: ((منكر جداً)) ! فأين الصحة المدعاة؟ ! وهو مخرج في ((الضعيفة)) أيضاً (٣٩٠١) .
وأسوأ من ذلك أنهما قالا في تخريج حديث الترجمة:
((رواه ابن حبان والدارقطني والطبراني، ورواية ابن حبان على شرط الشيخين. . .)) .
وهذا مما يدل على جهلهما البالغ لهذا العلم، حتى في نقل التخريج! فإن المذكورين إنما أخرجوا الحديث مختصراً بالسند الآخر الصحيح كما تقدم ذكره قبيل هذا التنبيه. مع أن قوله في رواية ابن حبان: ((على شرط الشيخين)) خطأ؛ فإنما هو على شرط البخاري فقط، مع العلم بأنه - أعني: ابن حبان - لم يروه في
стр. 8390
((صحيحه)) ؛ كما كنت نبهت عليه هناك في ((الصحيحة)) (٩٧٢) . والله المستعان.
والحديث؛ عزاه السيوطي في ((الجامع الكبير)) لابن السني والديلمي عن أبي أمامة، وسكت عنه كعادته، وللحكيم عن زيد المروزي معضلاً!
٥٧٨٨ - (من صلى علي حين يصبح عشراً، وحين يمسي عشراً؛ أدركته شفاعتي يوم القيامة) .
ضعيف. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) من طريق إبراهيم بن محمد ابن زياد الألهاني قال: سمعت خالد بن معدان يحدث عن أبي الدرداء قال:. . . فذكره مرفوعاً؛ كما في ((جلاء الأفهام)) لابن قيم الجوزية (ص ٢٥٠ - طبع مكتبة أنصار السنة) ، وسكت عنه؛ لأنه ساقه بإسناده لينظر فيه، ففعلت، فتبين أنه ضعيف؛ خلافاً لقول المنذري في ((الترغيب)) (١ / ٢٣٢) :
((رواه الطبراني بإسنادين، أحدهما جيد)) !
وتبعه على ذلك الهيثمي في ((المجمع)) (١٠ / ١٤٠) ، وزاد:
((ورجاله وثقوا)) ! وقلدهما المعلقون الثلاثة على ((الترغيب)) (١ / ٥١٥) !
قلت: وفيه علتان:
الأ ولى: أشار إليها الهيثمي بقوله المذكور: ((وثقوا)) ! وهي: إبراهيم بن محمد الألهاني؛ فقد أورده البخاري في ((التاريخ)) (١ / ١ / ٣٢٣) ، وابن أبي حاتم (١ / ١ / ١٢٧) برواية اثنين من الثقات، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.
стр. 8391
وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٦ / ١٧) برواية أحدهما. وهناك عنه راو ثالث وهو بقية بن الوليد، روى عنه هذا الحديث مصرحاً بالتحديث، والسند إليه صحيح.
العلة الثانية: الانقطاع بين خالد بن معدان وأبي الدرداء، وبها أعله الحافظ العراقي؛ فقال في ((تخريج الإحياء)) (١ / ٣٣٤) :
((رواه الطبراني، وفيه انقطاع)) .
وأقره الحافظ الناجي في كتابه ((عجالة الإملاء)) (ص ٩٦ - مخطوط) ، ثم الزبيدي في ((شرح الإحياء)) (٥ / ١٣٢) ، ومن قبلهما الحافظ السخاوي في ((القول البديع)) ؛ فقال (ص ٩١) :
((رواه الطبراني بإسنادين، أحدهما جيد؛ لكن فيه انقطاع؛ لأن خالداً لم يسمع من أبي الدرداء، وأخرجه ابن أبي عاصم أيضاً، وفيه ضعف)) .
وأشار إلى الانقطاع في ترجمة (خالد) من ((التهذيب)) ، والعلائي في ((جامع التحصيل)) (٢٠٦) . ثم نقل عن الإمام أحمد أنه قال فيه:
((لم يسمع من أبي الدرداء)) .
(تنبيه) : لم يطبع بعد أحاديث أبي الدرداء من ((المعجم الكبير)) للطبراني. فنقلته بإسناده من كتاب ((الجلاء)) ، وذلك من فوائده، وقدر لي أنني نقلته عند تخريجه من طبعة دار الكتب العلمية (ص ٢٣٤) ، وقد وقع فيها اسم تابعيه (محمد بن معدان) ، فجرى التخريج عليه، ثم لفت نظري أحد الإخوان لي أنه في طبعة أنصار السنة (خالد بن معدان) ، فوجدته مطابقاً لما كنت نقلته في آخر
стр. 8392
التخريج عن ((القول البديع)) ، فاعتمدته، وعدلت التخريج عليه. والله الهادي.
٥٧٨٩ - (خرج يوم فطرٍ أو أضحى، فخطب قائماً، ثم قعد قعدةً، ثم قام) .
منكر. أخرجه ابن ماجه (١٢٨٩) من طريق أبي بحر: ثنا عبيد الله بن عمرو الرقي: ثنا إسماعيل بن مسلم الخولاني: ثنا أبو الزبير عن جابر قال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد واهٍ؛ مسلسل بالعلل:
الأولى: عنعنة أبي الزبير.
الثانية: ضعف إسماعيل بن مسلم الخولاني، والظاهر أنه المكي أبو إسحاق والبصري، وهو ممن اتفقوا على تضعيفه، وبه أعله الحافظ في ((التلخيص)) (٢ / ٨٦) ، وإن كنت لم أر من ذكر أنه خولاني؛ كالسمعاني في ((الأنساب)) ، وأفاد أنهم قبيلة نزل أكثرهم الشام.
الثالثة: أبو بحر - واسمه عبد الرحمن بن عثمان البكراوي -؛ وهو ضعيف؛ كما في ((التقريب)) .
وبهذه العلة والتي قبلها أعله البوصيري في ((زوائده)) ، فقال:
((فيه إسماعيل بن مسلم، وقد أجمعوا على ضعفه. وأبو بحر؛ ضعيف)) .
والحديث؛ أورده الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢ / ٢٢١) بإسناد ابن ماجه، وعقب عليه بقوله:
стр. 8393
((قال النووي في ((الخلاصة)) : وروي عن ابن مسعود: أنه قال: ((السنة أن يخطب في العيدين خطبتين؟ فيفصل بينهما بجلوس)) ؛ ضعيف غير متصل، ولم يثبت في تكرير الخطبة شيء، ولكن المعتمد فيه القياس على الجمعة. انتهى كلامه)) .
ومن الغرائب أن الحافظ في ((الدراية)) (١ / ٢٢٢) تعقبه بحديث جابر هذا، فقال:
((وهذا يرد قول النووي: إنه لم يرد في تكرير الخطبة يوم العيد شيء، وإنما عمل فيه بالقياس على الجمعة)) !
وأقول: لي على ما تقدم ملاحظات:
الأولى: قوله: (ابن مسعود) ؛ أظنه محرفاً من (المسعودي) ؛ فإن الأثر المذكور أخرجه الإمام الشافعي في ((الأم)) (١ / ٢١١) ، ومن طريقه البيهقي في ((السنن)) (٣ / ٢٩٩) : أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني عبد الرحمن ابن محمد بن عبد الله عن إبراهيم بن عبد الله عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال:. . . فذكره.
قلت: وعبيد الله هذا: هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، وهو تابعي ثقة، فلعله الذي عناه النووي، بدليل قوله:
((ضعيف غير متصل)) . يعني: أنه مرسل تابعي. والله أعلم.
ثم إن السند إليه واهٍ بمرة؛ فإن اللذين دونه لم أعرفهما.
وإبراهيم بن محمد: هو ابن أبي يحيى الأسلمي؛ متروك، وكذبه بعضهم.
стр. 8394
الثانية: أنني لاحظت فرقاً بين قول النووي: ((لم يثبت. . .)) الذي نقله الزيلعي عنه، وبين قوله: ((لم يرد. . .)) في نقل الحافظ عنه! فهذا التعبير - إن صح عن النووي - يرد عليه رد الحافظ؛ بخلاف التعبير الأول؛ فإن نفى الثبوت لا يستلزم نفي الورود كما هو ظاهر. فالله أعلم أيهما هو قول النووي.
الثالثة: لم يعجبني سكوت الحافظ عن سند حديث جابر - وهو ضعيف عنده -، وبخاصة أنه كان في صدد رده على النووي؛ فإنه لا يخطر في بال عامة القراء إلا أنه حديث قوي! وإلا؛ لما رد به عليه!
ثم وجدت لابن أبي يحيى هذا أثراً آخر عن ابن عتبة بنفس إسناده المذكور عنه؛ لكنه أسقط إبراهيم بن عبد الله، فقال عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٣ / ٢٩٠ - ٢٩١) : عن ابن أبي يحيى عن عبد الرحمن بن محمد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال:
((السنة التكبير على المنبر يوم العيد: يبدأ خطبته الأولى بتسع تكبيرات قبل أن يخطب، ويبدأ الآخرة بتسع)) !
وهذا أشد نكارة من رواية الشافعي عنه؛ فإنه زاد عليها التكبير، وعلى المنبر، ولم يثبت ذلك في السنة المحمدية فيما علمت.
وللحديث شاهد من حديث سعد: أن النبي ﷺ صلى العيد بغير أذان ولا إقامة، وكان يخطب خطبتين قائماً يفصل بينهما بجلسة.
أخرجه البزار في مسنده المسمى بـ ((البحر الزخار)) (٣ / ٣٢١ / ١١١٦) : حدثنا عبد الله بن شبيب قال: نا أحمد بن محمد بن عبد العزيز قال: وجدت في كتاب أبي قال: حدثني مهاجر بن مسمار عن عامر بن سعد عن أبيه، وقال:
стр. 8395
((لا يروى عن سعد إلا من هذا الوجه)) .
قلت: وهو ضعيف جداً؛ مسلسل بالعلل:
الأولى: محمد بن عبد العزيز - وهو القاضي المدني -؛ قال البخاري وغيره: ((منكر الحديث)) .
الثانية: ابنه أحمد بن محمد بن عبد العزيز؛ ذكره الخطيب في رواية له عن أبيه في ترجمة هذا (٢ / ٣٤٩) ، وهذه فائدة تضاف إلى ترجمة أبيه في ((اللسان)) ، وإن كنت لم أقف على ترجمته لأحمد هذا، ويبدو أن الهيثمي لم يعرفهما؛ فقال في ((المجمع)) (٢ / ٢٠٣) :
((رواه البزار وجادة، وفي إسناده من لم أعرفه)) .
وفي قوله: ((وجادة)) ؛ تسامح ظاهر، لأنه يوهم أن البزار هو الذي قال:
((وجدت. . .)) ، وإنما هو أحمد بن عبد العزيز.
الثالثة: عبد الله بن شبيب - وهو الربعي الأخباري -؛ قال الذهبي في
((المغني)) :
((واهٍ. قال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث)) .
لكن الجملة الأولى من حديثه: ((صلى العيد بغير أذان ولا إقامة)) ؛ قد ثبتت في أحاديث أخرى:
منها: حديث جابر: عند مسلم وغيره، وهو مخرج في ((الإرواء)) (٣ / ٩٩ - ١٠٠، ١١٩) من طريق أخرى عنه.
стр. 8396
ومنها: حديث جابر بن سمرة: عند أبي داود وغيره، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) (١٠٤٢) .
(تنبيه) : استدل ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢ / ٣٤٩) للخطبتين في العيدين بحديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان يخطب الخطبتين وهو قائم، وكان يفصل بينهما بجلوس.
وأقول: وهذا استدلال مستند إلى العقل، ولا عموم له، ولا سيما وقد جاء الحديث في بعض رواياته الصحيحة مقيداً بيوم الجمعة كما في رواية مسلم (٣ / ٩) ، وأحمد (٢ / ٣٥) وغيرهما، وقد أشار إليها البخاري في ((صحيحه)) بالترجمة للحديث بقوله (٢ / ٤٠٦ - فتح) :
((باب: القعدة بين الخطبتين يوم الجمعة)) .
مع أن الحديث عنده ليس فيه القيد المذكور، وهو مخرج في ((الإرواء)) (٣ / ٧٠ - ٧١) ، وله فيه شاهد من حديث جابر بن سمرة، وفي بعض رواياته الصحيحة عند أحمد وغيره ذكر يوم الجمعة، والمنبر أيضاً، والحديثان مخرجان أيضاً في ((صحيح أبي داود)) (١٠٠٣ - ١٠٠٥) ، وقد كنت نبهت في تعليقي على ((صحيح ابن خزيمة)) أنه لا وجه لما ذهب إليه من الاستدلال، فقلت:
((فقوله في الحديث: ((الخطبتين)) ؛ اللام فيه للعهد، وليس للاستغراق. فتنبه)) .
٥٧٩٠ - (نهى عن ثمن الكلب وإن كان ضارياً) .
منكر. أخرجه الطحاوي في ((شرح الآثار)) (٢ / ٢٢٥) من طريق ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر: أن صفوان بن سليم أخبره عن نافع عن ابن
стр. 8397
عمر مرفوعاً.
ومن هذا الوجه أورده ابن أبي حاتم في ((العلل)) (١ / ٣٨٦) ، وقال:
((قال أبي: هذا حديث منكر)) . وأقره الحافظ في ((الفتح)) (٤ / ٤٢٧) ، وقال: ((وسنده ضعيف)) .
قلت: ورجاله ثقات؛ غير ابن لهيعة، وهو ضعيف من قبل حفظه، فلا يقبل منه إلا ما وافق فيه الثقات، وليس هذا من ذاك؛ فقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن ثمن الكلب، بعضها صحيح - وهي مطلقة -، وبعضها ضعيف - وهي مقيدة بغير كلب الصيد -، فهو مستثنى من النهي. ومن رواة هذا البعض ابن لهيعة نفسه، وقد خرجت هذا والذي قبله، وميزت صحيحه من ضعيفه في ((الصحيحة)) (٢٩٧١) .
وها نحن الآن نرى ابن لهيعة يخالف تلك الأحاديث كلها: مطلقها، ومقيدها بهذا الاستثناء: ((وإن كان ضارياً)) . وهذا مع ضعفه رواية، فهو ضعيف أيضاً دراية؛ بخلاف الاستثناء الذي قبله؛ فهو ضعيف رواية، صحيح دراية، كما تراه محققاً هناك.
٥٧٩١ - (إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار. ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمانٍ ألحقنا بهم ذرياتهم﴾ ) .
منكر بهذا التمام. أخرجه عبد الله بن أحمد في ((زوائد مسند أبيه)) (١ / ١٣٤ - ١٣٥) من طريق محمد بن فضل عن محمد بن عثمان عن زاذان عن علي
стр. 8398
رضي الله عنه قال:
سألت خديجة النبي ﷺ عن ولدين ماتا لها في الجاهلية؟ فقال رسول الله ﷺ : ((هما في النار)) . فلما رأى الكراهية في وجهها قال:
((لو رأيت مكانهما، لأبغضتيهما)) . قالت: يا رسول الله! فولدي منك؟ قال:
((في الجنة)) .
قال: ثم قال رسول الله ﷺ :. . . فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات؛ غير محمد بن عثمان هذا؛ فهو مجهول؛ قال الذهبي:
((لا يدرى من هو؟ فتشت عنه في أماكن، وله خبر منكر)) .
ثم ساق له هذا الحديث. وعقب عليه الحافظ بقوله:
((قلت: والذي يظهر لي أنه هو الواسطي المتقدم)) .
قلت: هذا ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٧ / ٤٣٨) ، وذلك مما لا يخرجه من الجهالة، لما عرف من قاعدة ابن حبان في توثيق المجهولين.
والحديث؛ قال الهيثمي في ((المجمع)) (٧ / ٢١٧) :
((رواه عبد الله بن أحمد، وفيه محمد بن عثمان، ولم أعرفه)) !
стр. 8399
وعزاه الخطيب التبريزي في ((المشكاة)) (١١٧) لرواية أحمد! وذلك من أخطائه، كما كنت نبهت عليه هناك منذ أكثر من ثلاثين سنة. ومع أن الحافظ ابن كثير عزاه في تفسير سورة (الطور) لعبد الله بن أحمد؛ فقد أغرب مختصره الشيخ نسيب الرفاعي (٤ / ٢٤٩) فعزاه للإمام أحمد! فأخطأ مرتين:
إحداهما: هذه.
والأخرى: إيراده إياه على أنه صحيح؛ كما نص عليه في المقدمة! غفر الله له، فقد لقي وجه ربه.
أما ابن كثير؛ فلا اعتراض عليه، لأنه ساقه بإسناده، وإنما الاعتراض بحق على الحافظ ابن حجر؛ فإنه أورده في، ((الفتح)) (٣ / ٢٤٥) برواية عبد الله دون أن يسوق إسناده؛ بل وموهماً صحته بقوله عقبه:
((وهذا أصح ما ورد في تفسير هذه الآية، وبه جزم ابن عباس)) .
وإنما يصح هذا الكلام إذا ما حمل على أولاد المؤمنين؛ فإنه الذي جزم به ابن عباس ﵁، فيما رواه عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿والذين آمنوا أتبعناهم ذرياتهم بإيمان﴾ ، قال:
((إن الله ﵎ يرفع للمؤمن ذريته وإن كانوا دونه في العمل؛ ليقر الله بهم عينه)) .
أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) (٢٧ / ٥ ١) ، والحاكم (٢ / ٤٦٨) من طرق عن عمرو به.
وهذا إسناد صحيح موقوف. وقد روي مرفوعاً من طريق قيس بن الربيع عن
стр. 8400
عمرو بن مرة به مرفوعاً إلى النبي ﷺ .
أخرجه البزار (٣ / ٧٠ - ٧١) ، وقال:
((لا نعلم أسنده إلا قيس. وقد رواه الثوري عن عمرو بن مرة موقوفاً)) .
قلت: وقيس بن الربيع سيئ الحفظ، لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف مثل الثوري وغيره! قال الهيثمي (٧ / ١١٤) :
((رواه البزار، وفيه قيس بن الربيع؛ وثقه شعبة والثوري، وفيه ضعيف)) .
ولكنه في حكم المرفوع، ولذلك؛ خرجته في ((الصحيحة)) (٢٤٩٠) .
هذا؛ وإن مما يضعف حديث محمد بن عثمان هذا: أنه خالفه ابن غزوان؛ فقال: عن زاذان عن علي به. لم يزد على قراءة الآية بصيغة الجمع: (ذرياتهم) . وهي قراءة صحيحة؛ كما قرره ابن جرير الطبري.
أخرجه الحاكم (٢ / ٢٤٩) ، وقال:
((صحيح الإسناد)) . ووافقه الذهبي.
ولسؤال خديجة رضي الله تعالى عنها طريق آخر: يرويه سهل بن زياد الحربي: حدثني الأزرق بن قيس عن عبد الله بن نوفل - أو: عن عبد الله بن بريدة، شك سهل - عن خديجة بنت خويلد قالت:
قلت: بأبي! أين أطفالي منك؟ قال:
((في الجنة)) . قالت: وسالته: أين أطفالي من أزواجي المشركين؟ قال: ((في النار)) . قلت: بغير عمل؟ قال:
стр. 8401
((الله أعلم بما كانوا عاملين)) .
أخرجه أبو يعلى (١٢ / ٥٠٤ / ٧٠٧٧) ، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٣ / ٦ ١ / ٢٧) بنحوه؛ دون قوله: ((أو عن عبد الله بن بريدة)) - لم يشك -. وقال الهيثمي (٧ / ٢١٧) :
((رواه الطبراني وأبو يعلى، ورجالهما ثقات؛ إلا أن عبد الله بن الحارث بن نوفل وابن بريدة لم يدركا خديجة)) .
قلت: فهو مرسل، وقال الذهبي في ((السير)) (٢ / ١١٣) بعد أن عزاه لأبي يعلى:
((فيه انقطاع)) .
قلت: وسهل بن زياد هذا: هو أبو زياد الطحان؛ قال أحمد:
((لا أعلم إلا خيراً)) .
وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٨ / ٢٩١) ، ووثقه إسحاق بن أبي إسرائيل في روايته عنه هذا الحديث عند أبي يعلى. انظر ((تيسير انتفاع الخلان)) .
وروي الحديث عن عائشة ﵂ باختصار شديد، من طريق أبي عقيل يحيى بن المتوكل عن بهية عن عائشة أنها ذكرت لرسول الله ﷺ أطفال المشركين، فقال:
((إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار)) .
أخرجه أحمد (٦ / ٢٠٨) .
стр. 8402
قلت: وهذا إسناد ضعيف، ومتن منكر جداً، وله علتان:
الأولى: بهية هذه؛ مجهولة لا تعرف إلا برواية أبي عقيل هذا؛ كما في
((الميزان)) و ((التقريب)) .
والأخرى: أبو عقيل يحيى بن المتوكل؛ فهو ضعيف، وبه أعله الهيثمي، وقال الحافظ في ((الفتح)) (٣ / ٢٤٦) :
((وهو حديث ضعيف جداً؛ لأن في إسناده أبا عقيل مولى بهية، وهو متروك)) . وقد سبق تخريجه برقم (٣٨٩٨) .
واعلم أن حديث الترجمة قد حسن إسناده بعض الأفاضل من المعاصرين المتساهلين، وأنكر على الذهبي استنكاره إياه، فرددت عليه في ((ظلال الجنة)) (١ / ٩٤ - ٩٥) بما لا حاجة لإعادته هنا، وذكرت هناك أن القول الراجح في أطفال المشركين أنهم في الجنة، فضلاً من الله ورحمة. وقد جاء في بعض الأحاديث:
((أطفال المشركين خدم أهل الجنة)) . وهو صحيح بطرقه؛ رغم أنف من أنكره من المعاصرين الذين لا سابغة لهم في هذا العلم - والله المستعان -، وهو مخرج في المجلد الثالث من ((الصحيحة)) (١٤٦٨) .
٥٧٩٣ - (يا بني عبد المطلب! إني بعثت إليكم خاصةً، وإلى الناس عامةً، وقد رأيتم من هذه الآية ما قد رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي؟) .
ضعيف. أخرجه أحمد (١ / ١٥٩) ، والنسائي في ((الخصائص)) (١٣)
стр. 8403
- والسياق له -، وابن جرير في ((التاريخ)) (٢ / ٣٢١) ، وابن عساكر (١٢ / ٦٧ / ا - ٢) ، والضياء المقدسي في ((المختارة)) (١ / ١٦٢) عن أبي عوانة عن عثمان ابن المغيرة عن أبي صادق عن ربيعة بن ناجد: أن رجلاً قال لعلي بن أبي طالب ﵁: يا أمير المؤمنين! لم ورثت دون أعمامك؟ قال:
جمع رسول الله ﷺ ، أو قال: دعا رسول الله بني عبد المطلب، فصنع لهم مداً من الطعام، فأكلوا حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس، ثم دعا بغمرٍ، فشربوا حتى رووا، وبقي الشراب كأنه لم يمس أو لم يشرب، فقال:. . . فذكره.
فلم يقم إليه أحد، فقمت إليه - وكنت أصغر القوم -، فقال:
((اجلس)) . ثم قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه، فيقول:
((اجلس)) . حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي، ثم قال: فبذلك ورثت ابن عمي دون عمي.
وليس عند أحمد والضياء ذكر للوراثة.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات؛ غير ربيعة ين ناجد، قال الذهبي في ((الميزان)) :
((لا يكاد يعرف، وعنه أبو صادق بخبر منكر فيه: علي أخي ووارثي))
يشير إلى هذا الحديث. وصرح في ((الكاشف)) بأنه لم يرو عنه غير أبي صادق هذا. وقال في ((الضعفاء والمتروكين)) :
((فيه جهالة)) .
стр. 8404
وللوراثة شاهد من رواية أبي إسحاق قال: سألت قثم بن العباس: كيف
ورثت علي رسول الله ﷺ دونكم؟ قال: لأنه كان أولنا به لحوقاً، وأشدنا به لزوقاً.
أخرجه الحاكم (٣ / ١٢٥) من طريقين عنه. وقال:
((صحيح الإسناد)) ، ووافقه الذهبي.
قلت: وهو كما قالا، إن كان أبو إسحاق - وهو السبيعي - حدث به قبل اختلاطه، وهو غير ظاهر. والله أعلم.
٥٧٩٤ - (إن قبر إسماعيل في الحجر) .
ضعيف. عزاه في ((الجامع الكبير)) (٢٣١٣ - ٦٧٩٩) للحاكم في ((الكنى)) والديلمي عن عائشة. وعزاه في ((الصغير)) للحاكم وحده.
وبيض له المناوي في ((الفيض)) ، وجزم في ((التيسير)) بأن إسناده ضعيف، ولم يذكر علته، وكذلك فعل السخاوي في ((المقاصد)) ، وتبعه من بعده؟ كابن الديبع في ((تمييزه)) ، والزرقاني في ((مختصره)) ، والعجلوني في ((كشفه)) ، و ((تذكرة الموضوعات)) للفتني (ص ٢٢٠) .
وهو في ((الفردوس)) برقم (٤٦٤٦) ، والمجلد الذي فيه حرف القاف من مصورة ((مسند الفردوس)) غير موجود عندي لنبدي رأينا فيه؛ فقد يكون إسناده أسوأ مما ذكروا، وإلى أن نقف عليه فلا بد من التسليم بضعفه. وفوق كل ذي علم عليم.
стр. 8405
ومن الغرائب: ما رواه صالح بن الإمام أحمد في ((مسائله)) ، (ص ٤٢) قال: حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان عن عبد الرحمن ابن سابط عن عبد الله بن ضمرة السلولي قال:
ما بين المقام إلى الركن إلى زمزم إلى الحجر قبر تسعة وتسعين نبياً جاؤوا حاجين فقبروا هناك. قال صالح:
((قال أبي: لم أسمع من يحيى بن سليم غير هذا الحديث)) .
قلت: وهو موقوف - كما ترى - على السلولي، وهو تابعي وثقه ابن حبان والعجلي وروى عنه جمع، فهو مقطوع؛ لكن يحيى بن سليم صدوق سيئ الحفظ؛ وإن كان من رجال الشيخين؛ كما في ((تقريب الحافظ)) . فهو ضعيف الإسناد مع وقفه.
ثم وقفت على إسناد الحديث في ((الكنى والأسماء)) لأ بي أحمد الحاكم (٥ / ٢) في ترجمة أبي إسماعيل الكوفي من طريق علي بن الجعد: نا أبو إسماعيل الكوفي عن ابن عطاء عن أبيه عن عائشة مرفوعاً. وقال:
((ابن عطاء؛ أراه يعقوب بن عطاء بن أبي رباح الفهرى)) .
قلت: وهو ضعيف؛ كما في ((التقريب)) وغيره.
وأبو إسماعيل الكوفي؛ أورده الذهبي في ((الميزان)) ، وقال:
((شيخ لعلي بن الجعد، لا يعرف، والخبر غريب)) .
يشير إلى هذا، وأقره الحافظ في ((اللسان)) .