((مستور)) .
وإن كان غيره؛ فلم أعرفه.
وهمام: هو ابن يحيى البصري، وهو ثقة من رجال الشيخين.
والخلاصة: أن علة هذا الإسناد شيخ أيوب الذي لم يسم، وقد سماه إسماعيل بن أمية في روايته عن أبي عمرو بن محمد بن حريث: أنه سمع جده حريثاً يحدث عن أبي هريرة به.
أخرجه أبو داود وغيره. وقد اضطرب الرواة على إسماعيل هذا في إسناده اضطراباً شديداً على وجوه شرحتها في ((ضعيف أبي داود)) (١٠٧ - ١٠٨) ، ولذلك ((ضعفه جمع من الأئمة وغيرهم؛ بل قال الإمام مالك:
((الخط باطل)) .
فلا نعيد الكلام هنا، والشاهد منه أن حريثاً هذا مجهول، وكذلك حفيده أبو عمرو؛ كما في ((التقريب)) للحافظ، فالعجب منه كيف تغاضى عن هذه العلة الواضحة فحسّن الحديث في ((بلوغ المرام)) قائلاً:
((وصححه ابن حبان، ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حسن)) !
وأقول: أنى له الحسن وفيه المجهولان باعترافه! هذا لو سلمنا بأنه غير مضطرب، وقد أعله به شيخه الحافظ العراقي، ومن قبله ابن الصلاح وغيرهما؛ كما تراه مبيناً في المصدر المذكور آنفاً. وقد شرح الحافظ وجهة نظره في نفي الاضطراب في كتابه ((النكت على ابن الصلاح)) (٢ / ٧٧٢ - ٧٧٤) بما لا فائدة كبرى من نقله ومناقشته، لكن المهم منه قوله:
стр. 8437
(( (تنبيه) : قول ابن عيينة لم نجد شيئاً نشد به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه)) ؛ فيه نظر؛ فقد رواه الطبراني من طريق أبي موسى الأشعري، وفي إسناده أبو هارون العبدي، وهو ضعيف)) !
قلت: وهذا منه عجب أيضاً من ناحيتين:
الأولى: أنه ألان القول في العبدي هذا، واسمه عمارة بن جوين -، وهو أسوأ
مما ذكر؛ فقد قال فيه في ((التقريب)) :
((مشهور بكنيته، متروك، ومنهم من كذبه)) .
والأخرى: أنه يعلم أن من شرط الشاهد أن لا يشتد ضعفه، وهذا مفقود هنا
كما ترى.
على أنه قد روى معمر عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال:
((كنا نستتر بالسهم والحجر في الصلاة، أو قال: كان أحدنا يستتر بالسهم والحجر في الصلاة)) .
وروى جعفر بن سليمان عنه قال:
قلت لأبي سعيد الخدري: ما يستر المصلي؛ قال: مثل مؤخرة الرحل، والحجر يجزئ ذلك، والسهم تغرزه بين يديك)) .
أخرجهما عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢ / ١٣ - ١٤) . ثم قال الحافظ:
((ثم وجدت له شاهداً آخر - وإن كان موقوفاً - أخرجه مسدد في ((مسنده الكبير)) قال: ثنا هشيم: ثنا خالد الحذاء عن إياس بن معاوية عن سعيد بن جبير قال:
стр. 8438
((إذا كان الرجل يصلي في فضاء؛ فليركز بين يديه شيئاً؛ فإن لم يكن معه شيء؛ فليخط خطاً في الأرض)) .
((رجاله ثقات)) .
قلت: فيه أولاً: الصواب بأن يقال فيه: ((مقطوع)) ؛ لأنه موقوف على التابعي؛ كما هو معروف في علم المصطلح.
وثانياً: هو أن يكون علة في الحديث أقرب من أن يكون شاهداً له؛ لأنه لو كان موقوفاً على صحابي الحديث، لكان علة ظاهرة فيه، فكيف به وهو مقطوع؟ ! فتأمل.
على أنه قد روي عن أبي هريرة موقوفاً كوجه من وجوه الاضطراب فيه؛ ولكنه وجه مرجوح، كما بينته هناك.
ثم قال الحافظ:
((ولهذا صحح الحديث ابن حبان والحاكم وغيرهما)) .
قلت: تساهلهما في التصحيح والتوثيق مما لا يخفى على طلاب هذا العلم؛ فضلاً عن الحافظ! هذا إذا لم يكن هناك علة ظاهرة تدفع التصحيح، فكيف بها وهي قائمة باعتراف الحافظ كما سبق؟ ! على أن عزوه للحاكم فيه نظر؛ فإننا لم نره في ((مستدركه)) - وهو المقصود عند إطلاق العزو إليه - بعد مزيد البحث عنه فيه، ولا جاء ذكره في فهرسته الذي وضعه المعاصرون.
ثم قال الحافظ:
((وذلك مقتضٍ لثبوت عدالته عند من صححه، فما يضره مع ذلك أن لا
стр. 8439
ينضبط اسمه إذا عرفت ذاته. والله تعالى أعلم)) .
أقول: الشطر الأول من هذا الكلام مسلّم لا غبار عليه، ولكن ذلك مما لا ينفق
في النقاش العلمي القائم علي قواعد علم الحديث؛ لما سبق بيانه آنفاً من تساهل ابن حبان والحاكم.
وأما الشطر الثاني منه؛ فجوابنا عليه:
نعم؛ لا يضر ذلك إذا عرفت ذاته؛ ولكنها فرضية تخالف واقع الراوي؛ بل الراويين؛ فإنهما مجهولان حتى عند الحافظ كما تقدم.
فسامحه الله! لقد كان بحثه حول هذا الحديث على خلاف ما نعهده منه من العلم والتحقيق، حتى لكأنه ابن حجر آخر!
وجاء من بعده الشيخ الغماري: أحمد، فأخرجه في كتابه: ((الهداية في تخريج أحاديث البداية)) (٢ / ٣٩٢ - ٣٩٣) تخريجاً مختصراً جداً، يحسن كثير من الطلبة خيرا ًمنه، وقال عقبه مغتراً بتحسين الحافظ له:
((وصححه ابن حبان وغيره، وحسنه الحافظ، وضعفه بعض المتقدمين؛ لصورة الاضطراب الواقع في إسناده؛ لكنه عند الطيالسي من وجه آخر.
والحديث صحيح كما قال ابن حبان)) !
كذا قال! وأظن أنه - كغيره - لم يعط لهذا البحث حقه من المراجعة والتحقيق، وإلا؛ لما خفي عليه - على الأقل - الجهالة التي في سند ابن حبان، ومن قرنهم معه، وتشبثه بالوجه الآخر عند الطيالسي لا يفيده شيئاً؛ لجهالة تابعيه، الذي يمكن أن يكون هو عين حريث الذي في طريق الآخرين كما تقدم.
стр. 8440
وإن فرض أنه غيره؛ فلا يقوي أحدهما الآخر؛ لاحتمال أن تعود روايتهما إلى أحدهما، أعني: أن يكون أحدهما رواه عن الآخر.
فاغتنم هذا التحقيق؛ فإنك قد لا تراه في مكان آخر، والله تعالى هو الموفق.
٥٨١٤ - (صلى في فضاء ليس بين يديه شيء) .
ضعيف. أخرجه أحمد (١ / ٢٢٤) ، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١ / ٢٧٨) ، وأبو يعلى (٢٦٠١) ، والبيهقي في ((سننه)) (٢ / ٢٧٣) من طريق أبي معاوية عن الحجاج بن أرطاة عن الحكم بن عتيبة عن يحيى الجزار عن ابن عباس ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى. . . فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ قال الهيثمي في ((المجمع)) (٤ / ٦٣) :
((رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه الحجاج بن أرطاة، وفيه ضعف)) .
وفاته أنه رواه الطبراني أيضاً، أخرجه في ((الكبير)) (١٢ / ١٤٩ / ١٢٧٢٨)
من طريق أبي شهاب عن الحجاج به.
وابن أرطاة؛ قال الحافظ في ((التقريب)) :
((صدوق كثير الخطأ والتدليس)) .
وقد تابعه شعبة بن الحجاج ((لكنه خالفه في إسناده ومتنه؛ فقال الطيالسي
في ((مسنده)) (٢٧٦٢) : حدثنا شعبة عن الحكم عن يحيى بن الجزار عن صهيب - قلت: من صهيب؟ قال: رجل من أهل البصرة - عن ابن عباس:
أنه كان على حمار هو وغلام من بني هاشم، فمر بين يدي النبي ﷺ وهو
стр. 8441
يصلي، فلم ينصرف لذلك)) .
ومن هذا الوجه أخرجه أحمد والنسائي والطحاوي، وهو مخرج في ((صحيح
أبي داود)) (٧١٥) ، وبينت هناك أنه صحيح الإسناد، وأن لشعبة فيه شيخاً آخر يرويه عن عمرو بن مرة عن يحيى الجزار قال: قال ابن عباس. . . فذكره نحوه لم يذكر صهيباً في إسناده، وأزيد هنا فأقول:
وهكذا رواه علي بن الجعد في ((حديثه)) (١ / ٢٨٨ / ٩٢) ، ومن طريقه أبو يعلى في ((مسنده)) (٤ / ٣١١ / ٢٤٢٣) ؛ إلا أنه زاد في آخره:
((قال رجل لشعبة: كان بين يديه عنزة؛ قال: لا)) .
ولم يذكر فيه أبو يعلى: ((لشعبه)) .
قلت: وفي ثبوت هذه الزيادة عن شعبة نظر؛ بل هي شاذة؛ لتفرد ابن الجعد
بها دون الطرق المثار إليها آنفاً عن شعبة.
ومثلها: رواية سليمان بن حرب عن شعبة بإسناده الصحيح المذكور آنفاً؛ بل رواه كذلك علي بن الجعد نفسه في مكان آخر من ((حديثه)) (١ / ٣١٤ / ١٦٣) : أخبرنا به. موصولاً بذكر صهيب فيه؛ دون الزيادة.
ولعل أصل هذه الزيادة ما رواه منصور بن المعتمر عن الحكم عن يحيى بن الجزار عن أبي الصهباء - وهو صهيب المتقدم -. . . فذكر الحديث بلفظ:
((يصلي بالناس في أرض خلاء)) .
أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) ، وغيرهما، وهو مخرج في
((صحيح أبي داود)) أيضاً، وليس عنده هذا اللفظ، وليس فيه نفي السترة والعنزة
стр. 8442
كما هو ظاهر، وإنما فيه نفي البنيان والجدران، فهو مثل رواية البخاري بلفظ:
((يصلي بمنى إلى غير جدار)) .
ويأتي قريباً إن شاء الله بيان ما فيها.
فتوهم بعض الرواة أن ذلك يعني أنه صلى إلى غير سترة، كما هو ظاهر حديث الترجمة، وليس صريحاً، وقد روى مصرحاً به في بعض الطرق، والعجيب حقاً أن البيهقي عقب الحديث حديث الترجمة:
((وله شاهد بإسناد أصح من هذا عن الفضل بن عباس، وسيرد بعد هذا إن شاء الله تعالى)) .
ثم رواه (٢ / ٢٧٨) من طريق أبي داود بسنده عن عباس بن عبيد الله بن عباس عن الفضل نحوه بلفظ:
((فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكليبة تعبثان بين يديه، فما بالى ذلك)) .
ووجه التعجب أن عباساً هذا لم يلق عمه الفضل؛ كما قال ابن حزم في
((المحلى)) (٤ / ١٣) ووافقه الحافظ، ولذلك؛ خرجته في ((ضعيف أبي داود)) (١١٤) .
واقتصر المعلق على ((شرح السنة)) (٢ / ٤٦١) على إعلاله بجهالة العباس فقط، وهو تقصير ظاهر!
وأعجب من ذلك أن الشيخ أحمد الغماري في ((تخريجه أحاديث بداية المجتهد)) (٢ / ٣٩٣) سكت عنه أولاً، وعزاه لأحمد والنسائي ثانياً، وليس
стр. 8443
عندهما موضع الشاهد منه وهو الذي أورده ابن رشد بقوله:
((وقد روي أنه صلى لغير سترة)) !
وشايعه على ذلك المحققان اللذان أشرفا على تخريج الكتاب ببيان أماكن الأحاديث في المصادر التي عزاها الغماري إليها!
ولقد كان الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم أقرب إلى الصواب في تخريجه إياه
في كتابه: ((طريق الرشد)) ؛ فإنه عزاه فيه (ص ٨٨) لأبي داود وحده؛ ولكنه أخطأ في قوله:
((وللنسائي نحوه، وكذا عبد الرزاق في ((مصنفه)) ، والطحاوي في ((معاني الآثار)) ، ولا يخلو سنده من مقال)) !
قلت: رواية النسائي إسنادها صحيح من رواية صهيب كما تقدم؛ ولكن ليس فيها موضع الشاهد كما تقدم وكذلك رواية الطحاوي، فقوله: ((نحوه)) ؛ لا يفيده شيئاً لأنه يعني في اصطلاح المحدثين: مثله في المعنى، وليس في اللفظ. وهو ليس مثله في المعنى وأما رواية عبد الرزاق، ففيها موضع الشاهد؛ لكن ليس فيها عباس بن عبيد الله، فزاد انقطاعاً على انقطاع!
ومن أحاديث الباب: ما رواه ابن جريج قال: أخبرني عبد الكريم: أن مجاهداً أخبره عن ابن عباس قال:
((جئت أنا والفضل على أتان، فمررنا بين يدي رسول الله ﷺ بعرفة وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه)) .
أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢ / ٢٨ / ٢٣٥٧) ، وابن خزيمة في
стр. 8444
((صحيحه)) (٢ / ٢٥ / ٨٣٨ - ٨٣٩) وضعفه بقوله:
((غير جائز أن يحتج بعبد الكريم عن مجاهد على الزهري عن عبيد الله بن عبد الله)) .
يشير إلى أن المحفوظ أن المرور المذكور كان في منى؛ كما في حديث الزهري الآتي إن شاء الله، ثم قال:
((لأن عبد الكريم قد تكلم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخبره)) .
يشير إلى أنه عبد الكريم بن أبي المخارق أبو أمية، فإنه هو الذي تكلموا فيه؛ بل أجمعوا على ضعفه، حتى قال النسائي والدارقطني:
((متر وك)) .
وليس هو عبد الكريم بن مالك الجزري؛ فإنه ثقة متقن، كما قال الحافظ في
((التقريب)) ، وكأن الدكتور الأعظمي في تعليقه على ((صحيح ابن خزيمة)) ذهب إلى أنه هو؛ فإنه قال:
((إسناده صحيح. انظر ((مجمع الزوائد)) ٢: ٦٣)) .
ويشير بالإحالة إلى ((المجمع)) إلى زيادة أبي يعلى في آخر حديث يحيى الجزار المتقدم:
((فقال رجل: أكان بين يديه عنزة؛ قال: لا)) .
وقد عرفت أنها شاذة لا تصح)) .
والمقصود أن تصحيحه لحديث عبد الكريم هذا من الظاهر أنه يرى أنه الجزري
стр. 8445
الثقة، ولعله تبع في ذلك الحافظ؛ فإنه ذكره برواية البزار بلفظ:
((والنبي يصلي المكتوبة ليس لشيء يستره)) .
وسكت عنه في موضعين من ((الفتح (( (١ / ١٧١، ٥٧١) ، والقاعدة عنده:
أن ما سكت عنه فيه فهو حسن، وهذا محتمل؛ لأن عبد الكريم هذا لم ينسب عند مخرجيه، فيحتمل أنه الجزري، وهو ابن مالك الثقة، ويحتمل أنه ابن أبي المخارق أبو أمية البصري، وهو ضعيف، ومن الاتفاقات الغريبة أن كلاً منهما روى عن مجاهد، وعن كل منهما ابن جريج، وليس من السهل الجزم بأنه أحدهما والحالة هذه، وقد أشار إلى هذه الحقيقة الذهبي في ((الميزان)) ، وقال الحافظ في ((التقريب)) في أبي أمية:
((ضعيف، وقد شارك الجزري في بعض المشايخ، فربما التبس به على من لا
فهم له)) .
والأرجح عندي أنه هذا الضعيف، وذلك لسببين:
الأول: أنه لو كان الثقة لبادر ابن جريج إلى التصريح بنسبته.
الثاني: أن ابن خزيمة جزم بأنه هو؛ كما تقدم نقله عنه، ثم أكد ذلك بقوله:
((وهذا الفعل الذي ذكره عبد الكريم عن مجاهد عن ابن عباس قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قد زجر عن مثل هذا الفعل في خبر سهل بن أبي حثمة أن النبي ﷺ قال:
((إذا صلى أحدكم، فليصل إلى سترة، وليدن منها؛ لا يقطع الشيطان عليه صلاته)) . وفي خبرأبي جحيفة:
стр. 8446
أن النبي ﷺ ركز عنزة، فجعل يصلي إليها، يمر من ورائها الكلب والمرأة والحمار. وفي خبر أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ :
((إذا صلى أحدكم؛ فليصل إلى سترة، وليدن منها)) . وفي خبر ابن عمر:
قال رسول الله ﷺ :
((لا تصلوا إلا إلى سترة)) .
وقد زجر النبي ﷺ أن يصلي المصلي إلا إلى سترة، فكيف يفعل ما زجر عنه؟ !)) .
وهذه الأحاديث كلها صحيحة، وهي مخرجة عنده (٧٩٨، ٨٠٠، ٨٠٣، ٨١٠، ٨٢٠) ، وبعضها في ((الصحيحين)) ، ومخرجة عندي في ((صحيح أبي داود)) (٦٨٨ - ٦٨٩، ٦٩٢، ٦٩٤) ، فلا يجوز إهدار العمل بها لمثل حديث أبي أمية وغيره مما تقدم.
فإن قيل: إذا كان الأمر كما ذكرت؛ فما قولكم في حديث عبد الله بن عباس قال:
((أقبلت راكباً على حمارٍ أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحدٌ)) ؟
أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٧٦، ٤٩٣، ٨٦١) من طرق عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس.
والجواب من وجهين:
стр. 8447
الأول: أنه ليس صريحاً في نفي السترة مطلقاً؛ كما تقدمت الإشارة إلى ذلك
في أول هذا التخريج، وإنما هو ينفي سترة الجدار بخاصة، ولذلك؛ لما روى البيهقي (٢ / ٢٧٣) عن الإمام الشافعي قوله:
((قول ابن عباس: ((إلى غير جدار)) يعني - والله أعلم - إلى غير سترة)) .
فتعقبه ابن التركماني بقوله:
((قلت: لا يلزم من عدم الجدار عدم السترة (١) ، ولا أدري ما وجه الدليل في
رواية مالك على أنه صلى إلى غير سترة)) .
قلت: ويؤيده صنيع البخاري؛ فإنه ترجم للحديث بقوله:
((باب سترة الإمام سترة من خلفه)) .
فهذا يعني أن الإمام البخاري لم يفهم من الحديث نفي السترة، ووجه الحافظ بقوله (١ / ٥٧١ - ٥٧٢) :
وكأن البخاري حمل الأمر في ذلك على المألوف المعروف من عادته ﷺ أنه كان لا يصلي في الفضاء إلا والعنزة أمامه. ثم أيّد ذلك بحديثي ابن عمر وأبي جحيفة. وفي حديث ابن عمر ما يدل على المداومة، وهو قوله بعد ذكر الحربة: ((وكان يفعل ذلك في السفر)) ، وقد تبعه النووي فقال في ((شرح مسلم)) في كلامه على فوائد هذا الحديث: فيه أن سترة الإمام سترة لمن خلفه. والله أعلم)) . والوجه الآخر: أن قول ابن عباس في هذا الحديث: ((إلى غير جدار)) ؛ قد اختلف الرواة عن مالك فيه، فمنهم من ذكره عنه، ومنهم من لم يذكره، وها أنا
стр. 8448
أذكر أسماءهم:
أولاً: الذين ذكروه:
١ - إسماعيل بن أبي أويس. البخاري (٧٦) .
٢ - عبد الله بن يوسف. البخاري (٤٩٣) .
٣ - عبد الله بن مسلمة. البخاري (٨٦١) ، وبعضهم لم يذكره عنه؛ كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى.
٤ - مطرف بن عبد الله. السراج في ((مسنده)) (٣ / ٤١ / ٢) ، وهذا فيما يغلب على الظن؛ فإن النسخة المصورة لم يظهر فيها ما بين عبد الله بن مطرف وعبيد الله بن عبد الله.
٥ - ابن بكير.
ثانياً: الذين لم يذكروه:
١ - يحيى بن يحيى. في ((موطأ مالك)) (١ / ١٧١) ، وعنه مسلم (٢ / ٥٧) ، والبيهقي (٢ / ٢٧٧) .
٢ - ابن القاسم عنه. في ((المدونة)) (١ / ١١٤) ، وكذا النسائي في ((الكبرى)) ؛ كما في ((تحفة الأشراف)) (٥ / ٥٩) .
٣ - يحيى بن قزعة. البخاري (٤٤١٢) .
٤ - القعنبي: عبد الله بن مسلمة. أبو داود ((صحيح أبي داود)) (رقم ٧٠٩) ، والبيهقي (٢ / ٢٧٧) .
стр. 8449
٥ - ابن وهب. أبو عوانة في ((صحيحه)) (٢ / ٦٠) ، وابن خزيمة في
((صحيحه)) (٨٣٤) ، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١ / ٢٦٦) .
٦ - عبد الرحمن بن مهدي. ابن خزيمة أيضاً وأحمد (١ / ٣٤٢) .
٧ - أحمد بن أبي بكر. ابن حبان (٤ / ٥٥ / ٢٣٨٦ - الإحسان) ، والبغوي
في ((شرح السنة)) (٢ / ٢٤٩) .
قلت: فأنت ترى أن هؤلاء الذين لم يذكروا تلك الزيادة أكثر عدداً وأجل قدراً
من أولئك الذين ذكروها، وبخاصة أن فيهم من هو ألصق بالإمام مالك، وبرواية ((الموطأ)) أشهر؛ مثل يحيى بن يحيى - وهو النيسابوري -، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي على الخلاف عليه فيها كما تقدم.
الأمر الذي يلقي في النفس أن روايتهم أصح، أو - على الأقل - هو مما يبعد القول بجواز أنهم لم يحفظوا تلك الزيادة عن مالك، كما أن اتفاق أولئك الثلاثة على روايتها عنه يبعد القول أيضاً بجواز خطئهم على مالك فيها.
فالأقرب إلى الصواب أن يقال: إن مالكاً ﵀ هو نفسه كان يذكرها تارة،
ولا يذكرها أحياناً، فحفظ كل من هؤلاء وهؤلاء ما سمعوا منه. وكأن البيهقي أشار إلى هذه الحقيقة عقب رواية ابن بكير التي فيها هذه الزيادة بقوله:
((وهذه اللفظة ذكرها مالك بن أنس ﵀ في هذا الحديث في (كتاب المناسك) ، ورواه في (كتاب الصلاة) دون هذه اللفظة، ورواه الشافعي ﵀ عنه في القديم كما رواه في (المناسك) ، وفي الجديد كما رواه في (الصلاة)) .
стр. 8450
قلت: ولم أر في (مناسك الموطأ) هذا الذي ذكره البيهقي، والله أعلم.
هذا ((ولعل في رواية الإمام الشافعي للحديث دون الزيادة في مذهبه الجديد ما يشير إلى أن الإمام مالكاً كان يرويه كذلك في آخر أمره، وسواء ثبت هذا أو لم يثبت، فهو الراجح عندي واللائق بمنزلة الإمام مالك في العلم والحفظ؛ لمتابعة جمع من الثقات والأئمة الحفاظ له على رواية الحديث دون الزيادة، ولا بأس من ذكر أسماء الذين وقفت عليه منهم، مع التخريج:
١ - ابن أخي ابن شهاب (واسمه محمد بن عبد الله بن مسلم) . البخاري (١٨٥٧) ، وأحمد (١ / ٢٦٤) ، والسراج في ((مسنده)) (٣ / ٢٤١) .
٢ - يونس بن يزيد. مسلم (٢ / ٥٧) ، وأبو عوانة (٢ / ٦٠) ، والبخاري تعليقاً (١٨٥٣، ٤٤١٢) .
٣ - سفيان بن عيينة. مسلم أيضاً وأبو عوانة وأبو داود (رقم ٧٠٩ - صحيحه) ، والنسائي (٢ / ٦٤) ، والد ارمي (١ / ٣٢٩) ، وابن ماجه (٩٤٧) ، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (٨٣٣) ، وابن الجارود في ((المنتقى)) (٦٦ / ١٦٨) ، والطحاوي في ((شرح المعا ني)) (١ / ٢٦٦) ، والبيهقي (٢ / ٢٧٦) ، وأحمد (١ / ٢١٩) ، والحميدي (٢٧٥) ، وابن أبي شيبة (١ / ٢٧٨، ٢٨٠) ، وأبو يعلى (٤ / ٢٦٩ / ٢٣٨٢) ، والسراج أيضاً.
٤ - معمر بن راشد. عبد الرزاق (٢ / ٢٩ / ٢٣٥٩) ، ومن طريقه مسلم وأبو عوانة وابن خزيمة، وأحمد (١ / ٣٦٥) عنه وعن عبد الأعلى، وصححه الترمذي (رقم ٣٣٧) .
стр. 8451
قلت: فاتفاق كل هؤلاء الثقات على عدم ذكر تلك الزيادة مما لا يجعل النفس تطمئن لثبوتها؛ بل إن ذلك لما يرجح بكل تأكيد أنها شاذة غير محفوظة، حتى ولو فرض اتفاق الرواة عن مالك بذكرها، فكيف وقد اختلفوا عليه فيها، فكيف وأكثرهم على عدم ذكرها كما سبق بيانه، والشذوذ يثبت بأقل من هذا؛ كما لا يخفى على العلماء العارفين بهذا الفن الشريف.
ولذلك؛ أعرض عنها جمهور المؤلفين في ((الصحيح)) ؛ كمسلم وأبي عوانة وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم؛ بل إن ابن خزيمة أشار في ((صحيحه)) إلى عدم ثبوتها؛ بجزمه أنه ﷺ كان يستتر بالحربة؛ كما تقدم كلامه عند تخريج حديث عبد الكريم، وقال أيضاً بعد أن ساق الحديث دون زيادة، ونفى أن يكون النبي ﷺ رأى الأتان تمر بين يدي الصفوف (٢ / ٢٥) :
((فإن كان في الخبر أن النبي ﷺ علم بمرور الحمار بين يدي بعض من كان خلفه؛ فجائز أن تكون سترة النبي ﷺ كانت سترة لمن خلفه؛ إذ النبي ﷺ قد كان يستتر بالحربة إذا صلى بالمصلى، ولو كانت سترته لا تكون سترة لمن خلفه؛ لاحتاج كل مأموم أن يستتر بحربة كاستتار النبي ﷺ بها، فحمل العنزة للنبي ﷺ يستتر بها دون أن يأمر المأمومين بالاستتار خلفه؛ كالدال على أن سترة الإمام تكون سترة لمن خلفه)) .
وختاماً أقول: تبين مما تقدم أنه لا يصح حديث صريح في صلاته ﷺ إلى غير سترة، والزيادة التي عند البخاري ليست صريحة في ذلك، وعلى التنزل فهي شاذة لا تصح، ولذلك؛ أعرض عنها جمهور المؤلفين في ((الصحيح)) ، والله أعلم.
(تنبيه) : لقد عزا كثير من المؤلفين حديث ابن عباس بزيادة البخاري للمتفق
стр. 8452
عليه؛ كالحافظ عبد الغني المقدسي في ((عمدة الأحكام)) ، ومر عليه شراحه؛ كابن دقيق العيد والصنعاني (٢ / ٤٥٥ - ٤٦٥) ، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن آل بسام في ((تيسير العلام)) ، ومحمد فؤاد عبد الباقي في ((اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان)) (١ / ١٠٠ / ٢٨٢) ، وبالغ ابن تيمية (الجد) فقال في ((المنتقى)) :
((رواه الجماعة)) !
ومر عليه الشوكاني أيضاً في ((شرحه)) (٣ / ١٢) !
٥٨١٥ - (إن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وإن أول أهل الجنة دخولاً الجنة أهل المعروف) .
ضعيف جداً. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٨ / ٣١٢ / ٨٠١٥) : حدثنا يحيى بن محمد الحنائي: ثنا شيبان بن فروخ: ثنا عيسى بن شعيب عن حفص بن سليمان عن يزيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي أمامة مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً، وفيه علل:
الأولى: عيسى بن شعيب - وهو أبو الفضل البصري الضرير -؛ قال ابن حبان
في ((الضعفاء)) (٢ / ١٢٠) :
((كان ممن يخطئ حتى فحش خطؤه، فلما غلبت الأوهام على حديثه استحق الترك)) .
стр. 8453
ونقله مختصراً الذهبي في ((الضعفاء والمتروكين)) وأقره.
الثانية: حفص بن سليمان؛ أخشى أن يكون أبا عمر القارئ الكوفي وسكن بغداد؛ فإنه من هذه الطبقة، وهو متروك الحديث، ويحتمل أن يكون حفص بن سليمان المنقري البصري الثقة؛ فإنه قريب من هذه الطبقة. والله أعلم.
الثالثة والرابعة: يزيد بن عبد الرحمن وأبوه؛ فإني لم أعرفهما، وإليهما أشار الهيثمي بقوله في ((المجمع)) (٧ / ٢٦٣) :
((رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه)) .
ومن غرائبه أنه قال في حديث آخر رواه الطبراني قبيل هذا بالسند نفسه، ومع ذلك قال - الهيثمي - (٣ / ١١٥) :
((رواه الطبراني في ((الكبير)) ، وإسناده حسن)) !
ولم يتنبه لهذا التناقض والخطأ صاحبنا الشيخ السلفي في تعليقه على الطبراني، وقد نقل عن الهيثمي حكميه المتناقضين على الحديثين وهما بين يديه بإسناد واحد!
ثم رأيت المنذري في ((الترغيب)) (٢ / ٣١) قد حسنه أيضاً، فظننت أنه هو سبب خطأ الهيثمي؛ أي أنه اعتمد عليه في التحسين، ولم يبحث عن رجال إسناده، ولو أنه فعل؛ لم يقل - إن شاء الله - ما قال في الأول. والله أعلم.
لكن الشطر الأول منه صحيح، جاء عن جمع من الصحابة، خرجت أحاديث بعضهم في ((الروض النضير)) (١٠٢٠، ١٠٨٢) .
стр. 8454
٥٨١٦ - (كان لا يزيد في الركعتين على التشهد) (*) .
منكر. أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) (١ / ٣٣٧) من طريق عبد السلام ابن حرب عن بديل بن ميسرة عن أبي الجوزاء عن عائشة مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، وله علتان:
الأولى: الانقطاع بين أبي الجوزاء وعائشة؛ فإنه لا يعرف له سماع منها؛ كما
قال ابن عبد البر وغيره.
والأخرى: تفرد عبد السلام بن حرب بهذا السياق، وهو إن كان ثقة حافظاً
فله مناكير؛ كما في ((التقريب)) .
قلت: وهذا منها في نقدي؛ فإنه قد خولف في متنه؛ فقال الطيالسي في ((مسنده)) (١٥٤٧) : حدثنا عبد الرحمن بن بديل العقيلي - بصري ثقة صدوق - عن أبيه عن أبي الجوزاء عن عائشة قالت:
((كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير. . .)) الحديث، وفيه:
((وكان يقول في كل ركعتين التحيات. . .)) الحديث.
وقد تابعه حسين المعلم عن بديل به.
أخرجه مسلم وأبو عوانة وابن خزيمة (٦٩٩) ، وابن حبان (١٧٦٥ - الإحسان)
في ((صحاحهم)) ، وهو رواية لأ بي يعلى (٤٦٦٧) ، وهو مخرج في ((الإرواء)) (٣١٦) ، و ((صحيح أبي داود)) (٧٥٢) .
стр. 8455
(تنبيه) : خفيت هاتان العلتان على المعلق على ((مسند أبي يعلى)) ، فقال
في ((الموضعين)) : ((إسناده صحيح)) ! وقلده السقاف فيما أسماه بـ ((صحيح صلاة النبي ﷺ )) (ص ١٩٧) ، وكذلك المعلق على ((المقصد العلي)) (١ / ١٧١ / ٣٨٥) ، وكذلك الحافظ الهيثمي إلا أنه انقلب عليه اسم تابعيه! فقال في ((مجمع الزوائد)) (٢ / ١٤٢) :
((رواه أبو يعلى من رواية أبي الحويرث عن عائشة، والظاهر أنه خالد بن الحويرث، وهو ثقة، وبقية رجاله رجال (الصحيح)) ) .
قلت: فتحرف عليه أو على كاتب نسخته (أبو الجوزاء) إلى أبي الحويرث! وخالد بن الحويرث؛ لم أر من كناه بأبي الحويرث، ولا في ((كنى الدولابي)) ، ولا أنه روى عن عائشة!
ثم هو لا يعرف؛ كما قال ابن معين، وإن ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٤ / ١٩٨) .
ثم إنه قد ثبت زيادة الصلاة على النبي ﷺ في التشهد، وكذا الدعاء في الجملة، فراجع ((صفة الصلاة)) .
ونحو حديث الترجمة حديث ابن إسحاق قال: حدثني عن تشهد رسول الله ﷺ في وسط الصلاة وفي آخرها عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال:
علمني رسول الله ﷺ التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها، فكنا نحفظ عن عبد الله حين أخبرنا أن رسول الله علمه إياه، قال: فكان يقول إذا جلس في وسط الصلاة وفي آخرها على ورد اليسرى:
стр. 8456
التحيات لله. . . (فذكر التشهد) قال:
ثم إن كان في وسط الصلاة؛ نهض حين يفرغ من تشهده، وإن كان في آخرها
دعا بعد تشهده بما شاء الله أن يدعو، ثم يسلم.
أخرجه أحمد (١ / ٤٥٩) ، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (١ / ٣٥٠ / ٧٠٨) من طريق يعقوب (وهو ابن إبراهيم بن سعد) قال: حدثني أبي عن ابن إسحاق. .
قلت: وهذا إسناد حسن، صرح به ابن إسحاق بالتحديث، فأمن تدليسه، ولذلك؛ حسنه صاحبنا الدكتور الأعظمي فيما علقه على ((الصحيح)) ، وأما ذاك السقاف فصححه بكل صفاقة (ص ١٩٦) ! ولكن في هذا السياق نكارة من وجهين:
الأ ول: قوله: ((في وسط الصلاة وفي آخرها علي وركه اليسرى)) ؛ فإنه مخالف لحديث أبي حميد الساعدي الصريح في الافتراش في وسط الصلاة، والتورك في آخرها. رواه البخا ري (٤٤٨ - مختصره) .
وليس هذا فقط؛ بل إن ابن إسحاق نفسه قد اضطرب في هذه الجملة؛ فقد
قال ابن خزيمه عقبه:
((قوله: ((. . . وفي آخرها على وركه اليسرى)) ؛ إنما كان يجلسها في آخر صلاته لا في وسطها؛ كما رواه عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق، وإبراهيم بن سعيد الجوهري عن يعقوب بن إبراهيم)) .
قلت: رواية عبد الأعلى تقدمت عنده برقم (٧٠٢) ، وهي ظاهرة فيما ذكر؛ فإنها بلفظ:
стр. 8457
((كنا نحفظه عن عبد الله بن مسعود كما نحفظ حروف القرآن: الواو، والألف، فإذا جلس على وركه اليسرى؛ قال:
((التحيات لله. . .)) ، ثم يدعو لنفسه وينصرف)) .
أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٠ / ٦٤ / ٩٩٣٢) .
ورواية الجوهري صريحة في ذلك على اختصارها الشديد؛ فإنها عنده (٧٠١) بلفظ:
((أن رسول الله ﷺ كان يجلس في آخر صلاته على وركه اليسرى)) .
وهذه الرواية الأخيرة إذا حملت محلى رواية البخاري الموضحة أن التورك في التشهد الثاني الأخير؛ استقام معناها، وإلا؛ فهي منكرة بإطلاقها.
والآخر: قوله: ((نهض حين يفرغ من تشهده)) .
فإنه أولاً: مخالف لكل طرق حديث ابن مسعود في تعليمه ﷺ إياه صيغة التشهد، وقد استقصى الحافظ الطبراني طرقه أو أكثر طرقه عنه في ((المعجم الكبير)) ؛ فقد عقد له باباً خاصاً؛ خلافاً لغالب عادته في المجلد العاشر (ص ٤٨ - ٧٠ رقم ٩٨٨٣ - ٩٩٤٢) .
وثانياً: هو مخالف لطريق أبي الأحوص عن ابن مسعود في هذا التعليم بلفظ:
((إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: ((التحيات لله. . . ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه، فليدع به)) .
ورواه غيره أيضاً بسند صحيح، وقد خرجته في ((الصحيحة)) (٨٧٨) ، وله
стр. 8458
شاهد ذكرته في ((صفة الصلاة)) الطبعة الجديدة.
وهذا الحديث من جملة أحاديث كثيرة لابن إسحاق، لا يسع الواقف عليها والباحث فيها إلا أن يشهد للحافظ الذهبي بسعة حفظه، ودقة نقده للرجال؛ فإن المعروف عند المتأخرين أن ابن إسحاق إذا صرح بالتحديث فقد جاوز القنطرة، ونجا حديثه من العلة، وليس ذلك على إطلاقه! فتأمل قول الحافظ الذهبي بعد أن ساق أقوال الموثقين والجارحين لابن إسحاق في ((ميزانه)) :
((فالذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال، صدوق، وما انفرد به ففيه نكارة؛ فإن في حفظه شيئاً، وقد احتج به أئمة، فالله أعلم، وقد استشهد مسلم بخمسة أحاديث لابن إسحاق، ذكرها في (صحيحه)) ) .
قلت: فاظفر بهذا التحقيق، وعض عليه بالنواجذ، ولا يغرنك حماسة بعض القاصرين والناشئين الذين يتسرعون إلى إنكار ما لم يحيطوا بعلمه، كالاحتجاج ببعض المبادئ العامة التي جهلوا أنها ليست على إطلاقها وشمولها؛ كهذا الذي شرحناه من حال ابن إسحاق، والله أعلم.
٥٨١٧ - (يا عائشة! أرخي علي مرطك. قالت: إني خائض. قال: علةً وبخلاً! إن حيضتك ليست في يديك) .
منكر. أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) (٧ / ٤٥٨) من طريق حماد عن أبي حمزة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يصلي فوجد القر، فقال:. . . فذكره.
ومن هذه الطريق أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٤ / ٢٣٩) وقال مضعفاً:
стр. 8459
((غريب من حديث إبراهيم، لم يروه عنه إلا أبو حمزة ميمون)) .
قلت: وهو ضعيف اتفاقاً، وإلى ذلك أشار الذهبي بقوله في ((الكاشف)) :
((ضعفوه)) . وقال الحافظ:
((ضعيف)) .
فالعجب من الهيثمي في قوله (٢ / ٥٠) :
((رواه أبو يعلى، وإسناده حسن)) !
فلعله توهمه غيره، وإلا؛ فالحديث منكر، لأنه قد جاء من طرق عن عائشة:
أنه ﷺ قال لعائشة:
((ناوليني الخمرة من المسجد)) . قالت: إني حائض. فقال:
((إن حيضتك ليست في يدك)) .
أخرجه مسلم وغيره، وهو مخرج في ((الإرواء)) (١٩٤) ، وهو رواية لأبي يعلى (٤٤٨٨، ٤٦٦٦) ، وله شاهد من حديث أبي هريرة وميمونة، وهما مخرجان في المصدر المذكور.
فهذا هو المحفوظ، ليس فيه ذكر المرط و ((علة وبخلاً)) .
٥٨١٨ - (لما أخذ الله ميثاق العباد؛ جعل في الحجر، فمن الوفاء بالبيعة استلام الحجر) .
موضوع. أخرجه الدولابي في ((الذرية الطاهرة)) (ق ٢٧ / ٢) من طريق
стр. 8460
سعيد بن خثيم عن إسماعيل بن أبي يحيى عن فاطمة بنت حسين عن أبيها
مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد منكر؛ بل موضوع؛ آفته إسماعيل بن أبي يحيى، وهو الكعبي؛ قال ابن عدي (١ / ٣٣١) :
((حدث عن جماعة من الثقات مناكير)) . وقال ابن حبان في ((الضعفاء)) (١ / ١٣٧) :
((روى عنه علي بن معبد، ينفرد عن الثقات بما ليس من حديث الأثبات، ويأتي عن الأئمة المرضيين بما هو من حديث الضعفاء والكذابين، لا تحل الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار)) .
ثم غفل ابن حبان عن هذا، فذكره في ((الثقات)) أيضاً (٨ / ١٠٩) ((من رواية علي بن معبد عنه، وانتقده لذلك الحافظ في ((اللسان)) ، وقال الذهبي في ((الميزان)) :
((هالك)) .
٥٨١٩ - (أنت أعلم. قاله لمن سأله عن أفضل الأعمال، فأجابه بـ ((الجهاد في سبيل الله)) . قال الرجل: فإن لي والدين. قال ﷺ : آمرك بالوالدين خيراً)) . قال: والذي بعثك بالحق نبياً! لأجاهدن، ولأتركنهما. قال:. . . فذ كره) .
منكر. أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٢٥٨ - موارد) ، وأحمد (٢ / ٧٢) من طريقين عن حيي بن عبد الله: أن أبا عبد الرحمن حدثه: أن عبد الله
стр. 8461
ابن عمرو قال:
إن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، فساله عن أفضل الأعمال؟ فقال رسول الله ﷺ : الصلاة. ثم قال: مه؛ قال:
((الصلاة)) . ثم قال: مه؛ قال:
((الصلاة)) . (ثلاث مرات) . قال: فلما غلب عليه؛ قال رسول الله ﷺ :
((الجهاد في سبيل الله)) . قال الرجل:. . . الحديث.
قال الهيثمي (١ / ٣٠١) بعد أن عزاه لأحمد:
((وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، وقد حسن له الترمذي، وبقية رجاله رجال (الصحيح)) ) .
قلت: ابن لهيعة لم يتفرد به ((كما تقدمت الإشارة إليه؛ فقد تابعه ابن وهب: عند ابن حبان.
وإنما علة الحديث حيي بن عبد الله، وهو:
أولاً: ليست من رجال ((الصحيح)) .
وثانياً: مختلف فيه، وقال الحافظ في ((التقريب)) :
((صدوق يهم)) .
قلت: فهو وسط، فمثله يحسن حديثه؛ إلا عند المخالفة، وأنا أرى - خلافاً للحافظ - أنه وهم في هذا الحديث مرتين:
стр. 8462
الأولى: أنه خلط بين حديث من سأل عن العمل، وحديث من استأفي ن النبي ﷺ عن الجهاد معه؛ فالأول من حديث ابن مسعود نحوه؛ دون قوله: (ثلاث مرات) . ورواه الشيخان، وهو مخرج في " الإرواء " (١١٩٨) . والأخرى: قد جاء من طرق أربعة أخرى عن ابن عمر مختصرأ بلفظ:
جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فاستأذنه في الجهاد، فقال:
" أحي والداك؛ " قال: نعم. قال:
" ففيهما فجاهد ".
رواه الشيخان أيضا، وهو مخرج في المصدر السابق (١١٩٩) مع شواهد له، وكلها لم تذكر: " والذي بعثك بالحق. . . " إلخ، بل في بعضها من حديث أبي سعيد:
" ارجع إليهما؛ فاستأذنهما، فإن أذنا لك؛ فجاهد، وإلا؛ فبرهما ".
من أجل ذلك رأيت أن حديث الترجمة منكر. وأما الحافظ؛ فقد استشهد به؛ فقال في " الفتح " (٦ / ١٤٠) تحت حديث الشيخين المتقدم، وقد ترجم له البخاري ب (باب الجهاد بإذن الأبوين) ؛ قال الحافظ عقب حديث أبي سعيد:
" قال جمهور العلماء: يحرم الجهاد إذا منع الأبوان أو أحدهما؛ بشرط أن يكونا مسلمين؛ لأن برهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعين الجهاد؛ فلا إذن، ويشهد له ما أخرجه ابن حبان من طريق أخرى عن عبد الله بن عمرو. . . (فذكره، وقال:) وهو محمول على جهاد فرض العين؛ توفيقا بين الحديثين ".
قلت: التوفيق فرع التصحيح؛ كما هو معلوم، ولم يتحقق هذا في حديث
стр. 8463
الترجمة كما تقدم. والله أعلم.
٥٨٢٠ - (من قام [من] الليل، فتوضأ، ومضمض فاه، ثم قال: سبحان الله (مئة مرة) ، والحمد لله (مئة مرة) ، ولا إله إلا الله (مئة مرة) ، والله أكبر (مئة مرة) ؛ غمرت له ذنوبه؛ إلا الدماء والأموال؛ فإنها لا تبطل)
منكر. أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٦ / ٦٣ / ٥٤٨٤) من طريق محمد بن سعد العوفي: حدثني أبي: ثنا عمي الحسين عن يونس بن نفيع الجدلي عن سعد بن جنادة قال:
شهدت مع النبي ﷺ حنينا، فسمعته وهو يقول:. . . فذكره.
وروى قبله حديثا آخر بهذا الإسناد بلفظ:
كنت في أول من أتى النبي ﷺ من أهل الطائف، فخرجت من أهلي من السراة غدوة، فأتيت منى عند العصر، فصاعدت في الجبل، ثم هبطت، فأتيت النبي ﷺ ، فأسلمت، وعلمني (قل هو الله أحد) و (إذا زلزلت الأرض
زلزالها) ، وعلمني هؤلاء الكلمات:
" سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ". وقال:
" هن الباقيات الصالحات ".
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ مسلسل بالضعفاء من الحسين - وهو ابن الحسن ابن عطية - إلى سعد - وهو ابن محمد بن الحسن بن عطية بن سعد بن جنادة -؛ فإنهما ضعيفان مترجمان في " اللسان "، ولعلهما من ضعفهما جاءا برجل في
стр. 8464
الإسناد لا يوجد له ذكر في شيء من كتب الرجال، وهو يونس بن نفيع الجدلي، ولهما ترجمة في " تاريخ بغداد " (٨ / ٢٩ - ٣٢ و ٩ / ١٢٦ - ١٢٧) .
وأما العوفي الأدنى: محمد بن سعد العوفي؛ فقال الخطيب (٥ / ٣٢٣) :
" كان لينا في الحديث، وذكر الحاكم أبو عبد الله أنه سمع الدارقطني ذكره فقال: لا بأس به ".
ثم ذكر له الخطيب حديثا وهم في اسمه أحد رواته.
ومما سبق؛ تعلم تقصير الهيثمي في إعلال الحديثين بأحد الضعفاء المتقدمين؛ فقال (٢ / ٢٦٤ و ٧ / ١٦٦) في كل منهما:
" رواه الطبراني، وفيه الحسين بن الحسن العوفي؛ وهو ضعيف ".
وساقهما ابن كثير في " تفسيره " (٣ / ٨٦ - ٨٧) ساكتا عنهما، فاغتر به مختصره الرفاعي؛ فأورده في " كتابه " (٣ / ٧٧) موهما القراء صحتهما بما سوده
في مقدمته!
وفي كون " سبحان الله. . . " - إلى آخره - الباقيات الصالحات؛ أحاديث أخرى، بعضها صحيح، خرجت بعضها في " الروض النضير " (١٠٩٢) ، وانظر " صحيح الجامع " (٣٢٠٩) .
٥٨٢١ - (إن أبغض عباد الله إلى الله العفريت النفريت، الذي لم يرزأ في مال ولا ولد)
موضوع. أخرجه البيهقي في " شعب الإيمان " (٣ / ٢ / ١٤٦ / ٢) من
стр. 8465
طريق محمد بن يونس: ثنا سعيد بن عامر: ثنا شعبة عن عاصم الأحول عن أبي عثمان:
أن رجلا أتى النبي ﷺ دحيمان فلان (كذا) ، فقال له النبي ﷺ :
" ما رزيت في مال ولا ولد؛ " قال: لا. قال:. . . فذكره.
قلت: هذا مرسل موضوع؛ آفته محمد بن يونس - وهو الكديمي -، وهو وضاع مشهور، وتقدمت له أحاديث عديدة، وهو ممن سود السيوطي بأحاديثه كتابه " الجامع الصغير "، وبعضها مما حكم هو بوضعها في غيره؛ ككتابه " ذيل الأحاديث الموضوعة "؛ فقد أخرج له فيه حديثا تقدم برقم (٣٦٨) ، ثم قال عقبه:
" الكديمي، متهم ".
والحديث؛ مما أورده السيوطي في " الجامع الصغير " وأعله بالإرسال، ولم يتكلم على إسناده المناوي بشيء، ولذلك؛ كنت أشرت في " ضعيف الجامع " (١٣٥٨) إلى ضعفه؛ لإرساله، والآن وقد يسر الله الوقوف على سنده وتبين أن فيه ذاك الوضاع الكديمي؛ فقد عدلت عن تضعيفه إلى الحكم عليه بالوضع.
٥٨٢٢ - (الكيس من عمل لما بعد الموت، والعاري العاري من
الدين) .
موضوع. أخرجه البيهقي في " الشعب " (٣ / ٣ / ٧٠ / ١) من طريق محمد بن يونس: ثنا عون بن عمارة القيسي: ثنا هشام بن حسان عن ثابت عن أنس بن مالك قال:
стр. 8466
جاءت بي أم سليم إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! خادمك أنس، فادع له وهو كيس، وهو عار يا رسول الله! فإن رأيت أن تكسوه رازقتين يستتر بهما! فقال رسول الله ﷺ :. . . فذكره. وزاد في آخره:
" اللهم! لا عيش إلا عيش الآخرة، اغفر للأنصار والمهاجرة ". وقال:
" ابن عمارة؛ ضعيف، وله شاهد من حديث شداد بن أوس في بعض ألفاظه ".
قلت: لي على ذلك ملاحظتان:
الأولى: أن قوله: " في بعض ألفاظه "، ليس كما ينبغى، والصواب أن يقال: " وللجملة الأولى منه. . . ".
والأخرى: أن هذا الشاهد في نفسه ضعيف؛ كما هو مبين في " الروض النضير "، فلا ينفع حديث الترجمة ولا يعطيه قوة؛ لأنه أشد ضعفا من هذا، وإعلاله بابن عمارة فقط تقصير ظاهر؛ فإن الراوي عنه محمد بن يونس أسوأ حالا منه؛ لأنه مشهور بالوضع؛ كما تقدم في الذي قبله.
وخفي هذا على المناوي؛ فقلد البيهقي في الاقتصار المذكور، وزاد عطفا على تضعيف البيهقي؛ فقال:
" وممن ضعفه أبو حاتم وغيره ".
وكنت أثبته في ذلك لما خرجت " ضعيف الجامع الصغير "، فاقتصرت فيه على تضعيفه، والآن بدا لي - وقد وقفت على سنده - أن في ذلك تساهلا ظاهرا
لحال الكديمي؛ إلا أن يكون وقف له على متابع، وذلك مما أستبعده، والله أعلم.
стр. 8467
وأما الزيادة فهي صحيحة؛ لأن لها شواهد منها حديث أنس ﵁ في قصة بناء المسجد النبوي، وفيه:
" وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي ﷺ معهم:
اللهم لا خير إلا خير الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة " وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (٤٧٨) .
وفي حديث آخر بلفظ: " إنما العيش عيش الآخرة ".
٥٨٢٣ - (حقيق بالمرء أن يكون له مجالس يخلو فيها، ويذكر ذنوبه؛ فيستغفر الله منها) .
موضوع. أخرجه البيهقي وفي " الشعب " (١ / ١ / ١٥٣ / ٢) : أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي: أنا أبو منصور الضبعي: ثنا أحمد بن يحيى بن سيرين: ثنا أحمد بن يونس: ثنا زائدة عن الأعمش عن مسروق قال:
كفى بالمرء علما أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بنفسه. قال: وقال رسول الله ﷺ :. . . فذكره.
قلت: وهذا إسناد مظلم موضوع؛ آفته أبو عبد الرحمن السلمي؛ فإنه كان يضع للصوفية كما تقدم مرارا، فانظر الأحاديث المتقدمة (٧٨٤، ٨٢٣، ٩١٥) . ومن بينه وبين أحمد بن يونس؛ لم أعرفهما.
стр. 8468
ولعل أصل الحديث موقوف على مسروق كما تقدم قبله؛ فقد ساقه البيهقي
من طريق شعبة عن سليمان عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال:. . . فذكره كما تقدم؛ إلا أنه قال: " بعمله " مكان: " بنفسه ".
والحديث من الأحاديث التي كنت أوردتها في " ضعيف الجامع الصغير " متمسكا في ذلك بكونه مرسلا، والآن فقد تبين أن فيه ذاك المتهم مع المخالفة في
الرفع، ولم يتكلم عليه المناوي بشيء!
٥٨٢٤ - (سبعة يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام مقسط، ورجل لقيته امرأة ذات جمال ومنصب، فعرضت نفسها عليه،
فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل قلبه متعلق بالمساجد، ورجل تعلم القرآن في صغره؛ فهو يتلوه في كبره؛، ورجل تصدق بصدقة بيمينه فأخفاها عن شماله، ورجل ذكر الله في برية ففاضت عيناه، خشية من
الله ، ورجل لقي رجلا فقال: إني أحبك في الله. فقال له الرجل: وأنا أحبك في الله) .
منكر بهذا السياق. أخرجه البيهقي في " الشعب " (١ / ١٦٠ / ١ / ١)
من طريق عبد الله بن عامر الأسلمي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا به. وقال:
" غريب من هذا الوجه، وهو حديث صحيح من حديث حفص بن عاصم
عن أبي هريرة ".
قلت: حديث ابن عاصم محفوظ في " الصحيحين " وغيرهما، وليس فيه
стр. 8469
الفقرة الرابعة، ولا السابعة، ولا قوله في السادسة: " في برية "، وهو مخرج في " إرواء الغليل " (٨٨٧) ، ولذلك؛ قلت في سياق حديث الترجمة: إنه منكر. وعلته عبد الله بن عامر الأسلمي؛ فإنه مجمع على ضعفه؛ بل أشار البخاري إلى أنه ضعيف جدا بقوله: " ذاهب الحديث ". ولقد عرفه ابن حبان جيدا؛ فقال في " الضعفاء " (٢ / ٦) :
" كان ممن يقلب الأسانيد والمتون، ويرفع المراسيل والموقوف ".
ومن الواضح أن هذا مما انقلب عليه متنه وإسناده، والله أعلم.
٥٨٢٥ - (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القبامة: الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها) .
ضعيف. أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٤ / ٣٩١ - هندية) : حدثنا مروان بن معاوية عن عمر بن حمزة العمري قال: عبد الرحمن بن سعد - مولى لأبي سفيان - قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ :. . . فذكره.
ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه مسلم (٤ / ١٥٧) ، وأبو نعيم في " الحلية " (١٠ / ٢٣٦ - ٣٢٧) .
وخالفه في اللفظ الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني: ثنا مروان بن معاوية الفزاري به؛ إلا أنه قال:
" إن أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة رجل يفضي. . . " الحديث.
стр. 8470
أخرجه البيهقي في " السنن " (٧ / ١٩٣ - ١٩٤) .
وتابع الزعفراني: يحيى بن معين فقال: ثنا مروان بن معاوية به؛ إلا أنه زاد
في أوله (من) ؛ فقالت:
" إن من أعظم. . . " الحديث.
أخرجه ابن السني في " عمل اليوم والليلة " (١٩٧ / ٦٠٨) . وقال أحمد (٣ / ٦٩) : ثنا إسماعيل بن محمد - يعني: أبا إبراهيم المعقب -: ثنا مروان - يعني: ابن معاوية الفزاري - به.
وأبو إبراهيم هذا؛ وثقه أحمد، وله ترجمة في " تاريخ بغداد " (٦ / ٢٦٥ - ٢٦٦) ، و " التعجيل ".
وتابع مروان بن معاوية على هذا اللفظ: أبو أسامة عن عمر بن حمزة به.
أخرجه مسلم وأبو داود (٢ / ٢٩٧ - التازية) ، وأبو نعيم أيضا (١٠ / ٢٣٦) .
قلت: يبدو جليا من هذا التخريج أن اللفظ الأخير أرجح مما قبله؛ لمتابعة أبي أسامة لمروان عليه، لكن مدارها كلها على عمر بن حمزة العمري؛ وهو ممن ضعف من رجال مسلم؛ فقال الذهبي في كتابه " الكاشف ":
" ضعفه ابن معين والنسائي. وقال أحمد: أحاديثه مناكير ". وكذا قال في
" الميزان "، وزاد:
" قلت: له عن عبد الرحمن بن سعد عن أبي سعيد مرفوعا: " من شرار الناس منزلة يوم القيامة رجل يفضي إلى المرأة. . . " الحديث. فهذا مما استنكر لعمر ".
стр. 8471
قلت: ولذلك؛ جزم الحافظ بضعفه في " التقريب "؛ فقال:
" ضعيف ".
وهو بذلك يعطي القارئ خلاصة الأقوال التي قيلت في الرجل من تعديل
وتجريح.
قلت: وروايته لهذا الحديث على اللفظين المتقدمين:
١ - " إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة. . . ". ٢ - " إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة. . . ".
أقول: " فاضطرابه في روايته لهذا الحديث الواحد على هذين اللفظين اوشتان ما بينهما من حيث المبنى والمعنى؛ لدليل واضح على سوء حفظه، وقلة ضبطه، وتقدم له حديث آخر في النهي عن الشرب قائما، زاد فيه:
" فمن نسي؛ فليستقئ " (رقم ٩٢٧) .
فلا جرم أنه ضعفه من تقدم ذكرهم من الأئمة والحفاظ المتقدمين والمتأخرين، وعليهم كنت اعتمدت في تضعيف الحديث في " آداب الزفاف في السنة المطهرة ".
ثم اقتضى ما أوجب إعادة الكلام عليه بزيادة في التحقيق والتخريج، ذلك أن أحد الإخوان الأفاضل - جزاه الله خيرا - أرسل إلي بالبريد المسجل كتابا، بعنوان: " تنبيه المسلم إلى تعدي الألباني على صحيح مسلم "، تأليف محمود سعيد ممدوح، فعرفت من اسم الكتاب ومؤلفه أنه حاقد حاسد من أولئك المبتدعة الذين
стр. 8472
يتتبعون العثرات، ويبغونها عوجا، ولما تصفحته رأيت فيه العجب العجاب من التحامل وسوء الظن والتجهيل والتطاول علي، وغير ذلك مما لا يمكن وصفه وحصره في هذه الكلمة العجالة، وأصل ذلك أنه وضع قاعدة من عنده نسبني من أجلها إلى مخالفة الإجماع، وما هو إلا الذي حل في مخه؛ فقال (ص ٧) :
" أما مخالفته للإجماع فإن الأمة اتفقت على صحة ما في مسلم من الأحاديث وأنها تفيد العلم النظري، سوى أحرف يسيرة معروفة وهي صحيحة، لكنها لا تفيد العلم "!
كذا قال المسكين من عندياته: " وهي صحيحة "!
وبناء عليه تهجم علي في بعض الأحاديث التي كنت انتقدتها في بعض مؤلفاتي، منها حديث الترجمة؛ فإنه سود أكثر من أربع عشرة صفحة في تقوية عمر بن حمزة هذا، ساردا أقوال من عدله، ونصب نفسه مجتهدا أكبر ليرد على أولئك الحفاظ الذين ضعفوه، ولكن بطرق ملتوية كثيرة، حتى ألقي في نفسي أنه من أولئك المقلدة الذين يتأولون نصوص الكتاب والسنة حتى لا تخالف أهواءهم؛ فقد صنع المذكور مثل صنيعهم؛ فقد نصب نفسه لتوثيق عمر الذي ضعفوه؛ نكاية وتشهيرا بالألباني مهما كانت السبل التي يسلكها في سبيل ذلك، فالغاية عنده
تبرر الوسيلة! والعياذ بالله تعالى.
وشرح هذا الإجمال وبيان ما في كلامه من اللف والدوران والظلم، وتحريف الكلام وإخراجه عن دلالته الظاهرة؛ مما يحتاج إلى فراغ ومراجعة لكتب العلماء في المصطلح وغيره، وهذان لا أجده في غمرة ما أنا فيه من تحقيق لمشروعي العظيم " تقريب السنة بين يدي الأمة "، هذا في نقده في صفحاته السوداء المشار إليها
стр. 8473
آنفأ، فما بالك لو أردنا أن نرد على كتابه كله. فلعل الله يسخر له من إخواننا من يكشف ما فيه من الجهل والطعن والتحامل والظلم؛ ليرد الحق إلى نصابه.
ولكن لا بد من أن أضرب على ذلك مثلا أو أكثر - إن تيسر - حول هذا الحديث الضعيف.
لقد تقدم نقلي عن الذهبي أنه قال في عمر بن حمزة:
" ضعفه ابن معين والنسائي. وقال أحمد: أحاديثه مناكير ".
فحرف المذكور قول أحمد هذا: " أحاديثه مناكير " بأنه يعني بالنكارة التفرد.
ثم نقل عن الحافظ ابن حجر وكذا ابن رجب ما يؤيد به وجهة نظره بزعمه، وهو - لبالغ جهله بهذا العلم الذي يبدو من كتابه هذا أنه حديث عهد به مع غلبة العجب والغرور عليه - لا يفرق بين من قيل فيه: " يروي مناكير " - وهو ما نقله عن أحمد - وببن من قيل فيه: " منكر الحديث "! فهذا غير ذاك، ومثله - بل أبلغ منه - قول أحمد في عمر: " أحاديثه مناكير "؛ فإنه وصف شامل لجميع أحاديثه، فمثله لا يكون ثقة ألبتة، وهذا مما نبه عليه أبو الحسنات اللكنوي ﵀ في " الرفع والتكميل "، فقال (ص ٩٤) :
" وقال السخاوي في " فتح المغيث ": قال ابن دقيق العيد في " شرح الإلمام ": قولهم: " روى مناكير "؛ لا يقتضي بمجرده ترك روايته حتى تكثر المناكير في روايته وينتهي إلى أن يقال فيه: " منكر الحديث "؛ لأن " منكر الحديث " وصف في الرجل يستحق الترك لحديثه، والعبارة الأخرى لا تقتضي الديمومة. كيف وقد قال أحمد بن حنبل في محمد بن إبراهيم التيمي: يروي أحاديث مناكير، وهو ممن اتفق عليه الشيخان. . . ".
стр. 8474
فتأمل أيها القاري الكريم كيف فرق الإمام ابن دقيق العيد بين من يقال فيه:
" منكر الحديث " وبين من قال فيه أحمد: " يروي مناكير "، مع كونه ثقة؛ يتبين
لك أن الرجل لا يوثق بنقله؛ لأنه يموه به على الناس ويبعد بهم عن الحقيقة التي كان عليه أن لا يكتمها، وإن مما لا يرتاب فيه ذو فقه في اللغة أن قول أحمد في عمر: " أحاديثه مناكير " مثل قول من قيل فيه: " منكر الحديث "؛ بل لعل الأول أبلغ، فهو يستحق الترك لحديثه؛ فإن هذا ممن قال فيه أحمد: " يروي مناكير ".
ذاك مثال من تلاعب الرجل بأقوال العلماء وتدليسه بها على القراء.
ومثله تحريفه لكلام الذهبي المتقدم في حديث الترجمة:
" فهذا مما استنكر لعمر ".
فإنه تأوله بأنه أراد أنه من مفاريد عمر! بعد أن سود صفحة كاملة في بيان معاني (النكارة) ؛ تمويها وتضليلا، جاهلا أو متجاهلا - وأحلاهما مر - أن الذهبي قال هذه الكلمة بعد أن ضعف عمر كما تقدم، وإنما يمكن أن يؤول ذاك التأويل لو قاله في عمر وهو عنده ثقة، وهيهات!
وإن من عجائب هذا الرجل أنه أيد تحريفه المذكور بقوله (ص ١٤٧) :
" ثم ختم الترجمة بقوله: واحتج به مسلم ". وعقب عليه بقوله:
" ومن المعلوم أن مسلما لا يحتج إلا بثقة عنده "!
نقول: نعم؛ وهل البحث في كونه ثقة عند مسلم؟ ! هذا أمر مفروغ منه، وإنما ذلك من الذهبي لمجرد البيان، فأين التأييد المزعوم بعد ذاك التضعيف الصريح في
стр. 8475
كتابيه: " الكاشف " و " الميزان " مع استنكاره لحديثه؟ !
ومما يؤكد ما سبقت الإشارة إليه من قلبه للحقائق العلمية: أنه رد على قولي
في آخر الحديث في " الآداب ":
" ولم أجد حتى الآن ما أشد به هذا الحديث. والله أعلم ".
فرد بأمرين (ص ١٥٤) :
" الأول: أن عمر بن حمزة قد يكون توبع، ولكن الشيخ الألباني لم يقف على المتابعة. . . ".
فأقول: نعم؛ وإلى الآن لم نجد له متابعا، فهل وجدت أنت ذلك مع شدة حرصك على الكشف عن أخطاء الألباني والتشهير به؟ ! لو وجدت؛ لبادرت إلى ذكره، فما فائدة قولك حينئذ: " قد يكون توبع " إلا الشغب! وهل تستطيع أن تحكم على حديث بالضعف إلا وعاد عليك قولك: " قد يكون توبع "! أو تقول: قد يكون له شواهد! كما قلت نحوه هنا، وهو:
" الثاني: أن هناك شواهد كثيرة. ونقول تأدبا مع " صحيح مسلم " يتقوى بحديث مسلم ولا يتقوى بها "!
فأقول: هذا تأدب بارد مع " الصحيح " من حيث أراد تعظيمه؛ لأن قوله: " ولا يتقوى بها " خطأ من ناحيتين:
الأولى: من حيث قصده، والأخرى: من حيث حقيقة الشواهد المزعومة.
أما الأولى: فكل عارف بهذا العلم الشريف لا يخفى عليه أن الحديث ولو