وعزاه السيوطي في " الجامع " للطبراني والبيهقي في " سننه ". وقال الهيثمي في " المجمع " (٤ / ١٧) : "
رواه الطبراني عن ابن عباس، وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزي وهو ضعيف ".
قلت: بل هو ضعيف جدا، فقد قال ابن حبان: " روى مناكير كثيرة، وأوهاما غليظة حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها ". وقال البرقي فيه: " كان يتهم بالكذب ".
وأشار إلى هذا الذي ذكره البرقي الإمام البخاري بقوله فيه: " سكتوا عنه "، قال الحافظ ابن كثير في " اختصار علوم الحديث " (ص ١١٨ تحقيق الشيخ أحمد شاكر ﵀ : " إذ قال البخاري في الرجل: " سكتوا عنه "، أو " فيه نظر "، فإنه يكون في أدنى المنازل وأردئها عنده، ولكنه لطيف العبارة في التجريح، فليعلم ذلك ". قال شارحه أحمد شاكر: " وكذلك قوله: " منكر الحديث " فإنه يريد الكذابين، ففي " الميزان " للذهبي (ج ١ ص ٥) : نقل ابن القطان أن البخاري قال: كل من قلت فيه: منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه ".
٥٢٥ - " ما عمل ابن آدم في هذا اليوم أفضل من دم يهراق، إلا أن تكون رحما توصل ".
ضعيف.
قال المنذري (٢ / ١٠٢) : " رواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس وفي إسناده يحيى بن الحسن الخشني لا يحضرني حاله ". وأما الهيثمي فقال (٤ / ١٨) : " هو ضعيف وقد وثقه جماعة ". كذا قال، ولم أجد له ذكرا في شيء من كتب الرجال التي عندي. والله أعلم.
هذا ما كنت نشرته في " مجلة التمدن الإسلامي " الغراء، وأزيد الآن فأقول: ذكر السمعاني في مادة (الخشني) جمعا من الرواة منهم الحسن بن يحيى الخشني، وحكى اختلاف العلماء فيه، وهو من رجال " التهذيب " وقال الحافظ في " التقريب ": " صدوق كثير الغلط ".
فلعله هو راوي هذا الحديث، لكن انقلب اسمه على بعض نساخ " الطبراني " فقال: " يحيى بن الحسن الخشني " فلم يعرفه المنذري، وعرفه الهيثمي، ولكنه فاته أن ينبه على انقلاب اسمه على الناسخ، والله أعلم. ثم راجعت " معجم الطبراني الكبير " فوجدت الحديث فيه (٣ / ١٠٤ / ١) عن الحسن بن
стр. 842
يحيى الخشني عن إسماعيل بن عياش عن ليث عن طاووس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في يوم الأضحى.... فذكره. قلت: فتبين أنه هو الحسن بن يحيى الذي ذكره السمعاني وأنه انقلب اسمه على بعضهم. وازددت علما بضعف الحديث حين رأيت فيه إسماعيل بن عياش وليث وهو ابن أبي سليم فهو إسناد مسلسل بالضعفاء! . والحمد لله على توفيقه.
٥٢٦ - " ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إرهاق الدم، إنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفسا ".
ضعيف.
أخرجه الترمذي (٢ / ٣٥٢) وابن ماجة (٢ / ٢٧٢) والحاكم (٤ /٢٢١ - ٢٢٢) والبغوي في " شرح السنة " (١ / ١٢٩ / ١) من طريق أبي المثنى سليمان بن يزيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا. قلت: وحسنه الترمذي وقال الحاكم: " صحيح الإسناد "! فتعقبه الذهبي بقوله: " قلت: سليمان واه، وبعضهم تركه ". وكذلك تعقبه المنذري في " الترغيب " (٢ / ١٠١) فقال: " رووه كلهم من طريق أبي المثنى وهو واه وقد وثق ". وقال البغوي عقبه: " ضعفه أبو حاتم جدا ".
стр. 843
٥٢٧ - " الأضاحي سنة أبيكم إبراهيم، قالوا: فما لنا فيها؟ قال: بكل شعرة حسنة، قالوا: فالصوف؟ قال: بكل شعرة من الصوف حسنة ".
موضوع.
أخرجه ابن ماجة (٢ / ٢٧٣) والحاكم (٢ / ٣٨٩) عن عائذ الله بن عبد الله المجاشعي عن أبي داود السبيعي عن زيد بن أرقم قال: " قال أصحاب رسول الله ﷺ : ما هذه الأضاحي قال ": فذكره. وقال الحاكم: " صحيح الإسناد "! فرده الذهبي بقوله: " قلت: عائذ الله قال أبو حاتم: منكر الحديث ".
وهذا تعقب قاصر يوهم أنه سالم ممن فوق عائذ، قال المنذري بعد أن حكى تصحيح الحاكم: " بل واهية، عائذ الله هو المجاشعي وأبو داود هو نفيع بن الحارث الأعمى وكلاهما ساقط ". وأبو داود هذا قال الذهبي فيه: " يضع ". وقال ابن حبان: " لا تجوز الرواية عنه، هو الذي روى عن زيد بن أرقم ... " فذكر الحديث.
стр. 844
٥٢٨ - " يا فاطمة! قومي إلى أضحيتك فاشهديها، فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه، وقولي: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين) . قال عمران بن حصين: قلت: يا رسول الله! هذا لك ولأهل بيتك خاصة وأهل ذاك أنتم - أم للمسلمين عامة؟ قال: لا، بل للمسلمين عامة ".
منكر.
أخرجه الحاكم (٤ / ٢٢٢) من طريق النضر بن إسماعيل البجلي: حدثنا أبو حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير عن عمران بن حصين مرفوعا. وقال: " صحيح الإسناد "! فرده الذهبي بقوله: " قلت: بل أبو حمزة ضعيف جدا، و [ابن] إسماعيل ليس بذاك ".
ومن طريق أبي حمزة واسمه ثابت بن أبي صفية رواه الطبراني في " الكبير " و" الأوسط " كما في " المجمع " (٤ / ١٧) .
ثم ساق له الحاكم شاهدا من طريق عطية عن أبي سعيد الخدري مرفوعا دون قوله: " وقولي.... " وجعل: " قلت: يا رسول الله هذا لك ... " من قول فاطمة، ورده الذهبي أيضا بقوله: " قلت: عطية واه ".
ومن طريقه رواه البزاز وأبو الشيخ ابن حيان في " كتاب الضحايا " كما في " الترغيب " (٢ / ١٠٢) وقال ابن أبي حاتم في " العلل " (٢ / ٣٨ - ٣٩) : " سمعت أبي يقول: هو حديث منكر ".
ورواه أبو قاسم الأصبهاني عن علي نحوه كما في " الترغيب ". وقال: " وقد حسن بعض مشايخنا حديث علي هذا، والله أعلم ".
стр. 845
٥٢٩ - " من ضحى طيبة بها نفسه، محتسبا لأضحيته، كانت له حجابا من النار ".
موضوع.
قال الهيثمي في " المجمع " (٤ / ١٧) وقد ذكره من حديث حسن بن علي: " رواه الطبراني في " الكبير " وفيه سليمان بن عمرو النخعي وهو كذاب ". قلت: وقال ابن حبان فيه (١ / ٣٣٠) : " كان رجلا صالحا في الظاهر إلا أنه كان يضع الحديث وضعا ".
стр. 846
ومن سهو السيوطي أنه أورده في " الجامع الصغير " من هذا الوجه! ورده عليه شارحه المناوي بكلام الهيثمي هذا ثم قال: " فكان ينبغي للمصنف حذفه من الكتاب ".
٥٣٠ - " أيها الناس ضحوا، واحتسبوا بدمائها، فإن الدم وإن وقع في الأرض، فإنه يقع في حرز الله ".
موضوع.
قال الهيثمي وقد ذكره من حديث علي أيضا: " رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمرو بن الحصين العقيلي وهو متروك الحديث ".
стр. 847
٥٣١ - " يخرج قوم هلكى لا يفلحون قائدهم امرأة، قائدهم في الجنة ".
منكر.
رواه أبو سعيد بن الأعرابي في " المعجم " (٧٧ / ١) : أخبرنا الصاغاني: أخبرنا أبو نعيم أخبرنا عبد الجبار بن العباس عن عطاء بن السائب عن عمر بن الهجنع عن أبي بكرة قال: " قيل له: ما منعك ألا تكون قاتلت عن
صبرتك يوم الجمل؟ فقال " فذكره مرفوعا. ورواه أبو منصور بن عساكر في: " الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين " (٢٨ / ٢ الحديث ١٢) من طريق الصغاني.
وأورده العقيلي في " الضعفاء " (٢٨٩) وقال: حدثنا محمد بن عبيدة قال: حدثنا أبو نعيم به وقال: " عمر بن الهجنع لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به وعبد الجبار بن العباس من الشيعة ". قلت: وهذا صدوق، وأما عمر بن الهجنع، فقال الذهبي تبعا للعقيلي: " لا يعرف ". وأما ابن حبان فذكره في " الثقات " (١ / ١٤٥) على قاعدته في توثيق المجهولين، فلا يغتر به كما نبهنا عليه مرارا.
وعطاء بن السائب كان اختلط، فالحديث ضعيف منكر، وقد أورده ابن الجوزي في " الموضوعات " (٢ / ١٠) من طريق العقيلي، وأعله بعبد الجبار هذا، فلم يصنع شيئا! ولذلك رد عليه السيوطي في " اللآلي " (١٠٩١) ثم ابن عراق في " تنزيه الشريعة " (١٩٥ / ١) بأن العقيلي أورده في ترجمة ابن الهجنع، فقال فيه ما سبق: " متروك الحديث ". قلت: لأنه كان كذابا، فسقط حديثه.
стр. 848
٥٣٢ - " إن الله نظر في قلوب العباد فلم يجد قلبا أنقى من أصحابي، ولذلك اختارهم، فجعلهم أصحابا، فما استحسنوا فهو
стр. 849
عند الله حسن، وما استقبحوا فهو عند الله قبيح ".
موضوع.
رواه الخطيب (٤ / ١٦٥) من طريق سليمان بن عمرو النخعي: حدثنا أبان بن أبي عياش وحميد الطويل عن أنس مرفوعا. وقال: " تفرد به النخعي ". قلت: وهو كذاب كما سبق مرارا، أقربها الحديث (٥٢٩) ولهذا قال الحافظ ابن عبد الهادي: " إسناده ساقط، والأصح وقفه على ابن مسعود ". نقله في " الكشف " (٢ / ١٨٨) ويعني بالموقوف الحديث الآتي: " ما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيء ".
٥٣٣ - " ما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيء ".
لا أصل له مرفوعا.
وإنما ورد موقوفا على ابن مسعود قال: " إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون.... " إلخ.
أخرجه أحمد (رقم ٣٦٠٠) والطيالسي في " مسنده " (ص ٢٣) وأبو سعيد ابن الأعرابي في " معجمه " (٨٤ / ٢) من طريق عاصم عن زر بن حبيش عنه. وهذا إسناد حسن. وروى الحاكم منه الجملة التي أوردنا في الأعلى وزاد في آخره: " وقد رأى الصحابة جميعا أن يستخلفوا أبا بكر ﵁ " وقال: " صحيح الإسناد " ووافقه الذهبي. وقال الحافظ السخاوي: " هو موقوف حسن ".
قلت: وكذا رواه الخطيب في " الفقيه والمتفقه " (١٠٠ / ٢) من طريق المسعودي عن عاصم به إلا أنه قال: " أبي وائل " بدل " زر بن حبيش ". ثم أخرجه من طريق عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله: فذكره.
وإسناده صحيح. وقد روي مرفوعا ولكن في إسناده كذاب كما بينته آنفا. وإن من عجائب الدنيا أن يحتج بعض الناس بهذا الحديث على أن في الدين بدعة حسنة، وأن الدليل على حسنها اعتياد المسلمين لها! ولقد صار من الأمر المعهود أن يبادر هؤلاء إلى الاستدلال بهذا الحديث عندما تثار هذه المسألة وخفي عليهم.
أ - أن هذا الحديث موقوف فلا يجوز أن يحتج به في معارضة النصوص القاطعة في
стр. 850
أن " كل بدعة ضلالة " كما صح عنه ﷺ .
ب - وعلى افتراض صلاحية الاحتجاج به فإنه لا يعارض تلك النصوص لأمور: الأول:
أن المراد به إجماع الصحابة واتفاقهم على أمر، كما يدل عليه السياق، ويؤيده استدلال ابن مسعود به على إجماع الصحابة على انتخاب أبي بكر خليفة، وعليه فاللام في " المسلمون " ليس للاستغراق كما يتوهمون، بل للعهد.
الثاني: سلمنا أنه للاستغراق ولكن ليس المراد به قطعا كل فرد من المسلمين، ولوكان جاهلا لا يفقه من العلم شيئا، فلابد إذن من أن يحمل على أهل العلم منهم، وهذا مما لا مفر لهم منه فيما أظن.
فإذا صح هذا فمن هم أهل العلم؟ وهل يدخل فيهم المقلدون الذين سدوا على أنفسهم باب الفقه عن الله ورسوله، وزعموا أن باب الاجتهاد قد أغلق؟ كلا ليس هؤلاء منهم وإليك البيان: قال الحافظ ابن عبد البر في " جامع العلم " (٢ / ٣٦ - ٣٧) : " حد العلم عند العلماء ما استيقنته وتبينته، وكل من استيقن شيئا وتبينه فقد علمه، وعلى هذا من لم يستيقن الشيء، وقال به تقليدا، فلم يعلمه، والتقليد عند جماعة العلماء غير الاتباع، لأن الاتباع هو أن تتبع القائل على ما بان لك من صحة قوله، والتقليد أن تقول بقوله وأنت لا تعرفه ولا وجه القول ولا معناه ".
ولهذا قال السيوطي ﵀: " إن المقلد لا يسمى عالما " نقله السندي في حاشية ابن ماجة (١ / ٧) وأقره. وعلى هذا جرى غير واحد من المقلدة أنفسهم بل زاد بعضهم في الإفصاح عن هذه الحقيقة فسمى المقلد جاهلا فقال صاحب " الهداية " تعليقا على قول الحاشية: " ولا تصلح ولاية القاضي حتى ... يكون من أهل الاجتهاد " قال (٥ / ٤٥٦) من " فتح القدير ": " الصحيح أن أهلية الاجتهاد شرط الأولوية، فأما تقليد الجاهل فصحيح عندنا، خلافا للشافعي ".
قلت: فتأمل كيف سمى القاضي المقلد جاهلا، فإذا كان هذا شأنهم، وتلك منزلتهم في العلم باعترافهم أفلا تتعجب معي من بعض المعاصرين من هؤلاء المقلدة كيف أنهم يخرجون عن الحدود والقيود التي وضعوها بأيديهم وارتضوها مذهبا لأنفسهم، كيف يحاولون الانفكاك
стр. 851
عنها متظاهرين بأنهم من أهل العلم لا يبغون بذلك إلا تأييد ما عليه العامة من البدع والضلالات، فإنهم عند ذلك يصبحون من المجتهدين اجتهادا مطلقا، فيقولون من الأفكار والآراء والتأويلات ما لم يقله أحد من الأئمة المجتهدين، يفعلون ذلك، لا لمعرفة الحق بل لموافقة العامة! وأما فيما يتعلق بالسنة والعمل بها في كل فرع من فروع الشريعة فهنا يجمدون على آراء الأسلاف، ولا يجيزون لأنفسهم مخالفتها إلى السنة، ولوكانت هذه السنة صريحة في خلافها، لماذا؟ لأنهم مقلدون! فهلا ظللتم مقلدين أيضا في ترك هذه البدع التي لا يعرفها أسلافكم، فوسعكم ما وسعهم، ولم تحسنوا ما لم يحسنوا، لأن هذا اجتهاد منكم، وقد أغلقتم بابه على أنفسكم؟! بل هذا تشريع في الدين لم يأذن به رب العالمين، (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) وإلى هذا يشير الإمام الشافعي رحمة الله عليه بقوله المشهور: " من استحسن فقد شرع ". فليت هؤلاء المقلدة إذ تمسكوا بالتقليد واحتجوا به - وهو ليس بحجة على مخالفيهم - استمروا في تقليدهم، فإنهم لوفعلوا ذلك لكان لهم العذر أو بعض العذر لأنه الذي في وسعهم، وأما أن يردوا الحق الثابت في السنة بدعوى التقليد، وأن ينصروا البدعة بالخروج عن التقليد إلى الاجتهاد المطلق، والقول بما لم يقله أحد من مقلديهم (بفتح اللام) ، فهذا سبيل لا أعتقد يقول به أحد من المسلمين. وخلاصة القول: أن حديث ابن مسعود هذا الموقوف لا متمسك به للمبتدعة، كيف وهو ﵁ أشد الصحابة محاربة للبدع والنهي عن اتباعها، وأقواله وقصصه في ذلك معروفة في " سنن الدارمي " و" حلية الأولياء " وغيرهما، وحسبنا الآن منها قوله ﵁: " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق ". فعليكم أيها المسلمون بالسنة تهتدوا وتفلحوا.
٥٣٤ - " الهر سبع ".
ضعيف.
رواه أحمد (٢ / ٤٤٢) والعقيلي (٣٣١) والبيهقي (١ / ٢٥١ - ٢٥٢) عن عيسى بن المسيب عن أبي زرعة عن أبي هريرة مرفوعا. وهذا سند ضعيف من أجل عيسى بن المسيب، ضعفه ابن معين، وأبو زرعة والنسائي والدارقطني وغيرهم كما في " الميزان " للذهبي، ثم ساق له هذا الحديث وقال العقيلي: " ولا يتابعه إلا من هو مثله أو دونه ".
стр. 852
٥٣٥ - " حمل العصا علامة المؤمن، وسنة الأنبياء ".
موضوع.
أخرجه الديلمي في " مسند الفردوس " (٢ / ٩٧ - زهر الفردوس) من طريق
стр. 853
يحيى بن هاشم الغساني عن قتادة عن أنس مرفوعا. قلت: وهذا موضوع، وإن ذكره السيوطي في " الفتاوي " (٢ / ٢٠١) وسكت عليه! بل أورده في " الجامع الصغير "! فقد تعقبه شارحه المناوي بأن الغساني هذا قال الذهبي في " الضعفاء ": " قالوا: كان يضع الحديث ".
٥٣٦ - " كان للأنبياء كلهم مخصرة يتخصرون بها تواضعا لله ".
موضوع.
رواه الديلمي من طريق وثيمة بن موسى عن سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس رفعه. ذكره السيوطي في " الفتاوي " (٢ / ٢٠١) وسكت عليه! ووثيمة هذا قال ابن أبي حاتم في " الجرح " (٤ / ٢ / ٥) : " روى عن سلمة أحاديث موضوعة ". واعلم أنه ليس في الباب في الحض على حمل العصا، حديث يصح، وأن حمل العصا من سنن العادة لا العبادة.
стр. 854
٥٣٧ - " من شم الورد الأحمر، ولم يصل علي، فقد جفاني ".
موضوع.
قال السيوطي في " الفتاوي " (٢ / ١٨٣، ١٩٢، ٢٠٨) : " هو من الأحاديث المقطوع ببطلانها مما في كتاب (نزهة المجالس) لعبد الرحمن الصفوري ". قلت: ولذلك أورده السيوطي في " ذيل الأحاديث الموضوعة " (٨٥ و٨٦) وذكر أنه من وضع بعض المغاربة، فراجعه إن شئت.
стр. 855
٥٣٨ - " من وجد ماله في الفيء قبل أن يقسم فهو له، ومن وجده بعدما قسم فليس له شيء ".
ضعيف.
أخرجه الدارقطني (ص ٤٧٢) من طريق إسحاق بن عبد الله عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه ابن عمر مرفوعا، وقال: " إسحاق هو ابن أبي فروة متروك ". قلت: ثم رواه من طريق أخرى عن ابن عمر، وفيه رشدين بن سعد وهو ضعيف، ومن طريق أخرى عن ابن عباس مرفوعا نحوه. وفيه الحسن بن عمارة، وهو يضع. وقد روي من طرق أخرى ضعفها الزيلعي في " نصب الراية " (٣ / ٤٣٥) وروى الدارقطني وغيره معنى هذا الحديث عن عمر موقوفا عليه وهو ضعيف أيضا لانقطاعه كما قال الدارقطني وغيره.
стр. 856
وقد قال بهذا التفصيل الذي تضمنه هذا الحديث جماعة من العلماء، وذهب الشافعي وجماعة آخرون إلى أنه لا يملك أهل الحرب بالغلبة شيئا من المسلمين، ولصاحبه أخذه قبل القسمة وبعدها وهذا هو الحق الذي لا شك فيه وإن تبجح بعض الكتاب المعاصرين بخلافه، واعتبر ذلك من مفاخر الإسلام فقال:
" إن الإسلام قرر حق تملك الغنائم لمن حازها من المتحاربين، المسلمون وغيرهم في ذلك سواء ". وهذا باطل لأنه مع أنه لا مستند له إلا هذا الحديث الضعيف، فهو مخالف لحديث المرأة الصحابية التي أسرها المشركون، وكانوا أصابوا ناقة النبي ﷺ (العضباء) ، فانفلتت المرأة ذات ليلة، وهربت على العضباء، فطلبوها فأعجزتهم، وقدمت فقالت: إنها نذرت إن أنجاها الله عليها لتنحرنها! فقال ﷺ : " لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا في معصية الله ﵎ ": رواه مسلم (٥ / ٧٨ - ٧٩) وأحمد (٤ / ٤٢٩، ٤٣٠ / ٤٣٢، ٤٣٤) .
فهذا صريح في أن هذه المرأة لم تملك هذه الناقة، ولوأن الأمر كما قال ذلك البعض، لكانت الناقة من حق هذه المرأة وهذا بين لا يخفى.
ثم وجدت ابن عبد الهادي في " تنقيح التحقيق " (٢ / ٣٧٤ - ٣٧٥) استدل بهذا الحديث الصحيح لمذهب أحمد القائل: " إذا استولى المشركون على أموال المسلمين لم يملكوها، (قال:) ووجه الحجة أنه لو ملكها المشركون ما أخذها رسول الله ﷺ وأبطل نذرها، إنما أخذ الناقة لأنه أدركها غير مقسومة ".
٥٣٩ - " لا تذكروني عند ثلاث: تسمية الطعام، وعند الذبح، وعند العطاس ".
موضوع.
رواه البيهقي (٩ / ٢٨٦) من طريق سليمان بن عيسى: أخبرني عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه مرفوعا وقال: " هذا منقطع، وعبد الرحيم وأبوه ضعيفان، وسليمان بن عيسى السجزي في عداد من يضع الحديث ". وذكر نحوه ابن عبد الهادي في " تنقيح التحقيق " (٢ / ٣٩٢) وعزاه للحاكم بدل البيهقي، والله أعلم.
وقال ابن حبان في عبد الرحيم (٢ / ١٥٢) : " يروي عن أبيه العجائب مما لا يشك من الحديث صناعته أنها معمولة أو مقلوبة كلها ". قلت: فإن سلم منهما فلن يسلم من السجزي.
стр. 857
٥٤٠ - " نهينا عن صيد كلب المجوسي وطائره ".
ضعيف.
أخرجه الترمذي (٢ / ٣٤١) والبيهقي (٩ / ٢٤٥) من طريق شريك عن الحجاج
стр. 858
عن القاسم بن أبي بزة عن سليمان اليشكري عن جابر. وضعفه الترمذي بقوله: " غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه "، والبيهقي بقوله: " في هذا الإسناد من لا يحتج به ".
قلت: وهما شريك وهو ابن عبد الله القاضي، وهو ضعيف من قبل حفظه. والحجاج وهو بن أرطاة، وهو مدلس وقد عنعنه. وليس في الباب ما يشهد للحديث، ويمكن فهمه على وجهين: الأول: أن يكون كلب المجوسي صاد بإرسال صاحبه فعلى هذا لا يجوز أكل صيده فيكون معنى الحديث صحيحا.
الثاني: أن يكون الذي أرسله مسلما، وعلى هذا يحل صيده ولا يصح معنى الحديث وقد أوضح المسألة الإمام مالك أحسن التوضيح فقال في " الموطأ " (٢ / ٤١) : "
الأمر المجتمع عليه عندنا أن المسلم إذا أرسل كلب المجوسي الضاري فصاد أو قتل أنه إذا كان متعلما فأكل ذلك الصيد حلال لا بأس به، وإن لم يذكه المسلم، وإنما مثل ذلك مثل المسلم يذبح بشفرة المجوسي، أو يرمي بقوسه، أو بنبله، فيقتل بها، فصيده ذلك وذبيحته حلال لا بأس بأكله، وإذا أرسل المجوسي كلب المسلم الضاري على صيد فأخذه فإنه لا يؤكل ذلك الصيد إلا أن يذكى، وإنما مثل ذلك مثل قوس المسلم ونبله، يأخذها المجوسي، فيرمي بها الصيد فيقتله، وبمنزلة شفرة المسلم يذبح بها المجوسي، فلا يحل أكل شيء من ذلك ".
٥٤١ - " ثلاث من أخلاق الإيمان: من إذا غضب لم يدخله غضبه في باطل، ومن إذا رضي لم يخرجه رضاه من حق، ومن إذا قدر لم يتعاط ما ليس له ".
موضوع.
أخرجه الطبراني في " المعجم الصغير " (ص ٣١) وعنه أبو نعيم في " أخبار أصبهان " (١ / ١٣٢) وابن بشران في " الأمالي الفوائد " (٢ / ١٣٣ / ٢) من طريق حجاج بن يوسف بن قتيبة الهمداني: حدثنا بشر بن الحسين عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك مرفوعا.
وقال الطبراني: " لم يرو هـ عن الزبير بن عدي إلا بشر بن الحسين ". قلت: وهو كذاب كما سبق مرارا.
وقال الهيثمي (١ / ٥٩) بعد أن عزاه للمعجم: " وفيه بشر بن الحسين وهو كذاب ".
قلت: وراويه عنه الهمداني مجهول كما قال ابن المديني، والحديث مما سود به السيوطي " جامعه ": ولهذا تعقبه شارحه المناوي بكلام الهيثمي المذكور ثم قال: " فكان ينبغي للمصنف حذفه من هذا الكتاب ".
ولعل السيوطي اغتر باقتصار الحافظ العراقي على تضعيفه في " تخريج الإحياء " (٤ / ٣٠٧)
стр. 859
وهو منه قصور أو ذهو ل أو تسامح في التعبير لأن الحديث الموضوع من أقسام الحديث الضعيف، ثم إن الحديث هو أول حديث في " نسخة الزبير بن عدي " المحفوظة في ظاهرية دمشق حرسها الله تعالى.
٥٤٢ - " حجوا، فإن الحج يغسل الذنوب كما يغسل الماء الدرن ".
موضوع.
رواه أبو الحجاج يوسف بن خليل في " السباعيات " (١ / ١٨ / ١) عن يعلى بن الأشدق عن عبد الله بن جراد مرفوعا وموقوفا. ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني في " الأوسط " كما في " المجمع " (٣ / ٢٠٩) و" الجامع " وقال الهيثمي: " وفيه يعلى بن الأشدق وهو كذاب ".
стр. 860
٥٤٣ - " حجوا قبل أن لا تحجوا: يقعد أعرابها على أذناب أو ديتها، فلا يصل إلى الحج أحد ".
باطل.
رواه أبو نعيم في " أخبار أصفهان " (٢ / ٧٦ - ٧٧) والبيهقي (٤ / ٣٤١) والخطيب في " التلخيص " (٩٦ / ٢) من طريق عبد الله بن عيسى بن بحير: حدثني محمد بن أبي محمد عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا.
قلت: عبد الله هذا هو الجندي، ذكره العقيلي في " الضعفاء "، وساق له هذا الحديث وقال: " إسناد مجهول فيه نظر " وقال الذهبي: " إسناد مظلم، وخبر منكر ".
وقال في " المهذب " كما في المناوي: " إسناده واه ". وشيخه محمد بن أبي محمد مجهول كما قال أبو حاتم، وأما ابن حبان فأورده في " الثقات " (٢ / ٢٦٨) ! وساق له هذا الحديث ثم قال: " وهذا خبر باطل، وأبو محمد لا يدرى من هو؟ " يعني أنه هو علة الحديث. والله أعلم.
стр. 861
٥٤٤ - " حجوا قبل أن لا تحجوا، فكأني أنظر إلى حبشي أصمع، أفدع، بيده معول يهدمها حجرا حجرا ".
موضوع.
أخرجه الحاكم (١ / ١٤٨) وأبو نعيم (٤ / ١٣١) والبيهقي (٤ / ٣٤٠) عن يحيى بن عبد الحميد الحماني: حدثنا حصين بن عمر الأحمسي: حدثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن علي مرفوعا.
سكت عليه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله:
стр. 862
" قلت: حصين واه، ويحيى الحماني ليس بعمدة ".
وأقول: حصين كذاب كما قال ابن خراش وغيره. وقال الحاكم: (١ / ٢٦٨) :
" يروي الموضوعات عن الأثبات " وقد تفرد بهذا الحديث كما قال أبو نعيم.
وأما الحماني، فقد تابعه جبارة عند ابن عدي (١٠٢ / ٢) في ترجمة حصين هذا وقال: " عامة أحاديثه معاضيل ".
٥٤٥ - " من غش العرب لم يدخل في شفاعتي، ولم تنله مودتي ".
موضوع.
أخرجه الترمذي (٤ / ٣٧٦) وأحمد رقم (٥١٩) ومن طريقه العراقي في " محجة القرب إلى محبة العرب " (٨ / ٢) وعبد بن حميد في " المنتخب من المسند " (٨ / ١) وأبو سعيد بن الأعرابي في " معجمه " (١٣٦ / ٢) من طريق حصين بن عمر عن مخارق بن عبد الله عن طارق بن شهاب عن عثمان بن عفان مرفوعا.
وقال الترمذي: " حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حصين بن عمر الأحمسي، وليس عند أهل الحديث بذاك القوي ". قلت: بل هو كذاب عند غير واحد منهم، كما سبق ذكره قبل هذا، وحديثه هذا معارض لما صح عنه ﷺ من قوله: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ". وهو مخرج في " الروض النضير " رقم (٤٣،
٦٥) ، و" المشكاة " (٥٥٩٨ و٥٥٩٩) .
стр. 863
٥٤٦ - " للإمام سكتتان، فاغتنموا القراءة فيهما بفاتحة الكتاب ".
لا أصل له مرفوعا.
وإنما رواه البخاري في " جزء القراءة " (ص ٣٣) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: فذكره موقوفا عليه. قلت: وإسناده حسن.
ثم رواه عن أبي سلمة عن أبي هريرة موقوفا عليه، وسنده حسن أيضا. (١)
والذي دعاني إلى التنبيه على بطلان رفعه أنني رأيت ما نقله بعضهم في تعليقه على قول النووي في " الأذكار " (ص ٦٣) : " إنه يستحب للإمام في الصلاة الجهرية أن يسكت بعد التأمين سكتة طويلة بحيث يقرأ المأموم الفاتحة ". فقال المعلق عليه وهو الشيخ محمد حسين أحمد: " قال الحافظ: دليل استحباب تطويل هذه السكتة حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن
стр. 864
أن للإمام سكتتين.... أخرجه البخاري في كتاب " القراءة خلف الإمام " وأخرجه فيه أيضا عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وعن عروة بن الزبير قال: يا بني اقرؤوا إذا سكت الإمام، واسكتوا إذا جهر، فإنه لا صلاة لمن لم
يقرأ بفاتحة الكتاب ". فقوله: " حديث أبي سلمة.... " فيه إيهام كبير أنه حديث مرفوع إلى النبي ﷺ وأن اللفظ من قوله ﷺ كما هو المتبادر عند الإطلاق، وراجعني من أجل ذلك بعض الشافعية محتجا به! فبينت له أن الحديث ليس هو من كلامه ﷺ ، وإنما هو مقطوع موقوف على أبي سلمة، حتى ولوكان مرفوعا لكان ضعيفا لأنه مرسل تابعي.
ثم قلت: ولوصح عنه ﷺ لما كان حجة لكم بل هو عليكم! قال كيف؟ قلت: لأنه يقول: " فاغتنموا القراءة في السكتتين " وهما سكتة الافتتاح وسكتة بعد القراءة، وأنتم لا تقولون بقراءة الفاتحة أو بعضها في السكتة الأولى!
نعم نقل ابن بطال عن الشافعي أن سبب سكوت الإمام السكتة الأولى ليقرأ المأموم فيها الفاتحة. لكن الحافظ تعقبه في " الفتح " (٢ / ١٨٢) بقوله: " وهذا النقل من أصله غير معروف عن الشافعي، ولا عن أصحابه، إلا أن الغزالي قال في " الإحياء ": إن المأموم يقرأ الفاتحة إذا اشتغل الإمام بدعاء الافتتاح وخولف في ذلك، بل أطلق المتولي وغيره كراهية تقديم المأموم قراءة الفاتحة على الإمام ". وكذلك قول عروة المتقدم حجة على الشافعية، لأنه يأمر المؤتم بالسكوت إذا جهر الإمام. وهذا هو أعدل الأقوال في مسألة القراءة وراء الإمام، أن يقرأ إذا أسر الإمام، وينصت إذا جهر. وقد فصلت القول في هذه المسألة وجمعت الأحاديث الواردة فيها في تخريج أحاديث " صفة صلاة النبي ﷺ ".
٥٤٧ - " كان للنبي ﷺ سكتتان، سكتة حين يكبر، وسكتة حين يفرغ من قراءته ".
ضعيف.
أخرجه البخاري في " جزء القراءة " (ص ٢٣) وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم من حديث الحسن البصري عن سمرة بن جندب. وهذا سند ضعيف أعله الدارقطني في سننه (ص ١٣٨) بالانقطاع فقال عقب الحديث: " الحسن مختلف في سماعه من سمرة، وقد سمع منه حديثا واحدا، وهو حديث العقيقة ".
قلت: ثم هو على جلالة قدره مدلس كما سبق التنبيه على ذلك مرارا، ولم أجد تصريحه بسماعه لهذا الحديث بعد مزيد البحث والتفتيش عن طرقه إليه، فلو سلم أنه ثبت سماعه من سمرة لغير حديث العقيقة، لما ثبت سماعه لهذا، كما لا يخفى على المشتغلين بعلم السنة المطهرة. ثم إن للحديث علة أخرى وهي الاضطراب في متنه.
ففي هذه الرواية أن السكتة الثانية محلها بعد الفراغ من القراءة، وفي رواية ثانية: بعد الفراغ
стр. 865
من قراءة الفاتحة، وفي الأخرى بعد الفراغ من الفاتحة وسورة عند الركوع. وهذه الرواية الأخيرة هي الصواب في الحديث لوصح، لأنه اتفق عليها أصحاب الحسن، يونس، وأشعث، وحميد الطويل، وقد سقت رواياتهم في ذلك في " ضعيف سنن أبي داود " (رقم ١٣٥ و١٣٨) ونقلت فيه عن أبي بكر الجصاص أنه قال: " هذا حديث غير ثابت ". فبعد معرفة علة الحديث لا يلتفت المنصف إلى قول من حسنه. وإذا عرفت هذا فلا حجة للشافعية في هذا الحديث على استحبابهم السكوت للإمام بقدر ما يقرأ المأموم الفاتحة، وذلك لوجوه:
الأول: ضعف سند الحديث.
الثاني: اضطراب متنه.
الثالث: أن الصواب في السكتة الثانية
فيه أنها قبل الركوع بعد الفراغ من القراءة كلها لا بعد الفراغ من الفاتحة.
الرابع: على افتراض أنها أعني السكتة بعد الفاتحة، فليس فيه أنها طويلة بمقدار ما يتمكن المقتدي من قراءة الفاتحة! ولهذا صرح بعض المحققين بأن هذه السكتة الطويلة بدعة فقال شيخ الإسلام ابن تيمية في " الفتاوى " (٢ / ١٤٦ - ١٤٧) :
" ولم يستحب أحمد أن يسكت الإمام لقراءة المأموم، ولكن بعض أصحابه استحب ذلك، ومعلوم أن النبي ﷺ لوكان يسكت سكتة تتسع لقراءة الفاتحة لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم ينقل هذا أحد، علم أنه لم يكن، وأيضا فلوكان الصحابة كلهم يقرؤون الفاتحة خلفه ﷺ ، إما في السكتة الأولى وإما في الثانية لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله فكيف ولم ينقل أحد من الصحابة أنهم كانوا في السكتة الثانية يقرءون الفاتحة، مع أن ذلك لوكان شرعا لكان الصحابة أحق الناس بعلمه، فعلم أنه بدعة ".
قلت: ومما يؤيد عدم سكوته ﷺ تلك السكتة الطويلة قول أبي هريرة ﵁: " كان رسول الله ﷺ إذا كبر للصلاة سكت هنية، فقلت: يا رسول الله أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي.... " الحديث فلو كان رسول الله ﷺ يسكت تلك السكتة بعد الفاتحة بمقدارها لسألوه عنها كما سألوه عن هذه.
٥٤٨ - " لئن أظهرني الله عليهم (يعني كفار قريش الذين قتلوا حمزة) لأمثلن بثلاثين رجلا منهم ".
ضعيف.
رواه ابن إسحاق في " السيرة " عن بعض أصحابه عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة (النمل) بمكة وهي مكية إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة بعد أحد، حين قتل حمزة ومثل به، فقال رسول الله ﷺ : (فذكره) ، فلما سمع المسلمون ذلك قالوا:
стр. 866
والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط، فأنزل الله (وإن عاقبتهم فعاقبوا بمثل ما عوقبتهم به) إلى أخر السورة. ذكره الحافظ ابن كثير (٢ / ٥٩٢) وضعفه بقوله: " وهذا مرسل وفيه رجل مبهم لم يسم، وقد روي من وجه آخر متصل ".
قلت: وهذا المتصل من حديث أبي هريرة ضعيف كما يأتي بعده. وروي من حديث ابن عباس وهو: " لئن ظفرت بقريش لأمثلن بثلاثين رجلا منهم، فأنزل الله في ذلك: (وإن عاقبتهم فعاقبوا) إلى قوله: (يمكرون) ".
٥٤٩ - " لئن ظفرت بقريش لأمثلن بثلاثين رجلا منهم، فأنزل الله في ذلك: (وإن عاقبتهم فعاقبوا) إلى قوله: (يمكرون) ".
ضعيف.
رواه الطبراني (٣ / ١٠٧ - ١٠٨) عن أحمد بن أيوب بن راشد البصري: أخبرنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن كعب القرظي والحكم بن عتيبة عن مقسم ومجاهد عن ابن عباس قال: " لما وقف رسول الله ﷺ على حمزة فنظر إلى ما به قال: لولا أن تحزن النساء ما غيبته ولتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطيور حتى يبعثه الله مما هنالك.
قال: وأحزنه ما [رأى] به فقال " فذكره. قلت: وهذا سند ضعيف، قال: الهيثمي (٦ / ١٢٠) : " وفيه أحمد بن أيوب بن راشد وهو ضعيف ".
قلت: لم أجد من صرح بتضعيفه من الأئمة المتقدمين، ولا من وثقه منهم، نعم أورده ابن حبان في " الثقات " وقال: " ربما أغرب "، وهذا ليس بجرح كما أن إيراده إياه في " الثقات " ليس بتوثيق معتمد، كما سبق التنبيه عليه مرارا، فالحق أن الرجل في عداد مجهولي العدالة، ولذلك لم يوثقه الحافظ في " التقريب " ولم يضعفه، بل قال فيه " مقبول " إشارة إلى ما ذكرته. والله أعلم.
ورواه البيهقي في " دلائل النبوة " (ج ١ - غزوة أحد - مخطوط) عن ابن إسحاق قال: حدثني بريدة بن سفيان عن محمد بن كعب مرفوعا. وهذا مع إرساله ضعيف أيضا، وبريدة بن سفيان قال الحافظ: " ليس بالقوي ". وقد روي هذا الحديث من طريق أخرى عن محمد بن كعب، أخرجه المحاملي في " الأمالي " (ج ٧ رقم ٢) عن عبد العزيز بن عمران:
حدثني أفلح بن سعيد عن محمد بن كعب عن ابن عباس. وهذا سند ضعيف جدا، عبد العزيز قال الحافظ: " متروك، احترقت كتبه فحدث من حفظه فاشتد غلطه ".
стр. 867
وروي من حديث أبي هريرة نحوه وأتم منه، وهو:
٥٥٠ - " رحمة الله عليك إن كنت ما علمت لوصولا للرحم، فعولا للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع - أو كلمة نحوها - أما والله على ذلك لأمثلن بسبعين كمثلتك. فنزل جبريل ﵇ على محمد ﷺ بهذه السورة وقرأ: (وإن عاقبتهم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) إلى آخر الآية، فكفر رسول الله ﷺ (يعني عن يمينه) ، وأمسك عن ذلك ".
ضعيف.
أخرجه أبو بكر الشافعي في " الفوائد " (٢ / ٦ / ١ - ٢) والحاكم (٣ / ١٩٧) والبزاز والطبراني والبيهقي في " دلائل النبوة " (ج ١ - غزوة أحد) والواحدي (١٤٦ / ١) عن صالح المري عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة: " أن رسول الله ﷺ وقف على حمزة بن عبد المطلب حين استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى منظر أوجع للقلب منه، أو أوجع لقلبه منه، ونظر إليه وقد مثل به فقال: " فذكره.
وسكت عنه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: " قلت: صالح واه ". وقال الحافظ ابن كثير (٢ / ٥٩٢) : " وهذا إسناد فيه ضعف لأن صالحا هو ابن بشير المري ضعيف عند الأئمة ".
وكذلك ضعفه الهيثمي في " المجمع " (٦ / ١١٩) . ورواه البيهقي أيضا من طريق يحيى بن عبد الحميد قال: حدثنا قيس عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس مرفوعا نحوه وزاد: " فقال رسول الله ﷺ : بل نصبر يا رب! ".
وسنده ضعيف، مسلسل بالضعفاء الثلاثة: ابن أبي ليلى فمن دونه! قلت: وقد ثبت بعضه مختصرا من طرق أخرى فأخرج الحاكم (٣ / ١٩٦) والخطيب في " التلخيص " (٤٤ / ١) عن أنس " أن رسول الله ﷺ مر بحمزة يوم أحد وقد جدع ومثل به فقال: " لولا أن صفية تجد لتركته حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع، فكفنه في نمرة ". وقال: " صحيح على شرط مسلم " ووافقه الذهبي وهو كما قالا. ورواه الحاكم (٣ / ١٩٧ - ١٩٨) والبزاز والطبراني من حديث ابن عباس بسند لا بأس به في المتابعات والشواهد. وسبب نزول الآية السابقة في هذه الحادثة صحيح فقد قال أبي بن كعب: " لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا، ومن المهاجرين ستة، فمثلوا بهم وفيهم حمزة، فقالت الأنصار:
لئن أصبناهم مثل هذا لنربين عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله :
(وإن عاقبتهم فعاقبوا بمثل ما عوقبتهم به) الآية، فقال رجل: لا قريش
стр. 868
بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : " كفوا عن القوم غير أربعة ".
رواه الترمذي (٤ / ١٣٣) ، والحاكم (٢ / ٣٥٩) وعبد الله بن أحمد في " زوائد المسند " (٥ / ١٣٥) وحسنه الترمذي، وقال الحاكم: " صحيح الإسناد "، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
٥٥١ - " من قلد عالما لقي الله سالما ".
لا أصل له.
وقد سئل عنه السيد رشيد رضا ﵀ فأجاب في مجلة " المنار " (٣٤ / ٧٥٩) بقوله: " ليس بحديث ".
стр. 869
٥٥٢ - " جلس ﷺ على مرفقة حرير ".
لا أصل له.
كما أشار لذلك الحافظ الزيلعي في " نصب الراية " (٤ / ٢٢٧) ، وقد احتج به صاحب " الهداية " لمذهب الحنفية الذي يجيز للرجال الجلوس على الحرير! . قال الزيلعي: " يشكل على المذهب حديث حذيفة قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه. أخرجه البخاري ". قلت: وهذا هو الحق أنه يحرم الجلوس على الحرير كما يحرم لبسه لحديث البخاري هذا، والأحاديث العامة في تحريم لبسه على الرجال كقوله ﵇: " لا تلبسوا الحرير فإنه
من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " متفق عليه، فإنها تتناول بعمومها الجلوس عليه، لأن الجلوس لبس لغة وشرعا، كما قال أنس ﵁: " قمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس ". فانظر كيف تصرف الأحاديث الموضوعة الناس عن الأحاديث الصحيحة. (فاعتبروا يا أولي الأبصار) .
стр. 870
٥٥٣ - " عادي الأرض لله وللرسول، ثم لكم من بعد، فمن أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين ".
منكر بهذا التمام.
أخرجه أبو يوسف صاحب أبي حنيفة في " كتاب الخراج " (ص ٧٧) قال: حدثني ليث عن طاووس قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف فيه ثلاث علل: الأولى: الإرسال من طاووس، فإنه تابعي. الثانية: ضعف ليث وهو ابن أبي سليم لاختلاطه كما بينه ابن حبان في " كتاب المجروحين " (١ / ٥٧ و٢ / ٢٣١) .
стр. 871
الثالثة: أبو يوسف فيه ضعف من قبل حفظه، قال الفلاس: " صدوق كثير الخطأ " وضعفه البخاري وغيره ووثقه ابن حبان وغيره.
قلت: وقد تفرد بقوله في آخر الحديث: " وليس لمحتجر.... " فقد أخرجه يحيى بن آدم في " كتاب الخراج " (ص ٨٥، ٨٦، ٨٨) والبيهقي في سننه (٦ / ١٤٣) من طرق كثيرة عن ليث به مرسلا بدون هذه الزيادة، فهي منكرة.
وكذلك أخرجه الشافعي (٢ / ٢٠٤) والبيهقي عن سفيان الثوري عن ابن طاووس مرسلا. ووصله البيهقي عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس مرفوعا.
وقال: " تفرد به معاوية بن هشام مرفوعا موصولا ". قلت: ومعاوية فيه ضعف، والصواب في الحديث مرسل. ثم إن هذه الزيادة رواها أبو يوسف أيضا موقوفا على عمر ﵁ فلعله الصواب. قال أبو يوسف: وحدثني محمد بن إسحاق عن الزهري عن سالم بن عبد الله. " أن عمر بن الخطاب ﵁ قال على المنبر: " من
أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين " وذلك أن رجالا كانوا يحتجرون من الأرض ما لا يعملون ". وهذا سند منقطع في موضعين، لكن رواه يحيى بن آدم (ص ٩٠) وأبو عبيد القاسم بن سلام (ص ٢٩٠) عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: كان الناس يحتجرون على عهد عمر ﵁ فقال: من أحيا أرضا فهي له. قال يحيى: كأنه لم يحلها له بالتحجير حتى يحييها. وهذا سند صحيح إلى عمر، ولكن ليس فيه " وليس لمحتجر ... ".
لكن يظهر أن هذه الجملة ثابتة عن عمر، فقد رواها أبو يوسف عنه من طريق ثانية، ويحيى من طريق ثالثة، وهي
وإن كانت لا تخلومن ضعف فبعضها يقوي بعضا. وجملة القول: أن هذه الزيادة رفعها منكر، والصواب أنها من قول عمر، وأما الجملة الأولى من الحديث فضعيفة لإرسالها. وأما قوله: " من أحيا أرضا ميتة فهي له " فهي ثابتة عن النبي ﷺ من طرق أخرى عند أبي داود وغيره، وللبخاري معناه، وقد خرجتها في " الإرواء " (١٥٤٨) ، وبعضها في " الأحاديث الصحيحة " رقم (٥٦٨) من المجلد الثاني منه، وقد تم طبعه قريبا والحمد لله.
فائدة فقهية:
اعلم أن الإحياء غير التحجير، وقد بين الفرق بينهما يحيى بن آدم أحسن بيان فقال (ص ٩٠) : " وإحياء الأرض أن يستخرج فيها عينا أو قليبا أو يسوق إليها الماء، وهي أرض لم تزرع، ولم تكن في يد أحد قبله يزرعها أو يستخرجها حتى تصلح للزرع، فهذه لصاحبها أبدا، لا تخرج
стр. 872
من ملكه، وإن عطلها بعد ذلك، لأن رسول الله ﷺ قال: " من أحيا أرضا فهي له "، فهذا إذن من رسول الله ﷺ فيها للناس، فإن مات فهي لورثته وله أن يبيعها إن شاء " قال:
" والتحجير، فهو غير الإحياء، قال ابن المبارك: التحجير أن يضرب على الأرض من الأعلام والمنار فهذا الذي قيل فيه إن عطلها ثلاث سنين فهي لمن أحياها بعده ". ويظهر أن هذا الفرق الواضح لم ينتبه له رئيس حزب التحرير الإسلامي فإنه احتج بهذا الحديث المنكر في كتابه " النظام الاقتصادي في الإسلام " (ص ٢٠) على أنه يشترط في إحياء الأرض الموات أن يستثمرها مدة ثلاث سنوات من وضع يده عليها، وأن يستمر هذا الإحياء باستغلالها فإن لم يفعل سقط حق ملكيته لها ".
والحديث مع أنه منكر ليس فيه الشرط المذكور، ولا هو في الإحياء كما هو ظاهر بأدنى تأمل، وكم له أولحزبه مثل هذا الاستدلال الباطل، والاحتجاج بالأحاديث المنكرة والأخبار الواهية.
٥٥٤ - " إن حادينا نام فسمعنا حاديكم فملت إليكم، فهل تدرون أنى كان الحداء؟ قالوا: لا والله، قال: إن أباهم مضر خرج إلى بعض رعاته، فوجد إبله قد تفرقت، فأخذ عصا فضرب بها كف غلامه، فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح: يا يداه يا يداه! فسمعت الإبل فعطفت عليه، فقال مضر: لواشتق مثل هذا لانتفعت به الإبل
واجتمعت، فاشتق الحداء ".
موضوع.
رواه ابن الجوزي في " تلبيس إبليس " (ص ٢٣٨) من طريق أبي البختري وهب عن طلحة المكي عن بعض علمائهم: " أن رسول الله ﷺ مال ذات ليلة بطريق مكة إلى حاد مع قوم، فسلم عليهم فقال ". فذكره. قلت: وهذا مع إرساله موضوع، والمتهم به أبو البختري هذا، وهو وهب بن وهب المدني القاضي قال ابن معين: " كان يكذب عدوالله! " وقال أحمد: " كان يضع الحديث وضعا ".
وذكر ابن الجوزي في مقدمة " الموضوعات " (١ / ٤٧ - ط) أنه من كبار الوضاعين، فالعجب منه كيف يروي له في هذا الكتاب (تلبيس إبليس) الذي أكثر قرائه لا علم لهم بالحديث ورجاله! وقد ساق الذهبي في ترجمة أبي البختري هذا أحاديث كثيرة ثم قال: " وهذه أحاديث مكذوبة ".
стр. 873
والموضوع في هذا الحديث إنما هو ما عدا الجملة الأولى منه، فإن لها شاهدا مرسلا قويا، فقال ابن سعد في "
الطبقات " (١ / ٢) : أخبرنا الفضل بن دكين أبو نعيم: أخبرنا العلاء بن عبد الكريم عن مجاهد قال:
" كان النبي ﷺ في سفر فبينا هو يسير بالليل ومعه رجل يسايره إذ سمع حاديا يحدو، وقوم أمامه، فقال لصاحبه، لو أتينا حادي هؤلاء القوم، فقربنا حتى غشينا القوم، فقال رسول الله ﷺ : ممن القوم؟ قالوا: من مضر، فقال: وأنا من مضر، وني حادينا، فسمعنا حاديكم، فأتيناكم.
ورواه ابن الأعرابي في " حديث سعدان بن نصر " (١ / ٢٢ / ١) .
وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات من رجال مسلم لولا أنه مرسل، ولكنه جاء نحوه من طريق آخر، فقال ابن سعد: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي: أنبأنا حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن طاووس قال: " بينما رسول الله ﷺ في سفر إذ سمع صوت حاد، فسار حتى أتاهم فقال: من القوم؟ قالوا: مضريون، فقال ﷺ : وأنا مضري، فقالوا: يا رسول الله إنا أول من حدا، بينما رجل في سفر فضرب غلاما له على يده بعصا فانكسرت يده، فجعل الغلام يقول وهو يسير الإبل: وايداه وايداه! وقال: هيبا هيبا، فسارت الإبل ". وهذا مرسل صحيح أيضا. ورواه ابن الأعرابي عن عكرمة مرسلا بسند صحيح أيضا. وهو يبين أن الأصل في قصة الحداء موقوف، فرفعه ذلك الكذاب أبو البختري.
وقد ذكر الحافظ ابن كثير في " البداية " (٢ / ١٩٩) عن علماء التاريخ أنهم قالوا: كان مضر أول من حدا، وذلك لأنه كان حسن الصوت، فسقط يوما عن بعيره، فوثبت يده، فجعل يقول: وايداه وايداه؟ فأعنقت الإبل لذلك. وهذا مخالف لهذا المرسل. والله أعلم.
٥٥٥ - " من فقه الرجل المسلم أن يصلح معيشته، وليس من حبك الدنيا طلب ما يصلحك ".
ضعيف جدا.
رواه ابن عدي (١٧٥ / ١) عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن أبي شجرة عن عبد الله بن عمر مرفوعا، وقال: " سعيد بن سنان أبو مهدي الحمصي عامة ما يرويه غير محفوظ ".
قلت: وفي " التقريب ": " متروك رماه الدارقطني وغيره بالوضع ". قلت: وروي الحديث من طريق آخر بنحوه، وهو:
стр. 874
٥٥٦ - " من فقه الرجل رفقه في معيشته ".
ضعيف.
رواه أحمد (٥ / ١٩٤) ومن طريقه الثعلبي في " تفسيره " (٣ / ١٤٦ / ١) وابن عدي (٣٧ / ٢) وابن عساكر (١٣ / ٣٧٥ / ١) عن أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب عن أبي الدرداء مرفوعا.
وقال ابن عدي: " أبو بكر بن أبي مريم الغالب على حديثه الغرائب، وقل ما يوافقه عليه الثقات، وهو ممن
لا يحتج به، ولكن يكتب حديثه ". قلت: ثم هو منقطع لأن ضمرة لم يسمع من أبي الدرداء كما أفاده الذهبي، فإن بين وفاتيهما نحومائة سنة. واقتصر الهيثمي (٤ / ٧٤) على إعلاله باختلاط ابن أبي مريم. والحديث أورده السيوطي في " الجامع " من رواية أحمد والبيهقي عن أبي الدرداء قال شارحه المناوي: " ثم قال البيهقي تفرد به سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية اهـ. قال الذهبي في " الضعفاء ": وسعيد بن سنان عن أبي الزاهرية متهم، أي بالوضع ".
قلت: وهذا يوهم أن الحديث من هذه الطريق عند أحمد أيضا، وليس كذلك كما سبق فتنبه، ورواه ابن عدي عن سعيد بن سنان بسند آخر عن ابن عمر نحوه وتقدم لفظه قريبا. ورواه ابن الأعرابي في " المعجم " (٢٣٧ / ٢) وأبو نعيم في " الحلية " (١ / ١١) عن فرج بن فضالة: أخبرنا لقمان بن عامر عن أبي الدرداء موقوفا عليه. والفرج بن فضالة ضعيف كما في " التقريب " وبقية رجاله ثقات، فلعل هذا هو أصل الحديث موقوف، أخطأ بعض الضعفاء فرفعه، والله أعلم.
ثم وجدت ما يؤيد وقفه، فقال وكيع بن الجراح في " الزهد " (٢ / ٧٨ / ١) : حدثنا سفيان عن منصور عن سالم بن أبي الجعد " أن رجلا صعد إلى أبي الدرداء وهو في غرفة له، وهو يلتقط حبا منثورا، فقال أبو الدرداء " فذكره موقوفا عليه. ورجاله كلهم ثقات لولا أنه مرسل.
وكذلك رواه ابن عساكر (٣ / ٣٧٥ / ١) من طريق المعتمر بن سليمان عن منصور به. ورواه أيضا من طريق إسماعيل بن عياش عن حريز بن عثمان الرحبي عن أبي حبيب الحارث بن محمد عن أبي الدرداء موقوفا.
стр. 875
٥٥٧ - " خذوا من القرآن ما شئتم لما شئتم ".
لا أصل له فيما أعلم.
وقال السيد رشيد رضا في " المنار " (مجلد ٢٨ / ٦٦٠) : " لم أره في شيء من كتب الحديث ".
стр. 876
٥٥٨ - " ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر الحبيب ".
موضوع.
ذكره محمد بن طاهر المقدسي في " صفوة التصوف " ومن طريقه أبو حفص عمر السهروردي صاحب " عوارف المعارف ": أن النبي ﷺ أنشده أعرابي:
قد لسعت حية الهوى كبدي * * * فلا طبيب لها ولا راقي.
إلا الحبيب الذي شغفت به * * * فعنده رقيتي وترياقي.
فتواجد حتى سقطت البردة عن منكبيه فقال معاوية: ما أحسن لهو كم، فقال: مهلا يا معاوية ليس ... " الحديث. قال ابن تيمية في رسالة " السماع والرقص " (ص ١٦٩ من مجموعة الرسائل المنيرية ج ٣) : " هذا حديث مكذوب موضوع باتفاق أهل العلم بهذا الشأن، قال: وهذا وأمثاله إنما يرويه من هو أجهل الناس بحال النبي ﷺ وأصحابه ومن بعدهم بمعرفة الإيمان والإسلام "! قلت: ثم راجعت كتاب " صفوة التصوف " للحافظ ابن طاهر المقدسي فلم أجد الحديث فيه، وإنما عزاه الحافظ في " لسان الميزان " لكتاب آخر له أسماه " السماع " وقد ساق إسناده السهروردي في " العوارف " (ص ١٠٨ - ١٠٩) فإذا هو من طريق أبي بكر عمار بن إسحاق قال: حدثنا سعيد بن عامر عن شعبة عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس به.
وقال: " فهذا الحديث أوردناه مسندا كما سمعناه ووجدناه، وقد تكلم في صحته أصحاب الحديث، وما وجدنا شيئا نقل عن رسول الله ﷺ يشاكل وجد أهل الزمان وسماعهم واجتماعهم وهيئتهم، إلا هذا، وما أحسنه من حجة للصوفية وأهل الزمان في سماعهم وتمزيقهم الخرق وقسمتها أن لوصح، ويخالج سري أنه غير صحيح، ولم أجد فيه ذوق اجتماع النبي ﷺ مع أصحابه وما كانوا يعتدونه على ما بلغنا في هذا الحديث، ويأبى القلب قبوله. قلت: والمتهم بهذه القصة عمار بن إسحاق هذا فقد قال الذهبي في ترجمته: " كأنه واضع هذه الخرافة التي فيها: " قد لسعت حية الهوى كبدي ". فإن الباقين ثقات ".
стр. 877
٥٥٩ - " كان يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة (قل يا أيها الكافرون) ، و (قل هو الله أحد) ، ويقرأ في العشاء الآخرة ليلة الجمعة (الجمعة) ، و (المنافقين) ".
ضعيف جدا.
أخرجه ابن حبان (٥٥٢) والبيهقي (٢ / ٣٩١) الشطر الأول منه من طريق سعيد بن سماك بن حرب: حدثني أبي سماك بن حرب - قال: ولا أعلم إلا - عن جابر بن سمرة قال: فذكره. وأخرجه أيضا في كتابه " الثقات " (٢ / ١٠٤) في ترجمة سعيد هذا، وقال: " والمحفوظ عن سماك أن النبي ﷺ فذكره ".
стр. 878
قلت: وهذا من تناقض ابن حبان، فإنه من جهة يعله بالإرسال ويبين أنه لا يصح موصولا عن جابر بن سمرة، ومن جهة أخرى يورد الموصول في " صحيحه "! وعلة الحديث سعيد بن سماك، فقد قال ابن أبي حاتم (٢ / ١ / ٣٢) عن أبيه: " متروك الحديث "، وتوثيق ابن حبان إياه من تساهله الذي عرف به عند المحققين، وقد يغتر به كثير ممن لا تحقيق عندهم، فيصححون أحاديث كثيرة تقليدا له، من ذلك هذا الحديث، فقد جاء في " البجيرمي " (٢ / ٦٤) : " ويستحب أيضا قراءة (الجمعة) و (المنافقين) في صلاة عشاء ليلة الجمعة، كما ورد عند ابن حبان بسند صحيح وقد كان السبكي يفعله، فأنكر عليه بأنه ليس في كلام الرافعي.
فرد على المنكر بما مر. أي من الورود وكم من مسائل لم يذكرها الرافعي: فعدم ذكره لها لا يستلزم عدم سنيتها ".
قلت: وهذا الجواب من الوجهة الفقهية صحيح، يدل على تحرر السبكي من الجمود المذهبي، ولكن الحديث ضعيف غير محفوظ بشهادة ابن حبان نفسه، فلا يثبت به الاستحباب فضلا عن السنية، بل إن التزام ذلك من البدع، وهو ما يفعله كثير من أئمة المساجد في دمشق وغيرها من البلدان السورية، ولكنهم جمعوا بين البدعة وإرضاء الناس، فقد تركوا قراءة (المنافقون) أصلا والتزموا قراءة الشطر الثاني من (الجمعة) في الركعتين تخفيفا عن الناس زعموا! وكنت منذ القديم استنكر منهم هذا الالتزام، ولا أعرف مستندهم في ذلك، حتى رأيت كلام البجيرمي هذا، المستند على هذا الحديث، الذي كنت استغربه لعدم وروده في الأمهات الستة وغيرها ولكن ذلك لا يكفي للإنكار، حتى وقفت على إسناده في " موارد الظمآن " ومنه نقلت، فتبين لي ضعفه بل وتضعيف ابن حبان نفسه له في كتابه الآخر، فالحمد لله على توفيقه.
ثم إن مما يدل على ضعف الحديث أن الثابت عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ بالسورتين الأوليين في سنة المغرب، وليس في فرضه، جاء ذلك عنه ﷺ من طرق، وقد خرجته في " صفة الصلاة " (ص ١١٥ - السابعة) .
٥٦٠ - " كان يصلي في شهر رمضان في غير جماعة بعشرين ركعة والوتر ".
موضوع.
أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٢ / ٩٠ / ٢) وعبد بن حميد في " المنتخب من المسند " (٧٣ / ١ - ٢) والطبراني في " الكبير " (٣ / ١٤٨ / ٢) وفي " الأوسط " كما في " المنتقى منه " للذهبي (٣ / ٢) وفي " زوائد المعجمين " (١ / ١٠٩ / ١) وابن عدي في " الكامل " (١ / ٢)
стр. 879
والخطيب في " الموضح " (١ / ٢٠٩) وأبو الحسن النعالي في " حديثه " (١٢٧ / ١) وأبو عمرو بن منده في " المنتخب من الفوائد " (٢٦٨ / ٢) والبيهقي في " السنن الكبرى " (٢ / ٤٩٦) كلهم من طريق أبي شيبة إبراهيم بن عثمان عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس مرفوعا، وقال الطبراني: " لا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد ".
وقال البيهقي: " تفرد به أبو شيبة وهو ضعيف ". قلت: وكذا قال الهيثمي في " المجمع " (٣ / ١٧٢) أن أبا شيبة ضعيف، وقال الحافظ ابن حجر في " الفتح " (٤ / ٢٠٥) بعد ما عزاه لابن أبي شيبة: " إسناده ضعيف ".
وكذلك ضعفه الحافظ الزيلعي " في نصب الراية " (٢ / ١٥٣) من قبل إسناده، ثم أنكره من جهة متنه
فقال: " ثم هو مخالف للحديث الصحيح عن عائشة قالت: " ما كان النبي ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة " رواه الشيخان ".
وكذلك قال الحافظ ابن حجر وزاد: " هذا مع كون عائشة أعلم بحال النبي ﷺ ليلا من غيرها ". قلت: ووافقها جابر بن عبد الله ﵁ فذكر: " أن النبي ﷺ لما أحيا بالناس ليلة في رمضان صلى ثمان ركعات، وأوتر ".
رواه ابن نصر في " قيام الليل " (ص ٩٠، ١١٤) والطبراني في " المعجم الصغير " (ص ١٠٨) وابن حبان في صحيحه (رقم ٩٢٠ - موارد) .
وقد أفسد حديث جابر هذا بعض الضعفاء فرواه محمد بن حميد الرازي حدثنا عمر بن هارون بإسناده عن جابر بلفظ: " فصلى أربعا وعشرين ركعة وأوتر بثلاث ". وأخرجه السهمي في " تاريخ جرجان " (٧٥ و٢٧٦) .
قلت: ومع أن إسناده إلى محمد بن حميد لا يصح، لأن فيه من لا يعرف حاله، فإن محمد بن حميد وشيخه عمر بن هارون متهمان بالكذب فلا يعتد بروايتهما بله مخالفتهما! وبالجملة فقد اتفقت كلمات أئمة الحديث على تضعيف حديث أبي شيبة هذا، بل عده الحافظ الذهبي في ترجمته من " الميزان " من مناكيره.
وقال الفقيه أحمد بن حجر الهيتمي في " الفتاوى الكبرى " إنه شديد الضعف.
وأنا أرى أنه حديث موضوع، وذلك لأمور:
الأول: مخالفته لحديث عائشة وجابر. الثاني: أن أبا شيبة أشد ضعفا مما يفهمم من عبارة البيهقي السابقة وغيره، فقد قال ابن معين فيه: " ليس بثقة ". وقال الجوزجاني: " ساقط ".
стр. 880
وكذبه شعبة في قصة، وقال البخاري: " سكتوا عنه ".
وقد بينا فيما سبق أن من قال فيه البخاري " سكتوا عنه " فهو في أدنى المنازل وأردئها عنده، كما قال الحافظ ابن كثير في " اختصار علوم الحديث " (ص ١١٨) . الثالث: أن فيه أن صلاته ﷺ في رمضان كانت في غير جماعة، وهذا مخالف لحديث جابر أيضا، ولحديث عائشة الآخر: " أن رسول الله ﷺ خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله ﷺ فصلى بصلاته ". الحديث نحو حديث جابر وفيه: " ولكن خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها ".
رواه البخاري ومسلم في " صحيحيهما ". فهذه الأمور تدل على وضع حديث أبي شيبة. والله تعالى هو الموفق. (فائدة) دل حديث عائشة وحديث جابر على مشروعية صلاة التراويح مع الجماعة، وعلى أنها إحدى عشرة ركعة مع الوتر.
وللأستاذ نسيب الرفاعي رسالة نافعة في تأييد ذلك اسمها " أوضح البيان فيما ثبت في السنة في قيام رمضان " فننصح بالاطلاع عليها من شاء الوقوف على الحقيقة.
ثم إن أحد المنتصرين لصلاة العشرين ركعة أصلحه الله - قام بالرد على الرسالة المذكورة في وريقات سماها " الإصابة في الانتصار للخلفاء الراشدين والصحابة " حشاها بالافتراءات، والأحاديث الضعيفة بل الموضوعة، والأقوال الواهية، الأمر الذي حملنا على تأليف رد عليه أسميته " تسديد الإصابة إلى من زعم نصرة الخلفاء الراشدين والصحابة " وقد قسمته إلى ستة رسائل طبع منها: الأولى: في بيان الافتراءات المشار إليها.
الثانية: في " صلاة التراويح ". وهي رسالة جامعة لكل ما يتعلق بهذه العبادة، وقد بينت فيها ضعف ما يروى عن عمر ﵁ أنه أمر بصلاة التراويح عشرين ركعة، وأن الصحيح عنه أنه أمر بصلاتها إحدى عشرة ركعة وفقا للسنة الصحيحة، وأن أحدا من الصحابة لم يثبت عنه خلافها فلتراجع فإنها مهمة جدا وإنما علينا التذكير والنصيحة.