← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 12762

سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (11 273 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.

стр. 8646

((يا وحشي! غيِّب عني وجهك)) . ٥٩٣٩ - (لكل باب من أبوب البر باب من أبوب الجنة، وإن باب الصوم يدعى الريان) . منكر بهذا اللفظ. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٦ / ٢٣٧ / ٥٩٧٠ / ٢) من طريق يحيى الحماني: ثنا وكيع عن سفيان عن أبي حازم عن سهل بن سعد مرفوعاً. قلت؛ وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير يحيى - وهو ابن عبد الحميد الحماني - فمن رجال مسلم؛ إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث؛ كما في ((التقريب)) ، وقال الذهبي في ((الضعفاء)) : ((حافظ، منكر الحديث. وقد وثقه ابن معين وغيره. وقالت أحمد: كان يكذب جهاراً. وقال النسائي: ضعيف)) . قلت: ومن مناكيره الشطر الأول من هذا الحديث؛ فقد رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣ / ٥) : حدثنا وكيع به؛ دون الشطر الأول. وكذلك أخرجه هو والبخاري (١٨٩٦، ٣٢٥٧) ، ومسلم (٣ / ١٥٨) ، والترمذي (٧٦٥) ، وابن خزيمة (١٩٠٢) ، وأحمد (٥ / ٣٣٣) ، والطبراني (٥٧٥٤، ٥٧٦٤، ٥٧٩٥، ٥٨١٩، ٥٨٢٦) وغيرهم من طرق عن أبي حازم به مختصراً ومطولاً؛ دون الشطر الأول. لكن قد صح من حديث أبي هريرة أجزاء أو أمثلة من هذه الكلية التي تفرد بها الحماني، وذلك بلفظ:

стр. 8647

((فمن كان من أهل الصلاة؛ دعي من باب الصلاة، و. . .)) . ثم ذا مثله في الجهاد، والصدقة، والصيام. وهو مخرج في ((الصحيحة)) (٢٨٧٨) . ٥٩٤٠ - (للحرة يومان، للأمة يومٌ) . موضوع. ذكره السيوطي في ((الجامع الصغير)) و ((الكبير)) من رواية ابن منده عن الأسود بن عويم الساعدي. وقال في ((الكبير)) : ((وسنده واهٍ)) . قلت: وعلقه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) في ترجمة الأسود، فقال (١ / ٦٨ / ١) : ((روى حديثه علي بن قرين عن حبيب بن عامر بن مسلم السدوسي عن الأسود بن عويم قال: سالت رسول الله ﷺ عن الجمع بين الحرة والأمة؛ فقال:. . . فذكره. قال الحافظ في ((الإصابة)) : ((وعلي بن قرين؛ قد كذبه ابن معين)) . قلت: وكذبه أيضاً موسى بن هارون وغيره. وقال العقيلي وابن قانع: ((كان يضع الحديث)) . انظر ((اللسان)) و ((ضعفاء العقيلي)) و ((تاريخ الخطيب)) . ومن عجائب المناوي قوله في ((التيسير)) :

стр. 8648

((وإسناده ضعيف؛ لكن اعتضد)) ! كذا قال، ولا أعلم له ما يعضده، فإن كان؛ فما هو؟ ثم إنه واهٍ جداً، فلا يؤثر ولا يقويه العاضد! ! وقد كنت اعتمدته في تضعيفه لما وضعت ((ضعيف الجامع الصغير وزيادته)) ، والآن وقد وقفت على إسناده وعلمت آفته؛ فقد رجعت عنه. ثم إن حبيب بن عامر بن مسلم؛ لم أعرفه، ووقع في ((أسد الغابة)) : (حبيب ابن حبيب بن عامر بن مسلم السدوسي) ، وفي ((الإصابة)) : (حبيب السدوسي) . فالله أعلم. ٥٩٤١ - (لن يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يشرب الخمر؛ فإذا شربها؛ خرق الله عنه ستره، وكان الشيطان وليه وسمعه وبصره ورجله، يسوقه إلى كل شر، ويصرفه عن كل خير) . ضعيف. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٩ / ١٤ / ٢١) من طريق قتادة بن الفضل الرهاوي عن أبيه عن عم أبيه هشام بن قتادة عن قتادة بن عائش (!) الجرشي قال: قال رسول الله ﷺ :. . . فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ هشام بن قتادة؛ لا يعرف إلا برواية الفضل هذا عنه؛ كما يؤخذ من ((التاريخ)) و ((الجرح)) ، ومع ذلك؛ ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٥ / ٥٠٣ و ٧ / ٥٦٩) على قاعدته في توثيق المجهولين! ومثله: الراوي عنه الفضل: وهو ابن قتادة الرهاوي؛ لا يعرف أيضاً إلا برواية قتادة هذا؛ عنه كما يؤخذ من المصادر الثلاثة التي ذكرت آنفاً، وهو في ((أتباع التابعين)) من ((الثقات)) (٧ / ٣١٧) .

стр. 8649

وأما قتادة بن الفضل الرهاوي؛ فهو مترجم في ((التهذيب)) وغيره برواية جمع عنه، وقال في ((التقريب)) : ((مقبول)) . وأما صحابي الحديث؛ فهو قتادة بن عباس - بموحدة ثم مهملة، أو مثناة تحتية ثم معجمة؛ أي: (عياش) ؛ كما في ((الإصابة)) -. ووقع في ((الطبراني)) : (ابن عائش) ! والظاهر أنه خطأ مطبعي. ثم إن الظاهر أن صحبته لا تعرف إلا من هذا الحديث، وقد أثبتها له البخاري وأبو حاتم وابن حبان، وشك فيها ابن السكن؛ فقال: ((يقال: له صحبة، مخرج حديثه عن ولده، وليس يروى إلا من هذا الوجه)) . ٥٩٤٢ - (لو طرح فراشٌ من أعلاها؛ لهوى إلى قرارها مئة خريف) . ضعيف جداً. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٨ / ٢٨٩ / ٧٩٤٦) من طريق إسماعيل بن عمرو البجلي: ثنا إسرائيل عن جعفر بن الزيير عن القاسم عن أبي أمامة قال: سئل رسول الله ﷺ عن الفرش المرفوعة؟ فقال:. . . فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً أو موضوع؛ آفته جعفر بن الزبير؛ وهو متروك؛ بل كذبه بعضهم. فقول الهيثمي في ((المجمع)) (٧ / ١٢٠) : ((رواه الطبراني، وفيه جعفر بن الزبير الحنفي، وهو ضعيف)) !

стр. 8650

تقصير ظاهر! كيف لا وهو نفسه يقول في تخريج غير ما حديث واحد له: ((كذاب)) . كما يتبين للدارس لكتابه، وتجد أمثلة من ذلك فيما علقه الأخ الفاضل حمدي السلفي على أحاديثه على ((المعجم الكبير)) (٨ / ٢٨٧ - ٢٩٦) ، وقد تقدمت له أحاديث تدل على حاله كالحديث (٣٤٥) و (٦٠٧) . ثم إن إسماعيل بن عمرو البجلي ضعيف، وهو مترجم في ((اللسان)) ، فيمكن أن يكون هو الآفة. فقد رواه وكيع عن جعفر بن الزبير به؛ إلا أنه أوقفه ولم يرفعه إلى النبي ﷺ . أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٣ / ١٤٠) ، وهناد في ((الزهد)) (١ / ٨٠ / ٧٩) . وهذا أولى. والله أعلم. ثم رأيت المنذري قال في ((الترغيب)) (٤ / ٢٦٢) : ((وهو أشبه بالصواب)) . قلت: وهو ضعيف جداً مرفوعاً وموقوفاً. فتنبه. ٥٩٤٣ - (يا عائشة! لو كان الحياء رجلاً؛ لكان رجلاً صالحاً، ولو كان البذاء رجلاً؛ لكان رجل سوء) . ضعيف. أخرجه ابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) (١٩ / ٨٩) ، والطبراني في ((المعجم الصغير)) (ص ١٤٠ - هندية) و ((الأوسط)) (١ / ٢٩٠ /

стр. 8651

١ / ٤٨٥٤) ، والخطيب (٢ / ٣٥٥) بالشطر الأول؛ من طريق يحيى بن بكير: ثنا عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن يحيى ابن النضر عن أبي سلمة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ :. . . فذكره. وقال الطبراني: ((تفرد به ابن لهيعة)) . قلت: وهو لين؛ كما قال الهيثمي (٨ / ٢٧) ؛ وقد عزاه لـ ((المعجمين)) ؛ ولكن لم يذكر منه الشطر الثاني! ولم يتنبه لذلك المعلق على ((المعجم الصغير)) (٢ / ٤ / ٦٧٤) ! وأعجب منه أن السيوطي لم يذكر من الحديث في ((الجامع الصغير)) إلا هذا الشطر، وبلفظ: ((لو كان العُجب. . .)) ؛ مكان: ((البذاء)) ! وعزاه لـ: ((صغير الطبراني)) في نسخة المناوي وغيرها، وضعف إسناده، وفي نسخة ((الفتح الكبير)) للنبهاني عزاه لـ: ((كبير الطبراني)) ! وهو خطأ؛ فإنه لا أصل له في ((المعجم الكبير)) له. وعزاه السيوطي في ((الجامع الكبير)) لأبي نعيم عن عائشة بلفظ حديث الترجمة. وإن من أخطاء المناوي الفاحشة: أنه أعل ((الصغير)) بقوله: ((وفيه عبد الرحمن بن معاوية؛ أورده الذهبي في ((الضعفاء)) ، وقال: قال مالك: ليس بثقة. وابن معين وغيره: لا يحتج به)) . قلت: وهذا المضعف كنيته أبو الحويرث المدني، ولا وجود له في إسناد

стр. 8652

الحديث، وإنما فيه شيخ الطبراني قال: ((حدثنا عبد الرحمن بن معاوية التيمي المصري: ثنا يحيى بن بكير. . .)) إلخ، وهذا متأخر الطبقة عن أبي الحويرث؛ كما هو ظاهر لكل ناظر، وإنما علة الحديث ابن لهيعة كما تقدم. والله أعلم. ثم إن هذا الشطر الثاني من الحديث قد أخرجه ابن أبي الدنيا في ((الصمت)) (١٨١ / ٣٣١) من طريق أخرى عن ابن لهيعة به؛ إلا أنه قال: ((الفحش)) ؛ مكان: ((البذاء)) . وله طريق آخر خرجته في ((الصحيحة)) (٥٣٧) . وقد روي عن عائشة بإسناد آخر في أثناء حديث فيه طول، تقدم تخريجه برقم (٣٨٨٩) . ثم رواه ابن أبي الدنيا (٦٥٧) بإسناد آخر عنها ولفظ آخر، فقال: حدثنا أبو سعيد المديني: حدثنا العلاء بن [عبد] الجبار: حدثني نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة عن عائشة مرفوعاً: ((لو كان الفحش خلقاً؛ لكان شر خلق الله)) . ورجاله ثقات؛ غير أبي سعيد المديني، فلم أعرفه، وأظنه الآفة، كما أظن أن لفظ: (الفحش) تحرف على السيوطي إلى: (العجب) . والله أعلم. (فائدة) : (البذاء) : فحش الكلام، وقلة الحياء. كما في ((الترغيب)) للأصبهاني (ق ١١١ / ٢) . ثم وجدت له طريقاً آخر: فقال الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (١ / ٢٢٢ / ٣٣٣) قال: حدثنا أحمد بن رشدين قال: حدثنا أحمد بن صالح قال: حدثنا

стр. 8653

عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث عن أيوب بن موسى عن ابن أبي مليكة عن عائشة به نحوه. قلت: ورجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أحمد بن صالح - وهو المصري -؛ فمن شيوخ البخاري، وإلا أحمد بن رشدين؛ فهو ضعيف، اتهمه بعضهم؛ لكن يبدو من تعقيب الطبراني أنه لم يتفرد به؛ فقد قال: ((لم يروه عن أيوب بن موسى إلا عمرو بن الحارث، تفرد به ابن وهب)) . فإن كان ابن رشدين قد توبع من ثقة؛ فالسند صحيح، وهذا ما أستبعده، والله أعلم. لكن جملة الفحش لها طريق آخر عن ابن أبي مليكة بسند حسن؛ كما بينت في ((الصحيحة)) (٥٣٧) . ٥٩٤٤ - (ليس على المرأة حُرُمٌ إلا في وجهها) . منكر. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٢ / ٣٧٠ / ١٣٣٧٥) و ((المعجم الأوسط)) (٢ / ٧٨ / ١ / ٦٢٥٨) : حدثنا محمد بن زكريا الغلابي: ثنا عبد الله بن رجاء: ثنا أيوب بن محمد أبو الجمل عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال:. . . فذكره. وقال: ((لم يرفع هذا الحديث إلا أيوب أبو الجمل، تفرد به عبد الله بن رجاء)) . قلت: وهو صدوق يهم قليلاً؛ كما في ((التقريب)) . لكن الراوي عنه الغلابي متهم بالكذب؛ لكنه قد توبع، فالعلة من أبي الجمل.

стр. 8654

فقد أخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) (١ / ١١٦) ، وابن عدي في ((الكامل)) (١ / ٣٤٩) ، ومن طريقه البيهقي (٥ / ٤٧) ، والخطيب في ((التاريخ)) (٧ / ٩) من طريقين عن عبد الله بن رجاء به. وذكر الخطيب عن الدارقطني أنه قال: ((لم يرفعه غير أبي الجمل وكان ضعيفاً، وغيره يرويه موقوفاً)) . وقال البيهقي: ((وأيوب بن محمد أبو الجمل؛ ضعيف عند أهل العلم بالحديث؛ فقد ضعفه يحيى بن معين وغيره، وقد روي الحديث من وجه آخر مجهول عن عبيد الله بن عمر مرفوعاً، والمحفوظ موقوف)) . ثم رواه هو من طريق هشام بن حسان عن عبيد الله به موقوفاً على ابن عمر. وقال عقبه: ((هكذا رواه الدراوردي وغيره موقوفاً على ابن عمر)) . قلت: وهو يلتقي مع ما صح عن ابن عمر موقوفاً ومرفوعاً بلفظ: ((لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين)) . رواه البخاري وغيره، وهو مخرج في ((الإرواء)) (١٠١٢) . والحديث، قال الهيثمي في ((المجمع)) (٣ / ٢١٩) : ((رواه الطبراني في ((الكبير)) و ((الأوسط)) ، وفيه أيوب بن محمد اليمامي، وهو ضعيف)) . (تنبيه) : قوله: ((حُرُم)) ؛ كذا في كل المصادر المتقدمة، ومنها ((ضعفاء العقيلي)) ؛ لكن المعلق عليه الدكتور القلعجي صححه بزعمه إلى ((إحرام)) !

стр. 8655

معتمداً في ذلك - كما قال - على ((الميزان)) ! وكذلك وقع في ((الجامعين)) ! والظاهر أنه رواية بالمعنى، أو غفلة عنه؛ ففي ((النهاية)) : ((و (الحُرم) ؛ بضم الحاء وسكون الراء: الإحرام بالحج. وبالكسر: الرجل المحرم. يقال: أنت حل، وأنت حرم. والإحرام: مصدر أحرم الرجل يحرم إحراماً إذا أهل بالحج أو العمرة وباشر أسبابهما وشروطهما؛ من خلع المخيط واجتناب الأشياء التي منعه الشرع منها؛ كالطيب والنكاح والصيد وغير ذلك)) . والحديث من طريق هشام بن حسان الموقوف عند البيهقي؛ هو عنده من طريق علي بن عمر الحافظ: ثنا الحسين بن إسماعيل: ثنا أبو الأشعث: ثنا حماد بن زيد عن هشام بن حسان. وعلي بن عمر الحافظ؛ هو الإمام الدارقطني، وقد أخرجه في ((سننه)) (٢٦٠) بهذا الإسناد؛ لكن وقع فيه مرفوعاً هكذا: أن النبي ﷺ قال:. . . فذكره! فالظاهر أن رفعه فيه خطأ مطبعي. والخلاصة: أن الحديث صحيح موقوفاً. وقد قال ابن الهمام في ((فتح القدير)) (٢ / ٤٠٥) : ((ولا شك في ثبوته موقوفاً)) . قلت: ويشهد له قول عائشة ﵂: ((المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت؛ إلا ثوباً مسه ورس أو زعفران، ولا تتبرقع، ولا تتلثم، وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت)) . أخرجه البيهقي في ((سننه)) (٥ / ٤٧) بسند صحيح عنها.

стр. 8656

قلت: وهذا القول منها يدل على أمرين اثنين: الأول: أنه لا يجوز للمحرمة أن تتبرقع وأن تتلثم. وهذا يوافق حديث ابن عمر المار آنفاً: ((لا تنتقب المرأة المحرمة. . .)) . فما يفعله كثير من المحرمات السعوديات في الحج والعمرة من الانتقاب أو التلثم خلاف الشرع. ولعل ذلك بسبب تشديد علماء تلك البلاد على النساء في إيجابهم عليهن أن يسترن وجوههن، وتحريمهم عليهن أن يراهن الرجال. والآخر: أنه لا يجب على المحرمة أن تسدل الثوب على وجهها؛ لقولها: ((إن شاءت)) . وهذه فائدة هامة من أم المؤمنين، على أولئك العلماء أن يتمسكوا بها، وأن يبثوها بين طلبة العلم؛ لأن أكثرهم عنها غافلون ولمدلولها مخالفون. وأيضاً: فهي تدل على أن ما روي عنها أنها كانت تسدل هي ومن كان معها من المحرمات على وجوههن؛ أن ذلك كان منهن عملاً بالأفضل والأستر والأحشم. وهو الذي كنا ذهبنا إليه في كتاب ((حجاب المرأة المسلمة)) في فصل خاص عقدته فيه، فلم يعجب ذلك كثيراً من العلماء السعوديين وغيرهم، فحملوا علينا حملات شعواء حتى نسبنا بعضهم إلى أنني من الدعاة إلى السفور! ولم يصدهم عن ذلك تلك الشروط القاسية التي وضعتها لحجاب المرأة المسلمة، والتي لا يقوم بها كثير من النساء حتى من زوجات بعض الشيوخ الكبار! هدانا الله وإياهم سواء الصراط. وأنا الآن في صدد تهيئة رد عليهم، وبيان غلوهم في الدين في هذه المسألة في

стр. 8657

مقدمة الطبعة الجديدة للكتاب المذكور: ((الحجاب)) . يسرها الله لي، وتقبلها مني، ونفع بها إخواني المسلمين (*) . ٥٩٤٥ - (ليقيم الأعراب خلف المهاجرين والأنصار؛ ليقتدوا بهم في الصلاة) . ضعيف. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٧ / ٢٥٧ / ٦٨٨٧) من طريقين عن سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعاً. قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لعنعنة الحسن - وهو البصري -، وضعف سعيد بن بشير، وقد رواه مرة بلفظ: ((كان يعجبه أن يليه المهاجرون والأنصار في الصلاة؛ ليأخذوا عنه)) . أخرجه الطبراني (٦٨٨٢) . ثم أخرجه هو (٧٠٨٥) ، والبزار (٥٠٦) من طريق جعفر بن سعد بن سمرة: ثنا خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان بن سمرة عن سمرة بن جندب به. وقال البزار: ((لا نعلمه مرفوعاً إلا بهذا الإسناد)) . قلت: وهو ضعيف؛ كما قال الهيثمي (٢ / ٩٤) ، وفيه جهالة وضعف تقدم بيانه في غير ما حديث.

стр. 8658

٥٩٤٦ - (ما اختلفت أمةٌ بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها) . ضعيف. أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٢ / ١٩٠ / ٢ / ٧٩١٢) من طريق إسحاق بن الضيف: نا منصور بن أبي زائدة: نا أبو بكر بن عياش عن موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :. . . فذكره. وقال: ((تفرد به منصور بن أبي زائدة)) . قلت: كذا وقع في ((الأصل: ((ابن أبي زائدة)) ! والصواب: ((ابن أبي نويرة)) ؛ كما في ((مجمع البحرين)) (١ / ١٤ / ١) ، و ((تهذيب الكمال)) (٢ / ٤٣٧) وغيره من كتب الرجال. وقد أورده ابن أبي حاتم (٤ / ١ / ١٧٩) من روايته عن أبي بكر بن عياش، وكذا ابن حبان في ((الثقات)) (٩ / ١٧٢) وقال: ((مستقيم الحديث)) . وهل هو منصور بن يعقوب بن أبي نويرة الذي ترجمه ابن عدي (٦ / ٢٣٨٨) بروايته عن شريك وأسامة بن زيد بن أسلم وساق له حديثين، وقال: ((وله غير ما ذكرت، ويقع في حديثه أشياء غير محفوظة)) . ورواهما عنه إبراهيم بن بشير الكسائي. ولخص كلام ابن عدي الذهبي في ((المغني)) ؛ فقال فيه: ((منكر الحديث)) . والله أعلم.

стр. 8659

فإن النفس تميل إلى أنه ثقة؛ كما قال ابن حبان؛ لرواية جمع عنه؛ فإن الحديثين اللذين ذكرهما له - إن كان هو ابن أبي نويرة - أحدهما معروف من رواية غيره، وهو: ((ما أسكر كثيره؛ فقليله حرام)) . وهو مخرج في ((غاية المرام)) (٥٨) و ((الإرواء)) . والآخر: غير محفوظ حقاً؛ ولكن ذلك مما لا يسقط حديثه؛ لأنه خطأ منه، ومن ذا الذي لا يخطئ؟ ! وعلة الحديث: موسى بن عبيدة، فإنه ضعيف، وبه أعله الهيثمي في ((المجمع)) (١٥٧ / ١) . وإسحاق بن الضيف، صدوق يخطئ. ٥٩٤٧ - (ما أصاب المؤمن مما يكره؛ فهو مصيبةٌ) . ضعيف جداً. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٨ / ٢٤٠ / ٧٨٢٤) من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: انقطع قبال رسول الله ﷺ فاسترجع، فقالوا: أمصيبة يا رسول الله؟ قال:. . . فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف علي بن يزيد - وهو الألهاني -، وعبيد الله ابن زحر؛ بل قال فيه ابن حبان في ((الضعفاء)) (٢ / ٦٢) : ((منكر الحديث جداً، يروي الموضوعات عن الأثبات، وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات. . .)) .

стр. 8660

وله طريق أخرى لا يتقوى بها؛ لشدة وهائها، يرويها أبو نعيم النخعي: ثنا العلاء بن كثير عن مكحول عن أبي أمامة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فانقطع شسع النبي ﷺ ، فقال: ((إنا لله وإنا إليه راجعون)) . فقال له رجل: هذا الشسع! فقال رسول الله ﷺ : ((إنها مصيبة)) . أخرجه الطبراني أيضاً (٧٦٠٠) . قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ العلاء بن كثير؛ قال ابن حجر في ((التقريب)) : ((متروك، رماه ابن حبان بالوضع)) . وبه أعله الهيثمي (٢ / ٣٣١) . وأبو نعيم النخعي: هو عبد الرحمن بن هانئ، سبط إبراهيم النخعي؛ قال الحافظ: ((صدوق له أغلاط. أفرط ابن معين فكذبه. وقال البخاري: هو في الأصل صدوق)) . ٥٩٤٨ - (ما رفع قوم أكفهم إلى الله تعالى يسألونه شيئاً إلا كان حقاً على الله أن يضع في أيديهم الذي سألوا) . ضعيف. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٦ / ٣١٢ / ٦١٤٢) : حدثنا يعقوب بن مجاهد البصري: ثنا المنذر بن الوليد الجارودي: ثنا أبي: ثنا شداد أبو طلحة الراسبي عن الجريري عن أبي عثمان عن سلمان ﵁ مرفوعاً.

стр. 8661

قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال (الصحيح) ؛ كما قال في ((المجمع)) (١٠ / ١٦٩) ، ولم يستثن كما هي عادته في شيوخ الطبراني، وهم دون طبقة شيوخ أصحاب (الصحيح) ؛ كما هو معلوم عند العارفين بهذا العلم. ويعقوب بن مجاهد هذا، لم أجد له ترجمة فيما وقفت عليه من المصادر، وهو من غير المشهورين من شيوخ الطبراني؛ فإنه لم يرو عنه في ((المعجم الأوسط)) إلا ستة أحاديث (٩٦٣٨ - ٩٦٤٣) ، فيمكن أن تكون علة هذا الحديث منه، ويمكن أن تكون ممن فوقه، والاحتمال يدور بين اثنين: أحدهما: شداد أبو طلحة - وهو ابن سعيد البصري -؛ فإنه مع كونه من رجال مسلم قال الحافظ في ((التقريب)) : ((صدوق يخطئ)) . والآخر: الحريري - واسمه سعيد بن إياس، وهو من رجال الشيخين -؛ قال الحافظ: ((ثقة، اختلط قبل موته بثلاث سنين)) . قلت: فلعله حدَّث به في اختلاطه فخالف في لفظ الحديث؛ فقد رواه ثلاثة من الثقات عن أبي عثمان بلفظ: ((إن ربكم حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً)) . حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي وغيرهم، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) (١٣٣٧) .

стр. 8662

٥٩٤٩ - (ما طلب الدواء بشيءٍ أفضل من شربة عسل) . موضوع. أخرجه أبو نعيم في ((الطب)) (ق ٣٢ / ١) من طريق إبراهيم ابن حكيم: ثنا سعيد بن سلام: ثنا عمر بن محمد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعاً. قلت: وهذا موضوع؛ آفته سعيد بن سلام - وهو العطار -؛ قال أحمد: ((كذاب)) . وقال البخاري: ((يذكر بوضع الحديث)) . وروى ابن عدي (٣ / ١٢٣٩) عن محمد بن عبد الله ابن نمير أنه قال فيه: ((كذاب، كذاب)) . وشيخه عمر بن محمد؛ قريب منه، وهو عمر بن صهبان بن محمد؛ قال البخاري: ((منكر الحديث)) . وكذا قال أبو حاتم، وقال هو والدارقطني: ((متروك الحديث)) . والراوي عنه إبراهيم بن حكيم: هو إبراهيم بن فهد بن حكيم؛ قال ابن عدي (١ / ٢٦٨) : ((سائر أحاديثه مناكير، وهو مظلم الأمر، كان ابن صاعد إذا حدثنا عنه ينسبه إلى جده؛ لضعفه)) . وقال البردعي؛ كما في ((اللسان)) :

стр. 8663

((ما رأيت أكذب منه)) ! ٥٩٥٠ - (ما من امرئ يحيي أرضاً، فيشرب منه كبد حَرّى، أو يصيب منه عافية؛ إلا كتب الله له به أجراً) . ضعيف. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٣ / ٣٩٧ / ٩٤٩) من طريق موسى بن يعقوب: حدثتني عمتي قريبة بنت عبد الله: أن أباها قالت له أم سلمة: سمعت رسول الله ﷺ يقول:. . . فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف، لجهالة قريبة بنت عبد الله؛ كما يشير إلى ذلك قول الذهبي في ((الميزان)) . ((تفرد عنها ابن أخيها موسى بن يعقوب)) . وموسى هذا: هو الزمعي؛ قال الحافظ في ((التقريب)) : ((صدوق سيئ الحفظ)) . والحديث؛ قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٤ / ١٥٧) : ((رواه الطبراني في ((الأوسط)) . وفيه موسى بن يعقوب الزمعي؛ وثقه ابن معين وابن حبان، وضعفه ابن المديني، وتفرد عن قريبة: شيخته)) . قلت: كذا وقع فيه معزواً لـ ((أوسط الطبراني)) فقط! وقد أورده في ((مجمع البحرين)) (١ / ٩٦ / ٢) من طريق شيخ الطبراني عمرو بن أبي الطاهر بن السرح بسند ((الكبير)) نفسه عن موسى بن يعقوب به، وقال: ((تفرد به موسى)) .

стр. 8664

وقد ساق الطبراني لشيخه هذا في ((الأوسط)) (١ / ٣٠٣ / ١ - ٢) أحاديث أربعة (٥٠٣٥ - ٥٠٣٨) ليس منها هذا الحديث؛ لكن الورقة التي تلي المشار إليها من ((الأوسط)) غير موجودة في نسختي المصورة، فالظاهر أن الحديث فيها، ثم رأيت الهيثمي عزا حديثاً آخر عن هذا الشيخ، ولم أره في المصورة أيضاً، وسيأتي برقم (٥٩٨٥) . ٥٩٥١ - (ما من امرأةٍ تخرج في شهرة من الطيب، فينظر الرجال إليها؛ إلا لم تزل في سخط الله حتى ترجع إلى بيتها) . ضعيف. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٥ / ٣٨ / ٧١) من طريق موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد عن ميمونة بنت سعد عن النبي ﷺ قال:. . . فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف موسى بن عبيدة، وأيوب بن خالد - وهو المدني -؛ فيه لين؛ كما في ((التقريب)) .

стр. 8665

٥٩٥٣ - (فُضِّلتُ على الأنبياء بخمس. . . ونصرت بالرعب شهراً أمامي وشهراً خلفي. . .) . منكر بذكر (الشهرين) . أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٧ / ١٨٣ / ٦٦٧٤) من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن يزيد بن خصيفة: أنه أخبره عن السائب بن يزيد به. قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ ابن أبي فروة هذا؛ متروك، وبه أعله الهيثمي في ((المجمع)) (٨ / ٢٥٩) ، وسكت عنه الحافظ في ((الفتح)) (٦ / ١٢٨) فما

стр. 8666

أحسن! كما سكت عن حديث آخر، فقال: ((ووقع في الطبراني من حديث أبي أمامة: شهراً أو شهرين)) ! قلت: وهذا إنما هو من حديث ابن عباس: عند الطبراني. ثم هو منكر أيضاً؛ فإنه في ((المعجم الكبير)) (١١ / ٦١ / ١١٠٤٧) من طريق عبد الله بن حماد بن نمير: ثنا حصين بن نمير: ثنا ابن أبي ليلى عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ: ((أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي. . .)) الحديث، وفيه: ((ونصرت بالرعب، حتى إن العدو ليخافني من مسيرة شهر أو شهرين. . .)) . وهذا إسناد ضعيف؛ عبد الله بن حماد هذا؛ لم أعرفه. وابن أبي ليلى: هو محمد بن عبد الرحمن؛ وهو سيئ الحفظ. والظاهر أن قوله: ((شهراً أو شهرين)) ؛ هو من سوء حفظه. وإن مما يؤكد ذلك: أن الإمام أحمد أخرجه (١ / ٣٠١) من طريق أخرى عن ابن عباس بلفظ: ((شهر)) . ولم يشك. وقال الهيثمي (٨ / ٢٥٨) : ((ورجال أحمد رجال (الصحيح) ؛ غير يزيد بن أبي زياد، وهو حسن الحديث)) . وكذلك أخرجه الطبراني (١١٠٨٥) من طريق أخرى، وإن كان إسناده واهياً. ومثل ما تقدم في النكارة: حديث يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن

стр. 8667

عمر بن الخطاب عن خازم بن خزيمة البصري عن مجاهد عن أبي هريرة به مثل حديث الترجمة. أخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) (٢ / ٢٦ - ٢٧) ، والعسكري في ((تصحيفات المحدثين)) (٢ / ٥٤٧ - ٥٤٨) ؛ ذكراه في ترجمة خازم هذا. وقال العسكري: ((قليل الحديث)) . وقال العقيلي: ((يخالف في حديثه)) . وأما ابن حبان؛ فذكره في ((الثقات)) (٨ / ٢٣٢) ، وقال: ((روى عنه البخاريون، ربما أخطأ)) . ولم يسم أحداً روى عنه، وكذا البخاري وابن أبي حاتم، لم يذكرا راوياً عنه مطلقاً، فيستفاد من هذه الرواية أنه روى عنه يحيى بن عبد الله العمري. وهو مدني ثقة. وتابعه عند العقيلي: عبد الجبار بن عمر الأيلي. وهو ضعيف. وليس بخارياً كما هو ظاهر من نسبته. ولم يذكر في ((الميزان)) غيره راوياً عنه، فهو العلة -: أعني خازماً -؛ فإن الحديث متواتر عن أبي هريرة: رواه مسلم (٢ / ٦٤) وحده من خمسة طرق عنه بلفظ: ((. . . شهر. . .)) . ثم هو متواتر كذلك عن جمع آخر من الصحابة؛ منهم جابر: عند الشيخين، وأبو ذر وابن عمر: عند أحمد. وأحاديثهم مخرجة في ((الإرواء)) (١ / ٣١٥ - ٣١٧) .

стр. 8668

وفي الباب عن جمع آخر، فانظر - إن شئت - ((مجمع الزوائد)) (٨ / ٢٥٨ - ٢٥٩، ٢٦٩) . واعلم أن الدافع على تخريج هذه الزيادة المنكرة - بل الباطلة -: ((. . . أمامي، وشهراً خلفي)) : أن الحديث معروف الصحة غاية بدونها، ولكني لما رأيت بعضهم أوهم صحتها كتبت هذا التحقيق: أولهم: الحافظ ابن حجر؛ بسكوته عليها كما تقدم. ثانيهم: المعلق على ((تصحيفات المحدثين)) ؛ فإنه لما خرج حديث الترجمة المنكر؛ ذكر أن أصله في ((الصحيح)) : في البخاري عن جابر، وعن أبي هريرة، قال: ((وفيه: ونصرت بالرعب. . .)) ! فأوهم أنه في ((الصحيح)) بالزيادة المنكرة التي أشار إليها بالنقط ((. . .)) ؛ لأن هذا هو الذي يتبادر لكل قارئ لا يعرف التفصيل المتقدم! وثالثهم: صاحبنا السلفي؛ فإنه نقل في تخريج حديث ابن أبي ليلى المتقدم وفيه: ((. . . مسيرة شهر أو شهرين. . .)) تخريج الحافظ الهيثمي الذي فيه ميله إلى تحسين حديث يزيد بن أبي زياد، وليس فيه زيادة: ((أو شهرين)) ؛ كما تقدم بيانه، فكان من الواجب أن يبين ذلك؛ حتى لا يُدخل في الحديث الصحيح ما ليس منه، والله أعلم. ومن ذاك القبيل: تعقيب أخينا الفاضل حمدي السلفي عقب نقله إعلال الهيثمي للحديث بابن أبي فروة بقوله: ((قلت: وله شواهد)) !

стр. 8669

وإن مما يؤكد نكارة حديث الترجمة - بل بطلانه -: أنه في رواية للبيهقي وغيره من حديث أبي أمامة المشار إليه آنفاً بلفظ: ((. . . مسيرة شهر يسير بين يدي)) . وإسناده صحيح. وهو مخرج في ((الإرواء)) (١ / ٣١٦) . ٥٩٥٤ - (من حكم بين اثنين تحاكما إليه وارتضيا به، فلم يقل بينهما بالحق؛ فعليه لعنة الله) . منكر. أخرجه العسكري في ((التصحيفات)) (٢ / ٦٧٣) عن يعلى بن الأشدق عن عبد الله بن جراد قال: قال رسول الله ﷺ :. . . فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف بمرة؛ آفته يعلى هذا؛ قال العسكري: ((تكلموا فيه)) . قلت: اتهمه ابن حبان؛ فقال (٣ / ١٤١) : ((يروي عن عبد الله بن جراد، فلما كبِر؛ اجتمع عليه من لا دين له، فدفعوا إليه شبيهاً بمئتي حديث عن عبد الله بن جراد وأعطوه إياها، فجعل يحدث بها وهو لا يدري)) . وقال ابن عدي (٧ / ٢٧٤٢) : ((روى عن عمه عبد الله بن جراد أحاديث كثيرة مناكير، وهو وعمه غير معروفين)) .

стр. 8670

٥٩٥٥ - (كان موسى ﵇ يدعو ويؤمن هارون ﵇، وما أعطيهما غيري وغيرهما) . ضعيف. أخرجه العسكري في ((التصحيفات)) (١ / ٥٧١) من طريق زربي أبي يحيى قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ :. . . فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ زربي هذا؛ قال الذهبي في ((الكاشف)) : ((واهٍ)) . وقال الحافظ في ((التقريب)) : ((ضعيف)) .

стр. 8671

٥٩٥٦ - (من صلَّى في مسجد قباء يوم الاثنين والخميس؛ انقلب بأجر عمرة) . موضوع بذكر (اليومين) . أخرجه العسكري في ((التصحيفات)) (٢ / ٧٢٣) من طريق الواقدي عن سعيد بن عبد الرحمن عن ابن غنمة الجهني عن ظهير بن رافع قال: حدثني حارثة عن النبي ﷺ قال:. . . فذكره. قلت: وهذا موضوع؛ آفته الواقدي؛ فإنه كذاب، وروايته لهذا الحديث بزيادة اليومين يؤكد كذبه؛ فإن الحديث صحيح دونها، من حديث أسيد بن ظهير - وحسنه الترمذي -، وسهل بن حنيف - وصححه الحاكم والذهبي -، وابن عمر - وصححه ابن حبان (١٠١٨) -، وهي مخرجة في ((الترغيب)) (٢ / ١٣٨ - ١٣٩) .

стр. 8672

وله عن ابن عمر طريق أخرى ضعيفة: عند العقيلي (١ / ٩٨) ، ضعفه من أجلها الدكتور القلعجي في (فهرس الأحاديث الضعيفة) الذي وضعه في آخر ((ضعفاء العقيلي)) (٤ / ٥٥٧) ، وهو حاطب ليل في هذا العلم! ! فكم من حديث صحيح أورده في هذا الفهرس، وعلى العكس فكم من حديث ضعيف أورده في (فهرس الأحاديث الصحيحة) مما لا يقول به عالم! ! والله المستعان. والحديث؛ عزاه السيوطي في ((الجامع الكبير)) لابن سعد عن ظهير بن رافع. وغالب الظن أن فيه الواقدي أيضاً، ولم أره في فهرس ((طبقات ابن سعد)) المطبوع منه، ولا في القسم الذي طبع أخيراً كتتمة لبعض المفقود منه، وليس فيه من الحديث المسند إلا النزر القليل جداً، حتى لقد ألقي في النفس: لعله مختصر من الأصل، فليحقق. ٥٩٥٧ - (إذا توفيت المرأة، فأرادوا أن يغسلوها، فليبدأوا ببطنها، فليمسح بطنها مسحاً رقيقاً إن لم تكن حُبلى، فإن كانت حُبلى؛ فلا تحركنها، فإن أردت غسلها فابدئي بسفلتها، فألقي على عورتها ثوباً ستيراً، ثم خذي كرسفاً فاغسليها، فأحسني غسلها، ثم أدخلي يدك من تحت الثوب، فامسحيها بكرسف ثلاث مرات، فأحسني مسحها قبل أن توضئيها، ثم وضئيها بماء فيه سدر، ولتفرغ الماء امرأة وهي قائمة لا تلي شيئاً غيره حتى تنقي بالسدر وأنت تغسلين، وليل غسلها أولى النساء بها، وإلا؛ فامرأة ورعة، فإن كانت صغيرة أو ضعيفة؛ فلتلها امرأة ورعة مسلمةٌ، فإذا فرغت من غسل سفلتها غسلاً نقياً بماء وسدر؛ فلتوضئها وضوء الصلاة؛ فهذا بيان وضوئها، ثم اغسليها بعد ذلك ثلاث مرات

стр. 8673

بماء وسدر، فابدئي برأسها قبل كل شيءٍ فأنقي غسله من السدر بالماء، ولا تسرحي رأسها بمشط، فإن حدث بها حدث بعد الغسلات الثلاث؛ فاجعليها خمساً، فإن حدث في الخامسة؛ فاجعليها سبعاً، وكل ذلك فليكن وتراً بماء وسدر، فإن كان في الخامسة أو الثالثة؛ فاجعلي فيه شيئاً من كافور وشيئاً من سدر، ثم اجعلي ذلك في جر جديد، ثم أقعديها فأفرغي عليها وابدئي برأسها حتى تبلغي رجليها، فإذا فرغت منها؛ فألقي عليها ثوباً نظيفاً، ثم أدخلي يدك من وراء الثوب فانزعيه عنها، ثم احشي سفلتها كرسفاً واحشي كرسفها من طيبها، ثم خذي سبيةً طويلةً مغسولةً فاربطيها على عجزها كما تربط على النطاق، ثم اعقديها بين فخذيها وضمي فخذيها، ثم ألقي طرف السبية عن عجزها إلى قريب من ركبتيها، فهذا شأن سفلتها، ثم طيبيها وكفنيها واطوي شعرها ثلاثة أقرن: قصةً وقرنين، ولا تشبهيها بالرجال، وليكن كفنها في خمسة أثواب: أحدها الإزار تلفي به فخذيها، ولا تنقضي من شعرها شيئاً بنورةٍ ولا غيرها، وما يسقط من شعرها؛ فاغسليه، ثم اغرزيه في شعر رأسها، وطيبي شعر رأسها، فأحسني تطييبه ولا تغسليها بماء مسخن واخمريها وما تكفنيها به بسبع نبذات إن شئت، واجعلي كل شيءٍ منها وتراً، وإن بدا لكِ أن تخمديها في نعشها فاجعليه وتراً. هذا شأن كفنها ورأسها، وإن كانت محدورةً أو مخصوفةً أو أشباه ذلك، فخذي خرقةً واحدةً واغمسيها في الماء واجعلي تتبعي كل شيءٍ منها، ولا تحركيها؛ فإني أخشى أن يتنفس منها شيءٌ لا يستطاع ردُهُ) . منكر. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٥ / ١٢٤) من طريق جنيد

стр. 8674

ابن أبي وهرة، وليث؛ كلاهما عن عبد الملك بن أبي بشير عن حفصة بنت سيرين عن أم سليم أم أنس قالت: قال رسول الله ﷺ :. . . فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف من الطريقين؛ ففي الأولى جنيد - وهو ابن العلاء -؛ مختلف فيه؛ فقال البخاري في ((التاريخ)) (٢ / ١ / ٢٣٦) في ترجمته: ((قال أبو أسامة: كان صاحبي أوثق مني)) . وقال ابن أبي حاتم (١ / ١ / ٥٢٨) عن أبيه: ((صالح الحديث)) . وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٦ / ١٥٠) . ثم أورده في ((الضعفاء)) (١ / ٢١١) ، وقال: ((كان يدلس عن محمد بن أبي قيس المصلوب، ويروي ما سمع منه عن شيوخه، فاستحق مجانبة حديثه على الأحوال كلها؛ لأن ابن أبي القيس كان يضع الحديث)) . وقال الذهبي في ((الميزان)) : ((له حديث في غسل الميت طويل منكر)) . قلت: يعني: هذا. وأقره الحافظ في ((اللسان)) ، وقال: ((قال الأزدي: لين الحديث)) . قلت: وفي الطريق الأخرى ليث - وهو ابن أبي سليم الحمصي -؛ وهو ضعيف مختلط، ولا أستبعد أن يكون جنيد بن العلاء تلقاه عنه ثم دلسه، فيرجع الحديث إلى طريق واحدة.

стр. 8675

والحديث، قال الهيثمي (٣ / ٢٢) : ((رواه الطبراني في ((الكبير)) بإسنادين، في أحدهما ليث بن أبي سليم؛ وهو مدلس، ولكنه ثقة، وفي الآخر جنيد؛ وقد وثق، وفيه بعض كلام)) . وأقول: لا أعلم أحداً رمى ليثاً بالتدليس، وإنما بالاختلاط. وكذلك لا أعلم من أطلق فيه التوثيق. فراجع أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه في ((التهذيب)) . ٥٩٥٨ - (أفعمياوان أنتما؟ ! ألستما تبصرانه؟ !) . منكر. أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي في ((الكبرى)) (٢ / ٢٢٤ - ٢٢٥ - المصورة) وأحمد وغيرهم؛ كأبي يعلى في ((مسنده)) (٦٩٢٢) ، ومن طريقه ابن حبان (١٩٦٨) ومن طريق غيره أيضاً (١٤٥٧) ، والطبراني في ((الكبير)) (٢٣ / ٣٠٢ / ٦٧٨ و ٤٠٠ / ٩٥٦) ، وابن سعد في ((الطبقات)) (٨ / ١٧٥ - ١٧٦) كلهم من طريق نبهان عن أم سلمة قالت: كنت: أنا وميمونة عند النبي ﷺ ، فجاء ابن أم مكتوم يستأذن - وذلك بعد أن ضرب الحجاب - فقال: ((قوما)) . فقلنا: إنه مكفوف لا يبصرنا. فقال:. . . فذكره. وقال النسائي: ((ما نعلم أحداً روى عن نبهان غير الزهري)) . وأقره المزي في ((التهذيب)) . قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة نبهان هذا، كما كنت بينته في ((الإرواء)) (١٧٦٩، ١٨٠٦) بزيادة في تخريج الحديث في الموضع الثاني، وإنما أعدت تخريجه هنا لأمرين.

стр. 8676

الأول: أن بعض ذوي الأهواء والمتشددين في موضوع وجه المرأة وكفيها، القائلين بأن ذلك منها عورة احتجوا بهذا الحديث؛ مغترين بتصحيح من صححه؛ كالترمذي وغيره من المتقدمين، وكالحافظ العسقلاني من المتأخرين! فأقول: كانت حجتي - ولا تزال - في تضعيف هذا الحديث جهالة نبهان هذا؛ كما صرح بها ابن حزم، وأقره الذهبي في ((الضعفاء)) . ثم رأيت فائدة هامة في كتاب ((شرح منتهى الإرادات)) للشيخ منصور بن يونس البهوتى، فأحببت أن أسجلها هنا؛ لعزتها: قال رحمه الله تعالى (٣ / ٦) بعد أن ذكر الحديث برواية أبي داود: ((وقال أحمد: نبهان روى حديثين عجيبين: هذا الحديث. والآخر: ((إذا كان لإحداكن مكاتب؛ فلتحتجب منه)) . كأنه أشار إلى ضعف حديثه؛ إذ لم يرو إلا هذين الحديثين المخالفين للأصول. وقال ابن عبد البر: نبهان مجهول، لا يعرف إلا برواية الزهري عنه هذا الحديث (١) ، وحديث فاطمة صحيح؛ فالحجة به لازمة. . .)) . قلت: وهذه الفائدة قد ذكرها الشيخ البهوتي في كتابه الآخر: ((منار السبيل)) (٢ / ١٤٠) الذي خرجت أحاديثه في كتابي ((إرواء الغليل)) ، وقد فاتني ذكرها في التخريج؛ لأن الذي نسخ الأحاديث منه لم يذكرها مع الحديث. ولكل أجل كتاب. فإن قيل: كيف قال ابن عبد البر: ((لا يعرف إلا برواية الزهري عنه)) ؛ وقد ذكر الحافظ له راوياً آخر عنه، وهو محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة؟

стр. 8677

قلت: نعم؛ هو تابع في ذلك لابن أبي حاتم؛ خِلَافًا للبخاري في " التاريخ " (٤ / ٢ / ١٣٥) ؛ فإنه لم يذكر غير الزهري، وتبعه ابن حبان في " ثقاته " (٥ / ٥٨٦) ، وهذا هو الصواب. وذلك؛ لأن حديث المكاتب الذي أشار أحمد إلى إنكاره بتعجبه منه ومن حديث الترجمة على نبهان مولى أم سلمة مدار طريقه على الزهري عنه. ومنها: طريق سفيان الثوري عند أبي داود والبيهقي وغيرهما. لكن خالف قبيصة بن عقبة فقال: عن سفيان عن محمد بن عبد الرحمن عن مكاتب مولى أم سلمة يقال له: نبهان. . . فذكر الحديث. أخرجه الطبراني (٢٣ / ٢ ٥ ٣ / ٦٧٧) . فأسقط الزهري وجعل محله محمداً هذا. قال البيهقي (١٥ / ٣٢٧) : " وذكر محمد. بن يحيى الذهلي أن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة روى عن الزهري قال: كان لأم سلمة مكاتب يقال له: نبهان. ورواه محمد بق يوسف عن سفيان عنه. فعاد الحديث إلى رواية الزهري ". قلت: ومما لا شك فيه أن ما رواه الجماعة مع محمد بن يوسف هذا - وهو الفريابي - أولى بالقبول من رواية قبيصة، وبخاصة أنه قد تكلم في روايته عن سفيان؛ فقال ابن معين: " قبيصة؛ ثقة في كل شيء إلا في سفيان؛ فإنه سمع منه وهو صغير ". وقال أحمد نحوه. انظر " التهذيب ". ولذلك؛ قال البيهقي: " وحديث نبهان قد ذكر فيه معمر لسماع الزهري من نبهان، إلا أن الشيخين

стр. 8678

لم يخرجا حديثه في " الصحيح "، وكأنه لم يثبت عدالته عندهما؛ إذ لم يخرج من حد الجهالة برواية عدل عنه، وقد روى غير الزهري عنه إن كان مَحْفُوظًا. . . ". ثم ذكر رواية قبيصة، وقد عرفناك شذوذها. وذكر عن الشافعي أنه قال: " لم أر من ارتضيت من أهل العلم يثبت هذا الحديث ". إذا عرفت ما تقدم يتبين لك خطأ قول الذهبي في ترجمة نبهان هذا من " الكاشف ": " ثقة "! ! ولعل الأصل! : " وثق "؛ كما هي عادته فيمن تفرد بتوثيقه ابن حبان، ولم يكن روى عنه جمع من " الثقات "، ثم انحرف ذلك على اَلنَّاسِخ أو الطابع إلى: " ثقة "؛ لأنه مخالف لإيراده إياه في " الضعفاء " وإقراره لتجهيل! ابن حزم إياه. وقد وافقه على ذلك ابن عبد البر، وَسَبَقَهُمَا البيهقي كما تقدم، وتبعهم الحافظ في " التقريب "؛ فقال فيه: " مقبول "؛ أي: إذا توبع، وإلا؛ فهو لين الحديث؛ كما نصبى عليه وفي مقدمة " بالتقريب ". وقال في " التلخيص " (٣ / ١٤٨) : " وثق "؛ أي: لا يوثق به. إذا تبين لك ما ذكرنا من التحقيق؛ فلا يهمنك تصحيح من صحح الحديث؛ فإنه إما لتساهل عرف به كالترمذي وابن حبان، وإما لشبهة تعلق بها؛ كقول الحافظ في " الفتح " (٩ / ٣٣٧) : " وإسناده قوي، وأكثر ما علل به انفراد الزهري بالرواية عن نبهان، وليست بعلة قادحة؛ فإن من يعرفه الزهري ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة، ولم يجرحه أحد؛ لا ترد روايته "!

стр. 8679

كذا قال! وليس يخفى على البصير أن وصف الزهري لنبهان بما ذكر ليس له علاقة بالتوثيق بوجه من الوجوه مُطْلَقًا، وهل هو إلا كما لو قال: " عبد فلان، أو " أخو فلان "؛ بل و " ابن فلان " ونحو ذلك من الأوصاف التي لا تسمن ولا تغني من جوع في التعديل والتوثيق! وكل من له معرفة بهذا العلم وتتبع لتراجم الرواة يجد أمثلة كثيرة من هذا النوع؛ مثل أبي الأحوص مولى بني كعب، وأبي عثمان ابن سنة الخزاعي الكعبي؛ فقد روى عنهما الزهري، ومع ذلك لم يوثقهما الحافظ؛ بل قال فيهما كما قال في نبهان: " مقبول "؛ أي: غير مقبول إلا إذا توبع! هذا هو مراده كما تقدم. وما أحسن ما قال ابن القطان في أبي الأحوص هذا في " الوهم والإيهام " (٢ / ١٨٣ / ٢) : " لا يعرف له خال، ولا قضى له بالثقة قول الزهري: سمعت أبا الأحوص يحدث في مجلس سعيد بن المسيب ". وأقره الذهبي في " الميزان ". قلت: وفي قول ابن القطان رد مباشر على تقوية الحافظ لحديث نبهان بكلامه السابق، وإن كان ابن القطان متقدماً عليه في الزمن، ولكنه حافظ ماهر نقاد، فإذا كان الزهري إذا حَدَّثَ عن أبي الأحوص وقد سمعه يحدث في مجلس ابن المسيب؛ لا يلزم منه أن أبا الأحوص ثقة؛ فمن باب أولى أنه لا يلزم من وصف الزهري لنبهان بأنه مكاتب أم سلمة أنه ثقة، كما هو ظاهر لا يخفى على أهل النهى. ومما سبق؛ تعلم خطأ تجويد إسناد الحديث من المعلق على " مسند أبي يعلى "، ثم في تعليقه على " موارد اَلظَّمْآن " (٦ / ٢٥٨ - ٢٦١) وكأنه كان مُتَأَثِّرًا بتقوية

стр. 8680

الحافظ لإسناده غير مفكر فيما تقتضيه الصناعة الحديثية، وكذلك فعل جمهور ممن ذهب إلى القول بأن وجه المرأة عورة؛ كالشيخ التويجري وغيره من المقلدين حَدِيثًا وَفِقْهًا! ولعلهم ظنوا لما رأوا تصحيح من صححه ممن سبقت الإشارة إليه أنه لا خلاف في ذلك، وذلك لضيق عطنهم، وعدم درايتهم بأقوال المضعفين، وعلى رأسهم الإمام أحمد ثم البيهقي وابن عبد البر! ولعل بعضهم عرف ذلك ثم تجاهله لغاية في نفسه، ومنهم - مع الأسف - الشيخ عبد القادر السندي في " رسالة الحجاب " (ص ٤٩ / الطبعة الخامسة) ؛ فقد صرح بأن إسناده صحيح، ونقل كلام الحافظ في تقوية إسناده، وكلامه في " تهذيب التهذيب "، وكذا كلام المزي في " تهذيبه "، وليس فيها أكثر مما سبق بيانه: أنه روى عن نبهان محمد بن عبد الرحمن أَيْضًا، وأنه وثقه ابن حبان، وعزا إلى المزي - بناء على ذكره هذا الحديث وحديث المكاتب في ترجمة نبهان وتصحيح الترمذي لهما - أنه ثقة يحتج بحديثه! وفيه تحميل لصنيع المزي ما لا يريده؛ فإن كتابه خاص بذكر ما قيل في المترجم من توثيق أو تجريح، وليس أنه يذكر فيه ما يتبناه هو لنفسه، ألا ترى أن الحافظ كما حكى توثيق ابن حبان في " اَلتَّهْذِيب " لم يتبنه في " التقريب " فلم يوثقه فيه؛ بل لينه كما تقدم بيانه، والسبب هو ما ذكرته! هذا؛ وإنما نسبت المذكور إلى تجاهل علة الحديث لأمرين اثنين ذكرت آنِفًا أحدهما. والآخر: أنه عزا الحديث للبيهقي بالجزء والصفحة (٧ / ٩١ - ٩٢) ، وهناك لا بد أنه رأى تعقب ابن التركماني للبيهقي بقوله: " قلت: في سنده نبهان، سكت عنه البيهقي هنا، وقال في (أبواب المكاتب) : " صاحبا (الصحيح) لم يخرجا عنه، وكأنه لم يثبت عدالته عندهما. . . .) إلى آخر كلامه المتقدم منا، وإذ الأمر كذلك؛ فلا بد أنه رجع إلى الأبواب المشار إليها،

стр. 8681

ووقف على من ينبهه إن كان غَافِلًا على كون نبهان لم يصح أنه روى عنه غير الزهري، وأنه لذلك مجهول عند البيهقي، فكان عليه أن يبينه ولا يكتمه، وأن يجيب عنه إن كان لديه جواب! وقد وقفت له على تدليس آخر أرجو أن لا يكون بقصد منه، وهو أنه لما نقل عن المزي الحديثين اللذين أحدهما هذا والآخر حديث المكاتب؛ قال - عن المزي طَبْعًا -: " وأخرجه النسائي من وجوه أخرى. انتهى كلام الإمام المزي ". وكل من قرأ هذا التخريج لا يفهم منه إلا أن له طُرُقًا أخرى عن غير نبهان يتقوى بها! والواقع يشهد أنه ليس كذلك، ولا هو قصد النسائي ولا المزي؛ فإن تمام كلام النسائي عنده: " وأخرجه النسائي من وجوه أخر عن الزهري ". فإذن؛ هذه الوجوه مدارها على الزهري عن نبهان، فلا تعطي للحديث قوة؛ خِلَافًا لما رمى إليه بحذفه زيادة " عن الزهري "! وكنت أود أن يكون حذفه إياها إنما وقع منه سَهْوًا، ولكني رَأَيْته قد أعادها مرة أخرى في الصفحة ذاتها! والله المستعان. ثم إنني لا أستبعد منه - وهذا بعض ما فعل - أو من غيره من المقلدين أن يكونوا قد وقفوا على قول الحافظ في مكان آخر من " الفتح " (١ / ٥٥٠) عقب الحديث: " وهو حديث مختلف في صحته ".

стр. 8682

فإن فيه تَنْبِيهًا وَحَافِزًا على معرفة أسباب الخلاف، ثم اختيار ما هو أقرب إلى الصواب، وهذا ما أنا في صدده بإعانة الله تعالى وتوفيقه. هذا هو الأمر الأول. والآخر: أن الحديث مع ضعف إسناده، منكر في متنه؛ لِمُخَالَفَتِهِ حديث فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس ﵄ في قصة طلاقها من زوجها، وفيه: أن النبي ﷺ أمرها أن تنتقل إلى أم شريك، ثم أرسل إليها: إن أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون، فانطلقي إلى ابن أم مكتوم الأعمى؛ فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك، فانطلقت إليه. . . الحديث. رواه مسلم (٤ / ١٩٦) وغيره، وهو مخرج في " الإرواء " (١٨٠٤) . فهو مخالف لحديث نبهان من وجهين: الأول: إذنه ﷺ لفاطمة بأن تقضي عدتها عند ابن أم مكتوم. وفي حديث نبهان أنه قال لأم سلمة وميمونة حين دخل ابن أم مكتوم: " قوما "! والآخر: أن إذنه ﷺ لها يستلزم جواز نظرها إلى ابن أم مكتوم، وفي حديث نبهان: " ألستما تبصرانه؟ ! ". ولذلك؛ قال في " شرح منتهى الإرادات " (٣ / ٦) : " ويباح لامرأة نظر من رجل إلى غير عورة؛ لقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس. . . (فذكر الحديث) . وقالت عائشة:

стр. 8683

" كان رسول الله ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد ". متفق عليه. ولأنهن لو منعن النظر؛ لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء؛ لئلا ينظرن إليهم ". ثم ذكر حديث نبهان وتضعيف أحمد وابن عبد البر إياه - كما تقدم - ونقله عنه، ثم قال: " وحديث فاطمة صحيح، فالحجة به لازمة. ثم يحتمل أن حديث نبهان خاص بأزواج النبي ﷺ ، بذلك قال أحمد وأبو داود ". قلت: وهذا الجمع إنما يصار إليه لو صح الحديث، وإذ لا؛ فلا. (تنبيه) : لقد أورد الحديث مختصرا " تفسير ابن كثير ": الحلبيان؛ زاعمين أنه حديث صحيح! وكم لهما من مثل هذا التصحيح الذي لا يشهد له علم الحديث ولا فقهه، وإن كان لهما هنا عذر وإنما هو التقليد، ومعلوم أنه لا يقلد إلا جاهل! ولكن لا يسعه إلا ذلك! ومثلهما ذاك الحائر المتفقه المسمى محمد أديب كلكل في كتابه: " فقه النظر في الإسلام "! فقد زاد عليهما أنه قال عقب الحديث (ص ١٣٢) : " وهذه القصة تؤيدها رواية أخرى في " الموطأ " للإمام مالك ﵁ أن رَجُلًا أعمى دخل على عَائِشَة ﵂، فاحتجبت منه. فقيل لها: لماذا تحتجبين منه وهو لا ينظر إليك؟ قالت: لكني أنظر إليه "!

стр. 8684

قلت: وهذا كذب على " موطأ الإمام مالك " ﵀؛ فإنه ليس فيه يَقِينًا؛ فقد قلبته - للتأكد - صفحة صفحة، ودققت فيه حَدِيثًا حَدِيثًا وَأَثَرًا أَثَرًا، فلم أجد لَهُ أَثَرًا! بل ولا أظن أن له أَصْلَا في شيء من دواوين السنة التي تروي الأحاديث والآثار بالأسانيد، ويمكن أن يكون المؤلف نقلها من بعض كتب المتأخرين التي تَرْوِي من الروايات ما لا سنام لها ولا خطام! والله المستعان. ثم رأيت هذا اَلْأَثَر قد ذكره ابن القطان في " النظر في أحكام النظر " (ق ٦٣ / ٢) فقال: " وروي عن مالك: واحتجبت عائشة ﵂ من أعمى. . . " إلخ. فهذا يعني أنه ليس في " الموطأ " كما هو ظاهره، ونحوه قول الحافظ في " التلخيص " عقب ما نقلته عنه آنِفًا من التوثيق: " وعند مالك. . . ". ولعل قوله: " وعند " محرف من: " وعن ". والله أعلم. ٥٩٥٩ - (كُنْت رِدْفَ رسول الله ﷺ وَأَعْرَابِيّ مَعَهُ ابنة له حسناء، فَجَعَلَ يعرضها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها. قال (الفضل بن عباس) : فَجَعَلْت ألتفت إليها، وجعل رسول الله ﷺ يأخذ برأسي فيلويه) . منكر بزيادة (العرض) . أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (١٢ / ٩٧) : حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد (وهو ابن أبي شيبة) : حدثنا قبيصة بن عقبة عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن الفضل بن عباس قال:. . . فذكره.

стр. 8685

قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ له عدة علل: الأولى: اختلاط أبي إسحاق - وهو عمرو بن عبد الله السبيعي -، وقد وصفه بذلك جمع من الحفاظ؛ منهم ابن الصلاح وابن كثير والعسقلاني في " التقريب " وغيرهم. الثانية: عنعنة أبي إسحاق؛ فإنه مدلس؛ ذكره الحافظ في الطبقة الثالثة من رسالته في المدلسين؛ أي: فيمن لا يحتج به إلا إذا صرح بالتحديث، وهنا قد عنعن. الثالثة: ضعف في يونس بن أبي إسحاق؛ فإنه وإن كان من رجال مسلم فقد اختلفوا كما ترى أقوالهم فيه في " التهذيب " و " الميزان " للذهبي، بل وأورده في " الضعفاء " أَيْضًا، وقال اَلْحَافِظ في " التقريب) : " صدوق يهم قَلِيلًا ". قلت: فهو وسط يحتج بحديثه إذا لم يخالف، وقد خالف كما سأبينه. ومما قيل فيه: قال الأثرم: سمعت أحمد يضعف حديث يونس عن أبيه، وقال: " حديث إسرائيل أحب إِلَيَّ منه ". وقال أبو طالب عن أحمد: " في حديثه زيادة على حديث الناس ". قلت: يقولون: إنه سمع في الكتب؛ فهي أتم (١) . قال:
следующие страницы →