← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 12762

سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (11 273 стр.). Показаны 8681–8720 · переход к 8686.

стр. 8681

ووقف على من ينبهه إن كان غَافِلًا على كون نبهان لم يصح أنه روى عنه غير الزهري، وأنه لذلك مجهول عند البيهقي، فكان عليه أن يبينه ولا يكتمه، وأن يجيب عنه إن كان لديه جواب! وقد وقفت له على تدليس آخر أرجو أن لا يكون بقصد منه، وهو أنه لما نقل عن المزي الحديثين اللذين أحدهما هذا والآخر حديث المكاتب؛ قال - عن المزي طَبْعًا -: " وأخرجه النسائي من وجوه أخرى. انتهى كلام الإمام المزي ". وكل من قرأ هذا التخريج لا يفهم منه إلا أن له طُرُقًا أخرى عن غير نبهان يتقوى بها! والواقع يشهد أنه ليس كذلك، ولا هو قصد النسائي ولا المزي؛ فإن تمام كلام النسائي عنده: " وأخرجه النسائي من وجوه أخر عن الزهري ". فإذن؛ هذه الوجوه مدارها على الزهري عن نبهان، فلا تعطي للحديث قوة؛ خِلَافًا لما رمى إليه بحذفه زيادة " عن الزهري "! وكنت أود أن يكون حذفه إياها إنما وقع منه سَهْوًا، ولكني رَأَيْته قد أعادها مرة أخرى في الصفحة ذاتها! والله المستعان. ثم إنني لا أستبعد منه - وهذا بعض ما فعل - أو من غيره من المقلدين أن يكونوا قد وقفوا على قول الحافظ في مكان آخر من " الفتح " (١ / ٥٥٠) عقب الحديث: " وهو حديث مختلف في صحته ".

стр. 8682

فإن فيه تَنْبِيهًا وَحَافِزًا على معرفة أسباب الخلاف، ثم اختيار ما هو أقرب إلى الصواب، وهذا ما أنا في صدده بإعانة الله تعالى وتوفيقه. هذا هو الأمر الأول. والآخر: أن الحديث مع ضعف إسناده، منكر في متنه؛ لِمُخَالَفَتِهِ حديث فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس ﵄ في قصة طلاقها من زوجها، وفيه: أن النبي ﷺ أمرها أن تنتقل إلى أم شريك، ثم أرسل إليها: إن أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون، فانطلقي إلى ابن أم مكتوم الأعمى؛ فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك، فانطلقت إليه. . . الحديث. رواه مسلم (٤ / ١٩٦) وغيره، وهو مخرج في " الإرواء " (١٨٠٤) . فهو مخالف لحديث نبهان من وجهين: الأول: إذنه ﷺ لفاطمة بأن تقضي عدتها عند ابن أم مكتوم. وفي حديث نبهان أنه قال لأم سلمة وميمونة حين دخل ابن أم مكتوم: " قوما "! والآخر: أن إذنه ﷺ لها يستلزم جواز نظرها إلى ابن أم مكتوم، وفي حديث نبهان: " ألستما تبصرانه؟ ! ". ولذلك؛ قال في " شرح منتهى الإرادات " (٣ / ٦) : " ويباح لامرأة نظر من رجل إلى غير عورة؛ لقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس. . . (فذكر الحديث) . وقالت عائشة:

стр. 8683

" كان رسول الله ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد ". متفق عليه. ولأنهن لو منعن النظر؛ لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء؛ لئلا ينظرن إليهم ". ثم ذكر حديث نبهان وتضعيف أحمد وابن عبد البر إياه - كما تقدم - ونقله عنه، ثم قال: " وحديث فاطمة صحيح، فالحجة به لازمة. ثم يحتمل أن حديث نبهان خاص بأزواج النبي ﷺ ، بذلك قال أحمد وأبو داود ". قلت: وهذا الجمع إنما يصار إليه لو صح الحديث، وإذ لا؛ فلا. (تنبيه) : لقد أورد الحديث مختصرا " تفسير ابن كثير ": الحلبيان؛ زاعمين أنه حديث صحيح! وكم لهما من مثل هذا التصحيح الذي لا يشهد له علم الحديث ولا فقهه، وإن كان لهما هنا عذر وإنما هو التقليد، ومعلوم أنه لا يقلد إلا جاهل! ولكن لا يسعه إلا ذلك! ومثلهما ذاك الحائر المتفقه المسمى محمد أديب كلكل في كتابه: " فقه النظر في الإسلام "! فقد زاد عليهما أنه قال عقب الحديث (ص ١٣٢) : " وهذه القصة تؤيدها رواية أخرى في " الموطأ " للإمام مالك ﵁ أن رَجُلًا أعمى دخل على عَائِشَة ﵂، فاحتجبت منه. فقيل لها: لماذا تحتجبين منه وهو لا ينظر إليك؟ قالت: لكني أنظر إليه "!

стр. 8684

قلت: وهذا كذب على " موطأ الإمام مالك " ﵀؛ فإنه ليس فيه يَقِينًا؛ فقد قلبته - للتأكد - صفحة صفحة، ودققت فيه حَدِيثًا حَدِيثًا وَأَثَرًا أَثَرًا، فلم أجد لَهُ أَثَرًا! بل ولا أظن أن له أَصْلَا في شيء من دواوين السنة التي تروي الأحاديث والآثار بالأسانيد، ويمكن أن يكون المؤلف نقلها من بعض كتب المتأخرين التي تَرْوِي من الروايات ما لا سنام لها ولا خطام! والله المستعان. ثم رأيت هذا اَلْأَثَر قد ذكره ابن القطان في " النظر في أحكام النظر " (ق ٦٣ / ٢) فقال: " وروي عن مالك: واحتجبت عائشة ﵂ من أعمى. . . " إلخ. فهذا يعني أنه ليس في " الموطأ " كما هو ظاهره، ونحوه قول الحافظ في " التلخيص " عقب ما نقلته عنه آنِفًا من التوثيق: " وعند مالك. . . ". ولعل قوله: " وعند " محرف من: " وعن ". والله أعلم. ٥٩٥٩ - (كُنْت رِدْفَ رسول الله ﷺ وَأَعْرَابِيّ مَعَهُ ابنة له حسناء، فَجَعَلَ يعرضها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها. قال (الفضل بن عباس) : فَجَعَلْت ألتفت إليها، وجعل رسول الله ﷺ يأخذ برأسي فيلويه) . منكر بزيادة (العرض) . أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (١٢ / ٩٧) : حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد (وهو ابن أبي شيبة) : حدثنا قبيصة بن عقبة عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن الفضل بن عباس قال:. . . فذكره.

стр. 8685

قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ له عدة علل: الأولى: اختلاط أبي إسحاق - وهو عمرو بن عبد الله السبيعي -، وقد وصفه بذلك جمع من الحفاظ؛ منهم ابن الصلاح وابن كثير والعسقلاني في " التقريب " وغيرهم. الثانية: عنعنة أبي إسحاق؛ فإنه مدلس؛ ذكره الحافظ في الطبقة الثالثة من رسالته في المدلسين؛ أي: فيمن لا يحتج به إلا إذا صرح بالتحديث، وهنا قد عنعن. الثالثة: ضعف في يونس بن أبي إسحاق؛ فإنه وإن كان من رجال مسلم فقد اختلفوا كما ترى أقوالهم فيه في " التهذيب " و " الميزان " للذهبي، بل وأورده في " الضعفاء " أَيْضًا، وقال اَلْحَافِظ في " التقريب) : " صدوق يهم قَلِيلًا ". قلت: فهو وسط يحتج بحديثه إذا لم يخالف، وقد خالف كما سأبينه. ومما قيل فيه: قال الأثرم: سمعت أحمد يضعف حديث يونس عن أبيه، وقال: " حديث إسرائيل أحب إِلَيَّ منه ". وقال أبو طالب عن أحمد: " في حديثه زيادة على حديث الناس ". قلت: يقولون: إنه سمع في الكتب؛ فهي أتم (١) . قال:

стр. 8686

" إسرائيل قديسمع وكتب، فلم يكن فيه زيادة مثل يونس ". وقال فيه " كانت فيه غفلة شديدة ". ووثقه آخرون، والعدل ما تقدم عن الحافظ بالشوط الذي ذكرته، وهو مفقود هنا كما يأتي. الرابعة: الخالفة: فقد رواه ابنه إسرائيل عن أبي إسحاق به؛ دون جملة العرض، ولفظه: " كنت رديف النبي لمجه! ! حين أفاض من المزدلفة، وأعرابي يسايره، وردفه ابنة له حسناء، قال الفضل: فجعلت أنظر إليها، فتناول رسول الله ثيب! بوجهي يصرفني عنها ". أخرجه أحمد (١ / ٣ ١ ٢) ، والطبراني في " المعجم الكبير " (٨ ١ /! ٢٨ / ٧٣٩) من طرق عن إسرائيل به. قلت: وهذا أصح من رواية يونس بن أبي إسحاق؛ لما علمت من ترجيح الإمام أحمد لرواية إسرائيل على رواية أبيه يونى، وللغفلة الشديدة التي كانت في الأب، وزيادته في حديثه على حديث الناس، وهذا كله يجعل قوله في الحديث: " فجعل يعرضها لرسول الله عنه رجاء أن يتزوجها "؛ زيادة شاذة إن لم نقلى: منكرة، ولعله لذلك لما ساق الطبراني حديث يونس هذا عقب حديث إسرائيل (رقم " ٧٤) ساق الطرف االأول منه إلى قواسه: " وأعرابي معه " فقط وقال: " فذكر

стр. 8687

الحديث ". فأحال بتمامه على رواية إسرائيل التي قبله، إما لأنها لم تقع في روايته هذه الزيادة، فتكون رواية الأب على هذا مطابقة لرواية الابن، أو أنه لم يسق الحديث بتمامه؛ إشارة منه إلى شذوذ الزيادة. يحتمل هذا وهذا، والله أعلم. ومما يؤيد شذوذها أن هذه القصة جاءت في " الصحيحين " وغيرهما من طريق سليمان بن يسار عن ابن عباس به أتم منه دون الزيادة. وهي مخرجة في " جلباب المرأة المسلمة " (ص ٦١ - ٦٣) ، وهو حديث الخثعمية. وتابعه الحكم بن عتيبة عن ابن عباس به نحوه دونها. أخرجه أحمد (١ / ٢١١) بسند صحيح عنه؛ فإن الحكم من المرتبة الثانية من المدلسين عند الحافظ. وتابعه: عطاء بن أبي رباح عنه. أخرجه أحمد أيضاً (١ / ٢١٣) . وإسناده جيد. وتابعه: مجاهد عن ابن عباس. أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (١٨ / ٢٦٩ / ٦٧٧) بسند جيد. قلت: فاتفاق هؤلاء الثقات على عدم ذكر تلك الزيادة في هذه القصة - خِلَافًا ليونس بن أبي إسحاق، مع ما فيه من الضعف الذي سبق بيانه، ومخالفة ابنه إياه فيها - مما لا يدع أدنى شك في نكارتها وعدم ثبوتها. ولذلك؛ فقد وهم الحافظ في قوله في " الفتح " (٤ / ٦٨) : " رواه أبو يعلى بإسناد قوي "!

стр. 8688

وهذا منه غريب جداً؛ فإنه إن كان جرى على ظاهر الإسناد وتساهل في عدم الاعتداد بما ذكره هو من اختلاط أبي إسحاق وتدليسه، فكيف خفي عليه هذه المخالفة، وهو الحافظ الذي لا يبارى؟ ! واعلم أن لفظة " قوي " في إسناد ما، لا يعني بالضرورة أنه صحيح؛ بل قد يعني هذا، وقد يعني أنه حسن، فهو يساوي قولهم: " يحتج به "؛ الشامل للصحيح والحسن، هذا الذي نفهمه من تصرفات العلماء في كتب التخريج، وقد ذكر ذلك بعض المؤلفين في علم المصطلح. وإذا عرفت هذا؛ فقد زاد خطأً على الحافظ من صرح بصحة هذا الإسناد من المتأخرين؛ مثل المعلق على " مسند أبي يعلى "، فقال: " إسناده صحيح "! ومن الغريب أنه عقب عليه بقوله: " وأخرجه أحمد (١ / ٢١٣) من طريق. . . إسرائيل. . . "! غير متنبه لكون هذه الطريق من الموانع عن التصحيح المذكور كما سبق بيانه. وأقل ما في هذا التخريج أنه يوهم أن في رواية إسرائيل تلك الزيادة المنكرة! وإن أعجب من هذا ما صنعه الشيخ عبد القادر السندي مؤلف " رسالة الحجاب "؛ فقد عقد فيها فصلاً في حديث الخثعمية الذي رواه الشيخان كما سبقت الإشارة إليه؛ ليثبت صحة هذه الزيادة في حديث الترجمة في بحث طويل من صفحة (٢٨ - ٤٣) ، وأكثره مما لا فائدة فيه، مع استطرادات كثيرة فيها لكنة أعجمية ظاهرة، لا يكاد القارئ يفهم مراده من عبارته أَحْيَانًا، وفيه كثير من الأخطاء والمغالطات التي لا مجال هنا لبيانها؛ لكن لا بد من التعرض لرد ما أخطأ

стр. 8689

فيه مما له علاقة بهذا الحديث، ويمكن حصر ذلك في أمور: أولاً: أوهم أن لتلك الزيادة أسانيد (ص ٢٩) ! والواقع خلافه. ثَانِيًا: صرح (ص ٤٢) بأن إسناده صحيح على شرط الشيخين! وكان قبل ذلك قد ذكر (ص ٣٢) أن راويها يونس بن أبي إسحاق لم يرو له البخاري في " صحيحه "، وهذا هو الصواب. ثَالِثًا: قال في يونس هذا (ص ٣٢) : " وقد قبل الناس انفراده قَدِيماً وَحَدِيثاً. . . "! فتجاهل بهذا تضعيف أحمد ويحيى إياه كما تقدم. أم أن هذين الإمامين ليسوا عنده من " الناس "؟ ! رَابِعًا: قال (ص ٣٣) بعد أن نقل عن الحافظ ابن حجر وصفه لأبي إسحاق السبيعي بالاختلاط: " رواية يونس لم تكن في حالة الاختلاط ". قلت: هذا النفي مما لم يسبق إليه، ولا له دليل عليه، فما كان كذلك ضرب به عرض الحائط، فمن كان كذلك من الرواة فحكمه عند المحدثين حكم من عرف أنه روى بعد الاختلاط كما بينه ابن اَلصَّلَاح في آخر مقدمته. خَامِسًا: وأما قوله في تأييد ما نفاه: " وأكبر دليل على ذلك ما قاله الحافظ. . قال إسرائيل: " كنت أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ السورة من القرآن ". قلت: هذا هو ابن يونس بن أبي إسحاق يحفظ حديث جده، فكيف بأبيه؟ ".

стр. 8690

قلت: هذا هراء ما بعده هراء! فإن كون الابن حافظاً لا يلزم منه أن يكون أبوه كذلك حافظاً، وهذا أمر بدهي جداً؛ وبخاصة عند من عنده معرفة بتراجم الرواة، فهذا الإمام علي بن المديني مثلاً، من كبار الحفاظ المشهورين، وأما أبوه عبد الله فهو على النقيض من ذلك: ضعيف الحفظ مشهور بذلك. فلا أدري كيف يخفى مثل هذا على الشيخ السندي وهو المدرس في الجامعة الإسلامية؟ ! ثم نقول: هب أن الأب كان يحفظ حديث أبي إسحاق كالابن، وأن الجد أبا إسحاق كان يحفظ أَيْضًا حديثه كما يحفظ السورة من القرآن، فما فائدة ذلك؟ ! وأين الدليل في كل ذلك أن الجد لم يكن قد اختلط؟ ! ويؤكد هذا قول الإمام أحمد في إسرائيل: " فيه لين، سمع من أبي إسحاق بآخره ". ذكره الحافظ في " التهذيب ". فثبت أنه لا تلازم بين حفظ الحفيد ونفي اختلاط الجد عند كل من يعقل! سادساً: وأعجب من كل ما سبق: قوله عقب ما ذكرته آنِفًا: " ولم أقف على اختلاط أبي إسحاق السبيعي مع أنه ذكره ابن الكيال في كتابه " الكواكب النيرات " (ص ٣٤ - ٣٥٦)) ؛. قلت: وكذلك ذكره ابن الصلاح والحافظ كما تقدم، وغيرهم كثير. فكيف يصح هذا النفي مع العزو إلى " الكواكب " وهو فيمن اختلط؟ ! فلعله أُتِيَ من العجمة. سَابِعًا: سوّد صفحتين من رسالته في بِبَان، خطأ الحافظ ابن حجر في إيراده لأبي إسحاق السبيعي في المرتبة الثالثة من المدلسين - كما تقدم -! وشبهته في

стр. 8691

ذلك: أن الحافظ يعقوب الفسوي قال بعد أن ذكره في جملة من المدلسين (٢ / ٦٣٣ - تاريخه) : " والتدليس من قديم ". فقال السندي: " ومن هذا نعرف أن تدليس أبي إسحاق لم يكن ضَارًّا "! قلت: هذا فهمه الذي لا يغبط عليه! ولو سلمنا له به فذلك مما لا يُصَحِّح قوله فيما بعد: " وهو لم يكن بحال من الأحوال من الطبقة الثالثة، وإنما في الأولى ". قلت: وذلك؛ لأن مثل هذه المخالفة من مثل هذا المتأخر زَمَنًا وَعِلْمًا مما لا سبيل إليه إلا بالرجوع إلى أهل الاختصاص الحفاظ؛ الذين بوسعهم الاطلاع على تدليسات الراوي ثم إيداعه في المنزلة التي يستحقها بالنظر إلى تدليسه قلة وكثرة، لذلك؛ أقول للشيخ السندي: (ليس هذا عشك فادرجي) . نعم؛ للمتمكن في هذا العلم أن يرجح قولاً على قول للمتقدمين، وأما أن يعارضهم برأي من عنده، ليس بالرجوع إلى قواعدهم، فهذا مما لا يجوز أن يقع فيه طالب العلم كما صنع هذا السندي. وإذا كانت الجرأة اللاأدبية حملته على تخطئة الحافظ ابن حجر بغير حجة، فماذا يقول في الحافظ صلاح الدين العلائي الذي قال في كتابه القيم: " جامع التحصيل في أحكام المراسيل " (ص ٣٠٠) وقد ذكر أبا إسحاق هذا: " مكثر من التدليس "! وقد ذكر هو والحافظ الفسوي من قبل بعض الروايات التي دلس فيها باعترافه!

стр. 8692

ولذلك؛ جرى الحفاظ أثناء تخريجهم للأحاديث على إعلال بعضها بتدليس أبي إسحاق واختلاطه، فانظر على سبيل المثال إعلال الحافظ البوصيري لحديث ابن ماجه (رقم ١٢٣٥) . ثَامِنًا وَأَخِيرًا: إن مما يدل على أن هذا الرجل لا معرفة له بهذا العلم. تعليله لصحة إسناد هذا الحديث وأنه لا علة فيه ولا شذوذ - بزعمه! - فقال (ص ٣٦) : " قال. . الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٤ / ٢٧٧) : رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح "! قلت: لقد علم كل من له معرفة بهذا العلم الشريف أن مثل هذا القول لا ينفي أي علة في الإسناد كالانقطاع والتدليس ونحوهما؛ فضلاً عن مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه؛ كما نبهت على ذلك مراراً! ثم رأيت الحديث قد أورده الحافظ في " المطالب العالية لما (٢ / ١٧) معزواً لأبي بكر بن أبي شيبة. يعني: في " مسنده "، وسكت عنه، ولم يقوه كما فعل في " الفتح " حين عزاه لأبي يعلى، وهو إنما رواه من طريق ابن أبي شيبة كما عرفت، وكأن الشيخ الأعظمي قلده في تعليقه على " المطالب "؛ فقال: " إسناده لا بأس به، وسكت عليه البوصيري ". وأقول: ليتك سكت مثله! إذن؛ لسترت هواك أو جهلك بهذا العلم الشريف؛ فإنك لا تحسن إلا التقليد - الذي قد طبعت به - أو التخريج الذي يحسنه المبتدؤون بهذا العلم؛ كما يدل على ذلك تعليقاتك الكثيرة على بعض كتب السنة؛ كهذا الكتاب: " المطالب "، ومثله: " كشف الأستار " و " مصنف عبد الرزاق " و " مسند الحميدي ".

стр. 8693

وأغرب من كل ما تقدم: سكوت الحافظ ابن القطان عن هذا الحديث في كتابه " النظر " (ق ٥٦ / ١ - ٢) ؛ مع أنه معروف بدقة نظره، وبعده عن الهوى والتقليد! فسبحان من لا يسهو ولا ينسى. ٥٩٦٠ - (يا ابن أخي إن هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له) . ضعيف. أخرجه ابن خزيمة في " صحيحه " (٤ / ٢٦١ / ٢٨٣٢ - ٢٨٣٤) - وتبرأ من عهدة راويه كما يأتي -، وأحمد (١ / ٣٢٩، ٣٥٦) ، وأبو يعلى (٤ / ٣٣٠ / ٢٤٤١) ، وابن أبي الدنيا في " الصمت " (٢٩٤ / ٦٦٤) ، والطبراني في " المعجم الكبير " (١٨ / ٢٨٨ / ٧٤١) ، والبيهقي في " الشعب " (٢ / ١ / ٦٩ / ١) (٣ / ٤٦١ - ٤٦٢) ، وأبو القاسم الأصبهاني في " الترغيب والترهيب " (١ / ١٨٥ / ٣٧٦) من طريق سُكين بن عبد العزيز قال: حدثني أبي قال: سمعت ابن عباس قال: كان فلان (وفي رواية: الفضل بن عباس) رديف رسول الله ﷺ يوم عرفة، قال: فجعل الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهن. قال: وجعل رسول الله ﷺ يصرف وجهه بيده من خلفه مراراً. قال: وجعل الفتى يلاحظ إليهن. قال: فقال له رسول الله ﷺ :. . . فذكره. وقال ابن خزيمة: " سكين بن عبد العزيز البصري؛ أنا بريء من عهدته وعهدة أبيه ". قلت: وأما سكين؛ فقد جاوز القنطرة بتوثيق من وثقه من الأئمة؛ مثل وكيع وابن معين وابن نمير وغيرهم، ولا يضره أنه لم يعرفه ابن خزيمة، وتضعيف من ضعفه وهم قلة. ولذا؛ قال الحافظ في " التقريب ":

стр. 8694

" صدوق، يروي عن ضعفاء ". وأما أبوه عبد العزيز بن قيس العبدي؛ فهو مختلف عن ابنه؛ فإنه لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي. وتساهلهما معروف. وقول المعلق على " مسند أبي يعلى ": ، روى عنه جماعة "؛ كان يمكن أن يعطيه قوة لو كانوا من الثقات، وليس فيهم منهم غير ابنه، وآخران أحدهما مجهول، والآخر لا يعرف؛ كما بينته في " تيسير انتفاع الخلان بثقات ابن حبان "، فالإسناد ضعيف. وقد ترتب عن وراء ذاك التساهل: أن صحح إسناد الحديث الحافظ المنذري في " الترغيب " (٢ / ١٢٩) ، وتبعه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على " المسند " (٥ / ١٧) ، وقلدهما المعلق على " مسند أبي يعلى " إ! والله المستعان، وهو ولي التوفيق. وأما قول الهيثمي في " المجمع " (٣ / ٢٥١) بعد ما عزاه لأحمد وأبي يعلى والطبراني: " ورجال أحمد ثقات ". فهو مع كونه لا يعني تصحيحه، فإن تخصيصه رجال أحمد بالتوثيق تقصير؛ فإن رجال أبي يعلى كذلك، مع ملاحظة تساهل الهيثمي المعروف في اعتداده بتوثيق ابن حبّان! وللمنذري خطأ آخر غير تصريحه بصحة إسناده: ألا وهو عزوه إياه لابن خزيمة في " صحيحه "؛ دون أن يبين تبرأه من راويه؛ كما تقدم مني نقله عنه، فأوهم أن الحديث صحيح عِنْد ابن خزيمة! وليس كذلك، وَكَثِيرًا ما يقع مثل هذا العزو المطلق

стр. 8695

إلى " صحيح ابن خزيمة " ويكون هو قد تبرأ من عهدته ببيان علته كما فعل في هذا الحديث. هذا، وفي رواية لأحمد (١ / ٣٥٦) من الوجه المذكور عن ابن عباس بلفظ: إن النبي ﷺ رأى الفضل بن عباس يلاحظ امرأة عشية عرفة، فقال النبي ﷺ هكذا بيده على عين الغلام. قال:. . . فذكره مُخْتَصَرًا بلفظ: " إن هذا يوم؛ مَنْ حفظ فيه بصره ولسانه؛ غفر له ". ولفظ ابن أبي الدنيا: ". . . من ملك سمعه إلا من حق، وبصره إلا من حق، ولسانه إلا من حق؛ غفر له ". وهو رواية للبيهقي، وعزاه إليه المنذري، وتبعه السيوطي بلفظ: " مَنْ حفظ لسانه وسمعه وبصره يوم عرفة؛ غفر له من عرفة إلى عرفة ". ولم أره عنده في الموضع الذي تقدمت الإشارة إليه، فلعله عنده في موضع آخر من " شعب الإيمان "، والله أعلم. ثم رأيته فيه (٣ / ٣٥٨ / ٣٧٦٨) من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه عن رجل من عبد قيس عن الفضل بن عباس مَرْفُوعًا. ٥٩٦١ - (إن الملائكة لتصافح ركاب الحجاج وتعتنق المشاة) . موضوع. أخرجه البيهقي في " شعب الإيمان " (٢ / ١ / ٧٤) من طريق أبي الحسن أحمد بن إسحاق السقطي (الأصل: الضبي) وأبي علي حامد بن محمد الرفاء قالا: ثنا محمد بن يونس: أنا موسى بن هارون بن أبي الجراح بن خالد بن بهاء: نا يحيى بن محمد المديني: نا صفوان بن سُليم عن عروة بن

стр. 8696

الزبير عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ :. . . فذكره. وقال: " وهذا إسناد فيه ضعف "! كذا قال! وفيه تساهل ظاهر، وكأنه كان لا يرى محمد بن يونس - وهو القرشي الكديمي - أنه متهم بالوضع؛ تبعاً لمن كان حسن الظن به؛ فقد قال الدارقطني: " كان يتهم بوضع الحديث، ما أحسن القول فيه إلا من لم يخبر حاله ". وقال ابن حبان: " كان يضع الحديث، لعله قد وضع على الثقات أكثر من ألف حديث ". وشيخه موسى بن هارون بن أبي الجراح؛ لم أعرفه. ويحيى بن محمد المديني؛ إن كان الشجري؛ فضعيف، وإن كان المحاربي؛ فصدوق يخطئ كَثِيرًا، كما في " التقريب ". والحديث؛ مما سوّد به السيوطي " الجامع الصغير "، وقد تعقبه المناوي في " فيض القدير " بقوله بعد أن نقل عبارة البيهقي في تضعيف إسناده: " هذه عبارته، فَحَذْفه لذلك من كلامه من سوء التصرف، وسبب ضعفه أن فيه محمد بن يونس، فإن كان الجمال؛ فهو يسرق الحديث كما قال ابن عدي، وَإِنْ كان المحاربي؛ فمتروك الحديث كما قال الأزدي، وَإِنْ كان القرشي؛ فوضاع كذاب كما قال ابن حبان ". وأقول: هو القرشي الكديمي يَقِينًا؛ فإنهم ذكروه في شيوخ اَللَّذَيْنِ رويا هذا الحديث عنه: السقطي بهاء، وهما مترجمان في " تاريخ بغداد ".

стр. 8697

ولهذا التردد؛ لم يزد في " التيسير " على حكاية تضعيف البيهقي لإسناده! (تنبيه) : هكذا وقع في، الفيض،: (المحاربي) ! وهو خطأ مطبعي صوابه: (الحارثي) ؛ كما في " الميزان " و " اللسان ". ٥٩٦٢ - (إذا خطب اليكم كفؤ فلا تردوه فنعوذ بالله من بوار البنات) . موضوع. أخرجه المسمى ب (الربيع بن حبيب الأزدي البصري) في الكتاب المنسوب إليه تحت اسم: " الجامع الصحيح " من كتب الإباضية (ص ١٣٨ / ٥١٣) : أبو عبيدة عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ :. . . فذكره. قلت: وهذا مع إرساله لا يصح؛ فيه علتان: الأولى: أن الربيع هذا نكرة؛ لا يعرف في شيء من كتب تراجم علمائنا، حتى الإباضيون لم يستطيعوا أن يذكروا لنا شَيْئًا من تاريخ حياته؛ سوى أنهم تكلفوا جِدًّا في ذكر شيوخه ومن روى عنه اِعْتِمَادًا منهم على مصادرهم الخاصة بهم والمتأخرة جِدًّا عن عصر الربيع هذا، ولم يعزوا ترجمته إلى كتاب من كتب التراجم والتاريخ المعروفة! وأما قول الأستاذ عز الدين التنوخي ﵀ في تقدمته للكتاب (ص د) أنه من ثقات التابعين؛ فأظن أنه صدر منه مجاملة لشارحه الشيخ عبد الله بن حميد السالمي اَلْعُمَانِيّ الإباضي! وإلا؛ فهذا التوثيق لم ينقله عن أحد من أهل العلم، حتى ولا من أحد من الإباضيين صراحة، وإن كان الشارح المذكور قد قال

стр. 8698

في مقدمة شرحه ما يتضمن ذَلِكَ، وهو قوله: " أما بعد، فإن الجامع الصحيح، مسند الإمام الكامل والهمام الفاضل الشهير بين الأواخر والأوائل (!) الربيع بن حبيب. . . من أصحِّ كتب الحديث سَنَدًا وأعلاها مُسْتَنَداً. . . لشهرة رجاله بالفقه الواسع، والعلم النافع. . . والعدل والأمانة والضبط والصيانة "! ! وقال في التنبيه الأول المطبوع في أول الكتاب: " المسند الصحيح " (!) : " هذا حكم المتصل من أخباره. وأما المنقطع بإرسال أو بلاغ فإنه في حكم الصحيح لتثبت راويه، ولأنه قد ثبت وصله من طرق أخر (!) لها حكم الصحة. فجميع ما تضمنه الكتاب صحيح بِاتِّفَاق أهل الدعوة (يعني: الإباضية) وهو أصح كتاب من بعد القرآن العزيز، ويليه في الرتبة الصحاح من كتب الحديث "! ! ! كذا قال! وهو يدل على تَعَصُّب بالغ وادعاء باطل، لا يخفى بطلان كلامه في (المنقطع) على أحد عرف شيئاً من علم المصطلح. وأما قوله: " ولأنه قد ثبت وصله من طرق أخر لها حكم الصحة "؛ فكذب مُزْدَوِج مخالف للواقع، كما سيأتيك من كلام الشارح نفسه ما يدل على ذلك. وإن مما يبطل كلامه: أن أكثر أحاديث الكتاب هي من رواية الربيع عن شيخه أبي عبيدة - واسمه مسلم بن أبي كريمة التيمي -؛ وهو مجهول لا يعرف عند علمائنا؛ فقد أورده الذهبي في " الميزان " قائلاً: " مسلم بن أبي كريمة عن علي مجهول ". وأقره الحافظ في " اللسان "، وزاد: " وذكره ابن حبان في " الثقات " قال: إلا أني لا أعتمد عليه. يعني: لأجل

стр. 8699

اَلتَّشَيُّع "! كذا قال! ولعله سبق قلم، فالرجل خارجي إباضي كما ترى، وروايته عن علي في هذا " المسند " (١٠٩ / ٤١٢) هكذا: " أبو عبيدة، قالت: سئل علي بن أبي طالب: بأي شيء بعثك رسول الله ﷺ . . . ". هكذا وقع فيه معلقآ: " أبو عبيدة " وهي كنية مسلم بن أبي كريمة، وظاهره الانقطاع، ويؤيده أنه في حديث وآخر (١٣٩ / ٥١٨) أدخل بينه وبين علي جَابِرًا، وهو ابن زيد أبو الشعثاء الأزدي الثقة. والخلاصة: أن أبا عبيدة هذا مع كونه لم تثبت تابعيته، فهو مجهول العين كما تقدم عن الذهبي، وسلفه في ذلك أبو حاتم الرازي في " الجرح والتعديل ". وهو العلة الثانية. ويمكن استخراج علة ثالثة: وهي تفرد " مسند الربيع " هذا بالحديث دون كل كتبنا نحن أهل السنة، حتى المختصة منها بالأحاديث الضعيفة والموضوعة! مع ما عرفت من جهالة الربيع! وفي اعتقادي أن الإباضية ليس لهم - على الأقل - إسناد معروف يرويه ثقة حافظ في كتاب متداولة عندهم - على الأقل - عن المؤلف، فكيف يعتمد على مثله لو كانت أسانيد المؤلف فيه صحيحة! وهيهات هيهات؛ فأكثرها تدور على هذا المجهول (مسلم بن أبي كريمة) . وإن مما يحسن ذكره بهذه المناسبة: أن الإباضية كما حاولوا توثيق المؤلف (الربيع ابن حبيب) بالكلام المزخرف، كذلك حاولوا رفع طبقته والعلو بإسناده، فمرة جعلوه تَابِعِيّاً كما حاول ذلك شارحه السالمي في مقدمته، وصرحوا بذلك حين

стр. 8700

طبعوا تحت اسمه في " مسنده ": " أحد أفراد النبغاء من آخر قرن البعثة "! ثم عدلوا ذلك وصححوه فطبعوا تحت اسم من " شرحه ": " من أئمة المائة الثانية للهجرة "! ومع الأسف الشديد فقد شايعهم على ذلك الأستاذ عز الدين التنوخي؛ فجعله من ثقات اَلتَّابِعِين كما تقدم! ولست أدري - والله! - كيف يتجرأ هؤلاء على ما ذكرنا وهم يرون أن الربيع يروي في " المسند " (ص ٢١٦ و ٢٢٨) عن سفيان بن عيينة وهو قد مات في آخر القرن الثاني سنة (١٩٨) ! ويروي (ص ٢٢٢) عن بشر المريسي المبتدع الضال المشهور بضلاله، وقد مات في آخر الربع الأول من القرن الثالث سنة (٢١٨) ! ومثله: روايته (ص ٢١٢) : أخبرنا بشر عن إسماعيل ابن علية. . وَإِسْمَاعِيل ابن علية توفي أيضاً في آخر القرن الثاني سنة (١٨٣) ! فيكون الراوي عنه من القرن الثالث، سواء كان هو المريسي المذكور آنِفاً أو غيره، وقد وجدت في " الميزان " و " اللسان ": " بشر بن إسماعيل بن علية. عن أبيه. قال أبو حاتم: مجهول ". فكيف يعقل أن يروي من كان تَابِعِيّاً - بل وَتَابع تابعي - أن يروي عمن مات في القرن الثالث " إلا إذا كان طويل العمر على خلاف المعتاد، وهذا ما لم يذكروه ولو تَلْوِيحًا؛ بل إنهم لم يذكروا له تاريخأً لولادته ولا لوفاته! وذلك مما يدل البصير على أن الرجل مغمور لا يعرف، حتى إن العلامة الزركلي - وهو من أعلم من عرفنا في العصر الحاضر بتراجم الأعلام قديماً وَحَدِيثاً - لما ترجم للربيع هذا، لم يذكر فيه

стр. 8701

سوى كليمات أخذها من شرح السالمي المتقدم ذكره لا غير! ووضع ثلاث نقاط مكان تاريخ ولادته ووفاته (. . . -. . .) ! إشارة منه إلى أنه غير معروف، فكيف مع هذه الجهالة صفة وَعَيْناً يقول السالمي في " مسنده ": " إنه أصح كتاب من بعد القرآن الكريم "! ويجعله أصح من " الصحيحين "؛ خِلَافًا لجماهير المسلمين؛ مضاهاة منه للشيعة الذين يجعلون كتاب كُلَيْنِيهِمْ هو الأصح عندهم؟ ! ! وكيف يصف السالمي مؤلفه الربيع بما تقدم من الأوصاف التي منها: ". . . الشهير بين الأواخر والأوائل "، وهو مغمور ليس مَعْرُوفًا لا عند الأوائل ولا الأواخر؟ ! أليس هذا كَذِباً وزوراً، ومن الكبائر التي يكفر بها المسلم ويخلد في النار مع المشركين عندهم؟ ! وبهذه المناسبة أقول: من غرائب هذا الزمان وعجائبه أن يتجرأ أحد الإباضيين وهو الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ويؤلف كِتَاباً سماه بغير اسمه: " الحق الدامغ "! انتصر فيه لمذهبه في إنكارهم رؤية المؤمنين لربهم في الجنة، وقولهم بخلق القرآن، وبخلود أهل الكبائر في النار. وقد سلك فيه طريقة أسلافه من المعتزلة وغيرهم من أهل الأهواء في تأويل أدلة أهل السنة، وجعلها ظنية الدلالة أو الثبوت، فيقول مَثَلاً فيما كان من القرآن وأخرجه عن دَلَالَته الظاهرة على الأقل: " والدليل إذا اعتراه الاحتمال سقط به الاستدلال "! (ص ٥٠) وغيرها. وأما ما استدل به هو من الآيات فتأولها؛ لتوافق مذهبه؛ كمثل تأويله لقوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة) ؛ فإنه تأول قوله. (ناظرة) أي: منتظرة! ومع ذلك فهي عندهم قطعية! وفيما كان من السنة والحديث وتبين له أن التأويل غير ناجح فيه استعمل فيها معول الهدم، وهو قوله (ص ٦٢) : " ومهما يكن فإن هذه الأحاديث آحادية، والآحادي لا تنهض به حجة في

стр. 8702

الأمور الاعتقادية. . . "! شنشنة نعرفها من أخزم، يلهج بذلك أهل الأهواء والبدع في كل زمان، وبخاصة زماننا هذا الذي كثرت فيها الفرق والطوائف! (وكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا) ! وإن عجبي من هؤلاء لا يكاد ينتهي، يردون الاستدلال بالأحاديث الصحيحة بتلك الحجة الواهية، ومن جهة أخرى هم يستدِلّون بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، وما لا أصل له في السنة الصحيحة؛ بل وبالآثار الموقوفة الواهية، وكتاب الخليلي المذكور آنِفًا مشحون بما لا يصح من المرفوع والموقوف، ولم لا وهو يستقي من كتاب إمامه " المسند الصحيح ". ولقد كان اسمه " المسند "، فأضافوا هم من عند أنفسهم: " الصحيح "؛ ليضلوا الناس، وليضاهوا عندهم أهل السنة في كتابهم: " المسند الصحيح " للإمام البخاري! وشتان ما بينهما، ويكفي المنصف أن يعلم أن أكثر أحاديث صحيحهم تدور على مسلم بن أبي كريمة المجهول، والأسانيد الأخرى - مع أن أكثرها مراسيل أو معاضيل؛ ف - فيها كثير ممن عرفوا بالضعف الشديد؛ مِثْل أبان بن أبي عياش (ص ٢١٧، ٢١٨) ، وزيد بن عوف العامري البصري، ومحمد بن يعلى (ص ٢١٥، ٢٢٠، ٢٤٢) ، وجويبر (٢١٥، ٢٢٠، ٢٢٦، ٢٤٢) ، وإسماعيل بن يحيى (ص ٢١٩) ، وعبد الغفار الواسطي (ص ٢١٩) أَيْضًا، وأبو بكر الهذلي (ص ٢٢٠) ، وبشر المريسي كما تقدم، والحسن بن دينار عن خصيب بن جحدر (ص ٢٢٢) ، والكلبي (ص ٢٢٣، ٢٣٦) . وبعضهم من الكذابين المعروفين كهذا الكلبي والثلاثة الذين قبله! هذا " فَضْلًا عما فيه من الضعفاء وَالْمَجَاهِيل مما لا يتّسع

стр. 8703

المجال لحصرهم، ولا فائدة كبرى من ذكرهم؛ فإن فيما ذكرنا من المتروكين والكذابين كفاية للتعريف بهذا " المسند " الذي كذبوا يَقِينًا في تسميتهم إياه ب " المسند الصحيح "! كما تجرأوا على ادعاء أن ما فيه من المرسل والمنقطع قد ثبت وصله من طرق أخر لها حكم الصحة! لقد كذبوا - والله! - فهذا الحديث الذي نحن في صدد الكلام حول مصدره، قَدْ قال فيه الشارح السالمي (٣ / ١٠ / ٤) : " الحديث مرسل عند المصنف، وهو مما تفرد به فيما يظهر "! ويأتي قوله في الحديث التالي: " الحديث أَيْضًا مرسل عند المصنف، ولم أجده عند غيره "! قلت: فهلا أثبت صدق قولك المتقدم في الوصل، أو على الأقل عدالته بما يتناسب مع واقع تلك المعاضيل والمراسيل؟ ! واعلم أن الشطر الثاني من الحديث قد علقه الخطابي في " غريب الحديث " (٢٠٠ / ١) في مادة (بور) ؛ فقال: " ومنه الحديث: نعوذ بالله من بوار الأيم ". وهذا التعليق يشعر الواقف عليه والعارف بأسلوب الخطابي: أنه يسند الأحاديث التي فيها اللفظ الغريب الذي يريد بيانه وشرحه، فتعليقه إياه دليل على أنه لا إسناد له. فتنبه. وأما الشطر الأول منه؛ فيغني عنه قوله ﷺ : " إذا خطب إليكم مَنْ ترضون دينه وخلقه فزوجوه؛ إلا تفعلوا؛ تكن فتنة في الأرض وفساد عريض ".

стр. 8704

أخرجه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، وهو حسن لغيره؛ كما بينته في " إرواء الغليل " (٦ / ٢٦٦ / ١٨٦٨) . ٥٩٦٣ - (الأحْرار من أهل التوحيد! كفهم أكفاء إلا أربعة: المولى، وا لحجّام، والنساج، وا لبقال) . موضوع. ذكره الربيع في " مسنده " (١٣٨ / ٥١٣) عقب الحديث السابق دون إسناد، فقال: وقال ﷺ :. . . فذكره. قلت: فهذا معضل، ويحتمل أن يكون مَعْطُوفًا على الإسناد السابق، وقد عرفت أنه لا قيمة له عندنا، وعلى هذا الاحتمال جرى الشارح السالمي؛ فقال كما تقدم: " الحديث أَيْضًا مرسل عند المصنف، ولم أجده عند غيره ". قلت: هذا دليل منه على أن قوله في مقدمة شرحه: " إن ما في " المسند " من معضل أو مرسل قد صح وصله "؛ ليس بصحيح على إطلاقه؛ إذ إنه لو كان له أصل مَوْصُولاً؛ لبادر إلى تخريجه؛ دَعْمًا لحديث إمامه أَوَّلًا، وَتَصْدِيقًا لقوله المشار إليه في المقدمة ثَانِيًا. فَهَذَا الحديث كالذي قبله من جهة أنه لا أصل له مَوْصُولاً، وأنه لا يصح متنه؛ لأنه لا إسناد له - حتى عند الإباضي - لننظر فيه، حتى ولو كان له عنده بإسناده؛ فلا قيمة له؛ لأن راويه الربيع الإباضي مجهول كما تقدم بيانه في الحديث الذي قبله. واعلم أن الأستاذ التنوخي - غفر الله لنا وله - قد علق على قول الشيخ السالمي المتقدم: ". . ولم أجده عند غيره "؛ فقال:

стр. 8705

" وفي " سنن البيهقي الكبرى " (٧ / ١٣٥) عن عاثشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " العرب للعرب أكفاء، والموالي أكفاء للموالي إلا حائك أو حجام ". قلت: وسكت عنه التنوخي! وهو الذي لا يسعه غيره؛ لأنه لا شأن له بهذا العلم، وإنما هو كاتب أديب لغوي؛ لكنه مع ذلك أساء في سكوته عنه؛ لأن الذي عزاه إليه - وهو البيهقي - لم يسكت عنه؛ بل قال عقبه: " وهو ضعيف ". مع أنه قد تساهل في هذا التعبير؛ لأن فيه من قال أحمد فيه: " أحاديثه كلها موضوعة ". وهو مخرج مع غيره مما في معناه في " إرواء الغليل " (١٨٦٩) . والحديث مع وضعه مخالف لحديث الترمذي المتقدم آنِفًا: " إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه. . . " الحديث؛ بل ولظاهر قوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) . وللسنة العملية التي جرى عليها الصحابة في عهده ﷺ ؛ كما في البخاري وغيره: أن أبا حذيفة أنكح سَالِمًا ابنة أخيه الوليد بن عتبة وهو مولى لامرأة من الأنصار. وهو مخرج في " الإرواء " (١٨٦٣) .

стр. 8706

وصح أنه ﷺ أمر فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة، فنكحها بأمره. رواه مسلم، وعزاه في " منار السبيل " للمتفق عليه! وهو وهم كما نبهت عليه في " الإرواء " (١٨٠٤، ١٨٦٤) . وقد خالف ذلك من اعتبر الكفاءة في النسب، وهم الجمهور؛ كما نقله الشوكاني (٦ / ١١٥) وغيره. وقال الشافعي: " ليس نكاح غير الأكفاء حَرَامًا فأرد به النكاح، وإنما هو تقصير بالمرأة والأولياء، فإذا رضوا؛ صحّ، ويكون حَقّاً لهم تركوه، فلو رضوا الا وَاحِدًا؛ فله فسخُه. قال: ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنَّسب حديث ". قلت: ومع أن قول الشافعي هذا أعدل من مذهب الجمهور؛ فقد تعقبه الشيخ السالمي الإباضي في " شرحه على مسند الربيع " بقوله عقبه (٣ / ١٣) : " قلت: بل ثبت ذلك عند المصنف، وإن لم يسمعه الشافعي "! فيقال له: أخطأت من وجهين: الأول: أن قول الشافعي: " ولم يثبت. . . "؛ لا يعني أنه لم يسمعه، وإنما هو العكس تَمَامًا: سمع به ولم يثبت عنده. والآخر: كيف ترد تلك الأحاديث الصحيحة المؤيّدة بالآية الكريمة: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ؟ ! وَأَخِيرًا: مَنْ هذا اَلْمُصَنِّف حتى تعارض بحديثه غَيْر اَلْمُسْنَد! عِلْمَ اَلْإِمَام الشافعي الذي ملأ الآفاق؟ ! حتى ولو أسنده لم تقم به حجة؛ لجهالته، كما تقدم بيانه في الحديث الذي قبله.

стр. 8707

ثم رأيت الشوكاني قد مال في " السيل الجرار " (٢ / ٢٩١ - ٢٩٥) إلى ما أشرنا إليه من الحق في بحث طويل له، ومن قبله الإمام الصنعاني في " سبل السلام "؛ فليراجعها من شاء زيادة في التحقيق. وأما أثر عمر الذي عزاه السالمي إليه من رواية الدارقطني بلفظ: " لأمنعن تزوج ذوات الأنساب إلا من اَلْأَكْفَاء) ! ؛ فقال السالمي عنه: " وهذا يدل على أنه ﵁ كان يعتبر الكفاءة في النسب؛ بخلاف ما تقدم عنه ". يعني: أنه من الذين يعتبرون الكفاءة في الدين فقط. فأقول: هذا هو الصواب؛ لما تقدم من الأدلة، وأما هذا الأثر؛ فيقال للسالمي: أثبت العرش ثم انقش! فإن إسناده لا يصح؛ كما حققته في " الإرواء " (١٨٦٧) . ثم إليك نَمُوذَجًا آخر من أحاديث الإباضيين الباطلة في " مسند ربيعهم " في إنكارهم لشفاعة النبي ﷺ : ٥٩٦٤ - (ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي) . باطل. ذكروه في " مسند الربيع بن حبيب " الذي سموه ب " المسند الصحيح "! ولا صلة له بالصحيح من الحديث إلا ما كان فيه مَسْرُوقًا من كتب أهل السنة؛ فقد جاء فيه (٢٧٩ / ١٠٠٤) : جابر بن زيد عن النبي ﷺ قال:. . . فذكره. وزاد: يحلف جابر عند ذلك: ما لأهل الكبائر شفاعة؛ لأن الله قد أوعد أهل الكبائر

стр. 8708

النار في كتابه، وإن جاء الحديث عن أنس بن مالك أن الشفاعة لأهل اَلْكَبَائِر؛ فوالله! ما عنى القتل والزنى والسحر وما أوعد عليه النار! قلت: والكلام عليه من وجوه: الأول: أن هذا الحديث النافي للشفاعة مفترى على جابر بن زيد رحمه الله تعالى؛ فإنه ثقة إمام، أحد الأعلام، أثنى عليه ابن عباس وغيره من السلف، وله ترجمة عطرة في " تذكرة الحفاظ " وغيره. فلا يعقل أن ينكر الشفاعة وأحاديثها مشهورة متواترة! والربيع بن حبيب مع أنه غير معروف عندنا أهل السنة؛ فإنه مع ذلك لم يذكر إسناده إليه، فهو منقطع. وبينهما في غالب أحاديثه مسلم بن أبي كريمة؛ وهو مجهول كما تقدم. الثاني: أنه قد صح الحديث عن النبي ﷺ من رواية جماعة من الصحابة ﵃؛ منهم أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبو الدرداء، وكعب بن عجرة، وله عن أنس وحده طريقان، صحح أحدهما الترمذي وابن حبان والحاكم والذهبى، والآخر إسناده حسن. وهي مخرجة في " المشكاة " (٥٥٩٨ - ٥٥٩٩) ، و " ظلال الجنة " (٨٣٠ - ٨٣٢) ، و " الروض النضير " (٤٥، ٦٥) . الثالث: لقد اعترف المؤلف بحديث أنس: أن الشفاعة لأهل الكبائر، ولكنه نفى أن تكون لمن قتل أو زنى أو سحر، أو أتى ما أوعد عليه بالنار. فهذا معناه أن الكبائر نوعان: هذا أحدهما، وَالْآخَر ما ليس كذلك. وهذا التقسيم مما لا تقول به الإباضية فيما نعلم، وهو الظاهر من كلام الشيخ الخليلي في كتابه الذي أسماه:

стр. 8709

" الحق الدامغ " (ص ١٨٣ - ٢٢٦) . وكما تناقض هنا إمامه في اَلْكَبَائِر فجعلها قسمين، أحدهما تشمل أهلها الشفاعة؛ تناقض هو على النقيض من ذلك؛ فإنه لما استدل لمذهبه في تكفير جميع مرتكبي الكبائر وأنهم خالدون في النار مع الكفار بقوله تعالى: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) أورد على نفسه اعتراضين: أحدهما: أن (السّيّئة) هنا هي الشرك؛ كما روي عن طَائِفَة من المفسرين، وإذا كان هذا الوعيد لِلْمُشْرِكِينَ فهو لا يعم الموحدين. فأجاب بقوله ما ملخصه: " إن لفظ: (سيئة) نكرة مطلقة في سياق الشرط فهي تفيد العموم ". فأقول: فإذا كانت عامة فهي تشمل الصغائر أَيْضًا التي تكفر بالحسنات كما قال تعالى: (إن الحسنات يُذهبن السيئات) ، وأنتم لا تقولون بذلك! فإذا خصصتموها بالكبائر سقط جوابكم، وسلم اعتراض أهل السنة عليكم. والغريب أنه كرر هذا الجواب الساقط في أكثر من موضع؛ كقوله (ص ٢٢٠) : " وهذا الحكم يصدق على من أتى أي سَيِّئَة، فإن السيئات جنس غير محصورة أفراده، وما كان كذلك فحكمه يصدق على كل فرد من أفراده سَلْبًا أو إِيجَابًا ". يقول هذا ويكرره وهو لا يشعر أنه ضد مذهبه؛ بل ومذاهب المسلمين جَمِيعًا! ! لأنه يستلزم أن الذي ينجو من الخلود إنما هو المعصوم عن كل سيئة صغرت أو كبرت! وما يحمله على اَلْوُقُوع في هذه المزالق أو المضايق إلا شغفه في الانتصار لمذهبه، والرد على أهل السنة. والله المستعان.

стр. 8710

٥٩٦٥ - (كان إذا سمع النداء كأنة لا يعرف أحداً من الناس) . منكر. أخرجه أبو زرعة الدمشقي في " تاريخ دمشق " (١ / ٦٥٩ / ١٩٧٥) ، والدولابي في " الكنى " (١ / ٦٣) من طريق عبد الله بن الزبرقان قال: حدثني أسامة بن أبي عطاء: أنه كان عند النعمان بن بشير إذ أقبل سويد بن غَفَلة بن أمية، فأرسل إليه فدعاه - وَالنُّعْمَان يومئذ أمير -، فقال له: ألم يبلغني أنك صليت مع رسول الله ﷺ قال: أَوَ مرة؟ ! لا؛ بل مراراً، كان. . . الحديث. قلت: وهذا إسناد ضعيف، عبد الله بن الزبرقان؛ قال الذهبي: " ضعفه الأزدي، لا يعرف ". وأقره الحافظ في " اللسان "، وقال: (ولفظ الأزدي: ضعيف مجهول ". وأسامة بن أبي عطاء؛ كأنه مجهول أيضاً؛ فقد أورده البخاري في " التاريخ " (١ / ٢ / ٢٢) من رواية عبيدة عنه عن علي، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً كغالب عادته. وكذلك أورده ابن حبان في (أتباع التابعين) من " الثقات " (٦ / ٧٤) ، وذكر رَجُلًا بين عبيدة بن الأسود وعلي. وفرق ابن أبي حاتم بين أسامة الذي روى عن علي وعنه عبيدة بن مُعَتَّب، وبين أسامة بن أبي عطاء؛ فقال: " هو أنطاكي روى عن. . . روى عنه عطاء بن مسلم وأبو رجاء وأبو الصباح مؤذن مسجد حزم ". فالله أعلم؛ هل هو واحد أم اثنان؛ ثم وجدت لِلْحَدِيثِ شَاهِداً من حديث عاثشة قالت:

стр. 8711

" كان إذا كان عند عائشة كان في مهنة أهله، فإذا نودي للصلاة؛ كأنه لم يعرفهم ". أخرجه محمد بن المظفر في (غرائب شعبة، (٥ / ٢) عن يحيى بن حماد: ثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة به. وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين؛ لكن قد خالف يحيى بن حماد جماعة من الثقات عن شعبة؛ فقالوا: ". . . فإذا حضرت الصلاة؛ خرج إلى الصلاة) . وفي رواية: " فإذا سمع الأذان؛ خرج) . أخرجه البخاري (٦٧٦، ٥٣٦٣، ٦٠٣٩) - والرواية الأخرى له -، ومن طريقه البغوي في " شرح السنة " (١٣ / ٢٤٤ / ٣٦٧٨) ، والترمذي (٢٤٩١) - وصححاه -، وأحمد (٦ / ٤٩، ١٢٦، ٢٠٦) . قلت: فتكون رواية ابن المظفر شاذة، هذا إن كان إسناده إلى يحيى بن حماد صحيحأ؛ فإنه ليس في مسودتي، وإلا؛ فهو منكر. ٥٩٦٦ - (إِنِّي أُمِرْت ببُدْني التي بَعَثْتُ بها أن تُقَلَّدَ اَلْيَوْم، وتشعر على [مكان] كذا وكذا، فلبست قميصي ونسيت، فلم أكن لأُخْرِجَ قميصي من رأسي) (*) منكر. أخرجه الطحاوي في " شرح المعاني " (١ / ٣٧٠) من طريق حاتم

стр. 8712

ابن إسماعيل عن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة عن عبد الملك بن جابر، عن جابر بن عبد الله قال: كنت عند النبي ﷺ جالساً في المسجد، فَفَذّ قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه، فنظر القوم إلى النبي ﷺ فقال:. . . فذكره. وأورده ابن عبد البر في " التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد " (١٧ / ٢٢٤) من رواية عبد الرزاق: أخبرنا داود بن قيل عن عبد الرحمن بن عطاء: أنه سمع ابني جابر يحدثان عن أبيهما جابر بن عبد الله قال:. . . فذكره مُخْتَصَرًا. قلت: كذا وقع في " التمهيد " هنا: " ابني جابر يحدثان عن أبيهما ". وقد أشار إلى الحديث في مكان آخر منه (١٧ / ٢٢٦) ، فوقع فيه: " ابن جابر عن جابر ". وهذا مطابق لرواية الطحاوي، ولم أره في " مصنف عبد الرزاق " المطبوع لنقابله به، وفيه خرم كبير في كتاب " المناسك " منه و " الطهارة " وغيرهما، فإن صح ذلك فيه؛ فلعله من قبل داود بن قيس، وهو الصنعاني، وليس المديني، ولم يوثقه غير ابن حبان (٦ / ٢٨٨) . وقال الحافظ في " التقريب ": " مقبول ". يعني: عند المتابعة، ولم يتابع على " ابني جابر " من قبل حاتم بن إسماعيل، وهو صدوق من رجال الشيخين. وقد أشار الطحاوي إلى تضعيف الحديث، وصرح الحافظ في (الفتح " (٣ / ٥٤٦) بضعف إسناده، وأعله ابن عبد البر بعبد الرحمن بن عطاء هذا، فقال: " ليس عندهم بذاك، وترك مالك الرواية عنه؛ وهو جاره، وحسبك هذا ".

стр. 8713

قلت: وهو مختلف فيه؛ كما تراه في " تهذيب التهذيب "، وقال الذهبي في " الكاشف ": " وثقه النسائي. وقال البخاري: فيه نظر ". وَلَخَّصَ الحافظ أقوال الأئمة اَلْمُخْتَلِفَة فيه - كما هي عادته في " التقريب " -، فقال: " صدوق، فيه لين ". قلت: والحديث منكر؛ لِمُخَالِفَتِهِ حديث عائشة ﵂: " كان رسول ﷺ يُهدي من المدينة، فأفتل قلائد هديه، ثم لا يجتنب شَيْئًا مما يجتنب المحرم ". وفي طريق أخرى عنها: " ثم أصبح فينا حَلَالًا يأتي ما يأتي الرجل من أهله ". أخرجه الشيخان وأبو داود وغيرهم، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (١٥٤١ - ١٥٤٣) . قال ابن عبد البر: " لم يلتفت مالك ومن قال بقوله إلى حديث عبد الرحمن بن عطاء هذا، وردوه بحديث عائشة؛ لتواتر طرقه عنها وصحته، وما يصحبه من جهة النظر إلى ثبوته من طريق الأثر ". ثم ذكر من رواه من التابعين عن عائشة ﵂، ثم روى بسنده الصحيح عن مسروق قال: قدت لِعَائِشَة: إن رِجَالًا ههنا يبعثون بالهدي إلى البيت، ويأمرون الذين يبعثونهم أن يُعْرِّفُوهُمْ اليوم الذي يقلدونها، فلا يزالون مُحرِمين حتى يحل الناس!

стр. 8714

فصفقت بيدها، فسمعت ذلك من وراء الحجاب فقالت: سبحان الله! لقد كنت أفتل. . . الحديث نحو ما تقدم. وقد أخرجه البخاري (١٧٠٠) ، ومسلم (٤ / ٩٥) من طريق عمرة بنت عبد الرحمن: أن زياد أبن أبي سفيان أكتب إلى عائشة: أن عبد الله بن عباس قال: من أهدى هَدَيَا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي، وقد بعثت بهديي، فاكتبي إِلَيَّ بأمرك. قالت عمرة: قالت عَائِشَة: ليس كما قال ابن عباس؛ أنا فتلت. . . الحديث. وما أحسن ما روى البيهقي (٥ / ٢٣٤) عن الزهري قال: أول من كشف العمى عن الناس وبيّن لهم السنة في ذلك عَائِشَة زوج النبي ﷺ . . . ثم روى الحديث عن عروة وعمرة عنها، وزاد في آخره: " فلما بلغ الناس قول عَائِشَة هذا؛ أخذوا بقولها وتركوا فتوى ابن عباس ". قال ابن عبد البر ﵀ (١٧ / ٢٢١) : " فيه من الفقه: أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يختلفون في مسائل من الفقه؛ فلا يعيب بعضهم بَعْضًا بأكثر من رد قوله ومخالفته إلى ما عنده من السنة في ذلك. وهكذا يجب على كل مسلم ". ٥٩٦٧ - (نعم؛ حجي عن أبيك إن لم تزده خيراً لم تزده شراً) . منكر. أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (١٢ / ٢٤٥) : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل: ثنا أبي: أنا عبد الرزاق: أنا سفيان الثوري عن

стр. 8715

الشيباني عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس: أن رَجُلًا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أحج عن أبي؛ فقال:. . . فذكره. قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، لكن المتن منكر، أو على الأقل شاذ؛ لِمُخَالِفَتِهِ كل الطرق المروية عن ابن عباس ﵄ في السؤال المذكور، ومع أنه وقع الخلاف فيها: أكان السائل رَجُلًا أم امرأة - والثاني هو الراجح الموافق لما في " الصحيحين "، وهو مخرج في " الإرواء " (٩٩٢) ، و " جلباب المرأة المسلمة "؛ أقول: ومع ذلك - فليس في شيء منها هذه الزيادة: (إن لم تزده خَيْرًا، لم تزده شَرًّا ". فدل ذلك على نكارتها أو شذوذها. فإن قيل: فممن العلة؛ قلت: قد بينها الحافظ ابن عبد البر ﵀ في كتابه القيم " التمهيد "؛ فقال (٩ / ١٢٩) بعد أن ذكره من طريق عبد الرزاق: " أما هذا الحديث؛ فقد حملوا فيه على عبد الرزاق؛ لانفراده به عن الثوري من بين سائر أصحابه، وقالوا: هذا حديث لا يوجد في الدنيا عند أحد بهذا الإسناد؛ إلا في كتاب عبد الرزاق، أو في كتاب من أخرجه من كتاب عبد الرزاق، ولم يروه أحد عن الثوري غيره، وقد خطأوه فيه، وهو عندهم خطأ، فقالوا: هذا لفظ منكر، لا يشبه ألفاظ النبي ﷺ : أن يأمر بما لا يدرى هل ينفع أم لا ثم روى بإسناده عن عبيد بن محمد الكشوري أنه قال:

стр. 8716

" لم يروه أحد غير عبد الرزاق عن الثوري، ولم يروه عن الثوري لا كوفي ولا بصري ولا أحد ". والحديث؛ لم أره في " مصنف عبد الرزاق " المطبوع، وفيه خرم كبير في بعض كتبه مثل " المناسك " و " الطهارة ". وليس في " مسند أحمد "؛ فالظاهر أنه رواه في بعض كتبه الأخرى، ولا هو في " مجمع الزوائد " مع أنه على شرطه! فلعله لم يورده؛ لأن الجملة الأولى منه في " الصحيحين " كما تقدم. والله أعلم. ثم رأيت الحديث قد عزاه الحافظ في " الفتح " (٤ / ٧٠) لعبد الرزاق، ثم ضعفه بقوله: " جزم الحفاظ بأنها رواية شاذة ". ٥٩٦٨ - (لا يجتمع ملأ فيدعو بعضهم، ويؤمن سائرهم، إلا أجابهم الله) . ضعيف. أخرجه الطبرَاني في " المعجم الكبير " (٤ / ٢٦ / ٣٥٣٦) : حدثنا بشر بن موسى: ثَنَا أبو عبد الرحمن المقرئ: ثَنَا ابن لهيعة: حدثني ابن هبيرة عن حبيب بن مسلمة الفهري - وكان مُسْتَجَاباً -: أنه أمِّرَ على جيش، فدرب الدروب، فلما لقي العدو؛ قال للناس: سمعت رسول الله ﷺ يقول. . . فذكره. ثم إنه حمد الله وأثنى عليه فقال: " اللهم! احقن دماءنا، واجعل أجورنا أجور الشهداء ". فبينما هم على ذلك إذ نزل (الهنباط) أَمِير العدو، فدخل على حبيب سرادقه. وقال الطبرَاني: " (الهنباط) بالرومية: صاحب الجيش ".

стр. 8717

ومن طريق الطبرَاني رواه ابن عساكر في ترجمة حبيب من " تاريخ دمشق " (٤ / ١٨٨ - مصورة المدينة) ، والحاكم (٣ / ٣٤٧) ، ومن طريقه البَيهقي في " دلائل النبوة " (٧ / ١١٣ - ١١٤) ، ومن طريقهما ابن عساكر أَيْضًا من طريق أخرى عن بشر بن موسى به. سكت عنه الحاكم والذهبي، وقال اَلْهَيثميّ (١٥ / ١٧٥) بعدما عزاه للطّبراني: " ورجاله رجال (الصحيح) ، غير ابن لهيعة، وهو حسن الحديث ". قلت: بل هو ثقة في رواية العبادلة عنه، ومنهم أبو عبد الرحمن المقرئ، وهو عبد الله بن يزيد المصري، وكذلك سائر رجاله كلهم ثقات من رجال " التهذيب "؛ غير بشر بن موسى؛ وهو ثقة، وثقه الدّارقطني والخطيب في " التاريخ " (٧ / ٨٦ - ٨٧) ، والذهبي في " سير أعلام النبلاء " (٣ ١ / ٣٥٢) . وابن هبيرة: اسمه عبد الله، أبو هبيرة، وهو وإن كان ثقة فإنه لم يدرك حبيب ابن مسلمة؛ فإنه ولد سنة (٤١) سنة الجماعة، وبعدها بسنة مات ابن مسلمة، فالإسناد منقطع، فلعله لذلك سكت عنه الحاكم والذهبي، والله أعلم. وقد اختلفوا في صحبة حبيب بن مسلمة: فمنهم من أثبتها، ومنهم من نفاها. والأول هو الراجح، وبه قال البخاري؛ فقد صح سماعه منه ﷺ لحديث: " كان ينفل الربع بعد الخمس. . . ". وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (٢٤٥٥ - ٢٤٥٦) .

стр. 8718

٥٩٦٩ - (نهى أن يُحَدَّ الرّجل النظر إلى الغُلام الأمْرد) . موضوع. أخرجه ابن عدي في " الكامل " (٧ / ٢٥٥٧ - ٢٥٥٨) من طريق خطاب بن سيار الحرّاني: ثَنَا بقية عن الوازع عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال:. . . فذكره مَرْفُوعًا. أورده في ترجمة اَلْوَازِع هذا - وهو ابن نافع العقيلي الجزري - في جملة أحاديث ساقها له، وقال: " عامتها مناكير غير محفوظة ". وروى عن ابن معين أنه قال فيه: " ليس بثقة ". وعن أحمد: " ليس حديثه بشيء ". وعن البخاري: " منكر الحديث ". وعن النسائي: " متروك الحديث ". وقال الحاكم وغيره: " روى أحاديث موضوعة ". قلت: وأرى أن هذا منها. وبقية: هو ابن الوليد، وهو مدلس؛ ولكن لو أراد أن يدلس لأسقط اَلْوَازِع هذا! ولكن لقائل أن يقول: من المحتمل أنه لا يعرفه، وَحِينَئِذٍ فيمكن أن يكون بينه وبينه راو لا يرضاه فأسقطه. والله أعلم. وخطاب بن سيار الحرّاني، لم أجد له ترجمة. وفي الرواة خطاب بن القاسم الحرّاني الثقة؛ لكن يبدو أنه ليس به؛ لأنه أعلى طبقة منه، روى عن عبد الكريم

стр. 8719

الجزري والأعمش وزيد بن أسلم. ٥٩٧٠ - (النظرة الأولى خطأ، والثانية عمد، والثالثة تُدَمّر. نَظَرُ المؤمن إلى محاسن المرأة سهم من سهام إبليس! مسموم، من تركها من خشية الله، ورجا ما عنده؛ أثابه اَللَّه بذلك عبادة تبلُغُه لذّتها) . موضوع. أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (٦ / ١٠١) من طريق أبي مهدي عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن ابن عمر مَرْفُوعًا. قلت: وهذا موضوع؛ آفته أبو مهدي - واسمه سعيد بن سنان الحمصي -؛ وهو متهم بالوضع، وقد تقدمت له أحاديث (٢٩٤، ٥٥٥، ٦٠٤، ٦١٦، ٩٥٧، ١١١٥) .

стр. 8720

٥٩٧١ - (ما من عبد يكف بصرَه عن محاسن امرأة، ولو شاء أن ينظر إليها نظر، إلا أَدْخَلَ اَللَّه تعالى قلبَه عبادة يجد حلاوَتَها) . موضوع. أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (٢ / ١٨٧) من طريق عصمة بن محمد قال: ثَنَا موسى - يعني: ابن عقبة - عن القاسم بن محمد عن عائشة مَرْفُوعًا. قلت: وهذا موضوع؛ آفته عصمة بن محمد؛ قال يحيى بن معين: " كذاب يضع الحديث ". وقال العقيلي: " يحدث بالبَواطيل عن الثقات ". وقال الدّارقطني وغيره: " متروك ".
следующие страницы →