روايات عديدة في تأييد هذا الباطل، وقبل ذلك نرى هذه الأسطورة عند شيخهم المفيد (ت ٤١٣) - حيث بذكر بعض رواياتها في كتابه «الإرشاد» ، وهو من كتبهم المعتبرة كما سيأتي، كما يقرر هذا الضلال في كتابه «أوائل المقالات» ، ويعترف باستفاضة "رواياته" من طرقهم، وأوائل المقالات من كتبهم المعتمدة في العقيدة كما يؤكد ذلك بعض شيوخهم المعاصرين (١) ، كما أن الروايات في هذا "الباطل" منتشرة في كثير من كتب التفسير عندهم كتفسير البرهان (٢) ، والصافي (٣) وغيرهما. وفي دواوين الأخبار عندهم كـ «الوافي» ، وكـ «البحار» (٤) - الذي حوى من هذا الضلال فأوعى - وغيرهما.
كما تتكرر أخبار التحريف في كثير من كتبهم المعتمدة عندهم، وقد ذكر شيخهم الطبرسي في كتابه «فصل الخطاب» كثيراً من هذه الكتب (٥) - غير ما مر - وإن كان هناك من شيوخ الشيعة من ينكر هذا "الإلحاد"، لكن تبقى مع ذلك الكتب التي روت هذه الزندقة، والشيوخ الذين جاهروا بهذا الاعتقاد موضع احترام وتقدير من الشيعة كلهم.
ولم تكتف العناصر المجوسية التي لبست ثوب التشيع زوراً وبهتاناً بذلك، بل وضعت هذه الأساطير في كتب مستقلة باسم التغيير
стр. 177
والتحريف وغيره. وممن وضع هذا الإلحاد في مؤلف شيخهم الثقة ـ عندهم ـ أحمد بن محمد البرقي عند شيخهم الطوسي، من كتبه كتاب التحريف (١) ومنهم والده الثقة - عندهم - محمد بن خالد عد النجاشي من كتبه «التنزيل والتغيير» ، ومنهم شيخهم الثقة الذي لم يعثر له على زلة في الحديث - كما ذكروا - علي بن الحسن بن فضال عد من كتبه كتاب «التنزيل من القرآن والتحريف» ، ومنهم محمد بن الحسن الصيرفي في الفهرست له كتاب «التحريف والتبديل» ، ومنهم أحمد بن محمد بن سيار عد الشيخ (٢) والنجاشي من كتبه كتاب «القراءات» ونقل عنه ابن ماهيار الثقة - عندهم - في تفسيره كثيراً، وكذا الشيخ حسن بن سليمان الحلي تلميذ الشهيد في مختصر البصائر وسماه «التنزيل والتحريف» ، ومنهم الثقة الجليل - عندهم - محمد بن العباس بن علي بن مروان الماهيار المعروف بابن الحجام صاحب التفسير المعروف - لهم -.. له كتاب «قراءة أمير المؤمنين» ، وكتاب «قراءة أهل البيت» وقد أكثر من نقل أخبار التحريف في كتابه.
ومنهم أبو طاهر عبد الواحد بن عمر القمي، ذكر ابن شهراشوب في معالم العلماء أن له كتاباً في قراءة أمير المؤمنين (٣) .
وفي هذا العصر ألف الرافضي حسين الطبرسي كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» ، وأبان عن غرضه المجوسي في مقدمة كتابه حيث قال: (فيقول العبد المذنب المسيء حسين بن
стр. 178
محمد تقي الدين الطبرسي جعله الله من الواقفين ببابه المتمسكين بكتابه! هذا كتاب لطيف وسفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن وفضائح أهل الجور والعدوان وسميته «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» . وأودعت فيه من بدائع الحكمة ما تقر به كل عين، وأرجو ممن ينتظر رحمته المسيئون أن ينفعني يوم لا ينفع مال ولا بنون) (١) .
انظر كيف تتقنع "المجوسية" بمسوح الرياء والكذب لخداع الأغرار والبسطاء عن الهدف الخبيث الذي تسعى إليه.
وقد طبع هذا الكتاب على الحجر في إيران سنة ١٢٩٨ وعليه خاتم الدولة الإيرانية الرسمي.
والمؤلف يحظى بتعظيم الشيعة، حتى اعتبروا كتابه «مستدرك الوسائل» مرجعاً من مراجعهم في الحديث، قالوا: (وأصبح في الاعتبار كسائر المجاميع الحديثية المتأخرة) (٢) ، وبعد أن مات هذا الطبرسي وضعوه في أشرف بقعة - عندهم - بين العترة والكتاب، يعني في الإيوان الثالث عن يمين الداخل إلى الصحن الشريف من باب القبلة (٣) (في النجف) .
ويذكر إحسان إلهي ظهير أنه: (في القارة الهندية) صنف الشيعة كتباً عديدة في إثبات وإظهار هذه العقيدة الباطلة؛ فقد ألف ميرزا سلطان أحمد الدهلوي «تصحيف كاتبين ونقص آيات كتاب مبين» ، ومحمد مجتهد
стр. 179
اللكنوي «ضربة حيدرية» وغيرها (١) . والكيد المجوسي لا ينتهي ولكن سيكفيكهم الله وهو السميع العليم، ولن يضروا الله شيئاً والله يحفظ كتابه ودينه، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، فها هي مؤامراتهم ومكائدهم تندحر وترتد على أعقابها، وتصبح فضيحة كبرى لهم يحاولون التستر عليها الآن بكل وسيلة، ويبقى كتاب الله في حفظ الله وكنفه فوق كيد الكائدين، ويرجع أصحاب الكيد بالخزي والذل والصغار، وفي هذا آيات للمؤمنين. فلا قرآن يوجد إلا هذا القرآن العظيم، وتبقى هذه الدعاوى فضيحة لأصحابها، وعلى مر الزمن واستفحال الكيد تتجدد معجزة الوعد الإلهي في حفظ هذا القرآن العظيم (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (.
٢- النصوص الواردة في كتبهم:
النصوص المجوسية التي تطعن في كتاب الله قد كثرت في كتب "الشيعة" ومصادرها في الحديث كثرة عجيبة، حتى إن عالمهم المجلسي صاحب «بحار الأنوار» جعلها في الكثرة والتواتر تساوي أخبار الإمامة التي هي لب التشيع وجوهره، ورأى أن ترك الاعتماد على أخبار التحريف يستلزم عندهم رفع الاعتماد على أخبارهم - رأساً -.
يقول: (وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنىً، وطرْح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا تقصر عن أخبار الإمامة) (٢) . وقال شيخهم المفيد:
стр. 180
(إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد ﵌ باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان) (١) ، ويقول عالمهم الطبرسي عن أخبارهم في الطعن في القرآن: (وهي كثيرة جداً حتى قال السيد نعمة الله الجزائري في بعض مؤلفاته كما حكي عنه أن الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث) (٢) ، وقال ثقتهم محمد صالح المازندراني (ت ١٠٨١) : (.. وإسقاط بعض القرآن وتحريفه ثبت من طرقنا بالتواتر معنىً، كما يظهر لمن تأمل في كتب الأحاديث من أولها إلى آخرها) (٣) .
وقال شيخهم نعمة الله الجزائري: إن القول بصيانة القرآن وحفظه: (يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن.. مع أن أصحابنا - رضوان الله عليهم - قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها) (٤) .
ويرى عالمهم الطبرسي أنه لا ينبغي عندهم النظر في أسانيدها لتواترها من طرقهم، يقول: (إن ملاحظة السند في تلك الأخبار الكثيرة توجب سد باب التواتر المعنوي فيها، بل هو أشبه بالوسواس الذي ينبغي الاستعاذة منه) (٥) .
والخوئي مرجع الشيعة في العراق وغيره - اليوم - يقول: (إن كثرة الروايات - على وقوع التحريف في القرآن - تورث القطع
стр. 181
بصدور بعضها عن المعصومين ولا أقل من الاطمئنان بذلك، وفيها ما روي بطريق معتبر..) (١) .
ويقول شيخهم محسن الكاشاني: (المستفاد من الروايات من طريق أهل البيت أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أُنزل على محمد، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة منها: اسم علي في كثير من المواضع ومنها لفظة آل محمد غير مرة، ومنها أسماء المنافقين في مواضعها، ومنها غير ذلك، وأنه ليس أيضاً على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله) (٢) .
وبعد هذه "الاعترافات" من علمائهم وأساطينهم أجدني غير محتاج إلى الإكثار من الأمثلة والشواهد (٣) من كتبهم، ففي هذه الشهادات كفاية وعبرة لتورط القوم. وسنذكر فيما يلي بعض الأمثلة والشواهد التي تصور هذه العقيدة عندهم.
روى الكليني في «الكافي» عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله ((أن القرآن الذي جاء به جبرائيل (إلى محمد ﵌ سبعة عشر ألف آية) (٤) . وآيات القرآن - كما هو معروف - لا تتجاوز ستة آلاف آية إلا قليلاً.
стр. 182
وقد حكم علماء الشيعة بصحة هذه "الأسطورة"؛ قال المجلسي: (فالخبر صحيح) (١) وقال صاحب الشافي: (إنه موثق كالصحيح) (٢) ، وأماطوا اللثام عن معناه الساقط؛ قال المازندراني: (إن آي القرآن ستة آلاف وخمسمائة.. (٣) والزائد على ذلك مما سقط بالتحريف..) (٤) وقال المجلسي: (إن هذا الخبر وكثيراً من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره) (٥) .
وهذه "الأسطورة" رويت بلفظ (عشرة آلاف آية) كما في الوافي (٦) ، ثم تطور العدد إلى (سبعة عشر ألف آية) كما في الكافي (٧) ، ثم تطور الأمر إلى (ثمانية عشر ألف آية) كما في كتاب سليم بن قيس (٨) .
وقد وضع صاحب الوافي احتمالاً مقبولاً لتفسير الرواية السالفة بعد ذكره لبعض الاحتمالات الساقطة - حيث ذكر روايته لأسطورته بلفظ (عشرة آلاف آية) ، قال: (أو يكون - أي العدد الزائد عما في القرآن - مما نسخ تلاوته) (٩) ، ولكن شيخ الشيعة ومرجعها اليوم
стр. 183
«الخوئي» (١) وهو يتظاهر بالدفاع عن القرآن يرى أن القول بنسخ التلاوة هو قول بالتحريف (٢) ، وكأنه أراد أن يوصد هذا الباب ويرد هذه القاعدة الثابتة ليثبت عقيدة في نفسه يخفيها.. وهو كيد باطني مستتر.
وترد روايات كثيرة عندهم تتحدث عن مصحف لعلي يغاير المصحف الموجود جمعه بنفسه، ويعقد الكليني باباً في هذا يسميه (باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة ﵈ ، ويذكر فيه ست روايات من رواياتهم، منها ما يرويه جابر الجعفي أنه سمع أبا جعفر يقول: (ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه، كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده) (٣) .
وشيخ الشيعة اليوم «الخوئي» - وهو يزعم أنه يدافع عن القرآن - يرى: أن وجود مصحف لعلي يغاير القرآن الموجود في ترتيب السور، وفي اشتماله على زيادات ليست في القرآن مما لا ينبغي الشك فيه (٤) .
وترد عن الطبرسي في كتابه «الاحتجاج» رواية تتحدث عن جمع علي للقرآن وعرضه هذا المجموع على الصحابة وموقفهم من ذلك وهي أسطورة ـ مضحكة ـ ما كان لنا أن نأتي بها لولا أن الكتاب والمؤلف
стр. 184
محل ثقة الشيعة (١) ، حتى قبلوا مراسيله عن الأئمة في القرن الأول ـ مع أنه من القرن السادس ـ يقول المؤلف في مقدمة كتابه: (ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناد إما لوجود الإجماع عليه، أو لاشتهاره في السير والكتب بين المخالف والمؤالف) (٢) وعلى هذا اعتمدوا على الكتاب، يقول عالمهم المعاصر.. أغابزرك الطهراني (٣) : (فهو من الكتب المعتبرة التي اعتمد عليها العلماء الأعلام كالعلامة المجلسي والمحدث الحر وأضرابهما) (٤) كما وثقه غيره من علمائهم (٥) ، تقول "الأسطورة": (وفي رواية أبي ذر الغفاري أنه قال لما توفي رسول الله ﷺ وآله، جمع علي ﵁ القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم، لما قد أوصاه بذلك رسول الله ﷺ وآله فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم فوثب عمر وقال: يا علي أردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه (وانصرف، ثم أحضروا زيد بن ثابت - وكان قارئاً للقرآن - فقال له عمر: إن علياً جاء بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك، ثم قال: فإن أنا
стр. 185
فرغت من القرآن على ما سألتهم وأظهر عليٌّ القرآن الذي ألفه أليس قد بطل كل ما عملتم؟ قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة، فقال عمر: ما حيلته دون أن نقتله ونستريح منه، فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد فلم يقدر على ذلك، فلما استخلف عمر سأل عليّاً (أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم، فقال: يا أبا الحسن، إن جئت بالقرآن الذي قد كنت جئت به إلى أبي بكر حتى نجتمع عليه، فقال: (هيهات، ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا ما جئتنا به، إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي، قال عمر: فهل لإظهاره وقت معلوم؟ فقال (: نعم، إذا قام القائم من ولدي يظهره، ويحمل الناس عليه فتجرى السنّة به صلوات الله عليه) (١) .
وهذه الرواية التي تطعن في كتاب الله ليست هي الرواية الوحيدة في الكتاب، بل هي واحدة من أكثر من عشر روايات، قال عالمهم الطبرسي - وهو يعدد من قال بالتحريف من علمائهم -: (والشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتاب «الاحتجاج» ، وقد ضمن ألاّ ينقل فيه إلا ما وافق الإجماع واشتهر بين المخالف والمؤالف ودلت عليه العقول، وقد روى فيه - أي في التحريف - أزيد من عشرة أحاديث صريحة في ذلك (٢) .
стр. 186
وفي النص السالف الذكر تظهر بعض الدوافع والأسباب وراء وضع هذه النصوص التي تنال من كتاب الله؛ يظهر هذا من قوله: (فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم..) وقوله: (وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار..) .
فالحقد الذي أكل قلوب المجوسية إزاء صحابة رسول الله ﷺ الذين فتحوا بلادهم ونشروا الإسلام بينهم جعلهم ينفثون هذه الأحقاد والضغائن في سب أولئك الصحب والطعن فيهم، ولكن آيات الله التي تتلى على مر الزمن وهي تثني على صحابة رسول الله ﷺ وتعلي من شأنهم وتنشر فضائلهم قد كشفت كيدهم وردته في نحورهم، فلم يكن أمامهم إلا القول بأن الصحابة قد أسقطوا من الكتاب فضائح المهاجرين والأنصار.. وأرادوا بهذه القولة التستر على مذهبهم فكانت من أسباب انكشافهم وهتك أستارهم ورفع القناع عن وجوههم الحقيقية المعادية للإسلام والمسلمين، فها هم يحاولون التستر عليها بكل وسيلة.
كما تدل هذه الرواية على أن القرآن الكامل في اعتقادهم إنما هو عند إمامهم المنتظر، وأن الذي قام بتحريف القرآن الموجود هو أبو بكر، وعمر، وزيد بن ثابت. وعالمهم الطبرسي يزيد آخرين فيقول: (والذين باشروا هذا الأمر الجسيم هم أصحاب الصحيفة: أبو بكر وعمر وعثمان وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف واستعانوا بزيد بن ثابت) (١) .
стр. 187
وهذه الأسطورة من وضع من لا يُحسن الوضع، فهي تقول إن الصحابة حين أرادوا تحريف القرآن تخوفوا من أن ينكشف أمرهم بإخراج علي للقرآن الكامل، لهذا دبروا لقتله على يد خالد، ولكن هذه الأسطورة تقول إنه لم يستطع قتله إذن لماذا لم يُخرج علي القرآن ما دامت مؤامرتهم في قتله قد فشلت؟، وإذا كان يخشى منهم لأن السلطة بأيديهم فلماذا لم يخرجه أثناء خلافته؟، هذا ما ينسف كل ما بنوه وشيدوه من "أساطير" (١) .
ويروون عن أبي عبد الله (جعفر الصادق) أنه قال: (لو قرئ القرآن كما أُنزل لألفينا مسمين) (٢) . وعن ميسرة عن أبي جعفر (قال: (لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي حقنا على ذي حجي) (٣) .
ومن هذين النصين ينكشف سبب آخر وراء قولهم بهذه "الفرية"، فالإمامة التي جعلوها صنو النبوة، والأئمة الذين ملئوا الدنيا حديثاً عنهم، وأن الإيمان بهم هو كالإيمان بالصلاة والزكاة وأن من جحد إمامة أحدهم فكأنما جحد نبوة رسول الله ﷺ أو غيره من الأنبياء - كما سيأتي - هذا الأمر لم يرد له ذكر في كتاب
стр. 188
الله. وفي النصين السابقين شهادة من الشيعة نفسها على أنه ليس لأمر أئمتهم ذكر في كتاب الله. وهذه "الظاهرة" تنسف بنيانهم من القواعد، وتهدد جمعهم بالفشل، ومساعيهم بالبوار، فلم يكن أمامهم من مسلك إلا القول بالتحريف، ولهذا شهد إمامهم المجلسي - كما مر - أن أخبار التحريف عندهم لا تقل عن أخبار الإمامة وأنه إذا لم يثبت التحريف فلا تثبت الإمامة وغيرها من عقائد الشيعة. وقد أصاب المجلسي، فالتحريف لم يقع، ومسألة الإمامة لم تثبت، والرجعة كذلك وغيرها مما شذت به الشيعة.
وفي سبيل (إثبات دعوى إمامة الأئمة) يدّعون أن هناك كلمات وآيات محذوفة من كتاب الله.
روى الكليني في الكافي بإسناده عن أبي جعفر - (- قال: نزل جبرائيل بهذه الآية على محمد ? هكذا: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا - في علي - فأْتوا بسورة من مثله) (١) .
وعن جابر الجعفي عن أبي جعفر (قال: هكذا نزلت هذه الآية: (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به - في علي - لكان خيراً لهم) (٢) .
وعن أبي بصير عن أبي عبد الله في قول الله (: (ومن يطع الله ورسوله - في ولاية علي وولاية الأئمة من بعده - فقد فاز فوزاً عظيماً) هكذا نزلت (٣) .
стр. 189
وعن أبي عبد الله (ع) في قوله الله (: (فستعلمون من هو في ضلال مبين أيا معشر المكذبين حيث أنبأتكم رسالة ربي في ولاية علي ﵁ والأئمة من بعده من هو في ضلال مبين) هكذا نزلت (١) .
ويروي الكليني بإسناده عن أبي الحسن (ع) قال: (ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء ولن يبعث الله رسولاً إلا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله ووصية علي ﵁) (٢) .
ويقول عالمهم - الطبرسي -: (روى الشيخ الفقيه شاذان بن جبرائيل القمي في كتاب الروضة والفضائل قال ـ وبالإسناد يرفعه إلى الثقات الذين كتبوا الأخبار ـ أنهم أوضحوا ما وجدوا وبأن لهم من أسماء أمير المؤمنين ثلثمائة اسم "٣٠٠" في القرآن، منها ما رواه بالإسناد الصحيح عن ابن مسعود في قوله: إن عليّاً جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، وقوله: إن عليّاً للهدي) (٣) . وافتراءاتهم في هذا كثيرة لا مجال للمزيد منها.
وفي سبيل تأييد عقيدتهم الفاسدة في أصحاب رسول الله ﷺ تتحدث أساطيرهم عن كلمات وآيات مزعومة تنال من الصحابة - رضوان الله عليهم.
ومن ذلك ما رواه الكليني بإسناده إلى أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: دفع إليّ أبو الحسن (مصحفاً وقال: لا تنظر فيه،
стр. 190
ففتحته وقرأت فيه: (لم يكن الذين كفروا) فوجدت فيها اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم، قال: فبعث إليّ: ابعث إليّ بالمصحف (١) .
وفي تفسير العياشي في قوله سبحانه: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) يقول العياشي فيما يرويه عن جابر الجعفي عن محمد بن علي ﵁..: (وإنما نزلت: ألم تر إلى فلان وفلان - يعنون أبا بكر وعمر ﵄ لقوا عليّاً وعماراً فقالا إن أبا سفيان وعبد الله بن عامر وأهل مكة قد جمعوا لكم فاخشوهم وزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) (٢) .
السياق غير منسجم وهذا دليل إفك الشيعة، فالضمائر غير متطابقة مع مراجعها، والصواب يقتضي (لقيا) - (لكما) - (فاخشياهم) - (وزادهما) - (وقالا) .
وتمضي افتراءاتهم فتخترع سوراً تزعم أنها محذوفة من كتاب الله، قال شيخهم الطبرسي: (نقصان السورة وهو جائز كسورة الحفد، وسورة الخلع وسورة الولاية) (٣) ، ثم في موضع آخر نقل سورة الولاية وقال: (إن الشيخ محمد بن علي بن شهراشوب المازندراني ذكر في كتاب المثالب على ما حكي عنه أنهم أسقطوا من القرآن تمام سورة الولاية، ونقل نصها في كتابه فصل الخطاب عن كتاب دبستان مذاهب وهي كما نقلها:
стр. 191
بسم الله الرحمن الرحيم "يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنورين أنزلناهما يتلوان عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب يوم عظيم، نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم. إن الذين يوفون ورسوله في آيات (كذا) لهم جنات نعيم، والذين كفروا من بعدما آمنوا بنقضهم ميثاقهم، وما عاهدهم الرسول عليه يقذفون في الجحيم، ظلموا أنفسهم وعصوا الوصي الرسول أولئك يسقون من حميم.." (١) .
وتمضي "سورتهم" الموضوعة على هذا النمط - كما ستراها بكاملها في ملحق الوثائق - وكلماتها تذكرك بأساطير مسيلمة؛ ركاكة لفظ، وسقوط معنى واضطراب سياق.. ويبدو أن واضعها - هي وغيرها من كثير من تلك الزيادات على آيات الله - أعجمي، فهي لا تستقيم قراءة ومعنى، وفي كلماتها ومعانيها هبوط عن مستوى أداء الإنسان العادي.
وتطاول افتراءاتهم على كتاب الله إلى أكثر من دعوى سقوط بعض الآيات والسور، حتى إنهم ليزعمون أن القرآن قد أُسقط منه في موضع واحد من سورة النساء أكثر من ثلثه فيزعم صاحب الاحتجاج أن علياً - برأه الله مما يفترون - قال لأحد الزنادقة - في محاورة طويلة -: (.. وأما ظهورك على تناكر قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء (وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء ولا كل النساء أيتام فهو مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، وبين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن ... ولو شرحت لك ما أُسقط وحرف وبدل مما يجري هذا المجرى لطال وظهر ما تحظر
стр. 192
التقية إظهاره من مناقب الأولياء ومثالب الأعداء) (١) .
يقول الشيخ موسى جار الله عن هذه المحاورة: (لم أعلم من هو هذا البعض من الزنادقة الذي يناظر عليّاً ويهديه إلى الحق علي، وهل يمكن أن يكون أحد أشد زندقة ممن يقول في القرآن وفي جميع الصحابة مثل هذا القول؟ وهل يجد أشد عدو مساغاً أهدم للقرآن وأهدم للدين من مثل هذا القول الذي يسنده أئمة الشيعة إلى أمير المؤمنين علي؟) (٢) .
والرواية السالفة تزعم سقوط أكثر من ثلث القرآن، وما تقدم من روايتهم في أن القرآن نزل سبعة عشر ألف آية يقتضي سقوط حوالي الثلثين، وهناك روايات لهم تصف هذا "المحذوف" - الذي يزعمونه - بأنه كثير. روى العياشي بإسناده عن أبي جعفر - يعنون محمد الباقر - أن القرآن قد طرح منه آي كثير ولم يزد فيه إلا حروف أخطأ بها الكتاب وتوهمها الرجال (٣) .
وتدعو "أساطيرهم" إلى إهمال حفظ القرآن لأنه محرف في زعمهم، ومن حفظه على تحريفه يصعب عليه حفظه إذا جاء به "منتظرهم" غير محرف. روى مفيدهم بإسناده إلى جابر الجعفي عن أبي جعفر أنه قال: (إذا قام قائم آل محمد صلى الله عليه وآله ضرب فساطيط ويعلم الناس القرآن على ما أنزل الله (فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم لأنه يخالف فيه التأليف) (٤) وهذه
стр. 193
الرواية تدعو إلى ترك القرآن وإهمال حفظه، وهي لمفيدهم الذي يقدسونه ويعظمونه، حتى زعموا أنه فوق مستوى البشر لأن إمامهم المنتظر خاطبه بالأخ السديد والمولى الرشيد.. (١) وهذه الرواية وردت في كتابه «الإرشاد» وهو من كتبهم المعتمدة حتى قال عالمهم المجلسي: (وكتاب الإرشاد أشهر من مؤلفه) (٢) .
وكذلك روى النعماني في «الغيبة» ما يشبه الرواية السالفة، روى بإسناده إلى أمير المؤمنين علي - برأه الله مما يفترون - قال: (كأني بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلمون الناس القرآن كما أُنزل، قلت: يا أمير المؤمنين، أو ليس هو كما أُنزل؟ فقال: لا، محي منه سبعون من قريش، بأسمائهم وأسماء آبائهم، وما ترك أبو لهب إلا إزراء على رسول الله صلى الله عليه وآله لأنه عمه) (٣) .
وهذه الدعوة إلى إهمال حفظ القرآن، كان لها آثارها في مجتمعات الشيعة، يقول الشيخ موسى جار الله (٤) ـ وقد عاش بين الشيعة فترة من الزمن ـ: (لم أر بين علماء الشيعة ولا بين أولاد الشيعة لا في العراق ولا في إيران من يحفظ القرآن ولا من يقيم القرآن بعض الإقامة بلسانه ولا من يعرف وجوه القرآن الأدائية، ما السبب في ذلك؟ هل هذا أثر من آثار عقيدة الشيعة في القرآن الكريم، إثر انتظار الشيعة مصحف علي الذي غاب بيد قائم آل محمد) (٥) .
стр. 194
وتلك "الدعاوى" حول وجود آيات محذوفة من القرآن لم تصل إلى (وجود مصحف شيعي متداول) واكتفوا بانتظار ظهوره مع إمامهم المنتظر، مع وجود تلك الآيات والسور المفتراة في كتبهم المتفرقة يخدعون بها الأغرار. وفي عام ٣٩٨هـ أخرج الشيعة مصحفاً قالوا إنه مصحف ابن مسعود، وهو يخالف المصاحف كلها فحكمت المحكمة الإسلامية التي تألفت من جمع من العلماء والقضاة برئاسة الشيخ أبو حامد الإسفراييني (١) ؛ حكمت بتحريفه، وتم ذلك (٢) .
وجاءت روايات في كتب الشيعة تأمرهم بالعمل بالمصحف الموجود ريثما يخرج قرآنهم مع إمامهم المنتظر. فيروي الكليني بإسناده إلى محمد بن سليمان عن بعض أصحابه عن أبي الحسن (قال: قلت له: جعلت فداك: إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأْثم؟ فقال: لا، اقرؤوا كما تعلمتم فسيجيئكم من يعلمكم (٣) . ويعنون بالذي سيأتي ليعلمهم مهديهم المنتظر (٤) .
قال عالمهم نعمة الله الجزائري: (قد روي في الأخبار أنهم ﵈ أمروا شيعتهم بقراءة هذا الموجود من القرآن في الصلاة وغيرها،
стр. 195
والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان، فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين فيقرأ ويعمل بأحكامه..) (١) .
٣- معتقدهم في هذه الروايات:
بعد ذكرنا لثبوت تلك الروايات عندهم وتواترها من طريقهم، تُرى هل جميع الروافض يقولون بهذه الروايات، ويعتقدون بها؟ يقول شيخهم المفيد (ت ٤١٣) - الذي يصفونه بركن الإسلام وآية الله الملك العلام - يقول:
(واتفقوا - أي الإمامية - على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنّة النبي ﷺ ، وأجمعت المعتزلة والخوارج، والزيدية، والمرجئة، وأصحاب الحديث على خلاف الإمامية) (٢) .
وهذا اعتراف من مفيدهم بأن هذه القولة الشنيعة مما شذت به طائفته. ولم يذكر مفيدهم وجود خلاف بين علمائهم في هذا المذهب! مع أن شيخه ابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق (ت ٣٨١) قد تظاهر بمخالفة هذا في رسالته في الاعتقادات وأنكر نسبة الاعتقاد بالتحريف إليهم (٣) وتبعه على ذلك المرتضي (٤) (ت ٤٣٦هـ) والطوسي (٥) (ت ٤٥٠هـ) - كما مر - وهما من
стр. 196
تلامذة المفيد، ورابعهم الطبرسي (١) - من القرن السادس -، لم يشر المفيد إلى خلاف شيخه القمي؟ هل تجاهل المفيد لذلك من قبيل اقتناعه بأن مخالفته بسبب التقية أم ماذا؟ ويعترف شيخ الشيعة النوري أن إجماع الشيعة قائم على هذا الإلحاد إلى أن جاء ابن بابويه القمي فخالف ذلك - يقول: (إن ابن بابويه القمي أول من أحدث هذا القول في الشيعة في عقائدهم) (٢) وتبعه الثلاثة الآخرون، ويذكر أنه لا يوجد في القرون المتقدمة من القرن الرابع إلى السادس خامس لهؤلاء أنكر التحريف، وإن جميع الشيعة في هاتيك القرون متسالمون على القول بالتحريف، ويؤكد أنه (لم يعرف الخلاف صريحاً إلا من هؤلاء الأربعة) (٣) ، ويرى عالمهم الشيعي "نعمة الله الجزائري" أن إنكار هؤلاء إنما هو من باب التقية، فيقول ـ بعد تأكيده أن أصحابه قد أطبقوا على صحة أخبار التحريف والتصديق بها - يقول: نعم قد خالف فيها المرتضي والصدوق والشيخ الطبرسي وحكموا بأن ما بين دفتي هذا المصحف هو القرآن المنزل لا غير ولم يقع فيه تحريف ولا تبديل.. والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة منها: سد باب الطعن عليها بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف لها؟.. وكيف وهؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخباراً كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن وأن الآية هكذا أُنزلت ثم غيرت إلى هذا (٤) ؟.
هذا ما يقوله عالمهم الجزائري، وقد يكون ما يقوله حقيقياً
стр. 197
بالنسبة لمعتقد أولئك المنكرين، أو لا يكون فالله هو المطلع على القلوب والنوايا، لكن يبقى أن هؤلاء الأربعة باستثناء الطبرسي في حدود علمي قد أثر عنهم ما يمس كتاب الله سبحانه ويطعن فيه، فابن بابويه القمي روى حديثاً في كتابه «الخصال» يطعن في كتاب الله، - كما مر - والطوسي أثر عنه ذلك في بعض كتبه - كما مر - والمرتضي نقل عنه صاحب فصل الخطاب أنه عدَّ في كتابه الشافي من مطاعن عثمان، ومن عظيم ما أقدم عليه؛ جمع الناس على قراءة زيد وإحراقه المصاحف وإبطاله ما شك أنه من القرآن. أما الطبرسي فلم يجد له صاحب فصل الخطاب إلا استدلاله بقراءة أبي وغيره (فما استمعتم به منهن إلى أجل مسمى) (١) في تفسيره (٢) ، وهذه قراءة واردة (٣) ، لكن صاحب فصل الخطاب يريد أن يجعل الجميع على مذهبه، وقد اغتر صاحب «الشيعة والسنة» (٤) بذلك واحتج على أن إنكار الطبرسي من قبيل التقية بإيراده هذه القراءة، والواقع أن هذا لا يدين الرجل.
ومن خلال قراءتي لكتاب فصل الخطاب تبين لي أن بعض الشيعة لم يعد يهضم هذا المعتقد، حتى إن أحد علماء الشيعة كفر كل من يعتقد هذا الاعتقاد - كما نقل ذلك صاحب فصل الخطاب نفسه - وغضب من ذلك ـ أي صاحب فصل الخطاب ـ وقال: إنه ليس لذلك دواء إلا كثرة المراجعة ودوام التتبع (٥) ، - أي لكتبهم - ولكن مع
стр. 198
ذلك يبقى أن هذا معتقد لكبار علمائهم الذين يعظمونهم ويثقون بمنقولاتهم، وأن مصادرهم المعتمدة حوت من هذا الباطل الشيء الكثير، وأنهم لا يقبلون السنّة لأنها جاءت عن طريق الصحابة، والقرآن العظيم وصلنا من طريق الصحابة أيضاً، وأنه لا يتصور أن يجتمع في عقل واحد صيانة القرآن وخيانة جامعيه - كما سيأتيه بيان موقفهم من الصحابة - لكن هذا الموقف من علماء الشيعة في رد ما ورد في كتبهم مما يمس كتاب الله - سبحانه - وإنكاره لا نقول إنه تقية، فلا سبيل إلى معرفة ذلك على وجه اليقين (١) .
وإن كان البعض من السنّة (٢) ، والشيعة (٣) قد ذهب إلى ذلك. لكن أقول بأن من يتبرأ من هذا الكفر (بعد إيمانه بالله ورسوله) نقبل ذلك منه والله يتولى السرائر..
وهذا الإنكار - إن كان بصدق - خطوة يجب أن تتلوها خطوات، وذلك بأن يعيدوا النظر في سائر ما شذوا به عن جماعة
стр. 199
المسلمين، وقد أشار شيخهم «المجلسي» - كما مر - إلى أنهم يجب أن يسلكوا هذا المسلك، إذ يترتب - في رأيه - على إنكار أخبار التحريف التي تواترت من طرقهم بالكذب والافتراء؛ يترتب على ذلك رفع الثقة والاعتماد عن سائر أخبارهم.. وهذا حق، فإن تواتر هذا الكذب في كتبهم من أكبر الأدلة على وضعها، وفشّو الكذب فيها.
٤- بداية هذا (الافتراء عند الشيعة) :
اعترفت كتب الشيعة أن ابن سبأ أول من أحدث القول بـ "الإمامة" (النص على إمامة علي) والقول بالرجعة، وغيرها - كما مر - ولكنها لم تشر إلى أنه قد صدر منه قول بأن الصحابة حرفوا القرآن. فمن هو ابن سبأ الآخر الذي وضع هذه الفرية؟، متى بدأ القول بهذا الافتراء بين الشيعة؟
لم أر من تعرض لهذا، والإجابة المحددة الجازمة ليست ميسرة، لكن نستطيع أن نقول إن بداية هذه الفرية مرتبطة ببدء احتجاج الشيعة على عقائدهم من الكتاب والسنّة. فالشيعة يرون - كما سيأتي - أن الإمامة من أصول الدين كالصلاة والزكاة أو أهم، ومن أنكر الإمامة كمن أنكر النبوة أو أشد.. ومع ذلك لا ذكر لإمامتهم وأئمتهم في كتاب الله وكذا سائر عقائدهم في الصحابة والرجعة والبداء، فلم يكن لهم بُدّ إذا أرادوا أن يقيموا مذهبهم إلا القول بهذه الفرية.
ولهذا رأينا أن هذه الفرية قد سجلت في أول كتاب ظهر للشيعة (١) - حسب تقديرهم لأسبقية كتبهم - وهو "كتاب
стр. 200
سليم بن قيس" والذي يروون عن أبي عبد الله أنه قال فيه: (من لم يكن عنده من شيعتنا ومحبينا كتاب سليم بن قيس الهلالي فليس عنده من أمرنا شيء ولا يعلم من أسبابنا شيئاً، وهو أبجد الشيعة وهو سر من أسرار آل محمد صلى الله عليه وآله) (١) ، وقال المجلسي: (وهو أصل من أصول الشيعة وأقدم كتاب صنف في الإسلام) (٢) ، ثم أورد المجلسي أربع روايات لهم تفيد أن علي بن الحسين - برأه الله مما يفترون - قُرأ عليه الكتاب وقال صدق سليم (٣) .
(والكليني يعتمد عليه، وأخرج له في عدة أبواب كباب ما جاء في الإثني عشر، وباب دعائم الكفر وغيرها) وكذا الشيخ الصدوق وغيرهما (٤) . وهو أيضاً موضع ثناء المعاصرين (٥) . وهذا الكتاب الذي خلعوا عليه هذا الثناء والتوثيق لم يصلهم إلا عن طريق رجل واحد فقط، يقول ابن النديم: (كتاب سليم بن قيس رواه عنه أبان بن أبي عياش لم يروه غيره) (٦) .
والكتاب طرقه مضطربة ولكنهم يقولون: (ما يترائى من
стр. 201
الاضطراب في الطريق غير قادح وهو واقع في أكثر طرق كتب أصحابنا) (١) . و"سليم بن قيس" الذي ينسبون إليه الكتاب لم أجد له ذكراً في المراجع التي رجعت إليها (٢) إلا في المراجع الشيعية، مع أنهم يزعمون أنه مصنِّف أول كتاب في الإسلام، وأنه أدرك علياً والحسن والحسين وعلي بن الحسين والباقر وتوفي أيام علي بن الحسين مستتراً عن الحجاج أيام ولايته (ت ٩٠هـ) (٣) ، وهذا لو كان حقاً لكان هذا الرجل شيئاً مذكوراً ولكننا لم نجد له ذكراً.
أما أبان بن أبي عياش الذي روى عنه الكتاب فهو عند محدثي السنة (متروك) (٤) .
وأما نصوص الكتاب فهي تضعه في المقام الأول من كتب الباطنيين التي تحارب الإسلام والمسلمين، فهي تطعن في كتاب الله وتزعم أن عليّاً ألف القرآن كما أُنزل وأنَّ أبا بكر وعمر رداه وقالا: لا حاجة لنا فيه، وأنهما حرفا القرآن (٥) .
стр. 202
وتصف عليّاً بأوصاف الإله (يا أول، يا آخر، يا ظاهر، يا باطن، يا من هو بكل شيء عليم) وتقول إن هذا الوصف صدر من الشمس لعلي وإنه سمعه أبو بكر وعمر والمهاجرون والأنصار (فصعقوا ثم أفاقوا بعد ساعات) (١) إلى أمثال هذه النصوص الباطنية.
وكل أمارات الكذب في سنده ومتنه لم تحد من مبالغات الشيعة في مدح الكتاب وتوثيقه، ولكن بعض علماء الشيعة رابهم شيء في الكتاب فرأوا من الواجب كشف حقيقته قبل أن يقوض أساس التشيع نفسه، ولا يظن القارئ أن هذا الأمر الذي رابهم هو الطعن في القرآن أوتأليه علي أو غير ذلك من المطاعن في الإسلام نفسه، إنما الأمر الذي أُشكل عليهم في الكتاب هو أنه جعل الأئمة ثلاثة عشر وأنه تضمن نصّاً يكشف وضعه لمخالفته لحقائق التاريخ؛ وهو النص القائل أن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت لأنه غصب الإمامة من علي، مع أن محمد بن أبي بكر ولد في سنة حجة الوداع فكيف يعظ أباه وعمره ثلاث سنوات (٢) .
فاختلف علماء الشيعة فمن قائل: (والوجه عندي الحكم بتعديل المشار إليه، والتوقف في الفاسد من كتابه) (٣) ومن قائل: إن الكتاب موضوع (٤) وضعه أبان بن أبي عياش (٥) ، ومنهم من قام بتعديل
стр. 203
الكتاب ليتلاءم والمنطق الشيعي، وأشار الخوانساري إلى التغير في الكتاب فقال: (إن ما وصل إلينا من نسخ الكتاب هو أن عبد الله بن عمرو وعظ أباه عند الموت) (١) .
وحكم بعض المعاصرين من شيوخهم أنه موضوع في آخر الدولة الأُموية لغرض صحيح (٢) - كذا -.
هذه الوقفة عند كتاب سليم بن قيس أرى أنها ضرورية لمحاولة اكتشاف الأيدي السبئية، فالآراء التي نقلت منسوبة لابن سبأ في كتب الشيعة لم تذكر أن من آراء ابن سبأ فرية القول بأن الصحابة حرفوا القرآن، لم يتجرأ ابن سبأ على إشاعة هذه الفرية ـ وإن كانت بعض "الوثائق" من كتب السنّة حملت إلينا أن من آرائه زعمه بأن (القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي) (٣) ـ لكنه لم يقل أن الصحابة حرفوا القرآن، لأنها وسيلة سريعة لانكشافه، فعدل عنها إلى القول بأن هذا القرآن جزء من تسعة أجزاء، وكذلك ورد في رسالة الحسن بن محمد بن الحنفية (٤) (ت ٩٥هـ) قوله: (ومن خصومة هذه السبئية التي أدركنا يقولوا - كذا -: هدينا لوحي ضل عنه الناس وعلم خفي، ويزعمون أن نبي الله كتم تسعة أعشار القرآن، ولو كان
стр. 204
نبي الله كاتماً شيئاً مما أنزل الله لكتم شأن امرأة زيد (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه.. الآية) (١) .
فعقيدة الشيعة في أن الصحابة حرفوا القرآن لم ترد ضمن آراء ابن سبأ وجاءت فيما بعد في أول كتاب ألفه الشيعة، وكشف عالمهم ابن الغضائري أن الكتاب "موضوع" واتهم في وضعه أبان بن أبي عياش وكادت هذه الروايات أن تموت بهذا الحكم، لكن جاء بعد كتاب سليم من تلقف هذه الأساطير وزاد عليها وهو الكليني في كتابه الكافي، ويعتبر الكليني وشيخه علي ابن إبراهيم القمي ممن أرسوا دعائم هذه العقيدة الباطلة.
ولا يزال كتاب الكليني «الكافي» وتفسير شيخه القمي من مصادر الشيعة المعتمدة إلى اليوم.
وفشت هذه الروايات في كتب الشيعة - كما مر-.
(ب) انحرافهم في تأويل القرآن:
تضمنت كتب التفسير عند الشيعة - تلك التي يزعمون تلقيها عن آل البيت - تضمنت تأويلات باطنية لآيات القرآن لا تتصل بمدلولات الألفاظ، ولا بمفهومها ولا بالسياق القرآني. ومن العجيب أن تسند هذه "الأكاذيب" الفاضحة إلى آل البيت ويسند معظمها إلى جعفر الصادق!! وهي في حقيقة الأمر طعن مبطن في الآل، كما أنها إلحاد في آيات الله وصد عن سبيله.. ولكنهم أسندوها لآل البيت حتى ينخدع "الأغرار" بها.
стр. 205
وهذه التأويلات مدونة في تفاسيرهم المعتبرة عندهم كتفسير القمي وتفسير العياشي، وتفسير البرهان، وتفسير الصافي، كما أن كتبهم المعتمدة في الحديث قد أخذت من تلكم التأويلات بقسط وافر، وعلى رأسها: أصول الكافي للكليني، والبحار للمجلسي وغيرهما.
ويرى بعض الباحثين (١) أن أول كتاب وضع الأساس الشيعي في التفسير هو تفسير القرآن الذي وضعه في القرن الثاني للهجرة جابر الجعفي (٢) (ت ١٢٨) ، فكان هذا نواة لتفسير شيعي سرعان ما اتسع وأغرق في باطنيته..
وفيما يلي أمثلة وشواهد لهذه التأويلات، وقد يكون فيها بعض الإطالة، ولكن الغرض من ذلك أن نتبين هل هذه التأويلات تمثل ظاهرة عامة، وقاعدة مطردة في كتبهم الأصيلة، أم هي روايات شاذة وضعيفة ومندسة في كتبهم، ولا تمثل المسار العام والاتجاه الأساسي في التفسير الشيعي؟، وهذه المعرفة لا تتأتى إلا بأن نمد النفس في العرض، وأن نحتاط أيضاً في نقلنا من كتبهم؛ بحيث لا نأخذ إلا من مصادرهم المعتبرة عندهم، فلنبدأ "رحلتنا" مع تأويلاتهم لآيات القرآن:
стр. 206
أولاً: نجد في مصادرهم الأصيلة والمعتبرة في الحديث والتفسير وغيرهما آيات كثيرة تُفسر بـ "الإمامة" وبـ "الولاية" وبالأئمة، ومن ذلك:
(أ) ما ورد في كتاب الله من آيات تتحدث عن القرآن يفسرونها بالأئمة، فقوله سبحانه: (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا ... الآية ((١) يقولون: (النور نور الأئمة) (٢) ، وفي رواية أخرى عندهم تقول: «النور الأئمة» (٣) ، وقوله سبحانه: (واتبعوا النور الذي أُنزل معه.. ((٤) يقولون: النور: علي والأئمة ﵈ (٥) .
والملاحظ أن الدلالة واضحة وجلية على أن المراد بالنور في الآيتين هو القرآن، ولكن نلمس هذا الشطط البالغ في التأويل، ومع ذلك يسند هذا التأويل الذي لا تربطه بالآية أدنى رابطة إلى آل البيت كعلي والحسن أو الحسين أو الباقر أو الصادق، وهم أهل العلم واللغة والعقل والدين!!
وبناءً على هذا التأويل الذي أعطوه للآية نفهم أن الأئمة أنزلوا من السماء إنزالاً!!
وتمضي تأويلاتهم للآيات التي تتحدث عن القرآن ولو كانت الآية في غاية الدلالة على أن المقصود القرآن، فيروون عن أبي جعفر
стр. 207
(محمد الباقر) ﵀ وبرأه الله مما يفتري المفترون - في قول الله: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ ... الآية) (١) . قالوا (بدل مكان علي أبو بكر وعمر واتبعناه) (٢) (كذا) ، وعن أبي السفاتج عن أبي عبد الله (في قوله: (ائت بقرآن غير هذا أو بدله (يعني أمير المؤمنين (٣) .
ويفسرون قوله سبحانه (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم..) (٤) بقولهم "يهدي إلى الإمام" (٥) ، وفي رواية يهدي إلى الولاية (٦) .
(ب) ويفسرون ما ورد في الآيات من لفظ النور ونحوه بالأئمة من غير أي مرتكز من المرتكزات التي تقوم عليها الدلالة، تلك المرتكزات المعروفة في (علم الدلالة) عند علماء اللغة.
فيروي الكليني عن محمد بن فضيل عن أبي الحسن (قال: سألته عن قول الله ﵎: (يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم..) (٧) قال: يريدون ليطفؤا ولاية أمير المؤمنين (بأفواههم، قلت: قوله تعالى: (والله متم نوره) ، قال: يقول: والله متمّ
стр. 208
الإمامة، والإمامة هي النور وذلك قول الله (: (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا.. ((١)(٢) قال: النور هو الإمام.
ويروي الكليني أيضاً عن أبي عبد الله (جعفر الصادق) (في قوله تعالى: (الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة..) (٣) فاطمة ﵍ (فيها مصباح) الحسن (المصباح في زجاجة) الحسين (الزجاجة كأنها كوكب دري) فاطمة كوكب دري بين نساء أهل الدنيا (يوقد من شجرة مباركة) إبراهيم ﵇ (لا شرقية ولا غربية) لا يهودية ولا نصرانية (يكاد زيتها يضيء) يكاد العلم ينفجر بها (ولو لم تمسسه نار نور على نور) إمام منها بعد إمام (يهدي الله لنوره من يشاء) يهدي الله للأئمة من يشاء (ويضرب الله الأمثال للناس ... ) ( ... ومن لم يجعل الله له نوراً) (٤) إماماً من ولد فاطمة ﵍ (فما له من نور) (٥) إمام يوم القيامة (٦) .
(ج) وكما أوّلوا ما جاء عن القرآن والنور بالإمامة، يؤولون ما جاء في كتاب الله من النهي عن الشرك والكفر، يؤولونه بالشرك في ولاية علي، أو الكفر بولاية علي، ويؤولون ما جاء في عبادة الله
стр. 209
وحده واجتناب الطاغوت بولاية الأئمة والبراءة من أعدائهم ومن ذلك:
١- عن أبي جعفر ﵇: ما بعث الله نبيّاً قط إلا بولايتنا والبراءة من عدونا وذلك قول الله في كتابه: (ولقد بعثنا في كل أُمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت.. ((١)(٢) .
٢- وعن أبي عبد الله في قوله تعالى (.. لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد..) (٣) قال: يعني بذلك لا تتخذوا إمامين إنما هو إمام واحد (٤) .
٣- وعن الباقر في قوله سبحانه: (.. لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) (٥) ، قال: لئن أمرت بولاية أحد مع ولاية علي ﵁ ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (٦) .
٤- وعن أبي عبد الله في قوله سبحانه: (.. فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) (٧) قال: العمل الصالح المعرفة بالأئمة (ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) التسليم لعلي لا يشرك معه في
стр. 210
الخلافة من ليس ذلك له ولا هو من أهله (١) ، وفي رواية أُخرى لهم عن أبي عبد الله (في قوله: (ولا يشرك بعبادة ربه أحداً (قال: لا يتخذ مع ولاية آل محمد صلوات الله عليهم غيرهم (٢) .
٥- عن جابر الجعفي عن أبي جعفر في قوله سبحانه: (.. ولا تكونوا أول كافر به.. ((٣) قال: يعني عليّاً (٤) .
٦- وعن جابر الجعفي قال: سألت أبا عبد الله (عن قول الله: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله.. ((٥) .
قال فقال: هم أولياء فلان، وفلان، وفلان - يعنون أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ اتخذوهم أئمة من دون الإمام (٦) .
٧- وعن أبي عبد الله في قوله سبحانه: (.. إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله.. ((٧) قال: يعني أئمة دون أئمة الحق (٨) .
стр. 211
٨- وعن جابر الجعفي عن أبي جعفر (قال: أما قوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) (١) يعني أنه لا يغفر لمن يكفر بولاية علي، وأما قوله: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء..) (٢) يعني لمن والى عليّاً) (٣) ، والروايات في هذا الباب كثيرة، وهي محاولة لهدم الأصل الأول في الإسلام وهو التوحيد، وإعطاء الشرك صفة الشرعية.. ومحاولة خطيرة لتفسير التوحيد والشرك والكفر بغير معانيها الحقيقية.
(د) ويؤولون بعض الآيات الواردة في الصلاة بالأئمة والإمامة:
١- عن زرارة عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله (في قوله: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) (٤) ، قال: الصلاة: رسول الله، وأمير المؤمنين، والحسن والحسين والوسطى: أمير المؤمنين، (وقوموا لله قانتين) طائعين للأئمة (٥) .
٢- وعن أبي جعفر في قوله سبحانه: (.. ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها..) (٦) . قال: تفسيرها: ولا تجهر بولاية علي ولا بما أكرمته بها حتى آمرك بذلك (ولا تخافت بها) يعني
стр. 212
ولا تكتمها عليّاً وأعلم ما كرمته به (١) - كذا -
وفي رواية لهم عن أبي جعفر في تفسير الآية بمثل ما مضى وزاد: فأما قوله: (وابتغ بين ذلك سبيلاً (يقول: تسألني أن آذن لك أن تجهر بأمر علي بولايته فأذن له بإظهار ذلك يوم غدير خم.. (٢) .
٣- وعن أبي عبد الله في قوله سبحانه: (.. وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد..) (٣) ، قال: يعني الأئمة (٤) .
هذه بعض تأويلاتهم لآيات الصلاة، وقد مضى تأويلهم لعموم الأعمال الصالحة بالإمامة وذلك في قوله سبحانه: (فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً (حيث قالوا: العمل الصالح المعرفة بالأئمة، وهذا التعميم في تأويل الأعمال الصالحة يغني عن التمثيل لسائرها من مثل قولهم في تأويل بعض آيات الحج وهو قوله سبحانه: (ثم ليقضوا تفثهم.. ((٥) قال: التفث: لقاء الإمام (٦) ، وغيرها مما لا يتسع المقام
стр. 213
لاستيعابها، حتى إن المجلسي عقد باباً في البحار بعنوان: (باب أنهم الصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الطاعات وأعداؤهم الفواحش والمعاصي في بطن القرآن) (١) .
(هـ) تأويلهم لما ورد في كتاب الله عن المؤمنين، وولاة الأمر، وأهل الذكر، وآيات الله الكونية، ومخلوقاته، وآلائه ونعمه، وغيرها، تأويلهم لذلك بالأئمة الإثني عشر ومن ذلك:
١ - ما ورد في المؤمنين من أوصاف يقصرونها على الأئمة فيقولون:
(أ) عن ابن أذينه عن بريد بن معاوية العجلي قال: سألت أبا جعفر عن قول الله: ((..اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ((٢) قال: إيانا عني، وعن أبي الحسن الرضا قال: سألته عن قول الله ((.. اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (قال الصادقون الأئمة والصديقون بطاعتهم (٣) .
(ب) عن أبي ولاد قال: سألت أبا عبد الله (عن قول الله (: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ((٤) قال هم الأئمة ﵈ (٥) .
стр. 214
(ج) عن سالم قال: سألت أبا جعفر (عن قول الله (: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله.. ((١) قال: السابق بالخيرات الإمام، والمقتصد العارف للإمام، والظالم لنفسه الذي لا يعرف الإمام (٢) ، وغير ذلك كثير.
٢ - والأئمة هم أهل الذكر، والراسخون في العلم، والذين أوتوا العلم:
(أ) عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر في قول الله: (( ... فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ((٣) قال: قال رسول الله ﷺ : الذكر أنا والأئمة أهل الذكر، وقوله (: (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون ((٤) قال أبو جعفر: (نحن قومه ونحن المسؤولون (٥) .
(ب) عن أبي عبد الله ﵇ في قوله تعالى: (.. وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم.. ((٦) قال: نحن
стр. 215
الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله - وعنه - الراسخون في العلم أمير المؤمنين والأئمة من بعده (١) .
(ج) وعن هارون بن حمزة عن أبي عبد الله (قال: سمعته يقول: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم.. ((٢) قال: هم الأئمة ﵈ خاصة (٣) . وساق الكليني أربع روايات أخر في تفسير الآية بنحو التأويل السابق (٤) .
٣ - والأئمة وشيعتهم الذين يعلمون وأولو الألباب.
عن جابر (الجعفي) عن أبي جعفر (في قول الله : (.. هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب) (٥) قال أبو جعفر (: (إنما نحن الذين يعلمون والذين لا يعلمون عدونا. وشيعتنا أولو الألباب) (٦) .
ويورد الكليني رواية أخرى مثل هذه الرواية، ويأخذ من هاتين الروايتين قاعدة على أن من وصفه الله تعالى في كتابه بالعلم هم