← Акыда

Акыда · id 12763

مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

ناصر القفاري

Полный текст (699 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وهو نشر الروافض بين المسلمين، وإلا فلم يخص أهل السنّة وبلاد السنّة بذلك مع أن الروافض هم الذين يتحملون كبر الفرقة؟، ذلك أن أهل السنّة خاصتهم وعامتهم في مشارق الأرض ومغاربها يجلون علي بن أبي طالب (وأهل بيت الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين إجلالاً لا مزيد عليه، ويحبونهم حباً يرضاه الله ورسوله وأهل البيت، ولكن الشيعة هم الذين ينالون من صحابة رسول الله ﷺ ولا سيما صديق الأمة، وفاروقها. فأحرى بدعوى التقريب أن تقام في ديارهم وأجدر بأن تتوجه الجهود المقرّبة إليهم، فأهل السنّة، يحتاجون إلى تقريب. ٣- أليس من الأصول أن يقوم هؤلاء العلماء من السنّة (من أعضاء الجماعة) بدراسة مذهب الشيعة من خلال كتبها الأصيلة ليتعرفوا على مدى إمكانية التقريب، وعلى أي وجه يكون التقريب (إذا أمكن) بدل أن يكونوا ضحية تقية الشيعة وخداعهم؟. ٤- في كل دعوة للتقارب لا بد من البدء بالأصول قبل الفروع، ومن الغفلة أن يبدأ بدراسة الخلافات الفقهية بين السنّة والشيعة. والشيعة تشذ عن الأمة بكتبها في الحديث ورجالها، وأصولها، في مدلول القرآن ومفهوم السنّة، وفي حجية الإجماع. فأين الأصل الواحد الذي تناقش على ضوئه الخلافات الفقهية؟. ٥- فتوى شلتوت التي تعتبرها جماعة التقريب ثمرة التقريب وقطفه الشهي هل كانت مبنية على دراسة لمذهب الشيعة أم

стр. 562

مبنية على تصديق شلتوت لدعاوى القمي وغيره بأنه لا خلاف بين السنّة والشيعة؟. الذي أرجحه بناء على ما سمعته من بعض معاصري شلتوت ومجالسيه هو الثاني، ومما يؤكد جهل الشيخ شلتوت بالشيعة أنه يرى أن السبيل الوحيد إلى إعادة الصف الإسلامي إلى وحدته وقوته أن لا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، وأن نطرح وراء ظهورنا تلكم التأويلات البعيدة للنصوص الشرعية من كتاب وسنّة صحيحة، وأن نفهمها كما فهمها المعاصرون للتنزيل وأن نجعل أهواءنا تبعاً لديننا ولا نجعل ديننا تبعاً لأهوائنا، وأن نحارب احتكار فرد أو أفراد تعاليم الدين، فما كان الإسلام دين أسرار وأحاج لا يعرفها إلا طائفة خاصة تطلع عليها من تشاء وتمنعها عمن تشاء، فما انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى حتى بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وطلب من أصحابه وأتباعه أن يبلغوا ما علموه ... (١) . فشلتوت بهذا القول كأنه يحكم على الشيعة ـ التي أفتى - جهلاً منه - بجواز التعبد على مذهبها ـ يحكم عليها بأنها لم تسلك سبيل التقريب، لأن الشيعة على خلاف تام لهذه الأركان التي وضعها للتقريب، فاتخاذهم للأئمة أرباباً من دون الله منتشر عندهم وفي كتبهم، وهم أهل التأويلات البعيدة للنصوص الشرعية، ويرون أنه من الكيد للإسلام أن نفهم هذه النصوص كما فهمها المعاصرون للتنزيل من الصحابة، وهم بمزاعمهم في أئمتهم ودعاويهم في مجتهديهم يمثلون في الإسلام ذلك الاحتكار للدين

стр. 563

الذي يعنيه شلتوت، وهم يقولون بأن في دين الله أسراراً وأحاجي لا يعلمها إلا طائفة خاصة ـ بزعمهم هم أهل البيت لأن الرسول ﷺ كتم قسماً من الشريعة وأودعه إياهم وهم وحدهم عندهم الجفر، والجامعة، ومصحف فاطمة، وعلم ما كان، وما يكون.. إلخ ـ، ولمجتهديهم اتصال بالمنتظر الذي انتهت إليه هذه العلوم بزعمهم.. إلخ. كما شرحنا ذلك بالشواهد والأرقام. فكأن شلتوت بهذا القول ينقض فتواه بنفسه. ومن المفارقات أن أحد شيوخ الشيعة الذين ينادون بالوحدة الإسلامية سئل عن جواز التعبد بالمذاهب الأربعة فأفتى بالمنع من ذلك (١) . ٦- وعلى الرغم من قيام الشيعة بتأسيس دار التقريب ومجلتها وجماعتها واستجابة بعض علماء الأزهر لفكرتهم لم نر لهذه الدعوة لهذا التقارب أي أثر بين علماء الشيعة في العراق وإيران وغيرهما، فلا يزال القوم مصرين على ما في كتبهم من ذلك الطعن الجارح والتصوير الكاذب لما كان بين الصحابة من خلاف، ولا تزال مطابع الروافض تقذف سنوياً بعشرات الكتب التي تحمل اللعن والتكفير والتخليد بالنار لخير القرون. وقد بعث أحد القراء المؤمنين بفكرة التقريب برسالة إلى شلتوت بعد إصداره لفتواه يذكر له ما ينشر في بلاد الشيعة من كتب لا تتفق ودعوة التقريب ويدعوهم لأن يجدوا لذلك

стр. 564

حلاً (١) ، فأجابه شلتوت: (يمكنكم أن ترجعوا إلى مجلة «رسالة الإسلام» لتروا فيها ما يشفي الغلة ويطمئن القلوب إن شاء الله تعالى) (٢) . وهو جواب يشبه فتواه في الشذوذ والغرابة. ٧- جاء في القانون الأساسي لجماعة التقريب في المادة الثانية ما يلي: "أغراض الجماعة هي": العمل على جمع كلمة أرباب المذاهب الإسلامية "الطوائف الإسلامية" الذين باعدت بينهم آراء لا تمس العقائد التي يجب الإيمان بها (٣) . وفي هذا القانون الذي قامت عليه الجماعة عدة أخطاء - في نظري -:

стр. 565

أولاً: أنها فسرت المذاهب الإسلامية بالطوائف الإسلامية، ولا شك أن مصطلح "الطوائف" إنما يطلق على مثل المعتزلة والخوارج والشيعة، فهل دار التقريب تعتبر المذاهب الأربعة طوائف، فتكون قد قامت على قانون يفرق بين المسلمين ولا يقربهم؟. فلا شك أن هذا التفسير يخرج المذاهب الأربعة؛ لأنها ليست بطوائف. لكن دار التقريب أشاعت هذا المفهوم الخاطئ وهو اعتبار المذاهب طوائف. كما قالت: المذاهب أو الطوائف الستة - تعني المذاهب الأربعة، وطائفة الزيدية والشيعة - وفي هذا مغالطة تكمن في اعتبار تعدد المذاهب الفقهية لدى أهل السنّة هو من قبيل تعدد الفرق والطوائف، والحق أن يقال مذهب أهل السنّة ومذهب الشيعة. ثانياً: ثم هل مذاهب أهل السنة - المتوارثة عن أئمة الهدى المعروفين ﵏ هل تحتاج إلى من يقرب بينها مثلها في ذلك - على حسب صنيع دار التقريب - مثل مذهب الشيعة مع غيره؟. لا شك أن في هذه التسوية خطأ، والسعي في التقريب بين المذاهب الأربعة سعي في تحصيل الحاصل بالنظر إلى أن أئمة تلك المذاهب أسرة واحدة في خدمة الدين، والرجوع إلى الكتاب والسنّة، والاحتجاج بالإجماع والقياس حتى نضج الفقه الإسلامي على أيديهم. ثالثاً: وقول "قانون الجماعة" أنه أوقع التباعد بين هذه الطوائف آراء لا تمس العقائد: مخالف للواقع؛ إذ كيف يقال هذا والرافضة تكفر من أنكر إمامة أئمتهم الاثني عشر؟، ومعنى هذا أن أهل السنّة في اعتقاد الرافضة مخالفون لهم في أصل الاعتقاد، ثم هل مواقف الشيعة من كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ -

стр. 566

والإجماع والصحابة إلخ، هل هذه قضايا لا تمس العقائد؟ فهذا القول وهو أنه لا خلاف بين السنّة والشيعة في آراء لا تمس العقائد ـ إنما - كما يرى الشيخ رشيد رضا - يضر أهل السنّة فقط (١) ، لأن ذلك معناه أن أهل السنّة موافقون للشيعة في شذوذهم الذي يهدم الدين والعقيدة ولا يعتبرون ذلك الشذوذ ماسّاً بالعقيدة. ونكتفي بهذا القدر من التقويم. ومن أراد المزيد ففي «مجلة الفتح» (٢) ، و «مجلة الأزهر» (٣) ، وكتاب «الخطوط العريضة» للشيخ محب الدين الخطيب (٤) ، وما كتبه الشيخ محمود الملاح (٥) ما يفيد المستزيد. (ب) محاولات فردية: ١- من أهل السنة: فكرة التقريب تعلق بها كثير من العلماء والكتّاب والمفكرين من المنتمين لأهل السنّة وتحدثوا عن ضرورتها، ولا سيما في هذا

стр. 567

الظرف العصيب من حياة الأمة. (أ) ويبدو أن الشيخ محمد عبده (١) كان من أوائل من نادى بهذه الفكرة وقد يكون استقاها من أستاذه الرافضي "جمال الدين الأفغاني" (٢) ، ولكن مفهوم التقريب عند الشيخ محمد عبده يختلف

стр. 568

عما يراه شيخه، فيذكر الشيخ رشيد رضا أن محمد عبده كان يرى طائفة الشيعة من أحوج الفرق إلى التقريب إلى الحق لأنه كان يحكم عليها ـ كما يقول رشيد ـ بحكم أشد من حكم شيخ الإسلام ابن تيمية عليهم، ولم يفصح رشيد عن ذلك الحكم لأن (محمد عبده) استكتمه إياه (١) ، لكننا لا نجد للشيخ محمد عبده في موضوع التقريب أكثر من هذه الأُمنية والحكم. (ب) ونجد تلميذه الشيخ: محمد رشيد رضا (٢) يذهب شوطاً بعيداً في ذلك. ولعل كتابه «السنّة والشيعة» ، أو «الوهابية والرافضة» ، ومجلته المنار هما خير مصدر يصور لنا جهاد الرجل في هذا السبيل. ويذكر رشيد رضا أنه متأثر في نشاطه هذا بأستاذه جمال الدين الأفغاني (٣) .

стр. 569

ويبين رأيه في كيفية الاتفاق بقوله: (وأما رأيي في الاتفاق فهو قاعدة المنار الذهبية.. وهي أن نتعاون على ما نتفق عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما نختلف فيه (١)) . ويتحدث رشيد عن مساعيه في سبيل التأليف هذا فيقول: (إنني جاهدت في سبيله أكثر من ثلث قرن) (٢) ، ويقول: (إنني تكلمت مع كثير من الفريقين في مصر وسورية والهند والعراق..) (٣) ، ثم يتحدث عن عدة أعمال ومساعٍ بذلها في هذا السبيل (٤) . ولكنه يذكر أن هناك عقبة كبيرة ظهرت له نتيجة اختبار طويل فيقول: (وقد ظهر لي باختباري الطويل وبما اطلعت عليه من اختبار العقلاء وأهل الرأي أن أكثر علماء الشيعة يأبون هذا الاتفاق أشد الإباء، إذ يعتقدون أنه ينافي منافعهم الشخصية من مال وجاه) (٥) . ويذكر أن بعض محاولاته كادت أن تفلح ولكن لما تنبه لهذا بعض علماء الشيعة بدأوا بالهجوم على المنار وصاحبه لإفساد المحاولة وإبطالها، كما قام أشهر علمائهم على رشيد واتهمه بالتعصب والتفريق لأنهم - كما يقول - يكرهون الاتفاق (٦) . كما يتحدث رشيد عن التيار المضاد للتقريب والذي نشط في هذا العصر على يد بعض علماء الشيعة الذين قاموا بتأليف الكتب والرسائل

стр. 570

في الطعن في السنّة السنية، والخلفاء الراشدين الذين فتحوا الأمصار ونشروا الإسلام في الأقطار.. وتم بهم وعد الله ((ليظهره على الدين كله (، والطعن في حفاظ السنّة وأئمتها وفي الأمة العربية بجملتها، ويذكر أن الذي بدأ هذا الشقاق وتولى كبره هو شيخهم "محسن الأمين العاملي" الذي كان يتظاهر في أول الأمر بالاعتدال تقية وخداعاً، ثم كشف عن صفحته بما كتبه عن "الوهابية" في كتابه البذيء الجاهلي "كشف الارتياب"، وقام على أثره من علماء شيعة العراق من ألف في الطعن في الصحابة من كبار المهاجرين والأنصار، وفي أئمة حفاظ السنّة كالبخاري ومسلم وكذا الإمام أحمد وغيرهم من أئمة العلم والدين، لا لشيء إلا لعدم موافقتهم لجهلة الروافض على ما يقترفونه من الغلو في مناقب آل البيت.. (١) . ولهذا لم يجد رشيد رضا بدّاً من الرد على مفترياتهم وقال بأنه لم يهاجم الشيعة، وإنما رد بعض عدوانهم، لأن هذا الطعن الموجه للصحابة وأئمة السنّة وحفاظها لا يفيد منه إلا العدو (٢) . (ج) مصطفى السباعي (٣) : هو من دعاة التقارب والمهتمين بمسألة التقريب، وقد بذل عدة مساعٍ مع بعض علماء الشيعة لتحقيق هذا الأمر، وسعى لعقد مؤتمر إسلامي لدراسة السبل الكفيلة لإرساء دعائم الألفة والمودة والتقارب

стр. 571

بين الفريقين. وبدأ تطبيق بعض ما يراه من وسائل التقريب بنفسه؛ فأخذ يعرض فقه الشيعة في مؤلفاته ودروسه في كلية الشريعة بجامعة دمشق. وكان يرى من أكبر العوامل في التقريب أن يزور علماء الفريقين بعضهم بعضاً، وأن تصدر الكتب والمؤلفات التي تدعو إلى التقارب (١) ، كما يرى عدم إصدار الكتب التي تثير ثائرة أحد الطرفين (٢) . وقام مصطفى السباعي بزيارة أحد مراجع الشيعة الكبار - ومن يعتبر عندهم من أكبر دعاة الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب والدعوة إلى توحيد الصف وجمع الكلمة (٣) - وهو شيخهم عبد الحسين شرف الدين الموسوي، فألفاه متحمساً لهذه الفكرة ومؤمناً بها، واتفق معه على عقد مؤتمر إسلامي بين علماء السنّة والشيعة لهذا الغرض، كما قام السباعي بزيارة وجوه الشيعة من

стр. 572

سياسيين وتجار وأدباء للغرض نفسه. وخرج من هذه الاتصالات فرحاً جذلاً لحصوله على تلك النتائج (١) . وما كان يخطر ببال السباعي ﵀ أو يدور بخلده ما تنطوي عليه النفوس القوم من أهداف، وما يرمون إليه من وراء دعوة التقريب من خطط، حتى فوجئ السباعي - كما يقول - بعد فترة بأن هذا الموسوي المتحمس للتقريب قام بإصدار كتاب "في أبي هريرة" مليء بالسباب والشتائم، بل انتهى فيه إلى القول (بأن أبا هريرة (كان منافقاً كافراً وأن الرسول قد أخبر عنه بأنه من أهل النار) (٢) . ثم يقول السباعي: (لقد عجبت من موقف عبد الحسين في كلامه وفي كتابه معاً، ذلك الموقف الذي لا يدل على رغبة صادقة في التقارب ونسيان الماضي) (٣) . ويذكر السباعي أن غاية ما قدم شيوخ الشيعة تجاه فكرة التقريب هي جملة من المجاملة في الندوات والمجالس مع استمرار كثير منهم في سب الصحابة وإساءة الظن بهم، واعتقاد كل ما يروى في كتب أسلافهم من تلك الروايات والأخبار (٤) . ويذكر أنهم وهم ينادون بالتقريب لا يوجد لروح التقريب أثر لدى علماء الشيعة في العراق وإيران، فلا يزال القوم مصرين على ما في كتبهم من ذلك الطعن الجارح والتصوير المكذوب لما كان بين الصحابة من خلاف، كأن المقصود من دعوة التقريب هي تقريب أهل السنّة إلى مذهب الشيعة (٥) .

стр. 573

ويذكر السباعي: أن كل بحث علمي في تاريخ السنّة أو المذاهب الإسلامية لا يتفق مع وجهة نظر الشيعة يقيم بعض علمائهم النكير على من يبحث في ذلك، ويتسترون وراء التقريب ويتهمون صاحب هذا البحث بأنه متعصب معرقل لجهود المصلحين في التقريب. ولكن كتاباً ككتاب "عبد الحسين شرف الدين" في الطعن بأكبر صحابي موثوق في روايته للأحاديث في نظر أهل السنّة ـ لا يراه أولئك العائبون أو الغاضبون عملاً معرقلاً لجهود الساعين إلى التقريب. ويقول: ولست أحصر المثال بكتاب «أبي هريرة» المذكور، فهنالك كتب تطبع في العراق وفي إيران وفيها من التشنيع على جمهور الصحابة ما لا يحتمل سماعه إنسان ذو وجدان وضمير المواد المستنفدة للأوزونا يؤجج نيران التفرقة من جديد (١) . هذه تجربة الشيخ السباعي ﵀ ومحاولته أفلست أمام تعصب شيوخ الشيعة وإصرارهم في عدوانهم على خير جيل وجد في خير القرون. وأصبح التقريب في مفهوم الشيعة: أن يتاح لهم المجال لنشر عقائدهم في ديار السنّة، وأن يستمروا في نيلهم من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأن يسكت أهل السنّة عن بيان الحق، وإن سمع الروافض صوت الحق يعلو هاجوا وماجوا قائلين إن الوحدة في خطر!!!

стр. 574

(د) محاولة الشيخ موسى جار الله: إن المحاولة التي قام بها الشيخ موسى جار الله كانت محاولة تحمل ميزات عظيمة الشأن منها: أولاً: أنها محاولة واعية مدركة قامت بالدراسة المهتمة لطائفة الشيعة من خلال معبرين هامين للتعرف على ما عليه القوم بصدق وجلاء. المعبر الأول: أن الشيخ اطلع على كتب الشيعة وطالعها باهتمام، كما يذكر أنه اطلع على «أصول الكافي وفروعه» ، و «من لا يحضره الفقيه» وجميع كتب «الوافي» ، و «مرآة العقول» ، ومجلدات عديدة من «بحار الأنوار» و «غاية المرام» وكتب كثيرة غير هذه الكتب (١) . المعبر الثاني: أنه عاش في ديار الشيعة أكثر من سبعة أشهر يزور معابدها ومشاهدها ومدارسها، ويحضر محافلها وحفلاتها في العزاء والمآتم، ويحضر حلقات الدروس في البيوت والمساجد وصحونها والمدارس وحجراتها، وأقام بالنجف أيام المحرم ورأى كل ما تأتي به الشيعة أيام العزاء ويوم عاشوراء.. (٢) . ثانياً: أن الشيخ موسى ﵀ عاش بين كتب الشيعة وديارها وهو لا يحمل أية فكرة سابقة أو خلفية عدائية لهم، بل إنه كان محبّاً لهم متعاطفاً معهم، حتى إنه ألف رسالة يدعو فيها العالم الإسلامي إلى اعتبار مذهب الشيعة مذهباً خامساً لأنه لا يرى - حسب ما كان لديه من معلومات قبل زيارته لديار الشيعة وقراءته لكتبها -

стр. 575

خلافاً بين السنّة والشيعة إلا في بعض الفروع كما هو تصور الشيخ محمود شلتوت، ومحمد الغزالي، وسليمان دنيا وغيرهم. والسبب في دعوته للعالم الإسلامي إلى ذلك هو أنه - كما يذكر - لا يعرف عن الشيعة سوى ما قرأه عنها في كتب الفرق والمقالات، وفي كتب الفقه الخاصة بالشيعة. من هذين المصدرين استمد معلوماته عن الشيعة، ولذلك كتب رسالته إلى العالم الإسلامي في التقريب. فهو إذن رجل يعيش فكرة التقريب في نفسه بل هو من دعاتها، ولا يحمل إلا التصور الطيب عن الشيعة. ولهذا وغيره نرى أهمية هذه "المحاولة" وتميزها عن غيرها بالدراسة والمعايشة، لهذا سنقف للتعريف بالشيخ موسى جار الله وبمحاولته على سبيل التفصيل. موسى جار الله: موسى بن جار الله التركستاني القازاني الروسي، شيخ مشايخ روسيا، ولد بمدينة رستون الواقعة على نهر الدون بروسيا عام ١٢٩٥هـ، وتعلم في المدارس الإسلامية بمدينة قازان ثم في بخارى، وتولى إمامة الجامع الكبير في بتروغراد (ليننغراد) ، كان في العهد القيصري وبداية الحكم السوفيتي في روسيا صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في أمور مسلمي روسيا الذين يزيدون عن ثلاثين مليون نسمة، ثم هبت عليه أعصار الشيوعية فطوحت به بعيداً عن دياره وأهله. قال عنه الأستاذ محمد كرد علي (١) "رئيس المجمع العلمي

стр. 576

العربي": (تشرفت في القاهرة بالتعارف إلى العالم القازاني العظيم شيخ إسلام روسيا موسى جار الله، وكنت أعجب بالقليل الذي طالعته من تآليفه ورسائله ومقالاته، ولما أخرج كتابه «الوشيعة» في الشيعة رأيت فيه الإمام الذي انعقد الإجماع على جلالة علمه وشدة غيرته على النهوض بالمسلمين في المشارق والمغارب. طوف الإمام جار الله في الأقطار وجاء اليابان والهند والحجاز وغيرها، وأخذ العلم عن الشيوخ الذين تفردوا بعلوم يشتهي التعمق فيها والتلقي عن أئمتها. وقد اضطهدته روسيا وإنكلترا واعتقلتاه زمن الحرب العالمية الثانية وسجنته روسيا لأنه لم يقل - فيما قيل - بالتعاليم الشيوعية، ولم يقر حكومتها على إغلاق مساجد المسلمين ومدارسهم وتشتيت علمائهم ولم نعرف وجهاً لاعتقال إنكلترا له في الهند!! صورة من أجمل صور العلماء العالمين.. وهو من الأفراد الذين لا يحسن بهم الدهر - كذا - على العالم إلا في العصر بعد العصر، وحياتهم من أولها إلى آخرها حافلة بالخير والنفع) (١) . ا. هـ. وقال الشيخ موسى جار الله (عن نفسه) : (كان بوسعي أن أغدو كاتب روسيا الأول وأحد زعماء الطليعة فيها لو أنني تخليت عن إيماني، ولكنني آثرت أن أشتري الآخرة بالدنيا..) (٢) .

стр. 577

وفي مجلة المجمع العلمي العربي ورد أن موسى جار الله إمام في اللغة العربية له معرفة واسعة بعلوم اللغة وأصولها وصرفها ونحوها وبيانها وقريضها.. فلا تكاد تذكر أمامه مادة من مواد اللغة إلا أجابك على الفور عما إذا كانت قد وردت في القرآن أم لا، وكم مرة وردت وفي أية سورة، لأنه مستظهره أتم الاستظهار (١) . بالإضافة لمعرفته باللغات: الفارسية، والتركية، والتترية، والروسية، ومن آثاره بالعربية: «الوشيعة في نقد عقائد الشيعة» ، «تاريخ القرآن والمصاحف» ، «القواعد الفقهية» ، و «نظام التقويم في الإسلام» . وقد وافاه الأجل في مصر عام ١٣٦٩هـ (٢) . محاولة الشيخ موسى جار الله للتقريب: يرى الشيخ موسى جار الله أن محاولته (هي أول تدبير في تأليف قلوب الأمة: الشيعة، وأهل السنّة والجماعة) (٣) . ولا أعتقد أن الشيخ موسى كان يجهل أن هناك محاولات بذلت في هذا السبيل من قلبه، بل إنه قبل هذه المحاولة كانت له جهود في سبيل التقريب وألف رسالة دعا فيها العالم الإسلامي إلى اعتبار مذهب الشيعة مذهباً خامساً مع المذاهب الأربعة - كما سبق - فهو إذن لا يعني أنها أول تدبير.. بإطلاق، ولكنها كانت أول تدبير لأنها مبنية على دراسة واعية، أما المحاولات الأخرى فقد كانت

стр. 578

خطوات متعجلة، وجهوداً مرتجلة - في الغالب - فقدت الركن الأول في التقريب؛ وهو الدراسة الواعية لكتب القوم، ومدى إمكانية التقريب على ضوئها. وقد بدأ الشيخ بالدراسة لكتب الشيعة الأساسية، والحياة "المتأملة" بينهم، وقد تبين للشيخ في النهاية أن كتب الشيعة قد أجمعت على أمور لا تتحملها الأمة، واتفقت على أشياء كثيرة لا يرتضيها الأئمة، ولا تقتضيها مصلحة الإسلام وتناقض أكثر مصالح الأمة، ثم هي جازفت في مسائل منكرة مستبعدة ما كان ينبغي وجودها في كتب الشيعة ولا يظن بالأئمة اعتقادها (١) ، ولا يتحملها العقل والأدب. ودعوى الائتلاف وليست إلا أهوية تنفخ في ضرام العداء، وكلمة التوحيد توجب اليوم على مجتهدي الشيعة نزع تلك العقائد من الكتب لتجتث جذورها من القلوب.. وإلا فإن الكلمات هراء وأثر المؤتمرات عداء (٢) . ويرى الشيخ أن (نقد عقائد الشيعة هو أول مرحلة من تأليف قلوب الأمة لا تأليف بدونها) (٣) . وقد امتلأ قلب الشيخ حسرة وألماً مما رآه من منكرات في كتب الشيعة وواقعها (٤) . وقد كان أول مساعيه في التقريب لقاؤه مع شيخ الشيعة محسن

стр. 579

الأمين في طهران وجرى بينهما بعض الحديث، ثم قدم له الشيخ موسى ورقة صغيرة كتب فيها ما يلي: ١- أرى المساجد في بلاد الشيعة متروكة مهملة وصلاة الجماعة فيها غير قائمة، والأوقات غير مرعية، والجمعة متروكة تماماً، وأرى المشاهد والقبور عندكم معبودة.. ما أسباب كل هذه الأمور؟. ٢- لم أر فيكم لا بين الأولاد ولا بين الطلبة ولا بين العلماء من يحفظ القرآن ولا من يقيم تلاوته، ولا من يجيد قراءته، أرى القرآن عندكم مهجوراً، ما سبب سقوط البلاد إلى هذا الدرك الأسفل من الهجر والإهمال؟ أليس عليكم أن تهتموا في إقامة القرآن الكريم في مكاتبكم ومدارسكم ومساجدكم؟ ٣- أرى ابتذال النساء وحرمات الإسلام في شوارع مدنكم بلغ حداً لا يمكن أن يراه الإنسان في غير بلادكم. قال الشيخ موسى جار الله: (كتبت في الورقة هذه المسائل.. في ٢٦/٨/١٩٣٤ بطهران وسلمتها للسيد المحسن الأمين العاملي. ثم لم أر حضرة السيد. وسمعت خطيباً في حفلة أتى بكلمات دلت على أن تلك الورقة تداولتها الأيدي (١) . ثم قام الشيخ بإرسال رسالة إلى علماء النجف بتاريخ ٢١/١١/١٣٥٣هـ، ثم أرسل الرسالة نفسها إلى علماء الكاظمية بتاريخ ٢٨/١١/١٣٥٣هـ، وقد كتب الشيخ على وجه الرسالة "الغلاف":

стр. 580

أُقدم هذه المسائل لأساتذة النجف الأشرف بيد الاحترام، بأمل الاستفادة، بقلب سليم صادق، كله رغبة في تأليف قلوب عالمي الإسلام (١) الشيعة الإمامية الطائفة المحقة - يعني على زعمهم - (٢) عامة أهل السنّة والجماعة، راجياً إجابة السادة الأساتذة جمعاً أو فرادى: كل ببيانه البليغ، بتوقيع يده، مؤكداً بخاتمه ومهره. وسيكون إن شاء الله ﷻ لإفادات الأساتذة شأن في عالم الإسلام يذكر. (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) (١) (٢) . ثم أورد في الرسالة ما في كتب الشيعة من أمور منكرة مشيراً إلى أرقام الصفحات في كل ما يذكره. فذكر عدة قضايا خطيرة في كتب الشيعة تحول بين الأمة والائتلاف مثل: ١- تكفير الصحابة. ٢- اللعنات على العصر الأول. ٣- تحريف القرآن الكريم. ٤- حكومات الدول الإسلامية وقضاتها وكل علمائها طواغيت في كتب الشيعة. ٥- كل الفرق الإسلامية كافرة ملعونة خالدة في النار إلا الشيعة. ٦- الجهاد في كتب الشيعة مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل حرمة الميتة وحرمة الخنزير، ولا شهيد إلا الشيعة، والشيعي شهيد ولو مات على فراشه، والذين يقاتلون في سبيل الله من غير الشيعة

стр. 581

فالويل يتعجلون. ثم قال الشيخ - بعد ما نقل شواهد هذه المسائل من كتب الشيعة المعتمدة مخاطباً شيوخ الشيعة -: هذه ست من المسائل، عقيدة الشيعة فيها يقين. فهل يبقى في توحيد كلمة المسلمين في عالم الإسلام من أمل وهذه عقيدة الشيعة؟ وهل يبقى بعد هذه المسائل، بعد هذه العقيدة، لكلمة التوحيد في قلوب أهليها من أثر؟ وهل يمكن أن يكون للأمم الإسلامية، ولهم هذه العقيدة في سبيل غلبة الإسلام في مستقبل الأيام من سعي؟ ثم أردف ذلك بمسائل منكرة أخرى مثل: ٧- رد الشيعة لأحاديث الأمة ودعواهم أن كل ما خالف الأمة فيه الرشاد (ويرى أن هذا المبدأ هدم لدين الشيعة قبل أن يهدم دين الإسلام) . ٨- وما في كتب الشيعة من أبواب في آيات وسور نزلت في الأئمة والشيعة وفي آيات وسور نزلت في كفر أبي بكر وعمر وكفر من اتبعهما. ٩- وغلو الشيعة في التقية. ١٠- ثم ذكر أباطيل أخرى شنيعة في كتب الشيعة مثل: ١- أن علياً أمير المؤمنين طلق عائشة فخرجت من كونها أم المؤمنين. ٢- أن القائم إذا يقوم يقيم الحد على عائشة انتقاماً لأمه ابنة النبي السيدة فاطمة عليها وعلى أبيها وأولاده الصلاة والسلام.

стр. 582

٣- أن القائم إذا ظهر يهدم مساجد الإسلام.. ١١- ثم ذكر أن دين الشيعة روحه العداء، وأن ما في كتب الشيعة من حكايات العداء بين الصديق والفاروق وبين علي كلها موضوعة. ١٢- وذكر أن كتب الشيعة تقول على لسان بعض الأئمة: إن الأمة، وإن كانت لها أمانة وصدق ووفاء، لا تكون مؤمنة لإنكارها الولاية. وأن الشيعة وإن لم يكن عندها شيء من الدين لا عتب لها، لأنها تدين بولاية إمام عادل. وذكر مسائل أخرى (١) ثم قال: (فتفضلوا أيها الأساتذة السادة بالإفادة حتى يتحد الإسلام وتجتمع كلمة المسلمين حول كتاب الله المبين) . فماذا كان جواب شيوخ الشيعة؟ يقول الشيخ موسى جار الله: (راجعت مجتهدي الشيعة بهذه المسائل التي نقلتها من أمهات كتب الشيعة عرضاً على سبيل الاستيضاح عملاً بأمر الله في كتابه: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ((٢) ثم انتظرت سنة وزيادة ولم أسمع جواباً من أحد، إلا من كبير مجتهدي الشيعة بالبصرة، فقد قام بوظيفته وتفضل علي بكل أجوبته في كتاب تزيد صفحاته على تسعين بكلمات في الطعن في

стр. 583

العصر الأول أشد وأجرح من كلمات كتب الشيعة) . ثم كتب الشيخ موسى كتابه «الوشيعة في نقد عقائد الشيعة» بعد أن لم ير استجابة من شيوخ الشيعة، ويقول إنني أدافع بذلك عن شرف الأمة وحرمة الدين، وأقضي به حقوق العصر الأول علي وعلى كل الأمة (١) . ولما طبع كتاب «الوشيعة» ، كثرت الردود عليه (٢) وكلها لا تخرج عما قال موسى جار الله عن جواب مجتهد البصرة إلا تقية، كما يلاحظ القارئ لباب «آراء دعاة التقريب» . وإذا كان الشيخ موسى جار الله يرى في نشره كتاب «الوشيعة» وفي نصحه للشيوخ الشيعة أن ذلك أول تدبير في التأليف والتقريب، فإن شيوخ الشيعة ترى أن ما كشفه الشيخ موسى يجب أن يكون دفيناً ويستفزهم مثل هذا الكشف غاية الاستفزاز، حتى قال آيتهم محسن الأمين إنه (أول تدبير وآخره في تنفير القلوب وأنه يوقد نار العداوة ويجرح عواطف أكثر من مائة وثلاثين مليوناً من الشيعة بغير حق) (٣) . والسبب في انزعاج شيوخ الشيعة من أي كشف لما في كتبهم من أباطيل: أن في ذلك فضحاً لأغراضهم ومآربهم، وكشفاً

стр. 584

لاستغلالهم للجمهورالساذج، من الشيعة، دينياً باسم النيابة عن المعصوم المنتظر، ومالياً باسم خُمس هذا المنتظر. ٢- المحاولات الفردية للتقريب من الشيعة: في هذا العهد كثر دعاة التقريب من الروافض، وأصبحت كلمة التقريب أو الوحدة تتردد على ألسنة الكثير منهم. (أ) فهذا آيتهم العظمى محمد الخالصي (١) يرفع شعار الوحدة الإسلامية في العراق، ويرددها في نشراته وخطبه ورحلاته (٢) ، ولكنه وهو يدعو للوحدة يصدر منه ما يناقض هذه الدعوة؛ فهو يرى أن (الأئمة الاثني عشر أركان الإيمان ولا يقبل الله تعالى الأعمال من العباد إلا بولايتهم) (٣) وفي هذا تكفير للمسلمين الذي يدعو للوحدة معهم، وهو يطعن في أبي بكر وعمر ﵄ (٤) . مخالفاً

стр. 585

بذلك القرآن والسنّة وإجماع المسلمين، ومتعمداً جرح عواطف جميع المسلمين ما عدا الروافض، فهل هو بهذا يخدم دعوة الوحدة أو يهدمها؟! ولقد وقفنا على نص خطير له يكشف حقيقة الوحدة التي يدعو إليها وأنها تقوم على سب الصحابة، فقد صرح بأنه يريد من أهل السنّة أن يتحدوا معه على سب عائشة أم المؤمنين وخيار صحابة رسول الله المؤمنين وإلا يفعلوا فلا وحدة، وسيلوذ الخالصي بالتقية، يقول: (..فإن وافقنا باقي طوائف المسلمين - يعني على لعن الصحابة وسبهم - تمت الكلمة وائتلف الشمل، وإن أبوا رجعنا إلى حكمنا الأول وهو "التقية" حذراً من الفرقة وحرصاً على اتحاد الكلمة وقلنا: لا نسب معاوية لأنه صحابي وخال المؤمنين.. وإن جاء بالسيئات التي لا تغفر! ونذكر عائشة بكل خير وإن قتلت أبناءها وأحدثت الفتن! ولكن الأولى بإخواننا أن يتفقوا معنا) (١) .. - أي على سب الصحابة -. وقد كشف الأستاذ محمود الملاح ألاعيب الخالصي في دعوته للوحدة (٢) ، كما أن لعلامة الشام محمد بهجت البيطار مراسلات مع الخالصي في مسألة الصحابة انتهت بيأسه من استجابة الرجل (٣) . وبعد ما تبين لنا حقيقة الوحدة التي يدعو إليها الخالصي نتركه ونأخذ نموذجاً آخر. (ب) فهذا أحد آيات الشيعة وهو "عبد الحسين شرف الدين الموسوي" (٤) . ينادي بفكرة التقارب والتآلف بين المسلمين،

стр. 586

ويتحمس لها. ولكنه بينما هو يسعى بحماس للتقريب بين السنّة والشيعة إذ هو يصدر الكتب المليئة بالطعن في حق خيار الصحابة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، والذين هم موضع حب أهل السنّة، فهل هذا صنيع من يريد التقارب بصدق؟ وللدكتور مصطفى السباعي قصة مع عبد الحسين هذا ذكرها في كتابه «السنّة ومكانتها في التشريع» وأشرنا إليها فيما مضى. تبين للسباعي أن عبد الحسين من دعاة التقريب بلسانه ودعاة الفرقة بقلمه وعمله. وإذا رجعنا إلى ما كتبه عبد الحسين في مسألة التقريب نجد أن من أهم كتبه في هذه القضية كتابين: الأول: «الفصول المهمة في تأليف الأمة» . الثاني: «المراجعات» . وسنتوقف عند كل واحد منهما لنرى مفهوم الرجل للتقريب وهدفه من خلال دعوة التقريب. ١- «الفصول المهمة» : وهو في هذا الكتاب يدعو إلى تأليف الأمة، ولكن على أي أساس؟. إنه يريد من أهل السنّة أن يؤمنوا بأن الصحابة يدينون بمبدأ

стр. 587

فصل الدين عن الدولة، فهم - كما يدّعى - إنما كانوا يتعبدون بالنصوص إذا كانت متمحضة للدين مختصة بالشؤون الأخروية.. أما ما كان متعلقاً بالسياسة فإنهم لم يكونوا يرون التعبد بها.. ولذلك عدل هؤلاء - يعني جمهور الصحابة - في الخلافة عن وليها المنصوص عليه من نبيها (١) . وهو يزعم أنه بهذا الأسلوب يؤلف بين الأمة، ثم يقوم بعد هذا بتأليف كتاب مستقل في هذا "الافتراء" يسميه «النص والاجتهاد» (طبع في النجف سنة ١٣٧٥هـ) . وهو في كتابه «الفصول المهمة» يعقد عدة فصول يضمنها أحاديث (من طريق السنّة) تفيد الحكم بإيمان الموحدين (٢) ، ثم يورد من طريق الشيعة ثلاثة أحاديث لم يتم واحداً منها (٣) تفيد هذا الحكم، ثم يفضح نفسه وحقيقة مذهبه في الفصل الخامس ـ بعد تدرج بالقارئ وخداع له طيلة الفصول التي قبله ـ فيقول: بأن تلك الأخبار بإيمان مطلق الموحدين مخصوصة عندهم بالإيمان بالولاية للاثني عشر، لأنهم في زعمه باب حطة لا يغفر إلا لمن دخلها. والإيمان بهم من أصول الدين (٤) ، وقد أجمع المسلمون على معذرة من تأول في غير أصول الدين (٥) .

стр. 588

فمفهوم التأليف عند عبد الحسين أن يؤمن المسلمون بأئمته الاثني عشر وأن يدينوا بالطعن في الصحابة والقدح فيهم. أي باختصار أن يؤمن المسلمون بمذهب الشيعة الرافضة. ٢- أما كتاب «المراجعات» : فقد استحوذ على اهتمام دعاة التشيع وجعلوه من أكبر وسائلهم التي يخدعون بها الناس. أو بعبارة أدق يخدعون به أتباعهم وشيعتهم، لأن أهل السنّة لا يعلمون عن هذا الكتاب شيئاً ولا غيره من عشرات الكتب التي تخرجها مطابع الروافض.. اللهم إلا من له عناية واهتمام خاص بمذهب الشيعة، وقد طبع هذا الكتاب أكثر من مائة مرة - كما زعم ذلك بعض الروافض - (١) والكتاب في زعم مؤلفه "واقعة" من وقائع التقارب بين أهل السنّة والشيعة، وهو عبارة عن مراسلات بين شيخ الأزهر «سليم البشري» (٢) ، وبين عبد الحسين هذا انتهت بإقرار شيخ الأزهر بصحة مذهب الروافض، وبطلان مذهب أهل السنة. والكتاب لا شك موضوع ومكذوب على شيخ الأزهر وبراهين الكذب والوضع له كثيرة نعرض لبعض منها. وقبل ذلك نشير إلى أن الروافض من دأبهم وضع بعض المؤلفات ونسبتها لبعض مشاهير أهل السنّة، كما وضعوا كتاب «سر العالمين» ونسبوه إلى حجة الإسلام «محمد الغزالي» - كما سلف - (٣) ، كما أن أول كتاب

стр. 589

ألفه الروافض وهو المسمى عندهم "أبجد" الشيعة كتاب «سليم بن قيس» قد تبين أنه موضوع بإقرار بعض أساطين الرفض، ولكنهم يقولون: إنه موضوع لغرض صحيح (١) . فكأنهم يستجيزون لأنفسهم "هذا الوضع" ما دام لهم هدف صحيح عندهم، وهذا "الباب" عند الروافض يستحق دراسة مستقلة لخطورته من جانب، ولأهميته في كشف حقيقة مذهبهم من جانب آخر. وما دام القوم كذبوا على رسول الله ﷺ وصحابته وأهل بيته، فهل يستكثر منهم بعد ذلك أن يكذبوا على الآخرين؟! أما مظاهر وأمارات الكذب والوضع في هذا الكتاب فمنها: أولاً: الكتاب عبارة عن مراسلات خطية بين شيخ الأزهر سليم البشري وبين هذا الرافضي ومع ذلك جاء نشر الكتاب من جهة الرافضي، وحده، ولم يصدر عن البشري أي شيء يثبت ذلك. وجاء نشر الرافضي للكتاب خالياً من أي توثيق، فلم يرد فيه ما يثبت صحة نسبة تلك الرسائل إلى سليم البشري بأي وسيلة من وسائل التوثيق، كأن يثبت صوراً لبعض الرسائل الخطية المتبادلة والتي بلغت ١١٢ رسالة نصيب البشري منها ٥٦ رسالة، فهل كلها ذهبت؟!! وهذا ما يطعن في صحة نسبة تلك الرسائل إلى الشيخ سليم أصلاً. ثانياً: أن هذا الكتاب لم ينشره "واضعه" إلا بعد عشرين سنة

стр. 590

من وفاة البشري، فالبشري توفي سنة ١٣٣٥هـ (١) ، وأول طبعة لكتاب المراجعات هي سنة ١٣٥٥هـ في صيدا (٢) . ثالثاً: أن أسلوب هذه الرسائل واحد هو أسلوب الرافضي، ولا تحمل رسالة واحدة أسلوب البشري وهذا ما يفضح الرافضي ويثبت كذبه بلا ريب وقد اضطر الرافضي إلى أن يفضح نفسه في مقدمته؛ لأنه لا سبيل له لأن يصنع رسائل تحاكي أسلوب البشري فأقر بأنه وضع هذه الرسائل بأسلوبه الخاص فقال: (وأنا لا أدعي أن هذه الصحف تقتصر على النصوص التي تألفت يومئذ بيننا، ولا أن شيئاً من ألفاظ هذه المراجعات خطه غير قلمي) (٣) ، وأضاف لذلك فضيحة أخرى بقوله: أنه زاد في هذه الرسائل ما يقتضيه المقام والنصح والإرشاد!! (٤) . رابعاً: أما نصوص الكتاب فتحمل في طياتها الكثير والكثير من أمارات الوضع والكذب فمن ذلك ما يلي: أن شيخ الأزهر سليم البشري - وهو في ذلك الوقت شيخ الأزهر في العلم والمكانة لا في المنصب والوظيفة - يسلم لهذا الرافضي ذلك التفسير الباطني لكتاب الله (- والذي أسلفنا عرضه في مبحث آراء دعاة التقريب في تأويل القرآن (٥) - وهو تأويل ينكره

стр. 591

صغار طلبة العلم فضلاً عن شيوخ الأزهر، ولكن هذا الرافضي يروي أن شيخ الأزهر قال عن رسالته التي حملت تلك التأويلات الباطنية: (..أما مرسومك الأخير فقد جئت فيه بالآيات المحكمات والبينات القيمة، فالراد عليك سيء اللجاج، صلف الحجاج يماري في الباطل) (١) . ثم إن هذا الرافضي ينقل إقرار شيخ الأزهر بصحة وتواتر أحاديث هي عند أهل الحديث ضعيفة أو موضوعة، ولا يجهل ضعفها أو وضعها صغار المتعلمين فضلاً عن شيخ الأزهر، وفي ذلك الوقت بالذات الذي لا يصل إلى منصب المشيخة إلا من ارتوى من معين العلم وتضلع في علوم الإسلام. وليس ذلك فحسب، بل إن هذا الرافضي صور شيخ الأزهر بصورة العاجز حتى عن معرفة أحاديث في كتب أهل السنة لا في كتب الشيعة، فنجد شيخ الأزهر - كما يزعم الرافضي - يرسل رسالة يقول فيها: (تكرر منك ذكر الغدير فاتل حديثه من طريق أهل السنة نتدبره) (٢) ، وفي رسالة أخرى يقول البشري - كما يزعم هذا الرافضي -: (حدثنا بحديث الوراثة من طريق أهل السنة والسلام) !! فهل شيخ الأزهر يجهل ذلك؟، وهل يعجز شيخ الأزهر عن البحث ولديه المكتبات؟، وهل يضطر إلى تكليف هذا الرافضي ولديه علماء الأزهر وطلابه؟ ومتى كان الرافضي أميناً في نقل الحديث عند محدثي السنة!!!

стр. 592

هذا والمجال لا يتسع لمزيد من التفصيل.. والحقيقة المفجعة أن هذا الافتراء يطبع عشرات المرات باسم التقريب، ولا أحد من أهل السنة ينتبه ويهتم بهذا الأمر الخطير، وكأن ثقتهم بما عندهم من حق جعلتهم يهملون الرد على مكائد أهل البدع وضلالهم. ومن أهل السنة من يرى في الرد تفرقة وطائفية في حين أن الشيعة ينشطون في صنع أمثال هذه المؤامرات لنشر الرفض في ديار أهل السنة. وبعد: فمفهوم التقريب عند هذا الموسوي هو أخذ المسلمين بعقيدة الروافض، وهو في سبيل ذلك يضع وقائع وهمية وحوادث لا حقيقة لها ويزعم أنها وقائع تقارب بين السنة والشيعة لتصفية الخلاف، ولكن لم يكن لهذه المؤامرات من أثر إلا عند طائفته.. وأنموذج الموسوي والخالصي - الذي عرضنا له - أنموذج مكرر بين دعاة التقارب من الشيعة، فالاختلاف هو في الأشخاص فقط وجوهر دعوة التقريب واحدة هي التبشير بالرفض ونشره بين أهل السنة، فلا داعي لذكر مزيد من دعاة التقارب من الروافض ومحاولاتهم. (ج) وكاد القلم أن يتوقف عند هذا الحد، لكنا وقفنا على محاولة فذة ومثال حي نادر لتصفية الخلاف وإزالة الشقاق بتمحيص الحق من الباطل، وكشف أسس الخلاف التي ليست من الدين الإلهي في شيء، وإنما هي من صنع أعداء الإسلام بالعقل والحجة والبرهان، وميزة هذه المحاولة: أنها جاءت من رجل شيعي الأصل نشأ في بيت شيعي وعاش بين الشيعة، ووصل إلى منصب رئيس محكمة عندهم، ثم إنها تجربة عاقلة وصادقة لم يسبق لها مثيل فيما أعلم؛ فهي محاولة فريدة ونادرة،

стр. 593

وصاحبها قد قتل في سبيلها وروى بدمه أصولها وعناصرها، وهي محاولة تضمنت حقائق هامة كشفها رجل منهم وبهم، وهي تجربة تثبت أن عقلاء الروافض إذا حكموا عقولهم ورجعوا إلى فطرهم فإنهم ولا بد سينكرون ما هم عليه من الضلال، وهم بين أمرين: إما أن يخرجوا من هذا الضلال إلى الإسلام الصحيح، وإما أن ينخدعوا بما قاله علماء الشيعة، وبما ردده بعض المنتسبين للسنة من أنه لا خلاف بين السنة والشيعة، فلا يجدون ملجأ يلجؤون إليه سوى الإلحاد. والماركسية الملحدة قد وجدت سوقاً رائجة لها في إيران (١) . أما رائد هذه المحاولة فهو الأستاذ " أَحمد الكسروي " الذي قال عنه الأُستاذ محمود الملاح: (لم يظهر في عالم الشيعة (٢) أَحد في عياره منذ ظهر اسم شيعي (٣) على وجه الأَرض) (٤) . وسنتوقف للتعريف به وبمحاولته لأَهمية ذلك. أَحمد الكسروي: هو أَحمد مير قاسم بن مير أَحمد الكسروي، ولد في تبريز عاصمة أَذربيخان أَحد أَقاليم إِيران وتلقى تعليمه في إِيران، وعمل أُستاذاً في جامعة طهران، كما تولى عدة مناصب قضائية، وقد تولى مرات

стр. 594

رئاسة بعض المحاكم في المدن الإِيرانية، وقد أَصبح أَحد أَربعة كبار مفتشي وزارة العدل ثم تولى منصب المدعي العام في طهران. وكان محرراً في جريدة "برجم" الإِيرانية وكان عارفاً باللغة العربية، والتركية والإنجليزية، والأَرمنية والفارسية، والفارسية القديمة "البهلوية" وله كتب كثيرة جداً، ومقالات منتشرة في الصحف الإِيرانية. وقد كانت مقالاته التي يهاجم فيها أُصول المذهب الشيعي، وقد جذبت نظر بعض المثقفين إِليه والجمعيات العاملة في البلاد، وأَقبل عليه فئات من الناس من كل أُمة ونحلة، ولا سيما الشباب من خريجي المدارس فأَحاط به آلاف منهم وقاموا بنصرته وبث آرائه ونشر كتبه. ووصلت آراؤه بعض الأَقطار العربية وهي الكويت، وقد طلب بعض الكويتيين من الكسروي تأليف كتب بالعربية ليفيدوا منها فكتب كتابه «التشيع والشيعة» ، والذي أَوضح فيه بطلان أُصول المذهب الشيعي، وأَن خلاف الشيعة مع المسلمين إِنما سنده التعصب واللجاج لا الحجة والبرهان، وما إِن أَتَم كتابه هذا حتى ضرب بالرصاص من قبل مجموعة من الروافض، أُدخل على أَثرها المستشفى وأُجريت له عملية جراحية وتم شفاؤه. ثم أَخذ خصومه من الروافض يتهمونه بمخالفة الإِسلام ورفعوا شكوى ضده إِلى وزارة العدل ودعي للتحقيق معه، وفي آخر جلسة للتحقيق معه في نهاية سنة ١٣٢٤هـ ضرب بالرصاص مرة أخرى وبخنجر ومات إِثر ذلك، وكان في جسمه تسعة وعشرون جرحاً، وقد عاش

стр. 595

سبعاً وخمسين سنة وترك أفكاره وكتبه ومقالاته الكثيرة حيّة مع الأحياء. وأفكاره الأساسية نشرها سنة ١٣١١هـ في كتاب بالفارسية سماه «آبين» - أي دستور أو دين - وأفكاره عن المذاهب نشرها في كتبه: «صوفيكري» و «بهائيكري» و «شيعيكري» وغيرها (١) . محاولة الكسروي: من كتاب «التشيع والشيعة» الذي كتبه أحمد الكسروي لنشر "فكرته" بين العرب يتبين رأيه في أسباب الخلاف وأسلوب إزالتها، ورأيه في أصول الشيعة التي شذت بها عن جمهور المسلمين، وهذه الآراء هي التي دفع الكسروي حياته ثمناً من أجلها، والكتاب اليوم يندر وجوده، ولعل السبب في ذلك محاربة "الروافض" له. وفيما يلي عرض لفكرته حول التقريب. تقوم فكرة الكسروي في سبيل محو الخلاف على فلسفة يجعلها هي الأساس لدراسة خلاف الشيعة مع المسلمين، ويؤكد عليها في دراسته لمسألة "التشيع والشيعة" وهي قوله: (يظن كثيرون أن الناس قد جبلوا على اختلاف العقائد ولا يمكن حسم الاختلاف من بينهم، ولكن هذا من الظنون الباطلة. فمما لا ريب فيه أن الحقائق أوضح وأجلى من أن لا يدركها أحد، فإن ترك الناس التعصب واللجاج واجتمعوا على طلب الحق واتبعوا الدلائل لم يكن

стр. 596

بينهم اختلاف في الحق أبداً..) (١) . فهو يرى أن سبيل إزالة الخلاف هو بيان الحق من الباطل بالدلائل، فالحق لا يخفى. ومن هذا المنطلق يقوم المؤلف بدراسة التشيع والشيعة ليبين هل خلافها للمسلمين في العقيدة قائم على دليل وحجة أو هو من قبيل التعصب واللجاج - كما يعبر -؟. ثم قام بدراسة مذهب الشيعة، في نشأته، وأصوله وكتبه، وأئمته ورجاله. دراسة جمعت بين التحليل العقلي والبرهان التاريخي، والعرض العلمي، وانتهى بعد عرض مقنع إلى أن مذهب الروافض قد جاء بمجازفات وأمور منكرة كثيرة، وأنهم قد انفصلوا عن جماعة المسلمين بعقائدهم وأحكامهم. وإليك عرضاً سريعاً لآرائه في بطلان مذهب التشيع: يرى أن الروافض انحرفوا بالتشيع إلى (الغلو في حب علي ومعاداة أبي بكر وعمر وعثمان بدعوى أن علياً كان أحق بالخلافة منهم فظلموه حيث سبقوه، وكان هذا الإفراط يشتد بمرور الزمن، وكان التشيع يتطور من جهاد سياسي إلى عقائد مفرطة) (٢) . ويشرح هذا التطور العقدي عن الشيعة وينشر صورة لـ "سورة" ادعت الشيعة أنها من القرآن فأخرجها عثمان، وهي سورة الولاية التي نشر صورتها محب الدين الخطيب في كتابه «الخطوط

стр. 597

العريضة» ، ولكن الكسروي أسبق من محب الدين في ذلك. ويتحدث عن غلو الشيعة في أئمتها ثم يقول: (وأتى هذا التطور بنتائج عظيمة منها: أن الشيعة - أي هذه الفئة الجعفرية - انفصلت عن جماعة المسلمين وصارت لها عقائد وأحكام على حدتها، وتأصلت العداوة بين الفريقين) (١) . ثم يذكر أن شذوذهم هذا دفعهم إلى (وضع أحاديث عن النبي ﷺ وتأويل آيات من القرآن وتحريف أخبار الوقائع) (٢) ويذكر ما استدلوا به في دعاويهم ويردها. ثم بين بالشواهد أن العلويين (٣) براء من هذه البدع والآراء (٤) . وبعد ذلك يتحدث عن دعوى الشيعة غيبة إمامها الثاني عشر ويبين بالأدلة أن تلك خرافة ويقول: (وكفى دليلاً على ضلال قوم انقيادهم لدعوى كهذه، وحق القول أن التعصب كان قد أعمى قلوب الشيعة..) (٥) . ثم يذكر كتبهم المعتمدة والموضوعات التي تهتم بها، وبعد هذا يعقد باباً كاملاً يضمنه ثلاثة فصول: الفصل الأول: بطلان مذهب التشيع من أساسه. الفصل الثاني: فيما اشتمل عليه من الدعاوى الكاذبة. الفصل الثالث: فيما ينتج عنه من الأعمال القبيحة. ويذكر في الفصل الأول: أن من أُسس مذهب التشيع

стр. 598

"الإمامة"، ويقول: (أن الإمامة بالمعنى الذي ادعوه دعوى لا يصحبها دليل، فلسائل أن يسال لِمَ لَمْ يُذكر أمر عظيم كهذا في القرآن وهو كتاب الإسلام؟) (١) . ثم يذكر أهم ما يتعلقون به من أدلة حول النص على إمامة علي، ويبطلها ويقول: (ومما يوضح بطلان دلالتهم هذه ويؤكدها ما كان بعد النبي ﷺ من اجتماع المهاجرين والأنصار ـ وهم زعماء الإسلام ـ ومبايعتهم لأبي بكر، فلو كان النبي ﷺ نص على عليٍّ بالولاية لما كان أصحابه ليخالفوه ويقدموا أبا بكر على علي، وأما ما قالوا من ارتداد المسلمين بعد موت النبي ﷺ إلا ثلاثة أو أربعة منهم فاجتراء منهم على الكذب والبهتان. فلقائل أن يقول: كيف ارتدوا وهم كانوا أصحاب النبي آمنوا به حين كذبه الآخرون ودافعوا عنه واحتملوا الأذى في سبيله ثم ناصروه في حروبه ولم يرغبوا عنه بأنفسهم؟ ثم أي نفع لهم في خلافة أبي بكر ليرتدوا عن دينهم لأجله؟ فأي الأمرين أسهل احتمالاً: أكذب رجل أو رجلين من ذوي الأغراض الفاسدة أو ارتداد بضع مئات من خلّص المسلمين؟ فأجيبونا إن كان لكم جواب) (٢) . ثم يذكر شيئاً من أكاذيبهم حول الصراع المزعوم بين علي، وأبي بكر وعمر ﵃، ويكشف كذبها ويقول: (فترون أن أدلتهم واهية فأرادوا تأكيدها بهذه الأكاذيب) (٣) .

стр. 599

وفي الفصل الثاني: يتحدث عما اشتمل عليه التشيع من الدعاوى الكاذبة مثل: دعوى تفويض الأمور للأئمة (١) ، وأنهم يعلمون الغيب (٢) ، وادعاء المعجزات لهم (٣) ، ودعوى أن الشيعة من طينة خاصة (٤) . ويناقش ذلك فيقول مثلاً: (ومن الأحاديث المعروفة عند الشيعة "حب علي حسنة لا يضر معها سيئة" وأنتم ترون أنها تخالف القرآن حيث يقول: (ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره (مخالفة صريحة. ثم أليس هذا نسخاً للدين؟! إن كان حب علي لا تضر معه سيئة فأي حاجة إذاً لشرع الأحكام؟! (٥) . وفي الفصل الثالث: يذكر ما نتج عن التشيع من الأعمال القبيحة ويقول: (مما يوجب الأسف أن التشيع فضلاً عن إضلاله الناس وسوقهم إلى عقائد باطلة ما أنزل الله بها من سلطان؛ قد بعثهم على أعمال منكرة كثيرة، أعمال تخالف الدين والعقل، والتهذيب وتوجب مضاراً من كل نوع، وها أنا ذا أذكر في هذا الفصل بعض تلك الأعمال بالاختصار: فمنها الطعن في أصحاب النبي ﷺ والقدح فيهم) (٦) ، ويقول (ولهذه القبيحة تاريخ مؤلم طويل، فإنه مما أصل العداوة بين الفريقين وأنتج حروباً كثيرة أهلكت النفوس وخربت

стр. 600

الديار.. وأنه لو أراد أحد أن يبحث عن الأضرار الناجمة عن هذه البدعة المشؤومة لاحتاج إلى تأليف كتاب كبير) (١) . ومنها التقية، ويتحدث عنها وأضرارها. ويقول: (إنها من نوع الكذب والنفاق، وهل يحتاج الكذب والنفاق إلى البحث عن قبحهما؟) (٢) . ومنها - يعني من قبائح الشيعة - إقامة المآتم للحسين وما يجري فيها من ضرب الجسد بالسلاسل وجرح الرأس بالسيف وصنع الجنائز، وإقفال البدن وغير ذلك (٣) . ونشر صوراً لهذه الأعمال، وذكر أن شيوخ الشيعة يروون في فضلها أحاديث كثيرة، وقال: والحقيقة أنها بدعة في الإسلام وما يروون من الأحاديث افتراء على الله، وأن هذه الروايات تجرئ الناس على المعاصي وتصرفهم عن التقيد بالحلال والحرام والاهتمام بأمر الدين (٤) . ومما ذكره من القبائح "عبادة القبب" وقال: (وآخر من منكراتهم ما هو رايج فيهم من عبادة القبب؛ فقد شادوا على قبر كل واحد من أئمتهم قبة من الذهب أو الفضة، وبنوا مباني ونصبوا خداماً، فيقصدها الزائرون من كل فج عميق، فيقفون أمام الباب متواضعين ويستأذنون متضرعين، ثم يدخلون فيقبلون القبر ويطوفون حوله ويبكون ويبتهلون ويسألون حاجات لهم، فهل هذه إلا العبادة؟!) وقال: (نعم أنهم يدافعون ويجيبون قائلين: "إننا لا نعتقد الأئمة آلهة،
следующие страницы →