Полный текст (857 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وزيادة الانتفاع به ونشره وأبالغ إن شاء الله تعالى في إيضاحه بأسهل العبارات ولا أخل (١) بشيء من مقاصده المهمات وغير المهمات وأحرص على الإِتيان بعبارة صاحب الكتاب في معظم الحالات ولا أعدل عنها إلا لمقاصد صالحات، وأذكر فيه جملًا من الأدلة والأمثلة المختصرات وأضم إليه في بعض المواطن لقيطات (أ) وفريعات (ب) وتتمات، واستمداد المعونة في ذلك وغيره من رب الأرضين والسموات أنه سميع الدعوات جزيل (٢) الأعطيات (ج)، نسأله سلوك سبيل الرشاد (٣) ، والعصمة من أحوال أهل الزيغ والعناد والدوام على ذلك وغيره من الخير (د) في ازدياد ونبتهل إليه سبحانه أن يرزقنا التوفيق في الأقوال والأفعال للصواب والجري على آثار ذوي البصاير والألباب إنه الكريم الواسع الوهاب، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه متاب (هـ) حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الحواشي
(١) أي لا أترك شيئًا من مقاصده(٢) أي كثير الأعطيات وعظيمها، القاموس ٣/ ٣٤٨؛ ومختار الصحاح، ص ١٠٣، مادة (جزل).(٣) الرشاد: ضد الغي. الصحاح ٢/ ٤٧٤، مادة (رشد).стр. 107
بسم الله الرحمن الرحيم (أ) ...
قال العلماء: الحديث ثلاثة أقسام، صحيح وحسن وضعيف (١) .
النوع الأول: الصحيح
وفيه مسائل:
الأولى في حده: وهو ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله ولم يكن شاذًا ولا معللًا (٢) . الحواشي
(١) هكذا قسمه الخطابي في معالمه وتبعه فيه ابن الصلاح. معالم السنن ١/ ١١، مقدمة ابن الصلاح، ص ١٠؛ التقييد والإِيضاح، ص ١٩.
وهذا التقسيم بالنظر لما استقر اتفاقهم بعد الاختلاف عليه وإلا فمنهم - كما سيأتي في نوع الحسن - من يدرج الحسن في الصحيح لاشتراكهما في الاحتجاج، بل نقل ابن تيمية إجماعهم إلا الترمذي خاصة عليه. أو بالنظر لأنه لم يقع في مجموع كلامهم التقسيم لأكثر من ثلاثة. وخصت الثلاثة بالتقسيم لشمولها لما عداها. فتاوي ابن تيمية ١٨/ ٢٣؛ فتح المغيث ١/ ١٦ - ١٧؛ تدريب الراوي ١/ ٦٢.(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٠؛ والتقييد والإِيضاح، ص ٢٠؛ وفتح المغيث ١/ ١٧؛ وتدريب الراوي ١/ ٦٣؛ واختصار علوم الحديث، ص ٢١؛ قواعد التحديث، ص ٧٩؛ نزهة النظر، ص ٢٩، ولفظه: بنقل عدل تام الضبط. اهـ. والمراد بقوله: ولم يكن معللًا. أي معللًا بعلة قادحة لأنه قال في تعريف المعلل: هو الحديث الذي اطلع الحافظ فيه على علة غامضة قادحة منه. وسيأتي الكلام على العلة في باب المعلّ.стр. 108
وإذا (أ) قيل في حديث: إنه صحيح فمعناه ما ذكرنا. ولا يلزم أن يكون مقطوعًا به في نفس الأمر (١) ، وكذا (ب) إذا قيل: أنه غير صحيح. فمعناه (ج) لم يصح إسناده على (د) الوجه المعتبر لا أنه كذب في نفس الأمر (٢) . وتتفاوت درجات الصحيح بحسب قوة شروطه (٣) .
المسألة الثانية: المختار أنه لا يجزم في إسناد بأنه أصح الأسانيد على الإِطلاق لعسر ذلك (٤) . الحواشي
(١) سأفصل القول في هذه المسألة في سابع المسائل على قوله: قال الشيخ: فما اتفقا عليه أو انفرد به أحدهما فجميعه مقطوع بصحته ... إلخ، ص ١٣٢.(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ١١؛ وفتح المغيث ١/ ٢١؛ والتدريب ١/ ٧٦؛ وتوضيح الأفكار ١/ ٢٨.(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ١١؛ ونزهة النظر، ص ٢٩؛ وفتح المغيث ١/ ٢٢؛ توضيح الأفكار ١/ ٢٩؛ وقواعد التحديث، ص ٨٠.(٤) اختلف العلماء في مسألة الجزم في إسناد بأنه أصح الأسانيد على ثلاثة أقوال. الأول: يجوز مطلقًا وإليه ذهب ابن معين وابن المديني، وإسحاق وأحمد والبخاري وغيرهم. وبه قال ابن حجر في النكت حيث قال: وليس الخوض فيه يمتنع لأن الرواة قد ضبطوا وعرفت أحوالهم وتفاريق مراتبهم فأمكن الاطلاع على الترجيح بينهم. وسبب الاختلاف في ذلك إنما هو من جهة أن كل من رجح إسنادًا كانت أوصاف رجال ذلك الإِسناد عنده أقوى من غيره بحسب اطلاعه، فاختلفت أقوالهم لاختلاف اجتهادهم.
قلت: وإليه يشير تعليل المصنف حيث قال: لعسر ذلك. ولم يقل: لاستحالته. والثاني: لا يجوز مطلقًا وبه قال ابن الصلاح وعلله السخاوي بقوله: لأن تفاوت مراتب الصحيح مترتب على تمكن الإسناد من شروط الصحة وبغير وجود أعلى =стр. 109
وقال أحمد (١) بن حنبل وإسحاق بن راهوية: أصحها الزهري (٢) عن سالم (أ) (٣) الحواشي
(١) هو شيخ الإِسلام وسيد المسلمين في عصره الحافظ الحجة أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي، ولد سنة أربع وستين ومائة. وقال أبو زرعة: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث، ذاكرته على الأبواب. توفي سنة إحدى وأربعين ومائتين.
انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣١؛ وتاريخ بغداد ٤/ ٤٤٢؛ ومناقب الإِمام أحمد.(٢) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب القرشي الزهري أبو بكر الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه مات سنة خمس وعشرين ومائة. روى له الجماعة. التقريب ٢/ ٢٠٧؛ تذكرة الحفاظ ١/ ١٠٨.(٣) هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي أبو عمر أو أبو عبد الله المدني أحد الفقهاء السبعة وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا، كان يشبه بأبيه في الهدى والسمت، مات سنة ست ومائة على الصحيح. روى له الجماعة.
انظر: وفيات الأعيان ٤/ ١٧٧؛ وتذكرة الحفاظ ١/ ٨٨.стр. 110
عن أبيه (أ) (١) .
وقال علي (٢) بن المديني وعمرو (٣) بن علي الفلاس وغيرهما: أصحهما محمد (٤) بن سيرين عن عبيده (ب) (٥) عن علي (٦) ﵁. الحواشي
(١) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب المدني أبو عبد الرحمان العدوي الفقيه أحد الأعلام في العلم والعمل شهد الخندق وهو من أهل بيعة الرضوان وممن كان يصلح للخلافة ومناقبه جمة أثنى عليه النبي ﷺ ووصفه بالصلاح. الإِصابة ١/ ٣٤٧؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٣٧.(٢) هو حافظ العصر وقدوة أرباب هذا الشأن أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر السعدي مولاهم المديني ثم البصري صاحب التصانيف ولد سنة إحدى وستين ومائة، كان علمًا في الناس في معرفة الحديث والعلل. مات سنة أربع وثلاثين ومائتين.
انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣٨؛ وتاريخ بغداد ١١/ ٤٥٨.(٣) هو عمرو بن علي بن بحر بن كنيز بنون وزاي أبو حفص الفلاس الصيرفي الباهلي البصري، ثقة حافظ، مات سنة تسع وأربعين ومائتين. روى له الجماعة. انظر: تاريخ بغداد ١٢/ ٢٠٧؛ وتذكرة الحفاظ ٢/ ٤٨٧.(٤) هو محمد بن سيرين الأنصاري، أبو بكر بن أبي عمرة البصري، ثقة ثبت عابد كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى. مات سنة عشر ومائة. روى له الجماعة.
انظر: وفيات الأعيان ٤/ ١٨١؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٧٧.(٥) هو عبيدة بن عمرو السلماني بسكون اللام، ويقال: بفتحها المرادي أبو عمرو الكوفي، تابعي كبير مخضرم ثقة ثبت، كان شريح إذا أشكل عليه شيء سأله. مات سنة سبعين على الصحيح. روى له الجماعة.
انظر: تذكرة الطالب، ص ٣٢٧؛ وتذكرة الحفاظ ١/ ٥٠.(٦) هو علي بن أبي طالب أبو الحسن الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ وزوج ابنته من السابقين الأولين، المرجح أنه أول من أسلم وهو أحد =стр. 111
وقال يحيى (١) بن معين: أصحها الأعمش (٢) عن إبراهيم (٣) النخعي عن علقمة (٤) (ك) عن عبد الله بن مسعود.
وقال أبو بكر (٥) بن أبي شيبة: أصحها الزهري عن علي بن (٦) الحواشي
(١) هو الإِمام الفرد سيد الحفاظ أبو زكريا يحيى بن معين المرّي مولاهم البغدادي. قال ابن المديني: لا نعلم أحدًا من لدن آدم ﵇ كتب من الحديث ما كتب يحيى بن معين. وقال أحمد: هو أعلمنا بالرجال، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.
انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٢٩.(٢) هو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي أبو محمد الكوفي الأعمش، ثقة حافظ عارف بالقراءة ورع لكنه يدلس. مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومائة.
انظر: وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٠؛ وتذكرة الحفاظ ١/ ١٥٤.(٣) هو إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبو عمران الكوفي الفقيه، ثقة إلا أنه يرسل كثيرًا. مات سنة ست وتسعين وهو ابن خمسين أو نحوها، روى له الجماعة.
انظر: وفيات الأعيان ١/ ٢٥؛ وتذكرة الحفاظ ١/ ٧٣.(٤) هو علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقة ثبت، فقيه عابد. مات بعد الستين وقيل: بعد السبعين. روى له الجماعة.
انظر: البداية ٨/ ٢١٧؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٤٨.(٥) هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي الأصل أبو بكر بن أبي شيبة الكوفي ثقة حافظ، صاحب تصانيف، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين روى له الجماعة إلا الترمذي. التقريب ١/ ٤٤٥؛ تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣٢.(٦) هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين، ثقة ثبت عابد، فقيه فاضل مشهور. قال ابن عيينة عن الزهري: ما رأيت قرشيًا أفضل منه. مات سنة ثلاث وتسعين وقيل: غير ذلك. روى له الجماعة.
انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٦٦؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٧٤.стр. 112
الحسين عن أبيه (١) عن علي.
وقال أبو عبد الله البخاري (٢) : أصحها مالك (٣) عن نافع (٤) عن ابن عمر.
قال الإِمام أبو منصور (٥) عبد القاهر التميمي: فعلى هذا أصحها الحواشي
(١) هو حسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو عبد الله المدني سبط رسول الله ﷺ وريحانته حفظ عنه واستشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وله ست وخمسون سنة. الإِصابة ١/ ٣٣٢؛ وتجريد أسماء الصحابة ١/ ١٣١.(٢) هو إمام الدينا وجبل الحفظ محمد بن إسماعيل بن المغيرة الجعفي، أبو عبد الله البخاري، صاحب أصح الكتب بعد كتاب الله. مات سنة ست وخمسين ومائتين وله إثنان وستون سنة.
انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٥٥؛ وتاريخ بغداد ٢/ ٤.(٣) هو رأس المتقين الإِمام مالك بن أنس بن أبي، عامر الأصبحي وكنيته أبو عبد الله من سادات أتباع التابعين وجلة الفقهاء والصالحين، صاحب الموطأ. مات سنة تسع وسبعين ومائة.
انظر: مشاهير علماء الأمصار، ص ١٤٠؛ ووفيات الأعيان ٤/ ١٣٥.(٤) هو نافع أبو عبد الله العدوي المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور. مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك. روى له الجماعة.
انظر: وفيات الأعيان ٥/ ٣٦٧؛ وتذكرة الحفاظ ١/ ٩٩.(٥) هو الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي التميمي، الفقيه الشافعي، أحد الأئمة في الأصول والفروع، وكان ماهرًا في فنون كثيرة من العلوم منها علم الحساب والفرائض، وصنف ودرس سبعة عشر علمًا. توفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة. البداية ١٢/ ٤٤؛ وفيات الأعيان ٣/ ٢٠٣.
قد اكتفى المصنف بذكر خمسة أسانيد فقط، وقد جمع أبو عبد الله الحاكم وابن حجر وأحمد شاكر ﵏ جميع الأسانيد نص العلماء على أصحيتها. فراجعها إن شئت في معرفة علوم الحديث، ص ٥٣ - ٥٦؛ النكت ١/ ٣٦ - ٥١؛ الباعث الحثيث، ص ٢٢، ٢٤؛ وشرح ألفية السيوطي، ص ٥ - ٩.стр. 113
الشافعي (١) عن مالك بن نافع عن ابن عمر. لإِجماع أهل الحديث على أن الشافعي (أ) أجل (٢) أصحاب مالك ﵃ أجمعين.
الثالثة: أول من صنف الصحيح المجرد (٣) أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ثم أبو الحسين مسلم (٤) بن الحجاج القشيري، وكتاباهما أصح الكتب بعد القرآن العزيز باتفاق العلماء.
وأما قول إمامنا أبي عبد الله الشافعي: ما أعلم في الأرض كتابًا في الحواشي
(١) هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب المطلبي أبو عبد الله الشافعي المكي، نزيل مصر. رأس الطبقة التاسعة وهو المجدد لأمر الدين على رأس المائتين. مات سنة ٢٠٤، وله أربع وخمسون سنة.
انظر: وفيات الأعيان ٤/ ١٦٣؛ وتذكرة الحفاظ ١/ ٣٦١؛ والبداية ١٠/ ٢٥١.(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٢؛ واختصار علوم الحديث، ص ٢٣؛ والنكت ١/ ٥٢؛ وفتح المغيث ١/ ٢٢؛ والتدريب ١/ ٧٨؛ وقواعد التحديث، ص ٨٠.(٣) قول المصنف: (الصحيح المجرد) قاله زيادة على ابن الصلاح احترازًا عما اعترض به عليه من: أن الموطأ صنف قبله في الصحيح. فإنه وإن كان قد ألف قبل صحيح البخاري لكنه لم يتمحض للصحيح المجرد. بل حواه مع غيره كالبلاغات والمراسيل والمقاطيع وأشباهها على سبيل الاحتجاج بها بخلاف ما يقع في صحيح البخاري. من ذلك: مقدمة الفتح، ص ١٠، فتح المغيث ١/ ٢٧؛ التدريب ١/ ٩٠.(٤) هو الإِمام حجة الإِسلام عالم بالفقه، صاحب التصانيف والصحيح أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، ولد سنة أربع ومائتين وتوفي سنة إحدى وستين ومائتين.
انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٨٨؛ ووفيات الأعيان ٥/ ١٩٤.стр. 114
العلم أكثر صوابًا من كتاب (١) مالك فقاله قبل وجود الكتابين (٢) .
ثم إن كتاب البخاري أصح (٣) الكتابين صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقال أبو علي الحافظ النيسابوري (٤) وبعض (٥) شيوخ المغرب: الحواشي
(١) هذه العبارة ذكرها ابن حجر في النكت فقال: ما بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك. ثم أسنده الحافظ إلى هارون بن سعيد الأيلي فقال: سمعت الشافعي يقول: ما بعد كتاب الله تعالى أنفع من موطأ مالك. النكت ١/ ٦٩ - ٧١، وجاءت هذه العبارة في تذكرة الحفاظ ومقدمة الفتح. قال الشافعي: ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابًا من موطأ مالك. تذكرة الحفاظ ١/ ٢٠٨؛ مقدمة الفتح، ص ١٠، وأنت تلاحظ الفرق بين هذه العبارات المتقدمة.(٢) قال ابن حجر: وإطلاق الشافعي على الموطأ أفضلية الصحة كان بالنسبة إلى الجوامع الموجودة في زمنه كجامع سفيان الثوري ومصنف حماد بن سلمة وغير ذلك وهو تفضيل مسلم لا نزاع فيه إذ لم يصنف كتابا البخاري ومسلم إذ ذاك لأن البخاري كان عمره عند وفاة الشافعي عشر سنين. وهو لم يبدأ بالتصنيف بعد ومسلم كانت ولادته في نفس السنة التي توفي فيها الشافعي على الصحيح. مقدمة الفتح، ص ٩.(٣) انظر: مقدمة شرح صحيح مسلم للنووي، ص ١٤؛ ومقدمة الفتح، ص ١٠؛ والمنهل الروي (١/ أ) والمراد بأصحية كتابه على كتاب مسلم، أصحية ما أسنده في صحيحه دون التعاليق والتراجم وأقوال الصحابة والتابعين. فتح المغيث ١/ ٢٧؛ التدريب ١/ ٩١؛ توضيح الأفكار ١/ ٤٠.(٤) هو الإِمام محدث الإِسلام الحسين بن علي بن يزيد بن داود النيسابوري أحد جهابذة الحديث. قال: أبو عبد الله الحاكم: هو واحد عصره في الحفظ والإتقان والورع والمذاكرة والتصنيف توفي سنة تسع وأربعين وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٠٢؛ البداية ١١/ ٢٣٦.(٥) هو أبو محمد بن حزم كما حكى القاضي عياض في إكمال المعلم عن أبي مروان الطيني قال: كان بعض شيوخي يفضل صحيح مسلم عن صحيح البخاري.
قال ابن حجر: وعندي أن ابن حزم هذا هو شيخ أبي مروان الطيني الذي =стр. 115
مسلم أصح والصواب الأول (١) .
قلت (أ): واختص مسلم بفائدة: وهو أنه يجمع طرق الحديث في مكان واحد. الحواشي
(١) عزى ابن جماعة، هذا القول إلى الجمهور.
انظر: المنهل الروي (١/ أ).стр. 116
ثم إنهما لم يستوعبا الصحيح ولا التزما (١) ذلك. بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوعباه (٢) (أ).
قال الحافظ أبو عبد الله ابن الأخرم (٣) : لا يفوتهما من الصحيح إلا قليل (٤) الحواشي
(١) خلافًا لما عليه الدارقطني والحاكم حيث صنفا الإِلزامات والتتبع والمستدرك على الصحيحين. وخلافًا لما قاله ابن حبان حيث قال: ينبغي أن يناقش البخاري ومسلم في تركهما إخراج أحاديث هي من شرطهما.
انظر: قول ابن حبان في مقدمة مستدرك الحاكم، ص ١ - ٢. وفي فتح المغيث ١/ ٣١.(٢) قال أبو أحمد بن عدي: سمعت الحسن بن الحسين البزار يقول: سمعت إبراهيم بن معقل النسفي يقول: سمعت البخاري يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح وتركت من الصحيح حتى لا يطول. اهـ.
وقال مسلم: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ها هنا، إنما وضعت ما أجمعوا عليه. مقدمة الفتح، ص ٧؛ صحيح مسلم مع النووي ٤/ ١٢٢؛ مقدمة شرح مسلم للنووي، ص ١٦؛ فتح المغيث ١/ ٣؛ تدريب الراوي ١/ ٩٨؛ توضيح الأفكار ١/ ٥٠؛ المنهل الروي (١/ ب).(٣) هو الإِمام الكبير الحافظ أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن يوسف الشيباني النيسابوري ابن الأخرم، سمع خلائق لكنه ما رحل ولا سمع إلا بنيسابور قال الحاكم: كان صدر أهل الحديث ببلدنا بعد ابن الشرقي. مات سنة أربع وأربعين وثلاث مائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ٨٦٤؛ شذرات الذهب ٢/ ٣٦٨.(٤) انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٦؛ فتح المغيث ١/ ٣١؛ التدريب ١/ ٩٩؛ توضيح الأفكار ١/ ٥٤، وقال ابن حجر: والذي يظهر لي من كلامه - أعني ابن الأخرم - أنه غير مريد للكتابيين وإنما أراد مدح الرجلين بكثرة الاطلاع والمعرفة. أو نقول: سلمنا أن المراد الكتابان لكن المراد من قوله: (مما يثبت من الحديث) الثبوت على شرطهما مطلقًا.
انظر: النكت ١/ ٨٧ - ٨٨ بمعناه.стр. 117
والصحيح قول غيره: أنه فاتهما كثير (١) ، وتدل عليه المشاهدة.
قلت (ب): والصواب قول من قال: لا يخرج عن الكتب الخمسة التي هي أصول الإِسلام من الصحيح إلا اليسير (٢) ، وهي الصحيحان وسنن أبي (٣) داود والترمذي (٤) والنسائي (٥) ، والله (أ) أعلم.
الرابعة: جملة ما في صحيح البخاري سبعة آلاف حديث ومائتان الحواشي
(١) قاله ابن الصلاح، ص ١٦.
انظر أيضًا: فتح المغيث ١/ ٣٢؛ التدريب ١/ ٩٩؛ توضيح الأفكار ١/ ٥٤.(٢) قال ابن حجر: مراد النووي من أحاديث الأحكام خاصة، أما غير الأحكام فليس بقليل. النكت ١/ ٨٨؛ توضيح الأفكار ١/ ٥٥.(٣) هو الإِمام الثبت سيد الحفاظ سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي السجستاني، صاحب السنن، قال الصاغاني: لين لأبي داؤد الحديث كما لين لداود الحديد. ولد سنة إثنتين ومائتين وتوفي سنة خمس وسبعين ومائتين.
انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٩١؛ ووفيات الأعيان ٢/ ٤٠٤.(٤) هو الإِمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة السلمي الترمذي، مصنف الجامع، لم يكن بعد البخاري بخراسان مثله في العلم والحفظ والورع والزهد، بكى حتى عمى وبقي ضريرًا سنتين. مات سنة تع وسبعين ومائتين.
انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٢٣؛ ووفيات الأعيان ٤/ ٢٧٨.(٥) هو الحافظ الإِمام شيخ الإِسلام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني القاضي صاحب السنن، قال الدارقطني: النسائي مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره. توفي سنة ثلاث وثلاثمائة.
انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٩٨؛ ووفيات الأعيان ١/ ٧٧.стр. 118
وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة (١) . وبإسقاط المكرر: أربعة آلاف
وصحيح مسلم أيضًا نحو أربعة آلاف بإسقاط (٢) المكرر. والله أعلم. الحواشي
(١) يخالف إطلاق ابن الصلاح هذا القول تقييده له في شرح البخاري له "بالمسندة" ولفظه: جملة ما في صحيح البخاري من الأحاديث المسندة بالمكرر. فذكر العدة سواء. فأخرج بقوله: المسندة. الأحاديث المعلقة وما أورده في التراجم والمتابعة وبيان الاختلاف بغير إسناد مؤصل. مقدمة الفتح، ص ٤٦٥. واستدرك الحافظ على قائلي هذا القول بقوله: إن جميع أحاديث البخاري بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات على ما حررته وأتقنته سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعون حديثًا، فقد زاد على ما ذكره مائة حديث وإثنان وعشرون حديثًا، على أنني لا أدعي العصمة ولا السلامة من السهو. مقدمة الفتح، ص ٤٦٨؛ فتح المغيث ١/ ٣٤؛ التدريب ١/ ١٠٣؛ وتوضيح الأفكار ١/ ٦٠، تعليق أحمد شاكر على اختصار علوم الحديث، ص ٢٥. قلت: ويستدرك على الحافظ بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي لصحيح البخاري، فإن عدد أحاديث البخاري بلغ فيه إلى سبعة آلاف وخمسمائة وثلاثة وستون حديثًا.
انظر: صحيح البخاري المطبوع بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي ﵀.(٢) كذا قاله ابن الصلاح في مقدمته وتبعه أكثر من اختصر كتابه منهم النووي ﵀ في كتابه هذا وخالفهم ابن حجر ﵀ وحمل قولهم على التقليد والاسترواح وأثبت أن جميع ما في صحيح البخاري من المتون الموصولة بلا تكرير على التحرير ألفا حديث وستمائة حديث وحديثان.
ومن المتون المعلقة المرفوعة التي لم يوصلها في موضع آخر من الجامع مائة وتسعة وخمسون حديثًا، فجميع ذلك ألفا حديث وسبعمائة وأحد وستون حديثًا. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٦؛ مقدمة الفتح، ص ٤٧٧؛ فتح المغيث ١/ ٣٤؛ التدريب ١/ ١٠٣؛ الباعث الحثيث، ص ٢٥.
هذا ما يتعلق بصحيح البخاري، وأما ما يتعلق بصحيح مسلم فيخالف ما قاله ابن الصلاح وغيره ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي لصحيح مسلم، فإنه أثبت أن جميع ما فيه من المتون بلا تكرير ثلاثة آلاف وثلاثة وثلاثون حديثًا.
انظر: صحيح مسلم المطبوع بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي ﵀.стр. 119
ثم إن الزيادة في الصحيح على ما فيهما يعرف من كتب (أ) السنن المعتمدة (١) كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وأبي بكر (٢) بن خزيمة والدارقطني (٣) والحاكم (٤) أبي عبد الله وأبي (٥) حاتم ابن حبان وأبي بكر (٦) البيهقي وغيرهم منصوصًا على صحته فيها (ب). الحواشي
(١) قاله ابن الصلاح بناء على اختياره الآتي ذكره: أنه ليس لأحد أن يصحح في هذه الأعصار لتعذر الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد. مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٣ وأشار إليه العراقي في التقييد والإِيضاح، ص ٢٨.(٢) هو الحافظ إمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري، ولد سنة ٢٢٣، له مؤلفات منها كتاب التوحيد والصحيح توفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٢؛ البداية ١١/ ١٤٩.(٣) هو الحافظ الإِمام أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني المتوفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة صاحب التصانيف منها السنن وهو المراد هنا. كان إمام زمانه مطلقًا. تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٩١؛ وتاريخ بغداد ١٢/ ٣٤؛ اللباب ١/ ٤٨٣.(٤) هو الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه الضبعي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع، صاحب التصانيف، منها المستدرك على الصحيحين، عرف بهذا أكثر من سائر تصانيفه وهو المقصود هنا. توفي سنة خمس وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٣٩؛ تاريخ بغداد ٥/ ٤٧٣.(٥) هو الحافظ الإِمام أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التيمي كان من فطاحل المحدثين، صاحب التصانيف منها الصحيح وهو المقصود هنا، مات سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٢٠؛ اللباب ١/ ١٥.(٦) هو الإِمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخسرو جردي البيهقي، صاحب التصانيف الممتعة منها السنن الكبرى، وهو المراد هنا. توفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ودفن ببيهق وهي ناحية من أعمال نيسابور على يومين منها، وخسرو جرد هي أم تلك الناحية. تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٣٢؛ اللباب ١/ ٢٠٢.стр. 120
ولا يكفي في صحته كونه موجودًا في شيء منها إلا في كتاب من شرط أنه لا يأتي إلا بالصحيح ككتاب ابن خزيمة والكتب المخرجة على الصحيحين ككتابي أبوي (أ) بكر الإِسماعيلي (١) والبرقاني (٢) وكتاب أبي عوانة الاسفرائيني (٣) وغيرها (٤) (ب).
واعتنى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بضبط الزايد من الصحيح على ما في الصحيحين (ب) فجمعه في كتابه المستدرك ذكر ما ليس (٥) في واحد من الصحيحين مما رآه على شرطهما أو شرط أحدهما، أو أدى اجتهاده إلى الحواشي
(١) هو الإِمام الحافظ الثبت شيخ الإِسلام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإِسماعيلي نسبة إلى جماعة اسمهم إسماعيل، الجرجاني كبير الشافعية بناحيته من تصانيفه المستخرج على صحيح البخاري وهو المقصود هنا. مات سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٤٧؛ البداية ١١/ ٢٩٨؛ اللباب ١/ ٥٨.(٢) هو الإِمام الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد الخوارزمي البرقاني الشافعي شيخ بغداد صنف التصانيف وخرج على الصحيحين وهو المراد هنا، مات ببغداد سنة خمس وعشرين وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٣٩؛ تاريخ بغداد ٥/ ٣٧٣؛ اللباب ١/ ١٤٠.(٣) هو الإِمام الحافظ أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الإسفرائيني صاحب الصحيح المستخرج على صحيح مسلم وقد كان من الحفاظ المكثرين والأئمة المشهورين، توفي سنة ست عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ٧٧٩؛ البداية ١١/ ١٥٩؛ اللباب ١/ ٥٥.(٤) ما قاله المصنف غير مسلّم له. انظر للتفصيل لزامًا، ص ١٢٦؛ هامش رقم(٣) .(٥) بل ذكر أحاديث توجد في الصحيحين أو أحدهما.стр. 121
صحته، ومعنى كونه على شرطهما أنهما أخرجا لرواته في صحيحهما (١) ، والحاكم ﵀ متساهل (٢) في التصحيح معروف عند أهل العلم بذلك، والمشاهدة تدل عليه، فينبغي أن يقال: ما صححه ولم نجد لغيره من المعتمدين فيه تصحيحًا ولا تضعيفًا حكمنا بأنه حسن (٣) يحتج به إلا أن تظهر علة تضعفه. ويقاربه (٤) في حكمه صحيح أبي حاتم ابن حبان. والله أعلم. الحواشي
(١) من حكم لشخص بمجرد رواية البخاري ومسلم عنه في صحيحهما بأنه من شرط الصحيحين فقد غفل وأخطأ، بل ذلك متوقف على النظر في كيفية روايتهما عنه وعلى أي وجه اعتمدا عليه، كما هو حالهما في روايتهما عن عكرمة وسماك وهشيم والزهري، فتنبه.(٢) قد فصل الحافظ بن حجر والمعلمي القول في الحاكم ومستدركه فراجعه لزامًا فإنه مهم جدًا. النكت ١/ ١٠٣؛ التنكيل ١/ ٤٥٧.(٣) وعليه مشى بدر بن جماعة أيضًا في المنهل الروي (٢/ ب)، لكن الموجود في مقدمة ابن الصلاح: (إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن يحتج به ويعمل به. اهـ.). وظاهر كلام ابن الصلاح عدم الحصر في أحدهما وأنه جعل ما لم يكن مردودًا من أحاديثه دائرًا بين الصحة والحسن احتياطًا، وحينئذ فلم يتحكم بغير دليل. نعم جرسده باب التصحيح إلى عدم تمييز أحدهما من الآخر لاشتراكهما كما صرح به في الحجية. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٨؛ فتح المغيث ١/ ٣٦؛ وقال السيوطي: والعجب من المصنف كيف وافق ابن الصلاح هنا مع مخالفته له في المسألة المبني عليها. كما سيأتي. التدريب ١/ ١٠٧، قلت: أي ما يأتي في مسألة إمكان تصحيح الحديث وعدمه في هذه الأعصار، ص ١٣٤ - ١٣٥.(٤) يقصد بأن ابن حبان يقارب الحاكم في التساهل فالحاكم أشد تساهلًا منه وليس المقصود به ترجيح كتاب المستدرك على صحيح ابن حبان كما فهم البلقيني واعترض به على ابن الصلاح. قال الحازمي: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم. التقييد والإِيضاح، ص ٣٠؛ ومحاسن الاصطلاح، ص ٩٤؛ فتح المغيث ١/ ٣٧؛ التدريب ١/ ١٠٨؛ شروط الأئمة الخمسة، ص ٣٧.стр. 122
الخامسة: الكتب المخرجة على الصحيحين (١) لم يلتزم فيها موافقتهما (أ) في الألفاظ فحصل فيها تفاوت في اللفظ والمعنى. وكذا ما رواه البيهقي في السنن والبغوي (٢) في شرح السنة وغيرهما وقالوا فيه: رواه البخاري ومسلم أو أحدهما وقع فيه أيضًا تفاوت في اللفظ وفي بعضه في المعنى، فمرادهم أن البخاري ومسلمًا أخرجا أصله. فليس لأحد أن ينقل منها حديثًا ويقول: هو هكذا (ب) في الصحيحين إلا أن يقابله بالصحيحين أو يكون صاحب الكتاب قال: أخرجاه بلفظه (٣) .
وهذا بخلاف الكتب المختصرة من الصحيحين، فإن مصنفيها نقلوا فيها ألفاظ الصحيحين، لكن الجمع بين الصحيحين للحميدي (٤) يشتمل على زيادة تتمات لبعض الأحاديث وهي صحيحة الحواشي
(١) أشار إلى الكتب المخرجة على الصحيحين لأن الكلام متصل بهما وإلا فقد خرج الأئمة على غيرهما أيضًا. فح المغيث ١/ ٣٩؛ التدريب ١/ ١١٦؛ توضيح الأفكار ١/ ٦٩.(٢) هو الإِمام الحافظ أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفراء الشافعي صاحب "معالم التنزيل" و"شرح السنة" و"التهذيب" و"المصابيح" وغير ذلك، توفي بمدينة مرو الروذ سنة ست عشرة وخمسمائة. تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٥٧؛ البداية ١٢/ ١٩٣.(٣) فتح المغيث ١/ ٤٠؛ التدريب ١/ ١١٣؛ توضيح الأفكار ١/ ٧١.(٤) هو الإِمام الثبت الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن حميد الحميدي الأزدي الأندلسي الميورقي الظاهري، كان مكثرًا أديبًا ماهرًا عفيفًا نزهًا، مات سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢١٨؛ البداية ١٢/ ١٥٢، اللباب ١/ ٣٩٢.стр. 123
فربما غفل من لا يميز فنقل بعض تلك الزيادة عن الصحيحين فيغلط في إضافته إليهما (١) .
وللكتب المخرجة على الصحيحين فايدتان (٢) .
علو الإِسناد والزيادة في قدر الصحيح، فإنّ تلك الزيادات (أ) صحيحة (٣) لإِخراجها بإسناد الصحيح (والله أعلم) (ب).
قلت: وفائدة ثالثة وهي زيادة قوة الحديث بكثرة الطرق. والله أعلم.
السادسة: ما روياه (ج) في الصحيحين بالإِسناد المتصل فهو المحكوم الحواشي
(١) فتح المغيث ١/ ٤١؛ التدريب ١/ ١١٣؛ توضيح الأفكار ١/ ٧٦؛ والنكت ١/ ٩٢، وقد أطنب الحافظ في الكلام على الجمع بين الصحيحين للحميدي، فأجاد وأفاد. فراجعه لزامًا وكل من تكلم عن الجمع بعده فهو عيال عليه.(٢) لو قال ابن الصلاح: إن هاتين من فوائد المستخرجات. كان أحسن. فإن فيها غير هاتين الفائدتين. كما ذكر المصنف نفسه هنا وفي مقدمة شرح مسلم فائدة ثالثة. وأشار إليها العراقي وأوصل الحافظ بن حجر هذه الفوائد إلى عشرة ونقلها عنه الصنعاني كلها والسيوطي أكثرها وزاد عليها السخاوي في نكته فأوصلها إلى نحو العشرين. التقييد والإِيضاح، ص ٣٢؛ النكت ١/ ١١١؛ توضيح الأفكار ١/ ٧١؛ التدريب ١/ ١١٥؛ فتح المغيث ١/ ٤١.(٣) يجب أن يقيد هذا الكلام بشرط ثبوت الصفات المشترطة في الصحة للرواة الذين بين المخرج والرواق الذي اجتمعا فيه. وبه يستقيم الكلام لأن المستخرج لم يلتزم الصحة في ذلك وإنما جُلّ قصده العلو كما يظهر من مستخرج الإِسماعيلي وغيره. فتح المغيث ١/ ٤٠؛ التدريب ١/ ١٥.стр. 124
بصحته بلا شك (١) وهو مراد البخاري بقوله: ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح (٢) . ومراد العلماء بقولهم: جميع ما فيهما صحيح.
وأما ما حذف من (أ) مبتدأ إسناده (٣) واحد فأكثر فهذا وقع كثير (٤) منه في تراجم أبواب البخاري ووقع في مسلم منه قليل (٥) جدًا، منه قوله في التيمم (٦) . الحواشي
(١) مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٠؛ التدريب ١/ ١١٧.(٢) ذكر ابن حجر هذا القول مسندًا في المقدمة، ص ٧.(٣) وهو المعلق لأن الحذف وقع في أول الإِسناد. مقدمة الفتح، ص ١٧؛ فتح المغيث ١/ ٥٤؛ تدريب الراوي ١/ ١١٧؛ توضيح الأفكار ١/ ١٣٤.(٤) جملة ما في صحيح البخاري من التعاليق واحد وأربعون وثلاثمائة وألف حديث، وأكثرها مكرر مخرج في الكتاب أصول متونه وليس فيه من المتون التي لم تخرج في الكتاب ولو من طريق أخرى إلا مائة وستون حديثًا. ولكن وصلها ابن حجر في تأليف لطيف سماه التوفيق، وقد جمعها كلها في كتاب مستقل وتكلم فيه بشكل مفصل على كل حديث وسماه "تغليق التعليق" توجد له نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإِسلامية برقم ١١٠٣. مقدمة الفتح، ص ٤٦٩؛ التدريب ١/ ١١٧.(٥) قال النووي: الصحيح أن التعاليق الواردة في صحيح مسلم عددها اثنا عشر. اهـ. وكل حديث منها رواه متصلًا ثم عقبه بقوله: ورواه فلان. غير حديث أبي الجهيم فإنه لم يصله. يعني ليس في صحيح مسلم بعد المقدمة حديث معلق لم يصله إلا حديث أبي الجهيم. مقدمة شرح مسلم، ص ١٨؛ التقييد والإِيضاح، ص ٣٣؛ فتح المغيث ١/ ٥٢؛ التدريب ١/ ١١٧؛ توضيح الأفكار ١/ ١٣٧.(٦) صحيح مسلم مع النووي، كتاب الحيض، باب التيمم ٤/ ٦٣.стр. 125
: وروى الليث بن سعد (١) .
قال الشيخ: ينبغي أن نقول ما كان من هذا بصيغة الجزم، فهو حكم منه بصحته عن المضاف إليه (٢) . مثاله: قال رسول الله ﷺ كذا قال ابن عباس كذا، قال مجاهد (٣) كذا، قال عفان (٤) كذا، أو روى فلان كذا أو فعل كذا، وما أشبهه. فلن يستجيز إطلاق هذه العبارة إلا في صحيح. وأما ما لا جزم فيه، كروى (٥) عن النبي صلى الله الحواشي
(١) هو الإِمام المشهور الحجة الليث بن سعد بن عبد الرحمان الفهمي أبو الحارث فقيه مصر، توفي سنة خمس وسبعين ومائة. تذكرة الحفاظ ١/ ٢٢٤؛ البداية ١٠/ ١٦٦.(٢) أي إلى من علق عنه لأنه لا يجوز الجزم بذلك إلا فيما صح اتفاقًا من محققي المحدثين، مع عدم التزام كونه على شرطهما. لكن يبقى النظر فيمن أبرز من رجال ذلك الحديث فمنه ما يلتحق بشرطهما ومنه ما لا يلتحق والذي لا يلتحق بشرطهما فقد يكون صحيحًا على شرط غيرهما، وقد يكون حسنًا على شرط غيرهما، وقد يكون حسنًا صالحًا للحجة، وقد يكون ضعيفًا من جهة انقطاع يسير في إسناده لا من جهة قدح في رجاله. مقدمة الفتح، ص ١٧؛ مقدمة شرح مسلم، ص ١٩؛ المنهل الروي، ص ٥٢؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٧٣؛ فتح المغيث ١/ ٥٣؛ التدريب ١/ ١١٧.(٣) هو الإِمام مجاهد بن جبر أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي المقرئ المفسر الحافظ كان أحد أوعية العلم. توفي سنة ثلاث ومائة. تذكرة الحفاظ ١/ ٩٢؛ البداية ٩/ ٢٢٤.(٤) أبو عثمان الأنصاري مولاهم عفان بن مسلم البصري الصفار محدث بغداد ولد بعد الثلاثين ومائة. قال يحيى بن معين: أصحاب الحديث خمسة: مالك وابن جريج والثوري وشعبة وعفان. توفي سنة عشرين ومائتين. تذكرة الحفاظ ١/ ٣٧٩؛ شذرات الذهب ٢/ ٤٧.(٥) أي بصيغة البناء للمجهول.стр. 126
عليه وسلم كذا أو ذكر عنه أو يذكر أو يقال، أو يروى عن أبي هريرة (١) ، أو عن سعيد (٢) بن المسيب، أو ابن المبارك (٣) أو يذكر عنه، أو يحكى عنه، وما أشبهه، فهذا كله ليس فيه حكم بصحته (٤) عن المضاف إليه ومع هذا فإيراده في أثناء الصحيح يشعر بصحة أصله (٥) إيناسًا يركن إليه والله أعلم. الحواشي
(١) هو الإِمام الحافظ الفقيه أبو هريرة صاحب رسول الله ﷺ اسمه عبد الرحمان بن صخر على الأشهر وكان اسمه في الجاهلية عبد شمس كان من أوعية العلم ومن كبار أئمة الفتوى مع الجلالة والعبادة والتواضع، روى عنه ثمانمائة نفس أو أكثر. توفي سنة ثمان وخمسين. الإِصابة ٤/ ٢٠٢؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٣٢.(٢) هو الإِمام شيخ الإِسلام فقيه المدينة أبو محمد سعيد بن المسيب المخزومي أجل التابعين ولد لسنتين مضتا من خلافته عمرو سمع منه شيئًا وهو يخطب كان واسع العلم فقيه النفس وافر الحرمة متين الديانة قوّالًا بالحق، توفي سنة أربع وتسعين على الصحيح. تذكرة الحفاظ ١/ ٥٤؛ شذرات الذهب ١/ ١٠٢.(٣) هو الإِمام الحافظ العلامة شيخ الإِسلام فخر المجاهدين قدوة الزاهدين أبو عبد الرحمان عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم المروزي دون العلم في الأبواب والفقه وفي الغزو والزهد والرقائق وغير ذلك، مات سنة إحدى وثمانين ومائة. تذكرة الحفاظ ١/ ٢٧٤؛ شذرات الذهب ١/ ٢٩٥.(٤) قال ابن الصلاح إشارة إلى أن صيغة التمريض تستعمل في الصحيح كما تستعمل في الضعيف. وبه يبطل قول من اعترض على ابن الصلاح: بأنه حصر صيغة التمريض في الضعيف، كما ذكره العراقي. ولذا قال ابن حجر: صيغة التمريض لا تستفاد منها الصحة إلى من علق عنه لكن فيه ما هو صحيح وفيه ما ليس بصحيح.
التقييد والإِيضاح، ص ٣٥؛ مقدمة الفتح، ص ١٨؛ مقدمة شرح مسلم، ص ١٩؛ المنهل الروي، ص ٥٢؛ اختصار علوم الحديث، ص ٣٤؛ فتح المغيث ١/ ٥٣؛ التدريب ١/ ١٢٠؛ توضيح الأفكار ١/ ١٣٩.(٥) المنهل الروي، ص ٥٢؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٧٣؛ فتح المغيث ١/ ٥٣؛ التدريب ١/ ١٢١؛ توضيح الأفكار ١/ ١٤٠. =стр. 127
السابعة: الصحيح أقسام: أعلاها ما رواه البخاري ومسلم (١) ، الثاني ما انفرد (أ) به البخاري (٢) عن مسلم. الثالث: عكسه. الرابع: صحيح على شرطهما (٣) لم يخرجاه. الخامس: صحيح على شرط البخاري. السادس: صحيح على شرط مسلم. السابع: صحيح عند غيرهما ليس على شرط واحد منهما (٤) .
وإذا قالوا في حديث: هذا صحيح متفق عليه أو على صحته. فمرادهم اتفق البخاري ومسلم على روايته (ب)، لا يعنون اتفاق الأمة.
قال الشيخ ﵀ لكن اتفاق الأمة حاصل من ذلك لأنها الحواشي
(١) أي بإسناده ومتنه معًا. كذا عند جمهور المحدثين. توضيح الأفكار ١/ ٨٧، لا يقال: أصحها ما رواه الكتب الستة، لأن من لم يشترط في كتابه الصحة لا يزيد تخريجه للحديث قوة. نعم ما اتفق الستة على توثيق رواته أولى بالصحة مما اختلفوا فيه وإن اتفق عليه الشيخان. التقييد والإِيضاح، ص ٤١.(٢) قال السخاوي: لأن شرطه أضيق. وقال السيوطي: وجه تأخره عما اتفقا عليه، اختلاف العلماء أيهما أرجح. فتح المغيث ١/ ٤٣؛ التدريب ١/ ١٢٢.(٣) يراد به رواتهما مع باقي شروط الصحيح. نزهة النظر، ص ٣١. وتأخر عما أخرجه أحدهما لتلقي الأمة بالقبول لكل من الصحيحين.
فتح المغيث ١/ ٤٣؛ التدريب ١/ ١٢٣.(٤) هذا التفاوت هو الأصل، أما لو رجح قسم على ما فوقه بأمور أخرى تقتضي الترجيح فإنه يقدم على ما فوقه إذ قد يعرض للموفق ما يجعله فائقًا. نزهة النظر، ص ٣٣؛ فتح المغيث ١/ ٤٣.стр. 128
اتفقت على تلقي ما روياه أو أحدهما بالقبول، سوى أحرف يسيرة تكلم (١) عليها بعض الحفاظ كالدارقطني وغيره (٢) وهي معروفة.
قلت: وقد أجاب عن تلك (٣) الأحرف آخرون. الحواشي
(١) وكذا ما لم يقع التجاذب بين مدلولي الحديث مما وقع في صحيحي البخاري ومسلم حيث لا ترجيح، لأنه يستحيل أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر. وهو احتراز حسن. مقدمة الفتح، ص ٣٤١؛ نزهة النظر، ص ٢٦؛ التدريب ١/ ١٣٣.(٢) وكأبي مسعود الدمشقي وأبي علي الغساني الجياني في كتابه تقييد المهمل في جزء العلل منه.
انظر: تقييد المهمل من الجزء السابع (١١٤/ ب) إلى نهاية الجزء العاشر (/ ١٩٠)؛ وكتاب الدارقطني معروف بالإِلزامات والتتبع وهو مطبوع. والأحاديث التي انتقدت على البخاري ومسلم بلغت مائتي حديث وعشرة أحاديث، انفرد البخاري منها بتخريج ثمانية وسبعين حديثًا. وانفرد مسلم منها بتخريج مائة حديث. والذي اشتركا في تخريجه هو إثنان وثلاثون حديثًا. مقدمة الفتح، ص ١٢ و ٣٤٦، قلت: وقد أجاب ابن حجر عن هذه الاستدراكات كلها حديثًا حديثًا في مقدمة الفتح، ص ٣٤٨؛ والنووي في شرح مسلم في مواضعها.(٣) هذا القول موافق لما قاله المصنف في شرح البخاري حيث قال: قد استدرك الدارقطني على البخاري ومسلم أحاديث فطعن في بعضها، وذلك الطعن بني على قواعد لبعض المحدثين ضعيفة جدًا مخالفة لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول وغيرهم فلا تغتر بذلك. انتهى كلامه كما نقله الحافظ في المقدمة، ص ٣٤٦.
وقال في مقدمة شرح مسلم: وقد أجيب عن كل ذلك أو أكثره، ص ٢٧. قال ابن حجر: سيظهر من سياقها والبحث فيها على التفصيل أنها ليست كلها كما قال النووي في شرح البخاري. بل قوله في شرح مسلم: وقد أجيب عن كل ذلك أو أكثره.
هو الصواب، فإن منها ما الجواب عنه غير منتهض. مقدمة الفتح، ص ٣٤٦.стр. 129
قال الشيخ: فما اتفقا (١) عليه أو انفرد به أحدهما فجميعه مقطوع بصحته والعلم اليقيني (٢) حاصل به، لأن الأمة أجمعت (أ) عليه وهي الحواشي
(١) أي البخاري ومسلم.(٢) اختلفوا في الحديث الصحيح: هل يوجب العلم اليقيني أو الظن؟ وهي مسألة دقيقة تحتاج إلى تحقيق، وقد تكلم أحمد شاكر ﵀ على هذه المسألة في الباعث الحثيث. كلامًا جيدًا مفيدًا فأنقله هنا برمته:
فأما الحديث المتواتر لفظًا أو معنى فإنه قطعي الثبوت، لا خلاف في هذا بين أهل العلم.
وأما غيره من الصحيح، فذهب بعضهم إلى أنه لا يفيد القطع، بل هو ظني الثبوت، وهو الذي رجحه النووي في التقريب. وذهب غيرهم إلى أنه يفيد العلم اليقيني. وهو مذهب داود الظاهري، والحسين بن علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحاسبي وحكاه ابن خويز منداد عن مالك. وهو الذي اختاره، وذهب إليه ابن حزم، قال في الأحكام: أن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله ﷺ يوجب العلم والعمل معًا. ثم أطال في الاحتجاج له والرد على مخالفيه في بحث نفيس (ج ١ ص ١١٩، ١٣٧).
واختار ابن الصلاح: أن ما أخرجه الشيخان في صحيحهما أو رواه أحدهما: مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به. واستثنى من ذلك أحاديث قليلة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ، كالدارقطني وغيره وهي معروفة عند أهل هذا الشأن.
هكذا قال في كتابه "علوم الحديث" ونقل مثله العراقي في شرحه على ابن الصلاح عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي وأبي نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف، ونقله البلقيني عن أبي إسحاق وأبي حامد الإِسفرائينيين، والقاضي أبي الطيب والشيخ أبي إسحاق الشيرازي من الشافعية وعن السرخسي من الحنفية، وعن القاضي عبد الوهاب من المالكية، وعن أبي يعلي وأبي الخطاب وابن الزاغوني من الحنابلة، وعن أكثر أهل العلم من الأشعرية، وعن أهل الحديث قاطبة، وهو الذي اختاره الحافظ ابن حجر وابن كثير. =стр. 130
معصومة في إجماعها من الخطأ خلافًا لمن قال: لا يفيد إلا الظن، وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليها العمل بالظن (١) .
وهذا الذي اختاره الشيخ خلاف الذي اختاره المحققون (٢) الحواشي
(١) قال ابن حجر: وما قيل من أنهم إنما اتفقوا على وجوب العمل به لا على صحته ممنوع، لأنهم اتفقوا على وجوب العمل بكل ما صح ولو لم يخرجه الشيخان، فلم تكن للصحيحين في هذا مزية، والإِجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة. نزهة النظر، ص ٢٧؛ النكت ١/ ١٦٦؛ التدريب ١/ ١٣٣.(٢) قلت: هذا الذي حكاه النووي عن المحققين ليس بمتجه كما تقدم قريبًا أما عن الأكثرين فنعم. وقال ابن حجر: وخالف ابن الصلاح في ذلك من ظن أن =стр. 131
والأكثرون والله أعلم.
الثامنة: قال الشيخ ﵀: إذا وجدنا فيما يروي من الأجزاء (١) وغيرها حديثًا صحيح الإِسناد ولم نجد لأحد من الأئمة المعتمدين نصًا على صحته فلا نحكم بصحته (٢) .
فقد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الإِسناد. فآل (أ): الأمر في معرفة الصحيح والحسن إلى ما نص على صحته (ب) أئمة الحديث في تصانيفهم المشهورة التي يؤمن فيها لشهرتها التغيير (٣) . الحواشي
(١) قال الدهلوي: الجزء في اصطلاح المحدثين تأليف الأحاديث المروية عن رجل واحد من الصحابة التابعين وغيرهم، كجزء حديث أبي بكر ﵁ وجزء حديث مالك وقس عليها. أو عن موضوع واحد على سبيل البسط والاستقصاء، مثل جزء رفع اليدين في الصلاة للبخاري وجزء القراءة خلف الإِمام، له أيضًا. العجالة النافعة، ص ٤٨، وهامش التدريب ١/ ١٤٢.(٢) بل ولا بحسنه أيضًا كما يدل عليه قول ابن الصلاح: فآل الأمر إذًا في معرفة الصحيح والحسن إلى الاعتماد على ما نص عليه أئمة الحديث في تصانيفهم. اهـ. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣.(٣) اقتصر ابن الصلاح في التصحيح والتحسين على ما نص عليه الأئمة في تصانيفهم المعتمدة التي يؤمن فيها لشهرتها من التغيير والتحريف محتجًا بأنه ما من إسناد إلا وفي روايته من اعتمد على ما في كتابه عريًا عن الضبط والاتقان. انتهى ملخصًا من مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣. =стр. 132
وهذا الذي قاله الشيخ ﵀: فيه احتمال ظاهر، وينبغي أن يجوز التصحيح لمن تمكن في معرفة ذلك ولا فرق في إدراك ذلك بين أهل الأعصار بل معرفته في هذه الأعصار أمكن لتيسر طرقه (١) . والله أعلم.
التاسعة: من أراد العمل أو الاحتجاج بحديث من كتاب فطريقه أن يأخذه (أ) من نسخة معتمدة قد قابلها هو أو ثقة بأصول صحيحة متعددة الحواشي
(١) خالف ابن الصلاح في هذه المسألة كل من جاء بعده، وقالوا: يجوز التصحيح للمتبحر في هذا الشأن بطرقه التي تظهر له.
وقال العراقي: ما رجحه النووي هو الذي عليه عمل أهل الحديث. اهـ. التقييد والإِيضاح، ص ٢٣؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٦٧؛ المنهل الروي، ص ٥١؛ فتح المغيث ١/ ٤٤؛ التدريب ١/ ١٤٣؛ اختصار الحديث، ص ٢٨؛ محاسن الاصطلاح، ص ٨٩.
وقد رد الحافظ على ابن الصلاح في هذا الرأي من خمسة أوجه فراجعه لزامًا فإنه كلام علمي لم يسبق إليه. النكت ١/ ٥٦؛ توضيح الأفكار ١/ ١١٧.стр. 133
مروية بروايات متنوعة ليحصل له مع اشتهار هذه الكتب الثقة بصحة ما اتفقت عليه تلك الأصول كذا قال (أ) الشيخ ﵀ هنا (١) ، وهذا محمول على الاستحباب ولا يشترط (٢) تعداد النسخ وتنوع الروايات، فإن الأصل الصحيح تحصله به الثقة (٣) وسيأتي هذا مبسوطًا في آخر النوع الرابع والعشرين (٤) . إن شاء تعالى. والله أعلم (ب). الحواشي
(١) مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥.(٢) استدل العراقي لرأي النووي هذا بقول ابن الصلاح في نوع الحسن عند الكلام عن سنن الترمذي أن نسخه تختلف في قوله: حسن أو حسن صحيح ونحو ذلك. قال: فينبغي أن تصحح أصلك بجماعة أصول وتعتمد على ما اتفقت عليه. قال العراقي: فقوله: ينبغي. هنا يعطي عدم اشتراط. وقال ابن حجر: ليس بين كلاميه مناقضة، لأن هذه العبارة تستعمل في اللازم أيضًا، ومثل الصنعاني له بحديث: إن هذه الصدقة لا تنبغي لآل محمد.
قلت: وكلام العراقي في شرح الألفية يؤمي إلى ضعف ما قاله هنا، ولهذا قال السخاوي وزكريا الأنصاري: قد يفرق بين المقامين بمزيد الاحتياط للعمل والاحتجاج دون الرواية. التقييد والإِيضاح، ص ٤٣؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٣٢؛ النكت ١/ ١٧٩؛ وتوضيح الأفكار ١/ ١٥٢؛ التبصير والتذكرة ١/ ٢٨؛ فتح المغيث ١/ ٥٩؛ فتح الباقي ١/ ٨٢.(٣) المنهل الروي، ص ٥٣؛ فتح المغيث ١/ ٥٩؛ التدريب ١/ ١٥٠؛ توضيح الأفكار ١/ ١٥١.(٤) ص ٤٢١.стр. 134
النوع الثاني:
الحسن وفيه مسائل:
الأولى في حده، قال أبو سليمان الخطابي (١) ﵀: الحديث عند أهله ثلاثة أقسام. صحيح وحسن وضعيف فالحسن ما عرف مخرجه (أ) واشتهر رجاله وعليه مدار أكثر الحديث (٢) وهو الذي يقبله أكثر العلماء وتستعمله (ب) عامة الفقهاء (٣) هذا كلام الخطابي. الحواشي
(١) هو الإِمام العلامة المحدث الرحال حمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي صاحب التصانيف، قال اسمي الذي سميت به "حمد" ولكن الناس كتبوه "أحمد" فتركته عليه. توفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠١٨؛ البداية ١١/ ٣٢٤.(٢) لأن غالب الأحاديث لا تبلغ رتبة الصحيح، فتح المغيث ١/ ٧٨؛ التدريب ١/ ١٥٤، قال ابن جماعة: فالمدلس إذا لم يبين والمنقطع ونحوه مما لم يعرف مخرجه. المنهل الروي، ص ٥٣.(٣) معالم السنن للخطابي ١/ ١١.
قال ابن جماعة: في هذا التعريف نظر، لأن الصحيح أو أكثره كذلك فيدخل الصحيح في حد الحسن وكذلك يرد على هذا التعريف ضعيف عرف مخرجه واشتهر رجاله. المنهل الروي، ص ٥٣ - ٥٤. الخلاصة، ص ٣٩؛ الاقتراح، ص ١٦٣.
قلت: يتوجه هذا الاعتراض على الخطابي أن لو كان عرف الحسن فقط أما وقد =стр. 135
وقال أبو عيسى الترمذي: إنه يريد بالحسن أن لا يكون في إسناده من يتهم، ولا يكون حديثًا شاذًا، ويروي من غير وجه نحوه (١) . الحواشي
(١) سنن الترمذي ٥/ ٥١؛ شرح علل الترمذي ١/ ٣٤٠.
أورد ابن جماعة على هذا التعريف من ناحيتين:
أولًا: يدخل في هذا التعريف الصحيح لأن حاله كذلك.
ثانيًا: يخرج من هذا الحد، الفرد من الحسن فإنه لم يرو من وجه آخر المنهل الروي، ص ٥٣، ويجاب عن الأول: أن الترمذي ميز بين الحسن والصحيح، حيث شرط في رجال الحسن أن يكونوا غير متهمين بالكذب وهو دليل على كونهم نازلين عن رجال الصحيح، لأن الثقة الحافظ لا يوصف عادة في عرف المحدثين بأنه غير متهم بالكذب فقط، بل يوصف بالعدالة والضبط، وقول الترمذي: ويروى من غير وجه، قرينة قوية على مراده في صفات رجال الحسن، وإلا لو حملنا صفة رجاله على صفة رجال الصحيح للزم من زيادة هذا القيد أن يكون الحسن أقوى من الصحيح والمعلوم خلافه، لأنه لم يشترط في الصحيح مجيئه من غير وجه. توضيح الأفكار ١/ ١٦٠؛ شرح الترمذي لابن سيد الناس (٥/ أ)؛ التدريب ١/ ١٥٥؛ حاشية نور الدين عثر على مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٧.
ويجاب عن الثاني: أن الترمذي لم يعرف الحسن مطلقًا وإنما عرف بنوع خاص منه وقع في كتابه. وهو ما يقول فيه: حسن من غير صفة أخرى، وذلك أنه يقول في بعض الأحاديث، حسن، وفي بعضها: صحيح، وفي بعضها: غريب، وفي بعضها: حسن صحيح، وفي بعضها: حسن غريب، وفي بعضها: صحيح غريب، وفي بعضها: حسن صحيح غريب، وتعريفه إنما وقع على الأول فقط. وعبارته ترشد إلى ذلك حيث قال في آخر كتابه: وما قلنا في كتابنا: حديث حسن فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا. إذ كل حديث يروى لا يكون راويه متهمًا بكذب، ويروى من غير وجه نحو ذلك، ولا يكون شاذًا، فهو عندنا "حديث حسن". =стр. 136
وقال بعض (١) المتأخرين: الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل هو الحسن ويصلح للعمل به.
قال الشيخ (٢) ﵀: وكل هذا مستبهم. وقد اتضح لي من كلام الأئمة: أن الحسن قسمان. الحواشي
(١) أراد به ابن الجوزي، انظر: الموضوعات له ١/ ٣٥.
أورد ابن جماعة على هذا الحد أيضًا من وجهين:
أولًا: قال: هذا الحد يتوقف على معرفة الضعف القريب المحتمل وهو أمر مجهول.
ثانيًا: قال: هذا الحد يستلزم الدور، لأنه عرفه بصلاحيته للعمل به وذلك يتوقف على معرفة كونه حسنًا. المنهل الروي، ص ٥٤؛ فتح المغيث ١/ ٦٦؛ الاقتراح، ص ١٦٨.
أجاب الطيبي عن الاعتراض الأول حيث قال: هذا القول مبني على أن معرفة الحسن موقوفة على معرفة الصحيح والضعيف، لأن الحسن وسط بينهما، فقوله: قريب أي قريب مخرجه إلى الصحيح لكون رجاله مستورين فالضعيف هو الذي بعد عن الصحيح مخرجه واحتمل الصدق والكذب. الخلاصة، ص ٤١؛ التدريب ١/ ١٥٧.
وأجيب عن الإِيراد الثاني، أن قول ابن الجوزي: ويعمل به. ليس من تمام الحد، بل زائد عليه لإِفادة أنه يجب العمل بالحسن كالصحيح، ويدل على ذلك أنه فصله من الحد حيث قال: ما فيه ضعف قريب محتمل فهو الحديث الحسن ويصلح البناء عليه والعمل به. وعلى هذا فيندفع الدور. الخلاصة، ص ٤١؛ التدريب ١/ ١٥٧.(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٧.стр. 137
أحدهما: أنه الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور (١) لم تتحقق أهليته، وليس مغفلًا كثير الخطأ، فيما يرويه، ولا ظهر منه (أ) تعمد (*) الكذب في الحديث ولا سبب آخر مفسق، ويكون متن الحديث قد عرف بأن (ب) روى مثله (٢) أو نحوه (٣) من وجه آخر.
القسم الثاني: أن يكون راويه (ج) من المشهورين بالصدق والأمانة ولم يبلغ درجة رجال الصحيح لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإِتقان، إلا أنه يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به منكرًا (٤) . وعلى القسم الأول ينزل كلام الترمذي، وعلى الثاني كلام الخطابي. فذكر كل واحد ما رآه مشكلًا فحسب. ولا بد في القسمين من (د) سلامته من الشذوذ (٥) الحواشي
(١) المستور: هو الذي لم تتحقق عدالته ولا جرحه، أو من روى عنه اثنان فصاعدًا ولم يوثق فهو مجهول الحال، وهو المستور. أو الذي لم ينقل فيه جرح ولا تعديل أو نقلا لكن لم يترجح أحدهما. فتح المغيث ١/ ٣٠٠؛ وتوضيح الأفكار ١/ ١٦٣.(٢) المثل: هو ما يساوي حديثًا آخر في لفظه أو معناه. توضيح الأفكار ١/ ١٦٣.(٣) النحو: هو ما يقارب حديثًا آخر في معناه. المصدر السابق آنفًا.(٤) هو ما رواه الضعيف مخالفًا الثقات. أو هو رواية من فحش غلطه أو كثرت غفلته أو ظهر فسقه فحديثه منكر - على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة. نزهة النظر، ص ٣٥؛ اجتناء الثمر، ص ٢٢.(٥) الشذوذ: هو رواية الثقة مخالفًا لمن هو أرجح منه. نزهة النظر، ص ٣٥؛ اجتناء الثمر، ص ٣٣.
(*) لو قال المصنف: ولم يتهم بالكذب. لكان أولى. فتدبر.стр. 138
والتعليل (١) . والله أعلم.
الثانية: الحسن وإن كان دون الصحيح على ما تقدم من حديهما. فهو كالصحيح في أنه يحتج (٢) به. ولهذا لم تفرده طائفة (٣) من أهل الحديث، بل جعلوه مندرجًا في نوع الصحيح وهو الظاهر من كلام الحاكم أبي عبد الله في تصرفاته (٤) وفي تسميته (٥) كتاب الترمذي الجامع الحواشي
(١) المعلل هو: ما فيه علة خفية قادحة كأن يكون، مرويًا على سبيل التوهم ويطلع عليه بالقرائن، وتحصل معرفته بكثرة التتبع وجمع الطرق. نزهة النظر، ص ٤٥؛ اجتناء الثمر، ص ٣٣، وقد استشكل ابن جماعة على القسم الأول من تعريف ابن الصلاح بالحديث الضعيف والمنقطع والمرسل الذي في رجاله مستور وروى مثله أو نحوه من وجه آخر.
وعلى القسم الثاني بالحديث المتصل الذي اشتهر راويه بما ذكر فإنه كذلك وليس بحسن في الاصطلاح. المنهل الروي، ص ٥٤؛ التدريب ١/ ١٥٩، وقد أطال الطيبي في الرد على هذين الاعتراضين فراجعه. الخلاصة، ص ٤٢.(٢) المنهل الروي، ص ٥٤؛ الخلاصة، ص ٤٣؛ الباعث الحثيث، ص ٣٧؛ فتح المغيث ١/ ٦٨، قال ابن حجر: لم أر من تعرض لتحرير المراد بالحديث الحسن الذي اتفقوا فيه على الاحتجاج به، والذي يظهر لي أن دعوى الاتفاق إنما تصح على الأول - الحسن لذاته - دون الثاني - الحسن لغيره - وعليه يتنزل قول ابن الصلاح: أن كثيرًا من أهل الحديث لا يفرق بين الحسن والصحيح.
وكذا قوله: إن الحسن إذا جاء من طرق ارتقى إلى الصحة. النكت ١/ ١٩٩؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٣٦، ٣١.(٣) المراد به الحميدي والذهلي شيخا البخاري وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحهما النكت ١/ ٢٧٤؛ التدريب ١/ ١٦٠.(٤) أي في مستدركه.(٥) انظر: مقدمة شرح الترمذي لابن سيد الناس (٥/ ب): ومقدمة تحفة الأحوذي ص ١٨١.
وانظر: نحوه عن يوسف بن أحمد في شرح الإِمام (٥/ ب).стр. 139
الصحيح. وأطلق الخطيب (١) أبو بكر الحافظ البغدادي اسم الصحيح (٢) على كتاب الترمذي والنسائي. وذكر الحافظ أبو الطاهر السلفي (٣) الكتب الخمسة وهي الصحيحان وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، وقال: اتفق على صحتها علماء الشرق والغرب (٤) وهذا تساهل (٥) لأن فيها ما صرحوا بأنه ضعيف أو منكر أو شبهه. والترمذي مصرح (أ) في كتابه الحواشي
(١) هو الحافظ الكبير الإِمام محدث الشام والعراق أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد البغدادي، صاحب التصانيف. مات سنة ثلاث وستين وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ١٣٥؛ والبداية ١٢/ ١٠١.(٢) انظر: مقدمة شرح الترمذي لابن سيد الناس (٥/ ب) ومقدمة التحفة، ص ١٨١؛ وشرح النسائي للسيوطي ١/ ٥.(٣) هو الحافظ العلامة شيخ الإِسلام أبو طاهر عماد الدين أو صدر الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم سلفة الأصبهاني الجروأني. مات سنة ست وسبعين وخمسمائة. تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٩٨؛ وفيات الأعيان ١/ ١٠٥؛ البداية ١٢/ ٣٠٧.(٤) قال البلقيني: قال السلفي هذا القول في شرح مقدمة معالم السنن له. محاسن الاصطلاح، ص ١١٦.
وانظر: قول السلفي في مقدمة شرح الترمذي لابن سيد الناس (٥/ ب)، وقال: وهذا محمولٌ منه على ما لم يصرح بضعفه فيها مخرجه وغيره. وفي التقييد والإِيضاح، ص ٦٢؛ وفتح المغيث ١/ ٨٣؛ والتدريب ١/ ١٦٥؛ وشرح النسائي للسيوطي ١/ ٥.(٥) وقال ابن حجر: ينبغي أن تحمل أقوال هؤلاء الأعلام على عدم التفريق عندهم بين الصحيح والحسن فإنما هو مقتضى كلامهم، وذلك لأن الكتب الثلاثة مشتملة على الأنواع الثلاثة من الحديث، لكن الصحيح والحسن فيه أكثر من الضعيف المردود، فحكموا للجميع بالصحة، بمقتضى الغلبة فلو كانوا ممن يرى التفرقة بين الصحيح والحسن لكانوا في حكمهم ذلك مخالفين للواقع لأن الصحيح الذي فيه، أقل من مجموع الحسن والضعيف فلا يعتذر عنهم بأنهم أرادوا الغالب، فاقتضى توجيه كلامهم أن يقال: إنهم لا يرون التفرقة بين الصحيح والحسن ليصح ما ادعوه من التسمية. النكت ١/ ٢٧٣، ٢٨٢.стр. 140
بانقسامه إلى صحيح وحسن وضعيف (١) . وكذلك (أ) صرح أبو داود بانقسام (ب) كتابه إلى هذه الأقسام (٢) كما سيأتي (٣) . إن شاء الله تعالى.
قلت: ومراد السلفي أن معظم الكتب (ج) الثلاثة سوى الصحيحين يحتج به (٤) والله أعلم (د) ..
الثالثة: قولهم: هذا حديث حسن الإِسناد أو صحيح الإِسناد. دون قولهم: حديث حسن أو حديث صحيح. لأنه قد يصح أو يحسن إسناده، ولا يصح ولا يحسن (هـ) لكونه شاذًا أو معللًا (٥) ، إلا أن المصنف المعتمد عليه إذا اقتصر على قوله: صحيح الإِسناد أو حسنه ولم يقدح فيه، فالظاهر من حاله حكمه بصحته وحسنه: لأن الأصل والظاهر السلامة من القدح (٦) . الحواشي
(١) انظره: في أبواب سنن الترمذي.(٢) لم ينص على هذا صراحة وإنما هو مفهوم كلامه في رسالته إلى أهل مكة، ص ٢٧. وفي مقدمة ابن الصلاح، ص ٣٣؛ واختصار علوم الحديث، ص ٤١.(٣) ص ١٤٩.(٤) النكت ١/ ٢٨٢؛ المنهل الروي، ص ٥٤؛ وشرح النسائي للسيوطي ١/ ٥، قول النووي هذا يوافقه ما نقلته قبل قليل عن ابن حجر ﵀ في تأويل قول السلفي ﵀.(٥) المنهل الروي، ص ٥٤؛ الخلاصة، ص ٤٣؛ فتح المغيث ١/ ٨٧؛ اختصار علوم الحديث، ص ٤٣؛ التدريب ١/ ١٦١.(٦) فتح المغيث ١/ ٨٧؛ النكت ١/ ٢٦٨، وفيه: فإذا كان قولهم: صحيح الإِسناد يحتمل وجود العلة وعدمها، ولم يتحقق العدم، فكيف يحكم له بالصحة. ثم =стр. 141
الرابعة: قول الترمذي وغيره (١) : هذا حديث حسن صحيح، فيه إشكال لاختلاف حديهما فكيف يجتمعان؟ .
وجوابه: أنه محمول على أنه روى بإسنادين أحدهما صحيح والآخر حسن (٢) .
قال الشيخ ﵀: ويحتمل أن يكون المراد بالحسن معناه اللغوي، وهوما تميل إليه النفس وتستحسنه (٣) .
الخامسة: قسم أبو محمد البغوي أحاديث كتابه المصابيح (٤) إلى صحاح وحسان مريدًا بالصحاح ما في الصحيحين أو أحدهما، وبالحسان ما في سنن أبي داود والترمذي أو شبههما. وهذا اصطلاح لا يعرف الحواشي
(١) أراد به - البخاري. النكت ١/ ٢٦٩.(٢) المنهل الروي، ص ٥٥؛ الخلاصة، ص ٤٤؛ اختصار علوم الحديث، ص ٤٣؛ نزهة النظر، ص ٣٣؛ فتح المغيث ١/ ٩٠؛ التدريب ١/ ١٦١.(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ٣٥، ويدل عليه ما رواه ابن عبد البر مرفوعًا: تعلموا العلم فإن تعلمه ذلك لله خشية، الحديث بطوله، وقال: هذا حديث حسن جدًا ولكنِ ليس له إسناد قوي، فأراد بالحسن حسن اللفظ قطعًا لأن في سنده كذابًا. ومتروكًا.
أما إطلاقه على أحاديث مروية في صفة جهنم والحدود والقصاص فباعتبار ما فيه من الوعيد والزجر بالأساليب البديعة. جامع بيان العلم ١/ ٥٥؛ محاسن الاصطلاح، ص ١١٤؛ التقييد والإِيضاح، ص ٦٠؛ التدريب ١/ ١٦٢. وقال ابن حجر: وأيضًا يحتمل أن تردد أئمة الحديث في حال ناقله اقتضى للمجتهد أن لا يصفه بأحد الوصفين، فكأنه قال: حسن عند قوم وصحيح عند قوم. النكت ١/ ٢٧١؛ نزهة النظر، ص ٣٣؛ التدريب ١/ ١٦٤.(٤) انظر: المصابيح ١/ ٢؛ طبعة بولاق ١٢٩٤ هـ.стр. 142
ولا هو صحيح. فقد تقدم أن هذه الكتب فيها الصحيح والحسن والضعيف والمنكر فكيف يجعل كلها حسانًا (١) .
السادسة: إذا كان راوي الحديث متأخرًا عن درجة الحافظ الضابط وهو مشهور بالصدق والستر فروى حديثه من غير (٢) وجه فقد اجتمعت له القوة من الجهتين فيرتفع حديثه من درجة الحسن إلى درجة (٣) الصحيح، كحديث محمد (٤) بن عمرو عن أبي سلمة (٥) عن أبي هريرة رضي الله الحواشي
(١) المنهل الروي، ص ٥٤؛ التقريب ١/ ١٦٥؛ التقييد والإِيضاح، ص ٥٥؛ الخلاصة، ص ٤٣؛ محاسن الاصطلاح، ص ١١١.
وقد انتصر للبغوي الحافظ ابن حجر والسخاوي والتاج التبريزي: بأنه يقول في قسم الحسان تارة: هذا صحيح وهذا ضعيف حسب ما يظهر له فإرادته بالحسان أحاديث السنن اصطلاح خاص له، إذ لو أراد به الاصطلاح العام ما نوعه.
وقال البلقيني والعراقي: إن البغوي لا يبين الصحيح من الحسن فيما أورده من السنن بل يسكت، ويبين الغريب والضعيف غالبًا، وإن في السنن أحاديث صحيحة ليست في الصحيحين، وباصطلاحه هذا تخرج عن ذلك لمرتبة الحسن وهو غير مراد. النكت ١/ ٢٤١؛ فتح المغيث ١/ ٨٢؛ محاسن الاصطلاح، ص ١١١؛ التقييد والإِيضاح، ص ٥٥؛ التدريب ١/ ١٦٥.(٢) أي نحو طريقه الموصوفة بالحسن عند التساوي أو الرجحان ولو من وجه واحد، وليس بلازم أن يتعدد طرقه. فتح المغيث ١/ ٧١؛ التدريب ١/ ١٧٥.(٣) معنى قوله: يرتفع حديثه من درجة الحسن إلى درجة الصحيح. أنه ملحق في القوة به لا أنه عينه، وإليه أشار ابن الصلاح بقوله: التحق بدرجة الصحيح فلا يرد عليه ما قال بدر ابن جماعة: فيه نظر، لأن حد الصحيح المتقدم لا يشمله، فكيف يسمى صحيحًا، مقدمة ابن الصلاح، ص ٣٢؛ الخلاصة، ص ٤٤؛ فتح المغيث ١/ ٦٨؛ فتح الباقي ١/ ٩٠.(٤) محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له أوهام، مات سنة خمس وأربعين ومائة. روى له الجماعة. التقريب ٢/ ١٩٦؛ الجرح والتعديل ٨/ ٣٠ - ٣١.(٥) أبو سلمة ابن عبد الرحمان بن عوف الزهري، المدني، قيل: اسمه عبد الله وقيل: =стр. 143
عنه أن رسول الله ﷺ قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلوة (١) .
فمحمد بن عمرو مشهور بالصدق والصيانة، وليس من أهل الاتقان فحديثه إذًا لم يتابع حسن. فلما روى حديثه هذا من أوجه (أ) أُخر انجبر عدم اتقانه فصار صحيحًا.
السابعة: قد يقال: نجد أحاديث محكومًا بضعفها مع أنها مروية من وجوه كثيرة (٢) كحديث الأذنان من الرأس (٣) وكراهة (ب) الماء الحواشي
(١) أخرجه البخاري في الجمعة ٢/ ٣٧٤، (ح) رقم ٨٨٧؛ ومسلم مع النووي ٣/ ١٤٣؛ في الطهارة باب السواك؛ وأبو داود في الطهارة ١/ ٤٠ (ح رقم ٤٦) كلهم من طريق الأعرج.
وأخرجه الإِمام أحمد من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة في السند ٢/ ٢٥٩، وهو مروي عن أم حبيبة ﵂ كما في مسند أبي يعلى.
انظر: مجمع الزوائد ٢/ ٩٧؛ وزوائد أبي يعلى للهيثمي (ج ١/ ٢٢/ ب) ورواه مسدد وابن أبي شيبة عن ابن الزبير ﵄.
انظر: المطالب العالية ١/ ١٠٧؛ ومصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٦٩.(٢) عن أبي أمامة وأبي هريرة وابن عمرو وابن عباس وعائشة وأبي موسى وأنس وسمرة بن جندب وعبد الله بن زيد ﵃.
انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/ ٤٧؛ وسنن الترمذي ١/ ٥٣.(٣) أخرجه أبو داود في الطهارة ١/ ٩٣ (ح رقم ١٣٣)؛ والترمذي في الطهارة، ١/ ٥٣ (ح رقم ٣٧)؛ وابن ماجه في الطهارة ١/ ٢٥٢ (ح رقم ٤٤٤) كلهم من طريق أبي أمامة ﵁. ورواه ابن ماجه عن عبد الله بن زيد وأبي هريرة ﵄ أيضًا. =стр. 144
المشمس (١) فهلا انجبر (٢) بعضها ببعض فصارت حسانًا كما تقدم في حده. والجواب أنه ليس كل ضعف يزول بمجيء الحديث من وجوه، بل ما كان الحواشي
(١) أخرجه العقيلي في الضعفاء مرفوعًا ٢/ ١٧٦، وقال: ليس في الماء المشمس شيء يصح مسند، إنما يروي فيه شيء عن عمر ﵁.
وأخرجه ابن عدي في الكامل من طريق خالد بن إسماعيل مرفوعًا، وقال: كان يضع الحديث على ثقات المسلمين وقال: ورواه وهب بن وهب أبو البختري وهو شر منه.
انظر: ٣/ ٩١٢.
وأخرجه الدارقطني من طريق عمرو بن محمد الأعسم مرفوعًا وقال: هو منكر الحديث، وأخرجه من طريق خالد بن إسماعيل وقال: هو متروك. ورواه موقوفًا على عمر ﵁ وسكت عنه.
انظر: السنن ١/ ٣٨ - ٣٩؛ والعلل الواردة في الأحاديث النبوية (ج ٤/ ٤٥/ ب) مصورًا عن دار الكتب المصرية بالجامعة الإِسلامية برقم ٢٢١؛ ورواه البيهقي من طريق خالد بن إسماعيل وذكر في الحديث كلام الأئمة المذكورين.
انظر: السنن له ١/ ٦، وقد استقصى الحافظ ابن حجر والشيخ الألباني طرق هذا الحديث مرفوعًا وموقوفًا وتكلما عليه كلامًا نفيسًا سيما الشيخ الألباني.
فانظر: التلخيص الحبير ١/ ٢٠ - ٢٢؛ ورواه الغليل ١/ ٥٠ - ٥٤.(٢) كلام المصنف مسلم في كراهة الماء المشمس أما في حديث: الأذنان ... الخ فلا، وقد تقدم الكلام عليهما آنفًا.стр. 145
ضعفه لضعف حفظ راويه الصدوق الأمين زال بمجيئه من وجه آخر (١) لدلالة ذلك على عدم اختلال ضبطه (٢) ، وكذا إذا كان الضعف لكونه مرسلًا زال بمجيئه من وجه آخر إما مسندًا وإما مرسلًا (٣) كما سيأتي (٤) في بابه إن شاء الله تعالى ووجهه ما ذكرناه.
وأما إذا كان الضعف لكون الراوي متهمًا بالكذب أو فاسقًا فلا ينجبر ذلك بمجيئه من وجه آخر (٥) .
الثامنة: كتاب الترمذي أصل في معرفة الحسن وهو الذي شهره (٦) وأكثر من ذكره في جامعه. ويوجد في كلام بعض مشايخه وطبقتهم كأحمد (٧) بن حنبل والبخاري وغيرهما. ونص الدارقطني في سننه على كثير من ذلك. وتختلف النسخ من كتاب الترمذي في قوله حسن أو حسن الحواشي
(١) بشرط أن لا يكون العاضد منحطًا عن الأصل. فتح المغيث ١/ ٧٠.(٢) قال ابن حجر: لم يذكر ابن الصلاح للجابر ضابطًا يعلم منه ما يصلح أن يكون جابرًا، أولا.
والتحرير فيه أن يقال: أنه يرجع إلى الاحتمال في طرفي القبول والرد فحيث بستوي الاحتمال فيهما، فهو الذي يصلح لأن ينجبر، وحيث يقوى جانب الرد فهو الذي لا ينجبر. النكت ١/ ٢٠٦.(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ٣١، ٤٩؛ المنهل الروي، ص ٥٥؛ فتح المغيث ١/ ٧١؛ التدريب ١/ ١٧٧.(٤) في مبحث المرسل، ص ١٧٠.(٥) المنهل الروي، ص ٥٥؛ الخلاصة، ص ٤٤؛ محاسن الاصطلاح، ص ١٠٧؛ فتح المغيث ١/ ٧١؛ التدريب ١/ ١٧٧.(٦) المراد بها شهرة نسبيته وإلا فقد اعترض على هذا القول بأن يعقوب بن شيبة تلميذ ابن المديني في مسنده وأبا علي الطوسي شيخ أبي حاتم الرازي في كتابه الأحكام أكثرا من قولهما: حسن صحيح. وأجاب البلقيني عن هذا: بأنه لم يشتهر ذلك كاشتهاره عن الترمذي؛ محاسن الاصطلاح، ص ١٠٩.(٧) هذا الكلام جاء على قاعدة اللف والنشر غير المرتب، فإن الإِمام البخاري من كبار مشايخ الترمذي كما لا يخفي على من له أدنى عناية بسننه. وأما الإِمام أحمد بن حنبل فليس هو من مشايخه ولا هو رآه، بل هو من طبقة مشايخه.следующие страницы →